سطر في مدح المخدوم قصيدةً مقرَّة عند صدورها بالعجيم والتقصير، ملتثمة بالحياء تمشي على استحياء، وصاحبها لما نزل عليه من الأجوبة الغنية فقير، وهي جارية يتيمة، سمّاها شرف انتمائها جوهرة ورقيقة الألفاظ، ولسعادة مَنْ نُظمت فيه، أمست محرّرة، والمسؤول إسعادُها بالنَّظر إليها، وإسعافُها بالوقوف عليها، لا زال المولى واسع الصدر لمن ضيَّق عليه مِنْ صغار المتأدبين، ولا برح ممدَّحًا بسائر اللغات، حتى على رأي العوام بالسِّين.
ومن رسائله: رسالة في مكدي، منها:
وتناول لقوس قامته وتر العصا، وأطاع شيطانَ هواه ولربه قد عصى، وفرَّغ في الملأ سهام إساءته الوافرة وأنفذها، وقرّب كلماته السَّخيفة إلى الأذهان، وهو عن الصواب أبعدها، وسنَّ سيفَ لسانه للكُدية وشحذ، ورمى الحياء وراء ظهره ونبذ، ورافق المُكدين وماشى، وأجدب وجهه لمّا عدم ماء الحيا فصنع ما شا، فكم أخطأ طريق الصواب، واعتمد (١) على التمسُّك بحبال شمس الكُدية، وهى مِنْ أوهى الأسباب، فهو في الضَّعف والدناءة والجرأة والقُبح والخلاء كالذُّباب.
ومنها: من رسالة أولها: يقبّل الأرض التي (٢) أشرق نورُها، وتضاعف عبدُها من الحزن لبعدها (٣)، فتضاعف عندها بقُربه سرورُها، ويُنهى ثناءه الذي حفظ طيه فضاع وكتمه عن الحاسد، وإخفاءُ الشمس لا يُستطاع، وشوقه الذي كلَّما تبلَّد بالبُعد خاطره، ذكت ناره، ودمعه الذي ساحله بالبحر فاحترق، وأنفاسه دخانه، وتساقطُ جمرات الدموع شرارُه.
منها: وودَّ المملوكُ لو كان عِوَضًا عَنْ هذه الضَّراعة التي قصَّرت لدى الحضرة النُّورية التي أشرق نورها وتضوّع زهرها، فهي على الحالين نوَّرت، وتيمَّم صعيدًا طيّبًا، فإنَّ ماء الفضل في مصر معدوم، وأهلُها أقربُ النَّاسِ
стр. 737
لجهل معلوم، واللَّه يحقّق هذا الأمل، ويتبع صحيح النِّية بحُسن العمل.
ومنها من أخرى يشكو فيها خمول فن الأدب، ومُضيَّ العُمر في التَّعازي والتهاني:
وضيَّع المملوكُ جواهرَ كَلِمِه في مدح الأعراض، وكيف لا يضيعُ الجوهر في الفاني، وقد أقسم صدر قلمه أنه لا يعود في العقد بسحر البيان (١) نفَّاثًا، وطلّق أبكار هذا الفن الذي لا يلتفت إليه أحدٌ ثلاثًا.
ومنها من أخرى إلى بعض الأصحاب:
وأدِم السُّرور والشُّرب، فالنفس ما تُسَرُّ (٢) إلَّا بالمُدام، وبادر إلى الصَّبوح قبل أن تَفُكَّ يدُ الصَّباح أزرارَ النُّجوم مِنْ غُرى الظلام، وعاشِرِ الأفرادَ بوصل الخُماسيات مِنْ أقداح الرّاح وقدودِ الملاح، واطَّرح رداء الاحتشام بعقلٍ مزال (٣) وجدَّ مزاح حتى ترى ثعلب الفجر وقلبه يخفق خوفًا من بُزوغ الغزالَة، والعاشق واصَلَ سَقْيَ محبوبه ولم يخشَ صدّه وملاله.
ومنها: وَصِل مَنْ قطعت مِنْ غُرر أحبابك ودُرر حبابك، وكمِّل بالحضور تَرَحَ أعدائك وفرَحَ أصحابك فقد مَسَحَت راحةُ الثُّريَّا جفون النّدامى مِنَ المنام، وهبُّوا لشأنهم على العادة وقت الأذان، والسلام إن شاء اللَّه تعالى.
ومنها استدعاء للقاضي بدر الدين بن الدماميني:
الحمد للَّه مجيب الدَّاعي أن رأى المخدوم ثبَّت اللَّه أحكامه، وأعلى في الخافقين أعلامه، ما طلع بمصر بدرٌ تراه الشهب منها أسنى، وما أنبتت راحته في رياض طرسه أغصان سطور إذا وقع فيها قلمه، قلنا: هذه الروضة الغنَّا، وما أمست محاسنُ لفظه زائدة، وأصبح في الفضل معنا حتى يعودَ به ميتُ الآداب حيًا، ويروي بفضله قارىء كلامه، فيظن أنه لثم ثغر محبوبته
стр. 738
ريّا، ويشوي به قلب الحاسد، حتى يعود كأنَّه لم يكن شيئًا، وحتى يلتقي من بعد يأس سهيل في الكواكب والثُّريَّا، أن يتفضَّل بنقل خطاه المبرَّأة مِنَ الخطأ، الساعية لطائفة الأدب، وهي عن سواهم بطَّا، إلى منزل جاور النيل، والنيل جاري، ودرى بمحبَّتي من النسيم، فأتحفني به، فهو على كل حالٍ داري، أعين طاقاته السبع ترى مِنْ كلِّ عينٍ منها النيل، وحديثُ اعتلالِ النَّسيم منه صح، ولا شيء أحسن مِنْ صحَّة العليل.
منها: والمملوك يخشى إن قصَّر في الوصف فوات ما أمَّل، ويخاف الفضيحة في آخر إن ورَّى في الوصف وأوَّل، ولولا علمه بفوائد مولانا في الإفضال، ما تجاسر على السُّؤال، وهو يتحقَّق الصَّفحَ عَنِ التَّقصير، فلا يطوّل بالمعاذير، وإن تكن الأخرى.
فما احتيالي إذا خُلِقْتُ فتى ... تجري بما ساءني حكم المقادير
نعم.
وما أنا خاشٍ أن تخيب وسائلي ... لديك ولكن أهنأ البرِّ عاجلُهْ
واللَّه تعالى يُديم بقاءه ما أُجيبَ سائل، ونسب أيده اللَّه في جرِّ ذيل الفخار في البيان إلى سحبان وائل، إن شاء اللَّه تعالى.
ومنها مِنْ أخرى كتبها إلى بعض الأكابر مِنَ الصعيد:
وكان المملوك أقسمَ أن لا بدَّ له مِنَ الانتقال، وسأل بعد أن أوقعه البَيْنُ في عثرته أن يقال، ولعبت به يمين النوى كما لعبت بالطَّلل ريحُ الشَّمال، وفارق ربيع الخضرة، فنومه بعدها محرم ودمعُهُ جمادى، وألبسته ليالي الفرقة السود، حين سلَّ بياضُ المشيب على رأسه سيوفًا حدادًا.
ولا ينكر سيدنا منِّي التَّقصير في هذه المكاتبة، فأنا على كلِّ حالٍ مسافر، وقد نهيت عزمي عن العود للنَّوى، فقال: إني مقلعٌ (١) قلت: إياك
стр. 739
أن تعود وحاذر، واللَّه المسؤول أن يسهّل المشقَّة، ويطوي هذه الشُّقَّة، فهو بتفصيل الحال عليم، وإذا انتهى الخَطْبُ الجسيم، تُوقِّعَ الفرج العظيم، واللَّه أسأل أن يقدر بخير.
ومنها من أخرى:
يقبِّل الأرضَ حيثُ سماء المكارم ليس دونها حجاب، ومنازل السَّعد التي لا طاقة للعُفاة بفراقها مُفتَّحة الأبواب، وخيام الفضل التي لا فواضل لها عن المجد ثابتة الأوتاد، قوية الأسباب والجبين طَلْقُ المحيَّا، واليمين ممدودة لطالب اليسار تقول: هيا، والمجد باقٍ إلى أن يلتقي من بأس سُهيل في الكواكب والثُّريَّا، وينهي وصول المثال الذي لو رآه الحريري، لعقد عليه الخناصر، لعلمه بأنه من الطراز الأول، فوقف له إجلالًا، وعليه اتباعًا لأوامره وامتثالًا، وقبل أحرفه على أنها الأسرَّة، وأسطره على أنَّها الأنامل التي تهبُ المسرَّة، وكحّل به طرفه، لأنه من النُّوراني، وروي عنه حديث المودَّة لما رآه مثبتًا، وودَّ لو أعطيَ لفظًا طائلًا، فأطاب (١) في وصفه وأطال، أو ذهنًا حديدًا، فقابل به ذلك الذهب (٢) السيّال، لكن ذِهْن المملوك تبلَّد في السَّفر، مع أنَّ نيرانَ قلبه ذكيّة، ورويّته مثل (٣) بديهته سقيمة مما قاساه (٤) دون البريّة. . .
إلى أن قال ما ختم به ما كتب به على "بديعية الوجيه العلوي" الماضي في أوائل الباب (٥): (زال) (٦) في سعادة لازمة له لزوم الهمزة للاستعلاء على ما ألف، وكان المبتدأ صدر الكلام (٧)، واللام للتَّعريف بعد الألف، ودام منادي عيشه لا يُرَخَّم، وأحمد زمانه لا ينصرف، وأدام تصرُّفَه بحكم اللسان والأقلام، وخدم مجلسه الكريم بأفضل التحيَّة والإكرام، والسلام.
стр. 740
ومنها من أخرى:
يقبِّلُ الأرض تقبيلًا هو عليه آكدُ مِنَ الفرض، ويُعربُ (١) عن طول الوُدِّ المبنىِّ إلى يوم العرض، وينهي شوقًا أقلق خاطره، ودمعًا أسهر ناظره، وتلهُّفًا على الحضرة التي غاب عنها، وتلهُّبًا (٢) على الجنَّة التي خرج منها.
ومنها من تعزية:
عفا اللَّه عنه وسامحه, وجعل سحائب الرضوان غادية عليه بنفحة طيبة ورائحة.
ومنها من أخرى:
يقبل الأرضُ متلهفًا على وجودها، متأسِّفًا على مفارقة كرمها وجودها، نادبًا على نفسه، نادمًا على مرافقته غيرَ نوعه ومفارقة أبناء جنسه، وإنما يتشكّى مَنْ به رمق.
