← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

[وقول غيره: وشوَّقني ذكرُ الجليس إليكم ... فلمَّا التقينا كنتمُ فوق وَصْفِهِ وكل هذا استطراد (١)]. ثم أورد أبو ذر مِنْ نظمه، إلى أن قال: وقد نظر "شرح" والدي على "البخاري"، وكتب عليه أماكن غالبها وَصْلُ تعاليق، أو اعتراضٌ على الذي كتبه (٢) الكاتب، لا على ما في خط والدي، أو اعتراض على من نقل (٣) والدي عنه، وكذلك نظر "مصنَّفه" على "الميزان" وأورد إيرادات واردة على الحسيني، وأرَّخ وفاته. قال: وأراد الشيخ علم الدين صالح بن البلقيني أن يتقدم للصلاة عليه، فأشار السلطانُ إلى أمير المؤمنين، فتقدم وصلَّى، وختم بما أشيع أنه قاله قبل وفاته بيوم من الأبيات. [برهان الدين البقاعي] ومنهم: برهان الدين البقاعي، وهو وإن كان حالُه لا يخفى في السَّخط والرِّضا لكنِّي أردت حكاية كلامه في الجملة. فقرأت بخطه في جزءٍ له سمّاه "أسد البقاع النّاهسة لمعتدي المقادسة" ما صورته: ثمَّ رحلتُ مِنَ القدس الشريف يوم الأربعاء سادس صفر، سنة أربع وثلاثين، فدخلت القاهرة المحروسة يوم الثلاثاء تاسع عشريه، فسارعت للفوز بالتَّشريف برؤية مَنْ كانت الرِّحلة إليه، ولم يكن التَّعويل إلا عليه، شيخُ الإسلام، وطرازُ الأنام، علمُ الأئمة الأعلام، شهابُ المهتدين مِنْ أتباع كل إمام، حافظُ العصر. وأستاذُ الدهر، سلطانُ العلماء، وملكُ الفقهاء،

стр. 317

الذي إذا سلك بحر التَّفسير، كان التَّرجُمان، والآتي مِنْ فرائد فوائده بعقود الجُمان، أو ركب متن الحديث، كان أحمدَ الزَّمان. وأظهر من خفايا خفاياه ما لم يُسبق إليه أبو حاتم ولا ابن حِبّان. وإن تكلَّم في الفقه وأصوله، علم أنه الشافعيُّ، وأبرز من لوايا رواياه ما لم يتجاسر عليه الإمام ولا الرافعي، أو تيمم كلامَ العرب على اختلاف أنواعه، فسيبويه والمبرِّد، وإن عرض العَرُوضَ أو الأدب على انشعاب أنحائه، فالخليل بن أحمد. متى تحدَّث المتفنِّنُون بشيء مِنَ العلم، كان مالك قياده، وأستاذَ نُقَّاده. أبو الفضل شهاب الدين، قاضي القضاة بالديار المصرية والدول الأشرفية، خلّد اللَّه نِعَمَه وأبَّد سعادته وأيَّد هممه. فمثلت بين يديه بالمدرسة البيبرسية، فسمعتُ مِنْ حفظه "المسلسل بالأولية"، ثم كتبتُ إملاءه مع مَنْ كتب، ولازمتُ مجالسه، وكتابة مصنفاته ومحاضراته. ثم ذكر أشياء مما امتدحه بها، ليس هذا محلُّ إيرادها. وقال في موضع آخر: لما كانت الرِّحلة في العلوم دأب النُّبهاء، وكان المستحقَّ لها في هذا العصر والمنفرد بها علوًّا وبَهَاء، مولانا شيخُ الإسلام علامة الأنام، حافظ العصر، عين أهل الدهر، مَنْ سارت مصنفاتُه في جميع الآفاق، وكانت فتاويه وأماليه كالشمس في الإشراق، قاضي القضاة شهاب الدين أبو الفضل، بارك اللَّه في حياته، وأدام على أهل الأرض عظيم بركاته. وقال في موضع آخر: سيدنا ومولانا، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، علم الأئمة وإمام الأعلام، بَحْرُ الوجود، ومعدِنُ الجود، حافظُ العصر، وأستاذُ الدَّهر. وفي موضع آخر: علَّامة الدنيا، أطال (١) اللَّه بقاءه، وأدام إلى ذرى المجد ارتقاءه.

стр. 318

[نجم الدين بن فهد] ومنهم: محدِّث الحجاز، ومفيد الدنيا. نجم الدين عمر بن فهد الهاشمي، ولد الماضي، ﵀ وإيانا (١). فقرأت بخطه في "معجمه" (٢): الإمام العلامة علم الأعلام، عمدة المحققين، حافظ السنة بركة هذه الأمة، خاتمة الحُفَّاظ، ناقد الأسانيد والألفاظ، عين الأعيان، مفخرة الزمات من لم ترَ العيونُ كنظيره، قاضي القضاة شهاب الدين. إلى أن قال: وكان ﵀ فريدَ عصره، ونسيجًا وحده، وإمامَ وقته. انتهى إليه علمُ الأثرِ والمعرفةُ بالعللِ، وأسماء الرجال، وأحوالِ الرواة، والجرحِ والتعديلِ، والناسخ والمنسوخ، والمشكلات. تُشَدُّ إليه الرِّحال في معرفة ذلك. محققًا فصيحًا، شديدَ الذَّكاء المُفْرط، حسنَ التَّعبير، لطيف المحاضرة، حسنَ الأخلاق، متينَ الدِّيانة، عديم النَّظير، وعليه مِنَ الجلالة ما يليق به، وما لأحدٍ بعدَه إلى درجته وصول، ولسان الحال يقول: هيهات أن يأتي الزَّمانُ بمثله ... إنَّ الزَّمان بمثله لبخيلُ ونحوه: عَقِمَ النِّساء فما يلِدْنَ شبيهَه ... إنَّ النِّساء بمثله عقمُ (٣) وفضله أشهر مِنْ أن يُوصَفَ، وشعره أرق مِنَ النَّسيم، وقد سارت بفضائله وعلومه الرُّكبان، ورُحِلَ إليه مِنْ أقطار البُلدان، ومحاسنُه كثيرة، وهو أكبر مِنْ أن يُنَبِّه على سيرته مثلي. فلو حلفتُ بين الرُّكن والمقام،

стр. 319

وحُلِّفتُ: أني ما رأيتُ بعيني مثله، [ولم تر عينٌ] (١) من رآه مثله. ولا رأت عينُه مثل نفسه، لبَرَرْت. وما أجدرَهُ بقولِ الإمام الشافعي ﵁: قل لمن لم تر عينا ... مَنْ رآه (٢) مثله ومن كأنَّ من رآ ... هُ قد رأى من قبلَهُ وقد أنشدني شيخنا القطب أبو الخير محمد بن عبد القوي المكي لنفسه فيه قوله: أسْتَصْغِرُ النَّاس عند رؤيته ... لأنه لم ير له مَثَلا إلى أن قال: وكثُرَ الأسفُ عليه, لوفُور محاسنه، وكان موتُه مصيبةً يا لها من مصيبة عمَّت الأنام، وهدمت رُكن الإسلام، وأصمَّت المسامع، وأجرت المدامع، وإنها واللَّه لَمِنْ أعظم الفجائع، وأطَمِّ الوقائع، [فلقد انتقض السُّؤددُ بمصابه، وانثلم المذهب بذهابه] (٣). كان للإسلام والمسلمين سندًا، وللدين في هذا الوقت عَضُدًا، ولم يخلف في معناه مثله، ولقد كان للدنيا بوجوده الجمال والبهجة والفخر، وللناس به أُنْسٌ، ولهم منه فوائدُ جمَّة. ولا أعلم في المشرق والمغرب مَنْ كان يفهم هذا الشأن مثله، فلا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ورحمه اللَّه ورضي عنه. قلت: وهو المحرِّك لي لتبييض هذه الترجمة، فجزاه اللَّه خيرًا، وحلف لي مجتهدًا، أنه كان يودُّ لو عاش ويموت هو. قال: لأن موتي موتُ شخص واحدٍ. وصاحب الترجمة يموت به علم السُّنَّة. [وقد قال قائل: لَعمرُكَ ما الرَّزِيَّة هدمُ دارِ ... ولا فرسٌ يموتُ ولا بعيرُ

стр. 320

ولكنَّ الرزيَّةَ موتُ حُرٍّ ... يموتُ بفقده بشرٌ كثيرُ] (١) [ابن الشِّحنة] ومنهم: [جماعة بقيد الحياة في هذا الحين، وهو سنة ست وثمانين. منهم] (٢) العلامة أحد الأعيان (٣)، قاضي القضاة الحنفية الآن، المحب أبو الفضل ابن الشحنة، (كان اللَّه له) (٤). فقرأت بخطه في أوائل "شرحه على الهداية" في مذهبهم له ترجمةً مختصرة قال فيها: وألَّف في فنون الحديث كتبًا عجيبة، أعظمها "شرح البخاري"، وعندي أنه لم يَشرح "البخاري" أحدٌ قبله. فإنَّه أتى فيه بالعجائب والغرائب، وأوضحه غاية الإيضاح، وأجاب عن غالب الاعتراضات، ووجه كثيرًا ممَّا عَجَز غيرُه عن توجيهه. وبلغني عنه أنه قال: إنَّ أحسن مؤلفاتي، "الشرح"، و"تغليق التعليق"، و"اللسان". ومصنفاته تبلغ زيادة على مائة وخمسين، وطار صيته في الآفاق، وحصلت على انفراده في بابه كلمة الاتِّفاق. هذا مع الذكاء، وصفاء القريحة، وحُسَن الاستنباط، والنَّظم الحسن، والنُّكتة اللطيفة. وحُسن تسميته المصنَّفات، ولطف العبارة وانسجامها، وحلاوة المنطق، [وحسن المعاشرة والصحبة والتواضع. إلى أن قال: ولم يجتمع لأحدٍ في عصره ما اجتمع له من العلوم] (٥) والمحاسن، فكان أكمل أهل عصره حين موته، فيما يغلب على ظنِّي وأعتقده. ومحاسنه جمَّة، وترجمتُه لا يسعها هذا المكان. وقد أُفردت بالتأليف، لكني لم أقف على ذلك. وكأنه - نفع اللَّه به (٦) عنى تصنيفي

