تتهيَّأ المساواة ومُحالٌ اجتماعُ النَّقيضين من الضِّدَّين، هذا الذي طلع في سماء أوصاف الملوك هلالًا، وصرع نواحيه طيور الأفئدة، فصار ما يتخيَّله فيه الناظر محالًا، ونبغ في شريعة التاريخ، فمن رام مجاراته أنشد: يا صاحبي، ألا لا. هذا الذي أغرب، فأتى بفرائد لا تذكر معها "قلائد العقيان". وأطرب فلحن (١) السواجع لا يصغى إليه مع لحنه وإن أطربَ إنسان، وأقدم فرجع عنه النُّبلاء القهقرى، وأعلم بأن كلَّ مَنْ رامَ معارضته مِنَ الفحول، صيَّره العجزُ وراء الورى، فلقد جلَّى مِنْ هذه السِّيرة المؤيدية عروشًا تأيدت بسلطانها، فيا لعجب تأوَّدت ونطقت بفضل مخترعها الفرد في فنه، فقامت لها قلوبُ الألِبَّاء وقعدت, وأبدت من مفرداتها ومركباتها ما لم يطرق قبله لسامع أذُنًا، وأسمعت من ألحانها المطربة في حانها ما لا يدرك المعارض له لفظًا ولا معنى.
منطق صائب وتلحن أحيانًا ... وخيرُ الكلامِ ما كان لحنَا
فسبحان من أيَّد فكرته حتى أعربت عن لحن القول، وقوَّاها على البديهة حتى نادتها حوليَّات زهر لا قوَّة لي بهذا ولا حَوْل، وتبارك مَنْ أغناها عن التكلُّف (٢) في التصرُّف، فما أغناها، وأراحها مِنَ التوقف عن اتِّباع كلام السِّوى، فما أهياها (٣).
لقد توسَّعتْ في فنون الكلام، حتى أهملت بجواهرها كتاب "الصَّحاح"، وترضَّعت بكلِّ درَّةِ خَفَضَ (٤) كلُّ لبيب لها الجَنَاح، وترفَّعت بعزِّ سلطانها، فمن رآها نُصْبَ عينيه، قال: ليس على مخترعها مِنْ جُناح، وتنوَّعت بالفنون، فساح طَرْفُ ناظرها في معانٍ فساح.
(هكذا هكذا وإلا فلا لا)
طرق الجد غير طرق المزاح.
стр. 702
فاللَّه تعالى يُبقي منشئها، حتى يُسلي الهموم بما يطرب ويُغرب، ويتحف النفوس من مبتكراته بما ليس في كتاب "المرقص (١) والمطرب"، إن شاء اللَّه تعالى.
[تقريظ بديعية ابن حجّة]
ومِنْ ذلك: ما كتب به على "شرح بديعية" (٢) المولى شيخ المتأدبين في عصره، التقي بن حجة:
اللهمَّ غُفرًا. كيف لا أسال المغفرة، وقد أُلزمت بكشف عواري، وأُلجِئتُ من تقريظ هذه الدُّرَّة اليتيمة إلى رفع الحُجب عن بنات أفكاري، وأنا لا أزال أغطِّي تلهُّبي على أغراض المعاني الفائقة عني وأواري، وجهدي أن أُحْسِنَ النَّظر فيما أقف عليه من اللطائف الزواهي بالزواهر والزَّواري، وكيف يضيء مصباحُ فكبر قليل المادَّة في مدح (٣) هذه النجوم الدراري؟ وكيف أقنَعُ في موضع الإسهاب لها بالألفاظ الموجزة؟ ورَويَّتي عاجزة، وليست لي بديهة معجزة، لكن جرى القلم، فكتبت وتوفرت سهامُ الحقوق، فطرحتُ رداء العصبية، ورميت الغرض فأصبت، وطالعت هذا الشرح، فتلا، لسانُ الحال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، ورفعتُ يدَ الابتهال للاقتدار على مدحه مع قبول الاعتذار، فقيل لي: قد وضعنا عنك وزرك.
فأقول: أشهد أنَّ أبا بكر مقدَّمٌ على أنظاره، ولا أعدل في هذه الشهادة من أحمد، وأجزم برفعَةِ قدره على كل من انتصب لهذا الفن، ولا أبلغ من حاكم يشهد، لقد بلغ أشُدَّه في البلاغة واستوى، وثبت (٤) رشده عند غُواةِ الأدب، لكن ما ضلَّ صاحبُهم وما غوى، ولا نطق في المديح النبوي إلَّا
стр. 703
بالحق، وحاشى لهذا الصَّاحب أن ينطق عن الهوى، ولفد ظفَرَتْ حبائلُ فكرته (١) بكلِّ سانحة من ظباء البديع وبَارحة، وخطبته من "يتيمة الدهر" و"دمية القصر" كل قرينة صالحة، وأتى طرسُه بكلِّ دُرَّةٍ مونقة معجبة، وأخذ نقسه (٢) -الذي هو أبهج من النَّضار- بمجامع القلوب، لشدة ما بينهما في اللَّون من الشَّبَه وأطنب في فَنَّي التورية والاستخدام، وهما قسما البدائع والكواكب الدراري فاستخدم فيما أطاعته من الاستخدامات رقائق الألفاظ فتمَّ وصفها بالجواري، وورّى فتوارى منه المُجاري، وحُقَّ له الهرب عند سماع تلك الاستخدامات الرائقة والتواري. فاق لما جارى ابن سرايا وابن جابر والموصلي. أما الحِلِّي، فالشيعي المسرف قاصر الرُّتبة عن السُّني التقي، وأما الأعمى، فأنَّى يستوي مع ذي النظر السَّوي، وأما العز، فأبو بكر أفضل من
علي.
نعم، هذا الذي نظر الأعمى إلى أدبه، واستفاض تقدمه، فحكم القاضي الفاضل بموجبه، وزاد كمالًا نقص عنده في النظم أبو تمام، وخرق العادة في النثر، فلا كرامة لصاحب "المقامات" ولا إقدام، وأمَّا قُدامة، فحقُّه أن يدرس كتاب تأخر المعرفة، ويقول لعصريِّه نفطويه: لا شكُّ أن ابن حجة مقدَّم على ابن عرفة، وظهرت من حلاوة نظمه حموضةُ "الرُّمانية"، وشهد عبد القاهر أن "الحموية" أشهى من "الجرجانية"، وأشار ابن أبي الأصبع أن يعقد البِنصِر على إمامته، واتَّفق السَّكَّاكي والخلخالي وابن الصائغ على إتقان صياغته في صناعته، ولكن الأوْلى كفُّ العنان عن الجري في الميدان عن ذكر هؤلاء الفحول، والاقتصار على الكلم الجوامع، لئلا يُمَلَّ ما يملى، فأقول: إذا دعا هذا الإمام كل قديم ومحدث إلى الشهادة له بالإجادة في فنون النظم أجابه، وإذا ذُكر أبواب الإنشاءُ، فأبو بكر عليه الرضوان مقدم على جمع الصحابة (٣)، والسَّلام.
стр. 704
[تقريظ آخر على بديعية ابن حجّة]
ومنه ما كتب به على "البديعية" لابن حجة أيضًا، فقال:
الحمد للَّه الذي أمر بتحميده، ووعد الشَّاكر لإحسانه بمزيده، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، شهادة مقرٍّ بتوحيده، معترف بكمال فضله وجوده، مخلص في الإيمان بوجوب وجوده، وأشهدُ أن محمدًا المصطفى سيد عبيده، وحامل لواء مدحه وتمجيده، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وجنوده.
أما بعد، فقد وقفتُ على هذه الجواهر المضيئة كالزواهر، والنوادر المنزهة للنواظر، وتأملت فصولها، فدخلت عليَّ المسرَّة من كل باب، وكرَّرت النَّظر في معانيها وصحة مبانيها، فما أخطأ منها شيءٌ صَوْبَ الصَّواب، فتبارك مَنْ خصَّ أبا بكر بالتَّقديم وإن تأخر زمان سيره، وناسب بين المادح والممدوح في هذه الخصوصية، ولا ريب أن أبا بكر أخصُّ بمحمَّد مِنْ غيره، دنا بفوائده من القلوب، فعقل مُجاريه قاص قاصر، ومهر فأمهر أبكار المعاني جواهر لفظه، فأكْرِمْ به في الحالين مِنْ ماهر، وسبق إلى غاية ما وراءها غاية، وأقام لطائفة الأدب إن اختلفت آراؤهم في البديع راية، فأمَّا الابتداء فما ألطف خبرُه، وأبهجَ ذهبه ودُرَرُه، وأمّا المخلص، فقسمه منه أوفر الأقسام، وحظُّه أتمُّ الحظوظ إذ اكتفى بمديح سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام، وأما المقطع، فهو أحسنُ مِنْ كلِّ ما في دار الطراز، وأقسم أنَّه في هذا الباب مُقدَّم، وسواه على الحقيقة مجاز.
وقد تجاسر العبدُ على تقريظها طوعًا لأوامر مخترعها، وامتثالًا لإشارة مُبدعها، فقدح زناد ذهنه الكابي، فما أورى ولا قدح، واستنار معثار إنسانه فكدح، واقترح على قريحته الطواعية بما يناسب مقامه، فقالت: ومتى بلغك الحظ بعض مقترح، فصلى وراء (١) هذا السابق مسلمًا، وأُصمِتَ ولو كان صدره بسيف العجز مُتكلمًا. وكيف لا، وقد كان ذهنُه ولم يزل متبلدًا، مع
стр. 705
أن نيران قلبه ذكية، ورَوِيَّتُه مثل بديهته سقيمة مما يقاسيه (١) مِنْ هذي البرية، وكان صدرُ قلمه أقسم أن لا يعود في العقد بسحر البيان نفَاثًا، وطلَّق أبكارَ هذا الفن الذي لا يلتفت إليه أحدٌ ثلاثًا، لكن لم يستطع مخالفة الإمام، لأنَّها مما وجب، وامتثال المراسم -كما يقال- مِنْ سلوك الأدب. ومع ذلك، فسِنان قلمه عن واجب وصف هذا الإمام غير مسنون، وصدر كَلِمه لا يرضاها لهذا الجوهر المكنون، فلا برح هذا الإمام متمسكًا مِنْ ولاء ممدوحه بأمتن سبب، ولا زال كنزًا لجواهر الأدب، يستغني به إلى أن يستغني عن الأدب إن شاء اللَّه تعالى بمنِّه وكرمه.
[وقد قرض شيخنا لابن حجّة قصيدته الثانية التي امتدح بها البدري بن مزهر حسبما أشار إليه النواجي في "الحجة"، فينظر] (٢).
[تقريظ عجاله القرى للتَّقي الفاسي]
ومنه ما كتب به على "عجالة القري في مختصر تاريخ أم القرى" للتقي الشريف الفاسي مما قرأته بخطه:
الحمد للَّه الذي جعل من تولَّاه بعنايته تقيًّا، وفضَّل بعضَ خلقه على بعض، فرقَّى منهم سعيدًا، وأردى منهم شقيًا، وشرَّف بعض الأمكنة على بعضر، فاختصَّ البلد الحرام بالأمن والمحبة والبركة، وكفى بذلك فخرًا (٣) مرضيًا.
