٣/ ١٢١٨ في حوادث سنة سبع وتسعين وثمانمائة: وتجدد لي من التصانيف جزء في ختم سيرة ابن سيد الناس، وتبييض مؤلفي التوبيخ لمن ذم التاريخ في كراريس، ومسودة ثانية، لمؤلفي في الفِرَق، وهو مجلد ضخم لم أستوف إلى الآن فيه الغرض.
فها هو يكتب كتابًا للمرة الثانية، ورغم ذلك لم يستوف فيه الغرض، ولو مد اللَّه في عمره لأضاف إليه الشيء الكثير، وكذا الأمر بالنسبة لباقي مؤلفاته.
ونستطيع ترتيب النسخ الأربع حسب تسلسلها الزمني في الكتابة كما يأتي:
١ - نسخة باريس، والمرموز لها بالرمز (ب).
٢ - نسخة الرباط، والمرموز لها بالرمز (ط).
٣ - نسخة الأحقاف، والمرموز لها بالرمز (ح).
٤ - نسخة أحمد الثالث، والمرمز لها بالرمز (أ).
ويوجد للكتاب مختصران، تيسر لي بفضل اللَّه الحصول عليهما:
الأول: من تأليف شمس الدين محمد بن عمر بن أحمد الحلبي السفيري (١)، وهو أحد علماء القرن العاشر الهجري، توفي سنة ٩٥٦ هـ، وكان عالمًا بالحديث، له شرح صحيح البخاري، منه مجلدان في المكتبة التيمورية في مصر، وكتاب تحفة الأخيار في حكم أطفال المسلمين والكفار. وهو من تلامذة الحافظ السيوطي والكمال ابن شريف كما يتضح من مختصره هذا. وهذا المختصر أسبق في التأليف من المختصر الآخر الآتي ذكره.
والنسخة محفوظة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهي بخط ولد المصنف، وتقع في ١٩٠ ورقة، في كل منها ١٧ سطرًا.
стр. 37
الثاني: من اختصار عبد اللَّه بن زين الدين بن أحمد البصروي، المتوفى سنة ١١٧٠ هـ (١)، وسماه "جمان الدرر من ترجمة الحافظ بن حجر".
ومن كتابه هذا نسخة في دار الكتب المصرية رقمها ٢٧٦ تاريخ، وعنها مصورة في معهد المخطوطات بالقاهرة، ونسخة ثانية -وهي التي توفَّرت لي- محفوظة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض رقمها ١٣٧٩، وهي ناقصة من أثناء الباب الثامن إلى نهاية الكتاب. وتقع في ١٣٢ ورقة، في كل ورقة ٢٥ سطرًا.
ومختصر البصروي هذا جاء بعد مختصر السفيري؛ لتأخره عنه في الوفاة، وقد انتقد السفيريَّ في أشياء حذفها من أصل الكتاب، وأمور أخرى أثبتها كان حقها الاختصار كما قال.
ولا يخلو هذان المختصران من فوائد عزيزة لا توجد في أصل الكتاب، أضافاها من كتب الحافظ ابن حجر، ومن كتب غيره، وقد أثبت بعض هذه الفوائد تعميمًا للفائدة.
ملاحظات على المطبوع:
سبق أن طبع الجزء الأول من هذا الكتاب سنة ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦م في وزارة الأوقات المصرية، بتحقيق كل من الدكتور حامد عبد المجيد والدكتور طه الزيني، وأشرف على التحقيق فضيلة الدكتور محمد الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف حينئذٍ، وروجع هذا الجزء من قبل لجنة مكونة من اثني عشر أستاذًا، ذكرت أسماؤهم في الصفحة "هـ" من الكتاب.
ورغم هذا العدد الكبير من المحققين والمشرفين والمراجعين، إلا أنه وقعت في التحقيق أخطاء كثيرة، سواء في قراءة النص أو في التعليقات والهوامش، نلخصها فيما يأتي:
١ - نقص بعض العبارات من المطبوع، مع وجودها في المخطوط،
стр. 38
كما في الصفحات ٨، ٢٥، ٣٢، ٦٥، ٦٨، ٣٨٨، ٣٩٠، ٤٢، ٤٣٩، ٤٤٣، ٤٥١، وغيرها، وكذا حذف الأرقام التي أثبتها المؤلف فوق أسماء شيوخ الحافظ ابن حجر، حيث قال: "فرقمت علو كل اسم بالقلم الهندي محله منهما، وأخرجت منهما دون العشرين نفسًا إلى ذكر الطلبة مع الرقم عليهم أيضًا، وكذا زدت طائفة قليلة لم يذكرهم، رقمت عليهم (زاي) ". إلا أننا لا نجد هذه الرقوم في المطبوع!
٢ - إضافة عبارات غير موجودة في المتن، ونقلوها من مصادر أخرى، كالمجمع المؤسس والمعجم المفهرس، كلاهما لابن حجر، وتكرر ذلك كثيرًا في ضبط شيوخ الحافظ في الصفحات ١٣٥ - ١٧٧، وكذا الأمر في سرد مروياته في الصفحات ١٧٨ - ٢٠٣، وفي غيرها من المواضع من هذا الجزء.
٣ - التحريفات الكثيرة في كتابة النص، منها ما هو من أخطاء الطباعة، وأكثرها ناتج عن خطأ في قراءة المخطوط وعدم الدقة في المقابلة، بل إننا نجد أنهم أثبتوا فروقًا بين النسخ لا تصح، مثل إثباتهم لفروق بين النسختين (أ) و (ب) لقصيدة وردت ص ٣٨٣ - ٣٨٥ بينما هذه القصيدة لم ترد في النسخة (ب) أصلًا.
٤ - أخطاء في قراءة النص، بنيت عليه أخطاء في كتابة التعليق، فورد قول المؤلف في حديثه عن لقب شيخ الإسلام ص ١٦: ونحوه أن شيخنا صاحب الترجمة أرسل له (يقصد صالح البلقيني) سؤالًا، ففتحه بقوله: ما يقول الفقهاء؟ فأرسل إلى نقيبه القزويني فقال: يقول لكم القاضي، أي فرق بين وصف المفتي وبين فقيه الكتَّاب؟ فأجابه بقوله: كنت مستعجلًا وابتذلت هذه اللفظة. فكتبوا في الهامش: ابتذلت هذه اللفظة: "لم أصن لساني عنها بسبب العجلة"، والصواب أن الكلام يتم عند قوله: "كنت مستعجلًا"، ثم يستأنف الكلام بقوله: وابتُذِلَت هذه اللفظة. . .
ومن الأخطاء والتحريفات العجيبة: ما ورد ص ٢٦ عند نقل المؤلف ما نقل عن من سأل الإمام أحمد فيمن يطلق عليه لقب الحافظ، فقال بيده
стр. 39
كذا، يروح عنه ويسره. فعلق المحققون في الهامش: في (ب) ثمنه بدل عنه، ويكون المعنى على (عنه) يروح عنه يكون مستريحًا مسرورًا، وعلى الثاني لا يمكن إلا إذا جعلنا الحاء في يروح جيمًا، والمعنى يزيد ثمنه وترتفع قيمته ويكون ميسرًا! وهذا خطأ فاحش، إذ العبارة الصحيحة: فقال بيده كذا، يروِّح يمنة ويسرة.
ومثله ما ورد في ص ٢٠٢ في سند حديث المخلص: "بسماع الأول له للمغير وعليه على أبي النُّون الدبوسي، فكتبوا في الهامش تعليقًا على كلمة المغير: هو أبو الحسن علي بن أبي عبد اللَّه بن المغير! وهذا خطأ فاحش أيضًا، إذ العبارة الصحيحة، وكما وردت في المخطوط "بسماع الأول للمقروء عليه على أبي النون الدبوسي".
٥ - أخطاء الواقعة في تراجم الأعلام الواردين في النص، مثال ذلك: ص ١٨، قال السخاوي: كما أخبرني الإمام خاتمة المسندين العز أبو محمد القاضي. .، فعرفوا العز في الهامش بأنه العز بن عبد السلام، المتوفى سنة ٦٦٠ هـ، والعجب كيف يكون المتوفى في هذه السنة شيخ السخاوي المولود سنة ٨٣١ هـ؟! بل العز المذكور هو عبد السلام بن أحمد بن عبد المنعم، المتوفى سنة ٨٥٩ هـ، وقد ترجمه السخاوي في الضوء اللامع ٤/ ١٩٨ - ٢٠٣.