ولا تحسبوا أنَّ الغريبَ الذي نأى ... ولكن مَنْ تَنْأوْنَ عنه غريبُ
ومنها من أخرى:
يقبل الأرض، وكيف له بذلك حقيقةً؟ وأنَّى له بالتَّمثُّل بين أيادي مخدومه الجليلة ولو قدْرَ دقيقة، ويبالغ في المدح بما لا يلقى وزيادة في نعمائه شقيقة, وينهي أنه قد فارق المخدوم قليل الصبر، بل عديمه، كثير الأرق، بل مستديمه، لا تمضي لحظة، إلا وذِكْر المولى شعاره، ولا طرفة عين إلَّا وأنيسه آثاره.
ومنها من أخرى:
يقبل الأرض، وكيف له بذلك؟ ومَنْ معينه على وُلُوج تلك المسالك، ونهاية مطلبه إحياء قلبه بالإقامة في الحضرة التي يأمَنُ فيها مِنَ المهالك. . . . . . . (٣) دار الهجرة ومالك.
стр. 741
ومنها من أخرى:
يقبل الأرض سقى اللَّه حماها، وحمى نبتها بعين رعايته وكلاها، وجعل خادمها من سائر الأسواء فداها، وينهي ورود المثال الكريم، فوقف عليه وما وقف عنه، وأطال ظامىء نظره إليه، ولم يبلغ الرِّيَّ منه، واستشفى به مِنَ النَّسيم لجسمه الناحل، واستسقى بميمون غُرَّته في البلد الماحل، واستغنى به عن الوسْمِيِّ والولي، وارتفع به مقداره، لأنّه (١) أتاه من عَلِيّ.
وإن لأخبارِ الأحبة فرحةً ... ولا فرحة المجهود فاجأه القطرُ
ومنها من أخرى:
مَنْ له بدار المولى التي كان إليها لا لها مهاجرًا، وبجامع محاسنه الأزهر الذي تسعى إليه النواظر على النواظر، وبعَروض محادثته لا عُروض تجارته التي دارت عليها الدوائر، وبكامل ودّه المثري مِنْ بحرِ كرمه بالمديد الوافر، وبإعراب فضله الذي لزم الحركات، فهو للأذهان سابح، وللهموم شافع، وللأحزان كاسر. . . .
إلى أن قال: وللَّه أيام قربه ما كان أعلنها بالحُسْنِ وأسرَّها (٢)، وليالي أنسه ما كان أحلاها وأمرّها، وما عنى المملوكُ إلا سُرعة المرور، لأن المرارة لا تُنسب إلى ليالي السرور.
ومنها من أخرى إلى من يُسمَّى شرف الدين:
يقبل الأرض ذات الشرف السامي، والفضل النامي، والفكرة التي إذا نظرت في بحور النظم تصيب البحر الطَّامي، والرويَّة التي تصيب الأغراض وافرة سهامها وناشرة إلى الرَّامي.
ومنها ما كتب به إلى القاضي نور الدين، وهو بالقدس الشريف:
стр. 742
من سرّه وطنٌ يومًا أقام به ... فإنني ساءني من بعدكم وطني
إنَّ الغريب الذي تنأى أحبَّتُه ... عن طرفه لا الذي ينأى عَنِ السَّكنِ
إن كنت أذنبتُ لمّا أن أقمتُ فقد ... أسأت والعفوَ أرجو يا أبا الحَسَنِ
سمَّى عليًّا كثيرٌ في الأنام ولم ... يُبْصَر سواك حكى معنى اسمه فكُنِ
يقبل الأرض التي فاحت أرجاؤها وتعطرت، وأشرقت أزهاها، فهي على الحالين نوّرت، وما هي إلَّا سماءً ذات نور، وشريعة فضل شرعت للورود، فشفتِ الصُّدور، وبُيوت رُفعت بذكر اللَّه، فجزم البُلغاء أنهم عن وصفها في قصور، فواشوقاه لذاك المحلّ الأقصى، فقد مللتُ مِنْ هذا المحلّ الأدنى، وواأسفاه على فراق تلك الذات التي حوت الحُسْنَ والحُسنى، ويا صِدْقَ لفظ مَنْ قال كأنه كان حاضرًا معنا:
ارْضَ لمن غاب عنك غيبتَه ... فذاك ذنبٌ عقابُه فيه
وينهى أنه ما برح على وظيفة الثناء بمصر بعد رحيل المخدوم مقيم، وإلى أخباره السَّارَّة كلَّما نظر إلى نجوم دموعه الحالَّة سقيم، وقلبه مِنْ توقُّد نار البُعد في تلهُّب، ولا عجب إذا تحرّق على فراق الصَّديق الحميم. أمَّا يدُ الحزن، فإنه أسيرُها، وأمَّا كثرة الأسقام، فعنده إكسيرُها، وقد أمسى بحزن نحوك لا ينفَدُ، مع أنه لا يشتكي إلَّا إلى اللَّه علا وجلّ، "وأقام جسده بمصر، ووصلت روحه القدس" كما يقال في الفل. وكيف لا، وفي قُرب المخدوم وهو أعلى قدرًا من الرئيسين: الشقاء والنجاة، ومن التجأ إلى جنابه أتاه شرف وجاه، فهب (أن ليالي) (١) افتراقه عديمة السُّرور، فظلمه النواحي، ولسان حالها (٢) يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
وكم مِنْ شِدَّه عَظُمت وجلَّتْ ... فأفضى الأمرُ فيها للرَّجاء (٣)
стр. 743
وما خطرت دواعي الشَّوق إلا ... هَزَزْتُ إليك أجنحة التَّصابي
واللَّه المسؤول أن يطوي هذه الشُّقَّة بلطفه المحرر، ويسهّل هذه المشقَّة على الجملة، فهو بتفصيل الحال أخبر، ويبقى المخدوم في مسرَّة لا ينقضي أمدُها، ونِعَم لا يحصى عددُها، ولطائفَ لا ينقطع مددُها، ما رُحم غريب، واشتاق الخليل إلى بيت المقدس إذا حلَّه حبيب بمنّه وكرمه.
ومنها من أخرى في جوابٍ عن لغز في "سحاب":
وقفت على هذا اللُّغزِ الكريم، لا زالت أيادي منشئه ممطَّرة بالمعاني العِذاب، وساكنة إلى يوم ترى الجبالَ تحسبها جامدةً، وهي تمرّ مرَّ السحاب، وأطال بقاءه ما غنَّت حمامة، ونُسِجَت عمامة، فوجدته كريمًا في أصله، وإن رُخِّمَ بتحريف كان مصدر فعله، وإن حوّل ثانيه أولًا وصُحّف، كان قلبه، وهو الطهور نجسًا، وإن ترك على حاله، صار إذا نشأ عنه ضحك الرياض معبسًا:
يبكي ليضحك نورُهُنَّ فيا لَهُ ... ضحكًا تولَّد عَنْ بُكاءِ سحابِ
وانتهيتُ بالقراءة إلى آخره، وإن كان فضل صاحبه غير متناه، ونبَّهني منهاج فضله تنبيهًا (١)، فقرأت كتاب الطهارة باب المياه، وتأمَّلتُ خطَّه، فرأيته إذ فاق في الكتابة آتاهُ اللَّه فنَّ البلاغة بغير حساب، ولمّا رأيتُ الغيث يهمي مِنْ أياديه، عرفتُ أنَّها هي السَّحابُ، واللَّه يحيي هذا المولى لهذا البحر، يجني مديده وطويله، ويسعد الدَّهر الذي نشأ فيه هذا الأصل (٢)، حفظ اللَّه منه اسمه ونسبه شمسه وأصيله، إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 744
ومن الثاني - أعني خُطَبَ كُتبه
قوله في خطبة كتاب "اختار دمية القصر" للباخرزي:
أما بعد حمدِ اللَّه الذي جعل لنا عن مريض المقال حِمية، وأهدى لنا أبكار المعاني، فانتخبنا منها هذه الدُّمية، وصلى اللَّه على سيدنا محمد الذي أُوتيَ جوامع الكَلِم، وعلى آله وصحبه الذين رُوِيَ في فضائلهم ما شُهر كالنجوم وعلم. . .
إلى أن قال: عفا عنه وسامحه، وجعل سحائب الرضوان غادية عليه بنفحة طيبة ورائحة. . .
حتى قال: وأسقطت ذِكرَ الرجل إن كان شعره نازل (١)، ولم ألتفت لتهويل المؤلف في ترجمته إن كان كلامه غير هائل.
ومنه خطبة كتاب "الضوء الشِّهابي":
أما بعد حمدِ اللَّه كما أمر على ما علَّم، وصلى اللَّه على سيدنا محمد الذي أنقذ به من العذاب وسلم، فقد أمر مَنْ طاعتُه حتْمٌ، وأمرُه المرفوع على الرؤوس جَزْم، أن أجمع له ما جَنَتْهُ يد فكري القصيرة مِنَ الزهور، وأُوردَ له ما شفيت به مِنَ المعاني القليلة الورود الصدور، وأختار ما فرطته سهامُ الرَّويَّة مما رميت به عرض الفكاهة، وإن كنت أبعدت مرماها، وأهدي إليه مِنْ بطون الأوراق عراثس أنتجتها بناتُ القريحة التي اسمها عين مسمَّاها، فأنتهيتُ إلى أمره المتعالي، وانتهيت عن خلاف رأيه الغالي، ورقمت طُرُزًا مذهبة، يتلثم الزَّهر خجلًا منها بالأكمام، وجعلتُ طاعته العمدة في بسط العذر، إذ لم يكن لي بعصيانه إلمام، فأتيت ما حَسُنَ صنعُه، ورفعت إلى حضرته العالية ما شُكِرَ وضعُه، مع أني أتطفل على مشايخ هذا الفن أن يهبَ كلُّ منهم على
стр. 745
أغصان هذه السطور الموائد مِنَ القبول نسيمًا، وأن يعيرها إذا بدت منها هفواتُ الصِّبا طرفًا حليمًا.
ومنه خطبة مجلد من "تذكرته الأدبية" فيه مختارهُ مِنْ نظم البرهان القيراطي ونثره:
أما بعد حمد اللَّه الذي زيَّن سماء الأدب بمطلع النَّيِّرين، وجمَّل بكلمات البرهان الباهرة كلَّ معاند، فكان في مصر صاحب الصِّناعتين، وصلى اللَّه على سيدنا محمد الذي أوتيَ جوامع الكلم، وعلى آله وصحبه الذين رُوي في فضائلهم ما اشتهر كالنجوم وعلم وسلم.
فهذا الجزء السادس والعشرون (١) من كتاب "التذكرة"، ابتدأت فيه بانتخاب "ديوان العلامة برهان الدين القيراطي الشافعي". وساق نسبه ومولده ووفاته، ﵀ وعفا عنه وسامحه، وجعل سحائب الرَّحمة غادية عليه بنفحة طيبة ورائحة، فانتدبتُ لانتخابه كما يجب، ومشى قلمي في طرق نظمه ونثره غير مضطرب، ورتبتُ ما انتخبتُ على الحروف، ليسهُلَ تناوله، وكتبتُ مِنْ ذهب ألفاظِه وجواهرِ معاشيه ما ينمو به للقيراطي عنه حاصله، ولعلَّ فيما تركتُ خيرًا مما كتبتُ، لأني قبضت يدي عن الإكثار، وهذا ممّا يبسط اعتذاري، ومشيتُ في انتخابه على قدر اختياري، واللَّه الموقق.