وصلى اللَّه على سيدنا محمد أرفع العالمين قدرًا عليًا، وعلى آل محمد وصحبه الأبرار المتقين، الذين حفظوا السُّنَنَ ونقلوها، وعرفوا معانيها وعقلوها (٤)، ونظروا إلى الدنيا بعين الازدراء، فما مقلوها. صلى اللَّه عليهم أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 706
أما بعد، فقد وقفتُ على هذا التاريخِ البديعِ وضعًا، الغريب صُنعًا، فوجدتُه فاقَ المصنفات في هذا الفنِّ لصدق مغزاه، وتخصصَ بالشَّرف المطلق لفظه ومعناه، فهو تصنيفٌ شريف في معنى شريف لبلد شريف، اختاره اللَّه وارتضاه. حَبَّره وأجاد في تأنيقه السيدُ الإمامُ الأوحد البارع المتفنن، ذو الأصل الزكي والذهن الوقَّاد الذكي، تقي الدين، مفتي المسلمين، حامي حمى الفقه والحديث، مع ما انضافَ إلى ذلك من تقوى صدقت لاسمه مسماه، وعبادة وزهادة وتواضع لائق بمن اصطفاه اللَّه. فاللَّه تعالى يلهمه شُكْرَ هذه المنّة، ويبقيه لحفظ السُّنَّة.
[تقريظ الزهور المقتطفه من تاريخ مكة المشرقة للتقي الفاسي]
ومنه ما كتب به أيضًا على "الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرَّفة" للتقي المذكور:
أمَّا بعد، فقد وقفت على هذا التصنيف المفيد، والعقد الفريد، فرأيته قد أجاد تلخيصًا وتهذيبًا، وفاق تبويبًا وترتيبًا، جمع جامعه -حفظه اللَّه- فيه أشتات الفوائد، ومزج الأخبار التاريخية بالمسائل الحُكمية مَزْجَ العُقيان بالجواهر في القلائد، فلقد أبقى (١) بما ألَّف للبلد الأمين ذكرًا مخلَّدًا، وارتقى بما انتقى درجًا يعسُر على من رام اللَّحاق بها المدى، فاللَّه المسؤول أن يحرُسَه بعينه، ويمُدَّه بعونه, ويحفظ نفسه، ويحمي حماه، ويوليه الثَّواب الجزيلَ على ما تولَّاه.
قال ذلك محبُّه الصادق في شعبان سنة عشرين وثمانمائة.
[تقريظ تحفة الكرام للتقي الفاسي]
ومنه ما كتب به أيضًا على "تحفة الكرام" للمذكور:
وقفت على هذا التأليف الشريف، وعرفت فضل ما فيه مِنَ التَّنويع
стр. 707
والتَّصريف، فرجدته مجموعًا جامعًا، وأعجوبةً حوت الحُسن والحسنى معًا، قد حرر مؤلفه وأتقن، وغاص على الدُّرِّ من مظانِّه فأمعن، فجزاه اللَّه عن بلده الحرام ومشاعره العظام أحسن جزاء، وكفاه جميع ما يتوقّاه مِنَ الأسواء. آمين آمين. قاله الفقير المعترف بالتقصير.
[تقريظ مجموع تقي الدين الكرماني]
ومنه ما كتب به على مجموع للإمام تقي الدين يحيى ابن شيخ الإسلام الكرماني:
وقف العبدُ أحمد بن علي بن حجر الشافعي -عفا اللَّه عنه- على هذا المجموع، الجامع للمحاسن، المانع من طعن الطاعن، فوجدتُه اشتملَ على فنون مِنَ الجدّ والهزل، [والرقيق والجزل] (١)، وعلى أنواع من العلوم القرآنية والحديثية والفقهية، وهي علوم الإسلام الشرعية، مع ما تخلَّلها مِنَ اللَّطائف التي تنشط نفس المُجدِّ في الاشتغال، وتوصله إلى غاية المجد في الحال والاستقبال. وما أحقَّه بقولي:
نظرتُ لما سطَّرتَه مِنْ فوائدٍ ... لها الفضلُ إذ راقت محاسنُها يُعزا
وقد لذَّ ما أبديتَ منها بخاطري ... ولم يكفِ طرفي منه جزءٌ ولا أجزا
[تقريظ ديوان الملك الأشرف]
[ومنه ما كتب به علي "ديوان" شعر الملك الأشرف أحمد بن الملك العادل سليمان بن غازي الأيوبي صاحب حصن كيفا، حيث أحضره إليه أرغون دوادارُه في أوائل سنة إحدى وثلاثين مما غاب عني الآن.
[تقريظ ديوان الملك الكامل]
وكذا كتب علي "ديوان" ولده الملك الكامل خليل، المستقرّ بعد قتل
стр. 708
والده المذكور في سنة ستِّ وثلاثين] (١).
[تقريظ الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي]
ومن ذلك ما كتب به على "الرد الوافر على من زعم أن ابن تيمية شيخ الإسلام كافر"، لحافظ الشام ابن ناصر الدين، في سنةٌ خمس وثلاثين، وحدَّث به في أواخر (السنة) (٢) التي تليها بالشام، بقراءة صاحبنا النجم الهاشمي:
الحمد للَّه، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
وقفت على هذا التأليف النافع، والمجموع الذي هو للمقاصد التي جُمع لأجلها جامع، فتحقَّقتُ سَعَة اطِّلاع الإمام الذي صنَّفه، وتضلُّعَه مِنَ العلوم النافعة بما عظَّمه بين العلماء وشرَّفه.
وشهرة إمامه الشيخ تقي الدين ابن تيمية أشهرُ مِنَ الشَّمس، وتلقيبُه بشيخ الإسلام في عصره باقٍ إلى الآن على الألسنة الزكيَّة، ويستمر غدًا كما كان بالأمس، ولا يُنكِرُ ذلك إلَّا من جهل مقداره، أو تجنَّب الإنصاف، ممّا أكثر غلط مَنْ تعاطى ذلك وأكثر عثاره، فاللَّه تعالى هو المسؤول أن يقينا شُرورَ أنفسنا وحصائد ألسنتا بمنِّه وفضله.
ولو لم يكن مِنَ الدَّليل على إمامة هذا الرّجل إلا ما نبَّه عليه الحافظُ الشَّهير علم الدين البرزالي في "تاريخه" أنه لم يُوجد في الإسلام مَنِ اجتمع فى جنازته لمَّا مات ما اجتُمع في جنازة الشيخ تقي الدين، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جدًا، شهدها مئو ألوف (٣)، ولكن لو كان بدمشق مِنَ الخلائق نظيرُ مَنْ كان ببغداد، بل أضعافُ ذلك، لما تأخَّر أحدٌ منهم عن شهود جنازته. وأيضًا فجميعُ مَنْ كان ببغداد إلَّا الأقلَّ، كانوا يعتقدون إمامة الإمام أحمد، وكان أميرُ بغدادَ وخليفةُ الوقت إذ ذاك في غاية المحبَّة له والتعظيم،
стр. 709
بخلاف ابن تيمية، فكان أميرُ البلد حين مات غائبًا، وكان أكثر مَنْ بالبلد مِنَ الفقهاء قد تعصَّبُوا عليه حتى (١) مات محبوسًا بالقلعة، ومع هذا، فلم يتخلَّف منهيم عن حضور جنازته والتَّرحُّمِ عليه والتَّأسُّف عليه إلا ثلاثة أنفس، تأخَّروا خشيةً على أنفسهم من العامة. ومع حضور هذا الجمع العظيم، فلم يكن لذلك باعثٌ إلا اعتقادُ إمامته وبركته، لا بجمع سُلطانٍ ولا غيره، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "أنتم شُهودُ اللَّه في الأرض".
ولقد قام على الشيخ تقي الدين جماعةٌ مِنَ العُلماء مرارًا، بسبب أشياء أنكروها عليه مِنَ الأصول والفروع، وعُقِدَتْ له بسبب ذلك عدَّةُ مجالس بالقاهرة ودمشق، ولا يُحفظ عن أحد منهم أنَّه أفتى بزندقته، ولا حَكَمَ بسفك دمه، مع شدة المتعصبين عليه حينئذٍ من أهل الدولة، حتى حُبس بالقاهرة ثم بالإسكندرية، ومع ذلك، فكلُّهم معترِفٌ بسعة علمه (٢)، وكثرة ورعه وزُهده، ووصفه بالسَّخاء والشجاعة، وغير ذلك مِنْ قيامه في نُصرة الإسلام، والدُّعاء إلى اللَّه تعالى في السِّرِّ والعلانية, فكيف لا ينكر على من أطلق أنه كافر (٣)، بل مَنْ أطلق على مَنْ سمّاه شيخ الإسلام الكفر، وليس في تسميته بذلك ما يقتضي ذلك، فإنَّه شيخٌ في الإسلام (٤) في عصره بلا ريب.
والمسائل التي أنكرت عليه ما كان يقولُها بالتَّشهي، ولا يُصِرُّ على القول بها بعد قيام الدليل عليه عنادًا، وهذه تصانيفُه طافحة بالرَّدِّ على مَنْ يقولُ بالتَّجسيم والتبرؤ منه، ومع ذلك فهو بشرٌ يخطىءُ ويُصيبُ، فالذي أصاب فيه -وهو الأكثرُ- يُستفاد منه، ويُترحَّمُ عليه بسببه، والذي أخطأ فيه [لا يُقلَّدُ فيه] (٥)، بل هو معذورٌ؛ لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدواتِ الاجتهاد اجتمعت فيه، حتى كان أشدُّ المتشغِّبين عليه، القائمين في إيصال الشَّرِّ إليه -وهو الشيخ كمال الدين الزملكاني- يشهدُ له بذلك، وكذلك
стр. 710
الشيخُ صدر الدين ابن الوكيل، الذي لم يثبُت لمناظرته غيرُه.
ومن أعجب العجب (١) أنَّ هذا الرجل كان أعظمَ النَّاس قيامًا على أهلِ البدع مِنَ الرَّوافض والحُلوليَّة والاتحاديَّة، وتصانيفُه في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخُل تحتَ الحصر، فيا قُرَّة أعينهم إذا سمعوا تكفيره (٢)، ويا سُرورَهم إذا رأوا مَنْ يكفِّره من أهل العلم!
فالواجب (٣) على مَنْ تلبَّس بالعلم، وكان له عقلٌ أن يتأمَّل كلام الرَّجُلِ مِنْ تصانيفه المشهورة، أو من ألسِنَةِ من يُوثَق (٤) به من أهل النَّقل، فيُفرد مِنْ ذلك ما ينكر، فيحذر منه على قصد النُّصح، ويثني عليه بفضائله فيما أصاب من ذلك، كدأب غيره من العلماء الأنجاب.
ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين أبن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظيم منزلته، فكيف وقد شهد له بالتقدُّم في العلوم، والتميُّز في المنطوق والمفهوم أئمةُ عصره مِنَ الشَّافعية وغيرهم، فضلًا عَنِ الحنابلة.
فالذي يُطلِقُ عليه -مع هذه الأشياء- الكفر، اْو على مَنْ سمَّاه شيخ الإسلام، لا يُلتفت إليه، ولا يُعوَّلُ في هذا المقام عليه، بل يجب ردعُه عَنْ ذلك، إلى أن يُراجع الحقَّ (٥)، وُيذعن للصَّواب، واللَّه يقول الحقَّ، وهو يهدي السبيل، وحسبُنا اللَّه ونعم الوكيل.
[تقريظ شرح عقود الدرر في علوم الأثر لابن ناصر الدين]
ومنه ما كتب به قبل ذلك في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة على
стр. 711
مصنَّف المذكور "شرح عقود الدرر في علوم الأثر"، ونصُّه (١):
أما بعد، فقد مررتُ على هذا التَّأليف البديع المثال، العزيز المنال، الجامع لما تفرَّق فيما سواه، البالغ مِنَ الإحاطة بالفن الأمدَ المتناه، فحمدتُ اللَّه تعالى على ما مَنَّ به مِنْ وجود هذا الحافظ الفريد حتى أتحف بشُهرة هذا الفن الغريب، ويسَّره وقرَّبه بعد التعسير والتبعيد، ووجدتُه احتوى على كل معنى باهٍ باهرٍ، وصدَّقه قولهم: كم ترك الأول للآخر (٢)، واللَّهَ تعالى أسألُه أن يبقيه لهذا الشَّأن الذي صار جمعُ أهله في درجة القِلَّة حتى تكثَّروا ببركته، فيعز بوجودهم الملة.
وقد تجاسرتُ فيه على كتابة موتضعات على سبيل التَّذكرة، أتحقَّقُ أنَّها لدى هذا الحافظ الشهيرِ مشتهرة، وأساله الإغضاء عمَّا لعلَّه وقع فيها مِنْ سقطٍ زلَّ به القلم مِنْ غير رويَّة، لأن مِنْ شأنه قبولَ المعذرة.
[وله أيضًا على "منظومته" في الحفَّاظ و"شرحها" ما أسلفته في الباب الذي قبله] (٣).
[تقريظ وجهة المختار لابن سويدان]
ومنه ما كتب به على "وجهة المختار ونزهة المحتاج نظم فرائض المنهاج" للشيخ ناصر الدين محمد بن محمد بن يوسف بن سويدان المنزلي. . . . . (٤)
[تقريظ شرح منهاج البيضاوي لابن إمام الكاملية]
ومنه ما كتب به على "شرح منهاج البيضاوي" للعلامة الكمال إمام الكاملية:
стр. 712
أما بعد، فإنني نظرتُ في هذا الكتاب الذي حَسُنَ موقعه من ذوي الأبصار والبصائر، وشَرُفَ موضعه لما اشتمل عليه مِنَ النَّفائس والذخائر، وعظُمَ موضعُه حتى صحَّ قولهم: كم ترك الأول للآخر، فشكرتُ همَّة مؤلفه الباهر، وصرفتُ الفكرة إلى الثَّناء على تصرُّفاته الزاهرة، فلقد مزج الشَّرح بالمتن على الطَّريق التي قلَّ من ينهض بوافي حقها حتَّى تُشرِقَ أنوارُ فكرته في نواحي أفقها، وتعزّ من يسير فيها مستقيمًا إذا اشتبهت عليه تشعُّبات طرقها.
فاللَّه تعالى يُبقيه للأصول يحفظُها على طالبيها، وللفروع يستنبطُها مِنْ قواعدها، حتَّى يقرِّب ثمارَها مِنْ جانيها، وقد حُقَّ له أن يُقرىء هذا الشرح وأصله، ويوصل سبب الطالب بسببه، حتى يقوى ببلوغ مراده حبلُه، فلذلك أذنتُ له أن يُقرىء العلوم الشرعية أصولًا أركانها ثابتة يقرِّبُ إلى أفهام الطالبين وصولها، ويقعِّدُ قواعدها محصلها وحاصلها ومنتهاها وسُؤلها، وفروعًا (١) يقتطف ثمارها الدانية منه كلُّ مَنْ رام يبلغ نفسه مأمولها، إلى غير ذلك مِنَ العلوم الآلية التي تاجُها فنونُ اللغة العربية التي يصلح معها اللسان مِنَ الزَّلل، وزَينُها الذي يسلم به الذهن السليمُ مِنَ الخلل، واللَّه يُسبغُ عليه مِنْ نعمه إفضالًا، ويزيده مع إمامته (٢) الكاملية كمالًا وجلالًا.
[تقريظ الأربعين لجلال الدين البلقيني]
ومنه ما كتب به على "أربعي القاضي جلال الدين البلقيني تخريج الشيخ رضوان":
وقفت على هذه "الأربعين"، فقضيت مِنْ حُسنها عجبًا، وقضيت بأنها تصبي سامعها حتى يهتز طربًا. وكيف لا، وهي مِنْ مرويات إمامٍ فاق الأشياخَ، فضلًا عن الأقران، وراق الأسماعَ ذكرُه، فكيف بالعيان. فاللَّه يُبقي المخرَّجة له والمنتقي، ويُرقي درجاتهما حتى يعجز عن لحاقها مَنْ يروم أن يرتقي.
стр. 713
[تقريظ نزهة القصَّاد للشريف النسَّابة]
ومنه ما كتب به على مصنف الشريف البدر النسَّابة المسمَّى "نزهة القّصَّاد"، ونصُّه:
أما بعد، فقد تنزَّهتُ في هذه النُّزهة، وشرحتُ صدري بها مِنَ الزَّمان بُرهة، انتهزتها مِنَ الشواغل، وتمنيت طول تلك البُرْهة، فتحقَّقتُ أنَّ كلام الشريفِ شريفُ الكلام، وأن الكَلِمَ الطيَّبَ لا يُستغرب مِنَ البيت الطيب على أصله أفضل الصلاة والسلام، فاللَّه المسؤول أن ينفعَ به كما نفعَ بسلفه، ويُديم على طلبة العلم بركة علمه وعظيمَ شرفه.
[تقريظ الغيث الفائض في علم الفرائض للحسيني]
ومنه ما كتب به على "الغيث الفائض في علم الفرائض" للسيد القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن عمر بن الحسين الحسيني الشافعي الدمشقي:
أمّا بعد، فقد تشرفت بالنظر في هذه الرياض (١) المونقة، وتصرفت في استيفاء العمل المستقبل مِنْ هذه الأفنان الفورقة، فيا لها روضة سقاها الغيثُ حتى أثمرت الفروع الزاهرة، وما أشرفها زهرة سطعت في منارات الشَّرف الباهرة، لقد توسع منشئها في اقتناص الدُّرِّ، حتى فاقت جواهر "الصَّحاح" وترفَّعت لرفها على النَّظر، حتى خفض كلُّ لبيبٍ لها الجناح، وتفرّعت الفنون، فساح طَرْفُ ناظرها في معانٍ فِسَاح. (كذا هكذا وإلا فلا لا)، طرق الجد غير طرق المزاح. واللَّه المسؤول أن ينفع بهذا التأليف كلَّ مستفيد سلَّم له وأذعَن وحيا، ويتقبَّل عمله الذي يشكره عليه الأموات والأحياء. آمين آمين.
[تقريظ مسألة الساكت للسوبيني]
ومنه ما كتب به على "مسألة الساكت" تصنيف الشيخ برهان الدين السُّوبيني (٢):
стр. 714
أما بعد، فقد وقفت على هذه الفوائد البديعة، الناشئة عن الهمة الرفيعة، فعرفت أنها جمع لا نظير له، يقرع السمع. . . . . . . (١) وضوابط للعقول السليمة في ميادين الفهوم الصحبحة، وروابط تؤذن بأن جامعها فاق مَنْ سبق إلى ضبط ذلك، اطّلاعًا وانتقادًا، وفات لحاقه من يجيء بعده طردًا واطّرادًا، فعلمت به أن وحي التأمّل (٢) لم ينقطع، وأنَّ اللَّه تعالى بقدرته يدّخر للمتأخر ما لم يقف عليه المتقدِّم وإن كان يبذُل الوُسْعَ حين يطلع، فاللَّه يُديم عليه نعمه تترى، ويجمع له بين خيري الدُّنيا والأخرى، ويسوق له أعناق السَّعادة في الدَّارين فرادى وزمَرًا، ويسلمه حيث حلَّ سفرًا وحضرًا. آمين آمين.
ومنه ما كتب به على تصنيف صاحبنا العلامة عز الدين حمزة الحسيني الدمشقي أحد تلامذته [في "تتمة خبايا الزوايا"] (٣). . . . . . (٤)
[تقريظ في منظومة الشغري في النحو]
ومنه ما كتبه على "منظومة في النحو" لأبي العباس الشغري:
وقفت على هذه المنحة السَّنِيَّة، واللَّمحة العربية، والدِّمنة الغزلية، فأعجبني انسجام ألفاظها، واشتقاق معانيها، وشدة أربها، وقوة مبانيها، وعلمت أنَّ مثلها لا يتأتَّى إلا ممَّن مارس العلوم، وبهر في المنثور والمنظوم، فدعوتُ لمصنِّفها بالإعانة على حلَّ رموزها، وفتح مُقفلها بإظهار كنوزها، ليجمع بين العلم والعمل به، وليشتهر بالفضل في مشرقه ومغربه.
стр. 715
[تقريظ البرهان الواضح للناس لابن أبي اليُمن المكي]
ومنه علي "البرهان الواضح للناس" للشيخ نور الدين بن أبي اليُمن المكي ما نصُّه:
نظرتُ في هذه الأوراق، فوجدتُها مشتملةً على مباحثَ سنِيَّة، وإراداتٍ بهيَّة، وانتقاداتٍ سريَّة على الطريقة المرضيَّة، جارية على سنن الإنصاف، غير سالكة طريق الاعتِساف، فحقَّ لجامعها أن يُسَلِّمَ له ما ارتضاه، وينفذ حكمه فيما قضاه وأمضاه، واللَّه يُمتّع ببقائه طلبة العلوم، حتى يشمل الكافَّة ما يصدر منه مِنْ محاسن المنطوق والمفهوم. آمين.
