← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر تأليف شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ تحقيق إبراهيم باجس عبد المجيد دار ابن حزم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤

стр. 3

مقدمة التحقيق إن الحمد للَّه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، لك الحمد ربنا على أن هدايتنا للإيمان، ولك الحمد على أن علمتنا، ولك الحمد على آن ألهمتنا الحمد، فلك الحمد في الأولى، ولك الحمد في الأخرى، ولك الحمد في كل حين. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. والصلاة والسلام على خير الحامدين وخير الشاكرين، وخير الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد اللَّه، وعلى آله وصحبه، خير آل وخير صحب، ﵃ أجمعين، وحشَرَنَا في زمرتهم يوم الدين.

стр. 4

وبعد، فهذه ترجمة لأحد أعلام الإسلام العاملين، الذين أثرَوا العلوم الإسلامية بالعديد من المؤلفات النافعة، ألا وهو حافظ عصره أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، كتبها تلميذه العالم الفذ أبو الخير شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، المتوفى سنة ٩١١ هـ. ولا أعلم أحدًا قبل السخاوي أفرد ترجمة ابن حجر بكتاب مستقل، وهذا ما قاله المؤلف أيضًا عند إيراده قول ابن الشحنة في ابن حجر (١): "وترجمته لا يسعها هذا المكان، وقد أُفرِدت بالتأليف، لكني لم أقف عليه"، فقال السخاوي: وكأنه ﵁ عنى تصنيفي هذا، فما علمتُ أحدًا غيري أفردها. أما نسبة الكتاب للسخاوي، فأمر لا يختلف عليه اثنان، حيث ذكره هو نفسه في كتبه الأخرى، مثل الضوء اللامع، فذكره في عشرات المواضع، منها: ١/ ٢١، ٥٦، ١٧٧، ٢٣٤، و٢/ ١١، ٤٠، ٥١، ٦٥، ١١٥، ١٢٨، ١٥٠، ١٩٠، ٢٠٨، و٣/ ٣٤، ٩٣، ١٥٦، ١٦١، ١٩١، ١٩٦، ٢٢٨، ٣٠٢، و٤/ ١٨، ٥٦، ٥٧، ٨٥، ٩٤، ١١٦، ١٩٦، ٢٠٢، ٣٣٧، و٥/ ١١١، ٢٢٣، ٢٩٥ و٦/ ١٢٩، ١٥٣، ٣٢٩، و٧/ ١٣، ١٩، ٣٨، ٨٦، ٨٨، ٩١، ١٦٠، ١٦٢، ١٧٨، ١٨٧، ١٨٨، ١٩٥، ٢١١، ٢٣٢، ٢٣٦، ٢٤٦، ٢٨٩، و٨/ ١٧، ٥١، ١٠٣، ١٢٤، ١٦٤، ١٧٧، ٢٢١، ٢٣٢ و٩/ ١٨، ١٠٧، ٢٥٩ و١٠/ ١٦٣، ٢٣٣، ٢٦١، ٢٦٣، ٣١٤ و١١/ ٥٥، و١٢/ ١١، ٣٤. وفي وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام ٢/ ٥٣٢، وفي التبر المسبوك ص ٣٢، ١٣٤، ٢٠٧، ٢٣٨، ٢٤٧، ٢٨٥، وفي التحفة اللطيفة ١/ ٩٩ - ١٠٠، وفي الذيل على رفع الإصر ص ٣٢، ٣٣، ٨٥، ٨٧، ٢٤٠، ٣٥٣، ٤٨٩، وفي الإعلان بالتوبيخ ص ٢٢٩. وكذا ذكره من ترجم للسخاوي، مثل الشوكاني في البدر الطالع ٢/ ١٨٥، والنجم الغزي في الكواكب السائرة ١/ ٥٣ وغيرهم. منهم من ذكره بعنوانه الصريح، ومنهم من ذكر باسم ترجمة شيخه أو ترجمة ابن حجر، وخالف الجميع

стр. 5

في ذكر العنوان البصروي في مختصره "جمان الدرر"؛ حيث سماه "تناسق الدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر"، ولا أعرف مستنده في هذه التسمية. وقد كتب اللَّه القبول لهذا الكتاب بين طلبة العلم، فتداولوه كتابة وقراءة ودرسًا على مؤلفه، وانتشرت نسَخُه في حياته في شتى الأمصار، حيث نجد النسخ المعتمدة في التحقيق كتبت كلُّها في حياة المؤلف، وأكثر من نسخة منها قُرِئت عليه، ودوَّن عليها الكثير من الزيادات والإضافات التي اجتمعت لديه في فترات لاحقة. وقد قال المصنف في ترجمة شيخه من كتاب "التبر المسبوك" ص ٢٣١: قد أفردت له ترجمة حافلة في مجلد ضخم، لا تفي ببعض أحواله وما له عليَّ من الحقوق، كتبها عنِّي الأكابر وتهادوها بينهم. والكتاب وإن كان موضوعًا في ترجمة الحافظ ابن حجر، إلا أن فيه الكثير الكثير من الفوائد التي لا نجدها مجتمعة في كتاب مفرد (١)، والمؤلف ﵀ يستطرد كثيرًا في ذكر هذه الفوائد، حتى إنه في كثير من الأحيان يبتعد عن الموضوع الذي يبحثه، ثم يقول: "وكل هذا استطراد"، أو: "وذكرت هذا هنا استطرادًا"، أو: "وكل هذه استطرادات، لكنها نافعة" أو: "وإن خرجت عن المقصود". وشبه هذه العبارات. وكانت فكرة جمع هذه الترجمة عند السخاوي تراوده في حياة شيخه الحافظ ابن حجر، حيث قال: "وكان وقع في خاطري جمع ترجمة شيخنا في حياته، والتمستُ منه أن يملي عليَّ منها ما لا أطَّلع عليه إلا من قِبَله". إلا أن هذه الفكرة لم تولد إلا بعد وفاة الحافظ ابن حجر، وتحديدًا سنة ٨٧١ هـ، حيث فرغ السخاوي من كتابة هذه الترجمة في مكة المكرمة كما ذكر في نهاية الكتاب. لكن هذا التاريخ لم يكن نهاية المطاف بالنسبة للكتاب، إذ زاد مؤلفه فيه زيادات كثيرة في سنوات لاحقة، فكان كلما تجدَّد له شيء ألحقه في مكانه، فنجده عند حديثه عن مجالس الإملاء التي كان يتولاها شيخه، والتي انقطعت بموته وجددها هو، يقول: وزادت عدة ما

стр. 6

أمليته منه إلى حين كتابتي هذه الأحرف في أثناء سنة سبع وسبعين على المائتين، ثم انتهت إلى أزيد من ثلاثمائة في أواخر سنة تسع وسبعين. ويقول في أثناء ثناء الأئمة على شيخه الحافظ: ومنهم جماعة بقيد الحياة في هذا الحين، وهو سنة ست وثمانين (١)، كما يذكر إنشاد أحد المادحين لابن حجر بقصيدة سنة ثلاث وسبعين (٢). ويلاحظ أن بعض هذه العبارات لم يرد في نسخة ما، وورد في غيرها في أثناء النص، بينما ورد في نسخة ثالثة في الهامش بخط المصنف، ومرد ذلك إلى أن النسخة الأولى كتبت من نسخة لم ترد فيها هذه الزيادات، بينما الثانية كتبت عن الأصل المعدل، وسيأتي بيان ذلك عند وصف النسخ المعتمدة في التحقيق. واختلاف التاريخ بين تأليف الكتاب وإعادة النظر فيه من قبل المؤلف، أدى إلى الاختلاف في بعض العبارات، فضلًا عن الزيادات الكثيرة الملحقة؛ فنجد في نسخة تتكرر عبارة "نفع اللَّه به" عند ذكره أحد الأشخاص، بينما استبدلت في النسخ الأخرى بعبارة "﵀"، أو "كان اللَّه له"، فهو عند كتابة النسخة الأولى كان ذلك الشخص على قيد الحياة، وقد توفي حال كتابة النسخة الثانية أو إلحاق الزيادات بها. ومن الطريف أن اختلاف النسخ هذا يرشدنا إلى تاريخ سوء العلاقة بين المصنف وقرينه برهان الدين البقاعي، المتوفى سنة ٨٨٥ هـ، ومعلوم ما بينهما من ملاسنات ظهرت مسطورة على صفحات كتبهم، فالمصنف ﵀ كان أولًا عندما يرد ذكر البقاعي يقول: الشيخ أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، أو الشيخ برهان الدين البقاعي، بينما نجد أن لقب الشيخ قد حذف من النسخ الأخرى المعدلة، ويزيد في هذه أشياء لم تكن موجودة في النسخة الأولى، بل هو فيها يشن الغارة على البقاعي، ويؤرخ ذلك في سنة سبع وسبعين وثمانمائة.

стр. 7

ترجمة المؤلف أفرد المؤلف ترجمة موسعة لنفسه في كتاب كبير سماه "إرشاد الغاوي بل إسعاد الطالب والراوي بترجمة السخاوي" (١). كما ترجم لنفسه ترجمة مختصرة أيضًا في كتابه "التحفة اللطيفة". وكذلك ترجم لنفسه ترجمة مطولة في كتابه ذئاع الصيت "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع"، حيث استغرقت الترجمة الصفحات ٢ - ٣٢ من الجزء الثامن من الكتاب، فرأيت من الخير إيراد هذه الترجمة مع شيء من الاختصار وحذف بعض العبارات والفقرات، ولعل اللَّه يفسح في الأجل، فييسر تحقيق كتابه "إرشاد الغاوي"، ففيه فوائد جليلة ولا شك، لا توجد في "الضوء اللامع" أو "التحفة اللطيفة". فأقول وباللَّه التوفيق: [اسمه ونسبه:] محمدُ بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد، الملقب شمس الدِّين أبو الخير وأبو عبد اللَّه، ابن الزّين أو الجلال أبي الفضل وأبي محمد، السخاوي الأصل القاهريُّ الشافعيُّ، ويعرف

стр. 8

بالسَّخاوي، وربما يقال له: ابنُ الباردِ، شهرةً لجدّهِ بين أناس مخصوصين، ولذا لم يشتهر بها أبوه بين الجمهور ولا هو، بل يكرهها كابن عُلَيْبَة وابن الملقِّن في الكراهة، ولا يذكره بها إلا من يحتقره. [مولده:] ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمئة بحارة بهاء الدِّين، علو الدَّرب المجاور لمدرسة شيخ الإسلام البُلقينيّ محلّ أبيه وجدِّه، ثم تحوَّل منه حين دخل في الرابعة مع أبويه لمُلْكٍ اشتراه أبوه مجاورٍ لسكن شيخه ابن حَجَر. [نشأته العلمية:] أدخله أبوه المكتب بالقرب من المَيْدان عند المؤدِّب الشَّرف عيسى بن أحمد المقسيّ الناسخ، فأقام عنده يسيرًا جدًّا، ثم نقله لزوج أخته الفقيه الصَّالح البدر حسين بن أحمد الأزهري أحد أصحاب العارف باللَّه يوسف الصَّفِّي، فقرأ عنده القرآن، وصلَّى به للناس التراويح في رمضان بزاويةٍ لأبي أُمِّه الشيخ شمس الدِّين العدويّ المالكيّ، ثم توجَّه به أبوه لفقيهه المُجاور لسَكَنِهِ، الشَّيخِ المفيدِ النفَّاع القُدوة الشمسِ محمد بن أحمد النحريريّ الضَّرير -مؤدِّب البرهان بن خضر والجلالِ بن المُلقِّن وابن أسد وغيرهم من الأئمة، وأحد من علّق شيخه في "تذكرته" من نوادره، وسمع منه الطَّلبَةُ والفُضلاءُ، ويعرف بالسُّعوديّ، وذلك حين انقطاعه بمنزله لضعفه، فجوَّده عليه وانتفع به في آداب التجويد وغيرها، وعلّق عنه فوائد ونوادر، وقرأ عليه حديثًا والتحق في قراءته عليه بشيوخه، وتلاهُ في غُضُون ذلك مرارًا على مؤدّبه بعد زوج عمَّته الفقيه الشمس محمد بن عمر الطَّباخ أبوه، أحد قُرَّاء السَّبع هو، وحفظ عندهُ بعض "عمدة الأحكام"، ثم انتقل بإشارة السُّعودي المذكور للعلَّامة الشِّهاب بن أسد، فأكمل عنده حفظها مع حفظ "التَّنبيه" كتاب عمه، و"المنهاج الأصلي"، و"ألفية ابن مالك" و"النُّخبة"، وتلا عليه لأبي عمرو، ثمَّ لابن كثير، وسمع عليه غيرهما من الرِّوايات إفرادًا

