وكثيرًا كلُّ محسنٍ ... كان للعمل قائسا
لو تتَّبعتَ وصفَه ... لأضاقَ المنَافِسَا
وكتب إليه القاضي شمس الدين محمد بن أحمد بن عمر بن كُميل المنصُوري:
يا كعبةَ الطُّلَّاب في عصرِنا ... هذا ويا قِبلَةَ أهلِ الأدبْ
ما اسمٌ لمملوكٍ له قيمةٌ ... نفيسةٌ مِنْ فضةٍ أو ذهبْ
محلُّ وطءٍ بنكاحٍ وقدْ ... يُوطأ بلا عَقْدٍ وماذا عَجَبْ
ثُلثاه بالتَّصحيف طيرٌ يُرى ... ومثلُ ثلثٍ منه بحرٌ رَسَبْ
وإن بدا تصحيفُ معكُوسِهِ ... مِنْ سوءِ ما يبدو نَوَدُّ الهَرَبْ
راحتُه بالبَسْطِ معروفةٌ ... وعينُه يبدو منها العطبْ (١)
فأجابه:
يا أيُّها المولى الذي فضلُه ... سلَّمه أهلُ النُّهى والأدبْ
اهلًا بلُغزٍ طيرُه سانحٌ ... واستغرَقَ الأفكارَ لمَّا احتجبْ
وفاؤه ياءٌ وإن شِئتَ قُلْ ... واوٌ إذا حاجَيْتَ جاءَ العَجَبْ
وعينُه واللام حرفانِ أوْ ... حرفٌ على الحالَيْنِ ممَّن كَتَبْ
جميعُها تُؤْكَلُ لكنَّها ... واحدها يشربُها ذو الطَّربْ
وأصلُه يُلبَسُ واعكِسْ تجِدْ ... في مُدَحِ الفاروق حتى ضربْ
وانقُطْهُ مِنْ تحت فإن تَدْعُهُ ... يطعْ ولا يُنجيه منك الهَربْ
ولما (٢) كان في سنة أربع وعشرين، وحجَّ صاحبُ التَّرجمة، كان ابنُ
стр. 807
كُميل أيضًا ممَّن حجَّ، واتَّفقَ وصولُهما منزلة الوجه، وليس بها ماءٌ، فقال ابنُ كُمَيْلٍ:
أتيتُ إلى الوجه المرجَّى نوالُه ... فشَحَّ وما سحَّ الحيا بِنَداهُ
وأسفَرَ عَنْ وجهٍ وما فيه مِنْ حيا ... فقلت: دعُوه، ما أقلَّ حيَاهُ
فلمَّا رجعا، كان الماءُ به كثيرًا، فسأل شيخنا أن يقول في ذلك، فقال: بل الأولى أن تُصلِحَ أنتَ ما أفسدت! فقال أيضًا:
أرانا الجميلُ الوجه معتذرًا لنا ... فأوليتُه شكرًا وما زلتُ مُثنيا
وأطرقتُ رأسي منه في الأرض خَجْلَةً ... وما اسْطَعتُ رفْعَ الرَّأسِ مِنْ كثرَةِ الحيَا
وذكرت هذا هنا استطرادًا (١).
وكتب إليه الشريف صلاح الدين محمد [بن أبي بكر] (٢) بن علي بن حسن الأسيوطي في العقل ممَّا سمعه منه صاحبنا النَّجم الهاشِمِىُّ:
ألا يا ذوي الآداب والعِلْمِ والنُّهى ... ومَنْ عنهمُ طبت صبا وقَبُولُ
فدَيْتُكم لم لا نفيس نفوسكم (٣) ... تصونونه كيْما يعُزُّ وصولُ
فإنِّي رأيت الفضل قد صارَ كاسِدًا ... على أنَّ أهليه إذًا لقليلُ
فعن رؤساء الوَقْتِ عدِّ وخلِّهم ... فليس إلى حُسْنِ الثَّناء سبيلُ
ولا تنسَ أبناء الزَّمان فشرحُ ما ... يسُوؤك منهم إنَّه لطويلُ
стр. 808
وجانِبْهُمُ إنِّي نصيحٌ مجرِّبٌ ... ولا تَبْتَئِسْ فالقولُ عنك يخيلُ
فإنَّ الفتى ما دامَ بالحَزْمِ عاملًا ... فكلُّ رداءٍ يرتديه جميلُ
خبُرتُهم قِدْمًا فما منهمُ (١) وفَا ... بلى عندهم مِنْ الأفضَلينَ فُضولُ
سوى صاحبٍ يا صاحِ بي مُتَرفِّقٌ ... وذاك له بين الضُّلوع مقيلُ
يحقُّ له منِّي الصِّيانة (٢) إنَّه ... قَؤولٌ لما قل الكرامُ فعُولُ
يُصاحبُنِي في القَبْضِ والبَسْطِ دائمًا ... وليس له بينَ الأنام عديلُ
يغالِبُ أحيانًا وغالبُ غالبًا ... وفي كلِّ حالٍ بالسُّطُوِّ يَصُول
ووافرُ قدرٍ كاملٌ فيه خِفَّةٌ ... ولا عجبٌ أن يُنْفَ عنه ثقيلُ
له إخوةٌ مِنْ جنسِه لا بلفظِه ... وربَّتما ساوَوْهُ وهو صقيلُ
وليس بجسمٍ مع جهالةِ قدره ... على أنَّه للجسمِ سوف يؤولُ
وفي الطَّردِ تلقاه وبالقلب ساكنٌ ... وليس لمثل القلب عنه ذُهُولُ
إذا اقتصَّ ممَّن قد جنَى عنهُ لَمْ يكُنْ ... وفاءٌ وقد صحَّت بذاك نُقُولُ
له ديَّةٌ كالنَّفسِ كاملةٌ إذا ... وُجوبًا على الجانينَ حينَ يجُولُ
ويُحْسَبُ حرفٌ منه نِصْفٌ جميعُه ... وفي جمل الأسباب منه فصُولُ
وزاد على عدِّ الثلاثين ثُلثه ... وفيه معانٍ في البيان تطولُ
فيا علماء العصرِ والأدباء مِنْ ... تُقِرُّ لهم عند الجدال فحولُ
أبينُوا رُموزي لا عَدِمْتُم سعادةً ... مِنَ اللَّه فالأفضال منه جزيلُ
فكتب إليه معتذرًا عن الجواب:
لك الخيرُ لي شغلٌ بقلب مُمَلَّأ ... وجسمُ انتحالي للقريض نحيلُ
فعذرًا فما أخَّرْتُ نظم جوابِكُم ... لبُخْلٍ ولكن ما إليه سَبِيلُ
стр. 809
فكتب إليه الشَّريف ثانيًا مرتجلًا، وأرسل بذاك مع مُحضر هذين البيتين إليه مما سمعه منه النجم المذكور أيضًا:
أجِلُّكَ يا قاضي القُضاة لك البقا ... عن الرَّدِّ تمويهًا فأنتَ خليلُ (١)
وعُوفِيتَ مِنْ ذا الإنتحال وإنَّما ... يُحالُ علي النَّظمين (٢) فهو محيلُ
أو الهدم ما هذا وُقيتَ تمَلُّأً ... وسُلِّمْتَ مِنْ قولِ العدوِّ هزيلُ
أتاك الذي ألغزتُ علَّق نفسَه ... ببابك لا تطرُدْه فهو نزيلُ
فتصحيفه غُفْلٌ وعَلَّقْ مُحرَّفًا ... وبالغ إذًا يُشْتَقُّ منه عقيلُ
ومثلُك لا يَعْبأ بفكرٍ لحلِّه ... وأنت مليُّ بالجوابِ كفيلُ
وواللَّه ما الإعذار والعذر عاذرٌ ... ولا بُدَّ مِنْ جبري فأنتَ قؤول
وحسبُكَ في الجبرِ الحسيب فإنَّه ... مُعينُك فيما تشتهي ووكيلُ
فأجابه:
أيا سيّدًا شِيدَتْ عُلاه ورُفِّعَتْ ... وجُرَّت لها (٣) فوق السَّحاب ذيولُ
لكم في العُلا والفضلِ أيُّ نباهةٍ ... وللضِّدِّ عندَ العارفين خُمولُ
أتانيَ لغزٌ منك للعقلِ مُدهشٌ ... وقولٌ لما قالَ الكرامُ فَعُولُ
تنظِّمَ في سلْكِ البلاغة دُرُّهُ ... وكم لك عندي في القلائدِ لُولُو
تقولُ جوابًا (٤) لاعتذاري تهكُّمًا (٥) ... لأنت مَلِيٌّ بالجواب كفِيلُ
نعم كان لي ميلٌ إلى النَّظم (٦) بُرْهَةٌ ... وأبكاري فكري ما لهُنَّ بُعُولُ
стр. 810
فشَعَّبَ منِّي فكرتي عبءُ منصبٍ ... تحمَّلتُه في كاهليَّ ثقيلُ
وفصلُ قضايا في تفاصيل أمرها ... فصولٌ وكم عند الخصوم فصولُ
ومجلسُ إملاءٍ وخُطبَةُ جمعةٍ ... ودرسٌ وتعليلٌ له ودليلُ
حديثٌ وتفسيرٌ وفِقْهٌ قِوامُها ... عقولٌ تعاني فهمَها (١) وتقولُ
لمُسْتَنْبَطاتِ الفِكْرِ مُسْتَبْطنَاتُها ... تزورُ فإن لم أضبطَنَّ تَزُولُ
ذوابِلُها في روض أفكارِ ريِّها ... تسُلُّ مواضي برْقِها فتسيلُ
وطالبُ إسماع وفُتيا وحاجةٍ ... وطالبُ علمٍ في البُحوث سؤولُ
وكلُّهم يرجُو نجازَ أمُورِهِ ... ويصخَبُ إن أرجأتُه ويصُولُ
وهذا إلى أوقات نومٍ وراحةٍ ... وأكلٍ وشُرب يعتريه ذُهولُ
وفي نفس ترويحِ نفسِ أُجُمَّها ... وتأنيس أهلٍ هزلُهُنَّ هزيلُ
وأمرُ مَعادي رحتُ فيه (٢) مفرِّطًا ... وأمرُ معاشي قد حواهُ وكيلُ
ولا تنس أبناءَ الرَّسائل إنَّهم ... إذا عوَّقُوا نحو العقوق يميلوا
وأمَّا مُداراهُ الأنامِ وشَرْحُ ما ... أُعانيه منها فالكلامُ يطولُ
فهل لامرىء هذي تفاصيلُ أمرِه ... فراغٌ لنظمٍ فارغٍ فيقولُ
وأنَّى ترى مَنْ ليس للشِّعر شاعرًا ... تطيعُ مفاعيلٌ له وفَعُولُ
ولستُ الذي يَرْضَى سُلوكًا لما بِهِ ... يدولُّ عليه العقلُ وهو خليلُ
فانظِمُ ما لو قالَهُ الغَيْرُ منشِدًا ... لعادَ وسيفُ الطَّرفِ عنه كليلُ
فعُذرًا فما أخَّرْتُ نَظْمَ جوابِكم ... لبُخْلٍ لكن ما إليه سبيلُ
وقد صحَّ قولي أنَّ قلبي مُمَلأٌ ... وجسمُ انتحالي للقريضِ نحيلُ