стр. 321

هذا، فما علِمْتُ غيري أفردها. ثم أخبرني بذلك صريحًا [حين قرأ عليَّ سبطُه كثيرًا من هذا الكتاب، وكذا ولده، لكن بعضه، كل ذلك بحضرته (١)] (٢). قال: ورافقته في بعض الأسفار، فرأيته يقومُ اللَّيلَ، وكان شيخي ورفيقي، فإني سمعتُ بقراءته على شيخنا الحافظ أبي الوفاء، وشيخ شيخي، فإنني أخذت شيئًا مِنْ نظم والدي عن القاضي علاء الدين ابن خطيبِ الناصرية، وابنُ خطيب النَّاصرية أخذ عنه. وكانت بيني وبينه مباسطات ومكاتبات، وكان يُكرِمُني ويُحسن إليَّ، رحمه اللَّه تعالى. وكتب لي مرة في عنوان كتاب بخطه: المحبي، شيخ الإسلام بالمملكة الحلبية. إلى أن قال: وكان رقيقَ الطَّبع ظريفًا لطيفًا، حسن الهيئة، له نُورانيةٌ، ووقعٌ في النفوس، ومحبَّة في القلوب، وكانت جنازتُه مشهودةً حافلة جدًا، حتى قيل لي: إنَّه لم يرَ أهلُ العصر مثلَها، ولا ما يقاربها، ﵀ وإيانا. [شهاب الدين بن الأخصاصي] ومنهم: الفاضل شهاب الدين بن الأخصاصي الدمشقي. فقرأت بخطه في مقدمة شيء عمله بعد أن سمعته مِنْ لفظه: وكان مِمَّن حاز قصبَ السَّبقِ إلى هذه المراتب العليَّة بالدِّيار المصرية، حاكم حكامها، ومالك زمامها، رُحْلة الزمان، اللَّاحق بالعلم والحلم لِمَنْ جارى بميدان الفرسان، علم الأعلام، وشيخ شيوخ الإسلام، حافظ الدهر، وفريد العصر، طويل الباع، مديد المناقب، بسيط الأيادي بالنَّدى المتقارب، فضله الوافر كامل بالحكمة وفصل الخطاب، وذهنُه المنسرحُ خفيفُ السِّباحة في بحور الآداب. شهدتْ له فُضلاء الممالك بالفضل البارع، فما له في

стр. 322

العصر مِنْ مضارع. أحلى مِنَ النبات لفظُه المكرَّر، وكم لَبِسَ مِنْ مُفَصَّلِ المديح ثوبًا محرر. خُلاصة خواصِّ العارفين، مولانا وسيدنا، قاضي القضاة، شهاب الدين، أدام اللَّه تعالى أيَّامه الزاهرة، وأفاض عليه ملابس نِعَمِه الفاخرة في الدنيا والآخرة، وزاده سناءً وسنًا، وأبقاه بقاءً حسنًا. [قطب الدين الخيضري] ومنهم القاضي قطب الدين الخيضري. فقرأت بخطه في كتابه المسمى "اللُّمع الألمعية لأعيان الشافعية" ترجمةً لصاحب الترجمة، وما أعلم أنَّه ذكر في كتابه مِنَ الأحياء غيره، قال: شيخُنا الإمام، شيخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، إمام الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، قدوة المحدِّثين، أستاذ المحققين، عُمدة المخرِّجين، علم الناقدين، محطُّ رحال الطالبين، ساقي الظِّماء (١) مِنْ صافي الماء المعين، لأنه البحر الذي لو رآه ابن معين، لصار فيه يعوم، أو البخاري، لكان للشُّرب منه يروم، ولو أدركه الدارقطني لحام حول حماه واستقطنه، أو الطبراني، لم يحلل من رحلته إلا عنده وكان استوطنه، لأنه حاملُ راية أهل الحديث بكَلِّها، وفارس ميادين علومه كُلِّها، لو اجتمع به ابن عساكر، لكان بعسكره مِنْ بعض جُنده، أو ابن مأكولا الأمير، لصار مِنْ أنصاره وذوي رفْدِه، ولو سمع به ابن السَّمعاني، لاستمع إلى كلامه، ولو لحقه ابنُ عبد البرِّ، لأقسم بارًّا أنه لا يتمهَّدُ في أحواله إلا بِدُرِّ نظامه. فهو صاحبُ المصنَّفاتِ التي سارت بها الرُّكبان غربًا ومشرقًا، والمؤلفات التي أضحى بها شهاب سعادته في أفق السماء مُشرقًا. إمام المحدثين، كنز المستفيدين، قاضي القضاة، أبو الفضل شهاب الدين. إلى أن قال: ولازم الاشتغال والإشغال والإفادة، وعرف العالي والنَّازل، وحفِظَ المُتون، ونظر في الرِّجال وطبقاتهم، ومعرفة تراجمهم، مِنْ

стр. 323

جَرْحٍ وتعديل، وحقَّق جميعَ أنواعِ هذه الصِّناعة وغيرها مِنْ فقه وأصول وعربيَّة، ومشاركة في فنونٍ كثيرة، حتى مَهَرَ وساد على الأقران. وأقرَّ له الأئمةُ مشايخُه بالفضل والإتقان، واغتبطوا بوجوده وانتفعوا بملازمته. حتى قال: وترقَّى وارتفعت درجته، واشتهر بالعلم التامِّ، والفضل الغزير، والذكاء المفرط، وتصدَّى للإفادة، وتفرد بالرِّئاسة، وشاع ذكرُه في الأقطار، واشتهر اسمه، وبعُدَ صيتُه، وتَبَجَّح الأئمَّةُ والفُضلاءُ مِنْ جميع النواحي بالرِّحلة إليه والأخذ عنه، وصار هو المرجوع إليه [والمعوَّلَ عند المشكلات عليه] (١)، ولا تركنُ النَّفسُ إلا إلى كلامه، ولا يَعتمِدُ النَّاسُ إلا على فتواه. وصار فريدَ الدُّنيا على الإطلاق فيما نعلم، وصنَّف التَّصانيف المفيدة البالغة في الإحسان، النافعة لكل إنسان. فذكر جملة منها. ثم قال: وبالجملة، فهو فَرْدُ زمانه، لم يَرَ مثل نفسه، ولا وقعت عيني على نظيره، ولا أظنُّ أنَّ الزمان فيما بَعْدُ يسمح بمثله: حَلَف الزَّمانُ ليأتيَّنَّ بمثله ... حنثت يمينك يا زمانُ فكفِّرِ هذا مع ما احتوى عليه مِنْ دينٍ وعبادة وتواضع وصيام وقيام، واتباع للسنة في جميع أحواله، وإحسانٍ كثير إلى المساكين والفقراء. إلى آخر كلامه. * * * ورأيت بخطٍّ مغربيٍّ جزءًا أفرده (٢) شيخَنا مذيَّلًا به على الحافظ ابن ناصر الدين في الحفاظ، فترجمه الكاتب بآخره، ابتدأ بتعيين مولده ووفاته، لكنه أخطأ فيهما، ثم قال: وكان أحدَ الأئمة الحُفَّاظ الذين بهم يُقتدى، وبمآثرهم يُهتدى، ومن يجب إليهم الانتها ويَحْسُنُ بهم الابتدا، وقد انتهت إليه رئاسة العلم في عصره، واشتهر في الآفاق، وانعقد على حفظه وفضله

стр. 324

الاتفاق، نوَّه غيرُ واحدٍ مِنَ المشايخ الأكابر يذكره بالثناء الجميل، وساق عنه مقطوعًا من شعره. قال: وله جملةُ تصانيف تزيد على المائة، غاية في الإجادة. وشعرُه كثير. وسمع من أشياخنا البرهان الشَّامي، والبلقيني، والعراقي، وابن الملقن، وغيرهم. وله "برنامج" حافل ذكر فيه من شيوخه وشيوخنا نحو ستمائة إنسان، عدا مَنْ تَحَمَّل عنه مِنَ الأقران، وترجمته كبيرة، ذكرتها في غير هذا. قدس اللَّه سره العزيز. انتهى. وما علمتُ مَنْ هذا المترجِم. وإن كان بآخر التصنيف ما نصه: أملاه اقتضابًا مِنْ خَط مؤلِّفه علي بن محمد العلوي المحمدي الغزالي القادري الشاذلي الموحدي. فاللَّه أعلم. [وعن بعضهم فيه: قُطعت إلى حضرته المراحل، وسارت بتصانيفه السُّفن والرَّواحل، وغدا بها الفارس والراجل. إلى غير ذلك مما يطول، ولا يستقصى به المقول] (١). قلت: وقد كنتُ عزمت على إيراد التعريف بهؤلاء المترجِمين، ليظهر ما خِفِيَ مِنْ أمرهم عند مَنْ شاء اللَّه مِنَ المهملين، ثم أضربت عن ذلك خوف الإطالة والسآمة والملالة. وقد بان لك بما أوردته مِنْ كلامهم أن صاحب الترجمة رحمه اللَّه تعالى، قد دخل في (١) طبقات (٢) الحُفَّاظ دخولًا متعيّنًا، ولذلك ألحقه فيما ذيل به على الذَّهبي بعضُ من أسلفت كلامَه مِمَّن أخذت عنه. وكذا يدخل في (٢) طبقات الأئمة الشافعية، وقد أدخله فيهم غيرُ واحدٍ كما علمته. وفي (٣) طبقات أئمة الأدب، وقد أورده فيهم البدر البشتكيُّ كما سبق. وفي (٤) أعيان العصر، بل هو أحدُ الأعيان، وقد ذكره المقريزيُّ كما تقدَّم فيهم. ولو تأخر الفاسي، لكتبه في "ذيل سير النبلاء"، وفي (٥) التاريخ المشتمل على الحوادث، وعلي وفيات كل مَنْ له ذكر مِنَ الأعيان وغيرهم.

стр. 325

وقد أدخله شيخُنا البدر العيني فيه، لكن لم يقع لي المجلد الأخير مِنْ "تاريخه" إلى الآن. وكذا ذكره غيرُه كما سلف. وفي (٦) قضاة مصر، وقد ترجم نفسه فيهم في مصنفه "رفع الإصر". وفي (٧) تاريخ مصر، وأظنُّ المقريزيَّ أدخله فيه، لكنه غاب عنّي الآن. وفي (٨) معجم الشيوخ، وقد ترجمه [في معجمه] (١) غيرُ واحد مِنْ أصحابنا، وكذا (٢) البقاعي. لكني لم أقف على كلامه بعد، نسأل اللَّه التوفيق. [وممَّن ذكره: الشهاب أحمدُ بن عبد اللَّه الطَّاوسي في "مشيخته"، فقال: الحافظ الإمام قاضي قُضاة الإسلام، مُسند بلاد مصر والشام، الشيخ شهاب الدين أبو الفضل ابن حجر. والعفيف محمد بن عبد الرحيم بن عبد الكريم الجُرْهي، والد نعمة اللَّه، وكلاهما من طلبته، فقال في "مشيخته": الإمام العلامة، الحافظ البارع، المتقن الضابط، الثقة المأمون، فلان. إمامٌ حافظٌ، متبحر في علم الحديث والأدب. وله تواليف بديعة] (٣). وفي (٩) المؤتلف والمختلف، وقد أدخله فيه بعض مَنْ قدَّمناهم، (١٠)، وأدخله ابنُ خطيب الناصرية في "تاريخ حلب"، والفاسي (١١) في "ذيل التقييد". فهذه زيادةٌ على عشرة أنواع مِنْ فنِّ التاريخ وقع إدخاله فيها. وكذا يتعيَّن إدخاله في الأذكياء والظُّرفاء والكتَّاب. وقد سبقني لما أشرت إليه الجاحظُ، فقال في ترجمة أبي الأسود الدؤلي: كان معدودًا في طبقات مِنْ النَّاس، مقدمًا في كل منها، كان يُعَدُّ في التَّابعين، وفي الشًّعراء، والفقهاء، والمحدثين، والأشراف، والفرسان،