وما ورد ص ٣٤ عند قول الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ: لم أر من أطلق عليه اسم الحافظ غير رجلين: أبو نعيم الأصفهاني وأبو حازم العبدوي. فعرفوا العبدوي بأنه أحمد بن علي العبدوي، المتوفى سنة ٦٧٨ هـ. وما كنا ندري أن اللَّه مد في عمره حتى يعيش بعد الدارقطني أكثر من مائتي سنة! بل هو عمر بن أحمد بن عبدويه أبو حازم النيسابوري العبدوي. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٣٣.
وأيضًا ما ورد ص ٤٢ تعريفه للحافظ أبي نعيم المستملي، فقالوا في الهامش: المستملي: إبراهيم بن أحمد البلخي، المعروف بالمستملي من أهل بلخ، له معجم في شيوخ الحديث. وفاته ٣٧٦! وهذا خطأ فاحش أيضًا، فأبو نعيم المستملي هو الزين رضوان بن محمد العقبي (ت ٨٥٢)
стр. 40
شيخ المصنف وتلميذ الحافظ ابن حجر، وقد ورد ذكره كثيرًا في هذا الكتاب، انظر ترجمته في الضوء اللامع ٣/ ٢٢٦.
* * *
وبعد، فهذه ترجمة عالم كبير كتبها تلميذ مخلص وفيٌّ لشيخه، أقدمها لمحبي تراثنا الإسلامي الحافل بالكنوز، راجيًا أن ينفعني اللَّه بها ومن قرأها. وقد بذلت فيها الوسع كي تخرج خالية من عيوب النقص والتحريف، وحاولت قدر المستطاع عدم إثقال الحواشي إلا ما ندر، حيث أثبتُّ المهم من الفروق بين النسخ المعتمدة في التحقيق، وكذا وضحت بعض العبارات الغامضة، ووضعت عددًا من الفهارس التفصيلية للكتاب ليسهل الانتفاع به.
وقبل أن أضع القلم، لا بد من إزجاء الشكر لمن أسدى إلي معروفًا في تحقيق هذا الكتاب، فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر اللَّه كما قال نبينا ﷺ . والشكر كل الشكر إلى من سهرت معي ليالي طوالًا في قراءة النص ومقابلته معي على الأصول الخطية، كل الشكر مقرون بالدعاء إلى زوجتي أم مالك، التي ما فتئت تساعد في كل كتاب قمت على تحقيقه، فلها مني الشكر الجزيل، ومن اللَّه خير الجزاء والمثوبة.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد للَّه رب العالمين.
وكتب
أبو مالك إبراهيم باجس عبد المجيد
يوم السبت ٢٢/ ٧/ ١٤١٨ هـ
الموافق ٢٢/ ١١/ ١٩٩٧ م
стр. 41
صفحة العنوان من نسخة أحمد الثالث (أ)
стр. 42
الصفحة الأولى من نسخة أحمد الثالث (أ)
стр. 43
الصفحة الأخيرة من نسخة أحمد الثالث (أ)
стр. 44
صفحة العنوان من نسخة الأحقاف (ح)
стр. 45
الصفحة الأولى الموجودة من نسخة الأحقاف (ح)
стр. 46
الصفحة الأولى الموجودة من نسخة الرباط (ط)
الصفحة الأخيرة من نسخة الرباط (ط)
стр. 47
صفحة العنوان من نسخة باريس (ب)
стр. 48
الصفحة الأولى من نسخة باريس (ب)
الصفحة الأخيرة من نسخة باريس (ب)
стр. 49
الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر
تأليف
شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ
تحقيق
إبراهيم باجس عبد المجيد
[الجزء الأول]
стр. 50
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأعن يا كريم
الحمد للَّه الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، والصلاة والسلام على نبيه محمد سيد الأصفياء، وعلى آله وصحبه السادة الأتقياء، صلاةً وسلامًا دائمين (١) يستوجبان رتبة الأولياء.
وبعد، فإنَّ الأحاديث النبوية والآثار المحمدية، أصل العلوم بعد القرآن، وقاعدة الشريعة وأركان الإيمان، ومن أراد اللَّه تعالى به الخير، وحفظه من السوء والضَّيْر، وفَّقه لجمعها وتحريرها، وأرشده لتفهيمها وتقريرها، مخلصًا في ذلك النية والعمل، متجنبًا طريق الخطأ والزلل.
وكان ممن اعتنى بهذا الفن أعظم عناية إلى أن بلغ الغاية القصوى في الدراية والرواية، وفاق كثيرًا من الرجال، وحاز شرف الرتبة في الحال والمآل: شيخ الإسلام، وأوحدُ الأئمة الأعلام، حافظُ العصر، وخاتمة المجتهدين، قاضي القضاة، أبو الفضل شهاب الدين الشهير بابن حَجَر. حامل راية العلوم والأثر، فألَّف فيه كتابةً وقراءةً وسماعًا، وجمع فنونًا عديدة منه وأنواعًا، وحرر فيه ما لم يُسبق إليه، وصار المعوَّل في حفظ السنة النبوية وغيرها عليه، مع ما رزقه اللَّه من فرط الذكاء والتدقيق، ومن حاذق التعبير والتحقيق، فليس لأحد بعده إلى درجته وصول، ولا للقلب إلى كلام غيره مِنْ أهل عصره قبول، سارت بفضائله الرُّكبان، وشُدَّت إليه
стр. 51
الرِّحالُ مِنْ أقطار البلدان، إلى أن أتاه الوعد الصادق ممن هو بالحق ناطق، نزول الموت المحتوم في القضاء السابق، فعظُمَ على الخلق ذلك المصاب، وأجزل اللَّه لهم بالصبر على فقده الثواب، وعلموا أنَّ قضاء اللَّه سبحانه فصْلٌ لا يُدفع، وقدر اللَّه عدل لا يمنع، وأنَّه لا يتمكن من مدافعته سلطانٌ بكثرة جمعه وعَدده، ولا ملِكٌ بتوفير سلاحه وعُددِه، وأنَّ الموت حوضٌ لا بدَّ لكل حيٍّ من وروده، ومنزلٌ لا مدفع لإنسان من حلوله ووفوده، وأنَّ الجزع غير متكقل برده، وفزعوا إلى الصبر الجميل فأحسن اللَّه العزاء للمسلمين من بعده، وإلا لكانت هذه الفجيعة النازلة، والوجيعةُ الهائلةُ، والرَّزِية العظيمة، والبلية الجهيمة، والواقعة العميمة، والمصيبة الجسيمة، موجبةً لتلف النفوس، وذهاب العقول، وأن تخِرَّ نجومُ السماء، وتَجْنَحَ شمسُ النهار للأفول.
فعندما أيِسَ الناس من وجوده بفقده، وفارقوا ما ألفوه من علمه ورِفده، انطلقت الألسُن برثاثه، وظهرت آثارُ بركته في أعدائه، وافتخر بصحبته أهل محبته وولائه، وتبجَّحُوا بذكر ما حضرهم من مناقبه، وعِظَم (١) مراتبه، وجميل سيرته في مناصبه، ورُؤيت له من المنامات الصالحة جملة بعد موته وقبله.
فلمَّا عاينت هذا الأمر، وانشرح بذكرِ فضائله ومناقبه الصَّدر:
أساميًا لم تَزِده معرفةً ... وإنَّما لَذَّة ذكرناها
أردت أن أُجدد لي ذكرًا بذكره، وأن أجمع لي (٢) ترجمةً حافلة منَوِّهةً بعظم قدره، لتكونَ عن مآثره ومحاسنه سافرة، قيامًا بحقه في الدنيا، ورجاءً لثواب ذلك في الآخرة، وتكرَّر طلبُ ذلك من جماعة، فلم أرَ منعَه ودفاعه.
стр. 52
[حديث: أمرنا أن ننزل الناس منازلهم]
وأيضًا، فحداني على جمع ترجمته: ما أُمرنا به من إنزال كلِّ واحدٍ إلى (١) منزلته، وذلك فيما أخبرنا (٢) الأستاذ صاحبُ الترجمة ﵀، عن أبي محمد عبد اللَّه بن محمد الصالحي، قراءة عليه بها، أن أبا عبد اللَّه بن أبي الهيجاء أنبأه -إن لم يكن سماعًا- أخبرنا أبو علي البكري الحافظ، أخبرنا أبو رَوْح الهَرَوِي، أخبرنا أبو القاسم المُسْتَمْلي، أخبرنا أبو سعد الكَنْجَروذي، أخبرنا أبو نصر المَرْواني الضَّبي، حدثنا أحمد بن حَمدون بن رُستم، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشَّهيد.
