قال صاحب الترجمة، وقد سئل عن قولهم في الصَّلاة على الجنازة: "اللهم اغفِرْ لحيِّنا وميِّتِنا وكبيرِنا وصغيرنا"، هل هو أمرٌ نسبىٌّ، وكلاهما مكلَّف، أو المراد بالصَّغير غيرُ المكلَّف؟ في نصه: يحتمل أوجُهًا:
أحدها: أن يكونَ المراد ما أشير إليه في السؤال، وهو اختصاص ذلك بالبالغين، والصَّغير والكبير فيهما نسبي.
ويحتمل أن يكون أيضًا خاصًا بهم، والصَّغير والكبير في الصفات لا في الأعمال.
ويحتمل أن يكون على عمومه في البالغ وغير البالغ، لكن مَنْ لم يبلُغ منهم يكون المرادُ بطلب المغفرةِ له تعليقها ببلوغه إذا بلغ، وفعل ما يحتج إلى المغفرة.
ويحتمل أيضًا أن يكون طلبُ المغفرة لغيرِ البالغ ينصرف إلى والديه، أو أحدهما، أو إلى مَنْ ربَّاه.
ويحتمل أن ينصرف إليه برفع منزلته مثلًا، كما في البالغ الذي لا ذنب له إذا فرض، كمن مات بعد بلوغه بقليل، أو بعد إسلامه الخالص بقليل.
ويحتمل أيضًا أن يتخرَّج على أحدِ أقوال العلماء في الأطفال، وعلى أحد أقوال العلماء في المراهق، وكذلك مَنْ بلغ العشر مِنَ السِّنين، فإنَّ كلَّ ذلك محتملٌ، لأن المسألة اجتهاديَّةٌ، فيحسُنُ الدُّعاءُ لهم باعتبارِ ذلك.
وهذا ما فتح اللَّه به مِنْ جواب هذا السؤال، ولم أقف على مَنْ جمع في هذا الجواب بين هذه الاحتمالات، واللَّه المانُّ بفضله. انتهى.
وحكي لي أن هذا الناظم لم يكتفِ بجوابِ صاحبِ التَّرجمة، وأنَّه كتبَ للبدر العينيِّ ما نصه:
ماذا يرى عين الورى العَينيُّ في ... حُكْمِ الوَبا إذا به النَّجْمُ الخَفِي
стр. 842
وسؤالنا الغفرانَ عندَ دُعائِنا ... لصغيرنا ونراه غيرَ مكلَّفِ
فاغنم إجابةَ سائل مُتَضَرِّعٍ ... يا أيُّها البحر العبابُ الحَيْرَفي
إني اهتديتُ بِسُؤْلِ غيرِكَ ضِلَّةً ... فظفرت مِنْ سؤلي بغيرِ معرِّفِ
فامتنع البدرُ مِنْ الجواب كما حكاه لي مَنْ كان عنده. وقال: إذا كان هذا المقول في فلان، فماذا يقولُ فينا، أو في غيره، أو كما قال.
وكتب إليه المذكور أيضًا، كما قرأته بخطه:
يا مَنْ يقولُ النَّثرَ درًا أزهرا ... والنَّظمَ ياقوتًا توقَّدَ أحمرا
ماذا يصحُّ روايةً ودِرايَةً ... فيما حكوه (١) مِنَ السَّماء إلى الثَّرى
فأجاب:
قد صحَّ خمس مِئن رواه الترمذي ... وإلى أبي ذرٍّ عزاه مقرَّرا
أو عشر سبع مِئنْ وثنتان روى ... هذا أبو داود فيما حبّرا
والجَمْعُ أنَّ الخمس للسِّير البَطِي ... والسبع (٢) للثاني والأوَّل شهرا
قلت: وما نسبه إلى الترمذي في خصوص كونه مِنْ حديث أبي ذر أشهر. والذي في الترمذي -وكذا عند أحمد- إنما هو مِنْ حديث الحسن عن أبي هريرة رفَعَهُ: "إنَّ بينَ كل سماء وسماءٍ خمسمائة عامٍ، وإنَّ سُمْكَ كلِّ سماءٍ كذلك، وإنَّ بين كلِّ أرضٍ وأرضٍ خمسمائة عامٍ".
نعم، حديث أبي ذرٍّ أخرجه إسحاق بن راهويه والبزَّار في "مسنديهما"، ولم يبين شيخنا صحابى حديث أبي داود، وهو عنده، وكذا الترمذي وابن ماجه جميعًا مِنْ حديث العبَّاس بن عبد المطَّلِب مرفوعًا: "بين كلِّ سماء وسماء إحدى أو اثنان وسبعون سنة".