стр. 326

والأمراء والنُّحاة، والحاضرين الجواب، والشِّيعة، والصُّلْع، والبُّخْرِ، والبخلاء. انتهى. وللَّه در القائل: والناس أكيسُ مِنْ أن يَحْمَدوا رجلًا ... حتى يروا عنده آثار إحسان (١) وأنشد بعضهم: إذا سمعتَ كثيرَ المدحِ عَنْ رجل ... فانظر بأيِّ لسانٍ ظلَّ ممدوحَا فإن رأى ذلك أهلُ الفَضْلِ فارضَ له ... ما قِيلَ فيه، وخُذْ بالقولِ تصحيحَا أو لا فما مدحُ أهلِ الجهل رافِعَه ... وربما كان ذاك المدحُ تجريحَا وقال بعضهم: ثناؤك المشهورُ مسكٌ إذا ... ما فاح بين النَّاس لم يُكْتَمِ يُغني فتاة الحيِّ عَنْ عِطرها ... ويُوقع المُحْرِمَ في مَغْرَمِ وقال آخر: والنَّاسُ ألفٌ منهمُ كواحدٍ ... وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عَنَا

стр. 327

فصل وإذا انتهى ما وقفنا عليه مِنْ هذا الباب، مِنْ ثناء الشُّيوخ والطلبة والأصحاب، فلنَفِ بما وعدنا به أولًا مجملًا ومفصلًا، فأقول: [الناقلين عن ابن حجر في تصانيفهم] إن صاحب الترجمة -سقى اللَّه مضجعه، وبالرحمة عمَّمه- كان إليه المنتهى في الحفظ والإتقان، وعليه المعوَّلُ عند الشيوخ والأقران، فضلًا عَنِ الطَّلبة والشُّبَّان، حتى نقل عنه (١) غيرُ واحدٍ ممَّن تقدم في تصانيفهم، كالتقي الكرماني، حيث جعل "فتح الباري" مِنْ جملة أصوله في "شرحه" الذي عمله على "البخاري"، [بل اختصر مصنفه في الأوائل كما تقدم] (٢). والبرماوي، حيث قال في خطبة "شرحه على البخاري": فما أضفه إليهما وصل ما أهملا مِنْ التَّعليقات، وتسمية ما أهملا مِنَ تفسير المبهمات، والجواب عما اعترض به الدارقطني والإسماعيلي، وعدد الأسانيد والمتون مما ليس مِنَ الواضحات. وذلك غالبًا من تصانيف بعض الحُفَّاظ العصريين، فإنه أشار بذلك إلى صاحب الترجمة، على ما أخبرني به بعضُ ثقات شيوخنا مِمَّن أخذ عنه. قال: بل كان صرَّح باسمه أولًا، ثُم أبهمه لأمر اقتضى ذلك. والفاسي والبرهان الحلبي وابن خطب الناصرية والمقريزي وابن الهُمام

стр. 328

[وبعضهم في النقل أكثر من بعض] (١). ومن غيرهم، كزاهد العصر العلامة الشهاب أحمد بن رسلان الرملي. نقل عنه في "شرح صفوة الزُّبد" تصحيح [حديث] (٢) عبد اللَّه بن عكيم عن ابن مسعود أنه كان يقول: "اللهمَّ زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا"، فقال: قال الحافظ ابن حجر: وإسناده صحيح. وكذا نقل عنه في غير ما موضعٍ على ما بلغني. وأرسل له بأسئلة خَفِيَ عليه الأمرُ فيها عند شرحه "للسُّنن لأبي داود"، فأجابه عنها. لكنه ما تيسَّر الإرسال بها لقرب وفاة السَّائل مِنْ زمن المسألة. نعم أعطاها شيخنا، بحضرتي، لولده عبد القادر، وقد وَفَدَ عليه بعد وفاة والده، وقال له؛ إن أمكن إلحاق هذه في محالِّها، فلا بأس. وما علمتُ ما اتَّفق فيها، والظاهر أنَّه لم يلحق شيئًا مِنْ ذلك لوفاته أيضًا عَن قريب، ﵏ وإيانا. ثم رأيته في باب تنزيل النَّاس منازلهم من الأدب من "شرحه" نقل عنه بقوله: قال شيخنا ابن حجر. وشيخ الوقت العارف المربي شمس الدين محمد بن عمر الواسطي العمري، أكثر النقل عنه في تصانيفه بقوله: قال سيدنا ومولانا قاضي القضاة حافظ العصر. ومن جملة ذلك أنَّه صنَّف كتابًا في أسباب المغفرة، فلخَّص فيه كثيرًا من "الخصال المكفرة" لشيخنا صاحب الترجمة، وكان كثيرًا ما يرسل يسأله عن أحاديث وغيرها. وأسئلته له موجودةٌ الآن عند ولده الشيخ أبي العباس، على ما أخبرني بذلك، أرجو الوقوف عليها إن شاء اللَّه تعالى. وحكى لي بعض الثقات أنَّه سمعه يقول: إن القاضي جلال الدين البلقيني أنكر على (٣) شيخه الشيخ أبي العباس الزَّاهد شيئًا، فناضل عنه

стр. 329

صاحبُ الترجمة، وبيَّن أن الصواب معه، فكان يرعى له ذلك. وكذا أكثر النَّقلَ عنه في تصانيفه التاريخية ونحوها، فقيهُ الشام التَّقيُّ ابن قاضي شهبة، وأكثرُ المتأخرين في "طبقات الشافعية" له مِنْ كلامه. وأكثر ما يقولُ: قال الحافظ، وربما وصفه بحافظ العصر (١). زاد في بعض المواطن وأديبه. [وممن نقل عنه: الجلال المحلي والتقي الشُّمُني وآخرون، لا يمكن الوقوفُ على حصرهم، منهم عالم الحنابلة العز الحنبلي، لا سيما في الكتاب الذي ابتكرَ وضعه في المراثي المنظومة، الذي رتبه على حروف المعجم، بل عقد في كل باب مِنْ أبوابه فصلًا لزيادات صاحب الترجمة فيه] (٢). والتمس منه العلامة أبو البركات الغرَّاقي، رحمهما اللَّه، إفادة ما وقف على حافظ البلاد الحلبية الأمر فيه في "شرحه على الشفاء" ومعظمه في الرجال. وكأن المصنف كان أوصى أبا البركات بذلك، ففعل ذلك في كثير منها، ثم تشاغل عن باقيها، لكنه التمس مِنَ السائل إفرادها في كُرَّاسة ليسهل الأمر عليه في مراجعتها، وما أظنُّه تيسَّر. إلى غير ذلك مما اشتهر ذكره وانتشر. وأرسل إليه الشيخ بدر الدين العيني مرارًا يسأل عن أشياء في الرِّجال وغيرها. وقد شاهد الأئمة مِنْ جلالته ما أعجز عن ذكره، مما هو دالٌّ على عظيم منزلته وعلو قدره. فمن ذلك ما حكيتُه في قصة تمتام عن البلقيني شيخ الإسلام (٣)، ومنه أيضًا ما حدَّثنا الثقةُ أنَّ حافظَ الوقت الزين أبا الفضل الراقي خرّج في "الأربعين العشاريات" له "الحديث المسلسل بالآخرية"،

стр. 330

فقال فيه -تبعًا لشيخه الحافظ الحجة أبي سعيد العلائي- إنَّ إسماعيل الصفَّار آخر مَنْ روى عن الحسن بن عرفة، فذكر صاحبُ الترجمة له أن الحافظ الذهبي قال في "تذكرة الحفاظ" له: إنَّ علي بن الفضل السُّتوري آخر مَنْ حدَّث عن الحسن بن عرفة. فاعتذر بأنَّ سلَفه في ذلك العلائي، وأحضر "تاريخ الخطيب"، فكشف منه ترجمة عليٍّ المذكور، فوجد فيها أنَّه حدث عن الحسن بن عرفة بأحاديث يسيرة. [وأنه ثقة] (١)، وأنَّه مات سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة. فعند ذلك رجع عن تقليده الأول، وقيَّد إطلاقه بقوله: وهو آخر مَنْ حدَّث عنه بهذا الحديث. [مراسلة الحافظ العراقي لابن حجر] ومنه ما قرأته بخط الحافظ العراقي أيضًا فيما كتب به إلى صاحب الترجمة وصورته: الحمد للَّه. المسؤول مِنْ إحسانه إرسال "مسند أبي يَعْلَى". حتى أكتبُ منه حديث عُبيد اللَّه بن عمر، عن ثابت، عن أنس ﵁ في الصحابي الذي كان يؤُمُّ أهل قُباء، ويقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وسورة أخرى، فإنَّه رواه التِّرمذي عن البخاري، وعلَّقه البخاري، فقال: وقال عبيد اللَّه بن عمر، فانظروه في "أطراف المسند" لأحمد، عمَّن رواه، وهل كتبتموه في "تغليق التعليق" في شيء مِنْ هذه الكتب أو غيرها؟ واللَّه يبقي مولانا في خير وعافية. انتهى. فكتب صاحب الترجمة عقب ذلك ما مثاله، وأرسل به إلى شيخه المشار إليه: هذا الحديث رواه التِّرمذي عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْدي، عن عبيد اللَّه بن عمر، به. وروى التِّرمذيُّ طرفًا منه عن أبي داود السِّجستاني، عن أبي الوليد الطيالسي، عن

стр. 331

مبارك بن فضالة، عن ثابت. وأهمل المزيُّ هذه الطريق في "الأطراف". وكذلك أهمل الرقم في "التهذيب" للترمذي على أبي الوليد، إذ ذكره في شيوخ أبي داود، وعلي أبي داود، إذ ذكره في الرُّواة عن مُبارك بن فضالة، وعلي مبارك بن فضالة، إذ ذكره في شيوخ أبي الوليد، وعلي ثابت البناني، إذ ذكره في شيوخ مبارك. وكل ذلك لازم له. وقد رواه أبو نُعيم الأصبهاني في "مستخرجه على البخاري" عن أبي دُلَف، عن البغوي، عن مُصعبٍ الزُّبيري، عن الدّراوردي وروينا هذا الحديث عاليًا في "فوائد" أبي محمد عبد الرحمن (١) بن أبي شُريح الأنصاري، رواية عبد الأول بن عيسى، عن بيبي الهَرْثَميَّة، عنه، عن البغوي، عن مصعب بن عبد اللَّه الزُّبيري به. لكن سياق إسماعيل بن أبي أويس أتمُّ. ورواه ابن حبَّان في "صحيحه" عن أبي يعلى، عن مصعب به. ورواه الطَّبَراني في "الأوسط" عن أحمد بن يحيى الحُلواني، عن مصعب، وقال: تفرَّد به الدَّراوَرْدي عن عُبيد اللَّه. ورواه الجَوْزقي في "مستخرجه" عن الدَّغُولي، عن أحمد بن سيار، عن (٢) إبراهيم بن حمزة، عن الدَّراوردي نحو رواية مصعب. ومن هذا الوجه رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، والبيهقي في "السنن الكبرى". ورواه أبو نعيم في "مستخرجه" أيضًا مِنْ طريق إبراهيم بن محمد الشافعي عن الدراوردي، نحو رواية مصعب. ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" من طريق مُحرز بن سَلَمَة عن الدراوردي نحو رواية إسماعيل بن أبي أويس. ولم أره في "مسند أحمد". واللَّه الموفق. ومنه أن العراقي المذكور لمّا كبر وتعب، وصعب عليه التَّخريجُ،