فلا تلح نظم المستعينِ بِمَنْ مَضَى ... لهَدْمٍ وتضمينٍ عليه بخيلُ
стр. 811
فإن أنت لم تَعْذُرْ أخاكَ وجَدْتَه ... وإيثاره للصبر عنك جميلُ
ولُغْزُك في القلب استقرَّ مقامُه ... وثلثاه للقلب الزَّكيِّ مثيلُ
نُفيسٌ (١) إذا قَلَّبتَه فنفوسُ مَنْ ... يعاني الصَّبا ظلَّت إليه تميلُ
وقلِّبْهُ أيضًا تلقَ عَوْنَ مسافرٍ ... يطيبُ إذا هبَّت عليه قَبُولُ
بَقِيتَ صلاحَ الدِّين تُصْلِحُ بالنُّهى ... فسادًا له في الفاضِلينَ دُخُولُ
ولمْ لا يَجُوزُ العقل أجمعَ سيِّدٍ ... غدا حمزةٌ عمًّا له وعقيلُ
فكتب إليه الشَّريف حين وقف على الجواب ما نصُّه:
توفَّر عندي عِلْمُ ما أنتَ عالمٌ ... على الحاصلِ المعلومِ دلَّ حصُولُ
أبى الفَضلُ إلَّا أن يكونَ لأهلِه ... ومَنْ لمهادِ الخَيرِ فهو سَليلُ
أتاني جوابٌ مِنْ أمير بلاغةٍ ... وذاك زكيٌّ في الفُروعِ أصيلُ
ألذُّ مِنَ الميعاد في سَمْعِ عاشقٍ ... وأشْهى مِنَ المعشوق وهو كحيلُ
وألهى عَنِ الرَّوضِ النَّزيه بوَشْيِهِ ... وعَنْ طيره المُمْلي الشجِىِّ مُمِيلُ
يُسَلِّي عن الأوطانِ ترجيعُ قولِه ... ويُطْرِبُ للأسماعِ وهو يقولُ
تلطَّفتَ في بِرِّي وأظفرتني عدًا ... ونوَّهتَ مِنْ قدري فَصِرْتُ أصولُ
فديتُك ما استمطرتُ باللُّغْزِ ما أتى ... سِوى قصد تدريب عليه أُحيلُ (٢)
فيا جِهْبِذَ النُّقَّاد يا جَوْهَريَّها ... ويا فارِسَ الآداب حين تَجُولُ
لأنت لأخبارِ النُّبُوَّة حافظٌ ... وللشِّعر كيلا يعتريه غُلولُ (٣)
إمامٌ لنا قاضي القُضاة وخَيْرُنا ... وحَبْرٌ وجَبْرٌ للسَّؤول حمُولُ
شهابُ العُلا للمستضي وفْق أُفْقِنا ... وبَدْرُكَ أيضًا لا اعتراه أفولُ
فدُمْتَ مُجيبًا ما حَبِيتَ تكرُّمًا ... ببابِكَ سُؤَّالٌ وأنتَ مَسُولُ
стр. 812
قلت: وقد أجاب عن اللغز المذكور أيضًا الزَّينُ بن الخرَّاط الماضي قريبًا.
وكتب إليه الشريف المذكور مع طاقيّة (١):
يا شيخَ أهل العلم مَنْ عندَهُ ... مكارمُ الأخلاقِ مجبُولَهْ
هدِيَّتي جاءت وأرجو بِأنْ ... تكونَ كالأعمالِ مقبُولَهْ
فأجابه:
تقبَّلَ اللَّه هداياك يا ... سيِّدَ أهلِ البيتِ موصُولَهْ
لمَّا غدت عنديَ موضوعةً ... صارت على رأسِيَ محمُولَهْ
وكتب إليه النَّجم محمد بن أبي بكر بن علي بن يوسف المُرجاني:
يا فاضلًا بهرَ الورى ... بذكائه وبنَظْمِهِ
شَخْصٌ يُصَحَّفُ ثمَّ يُعـ ... ـكسُ مثل ما في عِلْمِهِ
أتراه أدرك ما يقولُ ... أم الخطَا في فَهْمهِ
فأجابه:
حاشا عُلاه مِنَ الخَطا ... مولى عَلَا في فَهْمِهِ
فحلُ الحِجَا تصحيفُه ... يُسبي العُقولَ بنظمِهِ
بلغَ السَّماءَ ويَرْتَجي ... فوقَ السَّماءِ لنظمِهِ
وكتب إليه النَّجمُ أيضًا:
يا إمامًا سألتُه حلَّ لُغزٍ ... شطَّ منه مرْارًا أهلُ الذكاءِ
أهملِ الثُّلْثَ باعتناءٍ وقلبٍ ... تره جاءَ قائِدَ الشُّعراءِ
стр. 813
فأجابه:
مرحبًا مرحبًا بلغزِ إمامٍ ... قد تلقَّى لأرْؤُسِ الرُّؤَساءِ
جاءَ للقلبِ منه خير طبيبٍ ... لم يُصَحَّفُ عَنْ رُتبة الحُكماءِ
وكتب إليه النجم أيضًا:
يا سادتي ما اخترتُ أسمعُ سبَّكم ... يومًا ولا تاقَتْ له أسماعي
فتأمَّلُوا لُغزي بقلبٍ تعرِفُوا ... تصحيفَ معناه وحُسْنَ طِباعي
فأجابه:
حاشاك تسمعُ سبَّنا مِنْ بعدِ ما ... أصبَحْتَ في الآدابِ خيرَ مُطاعِ
ما أملحَ اللُّغْزِ الذي تأتي به ... مع أنَّه كالشَّهد في الأسماعِ
وكتب إليه النَّجمُ أيضًا:
أبا الفضلِ يا قُطبَ العُلا وشهابَها ... ومَنْ خصَّه الرَّحمنُ بالعقلِ والنَّقلِ
تجوَّز ترى مِثْلَه اعكِسْ مصحَّفًا ... أجِبْنِي سريعًا ناظمًا يا أبا الفضلِ
فأجابه:
لعَمْري لقد ألغَزْتَ في نسبٍ له ... بك الشَّرَفُ المشْهُورُ بينَ أُولي الفَضْلِ
يرادفُه في لفظِه سارَ ظالمٌ ... وقد جاز بُستانيَّ رَوْضٍ فمثِّل لي
وكتب إليه البدر محمد بن أبي بكر بن عمر بن الدَّماميني في سنة خمس وتسعين مُلغزًا:
أبا الفضل حقًّا أخصَبَتْ روضةُ المُنَى ... بآدابِكَ اللاتي تجودُ بها صَوْبَا
فما اسمٌ إذا صحَّفْتَه وعكَسْتَهُ ... وجِئْت بمعناه تجِدْه شري ثوبَا
стр. 814
فأجابه:
أمولاي بدرَ الدِّينِ ألغزتَ بلدةً ... لقد جُبْت آفاقَ البلادِ لها جَوْبَا
وفي أذرُعاتٍ باعُ فضلِكَ طائلٌ ... وفي مِصرَ حتى ذَابَ حاسِدُكم ذوْبَا
وكتب إلى البدرُ محاجيًا:
يا فاضلًا بهر (١) الأفهامَ منطقُه ... لقد جَلَوْتَ معمَّى كلِّ مشتَبِه
حاجِ العِدَا لا يَخْطَاك السُّرورُ وَقُلْ ... لجمعِهِمْ ما مثال الحزنِ جيءَ بِه
فأجابه:. . . . . . (٢)
وكتب إلي البدر المذكور:
يا فريدًا في الذَّكا ما بلدةٌ ... قد غدت في جبهة (٣) الإقليم غُرَّهْ
إن تَجِىء بالمِثْلِ مِنْ تصحيفها ... تُلْفَ يا رَبَّ الحِجَى جئت بنْدَرَهُ
فأجابه:
يا شهابَ الدِّين يا مَنْ نظمُه ... في سمائ الحسن قد أشبه نَثْرَهْ
مصرُ فاقتْ بِكَ إشبيليةً ... وبها أصبحت في الرَّوضة زهرهْ
حبَّذا لغزُك مِنْ أحجيَّةٍ ... سحرُها أثَّرَ في الفهام حسرَهْ
شنَّفَتْ سمعي بما قد أفصَحْتَ عن ... بيان فهي في الحالَيْنِ دُرَّهْ
لو رأى الأفْقُ مُحَيَّا شَمْسِها ... إذا تبدَّت ودان يَبْذُلُ بَدْرَهْ
فتجاوَزْ عَنْ جواب مُرسَلِ ... لك يا حامي العُلا في حينِ فترهْ
وتفضَّل وأبِنْ لي بلدةً ... قد غدت للنَّجم في الرِّفعَةِ ضرّهْ
صحَّفِ اللَّفظَ وقُلْ مُشْبِهُهُ ... إن تُرِد في الحال أنْ تُظْهِرِ سِرَّهْ
стр. 815
لتري موضع وفقٍ زُرْتَه ... فأبِنْ معناهُ واكشِفْ لِيَ سَتْرَهْ
وابقَ في خفضٍ مِنَ العيشِ ودُم ... يا رئيسًا رَفَعَ الرَّحمنُ قدْرَهْ
فأجابه صاحب الترجمة أيضًا:. . . . . (١)
وكتب إلى البدر أيضًا:
يا سيدي انظُر في قريضِ فتًى ... حاز الفضائلَ منكُمُ والحظْ
صحِّفْ فديتُك ما يُرادِفُه ... يا ذا العُلا متوهّم أيقظْ
فأجابه:
يا سيِّدي أنتَ الذي ... بالسَّعدِ حظُّك صار يُلحظْ
ونظيرُ لغزِكَ في الأحاجي ... سار عامًا فالحظُّ ألحظْ
وكتب إلى البدر أيضًا:
أبَدْرَ الدِّين دُمْ واصبِرْ ... لتثقيلي وتلفيقي
وصحِّف قَلْبَ معنى قَدْ ... بدا منزل معشوقي
فأجابه:. . . . . (٢)
وكتب (٣) إليه الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن أحمد المُغيربي (٤)
стр. 816
مع سلَّة مشمش أرسلها هدية، مما أنشدنيه لفظًا:
أرسلتُ مَنْ تيَّمتني ... فانظروا فاها وفاها
واجبر بفضلك حتَّى ... ترى شِفَاها شِفَاها
والتمس جوابه، فأبطأ عليه، فأرسل إليه سلَّةً أخرى، ومعها:
مِنْ تيمَّنْتُ به أرسلتُه ... كدموعي حَيْثُ نابَت عَنْ دمي
وجوابي بعدَه برَّحَ بي ... كالجوابي عند خدٍّ عَنْدَمي
فأجابه:
يافوزَ حظٍّ بمولى ... للعهدِ والوُدِّ يَحْفَظْ
يقولُ للقلبِ قابِل ... هدِيَّتي والحظ ألحَظْ
وكتب إليه المذكور أيضًا مع هدية رُمَّان ما نصه: هديَّةُ الغِلمان على ورق الرُّمَّان.
