← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قد كنت آمل (١) أن أُعْزَى إليه إلى ... أنْ حقَّقَ اللَّه لي مِنْ ذاك آمالا مع كُثْرِ وُلْديَ مُذ (٢) أوليتني نعمًا ... لم أشكُ بعدُ مع الإكثار إقلالا أنتَ الخُلاصةُ ذو الأمرِ المُطاعِ وقد ... حويتَ إذ كنت أسمى النَّاس أفعالا وزدتُ عطفًا وتوكيدًا ومعرفةً ... مُذْ جئتُ نحوك بالشَّرح الذي طالا فبَسْطُ عذري عَنِ التَّقصير في مدحي ... إذا غدا مَنْ سِوَى مولاي إهمالا فاللَّه يجعلُ هذا الحولَ مُقترنًا ... باليُمن يقدم إسعادًا وإفضالا واحفَظْهُ في نفسه مع نجلِه أبدًا ... وأصلِحْ به في كلا الحالين أحوالا وله قصيدة أنشدها عند عود صاحب الترجمة مِنْ تجريدة آمد، أولها: صبٌّ قضى حيث لم يقض الذي وجَبا ... مِنْ وصل محبوبه والقلبُ قد وَجبَا وأخرى أنشدها عند ختم "فتح الباري"، أوَّلُها: إذا (٣) نوَّه الحادي بذكرك أو حدَا ... تيقَّنتُ أنِّي صرتُ في الحبِّ أوْحَدا إلى غير ذلك ممَّا أودَعه في "ديوانه" (٤). [الشهاب المنصوري] ومنهم: الشهاب أحمد بن محمَّد بن علي بن محمد بن أحمد المنصوري. فمن نظمه: ما أنشده لصاحب الترجمة بحضور الطَّلبة وغيرهم بالخانقاه البيبرسية، وكتبها عنه شيخُنا العلامة ابن خضر، وسمعتها مِنْ لفظِ

стр. 422

ناظمها (١). يا رَشَأَ لنوم عيني شَرّدَا ... قد كان عيشي بكَ عيشًا رغدَا يا صادرًا عن مَنْهل الدَّمع لقد ... شاهدتُ من طرفك حَتْفًا وردَا طرفٌ عن التكحيل مُستغنٍ فمَنْ ... رأى غنيًا في الورى مجرَّدَا شَنَنْتَ بالهجرِ عليَّ غارةً ... ولم تَخَفْ في قتلِ صبٍّ قَوَدَا قد كان صبري في الهوى يخذُلني ... لولَا وجدتُ مِنْ دموعي مدَدَا عجبتُ مِنْ فعل الهوى بأهله ... كيف يصيدُ الظبيُ فيه الأسدَا مُذ لاح للعذَّال حسنُ وجهه ... كادوا يكونون عليه لِبَدَا أصبح سكرانًا بخمرِ ريقه ... أما تراه في الحَشَا مُعَرْبِدَا في خدِّه الأحمر آسٌ أخضرٌ ... يحرسُه مِنْ شَعرِه بأسودَا جفاك يا قلبُ وخانَ عهدَه ... فاصْبِرْ وإلا مُتْ عليه كمَدَا مَنْ لمْ يَعُدَّ للجَفَا ليَالِيًا ... بكى دمًا مِنْ دمعه وعَدَّدَا ضلَّ الكرى عَنْ مقلتي لمَّا رأى ... طرائقَ الدَّمع بِخَدِّي قِددَا فحُقَّ لي مذ زار جفني نومُه ... أن أشكرَ الرَّحمنَ ثم أحمدَا سيدَنا قاضي القضاة المرتضى ... للدِّين والدُّنيا إمامًا مُقتدى سَمَيْدَعٌ قد طابَ أصلًا وزكا ... فرعًا ونال رِفْعَةً وسُؤدَدَا فمِنْ قديمٍ هو أزكى عنصُرًا ... وفي حديثِ هو أعلى سَندَا أضحت به الأيامُ مستبشرةً ... وأصبح الشَّرع به مؤيَّدا

стр. 423

وهزَّت العلياءُ تيهًا عِطفَها ... لما ترقَّى من ذُراها مَقْعَدا حديقةُ الفضل به قد أينعت ... وانتعشَتْ مِنْ راحتَيْه بالنَّدى لا بَلَغَتْ حُسَّادُه مناهُمُ ... وكلُّ كبشٍ منهمُ له فِدَا همُ شياطينٌ فمَنَ تمرَّدا ... منهم يَجدْ له شهابًا (١) رَصَدَا قد خبُثُوا ذاتًا ومعنى والذي ... يَخْبُثُ (٢) لا يخرج إلا نَكِدَا يا مَنْ غدا يَقيسُه بغيره ... ويْحك لا تعْثُ في الأرض مُفسدَا هل تجعل النَّاقةَ كالبُراق أو ... هل صالحًا في المجد مثلُ أحمدَا دع فاعلًا قد كان مفعولًا به ... وأفعل التَّفضيل صله أبدًا وإن يُضارِعْه امرؤ في فضله ... له المضارع اجعلَنَّ مسندًا لا تُرجُ إلا مَنْ تسامى قدرُه ... أو لازمَ الصَّدَرَ كمن لي مُنجِدا رفيعُ قدرٍ لا يزال قَدْرهُ ... على الذي في رفعِه قد عُهِدَا مَنْ زاره يخلُدُ في إنعامه ... فزُره خالدًا وقبِّله اليدَا نوالُه قبلَ السُّؤال واصلٌ ... فلن ترى لسائليه مَوعِدًا فسله مهما شِئت مِنْ جودٍ ومِنْ ... علمٍ ترى بحرًا خِضَمًّا مُزْبِدَا لم يخلُ عقدُ مجلسِ إنْ لَمْ يَكُنْ ... يومًا بشهدِ لفظِه مُنْعَقِدَا أشجعُ مَنْ في حربِ بحثٍ ينتضي ... للخصْم مِنْ لسانِه مهنَّدَا مهذَّبٌ بِدُرِّ عِقْدٍ نظمُه ... جِيدُ الزَّمان قد غَدَا مقلِّدَا لو قيس بيتٌ مِنْ بديع شعره ... بكلِّ ديوانٍ لكان مفْردَا يُطْرِبُ ألبابَ الجُفاةِ لفظُهُ ... كأنَّما تسمَعُ منه مَعْبَدَا ما للمعاني عَنْ عُلاهُ مصدرٌ ... يومًا ولا اختارت سواه مورِدَا

стр. 424

فلفظُه العسجدُ في علُوِّهِ ... لو أن لفظًا يستحيلُ عسجدَا يا سيدًا بفضلِه وبَذْلِه ... صَيِّر أحْرارَ البَرايا أعبُدَا العبدُ قد أهدى إليك مِدحةً ... وربما يُهْدَى إلى البحرِ النَّدى تصْغُرُ عَنْ قَدرِك إلا أنَّها ... رضًا لأحبابٍ وغيظٍ لِعِدَا أبَتْ جِلَا -إلا عليك- بِكْرِهَا ... إذ لم تجد غيرَك كُفؤًا أحدًا لا زلتَ ترقى رُتَبَ المجدِ الذي ... إذا تدانى كاد (١) يعلُو الفرقَدا ولا بَرِحْتَ للأنام ملجأً ... ومَنْجًى وللعُفاةِ مَقصِدَا [الشهاب ابن والي] ومنهم: الشهاب أحمد بن محمد، عرف بابن والي. فأنشدني من لفظه لنفسه: قاضي القُضاة شهابُ الدين سيِّدُنا ... ركنُ المذاهب بيتُ الفضلِ والنَّظَرِ نال المُنى بمقامٍ زادَه شرفًا ... شيخُ العلومِ فخارُ الرُّكْنِ والحجرِ [الشهاب السَّيرجي] ومنهم: القاضي شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن أحمد السَّيرجي الشافعي. فكتب إليه، وقد أسدى صاحبُ الترجمة إليه معروفًا: باللَّه قُلْ لإمامِ العصر سيِّدِنا ... قاضي القُضاة المفَدَّى عالم الفِرَقِ يا نُخبة الدَّهر حتى لا نظيرَ له ... ويا خطيبًا إلى المجد المنيف رَقِي جمعت مفترقات الحُسن فانعطفت ... عليك طُرِّا وهذا العطفُ من نسَقِ إن كنت في الناس معزُوًّا إلى حَجَرٍ ... فإنَّه الحجرُ الموضوعُ في الحَدَق بل المكرَّم بل جاءت مدائِحُنا ... للاستلام تجِدُّ السَّيرَ في عَنقِ

стр. 425

قلَّدتنا منك أطواق الحَمام من الـ ... ـفضلِ العميم (١) فصِرْنَا وهي في نسقِ فالوُرقُ تصدحُ بالأشْجار في ودقٍ ... ونحن نمدح بالأسحار في ورقِ فأسأل اللَّه يُجري سُحْبَ أنعُمِه ... مِنْ فضله غَدَقًا عَنْ فضلك الغَدقِ ثمَّ الصَّلاةُ على المختار مِنْ مُضَرٍ ... خير البريَّة في خَلْق وفي خُلُقِ [الزُّعيفريني] ومنهم الشهاب أحمد بن يوسف بن محمد الزعيفريني. فكتب تُجاه تقريظه الثاني لابن ناهض: هذا هو السِّحْرُ لا النفَّاثُ في عُقَدٍ ... هذا هو الخمرُ لا المعصورُ مِنْ عنبِ [المجد الزَّمزمي] ومنهم (٢) المجد إسماعيل بن علي بن محمَّد الكازروني الزَّمزمي المكِّي، والد أبي الفتح ونابت (٣)، مدحه بقصيدة منها (٤): إنْ لم تجودُوا بالوصال وطالَ في ... هُجرانِكم لَيلي البهيمُ مِنَ السَّهرْ فَدُجَاهُ يجلوهُ شهابٌ ثاقبٌ ... مِنْ جَدِّه كيدُ العِدَى عَنِّي حَجَرْ [ابن حجَّة الحموي] ومنهم العلامة تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي. فقال في تقليده الذي كتبه له حين ولي قضاء الشافعية بالديار

стр. 426

المصرية، حسبما هو في "قهوة الإنشاء" (١). الحمد للَّه الذي أطلع للمسلمين شهابًا مطالعُ الأنوار ومشارقُها بكماله تشهد، وأيَّد الشرعَ الشريفَ بمن إذا حمِدُوا إمامًا، قلنا لهم: هذا الإِمام أحمد. وقد أسندوا إليه صحيح الحديث النَّبويِّ و"مسند أحمد" لا يُجْحَد. وهو الشِّهابُ الذي إذا ناظَرهُ البدرُ رمِدَ لحمرة الشَّفق من طول تسهيده، والحاكمُ الذي أعز اللَّه أحكامَه، وكيف لا، والبخاري مِنْ بعض شُهوده، وقد فتحَ اللَّه له بابَ شرحِه، فكلُّ عالم إلى الدخول مِنْ هذا الباب جاري، وما شكَّ مسلمٌ أنَّ هذا الفتح المبارك "فتح الباري". نحمَدُه على الإلهام إلى وضع الأشياء (٢) في محلها، ونشكره على العمل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، شهادةً تتميَّزُ مؤدِّيها عندَ الحَكَم العَدْل بالعدالة. ويرى علامة القَبُول وتتناول بخط الكرام الكاتبين أسجاله. ونشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الذي مَنْ أتقن علومَ حديثه، كان أحمدَ هذه الأمة، وشهابها الذي يُزيلُ عنها مِنْ دُجَا الإشكال كلَّ ظُلْمة. صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، صلاةً ما برح الحُكْم بموجب بركاتها مُسَجَّلًا، وفضل حديثها (٣) القديم مَعَ الرُّواة مُسلْسَلًا، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمنصِبُ الشرع قد فهمنا مِنْ لسان حاله ما يُغني عَنْ بيانِ النطق وبلاغته، وعلمنا أنَّه مُفْتَقِرٌ إلى شافعيٍّ تتكملُ صحَّةُ العقُود بثبوت كفاءته، ومُلتَفِتٌ إلى إمامٍ تُصلِّي أئمةُ العلم خلف إمامته، وتعزُّ الأصحاب في أيامه بأحمد [وصحابته.