стр. 332

استروح لإملاء شيء قد خُرِّج، ممّا لم يُحتج فيه لتَعَب المراجعة، فأملى من الأحاديث العشاريات السُّنن التي خرجها له صاحب الترجمة، صلة للأربعين التي خَرَّجها هو لنفسه. وكان ذلك بإشارة رفيقه الحافظ أبي الحسن الهيثمي، وولده الأستاذ أبي زرعة، وغيرهما، بعد أن كان انقطع الإملاءُ مدَّةً. وفيه من المنقبة ما لا يخفى. ومنه ما قدمناه قريبًا عَنِ البساطي، فيُنظر ثمَّ. [مراسلة الجلال البلقيني لابن حجر] ومن ذلك أن قاضي القضاة، شيخ الإسلام جلال الدِّين البُلقيني، كان كثير الإرسال إليه، يلتمس منه الجواب عما يستشكله في هذا الفن، خصوصًا في الكتاب الذي عمله في "مبهمات البخاري"، فهو -كما شهد به الحافظ. البرهان الحلبي على ما حكاه ولده أبو ذرٍّ، كما تقدم عنه (١) - إنَّما مُعوَّله فيه على صاحب الترجمة، وليس يلحقه ﵀ نَقْصٌ مِنْ ذلك، بل هو غايةُ الكمال. وقد ظفَرْتُ بعدَّة أسئلة بخط المذكور أرسل بها لصاحب الترجمة، وأجابه عنها، فرأيت إثبات بعضها هنا ليستفاد. [القول في رواية رافع بواب مروان عن ابن عباس] الأول مُلخَّصه: قال البخاري (٢) في تفسير سورة آل عمران: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أنَّ ابن جريج أخبرهم، عن ابن أبي مُلَيكة، أن علقمة بن وقَّاص أخبره أن مروان قال لبوَّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كلُّ امرىء فَرِحَ بما أُوتي، وأحبَّ أن يُحمدَ، بما لم يفعل معذَّبًا، لنُعَذَّبَنَّ أجمعون. فقال ابن عباس ﵁: ما لكم ولهذه، إنما دعا النَّبيُّ ﷺ يهود، فسألهم عن شيء، فكتموه

стр. 333

إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمُدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرِحوا بما أتوا من كتمانهم، فيما سألهم، ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ حتى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٧ - ١٨٨]. تابعه عبد الرَّزاق عن ابن جريج: حدثنا ابن مُقاتل، أخبرنا الحجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مُلَيكة، عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، أنه أخبره أن مروان، بهذا. وأخرج مسلم الحديث في أبواب التَّوبة (١)، فقال: حدَّثنا زُهير بنُ حرب وهارون بنُ عبد اللَّه -واللفظ الزهير- قال: حدثنا حجَّاجُ بنُ محمد، عن ابن جُريج، أخبرني ابنُ أبي مُلَيكة، أن حُمَيدَ بن عبد الرحمن بن عوف أخبره، أنَّ مروان قال: اذهب يا رافع -لبوابه- إلى ابن عباس، فقُل: لئن كان كلُّ امرىء منَّا فرِحَ بما أتى، وأحب أن يُحمد بما لم يفعل معذبًا، لنُعَذَّبَنَّ أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه! إنَّما أنزلت هذه الآية في قوم مِنْ أهل الكتاب: ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] هذه الآية (٢). وتلا ابن عباس: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]. وقال ابن عباس: سألهم النبيُّ ﷺ عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدُوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتَوْا مِنْ كتمانهم إيَّاه ما سألهم عنه. فأخرج المتكلِّمُون على أطراف الصحيحين هذا الحديث في ترجمة حُميد بن عبد الرحمن عن ابن عباس، وفي ترجمة علقمةَ بن وِقاص عن ابن عباس، ليس فيه لرافعٍ بوَّابِ مروانَ روايةٌ. وطريق حُميد رواها مِنْ

стр. 334

أصحاب الكتب الأربعة: الترمذيُّ والنَّسائيُّ. ووقع في "الكاشف" للذهبي: رافع بواب مروان عن ابن عباس، وعنه علقمة بن وقاص وغيره، وعلَّمَ عليه البخاري والنسائي. وهذا يقتضي أن يكونَ رافعٌ هو الذي روى عنه علقمة بن وقَّاص وغيرُه هذا الحديث، والأرجحُ ما صنعه في الأطراف، ويكون حميدٌ وعلقمةُ قد سمعا قولَ مروان لبوابه، أو سمعا قولَ ابنِ عبَّاسٍ لبوَّابِ مروان الذي هو المسنِد، فلم يرويا ذلك عَنْ رافعٍ أصلًا، فلا يُذْكَرُ رافع في الرواة لهذا الحديث، فإن كان حديث غيره، فلا أدري. فكتب صاحب الترجمة ما نصُّه: الجوابُ، وباللَّه التوفيق: لم يروِ علقمةُ بنُ وقَّاص ولا حميدُ بنُ عبد الرحمن بن عوف عن بوابِ مروانَ بنِ الحكم حديثًا غير المسؤول عنه، إن كان كلٌّ منهما إنما سمع جواب ابن عباس مِنْ رافع على ظاهر سياق رواية هشام بن يوسف، وعبدِ الرزاق، وحجَّاجِ بن محمد المِصِّيصي، بل ولا روى حميدٌ وعلقمةُ المذكوران عن ابن عبَّاسٍ حديثًا غيره فيما أعلم. وقد روى الحديثَ المذكورَ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، كلاهما في التفسير، مِنْ طريق حجاج بن محمد نحو سياق مسلم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وليس فيه أيضًا تصريحٌ بأنَّ حُميدًا سمع ذلك مِنَ ابن عباس. وهكذا رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن حجَّاج، وهكذا رواه الطبراني في "معجمه الكبير" عن جعفر بن سُنيد بن داود، عن أبيه، عن حجاج، وهكذا رواه الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا المطرِّز، حدثنا الرَّماديُّ -يعني أحمد بن منصور- وابن زنجوية -يعني محمد بن عبد الملك- ومحمد بن إشكاب، وعبَّاس، يعني: ابن محمد الدُّوْري-. قالوا: حدَّثنا حجاج بن محمد مثله. وهكذا رواه الجوزقي في "المتَّفق" من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن حجاج، وهكذا رواه أبو نعيم في "المُستخرَج على مُسلم"، من طريق الحسنِ بن محمد بن الصَّباح الزَّعفراني، وعبدِ الرحمن بن يونس الرَّقِّي، ومحمد بن إسماعيل الصائغ، ويوسفَ بنِ سعيد بن مسلم، كلهم عن حجَّاج، لم يختلفُوا عليه في السياق، بل سياقُهم لموضِعِ الحاجة الآن مِنْ هذا الخبر مثل سياق مُسلم سواء.

стр. 335

وأمَّا طريقُ عبد الرَّزاق التي علَّقها البخاري بمتابعة هشام بن يوسف عليه، فقال أبو جعفر بن جرير الطَّبري في "تفسيره": حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن أبي مُلَيكة، أنَّ علقمة بن وقَّاص أخبره أنَّ مروان قال لبوَّابه: اذهب يا رافعُ إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كل أمرئ منّا فرح بما أتى وأحب أن يُحمَدَ بما لم يفعلَ معذَّبًا، لنُعَذَّبَنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: مالكم ولهذه. . . فذكر الحديث. وهكذا رواه الإسماعيلي (١) في "المستخرج على صحيح البخاري" عن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المقرئ، عن أبي عروبة الحُسين بن محمد بن أبي معشر الحراني، عن سَلمَةَ بن شبيب، عن عبد الرزاق به. فاتَّفقَ هؤلاء الثَّلاثة مِنْ أصحاب ابن جريج -وهم: هشامُ بنُ يوسف وعبد الرَّزاق الصَّنعانيان، وحجَّاجُ بنُ محمَّد المِصِّيصي- على سياق القصة. وخالف الصَّنعانيان المصِّيصيَّ في اسم الراوي للقصة، فاتفقا على أنَّه عَنْ علقمَة. وقال حجاجٌ: عن حُميد، فنظرنا: هل نجد لحجاجٍ متابعًا ليَبْعُدَ الترجيحُ بالأكثريَّة ويُرْجَع إلى الجمع، فإذا محمدُ بن عبد الملك بن جريج قد رواه عن أبيه بمتابعة حجاج بن محمد، إلا أنه لم يُسم رافعًا. وأخرجه الإمام الكبير أبو محمد إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن رَوْح بن عبادة، حدثنا محمدُ بن عبد الملك بن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، أنَّ حُمَيْدَ بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان بعث إلى ابن عباس: واللَّه لَئِنْ كان كلُّ امرىءٍ منَّا فَرِح بما أتى وأحبَّ أن يُحمد بما لم يفعل معذبًا، لنُعذّبنَّ أجمعون، فقال ابن عباس: إنما أُنزلت في أهل الكتاب، فذكر الحديث كما تقدم. وهكذا رواه الإسماعيلي في "مستخرجه" من طريق أبي الأزهر أحمد بن الأزهر النَّيسابوريِّ، عن روح بن عبادة، إلا أنَّه لم يَسُقْ لفظه.