(ح) وقرأت على الشيخ الرُّحْلَة أبي الحسن المالكي، عن أبي الفرج بن حمَّاد سماعًا، أخبرنا أبو الحسن المخزومي.
(ح) وكتب إليَّ عاليا أبو عبد اللَّه الخليلي منها، عن أبي الفتح البكري مشافهة، كلاهما عن أبي الفرج الحراني، قال الأول: سماعًا، والثاني: مشافهة، عن أبي الحسن بن أبي منصور الأصفهاني، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الأصفهاني، حدثنا محمد بن الحسين الآجُرِّي، حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عبد الحميد، حدثنا أبو هشام (٣) الرفاعي، قال هو وابن الشَّهيد، واللفظ له: حدثنا يحيى بن يمان، عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، قال: جاء سائلٌ إلى عائشة ﵂، فأمرت له بكسرةٍ، وجاء رجل ذو هيئة، فأقعدته معها، فقيل لها: لم فعلتِ ذلك؟ قالت: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نُنْزل الناس منازلهم.
стр. 53
[القول في رواية ميمون بن أبي شبيب عن عائشة]
هذا حديث حسن، أورده مسلم في مقدمة "صحيحه" بلا إسناد، حيث قال: ونذكر عن عائشة إلى آخره، فقال النووي نقلًا عن ابن الصلاح ما معناه: أن ذلك لا يقتضي الحكم له بالصحة، نظرًا لعدم الجزم في إيراده، ويقتضيه نظرًا لاحتجاجه به وإيراده إيراد الأصول والشواهد. انتهى.
لكن قد جزم الحاكم بتصحيحه في النوع السادس عشر من "معرفة علوم الحديث" له، فقال: صحَّت الرواية عن عائشة ﵂، وساقه بلا إسناد، وكذا صححه ابن خزيمة، لأنه أخرجه في كتاب السياسة من "صحيحه" وكذا أخرجه البزَّار في "مسنده"، كلاهما عن إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، ورواه أبو داود في الأدب من "سننه" عن يحيى بن إسماعيل، وابن أبي خلف، ثلاثتهم عن ابن يمان به، وأخرجه أبو أحمد العسكري في كتاب "الأمثال" له عن عبد الوهاب بن عيسى، وصالح ابن أحمد، فرَّقهما، كلاهما عن محمد بن يزيد الرفاعي - هو أبو هشام. ورواه أبو يعلى في "مسنده" عن أبي هشام، فوافقناه هو وابن خزيمة في شيخيهما، وكذا البزار بعُلوٍّ، ووقع لنا بدلًا للباقين مع العلو أيضًا.
وقد رواه البيهقي في "الأدب" (١) من طريق أبي هريرة محمد بن أيوب الجبلي (٢)، عن يحيى بن يمان بالمتن فقط، فوقع لنا عاليًا [من طريق أبي هريرة هذا، أخرجه أبو نُعيم في "الحِلْيَة"، بلفظ: أنها كانت في سفر، فأمرت لناس من قريش بغداءٍ، فمر رجل غنيٌّ ذو هيئة، فقالت: ادْعوه ينزل فأكل ومضى، وجاء سائل فأمرت له بكِسرة، فقالت: إن هذا لغنيٌّ لم يجمُل بنا إلا ما صنعنا به، وإنَّ هذا السائل سأل، فأمرتُ له بما يرضاه، وإن رسول اللَّه ﷺ أمرنا أن نُنزل الناس منازلهم] (٣).
وقال أبو داود عقيب تخريجه: حديث يحيى مختصرًا بالمتن دون
стр. 54
القصة، وميمون بن أبي شبيب لم يدرك عائشة، وتعقبه ابن الصلاح بأنه أدرك المغيرة، وهو قد مات قبل عائشة، وأشار إلى أنه على شرط مسلم؛ لاكتفائه بالتَّعاصر، مع إمكان التلاقي، وأقرَّه النووي على ذلك، وفيما أشار إليه نظر، فإن الاكتفاء بالتعاصر محله في غير المُدلِّس، وميمون قد قال فيه عمرو بن علي الفلاس: ليس يقول في شيء من حديثه: سمعت، ولم أُخبَر أن أحدًا يزعم أنه سمع من الصحابة. انتهى.
وصرح غيره بأنه روى عن جماعة من الصحابة لم يدركهم؛ منهم معاذ، وأبو ذرّ، وعلي، ﵃، فلذلك قال أبو حاتم: إن روايته عنهم مُرسلة، بل صرح أيضًا بأن روايته عن عائشة غيرُ متصلة، وكذا قال البيهقي: إن حديثه عنها مرسل، وقال ابن معين: إنه ضعيف.
نعم، حَسَّن له الترمذي حديثًا من روايته عن أبي ذرّ ﵁، بل في بعض النسخ تصحيحه، وحديثه عن المغيرة خرَّجه مسلم في مقدمة "صحيحه" استشهادًا، وكذا أخرجه الترمذي وصححه، وساق له الترمذي، وابن ماجه عن علي حديثًا، والترمذي -عن محمود بن غيلان- حديث: "اتق اللَّه حيث ما كنت" عن معاذ وأبي ذرّ من طريقين. قال محمود: والصحيح حديث أبي ذر، وحديثه عن معاذ: "اتق اللَّه" خرَّجه الترمذي أيضًا، وكذا خرَّج له النسائي عن معاذ حديث "الصوم جُنَّة"، وهو والترمذي وابن ماجه عن سَمُرة حديث: "البَسُوا البياض، وكفِّنوا فيها موتاكم".
قال بعض الحفاظ: وهذا كله مُشعِر بإدراك ميمون لعائشة، ثم إنَّ الجواب عن أبي داود ممكنٌ بأن يكون مرادُه أنه لم يدرك السماع منها، وجزم ابن القيِّم بفساد التعقب المشار إليه، وأشار إلى أن ميمونًا كان بالكوفة، فسماعه من المغيرة لا يُنكَر، لأنه كان معه بها، بخلاف عائشة، فإنها كانت بالمدينة، قال: وأئمةُ هذا الشأن لهم في ذلك أمر وراء المعاصرة، ولو كان الأمر في ذلك مع هذا الإطلاق، لكان كل من روى عن كل أحد يُحمل على الاتصال، انتهى.
لكن قد قال شيخُ صاحب الترجمة الحافظ الحجة أبو الفضل العراقي
стр. 55
رحمهما اللَّه: إنه لم يأت في خبر قط إدراك ميمون للمغيرة، وإنما أخذه ابن الصلاح من كون مسلم روى له في المقدمة عن المغيرة حديثًا استشهادًا، وقال فيه: إنه حديث مشهور.
قلت: وقد قال البزّار عقب تخريجه: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ويُروى عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا، يشير إلى ما رواه أبو أُسامة عن أُسامة بن زيد، عن عمر بن مِخْراق، عن عائشة لكن قد أخرجه الخطيب في "المتفق والمفترق"، و"الجامع"، كلاهما له، والبيهقي في "الشعب"، والطبراني، كلهم من طريق أحمد بن أسد البجلي الكوفي، والبيهقي، والطبراني أيضًا، من طريق محمد بن عمار الموصلي، والبيهقي وحده من طريق مسروق بن المرْزُبان، ثلاثتهم عن يحيى بن يمان، عن سفيان الثوري، عن أُسامة، به مرفوعًا، وأخرجه البيهقي في "الأدب" من طريق الطبراني من جهة الثلاثة المذكورين، وقال الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا ابن يمان.
وكذا أخرجه الدارقطني في "العلل" عن أبي سعيد العدوي، عن أبي همام الخارَكي -هو الصلت بن محمد- عن يحيى، لكنه صوَّب الموقوف.
وقد قال الإمام أحمد: إن رواية عمر عن عائشة مرسلة، وكذا قال البيهقي في "الشُّعَب"، وقال البخاري: عُمر (١) بن مِخْراق عن رجل، عن عائشة: مُرسَل، روى عنه أُسامة، وكذا ذكره ابن حبَّان له في أتباع التابعين من "ثقاته"، يدلّ على أنه لم يسمع من الصحابة ﵃. وحينئذٍ، فهذه الرواية أيضًا مرسلة، والصحيح عن يحيى ما نقدم.
قال البيهقي في "الأدب": وكان يحيى رواه على الوجهين جميعًا، قال: وقوله: فأقعدته معها، إن صح، يريد به خارج الحجاب. انتهى.