стр. 9

وجمعًا، وتدرَّب به في المطالعة والقراءة، وصار يشارك غالب من يتردَّد إليه للتَّفهُّم في الفقه والعربية والقراءات وغيرها. وكلَّما انتهى حفظُه لكتاب عرضه على شيوخ عصره، فكان من جملة من عَرَضَ عليه ممَّن لم يأخذ عنه بعدُ: المحبُّ ابن نصر اللَّه البغدادي الحنبليّ، والشَّمسُ بن عمَّار المالكي، والنُّورُ التِّلْوانيّ، والجمال عبد اللَّه الزَّيتُوني، وكذا الزَّينِ عُبادة ظنًّا، فقد اجتمع به وبالشَّمس البِسَاطيّ مع جدّه، ثم حفظ بعدُ "ألفية العراقي"، و"شرح النخبة"، وغالب "الشاطبيَّة"، وبعض "جامع المختصرات"، و"مقدمة السَّاوي في العروض"، وغير ذلك مما لم يكمله. وقرأ بعض القرآن على النُّور البِلْبِيسيّ إمام الأزهر، والزَّين عبد الغني الهيثمي "ابن كثيرٍ" ظنًّا، وسمع الكثير من الجمع للسَّبع وللعَشْر على الزين رضوان العُقْبِيّ، البعض من ذلك على الشِّهاب السّكندري وغيره، بل سمع (الفاتحة) وإلى (المفلحون) للسَّبع على شيخه بقراءة ابن أسد وجعفر السّنهوري وغيرهما من أئمة القُرّاء. ولزم الأستاذ الفريد البرهان بن خضر أحد أصحاب عمّه ووالده، حتَّى أمْلى عليه عدَّة كراريس من مقدّمة في العربية مفيدةٍ، وقرأ عليه غالب "شرح الألفية" لابن عقيل، وسمع الكثير من "توضيحها" لابن هشام وغيره من كتب الفنِّ وغيره. وكذا قرأ على أوحد النُّحاة الشهاب أبي العباس الحنَّاوي مقدمته المسماة "بالدُّرة المضيَّة"، وكتبها له بخطه إكرامًا لجدّه، وتدرَّب بهما في الإعراب؛ حيث أعرب على الأول من (الأعلى) إلى (الناس)، وعلى الثاني مواضع من "صحيح البخاري"، وأخذ العربية أيضًا عن الشهاب الأُبَّذي المغربي والجمال بن هشام الحنبلي حفيد سيبويه وقته الشهير وغيرهما. وقرأ "التَّنبيه" تقسيمًا على ابن خضر، والسّيِّد البدر النَّسَّابة، وبعضه على الشَّمس الشَّنْشي. وحضر تقسيمه مرارًا عند غير هؤلاء، بل حضر عند الشمس الونائيّ تلك الدّروس الطنَّانة التي أقرأها في "الروضة"، ولم يسمع الفقه عن أفصح منه، ولا أجمع. واليسير جدًّا عند القاياتي، وكذا أخذ

стр. 10

الكثير من الفقه عن العلم صالح البُلْقينيّ، ومن جملة ذلك في "الروضة"، و"المنهاج"، وبعض "التدريب" لوالده، و"التكملة" التي له، وسمع دروسًا من "شرح الحاوي" لابن الملقن على شيخه، وكذا من التفسير والعروض. وحضر تقسيم "البَهْجَة" بتمامه عند الشرف المُناوي، وتقسيم "المهذَّب" أو غالبه عند الزين البُوتَيْجيّ، وتردّد إليه في الفرائض وغيرها. بل أخذ طرفًا من الفرائض والحساب والميقات وغيرها عن الشهاب بن المجدي، وقرأ الأصول على الكمال ابن إمام الكامليّة، قرأ عليه غالب "شرحه الصغير على البيضاويّ"، وسمع غير ذلك من فقه وغيره، وقرأ على غيره في "متن البيضاوي"، وحضر كثيرًا من دروس التقي الشُّمُنِّي في الأصلين والمعاني والبيان والتفسير، وعليه قرأ شرحه نظم والده لـ "النُّخْبة" مع شرح أبيه لها، بل أخذ عن العز عبد السَّلام البغدادي في العربية والصَّرف والمنطق وغيرها، وكذا أخذ دروسًا كثيرة عن الأمين الأقصرائي وكثيرًا من التَّفسير وغيره عن السعد بن الديري، ومن "شرح ألفيَّة العراقي" عن الزَّين السّندبيسيّ، بل قرأ الشّرح بتمامه على الزَّين قاسم الحنفي، وأخذ قطعة من "القاموس في اللُّغة" تحريرًا وإتقانًا مع المحبّ بن الشّحنة. وكتب يسيرًا على شيخ الكتاب الزين عبد الرحمن بن الصَّائغ، ثم ترك لِمَا رأى عنده من كثرة اللَّغط، ولزم الشَّمس الطَّنتَدائيّ الحنفي أمام مجلس البيبرسيَّة فيها أيامًا. وقبل ذلك كلِّه سمع مع والده ليلًا الكثيرَ من الحديث على شيخه إمام الأئمة الشِّهاب ابن حَجَر، فكان أوَّل ما وقف عليه من ذلك في سنة ثمانٍ وثلاثين، وأوقع اللَّه في قلبه صحبته، فلازم مجلسه، وعادت عليه بركتُه في هذا الشّأن الذي باد جمالُه، وحادَ عن السَّنن المعتبر عمَّالُه، فأقبل عليه بكلِّيته إقبالًا يزيد على الوصف، بحيث تقلَّل ممَّا عداه، لقول الحافظ الخطيب: "إنَّه علمٌ لا يعلق إلا بمن قَصَر نفسَه عليه، ولم يضمّ غيرَه من الفنون إليه". وقول إمامنا الشّافعي لبعض أصحابه: "أتريد أن تجمعَ بين الفقه والحديث؟ هيهات"!

стр. 11

وتوجيه شيخنا تقديم شيخه له فيه على ولده وغيره بعدم التوغُّل فيما عداه، كتوجيهه لكثير ممَّن وصف من أئمة المحدّثين وحفّاظهم وغيرهم باللَّحن، بأن ذلك بالنسبة للخليل وسيبويه ونحوهما دون خلوّهم أصلًا منه حسبما بسط ذلك معنى وأدلة في عدة من تصانيفه؛ ولذا توهم الغبيُّ الغمْرُ ممَّن لم يخالطْهُ أنه لا يحسُنها، وقال العارف المخالط: إنَّ من قصرَهُ على هذا العلم ظلمَهُ. وداوم الملازمة لشيخه حتى حَمَلَ عنه علمًا جمًّا، واختص به كثيرًا، بحيث كان من أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قربُ منزله منه، فكان لا يفوته مما يقرأ علبه إلَّا النَّادر، إمّا لكونه حمله أو لأن غيره أهم منه، وينفرد عن سائر الجماعة بأشياء. وعلم شدَّةَ حرصه على ذلك، فكان يرسل خلفه أحيانًا بعض خدمه لمنزله يأمره بالمجيء للقراءة. وقرأ عليه "الاصطلاح" بتمامه، وسمع عليه جلّ كتبه؛ "كالألفية" وشرحها مرارًا، و"علوم الحديث" لابن الصلاح إلَّا اليسير من أوائله، وأكثر تصانيفه في الرجال وغيرها "كالتقريب" وثلاثة أرباع أصله، ومعظم "تعجيل المنفعة"، و"اللِّسان" بتمامه، و"مشتبه النّسبة"، و"تخريج الرَّافعي"، و"تلخيص مسند الفردوس"، و"المقدّمة" و"بَذْل الماعون" و"مناقب كل من الشافعي واللّيث"، و"أماليه الحلبية"، و"الدمشقية"، وغالب "فتح الباري"، و"تخريج المصابيح" و"ابن الحاجب الأصلي"، وبعض "إتحاف المهرة"، و"تغليق التعليق"، و"مقدمة الإصابة" وجملة، وفي بعضه ما سمعه أكثر من مرة، وقرأ بنفسه منها "النخبة" و"شرحها"، و"الأربعين المتباينة"، و"الخصال المكفِّرة"، و"القول المسدّد"، و"بلوغ المرام"، و"العشرات العشاريات"، و"المائة"، والملحق بها لشيخه التَّنُوخي، و"الكلام على حديث أم رافع"، و"ملخص ما يقال في الصَّباح والمَسَاء"، و"ديان خُطَبِهِ" و"ديوان شعره" وأشياء يطول إيرادها. وسمع بسؤاله له من لفظه أشياء؛ كـ "العشرة العشريات"، و"مسلسلات الإبراهيمي" خارجًا عمّا كتبه عنه في الإملاء مع الجماعة من سنة ستٍّ وأربعين وإلى أن مات.

стр. 12

وأذن له في الإقراء والإفادة والتَّصنيف، وصلَّى به إمامًا التَّروايح في بعض ليالي رمضان. وتدرَّب به في طريق القوم، ومعرفة العالي والنازل والكَشْف عن التراجم والمُتُون وسائر الاصطلاح وغير ذلك. وكذا تدرَّب في الطَّلبة بمستمليه مفيد القاهرة الزين رِضوان العُقْبِيّ، وأكثر من ملازمته قراءة وسماعًا، وبصاحبه النَّجم عمر بن فهد الهاشمي، وانتفع بإرشاد كلٍّ منهم وأجزائه وإفادته، بل كتب شيخُه من أجله إلى دمياط لمن عنده "المعجم الصغير" للطبراني بإرساله إليه، حتى قرأه عليه، لكون نسخته قد انمحى الكثيرُ منها، وما علم أنَّه في أوقات سعيد السُّعداء إلَّا بعدُ. ولم ينفكَّ عن ملازمته ولا عدل عنه بملازمة غيره من علماء الفنون خوفًا على فقده، ولا ارتحل إلى الأماكن النائية، بل ولا حجَّ إلَّا بعد وفاته، لكنَّه حمل عن شيوخ مصر والواردين إليها كثيرًا من دواوين الحديث وأجزائه، بقراءته وقراءة غيره في الأوقات التي لا تعارض أوقاته عليه غالبًا، ولا سيما حين اشتغاله بالقضاء وتوابعه، حتَّى صار أكثرَ أهل العصر مسموعًا، وأكثرَهم رواية، ومن محاسن من أخذ عنه من عنده: الصَّلاح بن أبي عُمَرَ، وابن أمية، وابن النَّجم، وابن الهبل، والشمس بن المحب، والفخر بن بشارة، وابن الجُوخي، والمنيجي، والزيتاوي، والبياني، والسُّوقي، والطبقة، ثم من عنده القاضي العزّ بن جماعة، والتَّاج السُّبكي، وأخوه البهاء، والجمال الإسنائي، والشهاب الأذرعيّ، والكرْماني، والصَّلاح الصَّفدي، والقيراطي، والحراوي، ثم الحسين التكريتي، والأميوطي، والباجي، وأبو البقاء السُّبكي، والنَّشَاوريّ، وابن الذّهبي، وابن العلائي، والآمدي، والنَّجم بن الكشك، وأبو اليمن بن الكويك، وابن الخشاب، وابن حاتم، والمليجي وابن رزين، والبدر بن الصَّاحب، ثم السّراج الهندي، والبُلْقيني، وابن المُلَقِّن، والغَرَاقي الهيثمي، والإبناسيّ، والبرهان بن فرحون، وهكذا حتى سمع من أصحاب أبي الطَّاهر بن الكويك، والعزّ بن جماعة، وابن خير، ثم من أصحاب الولي العراقي، والفُوّيّ، وابن الجَزَري، ثم من يليهم.