стр. 336

وذَهَل الحاكم فرواه (١) في "المستدرك" من طريق إسحاق بن راهويه، وزعم أنَّ الشيخين لم يخرجاه. انتهى. وظاهر سياق رواية محمد يشعر بأن (٢) حُميدَ بنَ عبد الرحمن كان عند ابن عباس لمَّا جاءه رسول مروان، ويؤيِّدُ ذلك عدمُ ذكرِه الرسول هنا وتسميته؛ لأنه غيرُ مقصود بالرواية. وإذا احتمل هذا في السياق الذي عن حميد بن عبد الرحمن، احتمل مثله في السياق الذي عن علقمة بن وقاص؛ لأنه لا يخلو مِنْ أن يكونَ ابنَ جريج حَفِظَه عن ابن أبي مُليكة عنهما جميعًا، فكان تارة يحدِّث به عن هذا، وتارة عن هذا، أو يكون ابنُ جريج سمعه مِنَ ابن أبي مليكة عن أحدهما، وعندما أدَّاه حدَّث به مرَّةً على الصواب ومرة على الوهم. فإن كان الأول -وهو (٣) الراجح- وهو ظاهرٌ مِنْ تَصَرُّف صاحبي الصَّحيح، فإنَّهما لا يجعلان الاختلاف مِنْ ثقةٍ حافظٍ على ثقتين حافظين، إذا كان على حدٍّ سواء علة (٤) قادحة. بل إنما يُعللان هما ومَنْ تبِعَهُما بالاختلاف، حيث يترجَّحُ أحدٌ الثِّقتين على الآخر بوجه قويِّ مِنْ وجوه الترجيح. أو يكونُ التردُّد واقعًا بين ثقةٍ وضعيفٍ. فمثلُ هذا عندهم مِنَ العلل القادحة. وقلَّ أن يُوجَدَ في الكتابين بهذه المثابة شيءٌ بخلاف الأول، ففي الكتاب عدةُ أحاديث كذلك. وإن كان الثاني، بأن كان ابنُ جريج إنَّما سمعه مِنَ ابنِ أبي مُليكة عن واحد، فحدَّثَ به وتارةً على الصواب، وتارةً على الوهم، فيترجَّحُ عندي روايةُ حجاج بن محمد؛ لأنَّه أثبتُ النَّاس في ابن جُريج، وبذلك وصفه الإمامُ أحمد بن حنبل، ومعلَّى بن منصور الرازي، وقدَّمه يحيى بنُ معين على أبي عاصم. وقال إسحاق بن إبراهيم السُّلمي: كان حجَّاجُ بنُ محمد

стр. 337

نائمًا أوثَق مِنْ عبد الرزاق يقظان. قلت؛ وما يُحكى مِنْ أنَّه اختلط، قد ذكر إبراهيم الحربيُّ أنَّه لم يضرّه الاختلاط، وأن يحيى بنَ معين اجتمع به أوَّلَ ما تغيَّر حفظهُ، فقال لابنه: لا تدخل عليه (١) أحدًا. حتى لو سلمنا أنَّه ضرَّه الاختلاط، فإنَّ سماعَ الإمام أحمد منه في غاية الإتقان، ولا سيما وقد تابعه محمد بنُ عبد الملك بن جُريج. ولا ريبَ أنَّ آلَ الرجل إذا كانوا عُدُولًا، أولى بإتقان حديثه مِنْ غيرهم، وأما اتفاق (٢) هشام وعبد الرزاق، فلا تأثير له؛ لأن سماعهما كان واحدًا، واللَّه أعلم. وقد اعترض الإسماعيليُّ، رحمه اللَّه تعالى، على البخاري في إخراج هذا الحديث [فقال ما نصُّه: رحمَ اللَّه أبا عبد اللَّه، فإنه أخرج هذا الحديث] (٣)، في "الصحيح"، مع الاختلاف فيه على ابن جريج، فقال عبد الرزاق وهشام: عنه، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة. وقال حجاج: عنه، عن ابن أبي مليكة، عن حميد بن عبد الرحمن. قال: ثم إن مرجِعَ الحديث إلى بوَّابِ مروان، عن ابن عباس. وبوابُ مروان وحرسيُّهُ بمنزلةٍ واحدةِ، ثم لم يذكر -يعني البخاري- حديث عُروة عن مروان، عن بُسرة بنت صفوان في مَسِّ الذَّكَر. ولا فرقَ بينهما، إلا أن البواب مسمًّى والحَرسيُّ غيرُ مسمًّى، وكلاهما غيرُ معروف. فاللَّه يغفرُ لنا وله. انتهى كلامه. والجواب عن الأول، بأنا قد بينَّا أن البخاري لا يُعلِّلُ بمثل هذا الاختلاف إما كان دائرًا على ثقات على شرطه. وأمَّا كونُه لم يخرِّج حديث بُسرة، وهو شبيه بهذا الحديث في الاختلاف فيه على عروة [وهل

стр. 338

سمعه] (١) من مروان عن بسرة، أو من حرسيِّ مروان، عن بسرة، أو لقِيَ بُسرَة فشافَهها به، فقدِ اختلفَ الرُّواةُ فيه على الأوجه الثلاثة. ونحن، وإن سلَّمنا أنَّ هذا الاختلاف لا يضرُّ الخبر، لأنَّ مروانَ مِنْ رجال البخاري. لا كما توهَّم بعضُ النَّاس أنَّه لا يجوز الاحتجاج به، فعروة قد سمع الخبرَ منه أولًا على كل حال، وإنَّما أراد الاستثبات فيه، فأرسل الحرسيَّ ليستثبتها فيه. ولولا أنَّ الحرسيَّ المذكور كان عند عروة عدلًا، لما اعتمده، كيف وقد صحَّ لنا بالطَّريق الصَّحيح أنَّ عروة سمعه بعدُ مِنْ بُسرة، فقد رواه ابنُ خزيمة في "صحيحه" وابن حِبَّان في "صحيحه" أيضًا عنه، عن محمد بن رافع، عن ابن أبي فُدَيك -وهو محمد بن إسماعيل- عن ربيعة بن عثمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بُسرة، به. قال عروة: فسألتُ بُسْرَةَ، فصدَّقته. ورواه ابن حبان في "صحيحه" أيضًا، والدارقطني والحاكم من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، أنَّ مروانَ حدَّثه عن بُسرة به. قال: فأنكر ذلك عروة، فسألَ بُسرةَ فصدَّقته. ورواه الحاكم أيضًا من طريق حماد بن زيد، والمنذر بن عبد اللَّه الحِزَامي، وعنبسة بنِ عبد الواحد، وحُميد بن الأسود، ويحيى بن سعيد القطَّان، كلهم عن هشام، عن أبيه، أنَّه سمعه من بسرة. وقال ابن خزيمة؛ قد سمع عروة خبرَ بُسرة منها، لا كما توهمَّه بعضُ النَّاس أنَّ الخبر واهٍ لطعنه في مروان. انتهى. وقد قدَّمنا أن مروان مِنْ رجال البخاري، فيلزمه على هذا إخراجُ حديثه، إلا أنا (٢) نقول: يحتمل أن يكون فيه عنده علةٌ غيرُ هذا الاختلاف لم نطَّلع نحن عليها، فلا يلزمه إخراجه، لانحطاطه عن شرطه. نعم، لا يمنعُ ذلك مِنَ القول بصحَّته، لما تقرَّر مِنْ ضيقِ شرطه في "جامعه"؛ لأنّ الترمذيَّ حكى عنه أنَّه صحَّحه، واللَّه أعلم.

стр. 339

وأما إشعار كلام الإسماعيلي بأنَّ البخاريَّ إنما خرَّج هذا الحديث، وأعرض عن حديث بسرة، لأن الحَرسيَّ في حديث بُسرة لم يُسمَّ والبواب في حديث ابن عباس قد سُمِّيَ، فليس بصواب. وكذا تعليلُه الخَبَر بأنَّ رافعًا غيرُ معروف، لما قدَّمناه مِنْ سياق محمد بن عبد الملك بن جُريج، الذي أخرج الإسماعيليُّ إسناده فقط، فإنَّ ظاهره أنه مِنْ رواية حُميد بن عبد الرحمن، عن ابن عباس، إذ لا ذِكْر لرافعٍ فيه أصلًا، واللَّه أعلم. وأما ما وقع في "الكاشف" مِنْ ترجمة رافع، فتلك آفةُ الإجحاف في الاختصار، فإنَّ نصَّ المزِّيِّ في "التهذيب": رافع المدني، بواب مروان بن الحكم، أرسله مروانُ إلى ابن عباس يسأله عن قول اللَّه تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨]. حكى ذلك عنه حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعلقمةُ بن وقَّاص، وكأنَّهما سمعا منه جوابَ ابنِ عباس، روي له البخاري والنَّسائي. انتهى. وعليه فيه مآخذ: الأول: أنَّ هذا البواب لم يذكرهُ أحدٌ في رجال الصحيحين، لا الكَلَاباذِي، ولا ابن مَنْجُويَة، ولا ابن طاهر، ولا عبد الغني، ولا غيرهم. ولم أرَ أحدًا مِمَّن صنَّف في أسماء الرجال مُطلقًا أفرده بترجمة، لا البخاري، ولا ابن أبي خيثمة، ولا ابنُ سعد، ولا ابنُ حِبَّان، ولا ابن عَدِيٍّ، ولا غيرهم. نعم أورده ابن أبي حاتم مختصرًا جدًا، فقال: رافع المدني بواب مروان روى عن. . . روى عنه. . . . سمعت أبي يقولُ ذلك. هكذا رأيتُه في عدة نسخ من كتاب "الجرح والتعديل"، منها نسخة قديمة جدًا، قُرِئت على أصحاب المصنف قبل الأربعمائة، فلم يذكر شيخه، ولا الرَّاوي عنه، مع أنَّ هذا الحديث الذي جاء ذِكرُه فيه مشهور، قد أخرجه ابنُ أبي حاتم في "تفسيره". فلو كان هو المقصود بالرِّواية فيه، لما خفِيَ عليه حالُ شيخِه والراوي عنه. وكأنَّه لما رأى اسمه في هذا الحديث، احتمل عنده أن يكونَ له روايةٌ غيرُ هذا، فسأل أباه عنه، فلم يستحضر، فكتبه احتياطًا، وبيَّض له، فكأنه لم يذكره.

стр. 340

الثاني: أن المِزِّيَّ قد خالفَ ذلك في "الأطراف" تبعًا لأبي مسعود وخلفٍ وابنِ طاهرٍ، فجعل هذا الحديث في ترجمتي حُميد بنِ عبد الرحمن وعلقمة بن وقاص، ولم يذكره في ترجمة رافع. وكذا صنع الحُميدي في "الجمع بين الصحيحين". الثالث: اقتصار المزِّي في ترجمته على ذكر البخاري والنَّسائي عجيبٌ، فإنَّ الخبر المذكور اتَّفقَ مسلمٌ والترمذيُّ والنسائي جميعًا على تخريجه مِنْ طريق حجَّاج بن محمد، وسياق الترمذي والنسائي مثلُ سياق مُسلم كما تقدَّم ذلك. وأما البخاريُّ، فقد ساقه مِنْ طريق هشام بن يوسف مثلَ سياق حجاج، فأيُّ معنى لتخصيص البخاري والنسائي بالذكر، والإضراب عَنْ ذكر مسلم والترمذي؟! هذا ذهول شديد! وهذا الموضع قد تعقَّبناه عليه في "تلخيص التهذيب". وإذا تقرر هذا، فقد تبيَّن أنَّ صاحبَ "الكاشف" تبع صاحب "التهذيب" في وهمه، وزاد عليه بأنْ أوهَمَ أنَّ لرافع رواية أخرى غير المشارِ إليها، ولا وُجودَ لذلك أصلًا، واللَّه أعلم بالصواب. [القول في حديث "لا تسبُّوا أصحابي "] الثاني: كتب القاضي جلال الدين ما نصُّه: قال مسلم في فضائل الصحابة -يعني من "صحيحه"-: حدثنا يحيى بن يحيى التَّيمي، وأبو بكر بن أبي شَيْبَة، ومحمدُ بن العلاء. قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية، عن الأعْمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تَسُبُّوا أصحابي، لا تَسُبُّوا أصحابي. فوالَّذي نفسي بِيَدهِ لو أنَّ أحدَكُم أنفقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، ما أدركَ مُدَّ أحدهِم ولا نَصيفَهُ". حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبة، حدثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيءٌ، فسبَّه خالد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تَسُبُّوا أحدًا مِنْ