[وبالجملة، فحديث عائشة حسن، وفي "الإحياء": روي أن عائشة كانت في سفر، ننزلت منزلًا، فوضعت طعامها، فجاء سائل، فقالت عائشة
стр. 56
رضي اللَّه عنها: ناولوا هذا المسكين قُرصًا، ثم مرَّ رجل آخر على دابة، فقالت: ادعوه إلى الطعام، فقيل لها: تُعطين المسكين وتَدْعين هذا الغنيَّ، فقالت: إن اللَّه تعالى قد أنزل الناس منازل، لا بد لنا أن ننزلهم تلك المنازل، هذا المسكين يرضى بقُرص، وقبيحٌ بنا أن نعطي هذا الغنيَّ على هذه الهيئة قُرصًا، وفيه زيادة على لفظ "الحلية" الذي أسلفناه] (١).
وفي الباب عن معاذ، وجابر ﵄:
فأما الأول، فرواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" له، من رواية عبد الرحمن بن غَنْم، عن معاذ بن جبل، ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنزِلِ الناسَ منازلَهم من الخير والشرِّ، وأحسنْ أدبهم (٢) على الأخلاق الصالحة"، ولا يصح إسناده.
وأما الثاني، فرويناه في "جزء الغسولي" بسند ضعيف، ولفظه في حديث: "جالسوا الناس على قدر أحسابهم، وخالطوا الناس على قدر أديانهم، وأنزلوا الناس على قدر منازلهم، وداروا الناس بعقولكم".
وكذا رويناه في حديث أوله: "أنا أشرفُ الناس حسبًا" في "مسند الفردوس" من حديث جابر أيضًا بلفظ: "أنزلوا الناس على قدر مروءاتهم".
وقد أورد الغزالي ﵀ في أواخر الباب الخامس من العلم من كتاب "الإحياء" هذا الحديث بلفظ: أنه ﷺ قال: "نحن معاشرَ الأنبياء أُمرنا أن نُنزلَ الناس منازلهم، ونكلّمَ النلس على عقولهم"، وما وقفت عليه بهذا اللفظ في حديث واحد، بل الشقُّ الأول في حديث كما مضى، والثاني رويناه فيي الجزء الثاني من "حديث ابن الشِّخِّير" من حديث ابن عمر مرفوعًا: "أُمرنا معاشر الأنبياء أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم".
[ورويناه في "أُنس العاقل وتذكرة الغافل" لأُبيِّ النَّرْسي من طريق أبي
стр. 57
إسحاق السَّبِيعي، عن الحارث بن مُضرب، عن علي ﵁، قال: من أنزل الناس منازلهم رفع المُؤنة عن نفسه، ومن رفع أخاه فوق قدره اجترَّ عداوته] (١).
قال أبو أحمد العسكري في "الأمثال": هذا مما أدَّبَ به النبيُّ ﷺ أُمته في إيفاء الناس حقوفهم، من تعظيم العلماء، وإكرام ذي الشيبة، وإجلال الكبير، وما أشبهه.
وقال مسلم بن الحجاج في "صحيحه" قُبيل هذا الحديث: إنه لا يُقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يُرفع متَّضِع القدر في العلم فوق منزلته، ويُعطى كلّ ذي حق فيه حقه، ويُنزل منزلته.
وقال غيره: المراد بالحديث: الحضُّ على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم، وتفضيل بعضهم على بعض في الإكرام في المجالس، لقوله ﷺ : "ليلِني منكم أُولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم"، فيقدِّم الإمامُ في القرب منه الأفضلَ فالأفضل مِنَ البالغين والعقلاء إكرامًا لهم، ويعامل كل أحد بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف والمرتبة، فإن اللَّه أعطى كل ذي حقٍّ حقه، وكذا في القيام والمخاطبة والمكاتبة، وغير ذلك من الحقوق. نعم، سوّى الشرعُ بينهم في القصاص والحدود، وأشباهها، لكن في التعازير يعزَّرُ كلُّ أحدٍ بما يليق به، وبهذا الحديث تمسَّك المتكلمون في التعديل والتجريح لرواة الأخبار، ليتميَّزَ صالحهم من طالحهم، واللَّه تعالى الموفق.
[أقسام الكتاب]
ورتبت هذه الكتاب على مقدمة وعشرة أبواب وخاتمة.
أما المقدمة، ففي التعريف بشيخ الإسلام والحافظ، والمحدّث، لكون الأوَّلَيْن عند الإطلاق لا يراد بهما في زمنه سواه بالاتفاق.
стр. 58
وأما الأبواب:
فالأول: في ذكر نسبه ونسبته ومولده وبلدته، وبشارة أبيه به وشهرته، وفيه نبذة من تراجم مَنْ وقفتُ عليه مِنْ أسلافه وإخوته.
والثاني: في صفة مبدأ أمره ونشأته، وذكر طلبه للعلم ورحلته، وتعيين من أخذ عنه دراية، وكذا جملةٌ مِنْ شيوخ الرواية، وبيان الأماكن التي كتب بها الحديث أو العلم مِنَ البلاد والقرى، ليُعلم أنه "عند الصباح يحمَدُ القومُ السُّرى". وختمته بأسماء من عنهم تحمَّل غير مطيلٍ بتراجمهم، اكتفاءً "بمُعْجمه"، فعليه المُعَوّل، معقبًا ذلك بأوراق مهمَّة من أسانيده بالكتب، ونحوه، مما هو متداولٌ بين الأئمة. وإن كان هو في "فهرسته" قد استوفاها؛ لأن الهممَ لقصورها ترتاحُ للطريقة التي سلكناها.
والثالث: في ثناء الأئمة عليه من الشيوخ والأقران، والطلبة والشُبَّان، مقدمًا منهم الأقدم فالأقدم، وإن وُجِدَ في المتأخر الزمن مَن هو المُقدَّم، وفيه فصلٌ في بيان مراجعة غير واحدٍ مِن شيوخه له، فيما خفي على الشيخ الأمر فيه واستشكله، ثم بيانُ يسيرٍ مما كان بالهوامش ونحوها يُقيِّده، مما خفي على المصنِّفين وشِبههم تحريره وتقييده، وألحقتُ بالثناء مِنَ النظم الذي امتُدِح به جملةً، وإن كان مُنحَطَّ الرتبة بالنسبة للفصل الذي قلبه.
والرابع: في تدريسه وإملائه، ووظائفه السنية، الدَّالَّة على عُلوِّه وارتقائه، وذكر شيء مما اتفق في ولاياته، وما لم يرتضه مما عُرِضَ عليه من المناصب لوفور كمالاته، والإشارة لمحنته، المقتضية في الدارين لشرف مرتبته، وذكر مَنْ رافقه في القضاء من سائر المذاهب، وجماعة من أعيان نوابه البالغين سَنِيَّ المراتب.
والخامس: في سرد تصانيفه مع الترتيب المعتبر، وبيان مَنْ علمته مِمَّن رغِبَ في تحصيلها مِنْ أئمة النقل والنظر، والتنبيه على شهرتها في قديم الأزمان، وتهادي الملوك بها من أقاصي البلدان، وألحقتُ به فصلًا فيما وقفت عليه من تصانيف غيره بخطه الفائق في إتقانه وضبطه.
والسادس: في سياق شيء من بليغ كلامه نظمًا ونثرًا، واشتمل هذا
стр. 59
الباب على فصول يفوقُ سردُها خبرًا وخَبَرًا، ومنها -وهو آخرها- فيه إشارة إلى بعض مِنْ فتاويه التي لا يمكن الإحاطة بجميعها، وشِرْذِمة مِنْ كلامه في العلوم بتنويعها، وبعض مسائل من اختياراته، وتحقيقاته وإشاراته.
والسابع: في أحواله وشمائله الناطقة بتفرده في خصائله، وشيء من وصفه الأسنى، ومناقبه الحُسنى.
والثامن: في سرد جماعة ممن أخذ عنه دراية أو رواية.
والتاسع: في ذكر مرضه ووفاته، وما يلتحقُ بذلك من غسله وتكفينه، والصلاة عليه، ووصيته قبل مماته، وشيء مِنْ أحوال بنيه وبناته، وكذا أحوال زوجاته وسراريه وخدمه ومواليه.
والعاشر: فيما علمته من المراثي فيه، وإن كان الكثير منها ممَّا (١) لا أرتضيه، بالنسبة لعليِّ مقامه، وبديع كلامه، لكنه من لم يجد الماء تيمَّم، ومن رأى خللًا أو نقصًا وله لسان في التكميل تمَّم.