[تقريظ زهر الربيع في شواهد البديع لابن قرقماس]
ومنه (١) على "زهر الربيع في شواهد البديع" للشيخ ناصر الدين بن قرقماس (٢) الحنفي، فقال:
سبحان البديع الرفيع. وقف الفقيرُ أحمد بن علي العسقلاني على هذا الجمع البديع، ونشق ريّا زهرِ الرَّبيع، وافتنَّ بفنون هذه الغصون الشَّوارد، وحكم برجحان ميزان هذا الناظم لصدق شهادة هذه الشواهد، واستدلَّ على أن الآخر قد يفوقُ الأوَّلَ بما ثبت مُسندًا بالطُّرق القطعية عن النبي المصطفى المرسل، فإنه -مع تأخُّرِ زمانه- فاق مَنْ تقدَّمه في كبر السِّنِّ فضلًا عن أقرانه. واللَّه المسؤول أن يُديم نعمه على هذا النَّاظم، وأن يلهمه شكره، ليزداد مِنْ فضله الدَّائم. آمين، آمين، آمين.
[تقريظ الجامع المفيد في صناعة التجويد للسنهوري]
ومنه على "الجامع المفيد في صناعة التجويد"، تصنيف الشيخ زين الدين جعفر السنهوري ثم الأزهري المقرىء، فقال:
стр. 716
أما بعد، فقد وقفتُ على هذا العقد الفريد، والدُّرِّ النِّضيد، والتحرير المجيد لتلاوة القرآن الحجيد، فوجدتُه مجموعًا جموعًا، وحاويًا لأشتات الفضائل، وللحشو والإسهاب منُوعًا. فاللَّه يَجزي جامعَه على جمعه جوامع الخيرات، ويُسكِنُه أعلى الغُرُفات، المعدَّة لمن كان لربِّه مطيعًا.
[تقريظ تحفة الأنفس الزكية لأبي حامد القدسي]
ومنه علي "تحفة الأنفس الزكية في سير الملوك المرضية" لأبي حامد القدسي، قدَّمه للظاهر جقمق، ونصُّه:
وقف الفقيرُ مسطِّرُ هذه الأحرف على هذه التُّحفة الشَّريفة، وتصفَّح صفحات هذه السِّيرة الظريفة، واستنشقَ نفحاتِ هذه الرِّياض الزَّاهرة، واستضاء بلمحات هذه الأنوار الباهرة، فوجد المُخبَرَ زاد على الخَبَر والعيان طابق البصيرة فابتهج بالنَّظر. وكيف لا، ومنشىءُ هذه الفكرة البديعة رأسُ جمع البلاغة، ومرصِّعُ هذه الدُّرر أهل له صناعة الصياغة. وقد ازدادت زواهرُ جواهره بشرف مَنْ أُنشئت مِنْ أجله, واتَّصل حبلُها الأقوى بسبب متمكِّن مِنْ حبله، وهو المقام الشريف السلطاني، ظِلُّ اللَّه في الأرض، والواجب له الطَّاعة على كل مَنْ تطاول في الانتماء إليه، فأمِنَ على نفسه في هذه الدار ويوم العرض، القائم بما شَرَعَ اللَّه تعالى لعباده مِنَ السُّنة والفرض. والعِلْم محيطٌ بأنَّه أحاط بأصول العلوم، دقيقها وجليلها، لكن قد أمر اللَّه نبيِّه وحبيبه وصفيِّه بالذكرى، وجرى على هذا السَّنَن مَنِ اتَّبع أمرَه العليَّ، ففاز بالنَّجاة في الدنيا والأخرى إن شاء اللَّه تعالى (١).
[تقريظ كتب السخاوي]
ومنه ما كتب به على أول شيء خرجتُه في ابتداء الطلب:
وقفت على هذا التخريج الفائق، وعرفت من اللَّه على عباده بأن ألحَقَ الأخيرَ بالسَّابق. ولولا ما أفرط فيه من الإطراء فيَّ لما عاقني عن الثناء عليه
стр. 717
عائق, واللَّه المسؤول أن يعينه على الوصول إلى الحصول، حتى يتعجَّب السَّابقُ مِنَ اللاحق.
[وكتب لي على غيره من تصانيفي غير ذلك] (١).
[تقريظ مرثية لابن الغرز]
ومنه في تقريظ مرثيَّة نونية عملها خليل بن أحمد بن الغرز حين وفاة ولد له:
الحمد للَّه ملهم الصبر الجميل. أما بعد، فقد وقفتُ على هذه المرثية البليغة، البالغة في الرقة لفظًا ومعنى وصيغة (٢)، المحركة للشَّجَن الكامن في القلوب المصدوعة، المثيرة للحزن الثابت في النُّفوس المرُوعة، فوجدتُها -مع شغل خاطر ناظمها من الوراد الذي صدر، والعارض الذي ساجل الدَّمعُ به المطر- قد أظهرَت مِنْ أنواع البديع ما لم يعرّج عليه بديعُ الزمان، ومِنْ فنون البيان ما تدانت ثماره مِنَ الأفنان، وزادت على ابن زيدون في تشوّقه إلى ولَّادة بما هيجت مِنْ ذكرى الأولاد، وغاية أبي الوليد طلب ممكن مِنَ الوصل، وهذا لعدم الإمكان يكاد ماضي حسرته يقطع الأكباد. فاللَّه تعالى المسؤول أن يُنزل عليه الصَّبرَ الجميل، ويمتعني بفوائده حتى إذا أُنسيت ذكرى حبيب، أنست ذكرى خليل (٣).
[تقريظ موشح]
ومنه في تقريظ موشح:
ونَثَر أسهُم ألفاظه مِنْ كنانة فكرته، فما أصابت من القول غَرَض، وعرض جنودَ معانيه لمعارضة ذلك الجوهر الفرد، فقصَّرت لما عرض، وقدح زِنَادَ ذهنه الكابي، فما أورى ولا قدح، واقترح على قلبه قريحةَ
стр. 718
المساجلة فقرح، واستثار معثار إنسانه للمناظرة فكدح. فصلى وراء (١) ذلك السَّابق مسلمًا، وصمت عجزًا، وإن كان فكره مِنَ الألم متكلمًا.
[تقريظ على درج الجمال ابن حجاج]
ومنه ما كتب به على درج الجمال عبد اللَّه بن حجاج أحد الكتاب مما نقلته من خطه الفائق:
العظمةُ للَّه. تحقَّقتُ إتقان (٢) هذا الرَّقم البديع، واستنشقت رَيْحان هذا الرَّوض المَرِيع، فعلمت أنه نسخ حكم الماضين بتوقيعه، وفضح دعوى من عاند بتجنيسه وتنويعه، فاستحق أن يلحق بالكرام الكاتبين حيث لم يلحق حاسده غبار سابقيه، وأن يترقَّى في درجات الفضائل، وضدّه يتمنى لو عُدَّ من حاشيته، وأن تكون كتابتُه في صحائف النّضار، وغيره يكتب في الرِّقاع، وإذا اختلف القول في تفضيل مَنْ مضى، فعبدُ اللَّه هذا انعقد على تقدُّمه الإجماع. انتهى.
وسُرَّ الجمال بذلك كثيرًا، حتى كان يقول: إنه في الكتابة في مقام أشياخ شيوخه، وهو كذلك، بل أعلى (٣) وأولى.
[تقريظ نظم لعبد السلام البغدادي]
ومن تقاريظه المنظومة: ما كتب به على نظم العلامة عبد السلام البغدادي جوابًا عن سؤال ورد عليه من مكة:
حمدت اللَّه شكرًا مع سلامي ... على الهادي إلى دار السَّلامِ
وأمَّا بعد ذاك فلي ثناءٌ ... كنثرِ الدُّرِّ مِنْ هذا النظامِ
стр. 719
لعلمٍ زانه فَهْمٌ جليلٌ ... يفوق على الدقيقي والعلامي (١)
لعمري قد أجاد وجاد لمَّا ... أجاب مسهلًا صعب المرامِ
وليس بمنكرٍ معروف فضلٍ ... إذا ما جاء من عبد السلامِ
إمامٌ ألمعىٌّ لوذعيٌّ ... فيا للَّه من حبرٍ هُمامِ
شريف النفس والأصل المعلَّى ... لطيف الخلق حتى في الكلامِ
وقاه اللَّه ما يخشى ليلقى الـ ... ذي يرجو من الملك السلامِ
والتمس من صاحب الترجمة قديمًا العلامة الشهاب أحمد بن منصور الأشمومي (٢) أن يقرظ له "منظومته في النحو"، فكتب له عليها شيئًا ما وقفت عليه (٣).
стр. 720
الفصل الثاني فيمن عرض محافيظه عليه أو كتب له إجازة ممن تردَّد إليه
[الكتب المعروضة علي ابن حجر]
فمن الأول:
ما كتب به لبعض (١) مَنْ عرض عليه "الشاطبية":
أما بعد حمدِ اللَّه الذي طوَّق فلان حرز الأماني، ووجَّهه سبل الخيرات، وهي وجه التهاني، والصلاة والسلام على محمد العاري المبين بكفاية الواحد والثاني (٢) الراقي الطباق السبع (٣) إلى أن كان بالتيسير الربَّاني (٤) لقاب قوسين هو (٥) الداني، وعلى آله وصحبه نجوم السماء وأعلام الأرض، صلاةً وسلامًا يترادفان عليهم إلى يوم العرض.
فقد عرض عليَّ فلان "الشاطبية" عرضًا أبان أنَّ (٦) له في الحفظ يدًا
стр. 721
طولى (١)، وأظهر أن الاشتغال بما يقرِّبُه للآخرة خيرٌ مِنَ الأولى، وأعلم أنَّ له همة غير قريحة تنادي: (يا خليليَّ امدحاني وقولا). وقد أجزتُ له روايتها بسندي فيها، وأسأل اللَّه أن يجعل القرآن نافعًا له في طوارق الحدثان، عاصمًا له من نزغات الشَّيطان.
ومنه لمن عرض عليه "الفصيح":
أما بعد حمد اللَّه الذي جعل محبَّ الدين فصيحًا لبيبًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، منزل الغيث العارض صبيبًا، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه، فيا حبذا سيدًا وعبدًا وحبيبًا، صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم مِلْءَ السماء والأرض، وأسأله أن يتطوَّل على تقصيرنا في تصريفنا بشفاعته يوم العرض.
فقد عرض علىَّ محبُّ الدين عرضًا تحدَّر كالنَّهر الفائض. أستغفر اللَّه، بل كالسَّيلِ لمناسبته للعارض، قراءةً قررت أنه فاق مشاكله ومماثله، وسردًا وقفتِ النُّجومُ الجواري بين يديه ماثلة، دلّني على حفظه لجميع الكتاب، لأنَّه عن حق الحفظ ما راغ، وأذاقني حلاوة ألفاظه، لكنه -بحمد اللَّه- ما زاغ، وأذِنتُ له أن يرويه عني إلى آخره.