هديَّةُ العبد إنْ قَلَّت مباركةٌ ... لأنَّها مِنْ حلالِ الرِّزْقِ مُكْتَسَبَهْ
قَبُولُها الجَبْرُ إنْ مرّ (١) الزمانُ بها ... بالقلبِ محبورة للسَّعد مُرتقبَهْ
فأجابه مع هدية سُكَّر ما نصُّه: الحمد للَّه شكرًا.
حاشى هديّة ذي حِبٍّ يُقالُ بها (٢) ... قِلٌّ وقد أكثر المُهدي لها أدبَهْ
ولم يقلَّ زمانٌ مكثرٌ عددًا ... فالرَّاء في العدِّ خُمسُ الألفِ للحَسَبَهْ
واتَّفق أنَّ المذكور توجَّه عَنِ السُّلطان في كشف بعض الكنائس مع القُضاة، فرأى مِنَ العَلَمِ صالح البُلقيني ما يُشعِرُ بمساعدة أهل الذمّة، فقال:
стр. 817
إنِّي لأُقسِمُ والوجودُ مُصدِّقٌ ... لا يُرغمُ الأعداءَ إلا صالحُ
ووصلَ علمها لصاحب الترجمة، فقال:
لا يُرغِمُ الأعداءَ إلَّا صالحُ ... بالحقِّ يعبدُ ربَّه ويُناصِحُ
أما والاسمُ يخالِفُ الفِعْلَ الذي ... يبدو فتِلْكَ قبائحُ وفضائحُ
ونحوُهما قولُ شيخنا: (الاسم غير المسمَّى). . . . البيتين، وقد أسلفتُهما في خطَّاب مِنْ الباب الثالث (١).
وكلّ ما عدا الأوّل أثبتُّه استطرادًا (٢).
وكتب إليه الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن عبد الكريم الهيثمي مُلغزًا في رُطب:. . . . (٣)
فأجابه:
يا فاضلًا فاق في منظومه الحسَنِ ... للَّه لُغْزُك ما أحلاه حين جُنَي
ألغزْتَ لي في شهِيِّ الطَّعم آكُلُه ... قريرَ عينٍ قليل الهمِّ والحَزَنِ
حلوٌ كمَنْ إذا حوَّلت أحرُفَه ... وصارت العين (٤) صادًا يا ذوي الفِطَنِ
يزهو ولا عجبٌ فالزَّهْوُ مشترطٌ ... به لذي البَيْعِ إن ساومتَ بالثَّمنِ
في قلبه بطرٌ مِنْ عُجْبِه وبه ... رَبْطُ بتأخير عينٍ منه لم تُعِنِ
وإن تُقَلِّبْهُ مُسْتامًا تَجِدْ طربًا ... شَوْقًا إليه لسِرِّ فيه مُكتَمِنِ
زِدْ بعدَ تقليبه وهو الجمادُ ترى ... طَيْرًا إذا استَنطَقُوه كان ذا لَسَنِ
ملوَّنُ الخَلْقِ يبدو أبيضًا وإذا ... بجسمه كَلَحٌ مِنْ خُضْرَةِ البَدَنِ
стр. 818
لصُفْرَةٍ واحمرارٍ يستحيلُ إلى ... سوادِه مع قُربِ العَهْدِ بالوطنِ
مصاحبٌ للنّوى إن غَرَّبُوه إلى ... شَرْقٍ وغربٍ لذي الأوقار والسُّفُنِ
ها قد أجبتُ كمن أهدى إلى هَجَرٍ ... تمرًا وجُؤْنةَ عطَّارٍ إلى عدنٍ
وكتب إليه القاضي المُقرىء شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر البغدادي الزركشي في حجر:
يا شهابًا لاح في أُفْقِ العُلا ... وعلى الشَّمسِ ضياهُ قد طرحْ
أيُّما اسمِ ذي حُروف أربعٍ ... وهو في الوزنِ متى يُقْلَبْ رجَحْ
إنْ تُعرِّفه بمعنى قلبه (١) ... وبه ربِّي عليكم قد فتحْ
هو جِنْسٌ منه أنواعٌ إذا .... ما رآها الطِّفْلُ يومًا قال: دَحْ
ما علينا حرجٌ في قلبِه ... وله في القلب جُرْحٌ قد وَضَحْ
غالبُ الأوقاتِ يُلقى باردًا ... عجبًا إذا أودَعْتَه ماءٌ نَزَحْ
فيه جرُّ أبدًا حيثُ بدا ... ومتى ترفَعْه أو تَنْصِبه صَحْ
وإليه نَسَبُوا ذا فطنةٍ ... كاملِ الأوصافِ مجموعِ المُلَحْ
ذا بهاءٍ وضياءٍ وحيًا ... وهو في الآداب بحرٌ قد طفَحْ
زينُ راء عينُ مصرٍ مُرْوِيٌ ... للصَّادِ كافٍ بالعطايا والمِنَحْ
وزن مدحي فيك (٢) قد حرَّرته ... يا كريمًا ما تراه قطُّ (٣) شَحْ
فاسقني كأسَ جوابٍ فيه مِنْ ... زِنْدِ نارٍ بافتكاري قد قدحْ
فعلى العبدِ لكُمْ جارِيَةٌ ... صدقاتٌ إن أجَبتُم ومِنَحْ
فأجابه:
стр. 819
أزهورٌ أم نجومٌ أزهرتْ ... أم سحابُ الفكر بالجَوْهَرِ سَحْ
مرحبًا باللُّغزِ منظومًا أتى ... بيواقيتٍ ودُرِّ كالسُّبَحْ
وبَدَتْ لي مُلَحٌ قد مُلِّحَتْ ... فيه باللَّه ما أحلى المُلَحْ
صحَّ فكري وله في بعضِهِ ... وقفة ثمَّ تجلَّى ووضَحْ
فاستَلَمْتُ الحَجَرَ المرفوعَ مِقْـ ... ـدارُه في القلب لمَّا أن رَجَحْ
كان صدري لهمُومي ضيِّقًا ... فأتي مُغلقَه لي فانْشَرَحْ
بسُطورٍ هُنَّ لي مُغْتَبَقٌ ... في طُرُوسٍ ليَ منها مُصْطَبَحْ
ذا كَمِسْكٍ ضاع بالطِّيب وذا ... في النَّقا والحُسْنِ كافور نفَحْ
حبَّذا ألفاظ شيخٍ قد حَلَتْ ... فإذا الطِّفْلُ رآها قال: نَحْ
كُفَّ عَنْ ذي خاطرٍ. . . . (١) ... لو كان بحرًا لَنَزَحْ
خلِّ عنِّي إنَّني في شُغُلٍ ... عنك يا خِلِّي بحالٍ لي صَلَحْ
واسْقِ كأسَ اللُّغزِ مَنْ يشتاقُه ... فإذا فسَّرَه ناديتُ: صَحْ
فالثَّنا في وصفكم مُخْتَتَمِي ... والرِّضا عمَّا نظمتُمْ مُفْتَحَ
وكتب إليه الزركشي أيضًا أُحجية (في غزالة) (٢):
أيا حاويَ العِلْمِ منهاجُه ... يدُلُّ الأنامَ على فضلِهِ
بتنبيهك اليومَ أيقظتنا ... فما مِثْلُ جاهد مِنْ أجلِهِ
فأجابه:
غزالةُ أُفُقِ السَّما أشرقت ... ولا مِثْلَ لُغْزِكَ أو حَلِّهِ
وربُّ الحِجَا أنتَ فارفُقْ بنا ... فشِعْرُكَ يُعجز عن مثلِهِ
стр. 820
وكتب العلَّامة الفريد محب الدين أبو الوليد محمد بن محمد بن عبد اللَّه بن الشحنة:
ما القَوْل في امرأةٍ مع خمسة ورِثُوا ... قرابة فَدَعَتْ: يا أيُّها النَّاسُ
لابنتيَّ ولي ذا المالُ أجمَعُهُ ... وابني وأُمْي وأُختي وهو أسداسُ
فأجابه عنه صاحبُ الترجمة:
أمُّ وأختانِ منها إرْثُهُنَّ غدا ... ثُلثًا وسُدْسًا سواءٌ ما فيه إلباسُ
وبالولا وُرِّثَتْ أمُّ الرِّضاع كذا ... ابنٌ وأخت فهذا الإرثُ أسداسُ
ثم نزَّله على صورة أخرى لأجل قوله: (ورثوا قرابة)، فقال:
ثنتانِ مِنْ أمِّ أمِّ شبهة وأتى ... إحداهما الأبُ (١) وطئًا فيه إلباسُ
أتتْ بِبِنْتَينِ منه ثم مِنْ عَصَبٍ ... بابنٍ ومات أبٌ فالمالُ أسداسُ
ثم نظم صورةً أُخرى، فقال:
بنتان مِنْ أمِّ جدِّ شُبهة وأتت ... مِنْ حافِد الجدِّ الأولي أيها النَّاسُ
بابنتين وبابنٍ عاصبٍ وتوفي ... الواطئون فمالُ الجَدِّ أسداسُ
وقد أجاب ناظِمُها نفسه بقوله: وهو مناسخة، بخلاف ما قبله، فإنه مِنْ بطنٍ واحدٍ:
أمُّ وأختانِ منها وابنُ عمِّ أبٍ ... قد مات والمال لم يدركه إمساسُ
ثم ابنتَيْنِ وابن واحدٍ وُلِدُوا ... مِنَ إحدى الاختين فالميراث أسداسُ (٢)
стр. 821
وكتب إليه الحافظ جمال الدين محمد بن موسى بن علي بن عبد الصَّمد بن محمد بن عبد اللَّه المراكشي أحد تلامذته، وهما بينبُع مِنْ درب الحجاز في أوائل العشر الأخير مِنْ ذي القعدة سنة خمس عشرة وثمانمائة ما نصُّه، كما نقلتُه مِنْ خط ابن موسى:
أواحِدَ عصرِهِ مِنْ غَيْرِ ... خُلْفٍ فيه لاثنينِ
أَبِنْ بلدًا لمن أهوى ... دنا مِنْ غير ما بَيْنِ
له اسمٌ وهو فِعْلٌ ... لامُه عينٌ بلا مَيْنِ
كدمعي وهو بالتَّصحيف ... بَعْدَ القَلْبِ في عين (١)
стр. 822
فأجابه:. . . . (١)
ولنختم هذا الفَصْلَ بشيءٍ مِنْ ألغازه التي ما علمتُ عنها جوابًا، ونبذةٍ مِنْ مقاطيعه [البديعة معنى وخطابًا] (٢).