وخطبة آخر فيه "مختاره" مِنْ شعر المتقدمين:
الحمد للَّه الذي حسَّنَ لكل مختار مذهبًا، وصلى اللَّه على أشرف المرسلين محمد المجتبى، وعلى آله وسلم. . .
إلى أن قال: وهذا الاختيارُ لا ناقةَ لي فيه ولا جمل، ولا قول (٢) ولا
стр. 746
عمل، وإنَّما جمعتُ بفصِّه، وكتبتُه بنصِّه مِنْ كتاب "مطلع الفوائد" لخاتمة أهل الأدب جمال الدين بن نجاتة، فقد إقتصرت عليه، وجنحتُ إليه.
ثم قال: إنه زاد على ما اختاره الجمال، لا أنه مستدرك عليه، بل (للناس فيما يعشقون مذاهبُ).
وخطبة آخر: أما بعد حمد اللَّه على مجموع إحسانه، وصلى اللَّه على سيدنا محمد الذي أجرى الحكمة على لسانه، وعلى آله وسلامه.
ومن خطب استدعاءاته، ولم أظفر منها الآن بما يناسب عَلِىَّ مقامه، لينتفع بذلك من يَروم كتابة استدعاء:
الحمد للَّه رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الهادي مَنْ شاء إلى الصراط المستقيم, والدَّاعي إلى القيام بدينه القويم، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، رب السَّماوات والأرضين (١)، ومَنْ فيهما مِنَ الإنس والجنِّ والملائكة المقربين، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله إلى الخلق كافة، يدعوهم إلى الهدى المنير والحقِّ المبين. صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وفي خطبة أخرى:
واللَّه المسؤول أن ينفع بذلك، وأن يُشرِقَ أنوار علومهم إذا أظلم جُنحُ الجهلِ الحالك، وأن يجعلهم نجومًا يهتدي بها إلى الطريق القويم كلُّ سالك.
стр. 747
الفصل الرابع في المقترحات والمطارحات والألغاز البديعة الإيجاز
[المقترحات]
فمن الأول:
ما اقترح القاضي شهاب الدين المحلي عليه وعلى الشَّيخ غياث الدِّين ابن خواجا أن ينظما له في عشر درج عشرة أبيات في مدح مكة، والتشوُّق إليها في أصعب وزن ورَوِيِّ، فاتَّفق رأيُ مَنْ حضر أنَّ ذلك يكونُ في المديد، والرويُّ ظاءً منصوبة، فقال صاحب الترجمة:
إنَّ بيتَ اللَّه مَنْ حلَّ فيه ... مُحرِمًا يلقى الأماني ويحظا
حبَّذا ذاك المقام مقامًا ... قد كَفَتْ رؤيته لي وعظا
وهبَ اللَّه الذي قد أتاه ... مِنْ شرور الخلقِ أمْنًا وحِفْظًا
خيرُ دارٍ جاء منها رسولٌ ... لم يكن للصَّحبِ في الخلق فظًّا
رَبِّ قرِّب للحجازِ وُصولي ... إنَّ لي يا سيّدي فيه حظّا
أُمَّ بي أُمَّ القُرى فهي عَيْنٌ ... بالهُدى للقاصدي اللَّهِ يقظى
ولهم منها الرِّعايةُ لمّا ... لحَظَتْهُمْ بالعناية لحظَا
إنَّ مَنْ كان بها ذا غرام ... ليس يَصْلى قطُّ نارًا تلظَّى
стр. 748
طابَ مَدْحي في ثنائي عليها ... حبَّذا ذاك معنَى ولَفْظَا
سَعْدُ نظمي كون مدحي لها ... يا سَعْد في صَعْبِ القوافي كالظّا
وقال الغياث (١) المذكور:
إنَّ بالبيت العتيق اعتيادي ... مِنْ لَظى هجر به أتلظَّى
وإلى حِفْظِ الوِداد اعتنائي ... حفظ ودٍّ ساء أو دام لفظا
رقَّ قلبي مِنْ غليظ جفاءٍ ... أتُراه هل يرفُق غِلظا
مِنْ دموعي قد غدا القيظُ بردًا ... ومِنَ انفاسي ترى البرد قيظا
لستُ ممَّن للملامة يُصغي ... لائمي مُتْ -لستُ أرجِعُ- غيظا
ومتى أدعو بصدقِ صفاءٍ ... رمتُ أني لو بمروة أحظى
وأُناجي اللَّهَ في حجر إسماعيل ... فيما نابني منه وعظا
والتزامي ذيلَهُ بمقامٍ لم يخب ... داع وإن كان فظَّا
وبالأركان اليمين بأني ... لستُ أخفي مِنْ ثنائك لفظَا
وأُعيذُ الحسن منك بحفظ اللَّه ... ربِّ راحمٍ جلَّ حفظا
ومنه، وقد اقترح خمسةٌ ممَّن ينظمُ الشِّعر اجتمعوا بالطُّور عند توجُّه صاحب الترجمة إلى اليمن في سنة تسع وتسعين وسبعمائة- هم: صاحب الترجمة، والنَّجم محمد بن أبي بكر المُرجاني، والصَّلاح خليل بن محمد الأقفهسي، والرَّضيُّ أبو بكر بن أبي المعالي، والشَّرف- إنشادهم بيتًا بيتًا على الفور، آخرُ كلِّ بيتٍ أوَّلُ البيت الذي يُنشده الذي يلي المنشد، فتحصَّلَ لصاحبِ التَّرجمة ممَّا نظمه بديهةً في ذلك المجلس هذه الأبيات:
أهوى هواك ودعه لا ... يُبقي عليَّ ولا يَذَرْ
نام الخَلِىُّ ولم أنمْ ... والعِشقُ أيسَرُه السَّهَرْ
стр. 749
لاموا المُحِبَّ وما دَرَوْا ... أنَّ الهوى سَبَبُ الظَّفَرْ
رُحْ يا عذولُ (١) فإنَّ في ... حالِ المتَيَّمِ معتَبَرْ
بان الحبيبُ وقد صَبَا ... قلبي إليه وما صَبَرْ
نجمٌ يروقك بالضِّيا ... وفي الحَشَا منه شَرَرْ
تمَّت مَحاسِنُ وجهِهِ ... والبَدْرُ ينقُصُ إن سَفَرْ
قَمَرَ العُقولَ بحُسنِهِ ... مِنْ أجل ذا قالوا: قَمَرْ
أبكى ويغدُو ضاحكًا ... كالبَرْقِ عُقباه المَطَرْ
لا بدَّ لي منه خيا ... لَا غابَ أو شَخْصًا حَضَرْ (٢)
كم لي ربيعٌ بالحبيبِ ... وطَيْرُ أسعدِنا صَفَرْ
كان العَذُولُ يلُومُني ... فمذِ انْجلى بَدْري عَذَرْ
للَّه مَجْلِسُ لَذَّةٍ ... فالأنْسُ فيه مُدَّكَرْ
فمُدامُنا رَقَّت كما ... رقَّ النَّسيمُ مِنَ الكَدَرْ
والنَّهْرُ يخفِقُ قلبُه ... فرحًا بقَدِّكَ إنْ خطَرْ
والطَّيْرُ إذْ غَنَّا حبانا الـ ... ـغُصْنُ منثُورَ الزَّهَرْ
لا تَبْقَ لذَّةُ ساعةٍ ... تأتي كَلَمْحٍ بالبصرْ (٣)
واصْبِرْ لكَيْ تحظى فما ... صَبَرَ امرؤٌ إلَّا قَدَرْ
وإذا دنا منها الثَّوى ... فالرَّبُّ أولى مَنْ غَفَرْ
وقد أسقط منها ما لم يرتضه الناظم.
стр. 750
واجتمعوا أيضًا على النظم بديهةَ في قافية النُّون مِنَ الوافر، فقال شيخنا:
جُنوني في محبَّتِكُتم فنونُ ... وقصدُ سواكم ما لا يكونُ
فقال النَّجم المُرجاني:
ولم أُضْمِر سُلوًّا عَن هواكُم ... لأنَّ وِدادَكم عندي كمينُ
فقال الأقفهسيُّ:
وعُذَّالي تحَرِّكُني لأسلُو ... حبيبًا في الفُؤادِ لَهُ سكونُ
فقال شيخنا:
وكم لي في هواكم مِنْ شُجُونٍ ... حديثُ محبتي فيها شجونُ
فقال الأقفهسيُّ:
على أنِّي وإن بَعُدَ التَّلاقي ... مُحِبٌّ لا أمين ولا أخُونُ
فقال الرَّضيُّ:
وكم أضْمَرْتُ في قلبي هواكم ... زمانًا والدموع له تُبينُ
فقال الشَّرفُ:
وكم يَسْعَونَ في تَلَفِي لأنِّي ... محِبٌّ لا تغيِّرُه الظُّنُونُ
فقال شيخنا:
وعُذَّالُ المحبِّ على هواكم ... لهُمْ دِينٌ وللعشَّاق دِينُ
فقال: المُرجانيُّ:
وكم سهرت عُيوني في هواكم ... وقد نامت لعُذَّالي عُيونُ
стр. 751
فقال الرَّضيُّ:
وما أدري أغيٌّ أمْ رشادٌ ... جفاكم والهوى داءٌ دفينُ
فقال الشَّرفُ:
نُجومُ اللَّيلِ تشهَد أنَّ دَمعي ... غزيرٌ والدُّمُوع لها شؤونُ
فقال شيخُنا:
فدمعي بعد عِزَّتِه مَهينٌ ... وجِسمي مِنْ سُقامي لا يَبينُ
فقال النَّجمُ:
ومَنْ لم يَعْشُ عَن ذكرى حبيبٍ ... فكيف له مِنَ اللَّاحي قرينُ
وهذه الأبيات مختار ما قيل، لأنها كانت أكثرَ مِنْ ذلك.
واقترح صاحب التَّرجمة في سنة سبع وتسعين على الصَّدر علي ابن الأمين محمد بن محمد الدمشقي ابن الأدمي أن يعمل على نمط (١) قوله مما يُقرأ على وزنين وقافيتين مِنْ كلمة، وهو ممَّا انفرد بالسَّبق به، وكذا اقترحه على غيره مِنْ أُدباء عصره، وهُما (٢) أول ما نظمهما صاحبُ الترجمة في ذلك.