ومنه في عرض القاضي علاء الدين البلقيني "للعمدة"، بعد وصفه بالولد العزيز النبيه الزكي الذكي الألمعي المَدِرة الحُفَظة البارع الأوحد، أعجوبة العصر في الفهم، ووصف والده بسيدنا ومولانا قاضي القضاة، وجدَّه بسيدنا ومولانا قاضي القضاة، شيخ الإسلام، علامة الأعلام، مفخر أهل العصر، والغُرَّة المشرقة في جبهة الدَّهر، وجد والده بسيِّدنا ومولانا، شيخ الإسلام والمسلمين، ختامِ المجتهدين، مربِّي السالكين، بقية السلف الأكرمين، وعُمدة الخَلَف (٢) أجمعين. فقال: مواضع متعددة لم يدرك شأوه في جَوْدة (٣) سردها، وشهد له شاهدٌ العيان بأنه ذاق حلاوة شهدها، وكيف لا، وهو الفريدُ في أصالته، الوحيدُ في نباهته، النادرةُ في الفهم والذكاء،
стр. 722
الآية (١) التي يضمحلُّ في مقابلة ضيائها شعاع ذكاء من آل بيت هم رؤوسُ النَّاس في كل خير وقادتهم، حيث يتوجهون (٢) إلى الخيرات في كلِّ سير "شنشنة أعرفها من أخزم"، ولامعةٌ بارقها غيثُه قطُّ ما أخرم.
إلى أن قال: واللَّه تعالى أسال أن يُفيضَ عليه نِعَمَه تترى، وأن يبلغه شأوَ آبائه الكرام رِفعَةً وقدرًا.
ثم بالغ في تواضعه على عادته بقوله: وكتب العبد أصغر تلامذة آبائه.
وفي عرضه أيضًا "للمنهاج"، فقال:
عرض عليَّ النَّجلُ السعيدُ، الذي سهمُه في المعالي سديد، وسببُه في العلم شديد. الأصيلُ الذي فاق جميعَ أهلَ عصره بشرَفِ الولد والوالد، وحقَّق لسامع مقاله وناظر كماله أنَّ هذا الشبل من ذاك الأسد، نسلُ شيوخ الإسلام مِنْ قِبَل آبائه وأمهاته، وسليلُ الأئمة الأعلام، فقد حاز المجد (٣) من جميع جهاته، أقرَّ اللَّه به العيونَ في نعمة مستمرة لأبيه وجدِّه، وأدام جِدَّة سعده وسعادة جدّه، ونفع الإسلام والمسلمين به، كما نفعهم بأسلافه، ورفع على توالي الأيام مقدارَه، وأمدَّه على مَرِّ الجديدين بإسعاده وإسعافه. الولد العزيز، والكنز الحريز، اللبيب الأريب، الأصيل الجليل، الزكي الذكي، الفقيه النَّبيه.
ووصف والده بسيدنا العبد الفقير إلى اللَّه تعالى، شرفِ العلماء، أوحدِ الفضلاء، مفتي المسلمين، قاضي القضاة.
إلى أن قال: مواضع مفرقة اقترحتُها عليه من "منهاج الطالبين" في الفقه على مذهب الإمام المجتهد، عالم قريش أبي عبد اللَّه محمد بن إدريس المطلبي الشافعي رضي اللَّه عته، تأليف الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، بركة
стр. 723
الأنام، أبي زكريا النووي، شكرَ اللَّه سعيه. مرَّ فيها كالبرق الوامض، والغيثِ العارض، والسَّهم أصاب الغرض وزاد، والجواد المُضَمَّر بلغ الغاية، فحبَّذا هو مِنْ جواد، دلَّتَ على أنَّه استظهر جميع الكتاب حفظًا، واحتوى على جميع ألفاظه لفظًا لفظًا، وأرجو أن يحويَ فهمًا لجميع معانيه بذهن وقَّاد، وقريحة يقظى.
إلى أن قال: واللَّه أسألُ أن يوفقنا أجمعين لما يحبُّ ويرضى، وأن يُسامح كُلَّا منَّا يوم العرض عليه، فإنَّ جُودَه لا يُحصى, ونعمه لا تُستَقصى، وديون مِنَنِه (١) على العبد لا تُقضى.
ومنه في عرض ولي الدين بن تقي الدين (البلقيني) (٢)، الذي وَليَ بأخرة قضاء الشام ومات هناك: دلَّ حُسْنُ سرده لها على أنه استظهر جميعه، وورد بلطيف فطنته ينبوعه، ولقد أخبرت أنَّه سرده أجمع، لم يغادر منه كلمة إلَّا أحصاها، ولا تلعثم في مسالة منه حين أوردها ورواها. فلله درُّ هذا السَّهم الأسد، وغير نكير أن ينتج هذا الشبل إلا ذلك الأسد.
قلت: وقد أخذَ القاضي ولي الدين المذكور -عفا اللَّه عنه- أواخرها، فضمَّنه إجازة كتبها لولد الشيخ شهاب الدين بن أسد، وصار يتبجّح بها، ويُوهم ابتكاره لها، ثم تبيَّن لي بأخرة أن صاحب الترجمة كتبها للولي المذكور كما أثبته.
ومنه لابن مزهر: الحمد للَّه الذي زاد أبناء النُّجباء ونجباء الأبناء جلالًا، وأطلع في سماء المعالي بدرًا راق جمالًا، وفاق كمالًا، وحفَّه بكواكب كلٌّ منها في الأفق السامي مزهرٌ نوره يتلألأ.
أحمده على أن هدانا المنهاج القويم المفرِّج لكل شدَّة، وأشكره على أن حفَّنا بألطافه التي عليها العُمدة, وأشهدُ أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام، الذي مَنَّ على المؤمنين بوجود محمد عليه الصلاة
стр. 724
والسلام، وجعل حديثه النبويَّ عُمدة الأحكام، وشريعته الطَّاهرة قائمةً إلى يوم القيام. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث إمامًا لأهل الأرض، ونعمة شاملة لأمَّته، فبيَّن لهم السنَّة والفرض، وتطوَّل عليهم بالنعمة الكاملة في الدنيا، والنعمة الشاملة يوم العرض. صلى اللَّه وسلم عليه, وحيَّا بلدًا [حلَّ بها وبلدًا] (١) منها جاء، وعلى إخوانه المرسلين الذين جعل لكلٍّ منهم شرعة ومنهاجًا، وعلى آل محمد وصحبه الذين كان كلُّ منهم لشمس الهداية سراجًا.
أما بعد، فقد عرض عليَّ بمحضرٍ مِنَ المقام الشريف السلطاني الملكي الأشرفي، ذي الطود (٢) الباذخ، العزِّ الشامخ، والعدل الذي ملأ الأقطار، والجُودِ الذي ساجل الأمطار، فكلٌّ منها رأسٌ راسخ، وبمسمع مِنَ السَّادة القُضاة، والأئمة المشايخ، نصر اللَّه تعالى سلطانهم على أعدائه، وأبقى مُهَجَ أخصائه وأودَّائه، وحفظه في نفسه وماله وأولاده، وختم له بالحسنى في معاده، وجمَّل الوُجودَ بوجود هؤلاء الموالي، وأيَّدهم بعزه على التوالي الجناب العالي الجلالى جلال الدين أبو المحامد محمد ابن المقرِّ الكريم العالي البدري أبي المعالي محمد، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، ذو الأصل الثابت فرعه في سماء المجد مقمر، والعز الثابت،
(فكل مكان ينبتُ العزَّ طيِّب)
ولأجل السجعة أقول نيَّر: والبيوت المشرقة بأنواره، والقطوف الدانية بثماره، وكيف لا، وأصله في الحالين مُزهر، بلَّغَه اللَّه مَرامَه، وأدام عليه إنعامه، وأنبت فيهم هذا نباتًا حسنًا، وبلَّغه مِنْ فهم العلم غاية المُنى، وعامله فيه بلطفه مِنْ فضله، وزان الوجود بوجود مثله، وعزَّ وجودُ مثلُه -مواضع مفرقة من طرفَيْ كل كتابَيِ "العمدة" و"المنهاج" ومِنْ أثناء كلٍّ منهما، عرضًا أبان فيه في الحفظ عن يدٍ طولى، وسردًا كلَّما امتحن من صفحة، تلا عليه
стр. 725
لسانُ التي تليها: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ مضى فيما اقترح عليه من الكتاب طردًا أمِنَ فيه مِنَ العكس، ومرَّ فيه بأحلى أداءٍ، يكاد يسبق فيه النَّفَسُ النَّفْس، دلَّ على أنه استظهر جميع الكتابين دلالة حدسٍ يوازي اليقين ذلك الحدس، فأعيذُه بالرَّحمن مِنْ عين كلِّ حاسدٍ ولو أنها عينُ الشَّمس، وقد أذنت له، أسعد اللَّه جدَّه، وأبقى أباه [ورحم جدَّه] (١). . . إلى آخرها.
ومنه لابن حجي سبط الكمال البارزي (٢):
الحمد للَّه الذي يسَّرَ لمن حَفِظَ الأصول لاقتفاء آثارها واستضاءة أنوارها، حِفْظَ الفُروع لاجتناء ثمارها واقتطاف أزهارها، واطَّلع في سماء الكمال والبهاء والجمال نجمًا تولَّد بين الشمس والقمر، ينتمي لنجم يضيء بضياء أخباره الزهر، ويطيب مِنْ آثاره فائحُ الزَّهر. فيا لك نجمًا بأنوار الذكاء يتوقَّد، ويفوق على أقرانه حتى الفرقد.
والصلاة والسلام على خِيَرة اللَّه مِنْ خلقه محمد الهادي إلى الصراط المستقيم، الداعي إلى سلوك الطريق القويم، فبلَّغ ما أمر اللَّه به ونهى، وصار إلى مَنْ حفظ شريعته مِنَ الفخار المنتهى، وعلى آله وصحبه نجوم الهدى ورجوم العدا، صلاةً وسلامًا متلازمين من اليوم إلى أن يبعث الناس غدًا.
أما بعد، فقد تطوَّل عليَّ بأن عرض عليَّ مواضع مفرقة مِنْ كلٍّ مِنَ "المنهاج في الفقه" لشيخ الإسلام النووي، ومِنْ "مختصر منتهى السول في أصول الفقه" للعلامة أبي عمرو بن الحاجب، المقرُّ العالي القضائي الكثيري (٣) العالمي الفاضلي البارعي الأوحدي الأكملي البليغي الأثيلي الأثيري الأصيلي العريقي الماجدي النجيبي النَّجمي، جمالُ الإسلام والمسلمين، شرفُ الفضلاء البارعين، نجلُ الأئمَّة، إمامُ الأُمَّة، مجدُ الرُّؤساء، فخرُ الأعيان، سليلُ الكبراء، كهفُ الكُتَّاب، أوحدُ البُلغاء المنشئين، جلالُ الأصلاء المجيدين، صفوةُ الملوك والسلاطين، أبو زكريا
стр. 726
يحيى نجل المقر الأشرف المرحوم العلَّامي المفيدي الفريدي البهائي، ولد المقرِّ الأشوف المرحوم الإمامي (١) العالمي العلَّامي الفريدي القُدري النَّجمي عمر بن حجي الشافعي، أدام اللَّه له النفع للإفادة (٢)، وبلَّغه مِنْ أصناف الخيرات الحسنى وزيادة، عرضًا أبان أنَّ له في الحفظ يدًا طولى، وتلا عليه من بهره حُسنُ سردِه إذا انتقل من فاتحة إلى خاتمة: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ فيا لها مِنْ قراءة مرَّ فيها كالسَّهم بالغًا الغرضَ وزيادة، وسرد قدره، فأجاد فيه غاية الإجادة. ثم ذكر سنده (٣) بالكتاببن، وأجاز له ذلك وجميعَ ما له مِنْ مسموع ومُجاز ومجموع، على اختلاف فنونها وشهادة دواوينها، ثم سردَ بعضًا من تصانيفه، وقال: فليرو كلَّ ما ذُكر عني هنا جملة وتفصيلًا، ويُسند إليَّ ما يصح عنده نسبته إليَّ، ليكون أقوم سبيلًا، واللَّه أسألُ أن يُنعم عليه بدوام العفو والعافية دنيًا وأخرى، وأن يجمع له الخيرات تترى، وأن يُديم بقاءه وارتقاءه ما ائتلف الفرقدان، واختلف الجديدان. آمين آمين.