فمِنَ الأول:
قوله في أنس:
لك أخبارُ معال (٣) ... خُبْرُها في النَّاسِ أحسَنْ
وسَناءٌ في اطِّرادٍ ... بانعكاسِ الضِّدِّ أعلَنْ
أيُّما اسمٍ هو فِعْلٌ ... مع تحريفٍ يُعَيَّنْ
لم يَبِنْ إنْ صحَّفوه ... ومَعَ الحَذْفِ تبيَّنْ
وقوله في إسماعيل:
لي عامٌ ساءَ قلبي ... فيه بُعدي عن حبيبي
أضمَرَ القلبُ اسمَهُ عَنْ ... كلِّ لاحٍ ورقيبِ
وقوله:
يا إمامًا فضلُه في ... كلِّ معنى ليس يُحصَرْ
أيُّ شَيءٍ قلتُه في ... كلِّ بحرٍ قد تقَرَّرْ
أنت إن بدَّلتَ منه ... ثلْثَهُ الآخر (٤) يظهرْ
وقوله:
ما اسم أُحاجيكَ به يا فتى .. دام على كلِّ بليغٍ مَسُودِ
إنْ بدَّلَ القلبَ أخو فِطنَةٍ ... سوفَ يراهُ طالعًا بالسُّعودِ
стр. 823
فقِسْ مَحَلْ اللُّغْزِ تجْرَحْ (١) بِه ... مِنْ بعد تصحيفِكَ قلبَ الحَسُودِ
وقوله في ناقة:
يا أيُّها القارىءُ ما آيةٌ ... أحرُفُها أبعةٌ ظاهِرهْ
وقيل حرف واحدٍ كلُّها ... فاعجب لها مِنْ آيةٍ باهرَهْ
وقوله في مصحف:
وما اسمٌ شريفٌ في اسمه وصفاتِه ... ومقداره مِنْ (٢) كلِّ ما لاح أشرفُ
يحرِّفُه الأعداءُ لكن مُحبّه ... إذا حرَّفوه قال: هذا مُصحفُ
وقوله في عرفة:
ما اسمٌ يحبُّه أولو (٣) التقى (٤) غدا ... ظرفَ مكانٍ وزمانٍ وصِفَهْ
يخفى على ذي الحِذْقِ لكن إن بدا ... مِنْ بعد وَصْفٍ فيه بقلبٍ عرفهْ
[مقاطيعه]
ومِنَ الثاني قوله:
وقائلٍ هلْ عملٌ صالحٌ ... أعددتَه يدفعُ عنك الكُرَبْ
فقلت: حسبي خدمةُ المصطفى ... وحبُّه، "فالمرءُ مع مَنْ أحبْ"
وقوله:
يقولُ حسودي إذْ مدحتُ محمَّدًا ... ليَشْفَعَ لي هل أنت بالشِّعرِ واصلُ
وهل لكَ عند المصطفى مِنْ وسيلةٍ ... وهل أنتَ مستجدٍ؟ فقلت: وسائلُ
стр. 824
وقوله:
أفٍّ لمدَّعي الاتِّحاد فأهلُها ... منْهَا جَهْمٌ في الدِّين أصبح أعوجا
إن قمتُ أهجوهُم فإنِّي باتِّباعِ ... السُّنَّة الغرَّاء أقومُ مَنْهَجَا
وقوله، وكتبهما في خطبة "ديوانه":
يا سيّدًا طالعَهُ ... إنْ راقَ معناه فعُدْ
وافتَحْ له بابَ الرِّضا ... وإنْ تَجِدْ عَيْبًا فسُدْ
وقوله في العشرة المشهودِ لهم بالجنة، فلم يُسبَق، لكونهم في بيت واحد:
لقد بشَّر الهادي مِنَ الصَّحْبِ زُمرةً ... بجنَّاتِ عَدْنٍ كلَّهُم فضلُه اشتهَرْ
سعيدٌ زُبيرٌ سَعْدُ طلحةُ عامرٌ ... أبو بكر عثمانُ ابن عوف عليٌّ عُمَرْ
وقولُه مِن أبيات:
النَّاسُ بالحقِّ قد أقرُّوا ... أنَّ المعالي لكُمْ قرارُ
واتَّفقُوا أنَّكَ المُعلَّى ... ما اختلفَ اللَّيلُ والنَّهارُ
وقوله، وقد وقف على قولِ الأصمعي: مِنْ لم يحتمل ذُلَّ التَّعلُّم ساعة، بقِيَ في ذُلِّ الجهلِ أبدًا.
عن الأصمعيِّ جاءت إلينا مقالةٌ ... تُجدِّدُ بالإحسان في النَّاسِ ذِكْرَهُ
متى يحتَمل ذُلِّ التعلُّمِ ساعةً ... وإلَّا ففي ذُلِّ الجهالةِ دهرَهُ (١)
стр. 825
وقوله:
لذَّةُ دنياكَ (١) بسبعٍ فاعلَمِ ... يجمعُها قولُك للمستفهِمِ
اسكن كل اشرَبْ البَسْ ... اسمع نك نمِ
وقوله:
والَهْفَ نفسي على سبعٍ لو اجتمعَتْ ... عندي فإنِّيَ للَّذات محتَقِرُ
بيتٌ على البحرِ والبستانُ داخلُهُ ... والبابليُّ والبقا والبدرُ والبِدَرُ
وقوله:
ثلاثٌ مِنَ الدُّنيا إذا هي حُصِّلَتْ ... لشخصٍ فلَنْ يخشى مِنْ الضُّرِّ والضَّيْرِ (٢)
غنًى عَنْ بينها والسَّلامةُ منهمُ ... وصحَّةُ جسمٍ ثمَّ خاتمةُ الخَيْرِ
وقوله:
دعِ الذَّمَّ للدُّنيا فكم مِنْ مُوَفَّقٍ ... يقولُ وقد لاقي النَّعيمَ بجنَّةِ
حياتي لو مُدَّتْ لزادت سعادتي ... فيا ليتَ أيَّامي أُطِيلَتْ ومُدَّتي
وقوله:
مَنْ يأتِ معصيةً فليُخْفها حذرًا ... مِنْ أن يَعُمَّ البلا بالنَّاس إن جَهَرَا
وكارِهُ المنْكَرِ الدَّاني كغائِبه ... ومن نأى وهو راضٍ مثلُ مَنْ حَضَرَا (٣)
وقوله، وكتب بها إلى القاضي صدر الدين الأدَمي أوَّل ما وَليَ كتابة السِّرِّ بدمشق عِوَضًا عَنِ الشَّريف علاءِ الدِّين:
стр. 826
تهنَّ بصدرِ الدِّين يا منصبًا سما ... وقُلْ لعلاء الدِّين فليتأدَّبَا
له شرفٌ عالٍ وبيتٌ ومنصِبٌ ... ولكن رأينا الصَّدرَ للسِّرِّ أنسبَا
وقوله:
باللَّه سر يا رسولَ حِبِّي ... إليه إذ ظلَّ لي مُبَاعِدْ
فإنْ جرى عندَه حديثي ... أعِنْ وكُنْ لي يدًا وساعِدْ
وقوله:
رأينا معيدًا جالسًا وسْطَ حلقةٍ ... فقيل تعالَوْا تسمَعُوا الأوحدَ الفَرْدَا
سيُبدي لكم لما (١) يعيدُ فضائلًا ... فلمّا رآنا لا أعادَ ولا أبدى
وقوله:
أُنهي (٢) بحضرتك السعيدة أنّني ... مِنْ فرطِ ما هَمَلَتْ دموعي أرمَدُ
وعجَزْتُ حتَّى ليس لي سَمْعٌ لمَنْ ... يُلحي وليس بِدَفْعِهِم عني يدُ
وقوله:
أيُّها النَّجمُ دعاءٌ ... مِنْ سقيمٍ كاد يَهْلَكْ
عُدْتَه يومًا وما (٣) عُدْتَ ... فإيهٍ عُدْ بفضلِكْ
قلت: وهما مِنْ محاسن قوله، لأنَّه جمع المعاني الثَّلاثة التي قال فيها القائل:
مِرضْتُ للَّه قومٌ ... ما فيهمُ مَنْ جفاني
عادوا وعادوا وعادوا ... على اختلافِ المعاني
стр. 827
يعني: أن الأول: مِنَ العيادة، والثاني: مِنَ العَوْد، والثَّالث: مِنْ قولهم: اللهمَّ عُدْ علينا مِنْ فضلِك، [أو مِنَ العائدة الصِّلة] (١):
وقوله في مقدمة كتاب جاءه ممَّن يُسمَّى بأبي بكر:
أتاني كتابٌ منكَ أحسِبُ أنَّه ... حوى زهرة المنثورِ والعنبر الشِّحري
تقدَّمْتَ فيه الكاتبينَ وفُقْتَهُم ... بفضلِكَ والتَّقديمُ حقُّ أبي بكرِ
وقوله في رسالة للزِّيني عبد الباسط لمَّا حجَّ في سنة أربعٍ وثلاثين:
مَنْ فاته أنْ يراك يومًا ... فكلُّ أوقاتِه فواتُ
وأينَ ما كنتَ في جهاتٍ ... فلي إلى وجهِكَ التفاتُ
وقوله:
أمولاي نورَ الدِّين دعوة مُبعَدٍ ... حزينٍ قضى أنَّ الوِصالَ سُرُووُهُ
يَقيكَ بقلبٍ أنتَ أوقدتَ نارَهُ ... ويَفديك بالطَّرف الذي أنت نورُهُ
وقوله:
مولاي نورَ الدِّين غبتَ ... فزادَ دمعُ العين فيضا
ومضى الرُّقادُ وناظري ... مِنْ بعدِه والنُّورُ أيضا
وقوله:
أنسَ فلانُ الدِّين ذكرى مَنْ مضى ... كرمًا وبأسًا ما عليه غطاءُ
فَلَنَا نهارُ الحربِ منه مجاهدٌ ... ولنا نهارُ السِّلْمِ منه عطاءُ
(وقوله) (٢) مِنْ قصيدة طويلة:
стр. 828
مَنْ للغريب مساعدٌ ومُدارِ ... غيرُ اللَّطيف بجودِه المِدْرارِ
مَنْ للغريب المُبتلى بصبابةٍ ... ونوًى فلا ينفكُّ في أفكارِ
قد كان لا يرضى الوصالَ تجنِّيًا ... والآن يقنَعُ بالخيالِ السَّاري
وقوله ردًا على الشهاب بن فضل اللَّه، حيث قال إذ ألزم شهُودَ دمشق بإرخاء العذَبات (١).