стр. 341

أصحابي، فإنَّ أحدكم لو أنفقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه". حدثنا أبو سعيد الأشجُّ، وأبو كُريب، قالا: حدثنا وكيعٌ عن الأعمش (ح). وحدثنا عبيدُ اللَّه بنُ مُعاذ حدثنا أبي (ح). وحدثنا ابنُ المثنَّى، وابن بشَّار، قالا: حدثنا ابنُ أبي عديٍّ، جميعًا عَنْ شُعبة، عن الأعمش بإسناد جرير وأبي معاوية بمثل حديثيهما، وليس في حديث وكيع وشعبة ذكرُ عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد. انتهى. اقتضى كلامُ مسلم ﵀ أن أبا معاوية رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، وأنَّ جريرًا رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، ثمَّ أعقبَ ذلك بان وكيعًا وشعبةَ روياه عن الأعمش بمثل إسنادِ جريرٍ وأبي معاوية وحديثهما (١). وهذا قد يَفهم منه أنَّ شعبة ووكيعًا وافقا أبا معاوية وجريرًا على روايته عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، عن الصحابيين، فيكون مِنْ مسند أبي هريرة ومِنْ مسند أبي سعيد به. وفي "الأطراف" لخلف بعد سياق طريق أبي هريرة: قال أبو مسعود: وهو وَهْمٌ، والصَّوابُ مِنْ حديثِ أبي معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وكذلك رواه يحيى بنُ يحيى، وأبو بكر، وأبو كريب. وقال في مسند أبي سعيد الخدري: حديث "لا تسبُّوا أصحابي". رواه البخاري في فضل أبي بكر ﵁؛ قال حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد. تابعه جرير وعبد اللَّه بن داود وأبو معاوية ومحاضر عن الأعمش. ورواه مسلم في الفضائل: حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبة، حدَّثنا جريرٌ،

стр. 342

وحدثنا الأشجُّ وأبو كُريب، عن وكيع، وحدثنا عُبيد اللَّه بن معاذ، حدثنا أبي، وحدثنا ابن مُثنَّى وابن بشَّار، عن ابنِ أبي عديٍّ، كلاهما عَنْ شُعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد. انتهى. فعيَّن خلفٌ موافقة وكيع وشعبة لجريرٍ، وفيه نظر ظاهر (١). وفي "شرح مسلم" للنووي بعد سياق طريق أبي هريرة هذه: قال أبو علي الجَيَّاني: قال أبو مسعود (٢) الدمشقي: هذا وهمٌ، والصَّواب: مِنْ حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، لا عن أبي هريرة. وكذا رواه يحيى بنُ يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبةَ وأبو كريب والنَّاس. قال: وسُئِلَ الدَّارقطنيُّ عن إسناد هذا الحديث، فقال: يرويه الأعمشُ. واختلف عنه، فرواه [زيد بنُ أبي أُنَيْسَة عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. واختلف على أبي عوانة عنه، فرواه] (٣) عفان ويحيى بنُ حمَّاد عن أبي عوانة، عن الأعمش كذلك. ورواه مسدَّد وأبو كامل وشيبان عن أبي عوانة، فقالوا: عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄. وكذلك قال نصر بن علي، عن ابن داود الخُريبي، عن الأعمش. والصَّوابُ مِنْ روايات الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد. ورواه زائدة عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والصحيح: عن أبي صالح، عن أبي سعيد. فخرج مِنْ كلام الدارقطني أن زيد بن أبي أنيسة وافقَ أبا معاوية على روايته عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، وأن أبا عوانة -فيما رواه عفان ويحيى بنُ حماد- وافقَ أبا معاوية أيضًا على روايته عن الأعمش

стр. 343

عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأنَّ عاصمًا -فيما رواه زائدةُ- وافقَ الأعمشَ على روايته عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأن مسدَّدًا وأبا كامل وشيبان رووه عن أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد. وكذلك قال نصر بن علي: عن ابن داود الخُريبي، عن الأعمش. ومع ذلك، فقضى الدارقطنيُّ بأنَّ الصوابَ له: عن أبي صالح، عن أبي سعيد. والظاهرُ -واللَّه أعلم- أنَّ ما ذكره البخاريُّ مِنَ المتابعات تصويبٌ، لأنه عن أبي سعيد، فإنه قال: تابعه -يعني شعبة- جريرٌ وعبدُ اللَّه بن داود وأبو معاوية ومحاضِرٌ عن الأعمش. وفي "مسند أحمد ابن منيع" في حديث أبي سعيد الخدري في أوله: حدثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسبُّوا أصحابي" ثلاث مرات- فإنَّ أحدكم لو أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا لم يبلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه". وفي "الجمع بين الصحيحين" للحُميدي بعد سياق الحديث مِنْ طريق أبي هريرة في أفراد مسلم في الحادي والخمسين: كذا عند مسلم، ومنهم من يقول: عن أبي سعيد. وفي "الأطراف" (١) للمزي في مسند أبي سعيد الخدري في ترجمة الأعمش، عن أبي صالح عنه، حديث "لا تسبُّوا أصحابي، فوالَّذي نفسي بيده، لو أنفقَ أحدُكم ملء أُحدٍ ذهبًا، لما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه". ومنهم مَنْ ذكر قصة (خ) في فضل أبي بكر ﵁. وعن آدم، عن شعبة، عنه، به. قال: وتابعه جريرٌ وابن داود -وهو عبد اللَّه بن داود- وأبو معاوية، ومحاضر عن الأعمش (م) في الفضائل عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، وعن أبي سعيد الأشجّ وأبو كريب، كلاهما عن وكيع، كلاهما عنه، به. وعن أبي موسى وبندار، كلاهما عن ابن أبي عدي، وعن عُبيد اللَّه بن معاذ، عن أبيه، كلاهما عن شعبة به، (د) في

стр. 344

السُّنة عن مُسدَّد، عن أبي معاوية، عنه، به. (ت) في المناقب، عن الحسن بن علي الخلَّال، عن أبي معاوية. وعن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبه، به، وقال: حسن صحيح. (س) فيه، عن محمد بن هشام، عن خالد بن الحارث، عن شعبة به. (ق) في السُّنة، عن محمد بن الصباح، عن جرير به. وعن علي بن محمد، عن وكيع، به، وعن أبي كُرَيْب، عن أبي معاوية، به (ز). هكذا رواه النَّاس عن أبي معاوية، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، [عن أبي هريرة ووهم عليهم في ذلك، وإنَّما رووه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح] (١) عن أبي سعيد، كذلك رواه الناس كلهم، بل رواه (ق) (٢) عن أبي كريب أحد شيوخ (م) فيه. ومِن أدل دليل على أنَّ ذلك وهمٌ وقع منه في كتابته، لا في حفظه، أنَّه فكر أولًا حديث أبي معاوية، ثمَّ ثنَّى بحديثِ جريرٍ، وذكر المتن وبقيَّة الإسناد عن كلِّ واحدٍ منهما، ثم ثلَّث بحديث وكيع، ثم رَبَّع بحديث شُعبة، ولم يذكر المتنَ ولا بقيَّة الإسناد عنهما، بل قال: عَنِ الأعمش بإسناد جرير وأبي معاوية بمثل حديثهما، إلى آخر كلامه. فلولا أن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحدٌ، لما جمعهما جميعًا في الحوالة عليهما، والوهم تارةً يكونُ في الحفظ، وتارةً في القول، وتارة في الكتابة (٣)، وقد وقع منه الوهم هاهنا في الكتابة. واللَّه أعلم. وقد وقع في بعض نسخ "ابن ماجه": "عن أبي هريرة"، وهو وهم أيضًا، وفي رواية إبراهيم بن دينار عن ابن ماجه "عن أبي سعيد" على الصواب. لكن ابن دينار لم يذكره إلا مِنْ رواية وكيع وحده، ورواه محمد بن جُحَادة عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد كرواية الجماعة. ورواه سفيانُ الثوريُّ عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، عن

стр. 345

أبي هريرة. وكذلك رواه زيدُ بن أبي أُنيسة (١) عن الأعمش مِنْ رواية محمد بن سَلَمَة الحرَّاني، عن أبي عبد الرحيم [عنه به] (٢). ورواه أبو عوانة عَنِ الأعمش، عن أبي صالح عنهما جميعًا (٣). وما ذكره عَنْ بعض نسخ "ابن ماجة" هو كذلك في نسختين في ترجمة فضل الأنصار: حدثنا محمَّدُ بن الصباح حدَّثنا جرير. (ح) وحدَّثنا علي بن محمَّد، حدَّثنا وكيع. (ح) وحدَّثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أبو معاوية. جميعًا عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسبُّوا أصحابي، فوالَّذي نفسي بيده، لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه". وهنا أمران: أحدهما: أنْ يدَّعيَ توهيمَ مُسلمٍ في روايته عَنِ الثَّلاثة، عن أبي معاوية، كما فعله أبو مسعود والجيَّاني وخلفٌ والمزِّيُّ. والثاني: أنّ يدَّعي تصويبَ أنَّه عنِ الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، لا عن أبي هريرة مطلقًا، كما صنع الدَّارقطنيُّ، وخرج مِنْ كلام المزيِّ أنَّ سفيان الثَّوريَّ رواه عنِ الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وقد اقتضى كلامُ مَنْ ذكرنا أن زيدَ بنَ أبي أُنيسة وسفيان الثَّوريَّ وأبا عوانة -في رواية-[رووه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وأن عبدَ اللَّه بن داود -في رواية- وأبا عوانة في رواية] (٤) روياه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وأنَّ جريرًا وشعبة ووكيعًا ومحمَّد بن جُحَادة وابنَ داود -في رواية- وأبا مُعاوية، في رواية غير مسلم، ومُحاضِرًا، رَوَوه عَنِ الأعمش، عَنْ أبي صالحٍ، عن أبي سعيد.