стр. 13

وقمش وأخذ عمَّن دبَّ ودَرَج وكتب العاليَ والنازلَ، حتى بلغت عدَّةُ من أخذ عنه بمصر والقاهرة وضواحيها كإنبابة، والجِيْزة، وعُلوِّ الأهرام، والجامع العمريّ وسَرْيَاقُوس، والخانقاه، وبلبيس، وسفط الحناء، ومُنْية الرّديني، وغيرها زيادةً على أربعمائة نفس؛ كل ذلك وشيخُه يمدُّه بالأجزاء والكتب والفوائد التي لا تنحصر، وربما نبَّهه على عوالٍ لبعض شيوخ العصر، ويحضُّه على قراءتها. وشكا إليه ضيقَ عَطَن بعضهم، فكاتبه يستعطفه عليه، ويرغِّبُهُ في الجلوس معه، ليقرأ ما أحبَّه. [رحلاته:] بعد وفاة شيخه سافر لدِمْيَاطَ، فسمع بها من بعض المُسندِين، وكتب عن نفر من المتأدّبين. ثم توجَّه في البحر لقضاء فريضة الحج، وصحب والدته معه، فلقي بالطُّور واليَنْبُوع وجُدّة غير واحدٍ أخذ عنهم، ووصل لمكّة أوائل شعبان، فأقام بها إلى أن حجَّ. وقرأ بها من الكتب الكبار والأجزاء القصار ما لم يتهيَّأ لغيره من الغُرَباء، حتى قرأ داخل البيت المعظَّم، وبالحِجْر، وعلو غار ثَوْر، وجبل حراء، وبكثير من المشاهد المأثورة بمكّة، وظاهرها، كالجِعْرَانَةِ، ومِنًى، ومسجد الخِيْف على خَلْق، كأبي الفتح المراغيّ، والبرهان الزَّمزمي، والتَّقي بن فهد، والزَّين الأميوطيّ، والشّهاب الشّوائطي، وأبي السَّعادات بن ظهيرة، وأبي حامد بن الضّياء، وزيادة على ثلاثين نفسًا، فمنهم من يروي عن البهاء بن خليل، والكَرْماني، والأذرعي، والنَّشاوري، والجمال الأمْيوطي، وابن أبي المجد، والتَّنُوخي، وابن صديق، والعراقي، والهَيْثَمي، والأبناسي، والمجدين اللُّغوي وإسماعيل الحنفي، ومن لا أحصره سوى من أجاز له فيها، وهم أضعاف ذلك، وأعانه عليه صاحبُه النَّجم بن فهد بكتبه وفوائده ونفسه ودلالته على الشيوخ، وكذا بكتب والده، ثمَّ انفصَلَ عنها، وهو متعلِّق الأمل بها.

стр. 14

وقرأ في رجوعة بالمدينة الشَّريفة تجاه الحُجْرة النبويَّة على البدر عبد اللَّه بن فرحون، وبغيره من أماكنها على الشّهاب أحمد بن النُّور المحلّي، وأبي الفرج المرَاغي في آخرين. ثم يَنْبُوع أيضًا وعقبة أيْلَة، وقبل ذلك برابغ وخُلَيص. ورجع للقاهرة، فأقام بها ملازمًا السَّماع والقراءة والتَّخريجَ والاستفادة من الشُّيوخِ والأقران غيرَ مشتغل بما يعطِّله عن مزيد الاستفادة، إلى أن توجه لَمنُوفٍ العُلْيا، فسمع بها قليلًا، وأخذ بفيشا الصغرى عن بعض أهلها ثم عاد لوطنه، فارتحل إلى الثغر السكندري، وأخذ عن جمع من المُسنِدين والشُّعراء بها وبأمّ دينار، ودسوق، وفُوَّة، ورشيد، والمحلَّة، وسَمَنُّود، ومُنْية عسّاس، ومُنية نابت، والمنصورة، وفارَسْكُور، ودُنْجية، والطويلة، ومسجد الخَضِر. ودخل دِمْياط، فسمع بها. وحصَّل في هذه الرحلة أشياء جليلة من الكتب والأجزاء والفوائد عن نحو خمسين نفسًا، فيهم من يروي عن ابن الشيخة، والتَّنوخي، والصَّلاح الزِّفتاوي، والمطرِّز، وعبد اللَّه بن أبي بكر الدَّماميني، والبُلْقيني، وابن الملقّن، والعراقي، والهيثمي، والكمال الدَّميري، والحَلَاوي، والسّويداوي، والجمال الرّشيدي، وأبي بكر بن إبراهيم بن العزّ، وابن صديق، وابن أَقْبرس، وناصر الدّين بن الفرات، والنَّجم البالسي، والتاج بن موسى السّكندري، والزين الفيشي المرجاني، وناصر الدين بن الموفق، وابن الخرّاط، والهزبر، والشوف بن الكُوَيْك. ثم ارتحل إلى حلب، وسمع في توجّهه إليها بَسَرْيَاقُوس، والخانقاه، وبَلْبيس، وقَطْيَا، وغزّة، والمجدل، والرّملة، وبيت المقدس، والخليل، ونابلس، ودمشق، وصالحيتهيا، والزَّبداني، وبعلبك، وحمص، وحماة، وسِرْمين، وحلب، وجِبْرين، ثُمَّ بالمعرَّة، وطَرَابُلس، وبرزة، وكفربَطْنا، والمِزَّة، وصالحيَّة مصر، والخطَّارة وغيرها شيئًا كثيرًا، من قريب مائة نفس؛ وفيهم من أصحاب الصَّلاح بن أبي عُمر، وابن أميلة، وابن الهبل، والزين عبد الرحمن بن الأستاذ، وأبي عبد اللَّه محمد بن عمر بن قاضي شُهْبة،

стр. 15

ويحيى بن يُوسف الرّحبي، والحافظ أبي بكر بن المحب، وناصر الدين بن داود، وأبي الهَوْل الجزري، وأبي العباس أحمد بن العماد بن العز المقدسي، وابن عوض، والشهاب المَرْدَاوي، وأبي الفرج بن ناظر الصاحبة، والكمال بن النحاس، ومحمد بن الرشيد عبد الرحمن بن أبي عمر، والشرف أبي بكر الحرّاني، والشِّهاب أبي العباس بن المرحّل، وفرج الشرفي فمن بعدهم. واستمدَّ في بيت المقدس من أجزاء التقّي أبي بكر القَلْقشَنْدِيّ، وكتبه وإرشاده، فقد كان ذا أُنْسَةٍ بالفنِّ. وفي الشام من أجزاء الضيائيَّة وغيرها بمعاونة الإمام التقي بن قُنْدس، والبُرْهان القادري، وآخرين. ثمّ في حلب بمحدِّثها وابن حافظها أبي ذرٍّ الحلبي، فأعاره، وأرشده، وطافَ معه على من بقي عندهم، وساعده غيرُه بتجهيز ساعٍ بإحضار "سنن الدَّارقُطْني" من دمشق حتى أخذها عن بعض من يرويها بحلب. وأجر له خلقٌ باستدعائه واستدعاء غيره من جهات شتَّى ممَّن لم يتيسَّر له لقيُّهم أو لقيَهُم، ولكن لم يسمع منهم، بل كان وهو صغير قبلَ أن يتميَّز ألهمَ اللَّه سبحانه بفضله بعض أهل الحديث استِجازةَ جماعةٍ من محاسن الشُّيوخ له تبعًا لأبيه، فيهم من يروي عن الميدومي، وابن الخبّاز، والخلاطي، وابن القيّم، وابن الملوك، والعز محمد بن إسماعيل الحَمَوي، وأبي الحرم القَلَانسي، وابن نُباتة، وناصر الدّين الفارقي، والكمال بن حبيب، والظَّهير بن العجمي، والتَّقي السُّبكي، والصَّلاح العلائي، وابن رافع، ومُغْلَطَاي، والنَّشَّائي، وابن هشام، وأبي عبد اللَّه بن جابر، ورفيقه أبي جعفر الرُّعيني، المعروفين بالأعمى والبصير وشبههم، بل من يروي بالسماع عمّن حدَّث عنه بالإجازة كالزِّيتاوي، وابن أميلة، والصلاح بن أبي عمر، والعماد محمد بن موسى الشيرجي، والعز محمد بن أبي بكر السوقي، وأبي عبد اللَّه البياني، والشهاب بن النّجم، وأبي علي بن الهبل، وزينب ابنة قاسم وغيرهم، وكذا دخل في استدعاء صاحبه النَّجم بن فهد الهاشمي، بل وكثير من استدعاءات شيخه الزين رضوان، وغيره؛ إما لكونه من أبناء صوفية

стр. 16

الخانقاه البيبرسية، أو نحو ذلك ممَّا هو أخصُّ من العامة، بل تكاد أن تكون خاصة. كما ألهم اللَّه المحب بن نصر اللَّه حين عرضِهِ عليه كتابة الإجازة، مع كونه إنما كتب له بالهامش، وكونه لم يكتب بها لكل من أبيه وعمّه مع كتابته لهما نحو ورقة؛ ولهذا كلِّه زاد عددُ من أخذ عنه من الأعلى والدُّون والمُساوي حتى الشُّعراء ونحوهم على ألفٍ ومائتين، والأماكن التي تحمّل فيها من البلاد والقرى على الثمانين. [مروياته:] واجتمع له من المرويات بالسّماع والقراءة ما يفوق الوصف، وهي تتنوع أنواعًا: أحدها: ما رُتب على الأبواب الفقهية ونحوها، وهي كثيرة جدًّا، منها ما تقيَّد فيه بالصَّحيح؛ كـ "الصحيحين" للبخاري ولمسلم، ولابن خزيمة -ولم يوجد بتمامه- ولأبي عُوانة الإسفرايني، وهو وإن كان مستخرجًا على ثاني الصَّحيحين، فقد أتى فيه بزيادات طرق، بل وأحاديث كثيرة. وعنده من المستخرجات بالسماع "المستخرج على صحيح مسلم" لأبي نُعيم، كما أنَّ في مروياته -لكن بالإجازة- من الكتب الي تقيد فيها بالصّحة كتاب "المستدرك على الصَّحيحين" أو أحدهما للحاكم، وهو كثير التَّساهل، بحيث أدرج في كتابه هذا الضَّعيف، بل والموضوع المنافيين لموضوع كتابه. ومن الكتب الصَّحيحة "الموطَّأ" لمالك، ووقع له بالسَّماع عن دون عشرة من أصحابه، وإدراجُه في الصّحاح إنما هو بالنسبة للتَّصانيف قبله، وإلَّا فلا يتمشَّى الأمر في جميعه على ما استقرَّ الأمرُ عليه في تعريف الصَّحيح. ومنها ما لم يتقيَّد فيه بالصِّحة، بل اشتمل على الصَّحيح وغيره، كـ "السُّنن لأبي داود" رواية أبي علي اللُّؤلؤي وأبي بكر بن داسة عنه، وقيل: إنه يكفي المجتهد، ولأبي عبد الرحمن النَّسائي رواية ابن السني وابن الأحمر وغيرهما عنه، ولأبي عبد اللَّه بن ماجه القزويني، ولأبي الحسن الدَّارقُطني،