стр. 427

ولقد أكثر هذا المنصب سؤاله على أن يتأيَّدَ بهذا الإِمام في الأيام المؤيدية (١)، وكرر ذلك] (٢) على أن يستضيء بنُوره الظَّاهر في الأيام الظَّاهرية، وأبي اللَّه أن يظهر شرف هذا الشهاب في غير أيامنا [الأشرفية، وإن تأخر فتأخُّرُهُ في الوقت، لا في الدَّرجة العالية. فإنَّ المناصبَ تارةً يسمو بها صاحبها] (٣)، وتارة تكونُ بمثلِ هذا الشهاب الزاهر زاهية (٤). فإنَّه ممَّن يجِلُّ أن يُقال في ولاية مثله: ليت ولولا. وإن تقدَّمته ولايةٌ، فلسان الحال يتلو (٥): ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٣]. وقد طوينا به أخبارَ مَنْ سلَفُوا ... لأنَّه عَلَمٌ بالفضل منشُورُ أحاط بالعلم حتى صار (٦) يحصُرُه ... كأنَّ أفكارَهُ مِنْ حولِه سُورُ ومِنْ فوائده يُعطي بلا قدرٍ ... فما لإعرابه في الفَضْلِ تقديرُ بدا الهلالُ وقد هُنِّي بطلعته ... فصارَ للناسِ تهليلٌ وتكبيرُ (٧) وأبيضُ الصُّبح قد وافاه مُبتسمًا ... وأسودُ اللَّيلِ قال العبدُ مسرورُ له يراعٌ سعيدٌ في تقلُّبه ... إنْ خطَّ خطًا أطاعته المقاديرُ محَبّرٌ وبتحرير العلوم إذا ... جرى يُرى منه تحريرٌ وتحبيرُ كذا محابُره سودُ العيون فإنْ ... دانت أياديه فهْي الأعينُ الحُورُ ولقد مدَّ الهلال شَفَةً فتحت لتقبيل هذا التقليد، وأشعلَ كفُّ الثُّريِّا شمعة المرِّيخِ، فوقف بها مسرور الليل مِنْ جملة العبيد، وتقمَّع كفُّ الخضيب بسوادِ الليل، وترك عين الشَّفق عليه حمراء. وبالأمس نزل

стр. 428

فارسُ الغيث عن تفُّرق البرق، وقبَّل مواطىء الأرض على هذه البُشرى، وسال نهرُ المجرّة ذلك، فردَّ سائله نهرًا. وكشف الجو شعريّة الغيم عَنْ وجوه أقماره، وحيَّا مِنْ نجومه وشموسه بنرجسه وبهاره. وابتسم ثغرُ البرق عَنْ لَعَس الغيم، فلم يفُته مِنْ دُرِّ النجوم شَنَب، وما خفي أنَّ السُّحبَ أدارت كؤوس الهَنَا مبرَّدة، وكان جمان البَرَدِ لها مِنْ بديعِ الحَبَب، وهام حوتُ السَّماء إلى العَوْمِ في بحر علومه الذي زاد على [النِّيل بكثرة النَّيْل. وودَّ زورقُ الهلال أن يوسق مِنْ عنبر سطوره، لا من حمولة عنبر الليل. فإنه] (١) الشِّهابُ الذي إذا غَامرَ في أمر مَرُومِ، لم يقنع بما دون النُّجوم. وقد انتهت الغايةُ بولايته إلى أنْ صار شرطَ كلِّ واقفٍ ماشيًا، وقضت نُوَّابُه بالحقِّ، فصار كلٌّ منهم يقتُل الباطل قاضيًا. وأنعمنا على هذا المنصب بولايته، فاعترف بجزيل الصَّنيع، وارتفع المحرَّمُ في صفر، فتنزه المسلمون في ربيع. ولما كان الجنابُ الكريم الشهابي هو الذي حصل الإجماعُ مِنْ أئمة الفِرَقِ على تقديمه، ورسم اختيارنا الشَّريفُ برسم تقليده. فما خالفَ مسلمٌ في تَوْرِيَةِ مرسومه. وقال المتعبِّدُون بالعلم: هذا إمامنا بالجامع الكبير. وقال "لسان الميزان": هذا بشهادة اللَّه صاحب التحرير. وهذا صدرُ العلماء الذي اطمأن به قلبُ الزَّمان، واشتدَّ ظهرُه. وإن قلنا: إنَّه ساد على كثيرٍ مِنَ المتقدمين، أنشد لسان الحال وقد رسخ في المسامع شعرُه: يقضي الحسودُ له قضاءَ ضرورةٍ ... بفضيلةِ الطَّاري على المتقدِّمِ اقتضت آراؤنا الشَّريفة أن نظهر في أفق ملكِنا الشَّريفِ نورَ شهابه، ونثبِّت أوتاد الدِّين القيِّمِ مِنْ غيرِ فاصلةٍ بأسبابه. فلذلك رسمَ بالأمرِ الشَّريفِ العالي المولوي السلطاني الملكي الأشرفي -لا زالت شُهُبُ العلم في مطالع شرفه زاهرة، وحدائقُ مصنَّفاتِ العُلماء في روضات أيامه زاهرة- أن يُفَوِّض

стр. 429

للجناب الكريم، المشار إليه وظيفة قضاء قضاة (١) الشافعية بالدِّيار المصرية والممالك الإسلامية المحروسة. فإنَّه الشِّهابُ الذي نجومُ تصانيفه مُشرقةٌ في ظلمة كل إشكال. ولمَّا خشينا مِنَ الجهل برجال الحديث، بادَرَ إلى الاحتفال بأسماء الرجال. وهو بحمد اللَّه نتيجةُ هذا العصر، وصاحبُ المقدمة (٢). وبه حصل التغليق، وفزنا بالتوفيق. وهمنا إليه بالتَّشويق، فأكرِم بها مكرمة. ولقد تميز عندنا بتقريب الغريب، وقلنا: لا ينكر ذلك لِمَن جُبِلَ على تهذيب التهذيب. وتاللَّه إنَّ ثقاة الرِّجال تشهدُ له بالتَّمييز والإعجاب، فإنَّه المقرِّرُ للإصابة، وعنده شفاء العِلَل وخاص اللباب. ما جاءه مستفيدٌ إلا وجدَ عنده الإيناس وترتيب الفوائد، ولمَّ تفريقَ ذهْنِه، بالمجْمَع، وفرجه بعد نقصه بالزوائد. فإنَّه الشِّهابُ الذي له الأجوبة المشرقة، وصاحبُ الاستدراك الذي التفَّ منه وجهُ كلِّ مصنِّفِ مِنْ الحيا. وكم لمَّ أطراف الأحاديث المختارة، فأغنى بنُورِ شهابِه عَنِ الضياء، وهو صاحب النُّكت والتَّخريج والتغليق والترتيب. وكم جاءنا بالمنتخب والتعريف بالنبأ، ونبَّه الأفهام بالتَّقريب. وإن ذكرت المقاصد الحميدة، فهو صاحبُ المقصدِ الأحمد، وقد استدَّ به هذا الباب؛ لأنَّه صاحب القصدِ المسدد. وهذا الشُهابُ بحمد اللَّه صاحبُ الأنوار، والآيات المنيرة على شمس النهار. وقد أقرَّ له أهلُ العلم بالاعتراف، لما نبَّه ناسيهم بالتذكرة، وعده لهم نزهة النَّواظر وتبصير المنتبه وتربية الطَّالب على الخصال التي هي مِنَ الذُّنوب مكفِّرة. ولقد أرانا مفتاحَ كلِّ تلخيص، وأعرب عَنِ المعجم الكبير وحرَّره. ولمَّا أحكم تصحيح الرَّوضة، أظهر فُروع أفنانها مُزهرة، وشرح مناسك المنهاج، فحجَّ بالمسلمين وهو قاعد، وكلّ ما علَّق الشافعيُّ القول

стр. 430

به على الصِّحَّة، كانت المنحة عنده على تلك الفوائد. هذا، ومصنَّفات الغيرِ في بقية العلوم، فقد تكرَّر وقوفُها له بالأوراق، حتى رَفَع عنها مظالم الإشكال، وطوّق أجيادَ طُروسِها مِنْ سطورِ تنكيته باطواق. فلينظر فيما فوَّضْنَا إليه، فإنه -بحمد اللَّه- أهلُ النَّظر والبصيرة. وقد رجَوْنَا أن تكونَ ولايَتُنا له عند اللَّه نعمَ الذَّخيرة. والوصايا كثيرة، ولكن مثل رشيد رأيه لا يدلُّ على صواب. فإنَّه الحاكم الذي إذا حكم في كتابه، عُوِّذ المسلمون بـ ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢] وما أحقه بقول الفاضل: "وقَرَّت به العُيونُ، وأقرَّت الألسنة". وسارت فضائل هذا الشهاب مسيرَ الشَّمس، فملأت النَّواظر والأمكنة. وتعالى المادح في صِفاته، فكانت أكثرَ مِنْ دعواه البيِّنة. ولقد قال العدو فيه ما قاله الوليِّ، وأشبهت به صدورُ الكتب صدورَ الغانيات بما فيها منَ الحُلِيِّ (١). وقد أعادَ على الإِسلام زمانَ السَّلف الصالح، وأشرقَ سعدُ سُعودِ شهابه، فاستعمل للأعداء سعدَ الذَّابح. وتحصَّنت سماءُ الدِّين به فوقَ سماء الدُّنيا، فما استطاعها ذمُّ النَّابح. واللَّه تعالى يُديمه شهابًا يحرِقُ به المرَدَةَ مِنْ أعداء هذا الدِّين، ويبقيه خاتمة لِمَنْ سلفَ مِنَ الأئمة. وختامُ هذا الدعاء يحسُن بآمين. [أبو بكر الزبيدي] ومنهم: الرضي أبو بكر بن أبي المعالي الزَّبيدي، ستأتي في الألغاز (٢) أبياتٌ قدَّمه فيها على الفاضل وابن الأثير.