نسيمكم يُنعشني والدُّجى طال ... فَمَنْ لي بمجيء الصَّباح
ويا صِبَاحَ الوَجْهِ فارَقْتُكُم ... فَشِبْتُ همًّا إذ فَقَدتُ الصِّبَاح
فقال الصدر ما أنشده لصاحب الترجمة بعدُ بسنين، وكان عملهما قبلُ:
يا مُتهمي بالصَّبر (٣) كُن مُنجدي ... ولا تُطل رفضي فإني عليل
стр. 752
أنتَ خليلي فَبِحَقِّ الهَوَى ... كُنْ لشجُوني راحمًا يا خَليل
وممَّا نظمه صاحبُ الترجمة فيما يقرأ على وزنين (١) أيضًا:
ثَوَيْث فيكم راجيًا مِنْكُمُ ... أجر الهوى دهرًا فضاعَ الثَّوابْ
ردُّوا جوابي ودَعُوني أَمُتْ ... جوى فما منُّوا ولا بالجَوابْ
وله [كالذي قبله في البيت الثاني فقط] (٢):
مدحي في علاكمُ ... والسَّمَاح الذي هَمَا
قَدْ عَلَتْ في ارتفاعها ... كيف لا وهي في السَّمَاح
ونظم صاحبُ التَّرجمة في مبادي نظمه -قال: أظنُّه في سنة ثلاث وتسعين- قصيدة جاء منها:
أرعى النُّجوم كأنِّي رُمْتُ أحْصُرُهَا ... بالعدِّ إذ طال بعدَ البَدرِ تَسْهيدي
وكم أعدِّدُ إذْ أبكي على قمري ... والأُفْقُ قد ملَّ في الحالَيْن تعديدي
قال: وحسِبْتُ أنني انفردت (٣) بهذا المعنى، لأنني لم أره في أشعار مَنْ تقدَّمَ إلَّا جِناسًا، فأنشدتُ لصاحبي القاضي بدر الدين المخزومي ابن الدماميني قصيدة نظمها في سنة خمس وتسعين، جاء منها قوله:
خليليَّ إنِّي فُتِنْتُ لِشقْوَتي ... بَوَسْنَان طَرْفي فيه بالوجد سهَّدا
يَرومان تعديدًا لأوصافِ حُسْنِه ... عليَّ وقد مِتُّ اشتياقًا فعدِّدا
وتذاكرت أنا والمجد (٤) بن مكانس، فأنشدني لنفسه مِنْ قصيدة ذكر لي أنَّها متقدمة النَّظم، لعلّه نظمها قبل التسعين، جاء منها قوله:
стр. 753
وعاذلي مُذْ رأى ضُلوعي ... تُعَدُّ سُقمًا بكى وعدَّدْ
فطال تعجّبي من تجاذبنا الثَّلاثة أهدابَ هذا المعنى، ولعلّ أحدنا لم يطلع على نظم الآخر قبل ذلك، وتوارد الخاطر في المعاني يصح، ولا يكاد يصحُّ في الألفاظ إلَّا في النادر.
[قلت: وللمجد أيضًا من أبيات قوله:
ويسرّ ناظرنا بعدِّ صفاته ... واعَجْبُ لمسرُورِ الفؤاد يُعدِّدُ
واللَّه الموفق] (١):
وتذاكر صاحبُ الترجمة هو والمجدُ فضل اللَّه بن مكانس الموشحات والخرجات الزَّجليَّة، وما اخترعه (٢) القاضي السعيد مِنْ جَعْلِ الخرجة بالفارسية، ولكن أغربَ بها، وأذهبَ رونقها، فقال صاحبُ الترجمة للمجد: إنِّي أريدُ أن أنظِمَ موشَّحًا أجعلُ خرجته تركيَّة، ولكنها مفهومةٌ معلومة، فاستجادَ ذلك، وقال له: ظهرتْ لي خرجةٌ وفيها تورية، فتفكّر صاحبُ الترجمة أيضًا، وظفر بأخرى بتورية، وتفارقا على النَّظْم، فنظم المجدُ:
هم حملوا وساروا ... بل اعتذروا وجاروا فاشتكيهم لمنْ
سارُوا بمن سيأتي عني بِزَعْمه
وصدَّني زماني عَنْ رَشْفِ ظَلْمِهِ
والبحرُ (٣) قَدْ رَمَاني عمدًا بظُلْمِهِ
فمدمعي بحارٌ وليس لي قرارٌ ... والوَجْدُ عندي سكنْ
ما كان رأي حبي أفديه ذا النَّوى
ولا عذاب قلبي بالبَيْنِ والجوى
стр. 754
فاحْذَرْ كُفيتَ كربي تغترّ بالهوى
فعِتقُه إسارُ وأُنْسُه نِفَارُ ... والسِّرُّ فيه عَلَنْ
قل للجفون تذري دمعي غمائما
حتى يعودَ بدري إليَّ سالِمَا
حتَّى يصيرَ دهري بالوصل راحما
ويقرُبُ المزارُ ويرجعُ المسارُ ... ويصطفيني الزَّمنْ
أفديه مِنْ غزالٍ للتُّرك أصلُهُ
قد فاق في الجمالِ فعزَّ مثلُهُ
وجاء بالوِصال فجلَّ فعلُهُ
له الحشا دثارُ له الوفا ... شعارُ له عليَّ المِنَنْ
ظبيٌ بديعُ حُسْنٍ كالبدرِ في التَّمامْ
عِذارُه مَسَنِّي وطرفُه حُسامْ
فَرُحْ إليه عني بالكُتْب والسَّلامْ
وانظُر إلى عذار وبهجة اخضرارٍ ... وقل لو يخشى مَسَنْ
وقال صاحب الترجمة:
صِلْ قاصِدًا قَدْ أمَّلَكْ ... إذْ لَمْ تَجِدْ فَتًى حُرْ
فأنتَ عِقْدٌ مِثْمِنُ ... لم تفتقر لواسطهْ
وأنت شكلٌ حسنُ ... والجودُ فيكَ ضابطَهْ
فلا تَقُلْ يا مُحسِنُ ... هذا الثَّنا مغالطَهْ
فالوَصْفُ لن يُمَثِّلَك (١) ... لكل صبٍّ يشعرْ
بالطَّيْف قَدْ وعدتني ... كيف وطَرْفي ما هَجَعْ
стр. 755
وسار مُذْ فارقْتَني ... وراك قلبي ما انْقَطعْ
فارْحَمْهُ فهو قَدْ فَنِي ... وانظُر لَهُ فيما صَنَعُ
فإنَّه فيك هَلكْ ... ومسَّه منْكَ الضُّرْ
جُنِنْتُ مِنْ نومِ النَّوى ... فارْحَم سَلِمْتَ مَصْرَعِي
وبان مكتومُ الهَوى ... مُذْ بلَّ جَيْبِي مَدْمَعي
ولَيْسَ لي عَيْشٌ سِوَى ... إنْ رَدَّ محبوبي معي
يا قمري قَلْبي فَلَكْ ... سِرْ فيه فهو قد سُرْ
واطْوِ شُقَّةَ السَّفَرْ ... يا بَدْرُ وانعَمْ باللِّقَا
واعْدِل إليَّ يا قَمَرْ ... وفيَّ إنِّي في شَقَا
وقلتُ لمَّا أن خطَرْ ... باللَّه يا غُصْنَ النَّقَا
سُبْحَانَ ربِّ عدَّلكْ ... قِفْ لي قليلًا أنْظُرْ
وشادنٍ مِنَ الخَطَا ... يَقْتُلُني بالعَمَدِ
زارَ فَقُلْتُ إذْ سَطَا ... بِلَحْظِهِ كالهِنْدِي
واصِلْ وكُنْ مُشْتَرِطَا ... ما شِئتَ فهو عِنْدِي
قال هاتْ ذَهَبْ وادُورْ لك ... فَقُلْتُ: لَوْ تَخْشَى دُرْ
قال صاحب الترجمة: وولَّد لي هذا المعنى أن قلت:
يا أيُّها الحَسَنُ صِلْني ... مَسَّ قلبي بالجَفَا ضُرْ
بالَّذي يُبْقِيكَ يا ... مالك رِقِّي يا بها دُر
وقلت أيضًا:
ومُهَفْهَفٍ قَد مَسَّني ... مِنْ حبِّه وصَبٌ وضُر
إِنْ قُلْتُ صِلْني قال هات ... أقول خُذْ ذَهَبًا ودُرْ
وأنشد البدرُ الدَّماميني في الاكتفاء، قال: وفيه زيادة:
стр. 756
رعىَ اللَّه دهرًا فيه أسماءُ واصَلَتْ ... وجادت لنا بَعْدَ القَطِيعَةِ بالنُّعمى
وشَّنَفَتِ الأسماع أسمارُ ذِكْرِها ... وأسماؤها تُتلى فيا لَكِ مِنْ أسْمَا
قال صاحب الترجمة: فاكتفى بأسما عَنِ الأسماع والأسمار والأسماء، ففيه أربعة. ولمَّا أنشدني ذلك، نظمت بحضرته، ولعلَّ فيه خمسة:
أُطِيلُ الملال لِمَنْ لامَنِي ... وأملأُ في الرَّوْضِ كأسَ الطِّلا
وأهْوَى الملاهِي وطِيبَ الملاذِ ... فها أنَا مُنْهَمِكٌ في المَلا
وأنشد -يعني البدر- لنفسه في ذلك، يعني الاكتفاء:
برُوحِيَ أحمي غادةً قد تَطَلَّعَتْ ... إليَّ فما أصْغَيْتُ للعاذِلِ العَوَّا
وأمطرتُ دَمْعِي إذ فَنيتُ على الحِمَى ... بأنواع أنوارٍ فيا حَبَّذا الأنْوَا
قال [صاحب الترجمة] (١): فنظمت أنا في مثله:
حَبِيبي إنَّ العَيْشَ في الوَصْلِ فاسْتَرِحْ ... إليه ولا تَرْحَلْ ولا تركَبِ الفَلَا
وإيَّاكَ لا تَصْعَدْ قلاعًا ولا تُنِخْ ... قلاصًا ومَهْمَا اسْطَعْتَ فاجْتَنِبِ القِلَا
ونظم المجد بنُ مكانس فيه:
لَمَسْتُ النَّواعِمَ يَوْمَ الوَدَاعِ ... وأنْعَشَ حِبِّي بِلَثْمِي القُوَى
وأبْدَى النَّوادِرَ لي فاعْجَبُوا ... لِمَنْ طابَ في عِشْقِهِ بالنَّوَى
стр. 757
[المطارحات]
وأما المطارحات، وقد أتيتُ بما وقفتُ عليه منها مرتبًا على الحروف.