أدلَتْ شهودُ الشَّامِ خلفهُمُ ... ذوائبًا في العيان تُحتَقَرُ
كانوا بني آدمَ فمنذ بدت ... أذنابُهم صحَّ أنَّهم بقرُ
فقال:
قل للَّذي شبَّه الذوائب بالأذنا ... بِ أخطأت ما هم بقرُ
فآية الرَّأس ليس تُشبِهُ ما ... في السُّفل بل في غصونهم ثمرُ
(وقوله) (٢) لما سقطت منارةُ الجامَعِ المؤيَّدي:
لجامعِ مولانا المؤيَّد رَوْنَقٌ ... منارتُه بالحُسْنِ تزهو وبالزَّيْنِ
تقولُ وقد مالت عَنِ القَصْدٍ أمهِلُوا ... فليس على جسمي أضرُّ مِنَ العينِ
فتوهَّم الشَّيخُ بدر الدين العيني أنَّه عرَّضَ به، فقيل -وهما للنَّواجي المسكين (٣) -:
منارةٌ كعروس الحُسْنِ إذ جُلِيَتْ ... وهدَّمَها بقضاءِ اللَّه والقدرِ
قالوا: أُصيبَت بعينٍ قلت: ذا غلطٌ ... ما أوجبَ الهَدْمَ إلَّا خسَّةُ الحَجرِ
وكان سبقهما التَّقِيُّ بن حجَّة، وعرَّض بين البُرجي ناظِر العمارة، فقال:
стр. 829
على البُرجِ مِنْ بابَيْ (١) زويلة أُنشِئَت ... منارةُ بيت اللَّه والمعهدِ المُنجي
فأخنى بها البُرجُ الخبيثُ أمالها ... ألا صَرِّحُوا يا قومُ باللَّعنِ للبُرجي
وكذا قال شعبانُ الآثري:
عَتِبْنا على ميل المنارِ زويلةً ... وقلنا تركْتِ الناسَ بالميل في هَرْجِ
فقالت قريني برجُ نَحسٍ أمالني ... فلا بارك الرَّحمن في ذلك البرجِ
وأنشدني الشيخ نجمُ الدين بنُ النَّبيه أوحد الموقعين (لنفسه) (٢) معرضًا عن هذه المعاني كلِّها، فقال:
يقولون في مَيْلِ المنارِ تواضُعٌ ... وعينٌ وأقوالٌ وعندي جَلِيُّها
فلا البُرْجُ أخنى والحجارةُ لم تُعَبْ ... ولكن عروسٌ أثقلتها حُلِيُّها
وقال أيضًا:
بجامعِ مولانا المؤيَّد أُنشِئَتْ ... عروسٌ سمَتْ ما خِلْتُ قطُّ مثالَها
ومُذ علِمَتْ أنْ لا نظيرَ لها انثنتُ ... وأعجبَها والعجبُ عنَّا أمالَها
ومن نظم شيخنا مَوَالْيَا قوله:
لك يا علي عينْ ... نقدُها بألف عينْ
ووجه مِنْ عينْ ... شمس الحُسن نُورُ وعينْ
وكم عليك عينْ ... أجْرَتْ دمع عيني عينْ
لا صابتْكَ عينْ ... يا مَنْ أوَّل اسْمُو عينْ
[الأولى: الجارحة، والثانية: الذهب، والثالثة: الذات، والرابعة: الحقيقة، والخامسة: الرقيب، والسَّادسة: الماء، والسابعة: العيان، والثامنة:
стр. 830
الحرف] (١).
وله موشحات وزجل واحد نَظَمُه تجربةً لخاطره. وله دُوبيت:
يا مَنْ هجروا فالصَّبرُ كالرَّبع عفا ... والدَّمع مِنَ الجفونِ حسبي وكفى
رِقُّوا لفتى لرقّه ملكُكُم قد راق ... نسيب منه فيكم وصَفَا
وقوله:
العارضُ فوقَ الورد زاهٍ زاهر ... يا بدر لوَجْنَتَيْك باهٍ باهر
والقلبُ لصبري عنك ناهٍ ناهر ... والطَّرف وقد نأيت ساهٍ ساهر
وكان ﵀ إليه المنتهى في كلِّ ما يصدُرُ عنه مِنْ ذلك في سائر أنواعه، مع سرعة عمله، كما ستأتي الإشارة لذلك عقب جوابه عن أبيات (أيا عُلماء الدِّين) مِنَ الفصل الذي بعد هذا (٢).
وقد رثى شيخه البلقيني بقصيدة طويلة طنَّانة تزيدُ على ثمانين بيتًا، لم يتَّفق لأحدٍ مِنْ طلبة الشَّيخ ومحبِّيه -مع كثرتهم وتفتُّنهم- أن يأتي بنظيرها وقد جازاه ولدُه على ذلك بما لا يقابلُه عليه إلَّا الذي أنطقه به.
وكذا له مرثيَّة لشيخه العراقي قافِيَّةٌ بديعةٌ في معناها (٣).
وممَّا نُسِبَ إليه ما وُجِدَ بمجلس السُّلطان المؤيَّد في شعبان سنة إحدى وعشرين وثمانمائة في ورقه نصُّها:
يا أيُّها الملك المؤيَّدُ دَعْوَة ... مِنْ مخلصٍ في حُبِّه لك ينصَحُ
انظُر لحالٍ الشَّافعيَّة نَظْرَةً ... فالقاضيان كلاهُما لا يصلُحُ
стр. 831
هذا أقاربه (١) عقاربُ وابنُه ... وأخٌ وصِهْرٌ فِعْلُهُمْ مستَقْبَحُ
غطَّوْا محاسنه (٢) بقُبْحِ صنيعهم ... ومتى دعاهم للهدى لا يُفلحُ
وأخو هراة بسيرةِ اللَّنك اقتدى ... فلَهُ سهامٌ في الجوارحِ تَجْرَحُ
لا درسُه يقرا ولا أحكامُه ... تُدرى ولا حِينَ الخَطَابَة يُفصِحُ
فافرْج هُمومَ المسلمين بثالثٍ ... فعسى فسادٌ منهم يُسْتَصْلَحُ (٣)
ووقعت الموقع مِنَ السلطان، وصار يكرر إنشادها، فرحمه اللَّه تعالى كيف لو أدرك زماننا هذا، وقد طُمِسَ الصَّلاحُ بفساده، وسكن إنكار المنكر مِنْ المؤمن في صميم فؤاده. نسأل اللَّه حُسْنَ الخاتمة.