стр. 431

[ابن صدقة] ومنهم: البدر الحسن بن أحمد بن صَدَقة (١) الحُصوني ثمَّ الحلبي. فقال لما أجاب صاحبُ الترجمة البدرَ ابن سلامة بما سيأتي في المطارحات مما سمعه منه صاحبنُا النجم بن فهد الهاشمي العلوي: ألا يا فريدَ الدَّهرِ يا واحدَ العصر ... نظمتَ عقودا مِنْ جُمانٍ ومِنْ دُرِّ وأبرزت من أبكارِ (٢) فكرك بلْوَرَ ... عرائسَ أبكار تجلت من الخِدْرِ وحلَّيت هاتيك العُقود فوُشِّيت ... وسبَّلتَها للخاطبين بلا مَهْرِ فلله ما أغلى (٣) معاني بديعِها ... وللَّه ما أغلى نفائسها الغرِّ إذا جُلِّيَتْ بين النَّدامى شَمولُها ... تراهم سكارى مِنْ شذاها بلا خَمْرِ وإن نُشِرَتْ أوصافُ طيِّ جمالِها ... لهم ذهلوا في ذلك الطيِّ والنَّشرِ فيا خاطبين الحور مِنْ جنةٍ إليّ ... هلمُّوا إلى حُورٍ حسانٍ مِنَ الفكرِ ولمُّوا (٤) إلى روضاتِ جنَّاتِ نُزهة ... أزاهرها تزهو على الأنجُم الزُّهرِ رياضٌ تجلَّت في غلائلِ سُندسٍ ... مرقَّمة بالوشْيِ مِنْ مُونِقِ الزَّهْرِ وقد عبَقَت أنفاسُ عطرِ نسيمها ... فعطَّرتِ الأكوانَ مِنْ نشرها العِطرِ فنُشِّقتُ منها ريمَ رامةَ والنّقا ... وأنفاس ليل فاعتراني الهوى العُذري ونادتنيَ الأشواقُ يا مدَّعي الهوى ... أما هذه ليلى أماطت عَنِ الثَّغرِ فأين الذي يبغي التقاطَ جواهرٍ ... مِنَ الثَّغر والأفكارِ والنَّحر والبحرِ تبدَّت لنا مِنْ فكرِ أفضلِ عالمٍ ... وأكملِ مَنْ قد فاق في النَّظم والنَّثرِ

стр. 432

إمامِ البرايا شيخ الإِسلام حافظِ الـ ... ـزَّمان يتيمِ الدَّهر في الفضل والفَخْرِ وقال أيضًا مما سمعه منه النجم المذكور: مَنْ أودع السِّحرَ في تكسيرِ مُقلتِه ... وأينعَ الزَّهرَ في جنَّات وجنتِهِ وألمعَ البرقَ مِنْ أنوار مبسَمِه ... وأطلعَ البدرَ في ديجور جُنَّتِه (١) ومَنْ أدار يواقيتَ الشِّفاه على ... جواهرٍ نُظِّمت في سلك لَبَّتهِ ومَنْ لتبريد قلبٍ نارُه اتَّقدت ... مِنْ نورِ شمسِ مُحيّاهُ وطلعتِهِ يا عاذلي فيه ما هذا الضَّلالُ وقد ... نطَقن (٢) عن طرفِه آياتُ فترتِهِ أرشد سواي فلا أصبو إلى عذَلٍ ... ولم أحُلُ عَنْ معاني حُسْنِ صورتِهِ غُصْنٌ إذا ماسَ في أغصانِ دَوحِ نقًا ... تعلَّمت هيفاءُ مِنْ حُسْنِ خَطْرَتِهِ فردُ الجمال كما في الفضل سيِّدُنا ... قاضي القُضاة فريدٌ في سيادتِهِ قطبُ الزَّمانِ فريدُ العصرِ حافظُهُ ... بحرُ العلوم فكلٌّ في قَضَايتِهِ وشيخُ الاسلام هادي الطَّالبين إلى ... مناهجِ الفضلِ مِنْ يُنبوعِ حكمتهِ هو المعوَّلُ في هذا الزمان على ... عُلومِه، المتعالي في روايتِه هو الذي انتشرت آياتُ حكمتِه ... في الخافقين فتِهْنا في محبَّتِهِ سبحان مَنْ خَصَّه بالفضل أجمعه ... وخصَّنا بتدانيه ورؤيتِهِ (٣) قد ساقه اللَّه مَنْ مصرَ إلى حلبٍ ... لِيخُصَّني بسَنَا أنوار مُهْجَتِهِ ماذا أقولُ مديحًا فيه وهو على ... أسنى المديحِ تسامى فوقَ رُتبتِهِ وإنني لو وضعتُ النَّفس موضِعَها ... لكنتُ دانيت عن مدحي لعزَّتِهِ وحِلمُه وهو أهل الحِلم يحملني ... على اجترائي ولسْت (٤) أهلَ مِدحتِهِ

стр. 433

ثمَّ الصَّلاة على المبعوثِ مِنْ مُضرٍ ... خيرِ النَّبيِّين هادينا بشِرْعتِهِ ما رنَّح الرِّيحُ بانات اللوى (١) سحرًا ... وأطربَ العِيسَ حاديها بنغمتِهِ [حسن الصَّفدي] ومنهم حسن بن عبَّاس بن محمَّد الصَّفدي، ثم الدمياطي. فأنشدني حيث (٢) لقيته بها قصيدةٌ أولها: أقول وقولي جامعُ الحمدِ والثَّنا ... لمن شرح النَّقل المُشَيَّدَ (٣) كالبِنَا وأتقنَ أحكامَ الجواهرِ كلِّها ... صحاح رجال الفضل والجود والثَّنا وهي تسعة عمر بيتًا، حذفتها تخفيفًا. [ابن العُليف] ومنهم البدر حسين بن محمد بن حسن العُلَيف المكي الشافعي. فقال فيما أجازنيه، وسمعه صاحبنا النجم ابن فهد الهاشمي من لفظه بجدَّة سنة خمسين، مما أرسل به لصاحب الترجمة (٤). مِنْ رُبا عِترة المحل الأمين ... وثرى مَسْقط الرأس الأمينِ صدرت لي أَلُوكَة مِنْ مديحٍ ... بالثَّنا والدعا والحنينِ (٥) داعيات (٦) باليُمن للباب يمنى ... حجرٌ للإله خير يمينِ

стр. 434

لإمام الزّمان مُسندِ وقتٍ ... رُحْلَة العصرِ في جميع الفنونِ وهو قاضي القُضاة في خيرِ مصرٍ ... شيخُ إسلامنا شهاب دينِ (١) هو عتَّاب حكمُهُ وشُريحٌ ... وإياسٌ في فطنةٍ لفطينِ وهو سفيانُ علمه ابنُ سعيد ... وهو سفيانُ حفظه ابن عُيينِ ومراسيلُه حكت لسعيد ... في مراسيله صحاحُ المتونِ وأسانيده بلا قلت فيها ... وبلا عقل نزهت مِنْ جفونِ بغية الطَّالبين في كل فنٍّ ... عينُ أعيانِ مصر في التَّعيينِ عسقلاني عطا مكيُّ فقهٍ ... وهو في حفظه عَلِيُّ ابن المديني حجَريٌّ (٢) له معينُ حديثٍ ... ارتوى من زلاله ابنُ معينِ وهو في حفظه كشعبة ورد ... وابن سيرين قبله وابن عونِ شافعيُّ العلومِ في كلِّ علمٍ ... مزنيٌّ ولا أقول مُزَيني وعَلَا ابنَ العلاءِ قراءة حفظٍ ... وأبا عمروٍ بعده والرُّعيني وهو طوسيُّ حفظه في حديث ... وأبو زرعة لحفظٍ مُبينِ وسما في كماله ابنَ سُرورٍ ... ثم مِزيُّ الحفظ والبلقيني (٣) وابن عبد البر ثمّ السهيلي ... فاق في النَّقل نقلَهم عَن يقينِ وهو أحيا في العلم صاحبَ "إحيا" ... والجويني في الفهم (٤) والقزويني وله في "الوجيز" لفظ عَزيز (٥) ... عمَّ بالبحرِ روضةَ التَّفنينِ وله في "البيان" حُسن بيانٍ ... وله في "المعين" رأيُ مَعِينِ

стр. 435

رافعيُّ العلومِ وابنُ دقيق ... وابن بري يحيى سليلُ حسينِ وهو أحيا في أرضِ مصر أخيرًا ... لسراجِ الأئمة البلقيني فاق في "فتحه" البخاريَّ شرحًا ... لابن بطال باطلِ التَّبيينِ يا شهابَ الهُدى ويا خيرَ قاضٍ ... حازَ في علمه جميعَ الفُنون فاق في فقهه أصولًا وفرعًا ... وخلافًا ومذهبًا ذا شُئُون (١) حازَ في العلم كلَّ معقول علم ... ثمَّ منقولِ حافظٍ وأمينِ بإجازاتِ مدحنا جُدْ، وجُدْ لي (٢) ... بإجازات علمك المكنونِ قل لنا في سؤالنا منك حرفًا ... لم يكُن فيه حرفُ مدٍّ ولينِ لم يكن فيه حرف عِلَّةِ منعٍ ... وهو اسمٌ لجمعِ مال ضنينِ ذاك شيءٌ له عَطِيَّةُ وَعدٍ ... وهو دَين لذي سماحٍ ودينِ قلبُه إنْ أردتُ معنى فمعنى (٣) ... علمه في سماحِ جُودٍ هتُون فافهم الرَّمزَ يا إمامَ زمانٍ ... هو في فهمه فريدُ القَرينِ مَنْ رجاهُ فليس يُخُفِقُ مَسْعَا ... هُ ولا ينثني بخُفَّيْ حُنينِ حاطكَ اللَّه شرَّ مِعْيانِ عينٍ ... مثل صادٍ وحاجبٍ مثل نونِ وكَلَاك الإلهُ مِنْ كلِّ سوءٍ ... بالطَّواسيم ثمَّ صادٍ ونونِ دُمت فينا إمام سُنَّةِ علمٍ ... منه تحيي المفروض بالمسنونِ أنت فيه للمؤمنين أمير (٤) ... بيقينٍ مِنَ المحال يقيني يقبل الأرض، ويُنهي أنَّه ما انحسرت بمعاجر الدَّياجي عَنْ فَرْقِهَا الأشيب، ولا ضحكت أوضاحُ الصباح عن ثغرها الأشنب، إلا وأخذ العُبَيدُ