стр. 17

ولأبي بكر البَيْهَقيّ، و"السُّنن" التي له أجمع كتاب سمعه في معناه. ولمحمد بن الصباح، وكـ "الجامع" لأبي عيسى الترمذي، ولأبي محمد الدارمي. ويقال له أيضًا "المُسْنَد"؛ بحيث اغترَّ بعضهم بتسميته، وأدرجه في النوع بعده، وقد أطلق بعضُهم عليه الصحَّة، وكان بعض الحفَّاظ ممَّن روى عن بعض الآخذين عنه يقول: إنه لو جُعل بَدَل ابن ماجه بحيث يكون سادسًا للكتب الشَّهيرة أصول الإسلام لكان أولى؛ وكـ "المُسْنَد" للإمام الشَّافعي، وليس هو من جمعه، وإنَّما التقطه بعضُ النَّيسابوريّين من "الأم" له و"السُّنن" له رواية المُزَنيّ، ورواية ابن عبد الحكم، و"شرح معاني الآثار" لأبي جعفر الطحاوي. ثم إنّ في بعض هذه ما يميّز فيه مصنفه المقبول من غيره "كالجامع" للترمذي، ونحوه "السُّنن" لأبي داود، ومما يلتحق بهذا النوع ما يقتصر فيه على ما فرد من أفراده أو غيره "كالشَّمائل النبويَّة" للتِّرمذي، و"دلائل النبوة" للبَيْهَقي، و"الشِّفا" لعياض، و"المغازي" لموسى بن عقبة، و"السيرة النبوية" لابن هشام، ولابن سيد الناس، و"بشرى اللَّبيب" له، و"فضل الصَّلاة على النَّبي ﷺ " لإسماعيل القاضي ولابن أبي عاصم، ولابن فارس وللنُّمَيريّ، و"حياة الأنبياء في قبورهم" و"فضائل الأوقات" و"الأدب المفرد" ثلاثتها للبيهقي، وكذ للبخاري "الأدب المفرد"، وفي معناهما "مكارم الأخلاق"، للطبراني، وكذا للخرائطي مع "مساويها" له. وكـ "التَّوكُّل" و"ذم الغيبة" و"الشُّكر" و"الصَّمت" و"الفرج" و"اليقين"، وغيرها من تصانيف أبي بكر بن أبي الدنيا. وكـ "برِّ الوالدين" و"القراءة خلف الإمام" و"رفع اليدين في الصَّلاة" للبخاري، و"البسملة" لأبي عمر بن عبد البر، و"العلم" للمرهبي ولأبي خيثمة زهير بن حرب، و"الطهارة" و"فضائل القرآن" و"الأمْوال" ثلاثتها لأبي عبيد، و"الإيمان" لابن مَنْدَة ولأبي بكر بن أبي شيبة. و"ذم الكلام" للهروي و"الأشربة الصَّغير" و"البيوع" و"الورع" ثلاثتها لأحمد، وكـ "الجامع لأخلاق الرّاوي والسَّامع" للخطيب. و"المحدِّث الفاصل بين الرَّاوي والواعي" للرَّامَهُرْمُزي، و"علوم الحديث" لابن الصَّلاح، ومن قبله للحاكم "شرف أصحاب الحديث"، و"رواية الآباء عن الأبناء"، و"اقتضاء العلم

стр. 18

العمل"، و"الزُّهد" و"الطفيليين" خمستُها للخطيب. وفي مسموعاته أيضًا: "الزُّهد" لابن المبارك، وكـ "الدّعوات" للمحاملي وللطبراني وهو أجمعُ كتاب فيها، و"عمل اليوم والليلة" لابن السّني، و"فضل عشر ذي الحجّة" للطّبراني، ولأبي إسحاق الغازي، وكذا في مسموعاته من التَّصانيف في "فضل رجبٍ وشعبانَ ورمضان" جملة، و"اختلاف الحديث" و"الرسالة" كلاهما للشافعي، و"عوارف المعارف" للسَّهْرَوَرْدي، و"بداية الهداية" للغزالي، و"صفة التصوُّف" لابن طاهر. ثانيها: ما رُتِّب على المسانيد كـ "مسند أحمد" وهو أجمع مسند سمعه، وأبي داود الطيالسي، وأبي محمد عبد بن حميد، وأبي عبد اللَّه العدني، وأبي بكر الحميدي ومسدَّد، وأبي يَعْلى الموصلي. وليس في واحد منها ما هو مرتبا على حروف المعجم؛ نعم ممَّا رُتِّب فيه على الحروف من المسانيد مع تقييده بالمحتج به "المختارة" للضياء المقدسي، ولكن لم يكمل تصنيفًا ولا استوفى الموجود سماعًا و"المعجم الكبير" الطبراني، وهو مع كونه يلي "مسند أحمد" في الكبر أكثرها فوائد. و"المعجم" لابن قانع، والأحاديثُ فيه قليلة، ونحوه "الاستيعاب" لابن عبد البرّ، إذ ليس القصد فيه إلَّا تراجم الصحابة وأخبارهم، وقريب منه في كون موضوعه التَّراجم، ولكن لم يقتصر فيه على الصحابة، مع الاستكثار فيه من الحديث. ونحوه "حلية الأولياء" لأبي نُعَيْم، وكذا ممَّا يذكر فيه أحوال الصُّوفية الأعلام "الرِّسالة القُشَيْريّة". وقد يقتصر على صحابيّ واحد كـ "مسند عمر" للنجاد، و"سعد" للدَّورقي. كما أنّه قد يقتصر على الفضائل خاصة كـ "فضائل الصحابة" لطراد ووكيع. ونحوه "الذرية الطَّاهريَّة" للدُّولابيّ. وقد يكون في مطلق التَّراجم لكن لأهل بلدٍ مخصوص كأصبهان لأبي نُعَيْم وبغداد للخطيب، وعنده بالسماع منهما جملة. وقد يكون في فضائل البلدان كـ "فتوح مصر" لابن عبد الحكم و"فضائل الشام" للربعي.

стр. 19

ثالثها: ما هو على الأوامر والنَّواهي وهو صحيح أبي حاتم بن حبَّان، المسمَّى بـ "التَّقاسيم والأنواع"، والكشف منه عسرٌ على من لم يتقن مُراده. رابعها: ما هو على الحروف في أول كلمات الأحاديث، وهو "مسند الشِّهَاب" للقُضاعي. خامسها: ما هو في الأحاديث الطوال خاصة، وهو "الطِّوالات" للطبراني، ولابن عساكر منها: "كتابُ الأربعين". سادسها: ما يقتصر فيه على أربعين حديثًا فقط، ويتنوَّع أنواعًا كـ "الأربعين الإلهية" لابن المفضّل، وكـ "الأربعين المسلسلات" له، وكـ "الأربعين في التصوُّف" لأبي عبد الرحمن السلمي، إلى غيرها، كالأحكام وقضاء الحوائج وما لا تقيد فيه كـ "أربعين الآجريّ" والحاكم وهي شيء كثير، وقد لا يقتصر على الأربعين كـ "الثمانين" للآجري و"المئة" لغيره. سابعها: ما هو على الشُّيوخ للمصنف كـ "المعجم الأوسط" و"الصغير" كلاهما للطبراني، و"معجم الإسماعيلي" و"ابن جميع"، ونحوها كالمشيخات التي منها "مشيخة ابن شاذان الكبرى" و"الصُّغرى" و"مشيخة الفَسوي". وبعضها مرتب على حروف المعجم؛ ومنه ما لم يرتّب، ونحو هذا جمع ما عند الحافظ أبي بكر بن المقرىء وكذا الحارثي وغيرهما ممّا هو مسموعٌ عنده ممَّا عندهم من حديث الإمام أبي حنيفة وترتيبه على شيوخه، ويسمى كل واحد منهما "مسند أبي حنيفة". ثامنها: ما هو على الرُّواة عن إمام كبير ممن يجمع حديثه كـ "الرُّواة عن مالك" للخطيب، و"من روى عن مالك من شيوخه" لابن مَخْلَد. تاسعها: ما يقتصر فيه على الأفراد والغرائب كـ "الأفراد" لابن شاهين وللدَّارقُطني، وهي في فئة جزء سمع منها الكثير، ومنه "الغرائب عن مالك" وغيره من المكثرين. عاشرها: ما لا تقيُّد فيه بشيء ممَّا ذُكر، بل يشتمل على أحايث نثرية من العوالي، وهو على قسمين:

стр. 20

أولهما ما كل تخريج منه في مجلد ونحوه كـ "الثقفيات" و"الجعديات" و"الحنائيات" و"الخلْعيَّات" و"السَّمعونيات" و"الغيلانيات" و"القطيعيات" و"المحامليات" و"المخلصيات" و"فوائد تمام" و"فوائد سَمَوَيْه" وجملة؛ ونحوها "المجالسة" للدّينوري. وما هو دون ذلك؛ كـ "جزء" أبي الجهم، والأنصاري؛ وابن عرفة، وسفيان وما يزيد على ألف جزء. حادي عشرها: ما لا إسناد فيه، بل اقتصر فيه على المتون مع الحكم عليها وبيان جملةٍ من أحكامها كـ "الأذكار" و"التبيان" و"الرِّياض" وغيرها من تصانيف النَّوويّ وغيره، إلى غيرها من المسموعات التي لا تقيُّدَ فيها بالحديث؛ كـ "الشَّاطبية" و"الرَّائية" في علمي القراءة والرَّسم، و"الألفية" في علمي النَّحو والصَّرف، و"جمع الجوامع" في الأصلين والتَّصَوُّف، و"التَّنبيه" و"المنهاج" و"بهجة الحاوي" في الفقه و"تلخيص المفتاح" في المعاني والبيان، و"قصيدة بانت سُعاد" و"البُردة" و"الهمزيَّة". وليس ما ذكر بآخر التنبيه؛ كما أنه ليس المراد بما ذُكر في الأنواع الحصر، إذ لو سرد كل نوع منه لطال ذكرُه، وعَسُرَ الآن حصرُه، بل لو سرد مسموعه ومقروءه على شيخه فقط لكان شيئًا عجبًا. وأعلى ما عنده من المرويِّ ما بينه وبين الرسول ﷺ بالسَّنَد المتماسك فيه عشرة أنفس، وليس ما عنده من ذلك بالكثير، وأكثر منه وأصح ما بين شيوخه وبين النبي ﷺ العدد المذكور. واتَّصَلَتْ له الكتب الستَّة وكذا حديث كلّ من الشَّافعي وأحمد والدَّرامي وعبدٍ بثمانية وسائط، بل وفي بعض الكتب الستَّة كأبي داود من طريق ابن داسة، وأبواب من النَّسائي ما هو بسبعة -بتقديم المهملة- واتصل له حديث مالك وأبي حنيفة بتسعة، بتقديم المثناة. ولما وُلِدَ ولدُه أحمد، جدّد العزمَ لأجله؛ حيث قرأ له على بقايا المُسْندِين شيئًا كثيرًا جدًّا في أسرع وقت، وانتفع بذلك الخاصُّ والعامُّ والكبير والصغير، وانتشرت الأسانيدُ المحرَّرة والأسمعة الصَّحيحة والمرويات

стр. 21

المُعتبرة، وتنبَّه النَّاسُ لإحياء هذه السُّنَّة بعد أن كادت تنقطع، فلزموه أشدَّ ملازمة، وصار من يأنف الاستفادة منه من المهملين يتسوَّر على خطِّه، فيستفيد منه، وما يدري أنَّ الاعتماد على الصُّحف فقط في ذلك فيه خلل كبير، ولعَمري إنَّ المرء لا ينبُل حتى يأخذ عمَّن فوقه ومثله ودونه، على أنَّ الأساطين من علماء المذاهب ومحقّقيهم من الشيوخ وأماثل الأقران البعيد غرضهم عن المقاصد الفاسدة غير متوقفين عن مسألته فيما يَعْرضُ لهم من الحديث ومُتَعلقاته، مرةً بالكتابة التي ضبطها بخطوطهم عنده، ومرَّة باللَّفظ، ومرَّة بإرسال السائل لهم نفسه وبغير هذا ممَّا يستهجن إيراد مثله، مع كونه أفرد أسماءهم في محل آخر، وطالما كان التَّقيُّ الشُّمُنِّي يحضُّ أماثَل جماعته كالنَّجمي بن حجي على ملازمته، ويقول: متى يسمح الزمان بقراءته، بل حضَّه على عقد مجلس الإملاء غيرَ مرَّةٍ، ولذا لما صارت مجالس الحديث آنسة عامرة منضبطة، ورأى إقبالهم على هذا الشأن وللَّه الحمد، امتثل إشارته بالإملاء فأملى بمنزله يسيرًا، ثم تحوَّل لسعيد السعداء وغيرها، متقيدًا بالحوادث والأوقات، حتى أكمل تسعةً وخمسين مجلسًا. ثُمَّ توجه وعيالُه وأكبرُ إخوته ووالده للحجّ في سنة سبعين، فحجُّوا وجاوَرُوا، وحدَّث هناك بأشياء من تصانيفه وغيرها، وأقرأ "ألفية الحديث" تقسيمًا، وغالب شرحها لناظمها، و"النُّخْبة" وشرحها وأملى مجالس كل ذلك بالمسجد الحرام، وتوجَّه لزيارة ابن عباس ﵄ بالطَّائف رفيقًا لصاحبه النَّجم بن فهد، فسمع منه هناك بعض الأجزاء. ولمَّا رجع إلى القاهرة شرعَ في إملاء تكملة تخريج شيخه لـ "الأذْكَار" إلى أنْ تمَّ، ثم أملى تخريج "أربعين النووي" ثم غيرها مما يقيَّد فيه، بحيث بلغت مجالس الإملاء ستمئة مجلس فأكثر، وممّن حضر إملاءه ممّن شهد إملاء شيخه: النَّجمُ بن فهد والشَّمس الأمْشَاطيّ، والجمال بن السَّابق. وممَّن حضر إملاء شيخه والولي العراقي: البهاءُ العلقميُّ، وممن حضر إملاءهما والزَّين العراقي: الشِّهابُ الحجازي، والجلال القمصي، والشهاب الشّاوي.