ومنه لصلاح الدين بن الكُويز، حيث عرض عليه "المنهاج" و"الخلاصة في النحو" ما نصه:
الحمد للَّه الذي شرع منهاج الدين القويم للخلاصة مِنْ عباده، ورفع علم الشرع الكريم لمن اتَّصف بالصَّلاح والدِّين مِنْ أهل وداده، وجمع ما افترق من الجدِّ والاجتهاد في حفظ دينه (٤) بتقويم سناده، وتقريب (٥) إسناده.
والصلاة والسلام على خيرته مِنْ خلقه، القائم بأوامر ربِّه على وفْقِ مُراده، حتَّى قمع أعداء الدين بجهاده، ورفع قدر مَنْ أخلص باليقين مِنَ المتَّقين بعزيمته واجتهاده.
стр. 727
أما بعد، فقد سمعتُ بقراءة مَنْ سَيُنَوَّة باسمه الزكي، ويُصَرَّحُ بلقبه البهي، جميع "المنهاج في الفقه"، لشيخ الإسلام وبركة الأنام محيي الدين النووي، حفظًا عن ظهر قلبه, وعرضًا أفصحَ عن صدق لُبِّه، أبان فيه في الحفظ عن يدٍ طولى، حتى كأن كلَّ مسألة يسرُدها تناديه التي بعدها: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ ثم أضاف إلى ذلك إيراد "الخلاصة" للإمام جمال الدين بن مالك، فسردها مِنْ صدره كذلك، فشهد العيان أنَّه فاق الأقران، وناداه لسانُ الفلاح [أن لا براح] (١) عن ملازمة الصلاح.
وهو الشابُّ اللبيب الأريب نجل عيون الأعيان، ونسلُ الخُلَّص من جنس الإنسان، الجناب العالي القضائي الصلاحي، صلاح الدين محمد ولد المقرِّ العالي العالمي الفاضلي الأوحدي الزَّيني عبد الرحمن ابن المقر الأشرف العالي الأوحدي البارعي، علم الدين داود صاحب دواوين الإنشاء، الشريف جده (٢) لأبيه وجده لأمه، فاستحق أن يُدعى معلم الطَّرفين، والمعرف في الرئاسة مِنَ الجهتين. هذا إلى ما حصل لسلفه مِنَ القيام بأمر الممالك الإسلامية مِنْ أنواع الإمارة وأصنات الإشارة والوزارة، وقد منح اللَّه هذا النَّجلَ السَّعيدَ الانخراط في سلك الفقهاء والعلماء، ليجمع له الأشياء المختارة. ثم ذكر سنده بالكتابين.
قال: وقد سمع "الألفية" القدماء مِنْ شيوخنا ومَنْ قبلهم على العلَّامة شيخ النحو أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف الغرناطي، نزيل القاهرة، بسماعه لها على الشهاب محمود، أحد من رواها (٣) لنا عنهم التنوخي، عن ناظمها، فمنهم ممَّن لم ندركه قاضي القضاة البهاء محمد بن عبد البر السُّبكي، الشهير بأبي البقاء، ومنهم قاضي القضاة بهاء الدين محمد بن عقيل، ومنهم ممَّن أدركناه: شيخ النُّحاة شمس الدين محمد بن محمد
стр. 728
الغماري، وشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، فكان من يرويها عنِّي من حيثُ العدد يرويها عَنْ هؤلاء، لأن بينهم وبين النَّاظم اثنين، وكذلك بيني وبين النَّاظم اثنان. ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.
ثم أذِنَ له أن يرويَ عنه جميعَ ما ألَّفه في الفنون العلمية والأفنان الأدبية، وسَرَدَ شيئًا منها.
إلى أن قال: واللَّه أسألُ أن يقرِّبني وإياه إلى العمل بما يزلف (١) لديه، وأن يتطول بكرمه على تقصيري يوم العرض عليه.
ومنه لابن أسد: أما بعد، فقد عرض عليَّ الشابُّ النَّجيبُ السعيدُ الحُفَظَةُ المجيدُ، الزكي الذكي، الأثير الأثيل، الباهر الماهر، البارع الفارع، اللبيب الأريب، النجيبُ الأديب، النَّقي التَّقي، الجليلُ الأصيلُ، الملحوظُ بعين العناية، بدرُ الدين، المحظوظ مِنَ الفهم والدراية, المحفوظ مِنْ ربّه بالوقاية، أبو الفضل محمد، ولدُ الشيخ الإمام العلَّامة، البحر الفهّامة، إمام الإقراء، وفخرِ الفقهاء، وفارسِ العربية، والقائم بالقواعد الأصولية، شرف العلماء، أوحدِ الفضلاء، مفتي المسلمين، أقضى القضاة، شهاب الدين. . . .
إلى أن قال: واللَّه أسال أن يبقيه ليصير مدرسًا لما كان دارسًا، وأن يرزقه رُتب المعالي قائمًا وجالسًا، وأن يسقيه مِنْ رحيق المعاني كؤوسًا رَوِيَّة، ومِنْ حقيق الأماني ما يوافق الصَّوابَ بديهة ورويَّة، ولا بَرِحَت سهامُه من الفضائل موفرة مِنَ القول الأشدّ والرأي الأسَدّ، إلى أن يحقِّقَ قولَ المثل السائر: "هذا الشبل من ذاك الأسد"، وأذنت لوالده أن يدرِّس في الفقه والعربية وغيرهما ممَّا حصَّله بجدٍّ واجتهادٍ، وساوى به (٢) كثيرًا ممَّن أكثر التطواف في البلاد. . .
إلى أن قال: وقد كثر حضور مجالسي في الإملاء، ودروس الحديث
стр. 729
والفقه والتفسير، وما زال يبدي في (١) جميع ذلك الفوائد ويعيد، فاستحقَّ أن يُدرج في سلك مَنْ يُدرِّسُ ويفيد. واللَّه يمتع بحياته، وينفع ولده ببقائه، ويزيد في ارتقائه. انتهى.
وقد تبعه في إيراد المثل السائر لهذا العارض القاضي ولي الدين البلقيني نقلًا له ممَّا كتبه له صاحب الترجمة حيث عرض عليه كما أسلفته (٢).
ومنه في عرض مواضع من الكتب العلمية والفنون الزكية من الفقه والأصول والأنواع الحديثية والقراآت (٣) والعربية عرضًا عن ظهر قلبه أبان فيه أن يده في الحفظ طولى، وكلَّما انتقل مِنْ فنٍّ شريف إلى فنٍّ أشرفَ منه تلا عليه لسانُ الحال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. وقد أذنت له -أعانه اللَّه على فهم معانيها، كما يسَّر له حفظ مبانيها- أن يروي عنِّي كلَّ ما يجوزُ عني روايته مِنْ مسموع ومجازٍ ومجموع، فلقد أنشأ معالمَ الحفظ بعد الدُّثور، ونشرَ لاستظهار العلوم لواء مجد لا يُطوى إلى يوم النُّشور.
فاللَّه المسؤول أن يُسهِّل له أموره الدنياوية والأخروية، ويعينه على الإفادة التي تحصل له السعادة الأبديّة.
ومنه في عرض: قوله: عرضًا تقدم فيه على الشُّيوخ فضلًا عَنِ الكهول، بحيث أذِنَ بأنه إذا بلغ سنَّ التمييز، شهد الحال بأنه تفتح له بالارتفاع على الفحول، متع اللَّه تعالى كلًّا من الولد والوالد بحياة الآخر، وأبقاه وأقرّ به عينه ورقاه.
[إجازات ابن حجر]
ومن الثاني:
ما كتبه في إجازة الكلوتاتي، حيث قرأ عليه "علوم الحديث" لابن الصلاح، ففال: إنه قرأه قراءة بحث وعرفان، وإفادة وإتقان، [ومعرفة
стр. 730
وإيقان] (١)، وازدياد من المعارف، واعتياد بإبداء اللطائف، وتنويهًا بقدر إخوانه في الطلب، بل المستفيدين منه فيما يُزلف مِنَ القُرب، وهو في حَيِّز مَنْ يدرس الكتاب المذكور فيجيد، ويبدي الفوائد الفرائد ويعيد، ويقتنص الشوارد والأوابد كما يريد. إلَّا أنه -أعزَّه اللَّه تعالى- أراد بقراءته عليَّ إظهارَ معارفه لديّ، وما عَلِمني غير ما القلب عالم، وما تركتني مباحثه السنية ألا أهيم مع كل هائم.
وقد أذنت له لالتماسه ذلك، لا لأنِّي أستحقُّ أن أعد فيمن هنالك، أن يُقرىءَ الكتاب المذكور وغيره من علوم الحديث، ويفيده لمن يراه أهلًا بسعيه الحثيث.
واللَّه أسال أن يديم النَّفع به، ويوصل أسباب الخيرات بسببه، وكان ذلك في مدَّة آخرها في شهر رجب سنة عشرين وثمانمائة.
ولقَّبه في صدر الإجازة بالشيخ الأمام العالم الفاضل البارع الكامل، مفيد الطالبين، صدر المدرِّسين، جمالِ الحفَّاظ المعتبرين، بقيَّةِ السَّلف المتفنِّيين، خادم سنة سيِّدِ المرسلين، زاده اللَّه مِنْ فضله، وجمع له بين طلِّ الخير ووَبْلِه.