стр. 436

مبتهلًا بالأدعية المجابة، تُجاه بيتٍ جعله اللَّه للناس أمنًا ومثابة، وخصَّ الدُّعاء حوله في خمسة عشر موطنًا بالإجابة، لعلمه أنَّ ذلك فرضُ عين، يتعيَّن على ذي بصيرة وعين وأوان وعين، لمولانا وسيدنا ملك العلماء الأعلام، سيد القضاة والحكام، الموفَّق في الأحكام، شيخ مشايخ الإِسلام، العالم بالحلال والحرام، الإِمام العلامة الهُمام الخضم الكَهام، أمير المؤمنين في حديث سيد الأنام، قاضي القُضاة المجتهدين، واسطة عقد دُرِّها الثَّمين، مولانا شهاب الدنيا والدين، خالصة أمير المؤمنين، أسعده اللَّه في الدَّارَيْن والدَّارِين، وأتحفه بسلامٍ أطيبَ مِنْ مِدْرارين، الغنيُّ عَنِ الإطناب في الألقاب، العَنِيُّ بخدمة الأحباب والأصحاب، إمام أهل السنة الفائق على صاحب الجُنَّة، أثابه اللَّه الجَنَّة، وحرسه اللَّه مِنْ شرِّ الإنس والجِنَّة، بفضله والمِنَّة. آمين. وبعد، فلما شاع من فضله ما شاع، وذاع مِنْ كرمه ما ذل، ما أذهلَ الأبصارَ والأسماع، وعصمَهُ اللَّه تعالى مِنَ الثَّلاثِ المهلكات التي تُروى لها بالسَّماع مِنْ حديث "شُحِّ مطاع"، أحببنا أن يكون له نصيبٌ مِنَ الأدعية الحَرمِيَّة، والمدائحِ المكية، والنفحات الأدوية، والنفثات المعربة (١) اللغوية في الأوصاف الأحمدية، وإمام السَّنة المحمدية، ليشرف بذلك نذير قلمي وبناني، وفهمي وبياني، ويفتخر بذلك نظمُ تصانيفي وديواني، وفرائد قلائد دُرِّ لساني. صدَّرْتُ إلى نظرِ جِهْبذِ الحفَّاظ الكلمة الرائقة، دُرية الألفاظ الحاوية بأوصافه معاني المديح الجائزة، المستحقة منه أسنى جائزة، ومدحنا يُنشد قوافيه قولنا، فيها وفيه: خَيْراتكُم أرجُو لها خيرَ مهرٍ ... مِنْ خيارِ البُعول والأزواجِ مثل بلقيس زُوجت بسليما ... نَ وقد جُرِّبَتْ بصرحِ الزُّجاجِ فهي من فوزِها به في سُرورٍ ... وهو مِنْ حوزهِ لها في ابْتهاجِ في لباسٍ مِنْ سُندسٍ لو أرادت ... سَتَرَتْهُ بشعرِها الدَّيَّاجِ

стр. 437

حليُّهما مِنْ جواهر ونُضارٍ ... واقدٍ مثل لونها وهَّاجِ كل جمع يروي به مثل ليلٍ ... مظلمٍ وهو له مثل السِّراجِ (١) لا اعتراضًا يرى ابنُ (٢) مالك فيها ... لا ولا للخليل والزَّجَّاجِ ولعمري، ما حَسُنَ مثقُوبُ تلك الجواهر إلا بالشِّهاب الثاقب، ولا لذَّ ركوبُ تلك البَكرة الأبيَّة، إلا بركوب الراكب. وهو -أعزَّه اللَّه- كما قيل: ولم يستفد بالمدح ما ليس عنده ... وهل ينفع التحْجيلُ ما هو أشهبُ وقد فتحنا بأوصافه البديعةِ أكرمَ باب، وأبدع جَنَابِ، وما عليه في ذلك مِنْ عاب، إذ ما على الكُرماء مِنْ حِجاب. ولو أسَعدَ الجدُّ وأنجدَ السعدُ، لما ناب في خدمته قلَمي عَن قَدَمي، ولا ورد مشرعة الأُنس به كتابي قبل ركابي، ولا سَعِدَ برؤيته رسولي دُون وصولي، ولكن كيف الطَّيرانُ بلا جَناح، وهل على مَنْ لا يجد مِنْ جُناح. وللَّه در القائل: أهِمُّ بشيء والليالي كأنها ... تُطاردني عَنْ كونه وأطاردُ وأما غيرُ ذلك مما تحيط (٣) به العلوم الكريمة أدام اللَّه علاها، وأعزَّها وأعلاها، أنَّ المملوك ممن يُعزى إلى لُحمةِ أهل الأدب، وله في العلوم بعض طلب، وفي رجائك أقوى سبب، [وأشرف نسب] (٤)، وهو في البُقعة المكيَّة والعَقوة الحرميَّة. بلاد بها نِيطَتْ عليَّ تمائمي ... وأوَّلُ أرضٍ مسَّ جلدي ترابها [وله بمكة المشرفة كَرِش وعيال، تضيق بكثرتهم الأحوال. وهي كما

стр. 438

قال اللَّه تعالى الجليل على لسان نبيه الخليل ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾] (١) [إبراهيم: ٣٧]. وللَّه دَرُّ القائل: ومَنْ طلبَ العيالَ بغيرِ زرْعٍ ... ولا ضَرْعٍ فقد ظلم العِيالَا وامتدحْنَا مولانا سيِّدَ القضاة، المجتهد في طاعة (٢) اللَّه ورضاه بهذه القصيدة الشريفة، والنُّخبة اللطيفة، مستمدين منه أسنى الجوائز، القائم بأوَدِ الحالِّ العاجز، وتقرير صَرَّةٍ جزيلةٍ مِنَ العطايا الجليلة، تكونُ مِنْ حَجَرٍ أشرف الحجرين، ومِنْ شهابٍ فاق (٣) القَمَرين. تُضحي لنا سببًا للغنى مِنْ شهابها، ويُحول الحولُ على نصابها. ولقد كان المملوكُ يرسل إلى أخينا الشَّفيق، الذي هو لنا مِنْ لُحْمَةِ الأدب والعلم شقيق، القاضي شرف الدين إسماعيل المقرىءُ، رحم اللَّه مثواه، وبُلَّ بوابِلِ الرَّحمة ثراه، قصيدة ومكاتبة فيجمَعُ له مِنْ أعيانِ زبيد قدرَ مائة دينار ذهبًا مِنْ يده ومِنْ جاهه، فكأنَّها مِنْ ماله. والمملوكُ يطلبُ مِنَ الصَّدقات القضائية الإمامية (٤) الحاكمية الغرضَ المطلوبَ، أو كالحاجة التي في نفس يعقوب، المساعدة مِنْ ماله وجاهه وشفاعته، وحسن رعايته وعنايته: والفَتَى إن أراد نفعَ صديقٍ ... هو يَدري في نفعه كيف يَسْعَى وعلى المملوك دَيْنٌ ناهض، رفعتُه إلى مَنْ له خافض، يرجو إن شاء اللَّه تعالى مِنْ مولانا القاضي قَضاءَه، ومحو ذلك الدين وإمضاءَه، وهو في ذلك كما قيل: لست مستبطئًا نداك ولكن ... عاجلتني رِقَاعُ أهلِ الدُّيون عَلِموا أنني بوعدك أمسيـ ... ـتُ مليًّا فأصبحوا يَطْلُبوني

стр. 439

ثم ذكر أنَّه يُدَرِّسُ بالحرم في العربية وغيرها، ويسأل في تقرير شيء أيضًا لولدٍ له بالغٍ بارع يسمَّى محمدًا. ثم قال: والحالُ كما قال إمامنا الشافعي ﵁: وإني ليخفَى باطني وهو موجَعٌ ... ويظهر منِّي ظاهري وهو ضاحِكُ وأُسألُ عَنْ حالي وبي كلُّ فاقةٍ ... فأُظهِرُ أني للعراقين مالكُ وذكر أنَّه لا يتعرَّضُ لسؤال أحدٍ مِنَ المكيِّين، وأنه كان أمراؤهم -كحسن بن عجلان- يصله بمائتي دينار فأكثر، وتغير ذلك، وقد ضعُفتِ الولايات، وقُبِضَتِ الحواصِلُ، وقل العُوَّان، واللَّه المستعان، والأمر كما قيل: ذهب الذين يُعاشُ في أكنافهم ... وبقيتُ في خَلف كجلد الأجربِ وقد ذكرنا مِنْ أوصافكم الحميدة، وتراجمكم العديدة، ما عددناه في القصيدة الفريدة، والنُّخبةِ المجيدة، مِنْ تراجم السَّلف الصالح، الذين يُعجزون بأوصافهم (١) كلَّ مادح، مِنَ الصحابة والتابعين [وتابعي التابعين] (٢)، وعلماء الإِسلام والدِّين، أعادَ اللَّه علينا وعليكم مِنْ بركاتهم، ليكونوا عند مولانا سيِّدِ القضاة المجتهدين شفعاء في العطايا العديدة، والمكارمِ المديدة، القريبة غير البعيدة، حتى يقول (٣) كقولنا في ذلك: عزائمكم كالشَّمس تجري ولا تُمسي ... وأقوالنا فُتيا (٤) وآمالُنا تُنشي كأنَّا وقد نِلنَا على البُعد فضلَكم ... أتانا به آتي سليمان (٥) بالعرشِ وإنَّما يعرفُ الفضلَ لأهلِ الفضلِ أهلُ الفضل، وأنتم منهم. ويصِلُنا

стр. 440

الجوابُ والثَّوابُ مونقًا إن شاء اللَّه تعالى بعد السلام ونوال المشار إليه بالأدعية المباركة. باللَّه يا مولانا قاضي قضاة المسلمين، لا تُخْلِفْ عنَّا منكم الصِّلة والعائد مع أولِ وافد ووارد، وجوابكم الشريف وخطابكم اللطيف. فللكتاب حقُّ كردِّ السلام. أنهى ذلك المملوك والسلام. [خطَّاب بن عمر الدمشقي] ومنهم الشيخ خطَّاب بن عمر الدِّمشقي، فأنشدني مِنْ لفظه لنفسه، وكتب ذلك عنه صاحبُ الترجمة [في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة] (١)، فقال: ليس المسمى الاسم عندي فكذا ... حقَّقه الحُفَّاظُ من أهل النَّظَرْ وشاهدي ظَرفٌ ولطفٌ طُبِعَا ... في شيخ الإِسلام الإمامِ ابن حَجرْ قلت: ولصاحب الترجمة: الاسم غيرُ المسمَّى ... والحقُّ أبلجُ واضحُ فإن تشَكَكْتَ في ذا ... فانظرْ لسيرةِ صالحْ [ولغيره [في العكس] (٢): قال النحاةُ بأنَّ الاسمَ عندهُمُ ... غيرُ المسمَّى وهذا القولُ مردودُ الاسمُ غيرُ المسمَّى، والدَّليلُ على ... ما قلتُ أنَّ شهابَ الدِّينِ محمودُ] (٣) ومنهم الغَرس خليل بن أحمد بن الغَرس.