стр. 22

وكذا حجَّ في سنة خمس وثمانين، وجاور سنة ست، ثمّ سنة سبعٍ، وأقام منها ثلاثة أشهر بالمدينة النبوية، ثم في سنة اثنتين وتسعين، وجاور سنة ثلاث، ثم سنة أربع، ثم في سنة ست وتسعين، وجاور إلى أثناء سنة ثمان، فتوجه إلى المدينة النبوية، فأقام بها أشهرًا وصامَ رمضانَ بها، ثم عاد في شوَّالها إلى مكة وهو الآن في جُمادى الثانية من التي تليها بها خُتم له بخير. وحمل النّاسُ من أهلهما والقادمين عليهما عنه الكثير جدًّا روايةً ودرايةً، وحصَّلوا من تصانيفه جملةً؛ وسئل في الإملاء هناك فما وافق، نعم أملى بالمدينة النبوية شيئًا لأناس مخصوصين. ثمّ لمَّا عاد للقاهرة من المجاورة التي قبل هذا تزايد انجماعُه عن النَّاس، وامتنع من الإملاء لمزاحمة من لا يحسن فيها، وعدم التَّمييز من جلِّ الناس أو كلِّهم بين العلمين، وراسل من لامه على ترك الإملاء بما نصه: "إنَّه ترك ذلك عند العلم بإغفال الناس لهذا الشأن، بحيث استوى عندهم ما يشتمل على مقدِّمات التصحيح وغيره، من جمع الطرق التي يتبين بها انتفاء الشذوذ والعلَّة، أو وجودهما مع ما يورد بالسَّند مجرّدًا عن ذلك، وكذا ما يكون متصلًّا بالسماع مع غيره، وكذا العالي والنَّازل والتَّقيُّد بكتابٍ ونحوه مع ما لا تقيّد فيه، إلى غيرها ممَّا ينافي القصد بالإملاء، وينادي الذاكر له العامل به على الخالي منه بالجهل". كما أنَّه التزم ترك الإفتاء مع الإلحاح عليه فيه، حين تزاحم الصِّغَارُ على ذلك، واستوى الماء والخشبة، ولا سيّما إنما يُعْمَل بالأغراض، بل صار يكتب على الاستدعاءات وفي عرض الأبناء من هو في عداد من يلتمس له ذلك حين التقيّد بالمراتب والأعمال بالنيات. وقد سبقه للاعتذار بنحو ذلك شيخُ شيوخه الزَّينُ العراقي وكفى به قدوة، بل وأفحشُ مِن إغفالهم النَّظر في هذا، وأشد في الجهالة إيرادُ بعض الأحاديث الباطلة على وجه الاستدلال، وإبرازها حتَّى في التَّصانيف والأجوبة، كل ذلك مع ملازمة النَّاس له في منزله للقراءة درايةً وروايةً في تصانيفه وغيرها، بحيث خَتَمَ عليه ما يفوقُ الوصف من ذلك، وأخذ عنه من

стр. 23

الخلائق من لا يُحصى كثرةً، وأفردهم بالجمع، بحبث أخذ عنه قاضي المالكيَّة بطيبة الشَّمس السَّخاوي ابن القصبي، ومدحه بغير قصيد، ثم ولده قاضي المالكية أيضًا الخيري أبي الخير أيضًا، ثم ولده المحبي محمَّد أوحد النجباء الفُضلاء، ثم بنوه، فكانوا أربعةً في سلسلة، كما اتّفق لشيخنا حسبما أوردته في "الجواهر"، وقد قال الواقديُّ في أحمد بن محمد بن الضحَّاك بن عثمان بن الضحَّاك بن عثمان بن عبد اللَّه بن خلة بن حرام: إنه خامسُ خمسةٍ جالستُهم وجالسوا على طلب العلم، يعني فيهم من شيوخه ومن طلبته. [مصنَّفاته] (١) [علوم الحديث:] وشرع في التَّصنيف والتَّخريج قبل الخمسين وهلُمَّ جرّا. فكان ممَّا خرَّجه من المشيخات لكلِّ من الرَّشيدي، وسماه "العقد الثمين في مشيخة خطيب المسلمين"، والعُقْبي، وسماها "الفتح القُرْبي في مشيخة الشهاب العُقْبي"؛ والتَّقي الشُّمُنِّي في كبرى وصغرى. ومن "الأربعينيات" لكل من زوجة شيخه، والكمال بن الهُمام، والأمين الأقصرائيّ، والتقي القَلْقَشَنْديّ المقدسي، والبدر ابن شيخه، والشرف المُنَاويّ، والمحبَيْن ابن الأشقر وابن الشِّحنة، والزَّين بن مُزْهر. وللعلم البُلقيني "مئة حديث عن مئة شيخ"، و"أحاديث مسلسلات"، وللأقصرائي، وابن يعقوب، والمحبَّيْن القُمْني والفاقُوسي وأخيه، والعلم البُلقيني، والمُنَاويّ، والشَّمس القَرَافي، وابنة الهُوريني، وهاجر القدسيّة، والفخر الأسْيُوطي، والملتُوتي، والحسام بن حُريز، وابن إمام الكامليَّة، والعبادي، وزكريا وابن مُزْهر "فهرستًا"، وكذا لحفيد سيدي يوسف

стр. 24

العجميّ، ولتَغْرِي بَرْدِي لقادري، وللشَّمس الأَمْشاطيّ معجمًا، وكذا لابن السيّد عفيف الدين، بسؤال الكثير منهم في ذلك، وتوسُّلهم بما يقتضي الموافقة، ولنفسه "الأحاديث المتباينة المتُون والأسانيد" بشروطٍ كثيرة لم يُسْبَق لمجموعها، بلغت أحاديثُها نحو المائتين، وهي في مجلد كبير، استفتحه بمن سبقه لذلك من الأئمة والحفَّاظ؛ و"الأحاديث البُلْدانيّات" في مجلد، ترجم فيه الأماكن مع ترتيبها على حروف المعجم، مخرِّجًا في كل مكان حديثًا، أو شعرًا، أو حكاية عن واحد من أهلها أو الواردين عليها مستفتحة بمن سبقه أيضًا، لذلك وإن لم يرَ من تقدّمه لمجموع ما جمعه فيها أيضًا و"الأحاديث المسلسلات"، وهي مئة استفتحها أيضًا بمن سبقه لجمع المسلسلات مع انفراده بما اجتمع فيها، وسماها "الجواهر المكلَّلَة في الأخبار المسلسلة"، و"تراجم من أخذ عنه على حروف المعجم" في ثلاث مجلدات سماه: "بغية الراوي بمن أخذ عنه السَّخاوي". وعزمه انتقاءه واختصاره لنقص الهمم، و"فهرست مروياته" وهو إن بيض يكون في أزيد من ثلاثة أسفار ضخمة، شرع في اختصاره وتلخيصه بحيث يكون على الثلث منه لنقص الهمم أيضًا، و"عشاريات الشُّيوخ" مع ما وقع له من "العشريات" في عدة كراريس، و"الرِّحلة السِّكندريَّة وتراجمها"، وكذا "الرِّحلة الحلبيّة مع تراجمها" أيضًا و"الرِّحلة المكيَّة"، و"الثَّبْت المصريّ" في ثلاث مجلدات، و"التَّذْكرة" في مجلدات، و"تخريج أربعين النَّوويّ" في مجلد لطيف، وتكملةُ تخريج شيخنا لـ "الأذْكار" ويسمى "القول البار"، و"تخريج أحاديث العادلين" لأبي نُعيم، و"أربعين الصُّوفية" للسّلمي، و"الغُنية" المنسوبة للشيخ عبد القادر وتسمى "البُغْيَة" كتب منه اليسير، وتخريج طرق "إنَّ اللَّه لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا" عمله تجربة للخاطر في يوم، وإن سُبِقَ لجمعه فيما لم يقف عليه، و"التُّحفة المنيفة فيما وقع له من حديث الإمام أبي حنيفة"، و"الأمالي المطلقة". وممَّا صنَّفه في علوم هذا الشأن: "فتح المُغيث بشرح ألفية الحديث" وهو -مع اختصاره- في مجلّد ضخم، وسبك المتن فيه على وجهٍ بديع لا يُعلمُ في هذا الفن أجمع منه ولا أكثر تحقيقًا لمن تدبّره. وتوضيح لها حاذى به المتن بدون إفصاح في المسوَّدة، و"الغاية في شرح منظومة ابن

стр. 25

الجزري الهداية" في مجلّد لطيف؛ و"الإيضاح في شرح نظم العراقي للاقتراح" في مجلد لطيف أيضًا، و"النّكت على الألفية وشرحها"، بيَّض منه نحو ربعه في مجلّد؛ و"شرح التقريب" للنّووي في مجلّد متقن، "بلوغُ الأمل بتلخيص كتاب الدَّارقُطني في العِلَل" كتب منه الربع مع زوائد مفيدة، "تكملة تلخيص شيخنا للمتَّفق والمُفْتَرق". [الشروح:] ومه في الشروح: "تكملة شرح التِّرمذي للعراقي" كتب منه أكثر من مجلّدين في عدَّة أوراق من المتن، وحاشية في أماكن من "شرح البخاري" لشيخه وغيره من تصانيفه، وشرح "الشَّمائل النبوية" للتِّرمذي ويسمى "أقرب الوسائل" كتب منه نحو مجلد، و"القول المفيد في إيضاح شرح العمدة لابن دقيق العيد" كتب منه اليسير من أوّله، "شرح ألفيّة السِّيرة للعراقي" في المسودة ثمّ عدم، و"الجمع بين شرحي الألفية" لابن المصنِّف وابن عقيل و"توضيحها" كتب منه اليسير. [التاريخ:] ومنه في التاريخ: التعريف به وتشعُّب مقاصده وسببه؛ بل اسمه "الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ التَّوْريخ"، و"التِّبْرُ المسبوك في الذيل على تاريخ المقريزي السُّلوك"، يشتمل على الحوادث والوفيات من سنة خمس وأربعين وإلى الآن في نحو أربعة أسفار، و"الضَّوء اللَّامع لأهل القرن التَّاسع" وهو هذا الكتاب يكون ست مجلدات؛ و"الذَّيل على قضاة مصر" لشيخه في مجلد ويُسمَّى "الذيل المُتَنَاهِ"، و"الذَّيل على طبقات القرَّاء لابن الجزري" في مجلد، و"الذَّيل على دول الإسلام" للذهبي نافع جدًّا، والوفيات في القرنين الثامن والتاسع على السنين يكتب في مجلدات واسمه "الشافي من الألم في وفيات الأمم"، و"معجم" من أخذ عنه وإن كان هو بعض أفراد هذا الكتاب، و"التحصيل والبيان في قصَّة السيِّد سلمان"، و"المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النَّووي"، و"الاهتمام بترجمة النَّحوي