стр. 346

فعن عبد اللَّه بن داود روايتان، وعن أبي عوانة روايتان. وانفرد برواية أبي هريرة زيدُ بنُ أبي أنيسة وسفيان الثوري عن الأعمش، ووافقهما رواية زيد عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وانفرد برواية أبي سعيد جريرٌ وشُعبةُ ووكيعٌ ومحمَّد بنُ جُحادة ومحاضرٌ عن الأعمش، ولم يُتَابَع الأعمش في هذه كما تُوبع في تلك. وهذا الحَمْلُ متعلِّقٌ بالثاني، وأما الأول فكيف يُقضى بالوهم على الإمام مسلم ﵀، والمُثْبِتُ مقدمٌ على النَّافي؟ ويجوز أن يكون عن أبي معاوية الروايتان. ومسلم الذي يُشدِّد في "حدثنا"، و"أخبرنا"، كيف يخفى عليه مثل هذا؟ وقول المِزِّيِّ: "ومِنْ أدلّ دليل على أنّ ذلك وهم" جمع أبي معاوية وجرير في أن أحال عليهما طريقَ شعبةَ ووكيع إلى آخره. فيه نظر. بل يُفهم مِنْ كلام مُسلم ما قدَّمناه، وهو أنَّ وكيعًا وشعبةَ يوافقان أبا معاوية وجريرًا، بدليل قوله: في إسنادهما وحديثهما. ولو كان الإسنادُ مخالفًا لما قال ذلك، بل كان يأتي بما يقتضي ذلك. وغالبُ الحوالات في مسلم إنَّما هي في الحديث، فلمَّا قال هنا في إسنادهما وحديثهما دلَّ على ما قلناه. ولو فُتِحَ هذا البابُ، لما بَقِيَ وُثُوق بما في الكُتب الصَّحيحة المعتمدَةِ. فعلى هذه النُّسخة التي وقفتُ عليها مِنْ "ابن ماجه" رواية أبي كُريب عن أبي معاوية على وِفْقِ ما رواه مسلمٌ عن أبي كُريب، عن أبي معاوية، وروايةُ ابن ماجه عَنْ وكيع، تُوافقُ ما قد يُفْهَمُ مِنْ كلام مسلمٍ كما بدأنا به. ثمَّ راجعتُ حديث الأعمش الذي جمعه الإسماعيليُّ مِنْ حديثه، فوجدتُه أخرج في أحاديث شعبةَ عَنِ الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ذلك، لكن مِنْ غير الطريق التي رواها مسلمٌ عن شُعبة، فقال: حدَّثنا أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الواسطي، حدثنا أبو بدر -يعني عبَّاد بن الوليد الغُبَري- حدَّثنا حجَّاجُ -هو ابن نصير- حدَّثنا شُعبةُ، عن سُليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه "لا تسبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفقَ مِلْءَ الأرض، أو مثل

стр. 347

أُحُدٍ، ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه". ثم قال: حدَّثنيه أبو بكر بن عمير، حدَّثني رباح بن محمد بن إبراهيبم الواسطي، قال: وحدثنا ابن عُمير، حدَّثنا عبد اللَّه بن المغيرة المقرئ، حدَّثنا حجَّاجُ بنُ نُصير، حدَّثنا شعبة بإسناده عن أبي هُريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ مثله. ووجدنا فيه حديث زيدِ بن أبي أُنيسة، عن الأعمش، فقال: أخبرني الحسنُ بنُ أحمد المالكي، حدَّثنا مَخْلد بنُ مالك، حدَّثنا محمَّدُ بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنيسةَ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن [أبي هريرة] (١) ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسبُّوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مِثلَ أُحُدٍ ذهبًا، لم يُدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه". ثم قال: حدَّثنيه ابنُ عُمير، حدَّثنا أبو أحمد جعفر بن محمد الحرَّاني الورَّاق حدَّثنا مخلدُ ابنُ مالكٍ، حدثنا محمَّد بنُ سلمة بإسناده، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ مثله. فقد ظهر بهذه الرواية عن شعبة الاختلافُ على شعبة أيضًا، لكن في إسنادهما حجاج بن نصير الفساطيطي. وفي "الميزان": حجّاجِ بن نُصير الفساطيطي، بصري، عن شُعبة وُقرَّة والطَّبقة، وعنه الدَّرامي والكجِّي. قال يعقوبُ بنُ شيبة: سألتُ ابنَ مَعين عنه، فقال: صدوق، ولكن أخذوا عليه أشياء في حديث شعبة. وقال عليُّ بنُ المديني: ذهب حديثه. وقال أبو حاتم: ضعيف، يُترك حديثُه. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال النَّسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بثقة، وقال أبو داود: تركوا حديثه. وقال الدارقطني: ضعيف. وأما ابن حبان، فذكره في "الثقات"، فقال: يخطىءُ وَيهِم. قال الذَّهبيُّ: لم يأتِ بمتنٍ منكر، ووجدنا في "ترتيب فوائد تمام الرازي" رواية وكيع بن الجراح عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، ورواية إسرائيل [عن الأعمش] (٢)، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، ثم رواية زائدة عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولفظه: كان

стр. 348

بينَ عبدِ الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد -يعني. بعض ما يكون بين النَّاس- فقال رسول اللَّه ﷺ : "دَعُوا لي أصحابي، إنَّ أحدكم لو أنفقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهبًا، لم يبلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه". [جواب ابن حجر عن الحديث] فكتب صاحب الترجمة ما نصه: الحمد للَّه وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. أما بعدُ، فقد وقفَ العبدُ على هذه الفوائد الفرائد، والجواهر الزَّواهر، فلم يجدها أبقَتْ مقالًا لقائل، ولا مرمى لمناضل. وحاصلُ الأمر: أنَّ المسألة تتعلَّقُ بحديث الأعمش عن أبي صالح في النَّهي عن سبِّ الصحابة ﵃، هل هو عَنْ أبي هريرة، أو أبي سعيد، أو عنهما جميعًا. فقد تلخص في هذه الفوائد جميع ما يتعلَّقُ بتحرير ذلك، ومحلُّ النَّظر إنَّما هو فيما رواه مسلم عن مشايخه الثَّلاثة: يحيى بن يحيى، وأبي كُريب، وأبي بكر بن أبي شيبة، ثلاثتهم عَنْ أبي معاوية، هل راوية هؤلاء عن أبي معاوية أنَّ الحديث مِنْ مسند أبي هريرة أو أبي سعيد، ولا يفصِلُ الأمر في ذلك إلا النَّظرُ فيمن رواه عن هؤلاء الثَّلاثة غيرُ مسلم، فإن وجدنا مَنْ رواه عنهم، أو عن أحدهم، وافق مسلمًا، أو وجدنا بعضًا وافقه، وبعضًا خالفه، حسن القول بأنه كان عند أبي معاوية على الوجهين إن استوى الجميع في الحفظ والإتقان. وإن وجدناهم أطبقُوا على مخالفته، فنرجِّحُ روايتهم على روايته، إذ العدد الكثيرُ أولى بالحفظ مِنَ الواحد، كما قال إمامنا الشافعي ﵁. فأمَّا أبو بكر بن أبي شيبة، فلم نجده مِنْ روايته عن أبي معاوية إلا مِنْ مسند أبي سعيد، كذلك أورده في "مسنده" وفي "مصنَّفه" جميعًا. وكذلك أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه على مُسلم" عَنِ الطَّلحي، عن عُبيد بن غنَّام، عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأما أبو كريب، فوجدناه مِنْ رواية ابن ماجه عنه، إلا أنَّ نسخ "ابن ماجه"

стр. 349

اختلفت فيه؛ ففي بعضها: عن أبي هريرة، وفي بعضها: عن أبي سعيد. ورأيت هذا الحديث في نسخة الحافظ زكي الدين المنذري، وقد كتب في الحاشية بخطه: عن أبي سعيد، وضَبَّبَ على أبي هريرة في الأصل، فيحتمل أن يكونَ اعتمد على قولِ صاحب "الأطراف" مِنْ أنَّ أبا كُريب إنَّما رواه مِنْ حديثِ أبي سعيد، ويحتملُ (١) أن يكون تبين له بطريقٍ أُخرى. ثم وجدته في أصلٍ عتيقٍ جدًا، تاريخُ الأسْمِعَة فيه في سنة سبع وسبعين وثلثمائة، وقد قُرىء على أصحاب أصحاب ابن ماجه (٢)، وهو في نهاية الضبط والتحرير. ووجدته فيه: "عن أبي سعيد الخُدري" مِنْ غير تردُّد. وسنبين فيما بعدُ أنَّه يتعين أنْ يكونَ عنده: عَنْ أبي كُريب مِنْ مُسند أبي هريرة. وأما يحيى التميمي، فلم أقف عليه منْ روايته الآن. وظهر لي مِنْ سياق أبي نُعيم الأصفهاني في "مستخرجه على صحيح مسلم". أن الحديث عند مسلم عَنْ هؤلاء الثلاثة إنَّما هو مِنْ حديث أبي سعيد. وبيانُ ذلك أنَّه قال ما نصه: حدَّثنا أبو بكر الطَّلحي، حدَّثنا عُبيد بن غنَّام، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. (ح). وحدثنا عبد اللَّه بنُ محمَّد ومحمدُ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ علي -هو أبو يعلى الموصلي- حدَّثنا أبو خيثمة. (ح). وحدَّثنا جعفر بنُ محمد، حدثنا أبو حُصين الوادعى، حدَّثنا يحيى بنُ عبد الحميد. (ح). وحدَّثنا أبو بكر بن مالك، حدَّثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدَّثني أبي. (ح).

стр. 350

وحدَّثنا أبو عمرو بنُ حمدان، حدَّثنا الحسنُ بنُ سفيان، حدَّثنا أحمد بن جوَّاس أبو عاصم، قالوا: أنبأنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. وقال في آخره: لفظ أبي بكر [رواه مسلم عن أبي بكر،] (١) ويحيى بن يحيى، وأبي كريب، كلهم عن أبي معاوية. فظاهر هذه العبارة يقتضي أنَّ مسلمًا إنَّما رواه عَنْ هؤلاء الثلاثة، عن أبي معاوية بالإسناد الذي ساقه أبو نعيم. ويؤيِّدُ ذلك اصطلاحُه في جميع كتابه "المستخرج" على نحو ذلك، إذا أخرجَ الحديثَ على الموافقة أو البدلية، ينتهي بالإسناد إلى الشيخ الذي اتَّفق إسنادُه وإسنادُ مسلم فيه، ثمَّ يُحيل على الباقي. وعلي هذا، فلعلَّ الخللَ الواقعَ في نُسَخ "صحيح مسلم" مِنَ الرواة عنه، ويبرأ هو حينئذٍ مِنَ الوهم. ويُقوِّي ذلك أنَّ الدارقطنيَّ قد جزم في "العلل" بأنَّ الصواب أنه مِنْ مسندِ أبي سعيد، ولم يتعرَّض في كتاب "التَّتبُّع" لهذا الإسناد. ولا لكونِ مسلمٍ وهمَ فيه. فالظاهر أنَّ الوهمَ ممَّن دُونَ مسلمٍ. وأمَّا ما وقع عند ابن ماجه، فلا ريبَ أنَّه غلط، لأنه قَرَنَ بين روايات وكيع وجرير وأبي معاوية، وصيَّرها كُلَّها عن أبي هريرة. وقد أطبق المصنِّفون على أنَّ رواية جريرٍ ووكيع لهذا الحديث عن الأعمش إنَّما هو مِنْ حديثِ أبي سعيد، فرواه مسلمٌ كما تقدَّم مِنْ حديثهما. وهكذا رواهُ أبو نُعيم في "المستخرج" مِنْ طريق إسحاق بن راهويه وأبي خيثمة زهير بن حرب ومحمد بن مهران، كلهم عَنْ جريرٍ من حديثِ أبا سعيد أيضًا. ورواه ابن حبان في "صحيحه" في النَّوع الثامن مِنَ القسم الثالث عن محمد بن إسحاقَ بن إبراهيم، وهو أبو العباس السَّرَّاج، قال: حدَّثنا محمد بن الصَّباح، حدَّثنا جرير، فذكره مِنْ مسند أبي سعيد. ومحمد بن الصباح، هو شيخ ابن ماجه في هذا الخبر. وقد صيَّره أبو العباس السَّراج، وهو مِنَ الحُفَّاظ، إذ رواه عنه عن أبي سعيد.