стр. 441

امتدحه بقصائدَ عدَّة طنانة، منها (١): لهجتُ بقولي للدليل ألا سِرْ بي ... إلى أن أصابت مُهجتي ظبيةُ السِّربِ تميسُ قضيبًا ثُمَّ ترنُو بلحظها ... فتاة على الحالين تفتِك بالقُضبِ إذا يَمَّمَ الحادي الحجازَ مُصعِّدًا ... تراني في أوجِّ الحصاف (٢) مع الركبِ وأعشق جَوْرَ العاذلين لذكرها ... وألقاهم باليُمْنِ والبِشْرِ والرَّحبِ عُذَيْبُ الدَّمى فيه العقيقُ وبارقٌ ... يسرُّك دُونَ الجَزْعِ باللؤلؤ الرطبِ وأسبحُ في بحر الدُّموع لحُرقتي ... وتُذكرني حَبْسي أقولُ لها: حسبِي إذا وصلوا بعدَ انقطاع إلى الحِمَى ... تبيَّنَ خسران المحبِّ مِنَ الكسبِ فتُكسِبهم نأيًا وتسلبُهم نُهًى ... فيمسون في بأس مِنَ السَّلب والكَسبِ مقدَّمةٌ في الحُسن تفتحُ لي الأسى ... على أنَّ في إيجابها غايةَ السَّلبِ فكُن لي عذيرًا في حلاوة شكلِها ... فمِنْ ردفها المنقوش دمعيَ في سَكْبِ بخَلْبة خدِّي خيلُ دمعي تسابقت ... مِنَ البيضِ والحُمْرِ السَّوابقِ والشُّهبِ رجية آرام نمت في كناسها (٣) ... محاجِرُها شقت على الضَّيغمِ الصَّعبِ تقول: وقاك اللَّه مِنْ مبتليكَ بي ... أُرَبِّي لك الأسقامَ قلتُ: لها رَبِّي ومِنْ عجبِ الإعجازِ مُرسلُ طرفها ... على بُعْدِ مَنْ يهواه يُنْصَرُ بالرُّعْبِ وأعْجَبُ مِنْ ذا أنَّ بيني وبينَها ... مراحلُ شتَّى وهي في وسطِ القلبِ أكَفْكِفُ دمعَ العين حتى يَريبُها ... خداعي عسَى أن لا تتيه على الصَّبِّ وكم قلت: إنَّ البُعدَ يُنجي مِنَ الجوَى ... ويُنسى وما يُنشِي العظام سوى القُربِ وزوَّرتُ سلوانًا لِخِلِّي وقلت: لا ... يغرُّك إن جاوزت أبياتها عُج بي

стр. 442

وعاذلةٍ هبَّت تلومُ على الصَّبا ... وما سمعت صبًّا يقول ألا صُبِّي فقلت: لكِ الويْلُ امض غير رشيدةٍ ... بذاتِ كُلُومٍ أو تعرَّضتِ للسَّبِّ فلا تفْتَري ثلبًا لأسلو فإنني ... أزيدُ غرامًا كلَّما زدتِ في الثَّلبِ فإنَّ لظى النِّيران حالَ وَقُودها ... إذا أطفئت بالماء تزدادُ في اللَّهبِ بعقلي خيالٌ ليس ينفعه الرُّقَى ... وبالقلب داءٌ لا يُعَالَجُ بالطِّبِّ ولو لم أكن في حالة الصَّدِّ والقِلَى ... أُؤملُ أن أحيا بها لا نقضى نحبي وإن كنتُ في عشقي ضللت فإنّ لي (١) ... شهابًا سمَا يهْدي الهداية للشُّهب شهابٌ له بدْرُ الدُّجى قبَّلَ الثَّرى ... ألستَ ترى في وجهه أثرَ التُّربِ فريدٌ رقى في المجدِ أشرفَ رُتبةٍ ... وليس له غيرُ الفضائل مِنْ تِرْبِ إمامٌ له أهلُ الحقيقةِ كلُّهم ... يُقِرُّون بالعلم الَّلدُنِّي والكَسْبي ونجمُ هُدْىً في حندس الخطب (٢) مشرقٌ ... وإشراقه كَمْ أنقذَ الرَّكب مِنْ كَرْبِ بأحمدَ هذا الدِّينُ كان افتتاحه ... وعَنْ فعلِه والقولُ أنت الذي تُنبي وذا الإسم مخصوصٌ بكلِّ سعادةٍ ... يجِلُّ علاه عَنْ عِدادي وعن حَسبي سموتَ على كعبِ بن مامةَ في السَّخَا ... ورأس الندى أعلى وأشرف مِنْ كَعْبِ وكم حائمٍ حولَ الرِّواية والرُّوى ... روى وارتوى مِنْ فيض مَنْهَلِكَ العذْبِ وأنت الذي بالعَزْم والحزم والتُّقى ... وفتواهُ كم قد فلَّ مِنْ عسكرٍ لَجْبِ ويا مَنْ نشا في ذِرْوَةِ المجدِ يَافِعًا ... له نسبٌ يعلو على شاهقِ السُّحْبِ بنو حَجَرٍ لا يُدرِكُ الضدُّ شأوَهم ... وليس ذُرى الأعلام في الوضع كالهُضْبِ تفجَّرَ منهم أبحرُ العلم والعَطَا ... وكم سبقوا مِنْ ذي كمالٍ وذي لُبِّ وإن أمطرَ العافين نَوْءُ سحابِهم ... يعيشون دهرًا بالفواكه (٣) والأبِّ

стр. 443

أناسٌ إلى أَوْجِ الفَخار تسابقوا ... فأحبِبْ بهم مِنْ سادةٍ قادةٍ نُجْبِ وجوهُهم في ظُلمة المَحْلِ أشرقت ... وهم في المعالي مِنْ صميم ومِنْ صُلْبِ وأشرق منهم نجمُ علمِك بالهدى ... وعَرْفُ ثناء أذكى مِنَ المنْدَلِ الرَّطبِ فصرتَ إمام النَّاس رُحْلَةَ عصرنا ... فكم مُقتدٍ آوى إليك وكم رَكْبِ وما زلتَ يا مولاي قُطبَ رحى العُلا ... مُريدُوك (١) والطُّلَّابُ دائرةُ القطبِ إذا لم يكن للمرء ميلٌ إلى العُلا ... ولا يُرتجى في حالة السِّلم والحرب فكن جاهدًا أن لا تراه مهاجرًا ... ولا تَقْرَبَنْهُ واخشَ مِنْ عَدوة الجُربِ ولا ترضَ إلا كلَّ أروعَ ماجدٍ ... يُنيل إذا اسْتُجدِي على البُعد والقُربِ يُفيدك مالًا أو يفيدُك حكمةً ... فتغدُو غنيًا أو تروحُ أخَا لُبِّ ولم ترَ عينى في زمانيَ واحدًا ... سواهُ حَوى الأوصافَ بل مجدُه يُربي إذا ذُكِرَتْ أخلاقُه وعلومُهُ ... نسيتُ حديثي شِعْبَ بوَّان والشَّعبي وإن كان ذَنْبي فرطُ حبِّي لذاته ... فأُقسِمُ أنِّي لا أتوبُ عن الذَّنب قضيت بما أدى اجتهادك عالِمًا ... بما جاء في التَّنزيل مِنْ حِكَم الرَّبِّ لأنك فينا الآن أعلمُ عصرنا ... وما جاء في التَّشريعِ عَنْ أشرف العُربِ ورَبُّ القَضَا قد أثبت الحُكمُ أنَّه ... يُساق إليكم ذا الحديثُ مِنَ الصَّحْبِ فعن بيتك السَّامي وعَلياكَ ارْوِ لي ... عن الخمسةِ الأشياخ والسَّبعة الشُّهبِ وهل أنا إلا غرسُ نِعْمَتِكَ الذي ... له ثمرُ الآداب دانيةُ الهُدْبِ تهنَّ بعامٍ فيه نجمُك طالعٌ ... يضيءُ، ومَن يَشْنَاك يَهوِي إلى التُّربِ ودُم مشرقًا في كلِّ أفق لنهتدي ... وتجري دموعُ الحاسدين مِنَ الغَرْبِ وتجذِبُهم أيدي الخُمولِ إلى الفَنَا ... فيمسون (٢) في الأموات مِنْ ألمِ الْجَدْبِ

стр. 444

فقد خصَّكَ اللَّه العظيمُ بما يَشا ... مِنَ العلم والآداب والشَّرف النِّسْبي فمُرْ وانْهَ واعْطِ ولِّ واعْزِل واحتكم (١) ... تَطَوَّلْ تَفَضَّلْ جُدْ أفِدْ حدِّثَنْ وانْبي لتُعرِبَ بالحسنى لِمَنْ نحوك الْتَجا ... وترفَعُه في حالة الخَفضِ والنَّصْبِ وسامِحْ أخا الإسهاب في هَذَيانِه ... فما زلتَ يا مولايَ تعفو عَنِ الذَّنب وُقيتَ الرَّدى بحرَ النَّدى مُهْلِكَ العِدَا ... ونحنُ الفِدَا والضِّدُّ يُؤْذَن بالحربِ وسيأتي في الألغاز (٢) مِنْ نظمه أيضًا. [الأقفهسي] ومنهم: الصلاح خليل بن محمد الأقفهسي، كما سيأتي في الألغاز (٣). [غرس الدين خليل] والأمير الأوحد غرس الدين خليل، كما سيأتي في المطارحات (٤). [رضوان العقبي] ومنهم: مُستمليه شيخنا ومفيدنا الحافظ أبو النَّعيم رضوان بن محمَّد العقبي. فقال فيما أخبرنيه مشافهة، وسمعه مِنْ لفظه صاحبنا النجمُ الهاشمي في سنة ست وثلاثين: أما بعد، فإنِّي أحمدُ اللَّه الذي أدَّبَ عبدَه أحمدَ بأحسنِ الأدب، ورفع

стр. 445

رُتبتَه بالفضل، فاتَّصلَ إسنادُه في الصَّحيح إلى أعلى الرُّتب، وأعزِّ الدِّين بعد الغرابةِ بتواترِ شُهرته، حمدًا كثيرًا على جعْلي مستمليًا مِنْ حافظ سنته. وأُصَلِّي على رسوله الذي نسخت شريعتُه الشرائع، ورسَخَتْ محبِّتُه في قُلوب أهل المغارب والمطالع، وعلى كلِّ نبيٍّ ومرسل، وآله وصحبه، والمقتفين سبيلَه مِنْ بعده مِنْ حِزبِه. فقد رأيتُ بعضَ مُحِبِّي شيخنا الإِمام، شيخِ الحُفَّاظ والإِسلام، قاضي القضاة، منقطعِ النَّظير والصِّفات، شهاب الملَّة والدنيا والدين، أبي الفضل أحمد العسقلاني الشافعي، جعله اللَّه مِنَ الفائزين. قد نعتُوه بقصائد في غير بحرٍ كالطَّويل، وعرفتُ أنَّ باعي قصير عَنِ السَّبيل إلى علم الخليل، وكنت من أكثرهم محبَّةً في هذا الحَبْر، لِمَا أسداه إليَّ قديمًا وَحديثًا مِنَ الخير والجَبْر، فتعلَّقتُ تعلُّق الآمل في حصول الآجل، في الوقت العاجل، ونظمتُ هذا العِقْدَ النَّفيس في الرَّئيس البحر الكامل. فأقول وباللَّه أعتصمُ مما يَصِمُ (١): اللَّهَ أحمدُ دائمًا مع شُكْرِه ... مِنْ بعدِ تسميتي بأعظم ذكرِهِ ثمَّ الصَّلاةُ مَعَ السَّلامِ على الرَّسو ... ل وآله والمقتفين لإثرِهِ فالبِشْرُ بشَّر بالهنَا من قد دَنَا ... ودعا إليه مَنْ نأى في برِّهِ سِرْ يا غريبُ إلى العزيزِ بمصرِه ... وارحَلْ إلى المشهورِ رُحْلَة عصْرِهِ فلقد تواترَ فضلُ أحمدَ مُذْ بَدَا ... نورُ الشِّهابِ أنارَ كوكبَ بَدْرِهِ وعَلا على أهل العُلوِّ حديثُهِ ... وسما بعلمِ أُولي السُّمُوِّ ونَشْرِهِ أصلٌ تفجرَ نهرُهُ مِنْ عسقلا ... نَ وفرعُه روَّى أراضيَ مِصْرِهِ نبتَ الرَّبيعُ لوقته ممَّا روى ... قَطَرَ النَّباتُ حلاوةً مِنْ قَطْرِهِ