فكتب له البرهانُ إبراهيم بن إسماعيل الجُحاني في ربيع الآخر سنة ثمانمائة، وهو بتعر، قصيدةً يمدحه بها ويهنئه بالسَّلامة، فقال:
شُكرًا لِسَير السَّابقاتِ العِرَابْ ... الأعوجِيَّاتِ بناتِ الغرابْ
وللمهارى الَّتي لم تَزَلْ ... تخوضُ في الفَيْفَا لُجَّ السَّرابْ
كالسَّيْل في السَّيْر انْسِكَابًا فما ... الغَبْراءُ في ذلك أو ماءٍ سكابْ
وللجواري المُنْشَآتِ الَّتي ... كأنَّها بَيْنَ الحَباب الحُبابْ
يا حُسْنَها ماذا تلقت لنا ... بُطون هدي مِنْ ظُهورِ الرِّكابْ
ما إنْ رأيْنَا أبدًا مِثْلَها ... ولا سمعنا في الحَدِيثِ العُجَابْ
شَفَتْ عُبابَ البَحْرِ فاعْجَبْ لها ... وقُوفها بحرَ علومٍ عُبابْ
شكرًا لها شُكْر رياضِ الرُّبى ... على الَّذي أوَّلَتهُ أيدي السَّحَابْ
قرَّبْنَ مِنَّا بَعْدَ بُعْدِ (١) المَدَى ... إنسَانَ عَيْنِ الأدَبِ المُسْتَطابْ
مُحيي مواتِ الأدبِ المُنْتَقَى ... أحمدًا المحْمُود (٢) عالي الجنابْ
كنَّا عَنِ الآدَابِ في ظُلْمِةٍ ... حتَّى انجَلَتْ عنَّا بضَوْءِ الشِّهَابْ
стр. 758
ترشفُ آذانُنا منه ما ... يفُوقُ في الأفْوَاهِ رَشْفَ الرُّضَابْ
كأنَّما الطَّائيُّ مِنْ قَبْلُ قَدْ ... كُوشِفَ فيه فَرَضِي بالإيابْ
نَظْمٌ أرانا أو سَهْمُ نَعْجةٍ ... يرى أبَاهُ حجرًا كالتُّرابْ
وهذه الأحجار لا تستوي ... كم حجر يجري بتِبْرٍ مذابْ
تخالنا منها سكارى وما ... دارت بأيدينا كؤوس الشَّرابْ
أطربنا حتى ظنّناه قد ... عاودنا بعدَ المشيبِ الشبابْ
قريحةٌ ما حَاوَلَتْ مُشْكِلًا ... إلَّا أصابَتْ منه عَيْنَ الصَّوابْ
فكَلَّفَتْني بعد إغْلاقِ باب ... للمَدْحِ في مَدْحي له فَتْحَ بَابْ
وكنت في مندوحةٍ عنه لو ... وقفت ما سطرتُه في كتابْ
يَظُنُّ نَظْمَ الشِّعرِ إرثًا (١) ومَنْ ... صَوَّبَ فيه الفِكْرَ ألفَاهُ صَابْ
فاسْتُر شِهابَ الدِّين ما لَاحَ مِنْ ... عُيوبِ شعر حقُّه أن يُعابْ
وهاكها عاجرةً لمْ أقُل ... خُذْهَا حياءً مِنْكَ بكرًا كعَابْ
أسْبِلْ عَلَيْهَا ثَوْبَ سِتْرٍ يَكُنْ ... إسبال ثَوْبِ السِّتْرِ عَنْها ثَوَابْ
لا أقْتَضِي عَنْهَا جَوابًا سِوَى ... الإغضاءِ فالإغضاءُ أوْفَى جَوَابْ
وافْخَرْ وَقُلْ ما شِئْتَ واسْعَدْ فَقَدْ ... أُوتِيتَ يا أحمدُ فَصْل الخِطَابْ
فأجابه:
أهلًا بها حسناء رُودِ الشَّباب ... وافت لنا سافرة للنِّقابْ
مفترَّةٍ عَنْ جوهرٍ رائع ... لكنَّ مأواه البُحورُ (٢) العذابْ
جادت بوصلٍ ناعمٍ أنعَشَتْ ... به فؤادَ الصَّبِّ بعدَ التِهَابْ
فأسكَرَتْنَا بأحاديثها ... فلم نَذُق منه كأس الشَّرابْ
стр. 759
فما كؤوس الشُّرْب مَلأى طِلَا ... أرفعُ مِنْهَا للنُّهى بانتهابْ
وما الرِّياضُ الزَّاهِرَاتُ الرُّبى ... جادَ لها الغيثُ بفرْطِ انْسكابْ
غنّى غَنِيَّ الوُرْقِ أوراقَها ... فَنَقَطَتْ عُجْبًا بدُرِّ السِّحابْ
فراقتِ الأبصارَ أغصانُها ... وأطرب الأسماع (١) وقعُ الرَّبابْ
يومًا بأبْهَى مِنْ حديثٍ لَهَا ... أحيا مواتَ الأدَبِ المُسْتَطابْ
أهدى لنا كانونُ أزهارِها ... فقلتُ يا بُشْرايَ نيسانُ آبْ
قبَّلْتُها ثمَّ ترشَّفْتُها ... وما تجاوَزْتُ الرِّضَا بالرُّضَابْ
كأنها نابَتْ قصيدًا زَهَتْ ... مِنْ نظمِ إبراهيمَ أدنى منابْ
ذُو النَّظمِ كالغَيْثِ انسجَامًا إذا ... دعاه لا يخطىءُ صَوبَ الصَّوابْ
والسَّجْعُ يُزْري بحمامِ الحِمَى ... بالحكمة الغَرَّا وفَصْلِ الخِطَابْ
فالنَّثْرُ كالنَّثْرَة والشِّعر كالشِّعرى ... ضياءً فاق ضَوءَ الشِّهابْ
هذا إلى عِلْمٍ وحِلْمٍ إلى ... فصلٍ وفضلٍ جائدٍ للطِّلابْ
مولاي هذي خِدْمَةٌ قصَّرَتْ ... بالعجزِ عَنْ نظمٍ إذا طالَ طابْ
بتُّ بها في ليلتي ظامِئًا ... أرومُ تَغويضَ الشَّرابِ السَّرابْ
أضرِبُ أخماسي بأسداسِها ... ولا يدورُ النَّظمُ لي في حِسَابْ
أُثِبْتُ عَنْ مُرجانِكم بالحَصَى ... فاللَّه يَجْزيكَ جزيلَ الثَّوابْ
اللَّهَ في صبِّ جَفَاهُ الكَرَى ... والأهْلُ والدَّارُ وطِيبُ الشَّبابْ
عطفًا على مبتدأ تابع ... مِلَّةَ إبراهيم فيما أجابْ
فافتح له بالصِّفْحِ بابَ الرِّضا ... وسُدَّ عَنْ أخلالِه كلَّ باب
وهاتِ فَسِّرْ ما اسمُ ذاتٍ إذا ... ما صَحَّفُوه كان مأوى الرُّضَاب
وإن تبدّل بعد ذا أولًا ... منه ترى لُغزًا يَرُومُ الجَوَابْ
стр. 760
وابْقَ قريرَ العَيْنِ تَحْظَى بها ... مِنْ نعم عالي الذُّرَى والجَنَابْ
ما لاحَ نجمٌ في رِيَاضٍ ومَا ... أشرقَ في أُفْق سماءٍ وغابْ
فكتب إليه الجُحَافي المذكورُ مجيبًا له مِنَ الشعر (١) المذكور، ومُلغزًا على سبيل المداعبة، وذلك في توجّه صاحب التَّرجمة إلى عدن، فقال:
أروضةٌ جادَ عليها العمام ... غنَّاء غنَّى في رُباها الحَمَامْ
أم فارةُ المِسْكِ الذّكِيِّ التي ... تضوَّعت إن فُضَّ عنها الخِتَامْ
أم غادةٌ زُفَّتْ إلى مُغْرَمٍ ... بها مُعَنَّى كَلِفٌ مُستهامْ
أم الدَّاراري الزُّهْرُ قد قُلِّدَتْ ... بالدُّرِّ نَظْمًا واللآلي التزَامْ
أم نظمُ شعرٍ فائقٍ رائقٍ ... خُصِصْتَ فيه دُونَ كلِّ الأنامْ
فضاءَ مِنْ ضَوْءِ شِهابِ الهُدى ... والدين حظي وتجلَّى الظَّلامْ
كفَضْلِه فليكُنِ الفَضْلُ أوْ ... كفعله فليكُ فَعْلُ الكرامْ
مَنْ كان في فنٍّ إمامًا فها ... ذا أحمدُ في كلِّ فنٍّ إمامْ
يستخدمُ النَّجم ولا غَرْوَ أن ... يستخدمُ الشُّهْبَ الشهابُ الإمامْ
عجبتُ منه (٢) كيف يرضى ... بتلقيب شهابٍ وهو بَدْرُ التَّمامْ
عوَّضني عن سَبَجٍ جوهرًا ... وزانه فَضْلًا بِحُسْنِ النِّظامْ
هذا هو السِّحر الحلالُ الذي ... غدا على مُنْتَحِليه حرامْ
فلم أزَلْ أحمد يا أحمدُ ما ... أولَيْتَنيه مِنْ أيادٍ جِسَامْ
أنْعَشْتَ فكري بعد ما كنتُ قد ... أهملتُ شعري منذُ عشرينَ عامْ
وجاءني اللُّغزُ الذي قد نبا ... عَنْ فضلِه سيفُ افتكاري الكَهَامْ
فقلتُ لمَّا جاءني منك ما ... معناه يُزري بالمعاني الوسام
стр. 761
تَعَزَّ يا مولايَ حتَّى ترى ... عزيزَ مصر في المعالي وشامْ
وهاك ذا اسمٌ هو فعلٌ مَتَى ... وافيتُموه ورحَلْتُم أقامْ
وإن ترد عكسًا تدع عكسَه ... كيلا تراه مسافرًا للِّثامْ
وكم ودِدنا بعد تصحيفه ... ومَنْ لنا فيه بعَذْبِ الغمامْ
واعذُر مُحِبًّا لم يَذُقْ طرفُه ... بعدك معنى مِنْ معاني الكلامْ
وقِفْ وسافِر حيثُ ما تشتهي ... عليكَ منِّي حيثُ كنتَ السَّلامْ
وكتب في سنة تسع وتسعين إلى الشيخ برهان الدين إبراهيم بن زُقَاعة:
تطلبتُ إذنًا بالرِّواية عنكمُ ... فعادَ بكم إيصالُ برٍّ وإحسانِ
لترفعَ مقداري وتخفِضَ حاسدي ... وأفخرُ بَيْنَ الطَّالبين ببُرهانِ
فأجابه البرهان (١):
أجزتُ شهابَ الدِّين دامت حياتُه ... بكلِّ حديثٍ جازَ سمعي بإتقانِ
وفقهٍ وتاريخٍ وشعرٍ روَيْتُهُ ... وما سَمِعَتْ أذْني وقال لِسَاني