وأما الخاتمة: ففي سرد مَنْ علمته الآن أفرد لنبيّنا ﷺ سيرةً، وكذا من أفرد لشيخه أو إمامه أو نفسه ونحو ذلك، ترجمة بالتأليف.
ووسمت (٢) هذا الكتاب بـ:
الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر
واللَّه المستعان وعليه التُّكلان، وأسأله من فضله أن يعفو عنَّا بكرمه وطَوْله (٣)، فهو سبحانه ذو الجُودِ العميم، والفضل الجسيم، حسبي اللَّه لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
стр. 60
المقدمة في التعريف بشيخ الإسلام والمحدث والحافظ
стр. 61
المقدمة
[شيخ الإسلام]
أما شيخ الإسلام: فهو يطلق -على ما استقرىء من صنيع المعتبرين- على المتبع لكتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله ﷺ ، مع المعرفة بقواعد العلم والتبحُّر في الاطلاع على أقوال العلماء، والتَّمكُّن من تخريج الحوادث على النصوص، ومعرفة المعقول والمنقول على الوضع المرضيِّ، وربما وُصِفَ به مَنْ بلغ درجة الولاية، وتبرك الناس به حيًّا وميتًا، وكذا (١) مَنْ سلك في الإسلام طريقة أهله، وسَلِمَ من شِرَةِ الشباب، وجهله، وكذا من صار هو العُدَّةَ والمفزع إليه في كل شدَّة، كما هو مراد العامة، وقد يوصف به من
стр. 62
شاب في الإسلام، وانفرد عن أقرانه بطول العمر، ودخل في عداد "من شاب شيبة في الإسلام، كانت له نورًا".
ولم تكن هذه اللفظة مشهورة بين القدماء بعد الشيخين: الصِّديق والفاروق ﵄، الوارد وصفهما بذلك عن علي ﵁ فيما ذكره المحب الطبري في "الرياض النضرة" له بلا إسناد، عن أنس ﵁، قال: جاء رجل إلى عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، سمعتك آنفًا تقول على المنبر: اللهم أصلحني بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ قال: فاغرورقت عيناه وأهملهما، ثم قال: أبو بكر وعمر ﵄، إماما الهدى وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول اللَّه ﷺ . من اقتدى بهما عُصم (١)، ومن اتبع آثارهما هُدي إلى صراط مستقيم، مَنْ تمسَّك بهما، فهو من حزب اللَّه، وحزبُ اللَّه هم المفلحون.
وقال الذهبي في "الكاشف" عن ابن المبارك: وناهيك به شيخ الإسلام، وشيخُ الإسلام (٢) إنما هو أبو بكر الصديق ﵁ الذي ثبَّت الزكاة، وقاتل أهل الردَّة فاعرفه. انتهى.
[من اشتهر بلقب شيخ الإسلام]
واشتهر بها أبو إسماعيل الهروي، واسمه عبد اللَّه بن محمد الأنصاري، صاحب كتاب "منازل السائرين" و"ذمِّ الكلام"، وكان حنبليًّا، وأبو علي حسان بن سعيد المنيعي الشافعي، وأبو الحسن علي الهكّاري، قال ابن السمعاني: كان يقال له: شيخ الإسلام، وكان شافعيًّا أيضًا.
وكذا لُقِّب بها مِنَ الحنفية: أبو سعيد الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل السِّجْزي، المتوفى بعد السبعين وثلثمائة، وأبو القاسم يونس بن
стр. 63
طاهر بن محمد بن يونس البصري، ذكره ابن مَنْدَه، ومات سنة إحدى عشرة وأربعمائة، والقاضي أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد السَّعدي، المتوفى في سنة إحدى وستين وأربعمائة، وربما لُقِّبَ ركن الإسلام أيضًا، وأبو نصر أحمد بن محمد بن صاعد الصاعدي، قال فيه الذهبي: أحدُ مَنْ يُقال له: شيخ الإسلام، مات سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وعلي بن محمد (١) بن إسماعيل بن علي الإسبيجابي، مات سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وتلميذه صاحب "الهداية" برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغاني مات في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ومحمد بن محمد بن محمد الحُلْمِي، والعماد مسعود بن شيْبة بن الحُسين السِّندي، وأبو سعد المطهِّر بن سليمان الزَّنْجانِي، وسديد بن محمد الحنَّاطي.
واشتهر بها الأستاذ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني الشافعي، [لقّبه بها ابن السمعاني في "الذَّيل"] (٢)، وتاج الدين ابن الفِرْكاح وهو شافعي. ووصف بها ابنُ دقيق العيد شيخَه ابنَ عبد السلام، فقال: هو شيخ الإسلام. وأبو الفرج بن أبي (٣) عمر، وهو حنبلي، أول مَنْ ولي قضاء الحنابلة، وابن دقيق العيد، وابن تيمية.
ولم يكن أبو الحجاج المِزِّي يثبتها في عصره لغير ابن تيمية، وابن أبي عمر، والتقيُّ السبكيِّ، وتزايد ظهورها في أيامه وأيام بنيه، خصوصًا بالشام.
ثمَّ لقِّب (٤) السراج البلقيني بها، وكان -كما قرأته بخط ابن عمار- مقصورًا عليه، قال: فلما توفي، بلغني أن ولده ألبسه السلطانُ تشريفًا؛ ليكون
стр. 64
متصدِّيًا للفتوى مكان أبيه -فيما يظهر- خلافًا لكثير من الغوغاء، حيث صرَّحوا بأن السلطان ألبسه تشريفًا بمشيخة الإسلام، وارتاح هو لذلك، بحيث كان مَنْ قدَّم له فُتيًا أو نحوها، ولم يلقِّبه بها، يمتنع غالبًا من إجابته مع زجره وإهانته، إن لم يكن ذا وجاهة بجاه أو غيره.
قلت: ونحوه أن شيخنا صاحب الترجمة أرسل له سؤالًا، افتتحه بقوله: ما يقول الفقهاء؟ فأرسل إليه نقيبه القزويني، فقال: يقول لكم القاضي: أيُّ فرقٍ بين وصفِ المفتي وبين فقيه الكُتَّاب؟ فأجابه بقوله: كنت مستعجلًا.
وابتُذِلتُ هذه اللفظة، فوصف بها على رأس المائة الثامنة، وما بعد ذلك مَنْ لا يُحصى كثرةً، حتى صارت لقبًا لكلِّ مَن وليَ القضاء الأكبر، ولو كان عاريًا عن العلم والسنّ، وغيرهما، بل صار جَهَلَةُ الموقِّعين وغيرهم يجمعون جُلَّ الأوصاف التي لا توجد الآن متفرقة في سائر الناس للشخص الواحد، والعجب ممن يُقِرُّهم على ذلك، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون!.
وقد كان صاحب الترجمة ﵀ جديرًا بوصفه بهذه اللفظة، لوجدان أكثر المعاني التي سقناها فيه، وعند إطلاقها من المعتبرين في زمنه لا يُراد بها، ولا يُفهم منها غيره، ولو لم يكن إلا أنه قد انتهت إليه مشيخة الإسلام في الحديث النبوي من غير مدافعة. وقد وصف الإمام المبجل أحمد بن حنبل -وناهيك بورعه وتحرِّيه- أبا الوليد الطيالسي، وأحمد بن يونس بمشيخة الإسلام، ولم يكن لهما سوى فن الحديث، ولم تنحصر مشيخته في واحد منهما، ﵏ وإيانا.
[تعريف المحدِّث]
وأما المحدث: فهو العارفُ بشيوخ بلده وغيرها، والضَّابطُ لمواليدهم، ووفياتهم ومراتبهم في العلوم. وما لهم من المرويات على اختلاف أنواعها، والمميِّزُ لعالي ذلك من نازله والمقتدرُ على تلخيص ما يقف عليه من الطِّباق والأسانيد، مُحرَّرًا، واستخراج الخطوط ولو تنوعت، والانتقاء على الشيوخ
стр. 65
والتخريج لهم ولنفسه، مع التنبيه على البَدَل والموافقة، والمصافحة والمساواة، ونحو ذلك، وضبط أسماء السامعين ولو كانوا ألفًا، والممارسُ لأسماء الرجال، لا سيما المشتبهة، وأخذ ضبطها عن أئمة الفن. والضابط لغريب ألفاظ الحديث، أو جُلِّها؛ خشية التصحيف، والعارفُ بطرفٍ مِنَ العربية يأمَنُ معه مِنَ اللَّحن غالبًا، والماهرُ باصطلاح أهله، بحيث يصلُحُ لتدريسه وإفادته ويُراعي اصطلاحهم في ذلك ونحوه.