стр. 446

وبفتح بَارِيه (١) البخاري قد فَتَح ... وتعلَّق التعليق منه بدُرِّهِ ولسانُه متحرِّرٌ في المشتبهِ ... تقريبه التهذيب مِنْ تحريرهِ وجْدِي صحيحٌ مُذْ بدا لي حُسنُهِ ... وجدي ضعيفٌ مُدْرَجٌ في هَجْرهِ لو كنتُ مرفوعًا إليه مُسندًا ... لوصلتُ بعدَ الإنقطاع ببرِّهِ ما زال دمعي مُرسَلَا ومُسَلسَلًا ... حتى وقفتُ ببابه عَنْ أمرهِ إن رُمتَ فتحًا في العلوم بشرحها ... حافِظْ على إملاء حافظِ عَصْرِهِ والزمْ مجالِسَ حَبْر الإِسلام الَّذي ... ما امتدَّ بحرٌ في العلوم كحبرِهِ (٢) وانحه تَجِدْ تصريفَ كشَّاف (٣) الـ ... ـمعالم في القُران ونهره مِنْ بَحْرِهِ واسأل تُجَب فقهًا بأصلٍ زانَه ... جَدَلُ الكلامِ بمنطق مِنْ ثَغْرِهِ وخذ المسلسل أوَّلًا فالأولويَّـ ... ـة سلسلت منه لراوي عُمرِهِ وانقل أصحَّ مقالةٍ عَنْ أحمدَ المـ ... ـختارِ مَنْ حفظ السَّمِي مِنْ صدرِهِ ثمَّ البديع مع المعاني والبيا ... ن لحالِ متنٍ والرُّواة بإثرهِ ثمَّ المناسب آخرًا مِنْ نَثرِ مِنْ ... حاز العُلا والفضلَ أو مِنْ شِعْرِهِ مع الاتِّضاع والانبساط لطالبٍ ... ومكارمٍ منه كحاتِم عصرِهِ ما مِنْ ضعيفٍ ردَّه أو سائلٍ ... إلا بضِعْفٍ سائلٍ مِنْ برِّهِ شرُفَتْ مناصبُ دهرِنا بالأشرف ... السلطان ناصبِ خَيرنا في دَهرِهِ فاللَّه ينصُره ويَعضُدُ شيخَنا ... قاضي القضاة زمانه في مِصرِهِ حسَّادُه نذرُوا بنذْرِ نفوسهم ... لمَّا ولي وفَّي الحسودُ بنذْرِهِ القلبُ صافٍ يقصِدُوا تكديرَه ... والمكرُ لا يُخطي المسيءَ بمكرهِ

стр. 447

هم يعرفون مقامَه إن أنكروا ... شهد المتابع بالمنى في نُكْرِهِ كم ناسخٍ في عامه مع سُرعةٍ ... أعياه تصنيفٌ له في شهرهِ في نحو ضعف اليوم أسمع "مُسلمًا" ... لفظًا فقِسْ غيرًا بذا مع شطرِهِ نادى لسانُ الحالِ يُعلِنُ جهرةً ... عَنْ حال مَنْ لام المبيحَ بسرِّه هذا أميرُ المؤمنين بسنَّةٍ ... هذا مليكُ أولي العُلوم بقَصْرِه هو أحمدُ الوَرعُ الفقيه الشافعي ... نعمانُ وقتٍ وهو مالكُ عصرِهِ هذا بخاريُّ الزَّمانِ ومسلمٌ ... كلُّ الأئمةِ وافَقوا في شكرِهِ هو عامرٌ بيتَ الجلال بتاجهم ... وابن الصَّلاح كما الوليُّ بصهرِهِ صِدْقُ المحبة مُسقِطٌ شرطَ الأدب (١) ... وبسيط عُذري أنَّني لم أدْرِهِ إنّي نظرتُ عَروضه فوجدت ... بحرًا كاملًا غَرِقَ الطَّويلُ ببحرهِ أهديتُ أبياتًا على قدري لمن ... ضاقت بيوتٌ عن هدايا قدرهِ وسألت ربَّ الخلقِ يُبقيه لنا ... في عزَّةٍ مع صحةِ مُذْ عُمرِهِ وإجازتي هي لَذَّتي بخطابكم ... فأجزتمونا طيَّه مع نَشْرِهِ لا تصرفوا رضوان عَنْ أبوابكم ... إنْ تصرفُوه خَفَضْتُموه بكَسْرِهِ لا زلتَ أنتَ إمامَ طائفةٍ على ... حقٍّ إلى بَعْثِ الإله بأمرهِ فاختم بخير صلِّ ربِّ ... على الحبيب وآله والتَّابعين لإثرِهِ ما قيل: حدّثنا أو اخبرنَا ... أو آنشدنَا به مِنْ نظمه أو نثرِهِ [شعبان الآثاري] ومنهم: شعبان الآثاري، مدحه بقصيدة تائية مطوَّلة ما وقفت عليها. ثم (٢) وقفت على مدحه إياه بقصيدة أُخرى يهنئه فيها بشهر رمضان،

стр. 448

وافتتحها بقوله: تهنئة شعبان برمضان، وهي (١): أتى يُهنِّيك بالإقبال شعبانُ ... يا عالمًا زانَه حسنٌ وإحسانٌ يا مَنْ على وجهِه المبرورِ مشتهرٌ ... للقصدِ والبِشْر تيسيرٌ وعُنوانُ يا مَنْ علامتُه بالذِّكر قَدْ شَرُفت ... عَنْ أن يفسرها شِيبٌ وشُبَّانُ يا حافظَ الوقت بالإجماع يا علَمًا ... له مكانٌ على العليا وإمكانُ يا مَنْ غدا عُمدَةَ الأحكام ثُمَّ له ... بالعلمِ والحلمِ إلمامٌ وإتقان يا مَنْ إلى نحوه تسعى الوَرى وله ... في الخير والشَّرِّ تحريكٌ وإسكانُ أنت الخُلاصَةُ منك الذات كافيةٌ ... فضلًا وشافيةٌ مَنْ فيه أحزانُ أنت المساعِدُ بالتَّسهيل ثَمَّ على ... مُفَصَّلِ الجُودِ منْ جدواك أفنانُ زان المعاني بيانُ القول منه وفي ... بديعِ لفظٍ له نظمٌ وأوزانُ هو منطقٍ جامعٍ وفي مجالسه ... فرائضُ زانه زهدُ وإيمان كشَّافُ كَرْب ومفتاحُ العلوم وفِي ... ألفاظِه الغُرِّ مصباحٌ وتبيانُ آدابُه كنجوم في السَّما نُشِرت ... فليس يحصُرُها جمعٌ وديوانُ بحورُ فضلك (٢) بينَ الخلقِ دائرةٌ ... بالاتفاق وهل للشَّمس كِتمانُ طويلُ باع مديدُ الكفٌ بَاسِطُه ... ووافرٌ كاملٌ في الوزن رجحانُ لك الأصولُ التي طابت (٣) مغارِسُها ... وفي الفُروع فمنك الغُصن ريَّانُ يا حَاوِيَ الفضل يا منهاج كلِّ فتى ... لديه في النَّاس تنبيهٌ وعِرفانُ يا روضةً في رياض الإنس يانعةً ... أنت المهذَّب في العينين إنسانُ

стр. 449

لفظٌ وجيزٌ بسيطٌ في فوائدِه ... بحرٌ محيطٌ له في الجُود برهانُ لك المهمَّات والهِمَّات شائعةٌ ... ومِنْ معانيك للفُرسان ميدانُ يا غايةَ القصدِ يا مَنْ في بدايته ... نهايةٌ ما لها حدُّ وميزانُ يا مَنْ به بعلومِ الدِّين قاطبةً ... بين البريَّة إحياءٌ وتيجانُ أنتَ الوسيطُ مِنَ العقد الفريد ومِنْ ... أوصافِك الغُرِّ للمشتاق (١) بستانُ يا مَنْ فضائِلُه فينا مدوَّنةٌ ... يا مالكًا دأبُه عفوٌ وغُفرانُ يا صالحًا صادقًا عزَّت مناقبُه ... وطاب في ذاته سرٌّ وإعلانُ يا سيدًا جيِّدًا شاعت مكارِمُه ... قولًا وفعلًا وللمحتاج مِعْوانُ أنت الشِّهابُ الذي ضاءت بطلعته ... أيامُنا وكذاك العصرُ جذلانُ وقد تباشرَتِ الدُّنيا بدولته ... لأنَّه بين أهلِ العلمِ سُلطانُ حَبْرٌ وبحرٌ عن (٢) الزّلات في سِنَةٍ ... جودًا وفضلًا وفي المعروف يقظانُ في كلِّ علمٍ تراه فوقَ سادتِه ... سَلُوه فالشَّيخُ في فتواه مِلْسانُ فكم له في الورى مِنْ حلِّ مشكلةٍ ... وفي الفصاحة ما قُسٌّ وسَحْبَانُ مُفْتٍ خطيبٌ إمامٌ مقرىءٌ حَكَمٌ ... عدلٌ صدوقٌ وفي الأشعار حسَّانُ قد اكتسى كلَّ تشريفٍ يليقُ كما ... قِوامُه مِنْ قبيحِ الوصف عُريانُ والقلبُ منه بفعل الخير في فرحٍ ... والعقلُ منه على الطاغين غضبانُ قاضٍ عفيفٌ لطيفٌ (٣) في القضاء له ... فصلٌ وفضلٌ هما للكسر جُبرانُ مِنْ أين للنَّاسِ حَبرٌ عالمٌ حَكَمٌ ... بحرٌ زكيٌّ سَخِيُّ النَّفسِ شبعانُ وفي الفُتوَّة مشهورٌ كحيدرة ... خُلقًا وخَلْقًا وفي التَّدريس سُفيانُ شيخُ الشُّيوخ ومنه الفضلُ مُغترِفٌ ... لأنَّه بصُنوف العلم ملآنُ