ومنه للمذكور أيضًا، حيث قرأ عليه قبل ذلك "الاقتراح" لابن دقيق العيد، فقال:
قراءة بحث وإتقان, واستفادة واستيقان، يفيد أضعاف ما يستفيده، ويبدي المباحث الدَّقيقة والفوائدَ الجليلة ويعيد، وقد التمس منِّي أن أُجيز له إقراءه ونشره وإفادته وذكره، فأجبتُه إلى سؤاله بعد لا ولا، وأسعفتُه بطلبَتِه لِمَا أتحقَّقُ مِنْ صدق غرضه آخرًا وأوَّلا. وكيف يسوغ لي أن أبادر إلى إجابة مَنْ حقُّه أن يكون مقَّدمًا على كلِّ مَنْ يُجيز، وكيف أقابل حصى منثوري بمُرجان فوائده الفائق على الإبريز، لكن سمعت منه، فسمعتُ له، وأهَّلني للقراءة عليَّ، فأجزت له، فاللَّه تعالى يستر عوراتِنا، ويؤمن روعاتِنا بمنِّه، في جمادى
стр. 731
الأولى سنة ثلاث عشرة (١) وثمانمائة بعد أن وصفه بالأخ في اللَّه تعالى، الشيخ الإمام العالم الفاضل الكامل الأوحد المحدّث، مفيد الطالبين، عُمدة المحدِّثين، جمال الكَمَلة، القُدوة المحقِّق. أدام اللَّه به النفع، ووفقه في أموره كلِّها في حالتي الخفض والرفع.
ومنه - وقد سمع عليه الجمال البدراني "شرح النُّخبة":
أما بعد، فقد سمع مني جميع هذا "التوضيح"، وبَحَثَ فيه بَحْثَ مستحضر مميِّز بين السَّقيم والصَّحيح، صاحبُه الشيخ الفاضل البارع المتفنِّن (٢) الأَوحد، جمال الدين المسمَّى أعلاه، حفظه اللَّه من الأسواء وحماه، وقد أذنت له أن يفيده لمن أراد، ويبدي خبايا زواياه لمن درَّس أو أعاد، ويستعين في تحرير ما يحتاج إلى تحريره باللَّه ربِّ العباد.
وكتب لابنه أنه بحث فيه مباحث مفيدة، وأبدى فيه فوائد جديدة، تنبىء عن استعداد تام، ونظرٍ سالم من الذَّامّ، فكان فضلُه بين أقرانه كالنَّار على علمَ، واستحقَّ أن يقال في حقه:
(ومن يشابه أبَه فما ظلَم).
وقد أذِنْتُ له أن يرويه عنِّي ويفيده لمن يستحقُّ الإفادة، سائلًا له مِنَ الرَّبِّ الكريم الحسنى وزيادة.
ومنه، وقد استدعى الإجازة منه العلامة المحب بن الشحنة في سنة ثمانٍ وعشرين وثمانمائة، قائلًا: المسؤول مِنْ صدقات سيدنا ومولانا الشيخ الإمام الحافظ العلامة، حافظ الإسلام، مفتي مصر والشام، قُدوةِ الحفَّاظِ والمحدثين، أبي الفضل شهاب الدين، قاضي قضاة المسلمين، أمتع اللَّه بحياته الكريمة، وأسبغ عليه نعمة العميمة، وأنشد:
وإذ عاقتِ الأيَّامُ عَنْ لَثْمِ تُربِكم ... وضَنَّ زماني أن أفوزَ بطائلِ
كتبتُ إليكم مستجيزًا لعلَّني ... أبلُّ اشتياقي منكمُ بالرَّسائلِ
стр. 732
فقال: أجزتُ لمن ذُكر في هذا الاستدعاء، وأوَّلُهم مَنْ سطره، وحرَّر المطلوب منهم وحبَّره. . . .
إلى أن قال: فأمَّا المسموعُ، فنازل الإسناد، حديثُ الميلاد، وأمَّا المجاز، فما جاز تاريخ السماع، ولا وصلت به النفسُ إلى بعض ما يسكن عنها لاعِجَ الأطماع، وأمَّا المجاميع، فهي كالياسمين لا تساوي جمعها، ولولا باعث حبٍّ فيمن نُسب إليه الفن، لم استحسنتُ وصلها، ولأوجب على سلوك الأدب قطعها. . .
إلى أن قال: وبعد هذا بقليل رُفع الحجاب، وفُتح الباب، وأقبل العزمُ المصمِّم على التحصيل، ووفقت للهداية إلى سواءِ السَّبيل، فأخذتُ عن مشايخ ذاك العصر، وقد بقي منهم بقايا، وواصلت الغدوَّ والرَّواح إلى المشايخ بالبواكر والعشايا، إلى أن حصل استيعابُ ما أمكن بالدِّيار المصرية، ثم بعد سنوات وقع الرحيل إلى البلاد الشامية، ووقع العزم على الرحيل إلى البلاد الحلبية، فعاق المقدور، وعلى كل خير مانع. . .
إلى أن قال: ملتمسًا مِنْ كلِّ منهم الإمدادَ بالدَّاعوات الصالحة التي تستمر غادية عليَّ بنفحة طيبة ورائحة، وعلى اللَّه القبول، وهو منتهى الأمل والسول.
ومنه على إستدعاء بخط [النَّجمي يحيى] (١) بن حجِّي: أجزت لصاحب هذا الاستدعاء صدَّق اللَّه تعالى فيه فال تسميته، وقرن حياته بدوام عافيته، وبلوغ أمنيته، وجعله في حرزِ فضل سمِّيه، ووقاه كلَّ ما يسوؤه مِنْ تحته وفي يديه (٢).
إلى أن قال: واللَّه تعالى يُسبغ عليهم نِعَمَه تترى، ويلطف بهم بدوام العفو والعافية في الدنيا والأخرى.
ومنه علي "ثبت" ببعض الأسمعة للشيخ البدر أبي السعادات البلقيني، فقال -وأرَّخه في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة-:
стр. 733
أجزت للولد العزيز الأصيل، الذي فاق أقرانه نظرًا وفهمًا، وشبا (١) أشياعه معرفة وعلمًا، وارتقى في حسن التصوُّرِ إلى المقام الأسنى، وفاق في حُسنِ الخَلق والخُلق، حتى استحقَّ المزيدَ مِنَ الحُسنى، فهو البدرُ المشرق في ناديه، ومفخَرُ أهلِ بيته حين يقصِدُه المستفيدُ ويناديه، ومحيي سُنن سلفه في العلوم الشرعيَّة بشهادة سنان اللسان والقلم، وحامل لواء الفنون الآلية، بحيث ضاء ذهنُه كنار على علم، وصار أحقَّ بقول من قال:
(ومن يشابه أبه (٢) وجدَّه فما ظلم).
أسعد اللَّه جِدَّه، وتغمد بالرحمة جدَّ أبيه وجدَّه، وأقرَّ به عين أبيه، وأبقاهما ونزههما عَنْ كل سوء ووقاهما.
وأذن له أن يجيز عنه مَنْ يرى أن يجيزه مِنْ قريب وغريب، على مذهب مَنْ يرى ذلك مِنَ العلماء.
قال: واللَّه أسألُ أن يعينَنا جميعًا على القيام بما كلفنا مِنْ سُنَّةٍ وفرض، وأن يتطوَّل علينا بكرمه يوم العرض.
стр. 734
الفصل الثالث (١) في رسائله وخُطب كتبه (٢)
[رسائله:]
فمن الأول:
ما كتب به (٣) لبعض أخصَّائه وقد حصلت له حكَّة:
أشكو إلى اللَّه مِنْ هذا الزمان ومِنْ ... هذا السُّقام الَّذي قد حلّ في بدني
رق العدوُّ بمَا قاسيتُه ورثى ... وما رثى لي سقامي بل ولا زمني
سطَّرها المملوك، لا برح مولانا في عافية غير عافية، وصحة مِنْ نحو الأمن كافية شافية، وحماه من موادِّ الأسواء، وسقاه نَوْءَ الشِّفاء، فهو مِنْ أعذب الأنواء، وذلك بعد أن حصل في قبضة الكُرَب، ووقع بيديه ورجليه في شباك الجَرَب، يَثنِيان عنه طرف الصِّحَّة كف، وعن خاطر كانت رقته وصفاؤه في ماء ونار، والآن قد نشرهما السُّقم في جسمه ولف، وصار يُدعى المُحبَّب، وأقبح إليه التعبير (٤) بهذا المعنى القبيح في ذلك اللفظ
стр. 735
الحسن، وأوجب سقمه على خده فَرْضَ الدمع من بعد أن حرّم على جفنه وسَنّ، وأنشد سقمه العافية الذاهبة:
ما كان يَغدُوكَ المُنى ... لو قيل يومًا تَمَنْ
وحبته الأسقام بحبّات قلوبها، وألحقته سماء الأمراض بنجومها المشرقة في جسمه، فمتى أوانُ غروبها؟ ولقد لقي من حَرَبِ هذا الجَرَبِ شرَّ نصب، ووجد لما سكب في جسمه الماء مِنْ نار حشاه وصبّ، ومضى عنه جوهرُ العافية بهذا العَرَضِ وذهب، واستيقظ له نائمُ سُقَامه، فأهدى لقلبه الأسى ولجسمه السقام وهَب، ولقد أحجم مِنْ بعد الإقدام، وصار كفُّه من ناره في إسراج، ولسُانه عن عنان القول في إلجام، وزاد على عامَّة الأطباء حقدًا، ويصفون له التداوي بالكبريت، ولا يظنُّه يزيدُ النَّار إلا وقدًا، ومذ رأى جسمه معمرًا بالحبِّ، علم أنه مخرَّب، وحين دخل مِنْ باب الحكّة. أيقن أنه مجرَّب، ومع هذا، فالمملوك لا يشتكي إلا إلى اللَّه ، وإن وجد قلبه مِنْ صبره لما .
ولا يُنكر سيدنا ما تقدم مِنْ هذا الهذيان، فإنه هِجِّيرُ السَّقيم، وُيسبل عليه سِتر حلمه، فما يغطي على جهل الجهول سوى حلم الحليم، ويتصدق مع حاملها بالمجموعة المجديّة، فقد صبر عنها ما كفاه، ولا يشكُّ أن في مطالعتها عافيته، لما اجتمع (من الثناء) (١) عليها من ألسن وشِفاه، لا برح له في دعاء المولى إلى العافية خير سبب، ولا زال مولانا كنزًا لجواهر الأدب يستغني به إلى أن يستغني عن الأدب.
ومنه ما كتب به للمجد ابن مكانس مع قصيدة سينية:
يقبّل الأرض، وإن كان لا يُقنعه (٢) إلا مِنْ قُربٍ ذلك التقبيل، ويواصل بالأدعية الصالحة، وإن لم يكن مِنْ أهل ذاك القبيل، ويُنهي أنه
стр. 736
سطر في مدح المخدوم قصيدةً مقرَّة عند صدورها بالعجيم والتقصير، ملتثمة بالحياء تمشي على استحياء، وصاحبها لما نزل عليه من الأجوبة الغنية فقير، وهي جارية يتيمة، سمّاها شرف انتمائها جوهرة ورقيقة الألفاظ، ولسعادة مَنْ نُظمت فيه، أمست محرّرة، والمسؤول إسعادُها بالنَّظر إليها، وإسعافُها بالوقوف عليها، لا زال المولى واسع الصدر لمن ضيَّق عليه مِنْ صغار المتأدبين، ولا برح ممدَّحًا بسائر اللغات، حتى على رأي العوام بالسِّين.