ويقرُب مِنْ هذا ما في ترجمة عبد الحاكم بن سعيد مِنْ قضاة مصر في قاضيين مِنْ أبيات فيها:
فلا ذا بسيرته يُرتضى ... ولا ذا بتدبيره يُسْتَضا
فهذا رئيسٌ به لوثَةٌ ... وهذا وضيعٌ بعيدُ الرِّضا
فما فيهما أحدٌ يُرتجى ... ولا فيهما أحدٌ يُرتضى
فلا بارك اللَّه فيمن أتى ... ولا بارك اللَّه فيمن مضى
стр. 832
الفصل الخامس فيما ورد عليه من الأسئلة المنظومة وجوابه عنها بفكرته المستقيمة
فمن ذلك ما كتب إليه إبراهيم بن عمر البقاعي (١)، ونصُّه:
الحمد للَّه العليِّ (٢) الأمجَدِ ... الجاكمِ العدلِ الجليل السَّيِّدِ
ثم الصلاة مع السلام على الرَّ ... سولِ وآلِهِ والصَّحب أهْلِ السُّؤْدُدِ
ما قولُ شيخِ العصْرِ حافظِ وقته ... أستاذِ أهلِ الدَّهر نجمِ المهتدي
زين الزَّمان طرازِه سلطانِه ... مَلكِ العلوم به الأئمة تقتدي
علَّامةِ الدُّنيا ضِيَا أيامِها ... عين العبادِ إمامِ كلِّ مُوَحِّدِ
جبلِ الفحول وحَبرهم بل بحرهم ... قاضي القضاة شهاب ملَّةِ أحمدِ
في ناظرٍ ولَّى عميًّا جاهلًا ... تدريسَ أخبارِ النبيِّ محمَّدِ
ثمَّ ارتماه حين حقَّق جهله ... وأقرَّ من يرضى لهذا المقصِدِ
ثم ارتضى الغمرَ الغبيَّ فردَّه ... وأقرّه مِنْ بعدِ عَزْلِ الأرشدِ
стр. 833
هل كان تقرير الجهُولِ محرّمًا ... بَدْءًا عليه عند كلِّ مُسَدَّدِ
وهل التَّفَحُّصُ كان عنه واجبًا ... قَبْل الولاية يا كريمَ المحتدِ
أو فاسقٍ هو مِنْ وظائف دينه ... عزل بتقرير الجهول المُعْتَدِ
وبما يُؤدِّبُ ذا العَريّ بفعله ... إن مَدَّهُ في سَعْيه بتمرُّدِ
لا سيما مع عزل الآهل ومنعه ... مِنْ غير جُرْمِ ناله يا سيِّدِي
وهل السُّكوتُ لقادِر عن زجرِهِ ... جُرْمٌ يؤدي للشَّقاوةِ في غدِ
ومن المصادف صحّة تقريره ... يا منقذَ الحيرى وأحسنَ مرشدِ
فانظم بجدِّك شملَ عبدٍ وانثرن ... أهلَ الضَّلالةِ بالكلامِ الأحمدِ
فأجابه بعد أن غيَّر في السُّؤال عدَّة ألفاظٍ، وكذا غيَّر غيره ممَّن أخذ عني الشَّطر الأول مِنَ البيت الثالث:
أثني على ربِّي بحمدٍ سرمدي ... دَأبًا يرُوحُ مع الحياةِ ويغتدي
ثمَّ الصَّلاةُ مع السَّلام الأكملا ... ن الأطيان على النَّبي محمَّدِ
والآل والصَّحبِ الكرامِ ومَنْ على ... آثارِهِم مِنْ مُقْتَفٍ أو مقتدي
هذا وإن الناسَ ذا الوقت اقتدَوا ... في أمر دينهمُ بغير المهتدي (١)
لا يعرِفُون الحقَّ بل هو عندهم ... كالنَّوم قد فَقَدَتْه عينُ الأرمَدِ
بعضٌ على بعضٍ مشى لكن على ... طُرُقِ الضَّلالِ وسادَ غير مُسَوَّدِ
وتراأَسَ الأنذالُ فيهم فانْثَنى ... مَنْ كان ذا تقوى بقلبٍ مُكْمَدِ
وتغيَّرت أحوالُهم فالدِّينُ عا ... دَ كما بدا في غُربةٍ وتوحُّدِ
يا قلبُ دَعْ هذا وعُدْ لجواب مَنْ ... وافاك يسأل عَنْ فِعالِ المعتدي
رَكِبَ الهوى فهوى وأقلع نادِمًا ... ثمَّ ارتمى في غيِّه المتردِّدِ
مَنْ يرتضي الغَمْرَ السَّفيه ويعزلُ الـ ... ـحُرَّ الرَّشيدَ فذاك غيرُ الأرْشَدِ
стр. 834
فمتى تعمَّدَ فعلَ ذاكَ وقد درى ... تحريمه وأصرَّ في الفعلِ الرَّدِي
يفسق ويُعْزَلُ مِنْ وظائِفه وفي ... تعزيرِه بالعزلِ أقصى المقصِدِ
حتَّى يتوبَ عَنِ اللَّجاجِ وينتهي ... فيعودُ فيما كان فيه ويبتدي
يا بُؤسَ كلِّ معاندٍ في الحقِّ بَلْ ... نِعْمَ المساعدُ ثم سَعْدُ المُسْعِدِي
هذا جوابي عاجلًا نظَّمتُه ... متبلِّدًا عن خاطرٍ مُتَبدِّدِ
وعلى النَّبيِّ مِنَ المليكِ صلاتُه ... وسلامُه دَأْبي أُتِمُّ وأبتدي
قلت (١): وممَّن أجاب ناظم هذه المسألة عن سؤاله بحاصل ما أجابَهُ بِه صاحبُ الترجمة في مقالهِ جماعة، وهم: مِنَ الشَّافعية: البُلقيني، ومِنَ الحنفية: ابن الدّيري، كلاهما نثرًا ثمَّ نظمًا، وكذا مِنَ الحنفية: العيني، ومن المالكيَّة: الشهاب بن تقي والعلم الأخنائي والبدر بن التَّنسي، أربعتهم نظمًا. ومن الحنابلة: المحبُ بن نصر اللَّه نثرًا ثم نظمًا، وتقرَّرَ عنده الحكمُ منهم.
ثم بعد أزيدَ مِنْ أربعين سنة بَسْبَسَ ووسوس في الوقوع في أشد مما سأل عنه، مع كونه ممَّن لا اعتداد بموافقته ولا مخالفته. ولكن كُلٌّ يعملُ على شاكلته.
إذا رَضِيَتْ عنِّي خيارُ عشَيرتي ... فلا زالَ غضبانًا عليَّ شِرارُها
وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ أعانَ في خُصومةٍ بباطلٍ، لم يَزَلْ في سَخَطِ اللَّه حتَّى ينزعَ". نسأل اللَّه العافية مِنْ كلِّ بليَّةٍ.
وكتب إليه الشهاب أحمد السُّنباطي ما نصُّه، وهو مِنْ نظم القاضي شمس الدين ابن كُمَيل المنصوري كما علمتُه بعد:
يا أيُّها الحبرُ الإمامُ المطلبُ ... يا فاتحًا أقفالَ ما يُستصْعَبُ
يا قامعًا أهلَ الضَّلال ودامغًا ... أهلَ المُحَالِ وللجهالةِ مُذْهِبُ
يا مَنْ لعُمْدَةِ عصرنا إنسانُها ... ولجِلَّةِ العصرِ الطرازُ المُذْهَبُ
أنتَ الشِّهابُ المستضاءُ بنورِهِ ... فيكَ استضاءَ مَشَرِّقٌ ومُغرِّبُ
стр. 835
ما قولُكم في مسلمٍ متزوِّجٍ ... ثنتينِ للأولى (١) يميلُ ويقرُبُ
وإذا أراد جماعَ الاخرى عاقهُ ... عُدْمُ انتشارٍ فهو عنها يُحْجَبُ
هل للتي لا يُستطاع جماعُها ... طلبُ انفساخٍ أم له لا تطلُبُ
إنْ قيل إنَّ لها انفساخًا (٢) كيف ذا ... مع وَطْئِه الأولى وهذا مُعْجَبُ
نرجوا الجوابَ معلَّلًا بدليله ... مِنْ سُنَّةٍ أو مِنْ قياسٍ يُصْحَبُ
أو مِنْ كتابٍ مُسنَدٍ لأئمةٍ ... ألفاظُهم بين الورى تُسْتَعْذَبُ
ولك الثَّوابُ عن الجواب إذا بدا ... يومَ القيامةِ كلُّ هولٍ مُصْعَبُ
عِشْ سالمًا لا فُضَّ فوكَ ولا هنا ... عيشٌ لمَنْ يجفوك يا ذا المطلبُ
ثمَّ الصَّلاةُ على النَّبيِّ وآلِه ... ما زَمْجَرَتْ رعدٌ ووافى صيِّبُ
وكتب السَّائل في ظهر السؤال ما حاصله: إنَّه سأل عنه الشيخَ شمس الدين القاياتي، وكان إذ ذاك قاضي القضاة، فلم يُجب عنه بعد أن أقام عنده نحو الخمسين يومًا، لعجزه عَنِ النظم. وألحَّ على صاحب التَّرجمة في الجواب، فكتب، وأُخبرتُ أن ذلك ارتجالًا:
مِنْ بعد حمد اللَّه مَنْ لا يعزُبُ ... عَن علمِه بادٍ ولا مُسْتَغرَبُ
ثمَّ الصَّلاةُ على النَّبيِّ محمَّدٍ ... والآل والأتباع ممَّن يُصحَبُ
قال الفقير العبد أحمد مِنْ (٣) غدا ... بين الأنام العسقلاني (٤) يُنْسَبُ
العلم أفضل ما اقتناه مكلَّفٌ ... لا سيَّما الشَّرعي (٥) فهو المطربُ (٦)
стр. 836
الفقهُ والتَّفسير والخَبَرُ الذي ... يُروى فذاك الموردُ المستَعْذَبُ
وسوى الثَّلاثةِ آلةٌ للمُنْتَهي ... فيها اللَّسان مِنَ العقول (١) يُهَذَّبُ
وفضيلة المنظوم إن تَكُ فضلةً ... تُحْمَد وإلا فهو ما لا يعجبُ
ولقَدْ وقفتُ على سؤال مهذَّبٍ ... في النَّظم يقرُب مِنْ عُلاه الكوكبُ
مستكشِفًا عَنْ حُكم مسألة لها ... غَوْرٌ وعلةُ حُكمِها قد تَصْعُبُ
إن كان ذو (٢) الزوجين يُحْجبُ عنهُما ... أو كان عَنْ إحداهما يتَحجَّبُ
فالأوَّلُ العِنِّينُ والثاني كذا ... فالحكمُ للأخرى التي لا تُقرَبُ
ودليلُه حكمُ القياس لنظمِ ذا ... مع تلك في ققد التِذاذٍ يُطرِبُ
ولأجل ذا ثبتَ الخِيَارُ لها إذا ... جلّ البلا لهما وعزَّ المطْلَبُ
والرَّافعيُّ مصرِّحٌ بالحكمِ في ... هذا ومِنْ بعد "الوجيزِ" "المطلبُ"
هذا جوابُ العبد أحمدَ راجيًا ... بعد القَبُولِ العفوَ عَنْ ما يُذْنِبُ
وكتب إليه عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن العديم، [ثم أخبرني الخطيب تقي الدين عبد الرحمن السَّمَنُّودي -وهو ثقة- أنها لوالده شرف الدين يحيى بن شرف الدين موسى بن محمد العسَاسِّي (٣) السَّمَنُّودي الخطيب، وأن والده قدَّمها لصاحب الترجمة يوم عَرَضَ ولدُه (المخبِرُ) (٤) المذكور عليه "المنهاج"، فأجابه عنها مي الوقت بالجواب المذكور، وهو عنده بخط المجيب، والمسجد بسمنُّود، والكائنةُ معروفةٌ بين أهلها] (٥):
ما قول سيدنا (المولى) (٦) الإمام أبي الـ ... ـعباس قاضي القُضاة العلم والعَمَلِ
стр. 837
مفتي الأنام ومِصباح الظَّلام ومَنْ ... له سماءُ الفضل بين النَّاس والدُّوَلِ
في مسجدٍ بسَمَنُّود (١) يؤمُّ به ... شخصٌ ويأكل رُبْعَ الوَقْفِ لم يُبَلِ
وقد تداعى بناهُ مِنْ جوانبه ... وناظرُ الوقفِ أمسي عنه في شُغُلِ
فهل يقدِّمُ إصلاحَ المكان على ... إمامةٍ وبنا ما كان مِنْ خَلَلِ
أم يأخذُ الرُّبعَ والإصلاح يتركُه ... ويجعلُ الأمرَ موقوفًا على العِلَلِ
أفتي بعلمِكَ ماجورًا تُثابُ على ... فعلِ الجميلِ وخلِّصنا مِنَ الزَّلَلِ
فأجابه:
الحمد للَّه هادي مَنْ يشاء إلى ... صراطه المستقيمِ الواضحِ السُّبُلِ
ثمَّ السَّلامُ الذي يتلو الصَّلاة على ... محمَّدٍ خاتم الأنبياء والرُّسُلِ
وبعدُ، فالأمرُ بالمعروف عزَّ ومَنْ ... يأتي المناكِر عند النَّهي لم يُبَلِ
عِمَارةُ الوقفِ ما زالت مقدَّمةً ... إن قالها واقفٌ أو كان لم يَقُلِ
وفي الإمامةِ ما بين الأئمة منْ ... قبل اختلاف بجَعْلِ الجُعْلِ لم يزَلِ
فلا تقدِّم ما فيه الخلافُ على ... ذي الاتِّفاقِ فهذا فعلُ ذي خَطَلِ
هذا جوابُ سؤالِ الحَبْرِ سطَّره ... بخطِّه العبدُ طوعًا أحمدُ بنُ علي
قلت: وقد قال شيخنا أبو النَّعيم رضوان المستملي -فيما قرأته بخطه-: لو قال السائل:
مِنْ بعدِ حَمْدِ إلهي خالقِ الدُّولِ ... ثم الصَّلاة على مَنْ سادَ في الرُّسلِ
ما قولُ سيِّدِنا قاضي القضاة [أبي الـ ... ـفضلِ] (٢) الذي شهدت بفضله فضَلاء العِلْمِ والعَمَلِ
стр. 838
لسَلِمَ مِنْ كُنيته (١) بأبي العباس، ولأتى بالسُّنَّة في البداءة بالصَّلاة والسَّلام على رسوله ﷺ .