стр. 450

مَنْ قام يهدي له مِنْ نظمه أدبًا ... فذاك مثلي قليلُ العقل غلطانُ إذ نظمُه الدُّرُّ في نفعٍ وفي قيَمٍ ... ونظمُنا عند ذاك الدُّرِّ مرجانُ قد فجَّر اللَّه هذا العلمَ مِنْ حَجَرٍ ... وإنَّ منها لمَا مجراه هتَّانُ أعزَّه اللَّه في حِلِّ وفي حرمٍ ... وحَفَّهُ بالرِّضا بيتٌ وأركانُ فاللَّه يُبقيه نفعًا للأنام ولا ... يسوءُ طلعتَه في الدهر خُذلانُ مولاي هذا قصيدٌ في مدائحكم ... إن أنشدت فجميعُ الخلقِ آذانُ تُصغي بفهم معاني عندها فُتِنَت ... وأحسنُ الشِّعرِ للألباب فتانُ بعضُ الورى شاعرٌ فاسمع مدائِحَه ... وبعضُهم -مثل ما قد قيل- وزَّانُ فاقبل بفضلِك تَجْبُر قلبَ ناظِمها ... يا مَنْ به انتفعت صَحْبٌ وغلمانُ يهنيكَ شهرُ صيامٍ لا يزال به ... لكمْ حديثٌ وأذكارٌ وقُرآنُ فعش لأمثاله (١) في الدهر يا علمًا ... أيامُه الرِّبحُ ما فيهنَّ خُسرانُ ما زال فضل شُهابِ الدِّين مكتسَبًا ... فكم به انْجبَرْت عُونٌ وإخوانُ باللَّه لا تنسني وانظُر بعينك لي ... حاشاك عن (٢) خادمٍ يُلهيك نسيانُ إنَّ الصنائع في عُرْبٍ وفي عجمٍ ... ودائعُ والرَّفيعُ القدر تعبانُ مَنْ (٣) كان رأسًا فقد حلَّ الصُّداعُ به ... لكن لك الأجرُ إذ مولاك رحمانُ [المرشدي] ومنهم: الإِمام أبو الوقت عبد الأول المرشدي. فأنشدني لنفسه ما كتب به لصاحب الترجمة، وكنتُ حاضرًا. يا سيّدي وإمامَ الناس كلِّهم ... وحافظَ السُّنَّة الغَرَّا على الأممِ

стр. 451

عُبَيْدُكمْ قائمٌ بالباب منتظرٌ ... يرجو زيارتكم يا خيرَ مُغتنمِ كيما يفوز بوصلٍ أي مستترٍ ... عَنِ العُيون وسرِّ أيٍّ مكتتَمِ فارفع حجَابَك يا سُؤلِي ويا أملي ... وامنُن عليَّ بوصل أخظَ بالنِّعَمِ [تاج الدين الأذرعي] ومنهم: التاج عبد الرحمن ابن العلامة شهاب الدين أحمد بن حمدان الأذرعي، مدحه غير مرَّة. [زين الدين البكري] ومنهم: الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد البكري القاضي. فأنشدني مِنْ لفظه بحضرة الممدَّح عند عوده للقضاء قوله (١): رَبَابي حُبُّ زينبَ والرَّباب ... لتركهما جوابي والجَوَى بي وأجفانٌ تَسُلُّ صِفَاحَ هندٍ ... وقاماتٌ تهزُّ رماح غابِ وليلُ غدائرٍ تعشى شموسًا ... منَ الغاداتِ ربَّاتِ النِّقابِ ظِباءٌ قد سَلَلْنَ ظُبَا لحاظٍ ... شَهرنَاهُنَّ للصَّبِّ المُصَابِ يهادين الغَداةَ مهاةَ حِقْفٍ ... يخالط ظَلْمَها ذاتَ الحَبابِ وقد نقلَ المبرَّد مِنْ لماها ... مُسلسلَةَ الشَّهىِّ عَنِ الشَّرابِ تشعَّبَ حبُّها بالقلب منِّي ... وقد نفرَت بهاتيك الشِّعابِ ويبسِمُ ثغرُها لدُموع عيني ... كزهرٍ ضاحكٍ لبكَا سَحابِ لأجمرِ مدمعي سبْقٌ وسحبٌ ... كأدهم شعرها فوق التُّرابِ

стр. 452

وشاهدُ قِتلتي في راحتَيْها ... إذا ما أنكرت قاني الخضابِ أراعي بَرْقَ مبسَمِها إذا ما ... جَلَا بَردًا به زادَ التِهَابي وأنشدُها إنها ضنَّت بلَثْمٍ ... عَذابي مِنْ ثناياك العِذابِ تقلَّد جيدُها مِنْ دمع عيني ... عُقودَ الدُّرِّ والذَّهب المذابِ فيا لكِ جنَّة بعِقَابِ قلبي ... أقامت وهي تسرع (١) في عقابِ بليلِ الشِّعر منها إنْ أضلت ... محبًّا يَهدِهِ ضَوْء الشِّهابِ أَبو الفضل الَّذي عمَّ البرايَا ... بجودٍ فائقٍ جودَ السَّحابِ إمامُ الخافقين وما استقلَّت ... به الغبراء مِنْ مُحبًا وحابِ معيدُ العلمِ مِنْ هرمٍ وبُؤسٍ ... كمنصبه إلى شرخِ الشَّباب مقيمُ شعائرِ التَّوحيدِ مَنْ قَدْ ... حمدنا فيه توحيدَ الرِّكابِ ولم نرَ مِنْ قديمٍ في حديثٍ ... لعمرُك منه أجدرَ بالصَّوابِ يفيدُك وصلُ فحواه اختصارًا ... كأن بنُطقهِ فصلُ الخِطَابِ إذا حدَّثتَ عنه ندًى وعلمًا ... فقل ما شئت في البحر العُبابِ به شمسُ العلا ضاءت وَعَمَّا ... سواه قد توارت بالحِجابِ أماليه الجسائم دِقاقُ معنًى ... أُنِّزهن عَنْ نقصٍ وعابِ (٢) له بالعدل دأبٌ قد أرانا ... خلاصَ البَهْم مِنْ أيدي الذِّئابِ لقاصدِ حِلْمه والبذل طَوْلًا ... رحيبُ الصَّدر متَّسَعُ الرِّحابِ حِجَاة طبَّق الأكوانَ عرْفًا ... وضاعَ بنشره عَرف الملآبِ (٣) ولَمْ ألُمِ الولاية إذ تولَّت ... ليظهرَ فضلُه قبلَ الإيابِ

стр. 453

وحتف الخانقات الضدِّ قسرًا ... لعودَكِها على سنَنِ الثواب (١) وكان العَوْدُ أحمدَ حينَ جاءت ... تُزَفُّ إليكَ كالبِكْر الكعَابِ كبكرٍ زفَّها البكريُّ منه ... تغنَّت بالثواب عَنِ الثِّيابِ تعوّذ جَدُّه السامي المفَدَّى ... بِسِرِّ الآي مِنْ أُمِّ الكتابِ رعاهُ اللَّه ما غَنَّت حمامٌ ... على عُودٍ بشَجوٍ مُستطابِ وقلَّدَ حاسديه طوقَ ذُلٍّ ... وصَيَّرهم بقلبٍ في انقلابِ بجاهِ محمَّد خيرِ البرايا ... وأفضلِ مَنْ مَشَى فوق التُّرابِ صلاةُ اللَّه يتلوها سلامٌ ... عليه وآلِه ثُمَّ الصِّحابِ [عبد الرحمن الشاذلي] ومنهم: أَبو الفضل عبد الرحمن بن الشهاب أحمد بن محمد بن وفا الشاذلي، وسماه شيخنا أيضًا محمدًا. مدحه بأبيات قافيَّة، كان صاحث الترجمة كتب للبدر البشتكي أبياتًا على وزنها، فكأنه (٢) وقف عليها فأعجبته. وقد رأيتها بخطِّه في ورقة نصُّها. يا مولى يا واحدًا (٣) جواب عن البشتكي عن مدح ابن حجر: أبدى ابتسام الآفاقْ ... غِبَّ بكاء الآماقْ (٤) مسره عَنْ إشفاقٌ ... الورد يُطفي الإحراقْ والودُّ يُصفي الأخلاقْ ... كلاهما لنا راقْ

стр. 454

وللنَّسيم الخفَّاقْ ... عند صلاة الإغداقْ مصضمضةٌ واستنشاقْ ... أرى الزُّهورَ تشتاقْ قبل انفتاق الأرتاقْ ... فللقلوب إطباقْ سحّ جناها (١) رَقْرَاقْ ... زكا لها (٢) فَرْعٌ فاق والأصلُ طيِّبُ الأعراقْ ... قد وقَفَت على ساقْ مُهتزة في إطراقْ ... تشكو النَّوى بالأوراقْ فاعْطِفْ على روضٍ لاقْ ... وانظر لزرعٍ مَلاقْ فإنَّه ذو استِحقاقْ ... والطّينُ حرٌّ ما تاقْ إلا لأخذ الميثاقْ ... على الصّبا باسترقاقْ حجّ لمغنى أشواقْ ... حجارة للعُشَّاقْ بلِّغ كلَّ مشتاقْ ... واشرب على نظم (٣) راقْ جانس عند الحُذَّاقْ ... أقداحُه للأحداقْ له معانٍ تنذاقْ ... وأحرفٌ في استنشاقْ فعَّالة بالأوفاقْ ... أشرقَ كلَّ إشراقْ وحاسد بالإرياقْ ... فللشِّهابِ إشراقْ فاقَ الرِّياضَ استِعْباقْ ... والشعراء استِنْطاقْ مِنْ تاجها والورّاقْ ... لممتطى ذي الأذواقْ غرُّ المعاني تنساقْ ... فهو إليها سبَّاقْ سقى نداه المِهْرَاقْ ... قُضْب يراعِ الإطلاقْ

стр. 455

حتَّى زهت في الأوراقْ ... غيم مَلثٌ دقاقْ مِنْ بحر جُودٍ نَفَّاقْ ... فليس يخشى إملاقْ فادخل بحارَ الأرزاقْ ... واغرق بتلك الأوساقْ تنجو بهذا الإغراقْ ... إرعاده والإبراقْ في حِبرِه والأوراقْ ... فابْشِرْ بغيثٍ غدَّاقْ طوَّقَ كلَّ الأعناقْ ... قلائِدَ للأرفاقْ فانجذبت بالأطواقْ [عُبيد الرِّيمي] ومنهم: عبد الرحمن بن علي الرّيمي المكي، عرف بعُبيد. وقد قرأت قصيدته بخط الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي. وسمعها مِنْ ناظمها صاحبُنا النجم بن فهد، وهي هذه (١): يا واحدَ العصر في الدنيا بأجمعِها ... لا زلت ترقى سموًّا منزلَ القمرِ هذي أشعَّةُ نورِ العلمِ قد برزت ... في الخافِقَيْنِ يراها كلُّ ذي نظرِ سبحان مَنْ أوجدَ الأشيا بقُدرَتِه ... وجاء بالبحرِ عبَّابًا مِنَ الحَجَرِ عذبًا فُراتًا لنهجِ الدِّين يشرَعُه ... مستخرِجًا منه درًّا أنفسَ الدُّورِ لا زالتِ السُّنَّةُ الشهبا بطلعته ... محروسةٌ ولها يحمِي مِنَ الغِيَرِ يا سيدًا سَادَ أفرادَ الورى شرفًا ... وفاقهم (٢) رفعةً بالعلمِ والخَفَرِ يا واحدًا قد سما لا زلتَ مُرتَقِيًا ... وحافظًا جئتَ بالتَّصحيح للخَبرِ احكُم بما شئتَ في الإسلام أنتَ لَهُ ... شيخٌ وناهيك فيه صاحب النَّظرِ