وقد يطلق على مَنْ لم يجتمع له ذلك مُحدِّث، لكن أكثر عملهم على هذا.
[آداب المحدث]
وله آداب دونها أئمتنا، وأجل مصنَّف في ذلك، كتاب "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب. قرأته.
وسمعتُ صاحب الترجمة يقول: -والظاهر أنه حكاه عن غيره- ويكون (١) سريع الكتابة، والقراءة، والأكل، والمشي، انتهى.
وللحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس ﵀ كلام في تعريفه، حيث قال: المحدِّث في عصرنا هو مَن اشتغل بالحديث رواية وكتابة، وجمع رواة، واطلع على كثير من الرواة. والروايات في عصره، وتبصّر بذلك، حتى عُرف خطُّه، واشتهر فيه ضبطُه.
وهذا أسهل مما قاله العلامة القاضي تاج الدين أبو نصر (٢) السبكي في كتابه "مُعيد النِّعَم ومُبيد النقم" (٣)، كما أخبرني الإمام خاتمة المُسندين العز أبو محمد القاضي عنه، قال: المحدث مَن عرف الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال، والعالي والنازلَ، وحفظ -مع ذلك- جملة مستكثرة من المتون،
стр. 66
وسمع الكتب الستة، و"مسند الإمام أحمد بن حنبل"، و"سنن البيهقي"، و"معجم الطبراني"، وضمَّ إلى هذا القدر ألفَ جزء من الأجزاء الحديثية، هذا أقل درجاته، فإذا سمع ما ذكرناه، وكتبَ الطِّباق، ودار على الشيوخ، وتكلَّم في العلل والوفيات والأسانيد، كان في أول درجات المحدّثين، ثم يزيد اللَّه تعالى من شاء ما شاء.
ويقرب منه قول العلامة مُغَلْطَاي: الذي يطلق عليه اسم المحدث في عُرف المحدثين أن يكون كتب وقرأ وسمع ووعى، ورحل إلى المدائن والقرى، وحصَّل أصولًا، وعلَّق فروعًا من كتب المسانيد والعلل والتواريخ التي تقرب من ألف تصنيف. انتهى.
والمقتصر على السماع لا يسمى محدثًا. قال الإمام تاج الدين ابن يونس في "شرح التعجيز": إذا أُوصي للمحدث تناول مِنْ علم طرق إثبات الحديث، وعدالة رجاله؛ لأن من اقتصر على السمع فقط ليس بعالم. ويشهد له قول الرافعي، تبعًا للأصحاب فيما إذا أوصى للعلماء: إنه لا يدخل فيها الذين يسمعون الحديث، ولا عِلْمَ لهم بطرقه، ولا بأشياء مِنَ الرواة والمتون، فإن السماع المجرد ليس بعلم.
ونحوه قول السبكي: لا يدخل في الحديث مَنِ اقتصر على السمع المجرّد، وكذا قال بعض المتأخرين: المحدث عند الفقهاء لا يطلق إلا على من حفظ متون الحديث، وعلم عدالة رجاله، وجرحها فقط. والمقتصر على السماع خارج عن هذين.
وقال الفارقي: لا يصرف لمن عرف طرق الحديث ولم يعرف أحكامه، لأنه لا يصير من علماء الشرع بذلك القدر، وتابعه تلميذه ابن أبي عصْرُون في "الانتصار". وتوقف صاحب الترجمة في ذلك، فإنه قال: هذه مكابرة، لأن القسمة رباعية، وأرفع الأربعة من له السَّماعُ الكثير، والعلم بالطرق والعلل.
قلت: ولعل الأولين إنما منعوا تسميته بذلك حقيقةً؛ لأنه مُسند، ومن عداهم أراد المجاز.
стр. 67
ثمَّ، ما المراد بطرق الحديث؟ فقال في "الذخائر": هو معرفة ما تضمنته الأحاديثُ مِنَ الأحكام مع معرفة رواته، وهذا مخالف لاصطلاحهم، فإنهم إنما يريدون بالطرق تعدادَ الأسانيد والوجوه للحديث الواحد.
وقال صاحب "الوافي": المراد بطرقه: معرفة (١) الصحيح والضعيف والغريب، ومعرفة أسماء الرجال، وعدالتهم وجرحهم، وتعرُّف معانيه، فيكون حينئذٍ عالمًا، وألا يكون كقارىء القرآن، وليس ذلك بعلم، بل هو نقل، والى آخر كلامه يُرشد قول الماوردي في الوقف: إنه لا يُصْرَفُ للقراء، وأصحاب الحديث، لأن العلم ما تُصرِّفَ في معانيه دون ما كان محفوظًا للتلاوة.
وعليه يُحمل ما رويناه عن الحافظ السِّلفي، قال: استفتيت شيخنا الإمام أبا الحسن الطبري -عرف بالكِيَا- عن رجل وصَّى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، هل تدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية؟ فقال: نعم كيف لا، وقد قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ حفظ على أُمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه اللَّه يوم القيامة فقيهًا عالمًا"؟.
قلت: ويُروى عن مالك: أن المقتصر على السماع لا يُؤخذ عنه العلم، وعبارته فيما نقله القاضي عبد الوهاب في "الملخص" نقلًا عن عيسى بن أبان عنه: لا يؤخذ العلم عن أربعة، فذكرهم، وقال: ولا عن مَنْ لا يعرِفُ هذا الشأن، وفسّر القاضي مراده بما إذا لم يكن ممن يعرف الرجال مِنَ الرواة، ولا يعرف هل زِيدَ في الحديث شيءٌ أو نُقص، لكن العمل على خلاف هذا، والاعتماد في هذه الأعصار -غالبًا- على القارىء، ولذلك أقول بامتناع قراءة كثيرٍ مِنَ الطلبة الذين لا ممارسة لهم بالمتون ولا الأسانيد، بل ولا معرفة لهم بشيء -في الجملة- أصلًا على من لا تمييزَ عنده مِنَ المُسنِدين، ولا أقلَّ من أن يصحح حديثه أولًا.
стр. 68
[وصية الذهبي للمحدثين]
وللَّه در الحافظ أبي (١) عبد اللَّه الذهبي حيث قال فيما قرأته بخطه في حقِّ هؤلاء، وإن بالغ، لكنه واللَّه معذور-: المحدثون، فغالبهم لا يفقهون ولا هِمَّةَ لهم في معرفة الحديث ولا في التديُّن به، بل الصحيح والموضوع عندهم نسبةٌ، إنما همَّتُهم في السماع على جَهَلة الشيوخ، وتكثير العدد من الأجزاء والرواة، لا يتأدبون بآداب الحديث، ولا يستفيقون مِنْ سكرة السماع، الآن يَسمَعُ الجزء ونفسه تُحدّثه متى يرويه، أبعْدَ خمسين سنة؟ ويحك! ما أطول أملك! وما أسوأ عملك، معذورٌ سفيان الثوري إذ يقول فيما رواه أحمد بن يوسف التغلبي: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حمّاد بن زيد، قال: قال سفيان الثوريُّ: لو كان الحديث خيرًا، لذهب كما ذهب الخير. صدق واللَّه، وأيُّ خيرٍ في حديث مخلوط صحيحه بواهيه، وأنت لا تَفْليه ولا تبحث عن ناقليه، ولا تدينُ اللَّه به. أمَّا اليوم في زماننا، فما يفيد المحدّثَ الطلبُ والسماعُ مقصود الحديث أبدًا من التدين به، بل فائدة السماع ليُروى، فهذا واللَّه لغير اللَّه.