وكتب إليه القاضي العلَّامة الشَّرفُ إسماعيلُ بن أبي بكر بن المقرىء صاحب "عنوان الشرف"، ومِنْ خطّه نقلت:
قُلْ للشهاب ابنِ عليِّ ابنِ حَجَرْ ... سُورًا على مودتي مِنَ الغِيَرْ
فسُور وُدِّي فيك (٢) قد بيَّنْتُه ... مِنَ الصفا والمَرْوَتين والحَجَرْ
стр. 762
قلت: ولما اجتمع بالوليِّ العراقي رحمهما اللَّه، قال له أنت القائل: (قل للشهاب)، وذكرهما، [قال: نعم] (١) فأجابه [صاحب الترجمة] (٢):
عوذت سُورَ الوُدِّ فيكَ بالسُّورْ ... فهو على العلماء بالحُكْمِ حَجَرْ
يا مِنْ رقى في المجدِ أنْهَى غايةٍ ... بالحقِّ أعْيَتْ مَنْ مَضَى ومَنْ غَبَرْ
فضلُ سواكَ مدَّعى أو ناقصٌ ... كأنه "إنَّ" أتَتْ بلا خَبَرْ
وأنتَ إسماعيلُ بالصِّدْقِ له ... وصفٌ على الوَرَى به قَدْ افْتَخَرْ
ذو قعدة في أُفْقِ مَجْدٍ ثابتٍ ... بمدحها طيرُ السُّعودِ قد صَفَرْ
وهِمِّة في السَّبْقِ لمَّا أن سَمَتْ ... لم تَرَ عَيْنٌ في الثَّرى لها أثَرْ
يا أيُّها القاضي الذي مرادُه ... يأتي به حُكْمُ القضاء والقدَرْ
إذا أرادَ اللَّه أمرًا لم يَكُنْ ... له (٣) تأخُّرٌ إلَّا كَلَمْحٍ بالبَصَرْ
فاضت بفضله المحالب التي (٤) ... فاقت بمجده الذي قد اشتهرْ
دَرَّ له ضَرْعُ الكلام (٥) حافلًا ... حتَّى احتوى على المعاني واقتدرْ (٦)
وكتب إليه الأمير غرسُ الدين خليل ما سمعتُه ينشده لصاحب الترجمة، وهو قوله:
وقائلةٍ مَنْ في القُضاة بأسرِهِمْ ... يُلازِمُ تقوى اللَّه طُرًّا بلا ضَجَرْ
ويرؤُفُ في الأحكامِ بالخَلْقِ كلِّهم ... ويدعو لهم في كلِّ ليلٍ إلى السَّحَرْ
فقلتُ لها: فهو الإمام أولو النُّهى ... وذاك شهابُ العسقلاني بني حجرْ
له كتبٌ في كلّ فنٍّ لقارىءٍ ... وشرحٌ عجيبٌ للبخاري مِنَ الخَبَرْ
стр. 763
وفي النَّحوِ والتَّصريفِ لم يُرَ مثلُه ... كذا في المعاني والبيان وفي الأثَرْ
فأجابه صاحب الترجمة بما كتبته عنه أيضًا:
أيا غرسَ فضلٍ أثمرَ العلمَ والنَّدى ... فلّلهِ ما أزكى وما أطْيَبَ الثَّمرْ
يجودُ ويُنشي بالغًا ما أرادَهُ ... فمستطلعُ دُرًّا ومستنزلُ الدُّرَرْ
لكَ الخيرُ قد حرَّكْتَ بالنَّظْمِ خاطرًا ... له مدّةٌ في العُمْرِ ولَّت (١) وما شَعَرْ
وقلَّدْتَ جيدي طَوْقَ نُعْمَاك جائدًا ... فعالًا ونطقًا صادَفَ الخُبْرَ والخَبَرْ
مناسبةُ اسْمَيْنا خليلٌ وأحمدٌ ... لرأسِ أولِي النَّظْمِ الإمام الذي غَبَرْ
وكتب إليه أيضًا مطالعة تتضمَّن وُقوعَ الطَّاعونِ بالشَّام، أولها:
نسأل اللَّه بمدحٍ وغَرَلْ ... عادلٍ في الحُكْمِ ولَّى وعزلْ
أنْ يمتِّعكُمْ بعمرٍ لم يَزَلْ ... في حماية ربِّنا ممَّا نزلْ
فأجابه بقوله:
أسألُ الرحمن لي ... ولكم حِفْظًا وصَوْنًا مِنْ وجلْ
أنتَ نِعْمَ الذُّخْرِ والمولى الأجَلْ ... وخليل الودِّ ما دامَ الأجلْ
وكتب في سنة عشرٍ وثمانمائة لقاضي القُضاة جلال الدين البلقيني يعاتبه على تركه عيادته وهو ضعيف:
قُلْ لقاضي القُضاة ما ضرَّ لو ... عُدْتَ فتًى جِسْمُه ضنًى مجذوذُ
لي عليكُم دُونَ الأنامِ حقُوقٌ ... سبعةٌ ذِكْرُهُنّ عندي لذيذُ
صاحبٌ تابعٌ محبُّ نسيبٌ ... بلديٌّ مجاورٌ تلميذُ
إن يكُنْ هجرُكُمْ لذنبٍ فبالَّـ ... ـلهِ تعالى مِنْ زلَّتي أستعيذُ
стр. 764
فأجابه، ومِنْ خطّه نقلت:
ليس في صُحبتي وصحَّة حُبي ... قادحٌ مُضْعِفٌ وليس شُذُوذُ
أنا لا أنثني عَنِ الوُدِّ دهري ... كيف إمكانُه وكلِّي أخيذُ
خاطري عندكُم كذلك بالي ... وعلى سُقْمِكُم فقلبي حَنيذُ
غيبتي هَفْوَةٌ فعفُوكَ عنها ... إنني بالولا فيك أعوذُ
وكتب إليه الزَّين عبد الرحيم، ومِنْ خطه نقلت:
أمُسْتَعِبدَ الأحرارِ بالعلم قد رأوا ... وبِرِقِّهِمْ فضلًا عليهم وواجِبَهْ
وملحقَ إحسانٍ بسابق مثلِه ... جزيل عطاياه بغير محاسبَهْ
وناصبَ فخٍّ للقُلوب بفضله ... فكم صادَ مِنْ قلبٍ ولا زال ناصِبَهْ
لئنْ جاء شقيقي سائلًا في كتابِكُم ... فلي شأْوُ سُبَّاقٌ ولي فيه شائبهْ
تغاضِيكَ أغراني إلى طمعٍ به ... وإهمالِ أزمانٍ وتركِ المطالبَهْ
وقد أحضر المملوكُ ما كان قَبْلَه ... فما خُوطب المملُوك فيه بخاطبهْ
ولي فيك آمالٌ إلى الآن ما انقضَتْ ... مدى الدّهر ما أرجعتها قطُّ خائبهْ (١)
وعوَّدتها صدق الوَفا فتَعوَّدت ... وفي كلّ ما تولى بها منك صائبَهْ
متى كنت مأمولَ المكارم والعطا ... وأرجَعْتَ مَنْ يأتي بآمال كاذِبَهْ
فعجِّل بما أرجُوه يا لك مُحسِنًا ... بإحسانه كلُّ الخلائق قاطِبَهْ
وأما أخي فالصَّالحيُّ يُجيبُه ... بأنِّيَ مِنْ قبلُ التمسْتُ مواهِبَهْ
بظاهره فاكتُبْ بما أنتَ أهلُه ... فكم لك أمثالي (٢) أرِقّا مكاتبَهْ
فأجابه على الفور:
стр. 765
أمولاي زينَ الدِّينِ والفاضل الذي ... بِصيدِ الثَّنَا صحّت لديه المناصِبَهْ
أتاني سؤالٌ فيه مدحٌ ومطلبٌ ... فللَّه مَدْحًا ما أعزَّ مطالبَهْ
يقولُ الذي أغرى إلى طمعٍ به ... تمادي أزمانٍ وتَرْكِ المطالبَهْ
فديتُك ماذا مذهبُ العبدِ بل عَزَوْا ... إلى مالكٍ قولًا ضعيفَ المناسبَهْ
فإن كان مولانا يقولُ بقولهِ ... فليتك حقًّا مالكي بلا شِبَهْ
ولكن مقامُ العبدِ لا يرتقي إلى ... مقامِ الموالي فاعذُروا في المكاتبَهْ
ولو كان مولانا أشارَ إشارةً ... ولو كان بالإيماءِ أسرعْتُ ذاهِبَهْ
ولو أن مَنْ نرجوه غيرُ شقيقِكم ... ولو أنَّه النُّعمان لم أرْعَ جانِبَهْ
ولكن لأجل الوُدِّ بينكما أرى ... كلكما في ذاك ترك المخاطبهْ (١)
وقلتُم بأنَّ الصَّالحيَّ يُجيبه ... بأنَّك مِنْ قبلُ التَّمسْتَ مواهِبَهْ
أحاشيكَ هذا الصَّالحيُّ عهدتُه ... له عَنْ أكاذيبِ المقالِ مجانبَهْ
ولا سيما والكذبُ يُفْطِرُ صائمًا ... فحقٌّ له في الصَّوم يهجرُ طالِبَهْ
فهذا رعاك اللَّه عُذريَ قد بدا ... فهل مِنْ قَبولٍ مِنكَ أشكر واجبَهْ
وكتب إليه الموفقُ أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي بكر الزَّبيدي قوله: أمتع اللَّه بطلعَتِكَ المضيَّة، وشمائلك المرضية، وحُزْتَ خيرًا، ووُقِيتَ ضَيْرًا. . . (٢)
وكتب إليه قاضي القضاة العلاء علي (٣) بن محمود ابن المغلي الحنبلي، وأرسل إليه مع ذلك بثوب بعلبكِّي هديةً، وذلك عند ختم ولده القاضي بدر الدين محمد القرآن، وصلاته للنَّاس في رمضان سنة ست
стр. 766
وعشرين وثمانمائة بالخانقاه البيبرسية بحضُور الأعيان، فقال، ومِنْ خطِّه نقلت:
ليهن أبا العبَّاس ذا النَّجل إذ بدا ... هلالُ شهاب الدين بل جاء مُبْدِرا
فحُقَّ له الإنشادُ في عُظْمِ شأنه ... لشِعْرٍ له معناه ظنِّي مُضمرا
(بلغنا السَّماء مجدَنا وجُدودنا ... وإنَّا لنرجوا فوقَ ذلك مظهرا)
عساك تُجيرُ العبدَ إذ صحَّ ودُّه ... بحُسْنِ قَبُولِ النزرِ يا حافِظَ الورى
فأجابه صاحب الترجمة، ونقلتُه مِنْ خطه:
نعم بلغَ العبدُ السَّماء تعاليًا ... بمدحِ علاء الدِّين أعلمِ مَنْ أرى