стр. 26

الجمال بن هشام"، و"القول المُبين في ترجمة القاضي عُضُد الدِّين". و"الجواهر والدُّرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" في مجلد ضَخْم، وربَّما في مجلَّدين، و"الاهتمام بترجمة الكمال بن الهُمام". وترجمة نفسه إجابة لمن سأله فيها. وكذا أفرد من أثنى عليه من الشيوخ والأقران فمن دونهم، وما علمه ممّا صدر عنه من السّجع. و"تاريخ المدنيِّين" في نحو مجلدين في المسوّدة. و"التَّاريخ المحيط" وهو في نحو ثلاث مئة رزمة على حروف المعجم لا يعلم من سبقه إليه. و"تجريد حواشي شيخه على الطبقات الوسطى لابن السُّبْكي". وتقفيص قطعة من "طبقات الحنفية" كان وقع الشّروع فيه لسائل، و"طبقات المالكية" في أربعة أسفار تقريبًا بيض منه المجلد الأول في ترجمة الإمام والآخذين عنه. و"ترتيب طبقات المالكية" لابن فرحون. وتجريد ما في "المدارك" للقاضي عياض مِمَّا لم يذكره ابن فرحون إجابة لسائل فيه وفي الذي قبله. "تَقْفيص ما اشتمل عليه الشِّفا من الرجال" ونحوهم. و"القول المُنْبي في ترجمة ابن عربي" نافعة جدًّا، تجريد أسماء الآخذين عن ابن عربي، و"أحسن المساعي في إيضاح حوادث البقاعي"؛ و"الفرجة بكائنة الكاملية التي ليس فيها للمُعَارض حُجَّة"، و"دفع التلبيس ورفع التنجيس عن الذيل الطاهر النَّفيس"، و"تلخيص تاريخ اليمن"، وكذا "طبقات القراء" لابن الجزري، و"منتقى تاريخ مكة" للفاسي، "عمدة الأصحاب في معرفة الألقاب"، "ترتيب شيوخ الطبراني"؛ "ترتيب شيوخ أبي اليُمن الكندي"، "ترتيب شيوخ جماعة من شيوخ الشيوخ" ونحوهم. [ختم الكتب:] ومنه في ختم كل من "الصَّحيحين"، و"أبي داود"، و"التِّرمذي"، و"النَّسائي"، و"ابن ماجه"، و"البيهقيّ"، و"الشِّفا"، و"سيرة ابن هشام"، و"سيرة ابن سيد النَّاس"، و"التَّذكرة" للقُرطبي. واسم الأول: "عمدة القارىء والسامع في ختم الصحيح الجامع". والثاني: "غُنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجَّاج".

стр. 27

والثالث: "بذل المجهود في ختم السُّنن لأبي داود". والرابع: "اللَّفظ النَّافع في ختم كتاب التِّرمذي الجامع". والخامس: "القول المعتبر في ختم النَّسائي رواية ابن الأحمر"، بل له فيه مصنَّف آخر حافل سماه "بغية الرَّاغب المُتَمنِّي في ختم سنن النَّسائي رواية ابن السُّنِّي". والسادس: "عُجالة الضَّرورة والحاجة عند ختم السُّنن لابن ماجه". والسابع: "القول المرتقي في ختم دلائل النُّبُوَّة للبَيْهقي". والثامن: "الانتهاض في ختم الشِّفا لعياض"، بل له مصنَّفٌ آخر حافل اسمه "الرِّياض". والتاسع: "الإلمام في ختم السّيرة النَّبوية لابن هشام". والعاشر: "رفع الإلباس في ختم سيرة ابن سيد الناس". والحادي عشر: "الجوهرة المزهرة في ختم التَّذكرة". ومنه في أبواب ومسائل: "القول البديع في الصَّلاة على الحبيب الشفيع ﷺ "، "الفوائد الجليَّة في الأسماء النبويَّة" لم يبيَّض، "الصَّلاة على النَّبي ﷺ بعد موته"، "موالي النَّبي ﷺ "، "المقاصدُ الحَسَنَةُ في بيان كثير من الأحاديث المُشتهرة على الألسنة"، "الابتهاج بأَذْكار الحَاجّ"، "القول النافع في بيان المساجد والجوامع"، ورُبَّما سُمِّي "تحريكُ الغنيِّ الواجد لبناء الجوامع والمساجد"، "الاحتفال الجمع أولي الضلال"، "الإيضاح والتَّبيين في مسألة التَّلقين"، "ارتياح الأكباد بأرباح فقد الأولاد"، "قرَّةُ العين بالثَّواب الحاصل للميّت وللأبوين"، "البستان في مسألة الاختتان"، "القول التَّام في فضل الرّمي بالسِّهام"، "استجلاب ارتقاء الغُرَف بحبِّ أقرباء الرسول ﷺ وذوي الشرف"، "عُمْدة الناس أو الإيناس بمناقب العبَّاس"، "الفخر العلوي في المولد النبوي"، "عُمْدة المُحتج في حكم الشّطرنج"، "التماس السَّعد في الوفاء بالوعد"، "الأصل الأصيل في تحريم النَّقل من التَّوراة

стр. 28

والإنجيل"، "القول المألوف في الردِّ على منكر المعروف"، "الأحاديث الصَّالحة في المصافحة"، "القول الأتمّ في الاسم الأعظم"، "السرُّ المكتوم في الفرق بين المَالَيْن المحمود والمذموم"، "القول المعهود فيما على أهل الذِمّة من العهود"، "الكلام على حديث الخاتم"، "الكلام على قصِّ الظفر"، "الكلام على الميزان"، "القناعة فيما تمسُّ إليه الحاجة من أشراط السَّاعة"، "تحرير المقال في الكلام على حديث كل أمر ذي بال"، "القول المتين في تحسين الظنِّ بالمخلوقين"، "الكلام على قول: لا تكن حلوًا فتسترط"، "الكلام على قول: كل الصَّيْد في جَوْف الفرَا"، "الكلام على حديث: إنَّ اللَّه يكرَهُ الحَبْرَ السَّمين" "الكلام على حديث: المُنْبَتُّ لا أرضًا قَطَعَ ولا ظَهْرًا أبْقى"، "الكلام على حديث: تنزل الرحماتُ على البَيْتِ المعظَّم"، "الإيضاحُ المرشدُ من الغيِّ في الكلام على حديث: حُبِّبَ من دُنياكم إليَّ"، "المستجابُ دعاؤهم"، "تجديدُ الذِّكر في سجود الشُّكر"، "نظم الَّلآل في حديث الأبدْال"، "انتقاد مدَّعي الاجتهاد"، "الأسئلة الدَّمياطيَّة"، "الاتِّعاظ بالجواب عن مسائل بعض الوعَّاظ"، "تحرير الجواب عن مسألة ضرب الدواب"، "الامتنان بالخرس من دفع الافتتان بالفرس"، "المقاصد المباركة في إيضاح الفرق الهالكة"، بل استقرَّ اسمه "رفع القلق والأرَق بجمع المبتدعين من الفرق"، "بذل الهمَّة في أحاديث الرَّحمة"، "السَّير القويّ في الطِبِّ النبويّ" شرع فيه، "رفع الشكوك في مفاخر الملوك"، "الإيثار بنبْذَة من حقوق الجار"، "الكنز المدَّخر في فتاوى شيخه ابن حَجَر" قفَّص منه الكثير، "الرَّأي المُصيب في المُرور على التَّرغيب" كتب فه اليسير، "الحثّ على تعلُّم النحو"، "الأجوبة العليَّة عن المسائل النثرية" تكون في مجلدين، "الاحتفال بالأجوبة عن مئة سؤال"، "التوجُّه للربّ بدعوات الكَرْب"، "ما في البُخاري من الأذْكار"، "الإرشاد والموعظة لزاعم رؤية النبي ﷺ بعد موته في اليَقَظَة". ومن "جامع الأمَّهات والمسانيد" إجابةً لسائل فيه كتب منه مجلدًا، ولو تمَّ لكان في مئة مجلد فأزيد. جمع الكتب الستة بتميز أسانيدها وألفاظها، كتب منه أيضًا مجلدًا فأكثر. ترتيب كل من "فوائد تمَّام" و"الحنائيَّات" و"الخلعيَات" وكل من "مسند الحميدي" و"الطَّيالسي" و"العدني" و"أبي يَعْلى" على المسانيد. تطريف "مشيخة الزَّين المراغي"، وعدة أجزاء على المسانيد أيضًا. وكذا ترتيب "الغيلانيات" و"فوائد تمّام" على الأبواب، كتب منه

стр. 29

قطعةً قبل العلم بسبقِ الهَيْثَمي له، "تجريد ما وقع في كتب الرجال"، ولا سيما المختصة بالضُّعفاء من الأحاديث وترتيبها على المسانيد، كتب منه جملة. [وظائفه:] واستقرَّ في تدريس الحديث بدار الحديث الكاملية عَقِبَ موتِ الكمال، ولكن تعصَّبَ مع أولاده من يحسَبُ أنَّه يُحسِنُ صُنْعًا، وكانت كوائن أشير إليها في الفرجة، ثَّم رغب الابن عنها لعبد القادر بن النَّقيب. وكذا استقرَّ في تدريس الحديث بالصَّرْغَتْمُشِيَّة عقب الأمين الأقصُرائي؛ وناب قبل ذلك في تدريس الحديث بالظَّاهرية القديمة بتعيينه وسؤاله، ثم في تدريس الحديث بالبرقوقية عقب موت البهاء المشهدي، وقرَّره المقرُّ الزينيُّ بنُ مُزْهر في الإملاء بمدرسته التي أنشأها، فاستعفى من ذلك لالتزامه تركه كما قدمه؛ وكذا قرَّره المُناوي في تدريس الحديث بالفاضِليَّة، لظنِّه أنه وظيفة فيها. كما أنَّه سأل شيخه بعد موت شيخه البرهان بن خضر في تدريس الحديث بالمَنْكوتَمُرِيّة، فأجابه بأنّه لم يكن معه إنّما كان معه الفقه، وقد أخذه تقي الدين القَلْقَشَنْدِيّ، بل عينه الأمير يَشْبَك الفقيه الدَّوادار حين غيبته بمكَّة لمشيخة الحديث بالمَنْكُوتَمُرِيَّة عقب التَّقي المذكور، فلا زال به صهره حتى أخذها لنفسه. وكذا ذُكر في غيبته التالية لها لقراءة الحديث بمجلس السُّلطان بعد إمامه وما كان يفعل؛ لأن الدَّوادار المشار إليه سأله في المبيت عند الظاهر خُشْقَدَم ليلتين في الأسبوع ليقرأ له نُخبًا من التَّاريخ، كما كان العَينيُّ يفعلُ، فبالغ في التَّنَصُّل كما تنصَّل منه حين التماس الدَّوادار يشْبَك من مهدي له عند نفسه، ومن مُطْلق التردُّد لتمُرْبُغا المستقر بعدُ في السَّلطنة وفي الحضور عند بُرْدْبَك، والشَّهابي بن العينيّ وغيرهما. نعم طلبه الظَّاهرُ نفسه في مرض موته، فقرأ عنده "الشِّفا" في ليلة بعض ذلك بحضرته، وفي غيبته الَّتي بعدها لمشيخة سعيد السُّعداء بعد الكُوراني،