стр. 456

لا زلتَ في نعمةٍ والسَّعْدُ يشمَلُها ... إنسانُ عين الورى يا واحدَ البَشَرِ يا كعبةَ الدِّين قد جئنا إلى حرمٍ ... وسَعْيُنَا لصفاه رائقُ الكَدَرِ نبغي القُدومَ وقد طُفنا به رَمَلًا ... وصدَّنا زَحمة فيه (١) عَنِ الحجرِ وهاكها مِنْ محبٍّ صاغها غلسًا ... فأشرقت بهجةً كالشَّمس والقمرِ هو العُبيدُ علي الرِّيمىُّ والده ... مواظبٌ لدعاء في دُجا السَّحَرِ لشيخ الاسلام يُبقيه ويكلؤُه ... في كلِّ حالٍ ويحميه مِنَ الضَّرر لا زلتُم نُصرةً للدين ظاهرةً ... مؤيدًا ساميًا بالعِزِّ والظَّفَرِ إنَّ العُبيدَ الذي زانت قريحَتُه ... بمدحكم جاءكم يسعى على قَدرِ وافى حِماكم وأنتم جلُّ مطلَبِه ... فَنِيلُ مصرَ لها يُغني عَنِ المَطرِ إن ترفعوا خَفض حالٍ منه مُنكَسِرٍ ... يصحُّ منتصبًا عطفًا على السَّفرِ أعطاك ربُّك ما ترجوه مِنْ كرمٍ ... ومِنْ دُعائِيَ ما أرجوه مِنْ وَطَرِ فابسُط ليَ العذرَ في التقصير يا ملكًا ... وتاجَ عزٍّ لأهل العلم والنَّظَرِ خُذها قريحةَ ذي وُدٍّ لخدمتكم ... إنشاؤها فانسؤوا مِنْ أعظم الضُّرِرِ لعبدكم وارسموا إثباتها، فعسى ... تبقى لنا دائمًا صفوًا بلا كدَرِ تكون باسمي وأولادي مُخَلَّدةً ... في كلِّ عامٍ لها وفدٌ على الأثرِ لا زلتُم كعبة للقاصدين فمَن ... يَطُف (٢) بها راجيًا قد فازَ بالظَّفرِ فيا إلهيَ كُنْ عونًا لسيِّدِنا ... شيخِ الأئمة واحفظه مِنَ الغِيَرِ وصلِّ ربِّ على المختارِ مِنْ مُضِرٍ ... خير البريَّة مِنْ بَدْوٍ ومِنْ حضَرِ والآلِ والصَّحبِ والأتباعِ ما قُضيت ... لسائلٍ حاجةً فارتاح للظَّفَرِ

стр. 457

[جلال الدين البلقيني] ومنهم: عبد الرحمن بن عمر بن رسلان، قاضي القضاة جلال الدين البلقيني. هنأه لما ولي إفتاء العدل، كما سيأتي مع غيره في المطارحات، وفي الألغاز (١). [ابن الخراط] ومنهم: الزين عبد الرحمن بن محمد بن سلمان (٢) بن الخرَّاط. له نثرٌ فيه مدح سيأتي في الألغاز (٣). [ابن الديري] ومنهم: الزين عبد الرحمن ابن قاضي القضاة شمس الدين ابن الدَّيري الحنفي. فأنشد لنفسه يوم ختم "فتح الباري" بالتَّاج. أيا سيدًا حازَ العُلومَ بأسرها ... وأبدعَ في شرحِ "البخاري" نظامُهُ لئن راجَ إبريزُ البيوت بختمها ... فقُل عنبرًا حقًّا ومِسْكًا خِتامهُ [عبد الرحمن الصوفي] ومنهم: عبد الرحمن بن محمد الحريري الصُّوفي، مدحه بأبيات.

стр. 458

ومنهم: عبد الرحيم. . . (١) له كما سيأتي في المطارحات. [عبد السلام البغدادي] ومنهم: العلامة عبد السلام بن أحمد البغدادي الحنفي، [وقد حملت عنه كثيرًا] (٢) فكتب إليه يستبطئه قضيَّةً كان استعان به فيها: أيا مَنْ بأمرِ اللَّه والحقِّ يَصْدَعُ ... ومَن لجميعِ النَّاس كالغيث يَنْفَعُ ويا مَنْ لآثار الرسول محمدٍ ... غَدا وحدَه عنها يَذُبُّ ويَدْفَعُ ويا شافعيًا في زمانك أوحدًا (٣) ... فَتَاواكَ قد شاعت فلا تتقنَّعُ ويا حاكمًا أضحى إمَامًا وقُدوةً ... عفيفًا تقيًا زاهدًا (٤) متورِّعُ ويا قائمًا في الليل يُحييه قانتًا ... بذكر وقرآنٍ يصلي ويخشعُ شهابًا مضيئًا بل وشمسًا مُنيرةً ... تضيءُ الدَّياجي حينَ تبدُو وتطْلُعُ لئن جُدتم أو حِدْتُم أو عدلتُم ... فإنَّ ضميري عندك الدَّهرَ أجمعُ [وكتب (٥) إليه أيضًا عند عودِه للقضاء عقِبَ القاياتي: الحمدُ للَّه مُنشِي الخلق إيجادًا ... وباعثِ الرُّسْلِ إشراقًا وأمجادًا صلَّى الإلهُ عليهم ما بدَا أُفقٌ ... وأشرق الشَّمسُ أغوارًا وأنجادًا ثم الصلاةُ على أزكى الورى نسبًا ... محمدٍ سيِّد الكونين مَنْ سادًا

стр. 459

والآلِ والصَّحبِ والأتباعِ أجمعِهم ... نالوا بصُحبته علمًا وإرشادًا (١) وبعدُ فالمَلِك المنصورُ ظاهرُنا ... زادَ الإلهُ له نصرًا وإسعادًا ممتَّعًا بحياةٍ لا نغيصَ بها ... قهرَ العدوَ وتنكيلًا وإبعادًا لقد حبَانَا بمولانا وسيِّدنا ... وشيخِ الاسلام قُطَّانا وورَّادَا ووارثٍ مِنْ علوم المصطفى جُملًا ... وحافظِ الدِّين تفصيلًا وإسنادًا ومُحييَ السُّنَّة الشهباء مُذْ دَرَسَت ... يُقَطْع الليل تسبيحًا وأورادًا شهاب دين الهدى ما زال متَّصفًا ... بالصَّبر والبِرِّ أعوامًا وأعيادًا عادَ الزمانُ علينا بعدَ جَفْوَتِه ... فما يبالي يصبِّ صدَّ أو عادَا مِنْ بعدِ أن كانتِ الأرواحُ قد بلغت ... حناجرَ القومِ باللَّه أو كادَا لما تولَّى علينا فرقةٌ سبقت ... غُليمةٌ فبغَت بَغيًا وأوغَادا موسوسين حيارى إذ عَتَوْا فمَضَوْا ... فأصبحوا رِممًا في الحيِّ أوبَادَا فما رأينا رشيدًا قطُّ مُذْ حكموا ... ولا سمعنا وفَوْا بِرًّا وميعادًا وهذه سنَّةُ اللَّه الذي سَلَفَتْ ... بالنَّصر للصُّبر صُلَّاحًا وعبَّادَا فكُنْ صبورًا شكورًا حامدًا يقظًا ... للخير ما دُمْتَ فيها آخذًا زادَا وعِشْ سعيدًا رغيدًا طيبًا عَطِرًا ... مكرِّمًا زادكَ الرَّحمنُ ما زادَا واحكُم بعذرٍ وتأييدٍ ومعدَلةٍ ... ورغم أنفٍ لِمَنْ ناوَاك أو عَادَا فاللَّه يُبقيك دهرًا سالمًا أبدا ... مع كَبْتِ شانيك شُمَّاتًا وحسَّادًا ومُنشدُ النَّظمِ خِلُّ راغبٌ حَسَنٌ ... منه الدُّعاء بقلبٍ صادقٍ جادَا وقوله يعرِّضُ بالعز بن عبد السلام،، لكونه كان ناب عن القاياتي: سألتُك شيخَ الإسلام المُعلَّى ... بحقِّك لا تُولِّ الإبن كَلَّا وأبِّدْ حَبْسَه بوثيقِ قيدٍ ... وعزِّرْهُ وولِّهْ ما تَولَّى

стр. 460

ويَصْلَى بعدَه بأليمِ عَزْلٍ ... بقدرِ زمانه اللَّذْ قد تَولَّى فذاك جزاءُ مَنْ يبغي علينا ... أيُعدلُ عنكمُ حاشا وكلَّا [عبد الغني الشرجي] ومنهم: عبد الغني بن أبي بكر اليمني الشرجي. مدحه في سنة خمس وثلاثين وثمانمائة بما قرأته مِنْ خطه، فقال: مَنْ لصبٍّ متيَّمٍ مشتاقِ ... أرَّق العينَ مِنْ أليمِ الفِراقِ أحرقَ البين قلبَه يوم سارُوا ... عنه بالرُّغمِ أيَّما إحراقِ وسَقَوْهُ الصُّدُودَ كأسًا دِهاقًا ... بعد كاسٍ مِنَ الوصالِ دِهاقِ يا لَقومي لا تطلُبون بثاري ... غير لُعْسِ الشِّفاهِ والأحداقِ لسعتني عقاربُ الجُبِّ حتى ... آلمتني ولم أجد فيه راقِ ورماني بسهمِ قوسٍ مآقيـ ... ـه غزالٌ قصَدَ منِّي المآقي ألبَسَ البدرَ في التَّجلِّي ضياءً ... وكَسَا الشَّمسَ بهجةَ الإشراقِ وبخدٍّ أذابَ قلبي وقَدٍّ ... وثنايا مفلَّجاتٍ رِقاقِ لا تلُمني في حبِّه يا عذُولي ... فلقد طال في هواه اشْتياقي ومن الجهل أن ترى لي فَكاكًا ... مِنْ وَثاقي وما رَعَى ميثاقي نَمَّ دمعي على خَفِيِّ غرامِي ... وكذا الدَّمعُ آيةُ العُشَّاقِ كيف لا أسكبُ الدُّموعَ وقلبي ... بين أمواجِ لُجَّةِ الأشواقِ يا حُداة النِّياقِ ما اللَّيلِ باللَّيـ ... ـلِ مع العزمِ يا حُداة النِّياقِ فدعوها تميسُ عسْجًا ووسجًا ... كي تلاقي مِنَ المُنى ما تُلاقي وأنيخوا بمصرَ في طلب الرِّزْ ... قِ فهاتيك مَعْدِنُ الأرزاقِ إنَّ أقضى القُضاة أحمدَ فيها ... حسَنُ الخَلْقِ ليِّنُ الأخلاقِ الشِّهابُ الذي ترقَّى عُلوًّا ... وسُمُوًّا عَنْ كلِّ سامٍ وراقِ
следующие страницы →