وكتب إليه الزَّينُ عبدُ اللطيف بن الشمس محمد بن جمال الدين عبد اللَّه الجَوْجَري:
قاضي القُضاة وصاحبَ الجاهِ الوفي ... قلبي يحدِّثُني بأنَّك مُنصفي
هذا سؤال غيرَ بابِكَ لم يَزُرْ ... أحدًا وكيف يزورُ مَنْ لم يعرفِ
في حالفٍ بطلاقه وعِتاقه ... ابن النُّباتةِ فاق أشعار الصَّفي
فأجابه رجلٌ بمثل يمينه ... أن الصَّفيَّ زلالهُ العذب الصَّفي
وله "البديعة" والبديع بنثره ... وبنظمه خلقٌ بغيرِ تكلُّفِ
فأبِنْ بفضلٍ عن سؤالي (٢) شافيًا ... فلعلَّ نارَ جوانحي أن تنطفي
فأجابه بقوله:
يا مَنْ يُسائِلُني عن ابنِ نُباتةٍ ... وعَنِ الصَّفي الحلِّيِّ كيما يَصْطَفِي
اسمع مقالة عادلٍ في حُكْمِهِ ... بالذَّوف لا يُصغي لِمَنْ لم يُنصِفِ
مصرِيُّنا في نظمه أحلى ومَنْ ... رام انسجامًا راقه شِعْرُ الصَّفي
وطريقةُ الحِلِّيِّ شارَكهُ بها ... مَنْ ليس يُحصى مِنْ شهيرٍ أو خفي
وجمالُنا سَلَكَ الطَّريق الفاضِليَّـ ... ـةَ فاكتسى منها الجمالَ اليوسُفِي
في نظمه الزَّاهي وفي منثُورِه الـ ... ـباهي وفي الحظِّ القويِّ وفي وفي
ويقال: إنَّ الشَّيخ سعد الدين بن الدَّيري سُئل عن ذلك أيضًا، ولم يكن حينئذٍ قاضيًا، وأنَّه ابتُدىء السؤال بقوله: شيخ الشيوخ، فأجابه بقوله:
يا سائلي عن حالِفَيْنِ تجاذبا ... طَرَفيْ نقيضٍ مع ألِيَّة مسرفِ
стр. 839
قد حادَ كلٌّ عن سواء مَحَجَّةٍ ... إذ أطلق التَّفْضيل للمستوصِفِ
إني وقد عزَّ (١) التَّفاضل فيهما ... في الجانبين فمن بقي لم يعرفِ
ولئن سما نظمْ لنَجْلٍ نُباتةٍ ... بتغزُّلٍ وترفُّقٍ وتألُّفِ
وقريحةٍ شقَّت معاني أنبأتْ ... عَنْ حُسْنِ مأخذ مُنْشِىءٍ أوْ مَقْتفِي
فلكَمُ جَنَتْ (٢) أيدي البديع جنًى دَنَا ... وصفا لمُشْتَارٍ مِنَ الدُّرِّ الصَّفي
إن لم يكن كلٌّ بدا متأوِّلًا ... فالحِنْثُ حَتْمٌ لازمٌ لا يختفي
لكن أعم نظام الأوَّل فائقٌ ... عند الأعمِّ فبَرُّ ناويه وفي
ولربَّما اقتضت البواطنُ ضدَّ ما ... اقتضيتِ الظَّواهرُ فاحكُمَنْ بتوقُّفِ
هذا وتركُ الخوضِ في أمثال ذا ... أولى وأسلمُ منْ شباكِ الموقفِ
وكتب إليه التَّاجُ عبد الوهاب بن شَرَف (٣) ما سمعته منه، فقال:
يا مَنْ قطفتم مِنَ الآداب أزهارًا ... ومِنْ علوم النُّهي والنَّقْلِ أثمارا
ماذا تقُولُون في أمرِ الوباءِ إذا ... نجمُ الثُّريا بدا مِنْ بعدِ ما غارا
وما المُرادُ مِنَ الغُفْرانِ تسألُه ... عنِ الصِّغار وما فارَقْنَ أوزارا
فاغنَم ثوابَيْنِ مِنْ أجل ابنِ مسألةٍ ... فقد تركت (٤) له سمعًا وابصارا
فأجاب:
إذا الثُّريَّا صَبَاحًا حين تطلُع لا ... يخشي على (٥) الزَّرْعِ مِنْ عاهاته عارا
стр. 840
كذا روى الطبراني في "الصغير" وعن ... أبي حنيفة جا التَّقييدُ أثمارا
وجاء عامًا بلفظ النَّجم في السُّنَنِ الـ .... ـشَّهير عند أبي داود أذكارا
وحكمة الغُفْرِ للأطفال قد بَلَغَتْ ... سَبعَ احتمالاتٍ جلَّ اللَّه غَفَّارا
قلت (١): النَّجمُ: هو الثُّريَّا، كما بينه الطبراني في "الصَّغير" عَقِبَ روايته، وطلوعُها صباحًا يقع في أوَّل فصلِ الصَّيف، وذلك عند اشتداد الحرِّ في بلاد الحجاز، وابتداء نضج الثِّمار (٢).
وقد ذكر شيخُنا المسألة في بيع الثمار قبل أن يبدُو صلاحُها مِنْ "شرح البخاري" ولفظ الحديث، وهو عند أبي داود مِنْ طريق عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة، رفعه: "إذا طلع النَّجمُ صباحًا، رُفِعَتِ العاهةُ عَنْ كلِّ بلدة"، وكذا هو عند أبي حنيفة عن عطاء، مع اقتضاء النظم لخلافه.
نعم. قال أبو يوسف صاحبه: تفسير العاهة أن تُرْفَعَ عَنِ الثِّمار. قال: والنَّجم الثريا.
وروى أحمد مِنْ طريق عثمان بن عبد اللَّه بن سُراقة، قال: سألتُ ابنَ عمر عن بيع الثِّمار، فقال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الثِّمار حتَّى تذهبَ العاهَةُ. قلت: ومتى ذلك؟ قال: حتى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا.
لكن قد عزا شيخُنا في "شرحه" لفظ "رفِعَتِ العاهةُ عنِ الثمار" لرواية أبي حنيفة عن عطاء، وهو موافق لما في النَّظم، إلا أني لم أقف عليه كذلك، فيُحَرَّر.
ولا بأس بذكر الاحتمالات المشار إليها هنا لتتمَّ الفائدة.
стр. 841
قال صاحب الترجمة، وقد سئل عن قولهم في الصَّلاة على الجنازة: "اللهم اغفِرْ لحيِّنا وميِّتِنا وكبيرِنا وصغيرنا"، هل هو أمرٌ نسبىٌّ، وكلاهما مكلَّف، أو المراد بالصَّغير غيرُ المكلَّف؟ في نصه: يحتمل أوجُهًا:
أحدها: أن يكونَ المراد ما أشير إليه في السؤال، وهو اختصاص ذلك بالبالغين، والصَّغير والكبير فيهما نسبي.
ويحتمل أن يكون أيضًا خاصًا بهم، والصَّغير والكبير في الصفات لا في الأعمال.
ويحتمل أن يكون على عمومه في البالغ وغير البالغ، لكن مَنْ لم يبلُغ منهم يكون المرادُ بطلب المغفرةِ له تعليقها ببلوغه إذا بلغ، وفعل ما يحتج إلى المغفرة.
ويحتمل أيضًا أن يكون طلبُ المغفرة لغيرِ البالغ ينصرف إلى والديه، أو أحدهما، أو إلى مَنْ ربَّاه.