стр. 30

وعرض عليه الأتابَكُ شفاهًا قضاءَ مصرَ فاعتذر له، فسأله في تعيين من يرضاه فقال له: لا أنسب من السُّيوطي قاضيك، إلى غير هذا مما يرجو به الخيرَ مع أنَّ مالَهُ من الجهات لا يسمنُ ولا يُغني من جوعٍ، وللَّه درُّ القائل: تقدَّمَتني أُناسٌ كَانَ شَوْطُهُم ... ورَاءَ خَطْويَ لو أَمْشي على مَهَلِ هذا جزاءُ امريءٍ أقرانُهُ دَرَجُوا ... من قَبله فتمنَّى فُسحَةَ الأجَلِ فإنْ عَلانيَ مَنْ دوني فلا عَجَبٌ ... لي أُسْوةٌ بانحطاط الشمسِ عن زُحَلِ فاصبرْ لها غَيْرَ مُحْتَالٍ وَلَا ضَجِرٍ ... في حادثِ الدَّهرِ ما يُغْني عن الحِيلِ أعدى عدُوِّكَ مَنْ وثِقْتَ بِه ... فَعَاشِرِ النَّاسِ واصْحَبهُم على دَخَلِ فإنَّما رَجُلُ الدُّنْيا وَوَاحِدُهَا ... مَنْ لَا يُعَوِّلُ في الدُّنْيا على رَجُلِ وقال أحمد بن يحيى ثَعْلَبُ النَّحويُّ فيما رويناه عنه يقول: دخلتُ على أحمد بن حنبل فسمعتُه يقولُ: إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَومًا فَلَا تَقُل ... خَلَوْتُ، وَلَكِنْ قُل: عَلَيَّ رَقيبُ إذا مَا مَضَى القَرْنُ الذي أَنْتَ فِيهِمُ ... وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فأنْتَ غريبُ فلا تكُ مَغرورًا تعلّل بالمُنى ... فَعَلَّكَ مَدْعُوٌ غدًا فَتُجِيبُ ألمْ تَرَ أَنَّ الدَّهْرَ أسْرَعُ ذاهِبٍ ... وأَنَّ غدًا للنَّاظِريْنَ قَرِيْبُ هذا كله وهو عارفٌ بنفسه، معترف بالتقصير في يومه وأمسه، خبير بعيوبه التي لا يُطَّلعُ عليها، مستغفرٌ مما لعله يبدو منها، لكنَّه أكثر الهَذَيان طمعًا في صفح الإخوان، مع كونه في أكثره ناقلًا، واعتقاد أنه فضل ممن كان له قائلًا. والله يسأَلُ أن يجعله كما يظنُّون، وأن يغفرَ له ما لا يعلمون، وللَّه در القائل: لئِنْ كان هذا الدَّمْعُ يجري صَبَابَةً ... عَلَى غَيرِ لَيْلَى فهو دَمْعٌ مُضَيَّعُ وقول غيره:

стр. 31

سَهَرُ العيونِ لغير وَجْهِك باطلٌ ... وبحاؤهُنَّ لغير وَصْلك ضَائِع قلت: وكانت وفاته ﵀ يوم الأحد سادس عشر شعبان سنة اثنتين وتسعمائة أثناء مجاورته في المدينة النبوية الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. ودفن بالبقيع بجوار إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ﵃ ورحمهم جميعًا، ونفعنا بعلومهم، وجمعنا وإياهم مع الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. والحمد للَّه رب العالمين.

стр. 32

النسخ المعتمدة في التحقيق تعرف لهذا الكتاب أربع نسخ مخطوطة، موزعة في أمصار شتى، وقد تيسر لي بفضل اللَّه الحصول عليها جميعًا، وهذه النسخ كلها كتبت في عصر المؤلف. كما أن للكتاب مختصرين، تيسر لي اقتناؤهما كذلك. وهذا وصف موجز للنسخ المعتمدة. ١ - نسخة محفوظة في مكتبة أحمد الثالث بتركيا، ورقمها ٢٩٩١، وتقع في ٣٤٥ ورقة، في كل منها ٢٩ سطرًا، وقد كتبت هذه النسخة سنة ٨٩٥ هـ، فهي آخر نسخة كتبت في حياة المصنف ﵀، ويمكن القول: إنها النسخة المعتمدة، نظرًا لتأخرها عن مثيلاتها وللزيادات الكثيرة الموجودة فيها، كما أنها قرئت من قبل أحد العلماء العارفين، ويبدو أنه قابلها على نسخة أخرى، حيث نجد إشارات لذلك في هوامش النسخة، كما كان يدون بعض مطالعاته عليها، ويرقم للمكان الذي انتهى إليه في المطالعة بعبارة "بلغ"، أو"بلغ مطالعة". وهذا العالم هو محمد بن أحمد المظفري، حيث دون تملُّكَه لهذه النسخة على لوحة العنوان. والمظفري هذا هو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه، وهو من تلامذة المؤلف، فقد ترجمه في كتابه "الضوء اللامع" ٧/ ٧٦، فقال: إنه ولد سنة تسع وسبعين [وثمانمائة] بسويقة المظفر وحفظ القرآن، وقرأ عليه الكثير من مؤلفاته ومؤلفات غيره. قال: وله همة ورغبة في الاشتغال. قلت: وهمته العالية هذه دعته إلى اقتناء كتب شيخه ومطالعتها، خصوصًا هذا الكتاب، فنجد أنه ملك هذه النسخة التي نصفها، وكان عنده

стр. 33

أيضًا نسخة (ب) الآتي وصفها، حيث طالعها أكثر من مرة كما دون ذلك على الصفحة الأولى منها. وفي ظني أن هذه النسخة منقولة من النسخة (ح) الآتي وصفها؛ لأنها تتطابق معها في كثير من المواضع، حتى في الزيادات الملحقة بخط المصنف في الهامش، بينما لا نجد ذلك في النسختين الأخريين، وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز (أ). ٢ - النسخة الثانية محفوظة في مكتبة الأحقاف بتريم برقم ٢٠٣٥، وتقع في ٢٥٣ ورقة، في كل واحدة ٢٩ سطرًا، وتنقص من البداية ورقة واحدة، وكذا بها نقص من آخرها من أواخر الباب العاشر مع الخاتمة. وقد حصلت عليها بمعاونة شيخنا القاضي إسماعيل بن علي الأكوع جزاه اللَّه خير الجزاء. وهذه النسخة في غاية النفاسة، حيث كتبت في عصر المؤلف وأظنها بخط عز الدين بن فهد المكي، حيث قرأها على المصنف كما دون ذلك على كثير من أوراقها. وعز الدين ابن فهد هو عبد العزيز بن عمر بن محمد، المعروف كأسلافه بابن فهد، ولد سنة ٨٥٠ هـ، وقرأ على المصنف الكثير من مؤلفاته، وتوفي سنة ٩٢٠ هـ. انظر ترجمته في الضوء اللامع ٤/ ٢٢٤، وشذرات الذهب ٨/ ١٠٠، وعليها خطُّه في كثير من المواضع بالإضافات والإلحاقات المتكررة التي لا نجد كثيرًا منها في النسخة (ب) مثلًا، وبعضها لا نجدها في النسخة (ط)، إلا أننا نجد هذه الزيادات في النسخة (أ) السابق ذكرها، ويبدو أن الأولى نقلت عن هذه، واللَّه أعلم. كما نجد على الورقة الأولى من هذه النسخة مجموعة تملكات لبعض علماء اليمن وأعيانهم، مثل المتوكل على اللَّه إسماعيل، حيت دون تملكه عليها بعبارة: الحمد للَّه. من كتب أمير المؤمنين المتوكل على اللَّه إسماعيل ابن أمير المؤمنين رضوان اللَّه عليه. والمتوكل على اللَّه هذا هو إسماعيل بن القاسم بن محمد، المولود سنة ١٠١٩ والمتوفى سنة ١٠٨٧ هـ تولى الإمامة باليمن سنة ١٠٥٤ هـ، وكان عالمًا محققًا في الفقه الهادوي الزيدي، ألف مجموعة من الكتب، وكان له رغبة

стр. 34

كبيرة في جمعها، حيث حوت مكتبته أكثر من ثلاثين ألف كتاب (١). وجاء عقب تملك المتوكل على اللَّه عبارة: الحمد للَّه، وهو في يد الفقير إلى اللَّه الغني الراجي من فضله اللطف التوفيق إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل الصديق، غفر اللَّه لهم وأحسن خاتمته. وإسماعيل الصديق هذا ذكره شيخنا العلامة القاضي إسماعيل بن علي الأكوع عرضًا في هامش ترجمة الشيخ أحمد بن الإمام محمد بن علي الشوكاني، المتوفى سنة ١٢٨١ هـ "من كتاب هجر العلم ومعاقله في اليمن" ٤/ ٢٢٨٨، فقال: لم يعقب سوى بنت، يعني الشوكاني، وعلق في الهامش فقال: تزوجت بالقاضي إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل بن يحيى الصديق، المتوفى سنة ١٢٨٩ هـ، وأنجبت له فيما أنجبت بنتًا اسمها صفية، تزوج بها القاضي علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن ناصر الشجني، وأنجبت له فيما أنجبت بنتًا سميت تقية، تزوجت بالقاضي حسين بن عبد اللَّه المجاهد، وأنجبت له ابنًا وبنتين، كبراهما والدتي رحمها اللَّه. وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز (ح). ٣ - نسخة ثالثة محفوظة في الخزانة العامة بالرباط، ورقمها ١٥٠٠، وتقع في مجلدين الأول فيه ١٤٠ ورقة، والثاني فيه ١١٧ ورقة في كل منها ٢٩ سطرًا، وكتبت سنة ٨٩٠ هـ على الأرجح، إذ إن كلمة (تسعين) غير واضحة في الأصل، وخمنتها تخمينًا وأظنها الصواب، واللَّه أعلم. ومما يرجح ذلك أن بها نقصًا عن النسخة (أ) المكتوبة سنة ٨٩٥ هـ، كما أن بها زيادة عن النسخة (ب) الآتي وصفها، والتي كتبت قبل ذلك. وقد رمزت لها بالرمز (ط). وهي كثيرة الشبه بالنسخة الباريسية، مع زيادات عنها. وقد كتبت هذه النسخة بالخط الفارسي الجميل، إلا أن بها نقصًا في عدة مواضع، أولها في البداية، حيث تنقص بمقدار ورقة واحدة، وكذا بها

стр. 35

نقص في عدة مواضع منه بمقدار كراستين. ومن النقص ما استكمل بخط مغاير، وأثرت الأرضة على النص في كثير من المواضع. وقد أشرت إلى ذلك في موضعه من الكتاب. كما أن أوراقها قد انفرط عقدها واختل ترتيبها، ثم جمعت وتم تجليدها على حالتها هذه، مما أتعبني غاية التعب في إعادة ترتيبها وإعادة كل ورقة في موضعها الصحيح. وتمتاز هذه النسخة بوجود بعض الحواشي والتعليقات المكتوبة في هامش بعض صفحاتها، وقد أثبت بعضها في تعليقات الكتاب. ٤ - نسخة محفوظة بمكتبة باريس الوطنية برقم ٢١٠٥، ومنها مصورة فيلمية بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض، وعدد أوراقها ٢٩٨، في كل منها ٣١ سطرًا، ورمزت لها بالرمز (ب). وقد قرئت هذه النسخة على المصنف، أو قام بقراءتها بنفسه، حيث أضاف في هوامشها الكثير من المعلومات غير الموجودة في المتن، ورغم ذلك، فإننا نجد بها نقصًا كثيرًا عن النسخ السابقة، وذلك لأنها أول النسخ كتابة عن أصل المؤلف كما يبدو، ويدل على ذلك اختلاف بعض العبارات بينها وبين النسخة السابقة، مثل قوله في هذه النسخة: "منهم جماعة بقيد الحياة الآن"، وقد حذفت هذه العبارة من النسخ الأخرى، وكقوله: "حين كتابتي هذه الأحرف سنة سبع وسبعين ثم. . . في سنة تسع وسبعين"، وهذه العبارة غير موجودة في نسخة باريس، وكثيرًا ما يذكر عقب ذكره أحد الأعلام عبارة "نفع اللَّه به" بينما نجد العبارة في النسخ الأخرى "﵀"، أي أن المذكور كان حيًّا حال كتابة هذه النسخة، بينما كان قد توفي عند كتابة النسخ الأخرى. وهذه الإضافات التي كان يلحقها المؤلف ﵀ ناشئة عن ما كان يتحصل عليه من معلومات وأخبار تخص موضوع كتابه، فيضيفها باستمرار على نسخته أو على نسخ تلامذته الذين قاموا بنسخ الكتاب وقراءته عليه. وهي ليست مقتصرة على هذا الكتاب وحده، بل نجده -وكأي مؤلف آخر- يضيف إلى كتابه ما يستجد من معلومات، ويحذف منه ما لا يراه مناسبًا؛ يقول ﵀ في كتابه "وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام"