خطابي معك يا محدِّث، لا مع مَنْ يسمع ولا يعقل، ولا يحافظ على الصلاة، ولا يجتنب الفواحش، ولا قَرْشَ الحشائش، ولا يُحسِن أن يَصْدُقَ: فيا هذا، لا تكن مُجرمًا مثلي، فإنا نَحْسٌ أبغضُ المناحيس، فطالب الحديث اليوم ينبغي له أن ينسخ أولًا "الجمع بين الصحيحين"، و"أحكام عبد الحق"، و"الضياء"، ويُدمن النظر فيهم، ويكثر من تحصيل تواليف البيهقي، فإنها نافعة، ولا أقل من تحصيل مختصرٍ (٢) "كالإلمام"، ودرسه. فأيش السماع على جَهَلَةِ الشيوخ الذين ينامون والصبيانُ يلعبون، والشبيبةُ يتحدثون، ويمزحون، وكثيرٌ منهم ينعسون ويكابرون، والقارىء يُصَحّف، وإتقانه في تكثير (٣) -أو كما قال- والرضع يتضاغون. باللَّه خلُّونا، فقد بقينا
стр. 69
ضُحكةً لأُولي المعقولات، يَطنُزُون بنا، ويقولون: أهؤلاء هم أهل الحديث؟
وقال في موضع آخر -وقد نقل عن سفيان الثوري أنه قال: ليس طلب الحديث من عُدّة الموت، ولكنه علة يتشاغل به الرجال- ما نصه: لقد صدق فيما قال؛ لأن طلب الحديث شيء غير الحديث، وطلب الحديث اسمٌ عُرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهيَّة الحديث، وكثير منها مراقٍ إلى العلم، وأكثرها أمور يشغف بها المحدث، من تحصيل النُّسخ المليحة، وتطلب الإسناد العالي، وتكثير الشيوخ. والفرح بالألقاب، وتمنِّي العمر الطويل ليروي (١)، وحب الانفراد، إلى أمورٍ عديدة لازمةٍ للأغراض النفسانية، لا للأعمال الربّانية، فإذا كان طلبك للحديث النبويِّ محفوفًا بهذه الآفات، فمتى خلاصُك فيها إلى الإخلاص؟ وإذا كان علم الآثار مدخولًا، فما ظنُّك بعلوم الأوائل التي تَنْكُب الإيمان، وتورث الشكوك التي لم تكن -واللَّه- في عصر الصحابة والتابعين؟ بل كانت علومهم القرآن والحديث والفقه. انتهى.
[أقسام علوم الحديث]
وقال الإمام أبو شامة ﵀: علوم الحديث الآن ثلاثة:
أشرفها: حفظ متونه، ومعرفة غريبها وفقهها.
والثاني: حفظ أسانيدها، ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وهذا كان مُهمًّا، وقد كفيه المشتغلُ بالعلم بما صُنِّف وأُلِّف في ذلك، فلا فائدة تدعو إلى تحصيل ما هو حاصل.
الثالث: جمعه وكتابته وسماعه، وتطريقه، وطلبُ العلو فيه، والرحلة بسببه إلى البلدان. والمشتغل بهذا مشتغل عما هو الأهمُّ من علومه النافعة، فضلًا عن العمل به الذي هو المطلوب الأول، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. إلا أن هذا لا بأس به للبطالين،
стр. 70
لما فيه من إبقاء سلسلة العنعنة المتَّصِلةِ بأشرف البشر ﷺ ، فهي من خصائص هذه الأمة.
قال: ومما يُزهِّد في ذلك، أن فيه يتشارك الصغير والكبير، والفَدْمُ والفاهم، والجاهل والعالم، وقد قال الأعمش: حديث يتداوله الفقهاء خيرٌ من حديث يتداوله الشيوخ.
ولام إنسانٌ أحمد ﵀ في حضور مجلس الشافعي ﵁، وتركه مجلس سُفيان بن عُيَينة، فقال له أحمد: اسكت، فإن فاتك حديثٌ بعلوٍّ، تجده بنزول، ولا يضرُّك، وإن فاتك عقلُ هذا الفتى، أخافُ أن لا تجده. انتهى.
قال صاحب الترجمة: وهذا في بعضه نظر؛ لأن قوله: وهذا قد كفيه المشتغل بالعلم بما صُنِّف فيه، قد أنكره العلامة أبو جعفر بن الزبير وغيره، ويقال عليه: إن كان التصنيف في الفن يوجب الاتكال (١) على ذلك وعدم الاشتغال به، فالقول كذلك في الفن الأول، فإن فقه الحديث وغريبه لا يُحصى كم صُنِّف فيه، بل لو ادعى مُدّع أن التصانيف التي جمعت في ذلك أجمعُ من التصانيف التي جُمعت في تخيير الرجال، وكذا في تمييز الصحيح من السقيم لما أبْعَدَ، بل ذلك هو الواقع، فإن كان الاشتغال بالأول مُهِمًّا، فالاشتغال بالثاني أهمُّ، لأنه المرقاة إلى الأول، فمن أخلّ به، خلط السقيم بالصحيح، والمُعَدَّل بالجريح وهو لا يشعُر، وكفى بذلك عيبًا، فالحق أن كلًّا منهما في علم الحديث مُهمّ، ولا شك أن مَن جمعهما، حاز القدح المُعَلَّى، مع قصورٍ فيه إن أخلَّ بالثالث، ومن أخلّ بهما، فلا حظّ له في اسم الحافظ، ومن حرَّرَ الأول وأخلَّ بالثاني، كان بعيدًا من اسم المحدث عُرفًا، ومن حرر الثاني وأخل بالأول، لم يبعُد عنه اسم المحدّث، ولكن فيه نقص بالنسبة إلى الأولى.
وبقي الكلام في الفن الثالث، وهو السماع وما ذكر معه، ولا شك أنَّ
стр. 71
مَنْ جمعه مع الفنَّين الأوّلين، كان أوفرَ سَهْمًا وأحظَّ قَسْمًا، ومن اقتصر عليه كان أبخس حظًّا وأبعد حفظًا، فمن جمع الأمور الثلاثة كان فقيهًا محدثًا كاملًا، ومن انفرد باثنين منها، كان دونه، وإن كان لا بدَّ مِنَ الاقتصار على اثنين، فليكن الأول والثاني، وهل يُسمّى محدّثًا أو لا؟ فيه تردُّد، وأما من اقتصر على الثاني والثالث، فهو محدّث صِرْفٌ لا حظَّ له في اسم الفقيه، كما أنَّ مَنِ انفرد بالأول، فلا حظَّ له في اسم المحدث كما ذكرنا، فهذا هو تحريرُ المقال في هذا الفصل، وطريقُ الإنصاف فيه.
قال: وقد وجدتُ لي فيما ذكرته بحثًا سلفًا من قول رجل من كبار أهل العلم والزهد، وهو أبو الفتح نصر بن أحمد المقدسي، الذي قال في حقه حجة الإسلام الغزاليّ في "منهاج العابدين" ما قال، حيث ذكر ما رواه الرامهُرمُزِيّ في "المحدث الفاصل" له، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن سهيل، حدثني رجلٌ ذكره من أهل العلم، قال: وقفتِ امرأةٌ على مجلس فيه يحيى بنُ معين (١)، وأبو خيثمة وخلف بن سالم، وجماعة يتذاكرون الحديث، فسمعتهم يقولون: قال رسول اللَّه ﷺ ، ورواه فلان، وما حدَّث به غير (٢) فلان، فسألتهم عن الحائض تَغْسِلُ الموتى، وكانت غاسلة، فلم يُجبها أحد منهم، وجعل بعضُهم ينظرُ إلى بعضٍ، فأقبل أبو ثور إبراهيم بن خالد الفقيه، فقالوا لها: عليك بهذا المقبل، فالتفتت إليه وقد دنا منها، فسألته: فقال: نعم تَغْسِل، لحديث القاسم عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "ليستْ حيضتُك في يدك"، ولقول عائشة: كت أفرق رأس رسول اللَّه ﷺ وأنا حائضٌ، قال أبو ثور: فإذا فرقت رأس الحيِّ فالميتُ أولى. فقالوا: نعم، رواه فلان، وأخبرناه فلان، ونعرفه من طريق فلان، وخاضوا في الطُّرُق والروايات، فقالت المرأة: فأين كنتم إلى الآن؟
فقال الفقيه نصر: ليس هذا الذي وقع من يحيى بن معين (١) ورفقته بعَيْب فيهم؛ لأن اللَّه تعالى قد قسّم العلوم بين عباده، كما قسّم الأرزاق،
стр. 72
والآجال وسائر الأحكام، فوفَّق قومًا لحفظ أُصول الشريعة، وبيان الصحيح مِنْ ذلك والفاسد، ووفَّق قومًا لمعرفة معاني ذلك، واستنباط الأحكام منها، فكما لم نَعِبْ أبا ثورٍ بترك ذكر الطُّرق والأسانيد، كذلك لا نعيبُ أولئك بترك الاستنباط، إذ لكل مقام مقالٌ، وإنما العيبُ لاحقٌ بمن لم يشتغل بواحدٍ من الطرفين، وربما اجتهد الإنسان فيهما فوُفِّق لهما، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، فمن قدم النيّة للَّه في شيء، وجدّ فيه وجده. انتهى.