ويحتمل أن ينصرف إليه برفع منزلته مثلًا، كما في البالغ الذي لا ذنب له إذا فرض، كمن مات بعد بلوغه بقليل، أو بعد إسلامه الخالص بقليل.
ويحتمل أيضًا أن يتخرَّج على أحدِ أقوال العلماء في الأطفال، وعلى أحد أقوال العلماء في المراهق، وكذلك مَنْ بلغ العشر مِنَ السِّنين، فإنَّ كلَّ ذلك محتملٌ، لأن المسألة اجتهاديَّةٌ، فيحسُنُ الدُّعاءُ لهم باعتبارِ ذلك.
وهذا ما فتح اللَّه به مِنْ جواب هذا السؤال، ولم أقف على مَنْ جمع في هذا الجواب بين هذه الاحتمالات، واللَّه المانُّ بفضله. انتهى.
وحكي لي أن هذا الناظم لم يكتفِ بجوابِ صاحبِ التَّرجمة، وأنَّه كتبَ للبدر العينيِّ ما نصه:
ماذا يرى عين الورى العَينيُّ في ... حُكْمِ الوَبا إذا به النَّجْمُ الخَفِي
стр. 842
وسؤالنا الغفرانَ عندَ دُعائِنا ... لصغيرنا ونراه غيرَ مكلَّفِ
فاغنم إجابةَ سائل مُتَضَرِّعٍ ... يا أيُّها البحر العبابُ الحَيْرَفي
إني اهتديتُ بِسُؤْلِ غيرِكَ ضِلَّةً ... فظفرت مِنْ سؤلي بغيرِ معرِّفِ
فامتنع البدرُ مِنْ الجواب كما حكاه لي مَنْ كان عنده. وقال: إذا كان هذا المقول في فلان، فماذا يقولُ فينا، أو في غيره، أو كما قال.
وكتب إليه المذكور أيضًا، كما قرأته بخطه:
يا مَنْ يقولُ النَّثرَ درًا أزهرا ... والنَّظمَ ياقوتًا توقَّدَ أحمرا
ماذا يصحُّ روايةً ودِرايَةً ... فيما حكوه (١) مِنَ السَّماء إلى الثَّرى
فأجاب:
قد صحَّ خمس مِئن رواه الترمذي ... وإلى أبي ذرٍّ عزاه مقرَّرا
أو عشر سبع مِئنْ وثنتان روى ... هذا أبو داود فيما حبّرا
والجَمْعُ أنَّ الخمس للسِّير البَطِي ... والسبع (٢) للثاني والأوَّل شهرا
قلت: وما نسبه إلى الترمذي في خصوص كونه مِنْ حديث أبي ذر أشهر. والذي في الترمذي -وكذا عند أحمد- إنما هو مِنْ حديث الحسن عن أبي هريرة رفَعَهُ: "إنَّ بينَ كل سماء وسماءٍ خمسمائة عامٍ، وإنَّ سُمْكَ كلِّ سماءٍ كذلك، وإنَّ بين كلِّ أرضٍ وأرضٍ خمسمائة عامٍ".
نعم، حديث أبي ذرٍّ أخرجه إسحاق بن راهويه والبزَّار في "مسنديهما"، ولم يبين شيخنا صحابى حديث أبي داود، وهو عنده، وكذا الترمذي وابن ماجه جميعًا مِنْ حديث العبَّاس بن عبد المطَّلِب مرفوعًا: "بين كلِّ سماء وسماء إحدى أو اثنان وسبعون سنة".
стр. 843
وجُمع بينهما -كما أشار إليه شيخُنا- بأن اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السير وسرعته. انتهى.
وقد سأل عن هذا السؤال بعينه -لكن نثرًا- الشيخ جلال الدين المحلي، وأجابه صاحب الترجمة عنه بما أثبته في موضع آخر، واللَّه المستعان.
وكتب إليه الشريف صلاح الدين محمد بن أبي بكر الأسيوطي يوم ختم "شرح البخاري" وهم بالتَّاج ما نصه: ما يقول شيخ المُحَدِّثين الأقدمين والمُحدَثين، فائق الكمال والإكمال بتهذيبه وتقريبه، غُنْيَةُ الطَّلبَة، كفاية الطَّلِبَة، نهاية الأرب في فنون الأدب، علَّامة ذوي الألمعية، قاضي قضاة الشافعية، أدام اللَّه مسراته، وحفظه وسراته، في قول القائل، وإن لم يكن طائل:
لك الهنا بفضل منك يشمَلُنا ... معنًى وحسًّا بموجودٍ ومعدومِ
كم للبخاريِّ مِنْ شرحٍ وليس كما ... قد جاء شرحُكَ في فضلٍ وتتميمِ
شروحُها الذَّهبُ الإبريزُ ما حَظِيَتْ ... بمثلِ ذا الخَتْمِ في جمعٍ وتكريمِ
وشرحك الرائح المصريُّ بهجتُها ... وهل يوازَنُ إبريزٌ بمختُومِ
وفي هذا الثاني العاني بما اشتمل مِنَ المعاني:
أقاضي (١) قُضاة الدِّين حقًا بليغَهم ... ومَنْ هو في أوج (٢) المعاني كلامُهُ
شروح البخاري مُذْ سُقِينَا رحيقَها ... أتى شرحُك الوافي ومِسْكٌ ختامُهُ
هل بينهما تواخِي، أم لأحدهما عن الآخر تراخي؟ وهل صاحب هذه البيوت في قصور، أم حام حول خام مَنْ عليه الحُسْنُ مقصور؟ وهل له في مجاري الأدب أدنى يُنبوع، وما بحكم به الذَّوقُ السليم المطبوع؟
стр. 844
فإن تفضَّلتم الآن بجواب، فغيرُ بِدْع أنَّه يومُ الإجابة، مِنْ عدَلْتُم للاسترواح إلى غدٍ، فذاك عينُ الإصابة، ورأيُكم العالي أعلى، وحسبُنا اللَّه ونعم الوكيل.
فكتب ما نصه: أسألُ اللَّه حُسْنَ الخاتمة. ذقتُ حلاوة هذه الممالَحَةِ، وشرَحْتُ صدري بلطافة هذه المطارحة، وتبيِّن أن ناظِمَها واحدٌ حِسًّا ومعنى، بل أوحدُ في حُسْنِ التَّلطُّفِ وزيادةِ الحسنى، وهما يتجاذبان الجَوْدَةَ مِنْ هنا وهنا كالفرقدين، إذا تأمل ناظر. . . إلى آخره.
وكتب له الكاتب لي (١) بالإجازة الإمام شمس الدين محمد بن الخضر بن المصري من القدس الشريف ضمن مطالعة ما نصه:
يا حَافِظَ العَصْرِ ويا مَنْ له ... تُشَدُّ مِنْ أقصى البلادِ الرِّحَالْ
ويا إمامًا للورَى أمَّةً ... محطُّ آمالِ الثِّقاتِ الرِّجالْ
ابن العمادِ الشَّافعيِّ ادَعى ... رودَ ما فَاهَ بِهِ في المَقَالْ
"شراركم عزَّابكم" إنه في الـ ... الخَبَرِ المرويِّ حقًّا يُقَالْ
فهل أتى مِنْ مُسْنَدٍ ما ادّعى ... أو أثرٍ يَرويه أهلُ الكمالْ
بَيِّن رعاكَ اللَّه يا سيِّدي ... جوابَ ما ضمَّنْتُه في السُّؤالْ
لا زلت يا مولى لنا دائمًا ... في الحال والماضي كذا في المآلْ
فأجابه بقوله:
أهلًا بها بيضاءَ ذاتَ اكتحالْ ... بالنَّقْشِ يزهُو ثوبُها بالصِّقالْ
مَنَّتْ بوَصْلٍ بعد بُعْدٍ شفى ... مِنْ ألمِ الفُرقة بعدَ اعتلالْ
تسألُ هَلْ جاء لنا مُسْنَدًا ... عَنْ مَنْ له في المجدِ شأوُ الكَمَالْ
ذمُّ أُولي العُزْبَةِ قلنا: نعم ... مَنْ مال عَنْ إلْفٍ وفي الكَفِّ مالْ
стр. 845
أخرجه أحمد والموصلي ... والطبراني الرحَّال الصَّوَّالْ (١)
أراذلُ الأمواتِ عُزَّابُكم ... "شرارُكم عُزَّابكم" يا رِجالْ
مِنْ طُرُقٍ فيها اضطرابٌ ولا ... تخلُو مِنَ الضَّعف على كلِّ حالْ
وكتب إليه ابن المصري مِنَ القدس أيضًا ما نصه:
أسيدنا قاضي القُضاةِ ومَنْ غدا ... يُفيد طُلَّابَ العِلْمِ كلَّ غريبِ
حديثًا روينا في "ابنِ ماجَةَ" مسندًا ... بلفظ أبي الدَّرداء خيرِ حبيبِ
فمعناه خيرُ الرُّسْلِ لم يخْشَ فقرَنا ... يصدِّقُ هذا قلبُ كلِّ مُنيبِ
سوى صَبَّةِ الدُّنيا علينا تزيغُنا ... إلهيَّة في الزِّيغِ زَيغُ عجيبِ
فكُلٌّ نَحَا في النُّطق فيه مخالفًا ... لصاحبه معناه غيرُ قريبِ
فبيِّنْ رعاكَ اللَّه تحريرَ متنِه ... وألفاظِه بالقَوْلِ قولَ مصيبِ
فلا زلت يا مولى (٢) لكل ملمة ... فأنتَ إمامي في الورى ومُثيبي
فأجابه بقوله:
سألتَ رعاكَ اللَّه يا شَمْسَ دينِه ... لتُشْرِقَ إشراقًا بغيرِ غُروبِ
وتُبدي لطُلَّاب العلوم فضائلًا ... بأسئلة تَسْمُو (٣) لكلِّ مُجيبِ
فلبَّيْكَ ألفًا عن دعائِكَ مُسْرِعًا ... ولو كنت بالأقصى فخيرُ قريبِ
وإنَّ التي قد (٤) أشكَلَتْ جملةٌ جرى ... بها قلمٌ ما كان خطَّ أريبِ
فإلا للاستثناء مِنْ بعدِ هاهيَه ... تلى هِيَ هاءُ سكت وغيرُ غريبِ
بقارِعَةِ القُرآن قد سُكِّنَتْ إذا ... وقفت ودَمْجًا عندَ كلِّ أديبِ