стр. 351

وكذلك رويناه في كتاب "فضائل الصحابة" لِطراد بن محمد بن علي الزَّينبي، حدَّثنا أحمد بن محمد بن عمر المعدل إملاءً، حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مسلم، حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن الحسن الحرَّاني، حدَّثنا داود بن عمر -وهو الضَّبِّي، حدَّثنا جريرُ بنُ عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: كان بينَ خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف كلامٌ، فذكر القصَّة والحديث. وهكذا رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه"، عن أبيه عن جرير. وكذا رواه ابنُ عساكر في "تاريخه" في ترجمة عبد الرحمن بن عوف، من طريق نصر بن زياد عن جرير. وأما رواية وكيع، فرويناها في كتاب "فضائل الصحابة" له مِنْ مسند أبي سعيد، وكذا رويناها في "نسخته" رواية إبراهيم بن عبد اللَّه العبسي القصَّار عنه، كذلك مِنْ حديث أبي سعيد. وكذلك رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن وكيع، ورواه البزَّار في "مسنده" عن عمرو بن عليِّ الفلَّاس عن وكيع كذلك. وكذا رواه خيثمةُ في "فضائل الصحابة"، والهيثم بن كليب الشاشي في "مسنده"، كلاهما عَنِ القصَّار، عن وكيع، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه المستخرج على مسلم" عن محمد بن إسماعيل الأحمسي، وإبراهيم بن عبد اللَّه القصَّار وابن أبي رجاء المصِّيصي، كلهم عن وكيع كذلك. وكذا رواه الجَوزقي في "المتَّفق" من طريق الأحْمسي وعبد اللَّه بن هاشم الطوسي، كلاهما عن وكيع. وكذا رواه ابن حبان في "صحيحه" عن الحسين (١) بن عبد اللَّه القطان، عن موسى بن مروان، عن وكيع كذلك. وكذا رواه تمام في "فوائده" والبيهقي في "السنن الكبير" مِنْ طريق

стр. 352

إبراهيم بن عبد اللَّه، عن وكيع كما ذكرنا. وقال البيهقي بعده: رواه مسلمٌ عن أبي سعيد الأشج وغيره، عن وكيع. وكذا أخرجه الحافظ أبو بكر بن مَنْجُويَة في آخر الجزء التاسع من "فوائد أبي زكريا المُزَكِّي" (١) من طريق إبراهيم بن عبد اللَّه، عن وكيع، وقال بعده: أخرجه مسلم عَنْ أبي كُريب وغيره عن وكيع، وكذا صنع الحافظ أبو محمد بن الأخضر في "تخريجه لفوائد شُهدة الكاتبة". فقد ظهر أن روايتي وكيعٍ وجريرٍ عن الأعمش إنما هي مِنْ مسند أبي سعيد. فإن كان ما وقع في "ابن ماجه" مِنْ جَمْعِه بين روايات الثلاثة، وجعلها مِنْ مسند أبي هريرة منه، فقد وهم في ذلك بلا شك، وإن كان لم يُخرِّجْهُ مِنْ رواية الثلاثة إلا مِنْ حديث أبي سعيد، ووقع الخللُ في ذلك مِنَ الرُّواة عنه -وهو المتبادر إلى الذهن- فيقوَى حينئذٍ أنَّ رواية أبي كُريب له عَنْ أبي معاوية إنَّما هي مِنْ مسند أبي سعيد. فتوافق رواية الأئمةِ له عَنْ أبي معاوية، ولا سيما وفيهم مثلُ أحمد بن حنبل، وأبي خَيْثَمة، وأحمد ابن مَنيع، ومَسدَّدٍ، والحسن بن عليِّ الحلواني، وغيرهم مِنَ الحفَّاظ الأَثبات. فيقوِّي ما جزم به الدارقطني وغيره. وقد وقع لي هذا الحديث [عاليًا جدًا من حديث] (٢) أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، أوردته في "تغليق التعليق" (٣) وهو ما قرأت على المحبِّ محمد بن محمد بن محمد بن منيع، أن عبد اللَّه ابن أبي التائب أخبره، أخبرنا إسماعيل بن أحمد العراقي، عن شُهدة، أن طِرَاد بن محمد أخبرهم، أخبرنا أبو نصر بن حسنُون، أخبرنا أبو جعفر بن البختري، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية،

стр. 353

عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، الحديث. هكذا أخرجه الحافظ أبو علي البَرداني في كتاب "فضائل الصحابة" لطراد، وقال بعده: رواه مسلم عن يحيى بن يحيى وغيره، عن أبي معاوية. وهذا الإطلاق يشبه ما تقدَّم عن أبي نعيم الحافظ. وممَّن رواه عن أبي معاوية، فجعله من مسند أبي سعيد غيرُ من تقدَّم ذكرُه: الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، وعبد اللَّه بن هاشم، وسعيدُ بن يحيى الواسطي، وعليُّ بن حرب الطَّائي، ومحمدُ بن جامعٍ العطَّار، وعلي بن الجعد. ورويناه في "جُزء" علي بن عبد العزيز البَغَوي عن أبي عُبيد القاسم بن سلام عن أبي معاوية. وكذا أخرجه أبو عبيدٍ في "غريب الحديث" له. وقال الجوزقي في "المتَّفق"؛ أخبرنا مكِّيُّ بن عَبْدان، حدَّثنا عبد اللَّه بن هاشم، وهو الطُّوسي، حدَّثنا أبو معاوية، فذكره كذلك. وقال خيثمة بنُ سليمان في "فضائل الصحابة": حدثنا خلفُ ابن محمَّدٍ الواسطي، حدثنا سعيدُ بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، به. وكذلك رويناه في "فوائد" أبي محمد عبد اللَّه بن علي الأبنوسي انتقاء أبي علي البرداني له، من طريق الحافظ الفقيه أبي بكر بن زياد النيسابوري، حدثنا عليُّ بن حرب، حدثنا أبو معاوية، فذكره. وستأتي رواية محمد ابن جامع قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. وقال ابن حبان في "صحيحه" في النوع الثالث من القسم الثاني: أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصُّوفي، حدَّثنا عليُّ بن الجعد، حدثنا شُعبة وأبو معاوية، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي سعيد الخُدري، فذكره. فقرن عليُّ بنُ الجعد في روايته بين شعبة وأبي معاوية. وكذا رويناه في "أمالي محمد بن إسماعيل الورَّاق" عن عُمر بن إسماعيل بن أبي غيلان. وكذا رويناه في "البشرانيات" عن الورَّاق مثله.

стр. 354

وهكذا رواه الإسماعيلي في "صحيحه" عن محمد بن يحيى أبي بكر المروزي، وأبي القاسم البَغَوي، وغير واحد، كلهم عن علي بن الجعد مقرونًا. قلت: ولا يصحُّ عَنْ شعبةَ إلا مِنْ حديث أبي سعيد. وقد وَهِم فيها أبو مسعود الرَّازي على أبي داود الطيالسي، فحدَّث بها عنه، عن شعبة، فقال: عَنْ أبي هريرة، حكى ذلك الخطيبُ وسيأتي. وأمَّا رواية حجاج بن نُصير الفَسَاطيطي، فَوَهِم فيها على شعبة، وقد نصَّ على ذلك أبو عبد اللَّه بن مَنْده في بعض تخاريجه (١). وقد رواه أحمد بن حنبل في "مسنده" أيضًا عن محمد بن جعفر غُنْدَر، وأبي النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة مِنْ مسند أبي سعيد. [وكذا رواه أبو داود الطَّيالسي في "مسنده" عن شعبة"]، (٢)، وكذا رواه أبو مسلم الكَجِّي في "السنن" له، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة. وكذا رواه الحسن بن سفيان في "مسنده" عن عبيد اللَّه بن معاذ بن مُعاذ عن أبيه، عن شُعبة، كما ذكره مسلم. وأخرجه الإسماعيلي في "صحيحه" عَنِ الحسن كذلك، وأبو نُعيم في "مستخرجه" عن أبي عمرو بن حمدان، عن الحسن بن سفيان. ورواه أبو عوانة في "صحيحه" مِنْ رواية شُعيب بن حرب، عن شعبة كذلك. ورواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى المروزي، عن عاصم بن علي، عن شعبة مثله. وكذلك رويناه في الجزء الثامن مِنْ "أمالي المَحَاملي" رواية ابن خُرَّشيد قُوله عنه، قال: حدَّثنا محمد بن عبد اللَّه بن يزيد بن حيان، حدثنا شبابة بن سوَّار، عن شُعبة به. فهذا محمَّد بن جعفر غُنْدَر، وهو مِنْ أحفظ أصحاب شعبة وعلي بن الجَعْد، وهو أيضًا مِنَ الأثبات، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وعمرو بنُ مرزوق، ومُعَاذ بن معاذ العنبري، وشبابةُ بن سَوَّار، وأبو داود الطيالسي،

стр. 355

وهو مِنَ المُقدَّمين في حفظ حديث شعبة، وخالد بن الحارث، وشعيبُ بن حرب، وعاصم بن علي بن عاصم الواسطي، وغيرهم مِنْ حُفَّاظ أصحاب شعبة، قد رووه عنه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فلا تُعادِلُ روايةُ حجاج بن نصير روايتهم، بل جزمَ الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزَّار في "مسنده" بأنَّ الأعمش إنَّما رواه عَنْ أبي صالح، عن أبي سعيد، فإنَّه رواه عن عمرو بن علي، عن وكيع، كما تقدَّمتِ الإشارةُ إليه، وقال عَقِبَهُ: هذا الحديث رواه الأعمشُ عن أبي صالح، عن أبي سعيد، ورواه عاصمُ بنُ بهدلة، وزيدُ بن أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ثم قال: والطَّريقان عندي جميعًا صحيحان. قلت: وروايةُ زيد بن أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة لم أقف عليها بعدُ. بل وقفت على روايةِ زيدِ بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري في المعنى. رواه ابنُ مردويه في "التفسير" مِنْ وجهين صالِحَيْن إلى زيدِ بن أسلم، به. فإن كان إسنادُ الرِّواية التي أشار إليها البزَّارُ صحيحًا إلى زيد بن أسلم، فتقْوى رواية عاصم بها، ويصحُّ قولُ البزَّارِ: إن الطريقين صحيحان، واللَّه أعلم. وممَّن رواه عن الأعمش غيرُ مَنْ تقدَّم، فجعله مِنْ مسند أبي سعيد، سوى مَنْ تقدم: قال عبدُ بنُ حُميد في "مسنده": حدثنا أحمدُ بنُ يونس، حدثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسبُّوا أصحابي". الحديث. وكذا رواه خيثمةُ في "فضائل الصحابة" له عن الجِنِيني، عن أحمد بن يونس. وكذا رويناه في الجزء الثاني من "فوائد أبي الفتح الحدَّاد" رواية السِّلفي عنه، مِنْ طريق عاصم بن يوسف اليربوعي، عن إسرائيل. ورواه البرقاني في "المصافحة" عن عبد اللَّه بن عمر الجوهري،
следующие страницы →