لقد فُقْتَ في كل العلومِ بلا مرا ... وفي البِرِّ للطُّلاب بالفضل والقرى
ورُمْتَ بإهداء البِطَانَةِ سُتْرَةً ... وهيهات يأبى الجودُ أن يتستَّرا
كساني ولم أستَكْسه فحمدتُه ... أخًا لك يُوليكَ الجميل لتشكرا
واتَّفق أن وقع على لفظة (١) "أستكسه" علامةُ الإهمال على السِّين التي قبل الهاء، فصارت كالضَّمة، فكتب العلاءُ إلى صاحب الترجمة في ذلك ما نصُّه:
أجبتَ فلبَّاكَ القريضُ حقيقةً ... وعوَّضت عن نظمي الحصى منك جوهرا
وأدخلتَ في التَّضمين بيتَ تنازُعٍ ... فها أنا نحوه ولكن مُحرَّرَا
حباني ولم أستدعه فاشْكُرن له ... أخ لي يُوليني الجميل معذَّرا
فإن قلم ألقاه سبقًا فإنَّه ... عقيدتنا أولى لمعنى فخبِّرا
فأجابه بقوله:
أخبِّركم أنَّ الصواب محقَّقٌ ... لديكم وسَبْقُ الضَّبْطِ مِنْ قَلَمٍ جرى
стр. 767
رأى قدرَكُمْ بالرَّفعِ أليقَ فارتضى ... مخالفةً للكسْرِ هذا الَّذي أرى
حويْتَ علاء الدِّين والعِلْمِ والنُّهى ... ومَهْما رفعتَ الدَّهر فالضِّدُّ كُسًرا
دعوتَ فلبَّاك اعتذاري مطابقًا ... بقولٍ ولو حُلِّفْتُ كنتُ مقصِّرا
وكتب إلى العلامة البدر محمد بن إبراهيم البشتكي في رمضان:
أليس عجيبًا بأنَّا نصومُ ... ولا نشتكي مِنْ أذى الصَّوم غمّا
ونسغُبُ -واللَّه- يا سيِّدي ... إذا نحن لم نروِ نثرًا ونظما
فكتب إليه البدر بعد ذلك:
أيا شهابًا رقى في العلا ... فأمطرَنَا نوْؤه العَذْبُ قَطْرا
إلى فقرة منك يا فقرنا ... ونَسْتَغْنِ إن قُلْتَ نظمًا ونثرا
وكتب إلى العلامة البدر (١) محمد بن أبي بكر بن عمر الدَّماميني في المحرَّم بقوله:
أيا بَدْرًا سما فضلًا وأرضى ... رعيَّتَه وفي الظَّلماء ضاءَ
ويا أقضى القُضَاةِ ومُرْتَضَاها ... وأحسَنَها لما يُقضى أداءَ
تهنَّ العامُ أقبلَ في سُرورٍ ... وأبْدَى للهناء بكمُ هناءَ
روى وأشارَ مُقْتَبِسًا إليكم: ... "خيارُ النَّاسِ أحسَنُهُم قَضَاءً"
وبقوله:
يا بدرَ دينِ اللَّه إنَّ مدائحي ... تروي لك البُشرى عن ابن هلالِ
بالحَوْلِ بل في كلِّ حالٍ أقبَلَتْ ... فلكَ الهنَا في سائرِ الأحوالِ
فأجابه -ومِنْ خطِّه نقلت- بقوله:
стр. 768
شُكرًا شهابَ الدِّين للنَّظمِ الذي ... قلَّدْتني مِنْ عقده بلآلِ
أحكَمْتَ بيتًا فيه جلَّ مقامُه ... عن سعي ذي التَّقصير مِنْ أمثالي
فثَمِلْتُ سُكرًا حين حيَّا بالهَنا ... وأدار أكْؤُسَ رفعةٍ وجلالٍ
وملكتُ رقَّ الفضل ملكًا ثابتًا ... جمَّ الحُقوق فلستُ بالمختال
يا مَنْ يصُوغُ مِنْ البَيانِ قلائدًا ... يُنسي لهُنَّ محاسِنَ الخلخالِ
عندي فراغٌ مِنْ سواكَ لأنَّني ... حُزتُ الكمال بفضلِك المُتَوالي
وملأتُ فكري في امتداحك فاعتَجِبْ ... مِنْ ذي فراغٍ في مقامِ كمالِ
وبقوله:
ألا يا شهابًا أخْجَلَ البدرَ نورُه ... فقَلَّت لديه أنْجُمُ الشُّكر والثَّنا
تَهَنّ به عامًا مَلَكْتَ سُعودَه ... ونجمُكَ فيه قد علا فلَكَ الهَنا
وبقوله:
أفدي شهابَ الدِّين مولىً بَارِعًا ... قد أضعَفَ الحُسَّادَ قوَّةُ قولِه
حفَّتْه أفلاكُ الهناءِ بعامهِ ... فانظر لأنْجُمِ سَعْدِه مِنْ حولِه
وكتب إليه بقوله:
لقد سما ابنُ عليِّ كلَّ ذي أدبٍ ... فلا يشارَكُ في فَهْمٍ وإدْرَاكِ
ولم يَزَلْ بالمعاني الغُرِّ مُنْفَرِدًا ... يصيدُها وحدَه مِنْ غير إشْراكِ
فكتب إليه صاحبُ التَّرجمة بما قرأته بخطه.
خُلقُكَ بدرَ الدِّين مثلُ الظِّبا ... فَدَيْتُهُ مِنْ لُطفه بالمُقَلْ
قد جُبِلَ النَّاسُ على حُبِّه ... حتَّى عَجِبْنَا مِنْ لطيفٍ جبلْ
وكتب إليه بقوله على طريقة تفْعُلا:
стр. 769
أُنَزِّهُ طرفي في محاسِنِك التي ... أنَزِّهُه عمَّا سواهُ وإن زها
وما رُمتُ عنها أيها البدرُ سُلْوَةً ... وعن غيرها طرفي وفيها تنزَّها
فأجابه البدر:. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . .. . . . . . . . . (١) فتولّها
وكتب إليه البدرُ بقوله:
حمى (٢) ابنُ عليٍّ حَوزَةَ المجدِ والعُلا ... ومُذْ رَامَ أشتاتَ الفضائل حازَها
وكَمْ مُشكِلاتٍ مِنْ بيانٍ بفَهْمِه ... يُبيِّنُها مِنْ غير عُجْبٍ وما (٣) زها
فأجابه بما قرأتُه بخطِّه:
برُوحِيَ بدرٌ في النَّدى ما أطاعَ مَنْ ... نهاهُ وقد حازَ المعالي فزانَها
أُسائِلُ أن ينْهَى عَنِ الجُودِ كفَّه ... وها هو قد برَّ العُفاةَ وما نَهى
قال شيخنا: وسمع هذا المجدُ بن مكانس، فنظم على هذه الطريقة بقوله (٤):
أقولُ لحبِّي قُمْ وامْشِ يا مُعذِّبي ... كميسةِ خُودٍ نكَّسَ السُّكْرُ راسَها
ولا تسر عن شيء إذا ما حَكيتَها ... فقام كغُصْنِ البان لِينًا وماسَها
[وكتب إليه البدرُ أيضًا] (٥) بقوله وفد تفرَّجا في الجيرة:
لجيزة مصر يا أبا الفَضْل سِرْتَ بي ... فذكَّرتني مِنْ طَيِّب العَيْشِ ما مضى
стр. 770
وأبْدَيْتَ في ذاك الفضاءِ فضائلًا ... فطِبْتُ ولم أبْرَحْ أميلُ إلى القَضَا
فأجابه بقوله الذي نقلتُه مِنْ خطه:
شهدتُ بأني عَنْ عُلاك مقصِّرٌ ... وأنَّك بدرٌ بالجميل تَطَوَّلا
وأهدي فلاحًا في الفلالي مُنَعَّما ... فلا زالَ في الحالَيْن يَنعَمُ بالفلا
ولما ولي قضاء المالكية بالإسكندرية، كتب إليه صاحبُ التَّرجمة يهنئه:
تهنَّ ببدرِ الدِّين يا مَنْصِبَ القَضا ... وسَلْ في بقاه أن يدوم (١) إلهَهُ
فقد حُزْتَ منه أيَّدَ اللَّه حكمه ... وخلَّد في الدُّنيا عُلاه وجاهَهُ
وكذا هنأه المجد ابن مكانس، فقال:
أمولاي بدرَ الدِّين هُنِّئتَ منصبًا ... سما بِكَ في أُفْقِ العُلا وتزيَّنا
وسو يسارًا خَوْفَ شؤمٍ بذي الأذى ... ولكنَّه لمَّا رآك تيمَّنا
وكتب إليه العلَّامةُ البدر أبو عبد اللَّه محمد بن أبي بكر بن سلامة المارديني الحنفي نزيل حلب يستدعي منه تقريظًا على تصانيف له بقوله (٢) الذي سمعه منه أخوه البدر أبو محمد الحسن، وكتبه عن الحسن صاحبُنا النَّجمُ بن فهد الهاشمي:
لبَدْرُ سنا علياكَ أبهى مِنَ الدُّرِّ ... وطلعتُك الزَّهراءُ كالكوكَبِ الدُّرِّي
مُحَيَّاكَ بدرٌ بالجمالِ منوَّرٌ ... ويُمنَاكَ بحرٌ بالجميل مَعَ اليُسْرِ
стр. 771
جنابُك محروسٌ وجدُّكَ صاعدٌ ... وقولُك مقبولٌ لدى النَّهْي والأمرِ
وطلعتُك الغرَّاء شمسٌ مُنيرةُ ... وهِمَّتُك العَلياءُ في الأنْجُمِ الزُّهرِ
جمعت العُلا والجُودَ بعد تفرُّقٍ ... وفرَّقْتَ شَمْلَ المالِ يا طيِّبَ الذِّكرِ
وذكْرُكَ في شرْقِ البلادِ وغربها ... كمِسْكٍ ذكيِّ نشرُه طيِّبُ النَّشْرِ
وإنَّ زمانًا أنتَ فيه رئيسُه ... لأيَّامُه بالخيرِ باسِمَةُ الثَّغرِ
أطالبَ حلَّ المشكلات فلُذْ بِمَنْ ... بديهتُه تُبدي الصَّوابَ بلا فِكرِ
له نُورُ علم كاشفٌ كلَّ غَيْهَبِ ... فلا زالت الطُّلاب في نوره تسري
وألفاظُه الدُّرّ الثَّمينُ نفاسةً ... ولا غروَ أنَّ الدُّرَّ مِنْ لُجَّة البحرِ