ومن رسائله: رسالة في مكدي، منها:
وتناول لقوس قامته وتر العصا، وأطاع شيطانَ هواه ولربه قد عصى، وفرَّغ في الملأ سهام إساءته الوافرة وأنفذها، وقرّب كلماته السَّخيفة إلى الأذهان، وهو عن الصواب أبعدها، وسنَّ سيفَ لسانه للكُدية وشحذ، ورمى الحياء وراء ظهره ونبذ، ورافق المُكدين وماشى، وأجدب وجهه لمّا عدم ماء الحيا فصنع ما شا، فكم أخطأ طريق الصواب، واعتمد (١) على التمسُّك بحبال شمس الكُدية، وهى مِنْ أوهى الأسباب، فهو في الضَّعف والدناءة والجرأة والقُبح والخلاء كالذُّباب.
ومنها: من رسالة أولها: يقبّل الأرض التي (٢) أشرق نورُها، وتضاعف عبدُها من الحزن لبعدها (٣)، فتضاعف عندها بقُربه سرورُها، ويُنهى ثناءه الذي حفظ طيه فضاع وكتمه عن الحاسد، وإخفاءُ الشمس لا يُستطاع، وشوقه الذي كلَّما تبلَّد بالبُعد خاطره، ذكت ناره، ودمعه الذي ساحله بالبحر فاحترق، وأنفاسه دخانه، وتساقطُ جمرات الدموع شرارُه.
منها: وودَّ المملوكُ لو كان عِوَضًا عَنْ هذه الضَّراعة التي قصَّرت لدى الحضرة النُّورية التي أشرق نورها وتضوّع زهرها، فهي على الحالين نوَّرت، وتيمَّم صعيدًا طيّبًا، فإنَّ ماء الفضل في مصر معدوم، وأهلُها أقربُ النَّاسِ
стр. 737
لجهل معلوم، واللَّه يحقّق هذا الأمل، ويتبع صحيح النِّية بحُسن العمل.
ومنها من أخرى يشكو فيها خمول فن الأدب، ومُضيَّ العُمر في التَّعازي والتهاني:
وضيَّع المملوكُ جواهرَ كَلِمِه في مدح الأعراض، وكيف لا يضيعُ الجوهر في الفاني، وقد أقسم صدر قلمه أنه لا يعود في العقد بسحر البيان (١) نفَّاثًا، وطلّق أبكار هذا الفن الذي لا يلتفت إليه أحدٌ ثلاثًا.
ومنها من أخرى إلى بعض الأصحاب:
وأدِم السُّرور والشُّرب، فالنفس ما تُسَرُّ (٢) إلَّا بالمُدام، وبادر إلى الصَّبوح قبل أن تَفُكَّ يدُ الصَّباح أزرارَ النُّجوم مِنْ غُرى الظلام، وعاشِرِ الأفرادَ بوصل الخُماسيات مِنْ أقداح الرّاح وقدودِ الملاح، واطَّرح رداء الاحتشام بعقلٍ مزال (٣) وجدَّ مزاح حتى ترى ثعلب الفجر وقلبه يخفق خوفًا من بُزوغ الغزالَة، والعاشق واصَلَ سَقْيَ محبوبه ولم يخشَ صدّه وملاله.
ومنها: وَصِل مَنْ قطعت مِنْ غُرر أحبابك ودُرر حبابك، وكمِّل بالحضور تَرَحَ أعدائك وفرَحَ أصحابك فقد مَسَحَت راحةُ الثُّريَّا جفون النّدامى مِنَ المنام، وهبُّوا لشأنهم على العادة وقت الأذان، والسلام إن شاء اللَّه تعالى.
ومنها استدعاء للقاضي بدر الدين بن الدماميني:
الحمد للَّه مجيب الدَّاعي أن رأى المخدوم ثبَّت اللَّه أحكامه، وأعلى في الخافقين أعلامه، ما طلع بمصر بدرٌ تراه الشهب منها أسنى، وما أنبتت راحته في رياض طرسه أغصان سطور إذا وقع فيها قلمه، قلنا: هذه الروضة الغنَّا، وما أمست محاسنُ لفظه زائدة، وأصبح في الفضل معنا حتى يعودَ به ميتُ الآداب حيًا، ويروي بفضله قارىء كلامه، فيظن أنه لثم ثغر محبوبته
стр. 738
ريّا، ويشوي به قلب الحاسد، حتى يعود كأنَّه لم يكن شيئًا، وحتى يلتقي من بعد يأس سهيل في الكواكب والثُّريَّا، أن يتفضَّل بنقل خطاه المبرَّأة مِنَ الخطأ، الساعية لطائفة الأدب، وهي عن سواهم بطَّا، إلى منزل جاور النيل، والنيل جاري، ودرى بمحبَّتي من النسيم، فأتحفني به، فهو على كل حالٍ داري، أعين طاقاته السبع ترى مِنْ كلِّ عينٍ منها النيل، وحديثُ اعتلالِ النَّسيم منه صح، ولا شيء أحسن مِنْ صحَّة العليل.
منها: والمملوك يخشى إن قصَّر في الوصف فوات ما أمَّل، ويخاف الفضيحة في آخر إن ورَّى في الوصف وأوَّل، ولولا علمه بفوائد مولانا في الإفضال، ما تجاسر على السُّؤال، وهو يتحقَّق الصَّفحَ عَنِ التَّقصير، فلا يطوّل بالمعاذير، وإن تكن الأخرى.
فما احتيالي إذا خُلِقْتُ فتى ... تجري بما ساءني حكم المقادير
نعم.
وما أنا خاشٍ أن تخيب وسائلي ... لديك ولكن أهنأ البرِّ عاجلُهْ
واللَّه تعالى يُديم بقاءه ما أُجيبَ سائل، ونسب أيده اللَّه في جرِّ ذيل الفخار في البيان إلى سحبان وائل، إن شاء اللَّه تعالى.
ومنها مِنْ أخرى كتبها إلى بعض الأكابر مِنَ الصعيد:
وكان المملوك أقسمَ أن لا بدَّ له مِنَ الانتقال، وسأل بعد أن أوقعه البَيْنُ في عثرته أن يقال، ولعبت به يمين النوى كما لعبت بالطَّلل ريحُ الشَّمال، وفارق ربيع الخضرة، فنومه بعدها محرم ودمعُهُ جمادى، وألبسته ليالي الفرقة السود، حين سلَّ بياضُ المشيب على رأسه سيوفًا حدادًا.
ولا ينكر سيدنا منِّي التَّقصير في هذه المكاتبة، فأنا على كلِّ حالٍ مسافر، وقد نهيت عزمي عن العود للنَّوى، فقال: إني مقلعٌ (١) قلت: إياك
стр. 739
أن تعود وحاذر، واللَّه المسؤول أن يسهّل المشقَّة، ويطوي هذه الشُّقَّة، فهو بتفصيل الحال عليم، وإذا انتهى الخَطْبُ الجسيم، تُوقِّعَ الفرج العظيم، واللَّه أسأل أن يقدر بخير.
ومنها من أخرى:
يقبِّل الأرضَ حيثُ سماء المكارم ليس دونها حجاب، ومنازل السَّعد التي لا طاقة للعُفاة بفراقها مُفتَّحة الأبواب، وخيام الفضل التي لا فواضل لها عن المجد ثابتة الأوتاد، قوية الأسباب والجبين طَلْقُ المحيَّا، واليمين ممدودة لطالب اليسار تقول: هيا، والمجد باقٍ إلى أن يلتقي من بأس سُهيل في الكواكب والثُّريَّا، وينهي وصول المثال الذي لو رآه الحريري، لعقد عليه الخناصر، لعلمه بأنه من الطراز الأول، فوقف له إجلالًا، وعليه اتباعًا لأوامره وامتثالًا، وقبل أحرفه على أنها الأسرَّة، وأسطره على أنَّها الأنامل التي تهبُ المسرَّة، وكحّل به طرفه، لأنه من النُّوراني، وروي عنه حديث المودَّة لما رآه مثبتًا، وودَّ لو أعطيَ لفظًا طائلًا، فأطاب (١) في وصفه وأطال، أو ذهنًا حديدًا، فقابل به ذلك الذهب (٢) السيّال، لكن ذِهْن المملوك تبلَّد في السَّفر، مع أنَّ نيرانَ قلبه ذكيّة، ورويّته مثل (٣) بديهته سقيمة مما قاساه (٤) دون البريّة. . .
إلى أن قال ما ختم به ما كتب به على "بديعية الوجيه العلوي" الماضي في أوائل الباب (٥): (زال) (٦) في سعادة لازمة له لزوم الهمزة للاستعلاء على ما ألف، وكان المبتدأ صدر الكلام (٧)، واللام للتَّعريف بعد الألف، ودام منادي عيشه لا يُرَخَّم، وأحمد زمانه لا ينصرف، وأدام تصرُّفَه بحكم اللسان والأقلام، وخدم مجلسه الكريم بأفضل التحيَّة والإكرام، والسلام.
стр. 740
ومنها من أخرى:
يقبِّلُ الأرض تقبيلًا هو عليه آكدُ مِنَ الفرض، ويُعربُ (١) عن طول الوُدِّ المبنىِّ إلى يوم العرض، وينهي شوقًا أقلق خاطره، ودمعًا أسهر ناظره، وتلهُّفًا على الحضرة التي غاب عنها، وتلهُّبًا (٢) على الجنَّة التي خرج منها.
ومنها من تعزية:
عفا اللَّه عنه وسامحه, وجعل سحائب الرضوان غادية عليه بنفحة طيبة ورائحة.
ومنها من أخرى:
يقبل الأرضُ متلهفًا على وجودها، متأسِّفًا على مفارقة كرمها وجودها، نادبًا على نفسه، نادمًا على مرافقته غيرَ نوعه ومفارقة أبناء جنسه، وإنما يتشكّى مَنْ به رمق.
ولا تحسبوا أنَّ الغريبَ الذي نأى ... ولكن مَنْ تَنْأوْنَ عنه غريبُ
ومنها من أخرى:
يقبل الأرض، وكيف له بذلك حقيقةً؟ وأنَّى له بالتَّمثُّل بين أيادي مخدومه الجليلة ولو قدْرَ دقيقة، ويبالغ في المدح بما لا يلقى وزيادة في نعمائه شقيقة, وينهي أنه قد فارق المخدوم قليل الصبر، بل عديمه، كثير الأرق، بل مستديمه، لا تمضي لحظة، إلا وذِكْر المولى شعاره، ولا طرفة عين إلَّا وأنيسه آثاره.
ومنها من أخرى:
يقبل الأرض، وكيف له بذلك؟ ومَنْ معينه على وُلُوج تلك المسالك، ونهاية مطلبه إحياء قلبه بالإقامة في الحضرة التي يأمَنُ فيها مِنَ المهالك. . . . . . . (٣) دار الهجرة ومالك.