стр. 36

٣/ ١٢١٨ في حوادث سنة سبع وتسعين وثمانمائة: وتجدد لي من التصانيف جزء في ختم سيرة ابن سيد الناس، وتبييض مؤلفي التوبيخ لمن ذم التاريخ في كراريس، ومسودة ثانية، لمؤلفي في الفِرَق، وهو مجلد ضخم لم أستوف إلى الآن فيه الغرض. فها هو يكتب كتابًا للمرة الثانية، ورغم ذلك لم يستوف فيه الغرض، ولو مد اللَّه في عمره لأضاف إليه الشيء الكثير، وكذا الأمر بالنسبة لباقي مؤلفاته. ونستطيع ترتيب النسخ الأربع حسب تسلسلها الزمني في الكتابة كما يأتي: ١ - نسخة باريس، والمرموز لها بالرمز (ب). ٢ - نسخة الرباط، والمرموز لها بالرمز (ط). ٣ - نسخة الأحقاف، والمرموز لها بالرمز (ح). ٤ - نسخة أحمد الثالث، والمرمز لها بالرمز (أ). ويوجد للكتاب مختصران، تيسر لي بفضل اللَّه الحصول عليهما: الأول: من تأليف شمس الدين محمد بن عمر بن أحمد الحلبي السفيري (١)، وهو أحد علماء القرن العاشر الهجري، توفي سنة ٩٥٦ هـ، وكان عالمًا بالحديث، له شرح صحيح البخاري، منه مجلدان في المكتبة التيمورية في مصر، وكتاب تحفة الأخيار في حكم أطفال المسلمين والكفار. وهو من تلامذة الحافظ السيوطي والكمال ابن شريف كما يتضح من مختصره هذا. وهذا المختصر أسبق في التأليف من المختصر الآخر الآتي ذكره. والنسخة محفوظة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهي بخط ولد المصنف، وتقع في ١٩٠ ورقة، في كل منها ١٧ سطرًا.

стр. 37

الثاني: من اختصار عبد اللَّه بن زين الدين بن أحمد البصروي، المتوفى سنة ١١٧٠ هـ (١)، وسماه "جمان الدرر من ترجمة الحافظ بن حجر". ومن كتابه هذا نسخة في دار الكتب المصرية رقمها ٢٧٦ تاريخ، وعنها مصورة في معهد المخطوطات بالقاهرة، ونسخة ثانية -وهي التي توفَّرت لي- محفوظة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض رقمها ١٣٧٩، وهي ناقصة من أثناء الباب الثامن إلى نهاية الكتاب. وتقع في ١٣٢ ورقة، في كل ورقة ٢٥ سطرًا. ومختصر البصروي هذا جاء بعد مختصر السفيري؛ لتأخره عنه في الوفاة، وقد انتقد السفيريَّ في أشياء حذفها من أصل الكتاب، وأمور أخرى أثبتها كان حقها الاختصار كما قال. ولا يخلو هذان المختصران من فوائد عزيزة لا توجد في أصل الكتاب، أضافاها من كتب الحافظ ابن حجر، ومن كتب غيره، وقد أثبت بعض هذه الفوائد تعميمًا للفائدة. ملاحظات على المطبوع: سبق أن طبع الجزء الأول من هذا الكتاب سنة ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦م في وزارة الأوقات المصرية، بتحقيق كل من الدكتور حامد عبد المجيد والدكتور طه الزيني، وأشرف على التحقيق فضيلة الدكتور محمد الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف حينئذٍ، وروجع هذا الجزء من قبل لجنة مكونة من اثني عشر أستاذًا، ذكرت أسماؤهم في الصفحة "هـ" من الكتاب. ورغم هذا العدد الكبير من المحققين والمشرفين والمراجعين، إلا أنه وقعت في التحقيق أخطاء كثيرة، سواء في قراءة النص أو في التعليقات والهوامش، نلخصها فيما يأتي: ١ - نقص بعض العبارات من المطبوع، مع وجودها في المخطوط،

стр. 38

كما في الصفحات ٨، ٢٥، ٣٢، ٦٥، ٦٨، ٣٨٨، ٣٩٠، ٤٢، ٤٣٩، ٤٤٣، ٤٥١، وغيرها، وكذا حذف الأرقام التي أثبتها المؤلف فوق أسماء شيوخ الحافظ ابن حجر، حيث قال: "فرقمت علو كل اسم بالقلم الهندي محله منهما، وأخرجت منهما دون العشرين نفسًا إلى ذكر الطلبة مع الرقم عليهم أيضًا، وكذا زدت طائفة قليلة لم يذكرهم، رقمت عليهم (زاي) ". إلا أننا لا نجد هذه الرقوم في المطبوع! ٢ - إضافة عبارات غير موجودة في المتن، ونقلوها من مصادر أخرى، كالمجمع المؤسس والمعجم المفهرس، كلاهما لابن حجر، وتكرر ذلك كثيرًا في ضبط شيوخ الحافظ في الصفحات ١٣٥ - ١٧٧، وكذا الأمر في سرد مروياته في الصفحات ١٧٨ - ٢٠٣، وفي غيرها من المواضع من هذا الجزء. ٣ - التحريفات الكثيرة في كتابة النص، منها ما هو من أخطاء الطباعة، وأكثرها ناتج عن خطأ في قراءة المخطوط وعدم الدقة في المقابلة، بل إننا نجد أنهم أثبتوا فروقًا بين النسخ لا تصح، مثل إثباتهم لفروق بين النسختين (أ) و (ب) لقصيدة وردت ص ٣٨٣ - ٣٨٥ بينما هذه القصيدة لم ترد في النسخة (ب) أصلًا. ٤ - أخطاء في قراءة النص، بنيت عليه أخطاء في كتابة التعليق، فورد قول المؤلف في حديثه عن لقب شيخ الإسلام ص ١٦: ونحوه أن شيخنا صاحب الترجمة أرسل له (يقصد صالح البلقيني) سؤالًا، ففتحه بقوله: ما يقول الفقهاء؟ فأرسل إلى نقيبه القزويني فقال: يقول لكم القاضي، أي فرق بين وصف المفتي وبين فقيه الكتَّاب؟ فأجابه بقوله: كنت مستعجلًا وابتذلت هذه اللفظة. فكتبوا في الهامش: ابتذلت هذه اللفظة: "لم أصن لساني عنها بسبب العجلة"، والصواب أن الكلام يتم عند قوله: "كنت مستعجلًا"، ثم يستأنف الكلام بقوله: وابتُذِلَت هذه اللفظة. . . ومن الأخطاء والتحريفات العجيبة: ما ورد ص ٢٦ عند نقل المؤلف ما نقل عن من سأل الإمام أحمد فيمن يطلق عليه لقب الحافظ، فقال بيده

стр. 39

كذا، يروح عنه ويسره. فعلق المحققون في الهامش: في (ب) ثمنه بدل عنه، ويكون المعنى على (عنه) يروح عنه يكون مستريحًا مسرورًا، وعلى الثاني لا يمكن إلا إذا جعلنا الحاء في يروح جيمًا، والمعنى يزيد ثمنه وترتفع قيمته ويكون ميسرًا! وهذا خطأ فاحش، إذ العبارة الصحيحة: فقال بيده كذا، يروِّح يمنة ويسرة. ومثله ما ورد في ص ٢٠٢ في سند حديث المخلص: "بسماع الأول له للمغير وعليه على أبي النُّون الدبوسي، فكتبوا في الهامش تعليقًا على كلمة المغير: هو أبو الحسن علي بن أبي عبد اللَّه بن المغير! وهذا خطأ فاحش أيضًا، إذ العبارة الصحيحة، وكما وردت في المخطوط "بسماع الأول للمقروء عليه على أبي النون الدبوسي". ٥ - أخطاء الواقعة في تراجم الأعلام الواردين في النص، مثال ذلك: ص ١٨، قال السخاوي: كما أخبرني الإمام خاتمة المسندين العز أبو محمد القاضي. .، فعرفوا العز في الهامش بأنه العز بن عبد السلام، المتوفى سنة ٦٦٠ هـ، والعجب كيف يكون المتوفى في هذه السنة شيخ السخاوي المولود سنة ٨٣١ هـ؟! بل العز المذكور هو عبد السلام بن أحمد بن عبد المنعم، المتوفى سنة ٨٥٩ هـ، وقد ترجمه السخاوي في الضوء اللامع ٤/ ١٩٨ - ٢٠٣. وما ورد ص ٣٤ عند قول الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ: لم أر من أطلق عليه اسم الحافظ غير رجلين: أبو نعيم الأصفهاني وأبو حازم العبدوي. فعرفوا العبدوي بأنه أحمد بن علي العبدوي، المتوفى سنة ٦٧٨ هـ. وما كنا ندري أن اللَّه مد في عمره حتى يعيش بعد الدارقطني أكثر من مائتي سنة! بل هو عمر بن أحمد بن عبدويه أبو حازم النيسابوري العبدوي. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٣٣. وأيضًا ما ورد ص ٤٢ تعريفه للحافظ أبي نعيم المستملي، فقالوا في الهامش: المستملي: إبراهيم بن أحمد البلخي، المعروف بالمستملي من أهل بلخ، له معجم في شيوخ الحديث. وفاته ٣٧٦! وهذا خطأ فاحش أيضًا، فأبو نعيم المستملي هو الزين رضوان بن محمد العقبي (ت ٨٥٢)

стр. 40

شيخ المصنف وتلميذ الحافظ ابن حجر، وقد ورد ذكره كثيرًا في هذا الكتاب، انظر ترجمته في الضوء اللامع ٣/ ٢٢٦. * * * وبعد، فهذه ترجمة عالم كبير كتبها تلميذ مخلص وفيٌّ لشيخه، أقدمها لمحبي تراثنا الإسلامي الحافل بالكنوز، راجيًا أن ينفعني اللَّه بها ومن قرأها. وقد بذلت فيها الوسع كي تخرج خالية من عيوب النقص والتحريف، وحاولت قدر المستطاع عدم إثقال الحواشي إلا ما ندر، حيث أثبتُّ المهم من الفروق بين النسخ المعتمدة في التحقيق، وكذا وضحت بعض العبارات الغامضة، ووضعت عددًا من الفهارس التفصيلية للكتاب ليسهل الانتفاع به. وقبل أن أضع القلم، لا بد من إزجاء الشكر لمن أسدى إلي معروفًا في تحقيق هذا الكتاب، فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر اللَّه كما قال نبينا ﷺ . والشكر كل الشكر إلى من سهرت معي ليالي طوالًا في قراءة النص ومقابلته معي على الأصول الخطية، كل الشكر مقرون بالدعاء إلى زوجتي أم مالك، التي ما فتئت تساعد في كل كتاب قمت على تحقيقه، فلها مني الشكر الجزيل، ومن اللَّه خير الجزاء والمثوبة. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد للَّه رب العالمين. وكتب أبو مالك إبراهيم باجس عبد المجيد يوم السبت ٢٢/ ٧/ ١٤١٨ هـ الموافق ٢٢/ ١١/ ١٩٩٧ م
следующие страницы →