وفي علم تفسير الكتاب "مجاهدٌ" ... وفي الفقه والأصلين مجتهدُ العصرِ
ويروي أحاديثَ الرَّسولِ بِشَرْحها ... وكم ناقلٍ يروي الحديث وما يدري
وفي النَّحو أضحى سيبويه زمانه ... يزيدُ على زيدٍ ويعلو على عَمْرِو
بديعُ معانيه جلا ببيانِه ... بتلخيص أبحاثٍ أدقّ مِنَ الشَّعرِ
وفي الجدّ والبُرهان أبدى عجائبًا ... يحارُ ابنُ سينا عندها وأبو نصرِ
وأوضحَ في علمِ الحسابِ دقائقًا ... مقابلة يومًا لقد فاز بالجبرِ
له في عَرُوضِ الشِّعر أيدٍ تطاولت ... فخلَّا خليلًا عندها وأبا عمرِو
أقاضي قُضاة المسلمين وحبرَهُم ... وبَحرَهُمُ الطَّامي وغيثَهُمُ المُثري
يُوالِيكَ بالإخلاص نَجْلُ سلامةٍ ... ويدعو لك الرَّحمنَ في السِّرِّ والجهرِ
وهاك عروسَ النَّظمِ بِكرًا زفَفْتُها ... إلى بابك العالي ومنشؤها فِكْري
وما مهرُها إلَّا شُمُولُ عنايةٍ ... وحُسْنُ قَبُولٍ منك يا طيِّبَ الذِّكْرِ
فإنِّيَ مِنْ بيتٍ له الزُّهدُ والتُّقى ... شعارٌ وفخرٌ بالفضائل لا الشِّعْرِ
ودأبيَ تحصيلُ العلوم وجمعُها ... وتقريرُ أبحاث لها الحَبر يستقري
وكنت سألتُ اللَّهَ يجمعُ بينَنا ... فجادَ ولم أُزْجِ المطيَّ إلى مصرِ
فحقِّقْ رجائي إذا أتيتُ مدَرْوَزًا ... إلى بابك العالي يا طيِّبَّ الذِّكرِ
стр. 772
ولاحِظْ طروسًا أودَعَتْها قريحتي ... فنونَ علومٍ شرْحُها في سما يزري
ولكن أُرَجِّي أن يُسَكِّنَ روعها ... بنفثِ يراعٍ منك في طِرْسِها يجري
فحقِّقْ بفضلٍ منكَ ما قد قصدتُه ... وكُنْ جابرًا باللَّه يا سيِّدي كسري
فلا زِلْتَ في فضلٍ مديدٍ وكاملٍ ... بسيطٍ طويلِ العُمرِ بالعزَّ والنَّصرِ
فأجابه في حالة السَّفر صحبةَ الرِّكاب السُّلطاني في سنة ستٍّ وثلاثين، وسمعها منه (١) النَّجم ابن فهد بقراءة (٢) البقاعي في سنة ثمان وثلاثين بالقاهرة:
بَدَتْ في سماءِ الحُسْنِ تزهَرُ كالدُّرِّ ... منورة تروي الحديث عَنِ الزُّهري
بديعةُ حُسْنٍ قد سَبَى وجهُ طِرْسِها ... القلوبَ ورَقْمُ النَّقْشِ كالخال والثَّغرِ
رقوم (٣) سطور في طُروسٍ تحيَّرت ... أُعَوِّذُها بالفجرِ واللَّيل إذ يسري
وفي طيِّها ما عبقَ الأفقَ نَشْرُه ... فيا حُسْنَ ما طيٍّ ويا طِيبَ ما نشري
ولا عجبٌ مِنْ دُرَّةٍ مثلَ زهرةٍ ... إذا ما أضافوها إلى البحر والبدْرِ
تفاءلْتُ إذ وافَتْ مِنْ ابن سلامةٍ ... نهارَ رحيلي بالسَّلامة والنَّصرِ
إمامٌ له في المجد بيتٌ قد اغتنى ... به عن بيوت الشَّعر فضلًا عَنِ الشِّعرِ
وبالبحر يدعُوه الصِّحَابٌ لعِلْمِه ... وبالرِّفْقِ بالطُّلاب يُنْعَتُ بالبَرِّ
إذا ما نحا نَصْبَ البحوث ترَفَّعَتْ ... له هِمَمٌ لم يخشَ يومًا مِنَ الكَسْرِ
مباحثُ في الأصلَيْن وافَتْ لسامعٍ ... وذي نظرٍ يُبدي أدقَّ مِنَ الشَّعرِ
لو أنَّ خطيبَ الرَّيِّ يخطُبَ بِكْرَهَا ... ليحظى لزادَت في الفَخارَ على الفَخْرِ
وفي الفقه والتَّفسير والخَبَر الَّذي ... يصحُّ لقد أربى العيان على الخبرِ
стр. 773
وأمَّا تفاعيلُ العَرُوضِ فطبعه السَّـ ... ـليم بها يُغني عَنِ الخوض في البَحْرِ (١)
وقد رامَ تقريظي تصانيفه الَّذي ... تضاءل عمرٌو عندها وأبُو عَمرِو
وزيدٌ وبكرٌ والخليلُ وثعلبٌ ... ويحيى وعبدُ القاهر الحبرُ والخبري
وماذا عسى فكري يطيع لواجب الـ ... ـمديحِ (٢) وما قَدْرُ الشِّهاب مِنَ البدرِ
ولا سيَّما مَعْ غُربةٍ وفُراقِ مَنْ ... ألِفْتُ وقد مُدَّت إليَّ يدُ القَهرِ
وقد كنتُ مِنْ مصر بكيتُ تعتُّبًا ... فلمَّا تغرَّبنا بكيتُ على مِصْرِ
فلم يأت ما أرضى ولم أرضَ ما أتى ... ولكن تعوَّدنَا بطاعة ذي الأمرِ
ونزرتُ لأعيا بل الذِّهنُ لا يعي ... لتقسيمه فأفصِحْ (٣) أخا الحكم عَن نزري
فهذا لعمري الجهدُ منِّي بذلتُه ... ولكن سأقضي الدَّين إن مُدَّ في عُمري
عبرتُ زمانًا والقَرِيضُ يُطيعني ... فيا ليتَ شعري هل يُضيء سنا شعري
فقد لاح عُذري يا إمامَ زمانِه ... وفُرْقَةُ إلْفِي علَّمتني الهوى العُذري
ورفقةُ قومٍ صار ذو الفَضْل فيهمُ ... وأبناءُ أهلِ الجهلِ سيَّان في القَدْرِ
جنيتُ على نفسي بتقليد أمرهم ... فلم أجْنِ تمرًا بل تحيَّرتُ في أمري
ولكنَّ حُسْنَ الظَّنِّ باللَّه حفَّني ... فداركني اللُّطفُ الخفيُّ ولا أدري
لك الحمدُ في الأولى والأخرى وإنني ... عليه أعتمادي في السَّريرة والجهرِ
ومنه على خير الأنام محمَّدٍ ... صلاةٌ وتسليمٌ وبِرُّ إلى برِّ
ولا زال بدرُ الدِّين يُشرقُ نورُه ... على طالبي العلم الشَّريف مدى الدَّهرِ (٤)
وكتب إلى الزَّين أبي بكر محمد بن محمد بن محمد بن علي، المدعو بزين الخوافي لمَّا قدم القاهرة:
стр. 774
قَدِمَتَ لمصرَ يا زَيْنَ المعالي ... فوافتها الأماني والعوافي
وما سَرَتِ القوافلُ مُنذ دهرٍ ... بمثل سَري القوادِم بالخوافي
فأجابه الزين المذكور بقوله:
أيا مَنْ فاق أهل العصر (١) فضلًا ... وعلمًا بالحديثِ بالاعترافِ
تقدَّسَ سِرُّكَ الصَّافي فأحيا ... مِنَ الآثار مُنْدَرِسَ المطافِ
سألتُ اللَّه أن يبقيك حتَّى ... تفيضَ على القوادم والخوافي
وأجابه أولاده أيضًا، لكن أحسنُهم جوابًا ولدُه إسماعيل، فاقتصرت عليه، فقال:
أقمتَ بمصر يا صدرَ الأعالي ... وصِيتُكَ في العوالمِ غيرُ خافي
وزيَّنْتَ الورى جيلًا فجيلًا ... فشرَّفْتَ القوادِمَ والخوافي
ثم بدا لي كتابةُ الجميع، فقال ولدُه الآخَرُ إبراهيم:
شهاب المجدِ مِنْ شَرَفٍ وقَدْرٍ ... علا مُسْتَغْنيًا عَنْ إتّصافِ
محيطُ العلمِ طَوْدُ الحلم حقًّا ... له الفضلُ العظيمُ بلا خلافِ
وقال ولده الآخر محمد:
أيا مَلِكَ العُلا شمسَ المعالي ... ضياؤُكَ للورى كافٍ ووافي
بنورك (٢) قد تجوهر كلُّ جسمٍ ... بعارِضِ جودِكَ ارْتَوَتِ الفَيافي
بنظمك قد نَثرْتَ مِنَ اللآلي ... على الآفاق وأظْهَرْتَ الخَوافي
بقيتَ لمحْوَرِ الإسلامِ قطبًا ... بذاتك قائمٌ كلُّ العوافي
стр. 775
وكتب إليه الشيخ شمسُ الدِّين محمد الهيثمي فيما رأيتُه منسوبًا إليه، ولا أتحقَّق هل هو الآتي (١) في المُلغزين (٢) أو غيره -ما نصُّه:
يا سيدًا حفَّني مِنْ ذاته شرفٌ ... وعمَّني (مِنْ) (٣) أيادي جُوده تُحَفُ
الهيثميُّ إلى الباب الكريم أتى ... كالسَّعْدِ يَمكُثُ أو كالهَمِّ ينصَرِفُ
فأجاب:
أهلًا بشمس أتى للفضل يغترف ... إني (٤) له بجميع الفضل أعترفُ
ادخل إلى منزلٍ يشتاق رُؤْيتكُم ... ومِنْ ثمارِ الهَنا والعِزِّ يقتطِفُ
يا أيها الشمسُ يا بدرٌ ويا قمرٌ ... محمدٌ لم يكن في البأس ينصرِفُ
وكتب (٥) إليه بعضهم (٦):
ما يقولُ سيِّدي (٧) المفتيُّ في ... مُهَفْهَفٍ بمقلةٍ كَحْلَى وفي
وأغيدٍ ذو (٨) حاجِبٍ سودٍ وفي ... ماذا يقولُ سيِّدي فيه وفي
فأجابه:
وافى الحبيبُ سيِّدي وما تَفِي ... كم عاشقٍ متيَّمٍ قد ماتَ في
بادرْ إلى وَصْلِ الحَبِيبِ لتَنْتَفي ... عنك الهموم وقمْ إليه وأنتَ في