وقد سئل صاحب الترجمة ﵀ عن رجل اشتغل بعلم الحديث، وقرأ فيه على أهله أصلًا من أصوله، وبحثه وفهمه فهمًا ودراسة، ومارس أهله وحضر مجالسهم: هل يقومُ له ذلك مقام علوِّ السند، أو يُعتبر علوُّ السَّند؟ وهل إذا كان كذلك، تترجّحُ مروياته على من علا سنده، ويبلغ بعلُوِّ درجته في الفن درَجةَ المرتفعين بعلو السند، وكثرة المسموعات والمقروءات؟ وأيهما (١) أولى بأن يؤخذ عنه، ويقرأ عليه، فأجاب بما قرأته من خطه:
لا يكون حافظًا ولا محدّثًا في الاصطلاح إلا مَنْ عرفَ الأمرين، ومارس الفنين، وأما مَنِ اقتصر على أحدهما، كمن اقتصر على المرويات، ومارس القراءة والسماع، ورحل في ذلك للقاء الأشياخ (٢)، وحصّل مِنْ ذلك ما يُطلق عليه اسم الاستكثار مِنْ ذلك عُرفًا، وأهمل -مع ذلك- معرفة الاصطلاح، بحيث لا يصلُح أن يُدَرِّسه ويُفيدُه، فهذا يقال له: مِسنِد وراوٍ، وقد يطلق عليه اسم مُحدِّث، لكن بالنسبة لمن جمع الأمرين، إنما يقال له ذلك مجازًا.
وإن اقتصر على معرفة الاصطلاح المتعلق بالأنواع حتى فهمه، وصلح أن يُدَرسه ويُفيده، فهذا يقال له: عالم بعلوم الحديث، ولا يسمّى مُحدثًا أصلًا، ولا يترجّح ما عنده من رواية على رواية الأول، إذا كان أعلى
стр. 73
سندًا. إلا إن حصلت السلامة منه غالبًا من الخطأ في الإعراب، وأما الخطأ في أسماء الرواة، فلا يأمن منه غالبًا إلا من أكثر القراءة والسماع، ومارس ذلك، وأكثر منه، وإلا فهو شيء لا يدخلُه القياس، فيقابَل خطأ هذا في الأسماء بخطأ هذا في الكلمات إن اتفق وقوع ذلك من كلٍّ منهما، ويبقى للراوي علوُّ الرواية، فيتقدم (١) بها. وأما مَنْ جمع الأمرين فهو الكامل. وأقل ما يكفي من يريد قراءة الحديث أن يعرف من العربية أن لا يلحن، ويمارس أسماء الرجال، بحيث يأمن التصحيف فيها، وتكون له مَلَكَةٌ في قراءة الخطوط، ولو تنوعت، ومن قصَّر في واحد من الثلاثة أثّر فيه تأثيرًا ظاهرًا، ومن زاد بحيث كانت له معرفة (٢) بشيء من معاني الحديث، كان أرفع درجة. انتهى.
[مَنْ يُطلق عليه لقب المحدث]
والمنقول عن المتقدمين في سعة الحدّ فيمن يُسمّى محدثًا، كقول أبي بكر بن أبي شيبة الذي ساقه أبو سعد بن السَّمْعاني في "آداب الإملاء والاستملاء" بإسناده إلى أبي زُرْعة الرازي، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول: من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يُعدَّ صاحب حديث.
وأخرجه الخطيب في مقدمة "الجامع" أيضًا.
وعنده من طريق أحمد بن العباس النَّسائي، قال: سألت الإمام أحمد عن الرجل يكون معه مائة ألف حديث: أيقال له صاحب حديث؟ فقال: لا، قلت: فمائتا ألف حديث؟ فقال: لا، قلت: فثلاثمائة ألف حديث؟ فقال بيده كذا، يروح يمنةً ويسرةً.
ونحوه ما في مقدمة "الكامل" لابن عدي من جهة النُّفَيْلي، قال: سمعت هُشيْمًا يقول: مَنْ لم يحفظ الحديث، فليس هو مِنْ أصحاب
стр. 74
الحديث حتى يجيء أحدُهم بكتاب يحمله كأنه سجلُّ كاتب، هو كما قال الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس بحسب أزمنتهم.
وأبلغ منه ما يُروى عن جماعة من السلف رحمة اللَّه عليهم أنهم تحرَّوا، فلم يطلقوا اسم المحدث إلا على مَنْ كان يستعمل الحديث؛ وممَّن نصّ على ذلك الإمام أحمد ﵁، فذكر ابن السمعاني في كتابه المذكور، أنَّ أبا القاسم البغوي -وناهيك به، لكن كان ذلك في ابتداء أمره- قال: سألت الإمام أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل أن يكتب لي كتابًا إلى سُوَيْد بن سعيد الحَدَثاني، فكتب: هذا رجل يكتب الحديث، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، لو قلت: من أهل الحديث؛ فقال: أهل الحديث عندنا من يستعمل الحديث.
وذكر الخليلي في "الإرشاد" بسنده إلى عباس الدُّوري، قال: كتب لي يحيى بن معين (١)، وأحمد بن حنبل إلى أبي داود الطيالسي كتابًا، فقالا فيه: إن هذا ممن يكتُب الحديث، وما قالا: إنه من أهل الحديث.
وقال عُمَر بن هارون فيما أورده أبو القاسم بن مَنْده في "الوصية" من طريقه: من لم يَجعَل عمره كله في طلب الحديث، لم يكن صاحب حديث.
وقال الإمام أبو يحيى (٢) زكريا الساجي في كتابه "اختلاف الفقهاء": حدثنا أحمد بن محمد، سمعت يحيى بن معين يقول: يحتاج المحدث إلى أربع خلال: الشهرة بطلب العلم، والبراءة من البدعة، ويكون صدوقًا، ولا يعمل بشيء من الكبائر، فمن كنت هذه صفته، فهو محدّث.
وقال مروان الفَزَاريُّ (٣) فيما أورده أبو القاسم ابن منده في "الوصية"،
стр. 75
من طريقه: ثلاثة ليس لأصحاب الحديث عنها غنى: الحفظ، والصدق، وصحة الكتب، فإن أخطأته واحدة، وكانت فيه ثنتان لم تضره. إن أخطأ (١) الحفظ ورجع إلى الصدق وصحة الكتب (لم يضرّه) (٢).
إذا علم هذا، فقد قال النووي ﵀ -وناهيك به ديانةً وورعًا وعلمًا- في "زوائد الروضة" (٣) من باب الوقف: والمراد بأصحاب الحديث: الفقهاء الشافعية، وأصحاب الرأي: الفقهاء الحنفية. انتهى.
وما أحقَّهم بالوصف بذلك، فإن إمامهم الإمام الأعظم المجتهد المقدم ثبت عنه بالسند الصحيح الذي لا غُبار عليه -مع تعدد الطرق إليه- أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وللَّه الحمد.
وروى الخطيب في مقدمة "جامعه" من طريق محمد بن سهل بن عسكر، قال: حضرت المأمون بالمصِّيصة، فقام إليه رجل بيده محبرة، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحبُ حديث منقطع به. قال: فوقف له المأمون، وقال: أيْشٍ تحفظُ في باب كذا؟ قال: فسكت، فقال المأمون: حدثنا ابنُ عُلَيَّة بكذا، وحدثنا حجاجٌ الأعور بكذا، وسرد عدَّة أحاديث، ثم قال: وأيْشٍ تحفظ في باب كذا؟ قال: فسكت، فسرد له المأمون أيضًا عدة أحاديث، ثم قال: أحدُهم يطلبُ الحديث ثلاثة أيام، ثم يقول: أنا صاحب حديث، أعطوه ثلاثة دراهم. واللَّه المستعان.
[الحافظ]
وأما الحافظ، فقد روينا عن الحافظ الثقة الحجة أبي بكر الخطيب البغدادي ما نصه: إنَّ مِنْ صفات الذي يجوز إطلاقُ هذا اللفظ في تسميته: أن يكون عارفًا بسنُن رسول اللَّه ﷺ ، بصيرًا بطُرقها، مميّزًا لأسانيدها، يحفظ منها ما أجمع أهلُ المعرفة على صحته، وما اختلفوا فيه للاجتهاد في