стр. 843
وجُمع بينهما -كما أشار إليه شيخُنا- بأن اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السير وسرعته. انتهى.
وقد سأل عن هذا السؤال بعينه -لكن نثرًا- الشيخ جلال الدين المحلي، وأجابه صاحب الترجمة عنه بما أثبته في موضع آخر، واللَّه المستعان.
وكتب إليه الشريف صلاح الدين محمد بن أبي بكر الأسيوطي يوم ختم "شرح البخاري" وهم بالتَّاج ما نصه: ما يقول شيخ المُحَدِّثين الأقدمين والمُحدَثين، فائق الكمال والإكمال بتهذيبه وتقريبه، غُنْيَةُ الطَّلبَة، كفاية الطَّلِبَة، نهاية الأرب في فنون الأدب، علَّامة ذوي الألمعية، قاضي قضاة الشافعية، أدام اللَّه مسراته، وحفظه وسراته، في قول القائل، وإن لم يكن طائل:
لك الهنا بفضل منك يشمَلُنا ... معنًى وحسًّا بموجودٍ ومعدومِ
كم للبخاريِّ مِنْ شرحٍ وليس كما ... قد جاء شرحُكَ في فضلٍ وتتميمِ
شروحُها الذَّهبُ الإبريزُ ما حَظِيَتْ ... بمثلِ ذا الخَتْمِ في جمعٍ وتكريمِ
وشرحك الرائح المصريُّ بهجتُها ... وهل يوازَنُ إبريزٌ بمختُومِ
وفي هذا الثاني العاني بما اشتمل مِنَ المعاني:
أقاضي (١) قُضاة الدِّين حقًا بليغَهم ... ومَنْ هو في أوج (٢) المعاني كلامُهُ
شروح البخاري مُذْ سُقِينَا رحيقَها ... أتى شرحُك الوافي ومِسْكٌ ختامُهُ
هل بينهما تواخِي، أم لأحدهما عن الآخر تراخي؟ وهل صاحب هذه البيوت في قصور، أم حام حول خام مَنْ عليه الحُسْنُ مقصور؟ وهل له في مجاري الأدب أدنى يُنبوع، وما بحكم به الذَّوقُ السليم المطبوع؟
стр. 844
فإن تفضَّلتم الآن بجواب، فغيرُ بِدْع أنَّه يومُ الإجابة، مِنْ عدَلْتُم للاسترواح إلى غدٍ، فذاك عينُ الإصابة، ورأيُكم العالي أعلى، وحسبُنا اللَّه ونعم الوكيل.
فكتب ما نصه: أسألُ اللَّه حُسْنَ الخاتمة. ذقتُ حلاوة هذه الممالَحَةِ، وشرَحْتُ صدري بلطافة هذه المطارحة، وتبيِّن أن ناظِمَها واحدٌ حِسًّا ومعنى، بل أوحدُ في حُسْنِ التَّلطُّفِ وزيادةِ الحسنى، وهما يتجاذبان الجَوْدَةَ مِنْ هنا وهنا كالفرقدين، إذا تأمل ناظر. . . إلى آخره.
وكتب له الكاتب لي (١) بالإجازة الإمام شمس الدين محمد بن الخضر بن المصري من القدس الشريف ضمن مطالعة ما نصه:
يا حَافِظَ العَصْرِ ويا مَنْ له ... تُشَدُّ مِنْ أقصى البلادِ الرِّحَالْ
ويا إمامًا للورَى أمَّةً ... محطُّ آمالِ الثِّقاتِ الرِّجالْ
ابن العمادِ الشَّافعيِّ ادَعى ... رودَ ما فَاهَ بِهِ في المَقَالْ
"شراركم عزَّابكم" إنه في الـ ... الخَبَرِ المرويِّ حقًّا يُقَالْ
فهل أتى مِنْ مُسْنَدٍ ما ادّعى ... أو أثرٍ يَرويه أهلُ الكمالْ
بَيِّن رعاكَ اللَّه يا سيِّدي ... جوابَ ما ضمَّنْتُه في السُّؤالْ
لا زلت يا مولى لنا دائمًا ... في الحال والماضي كذا في المآلْ
فأجابه بقوله:
أهلًا بها بيضاءَ ذاتَ اكتحالْ ... بالنَّقْشِ يزهُو ثوبُها بالصِّقالْ
مَنَّتْ بوَصْلٍ بعد بُعْدٍ شفى ... مِنْ ألمِ الفُرقة بعدَ اعتلالْ
تسألُ هَلْ جاء لنا مُسْنَدًا ... عَنْ مَنْ له في المجدِ شأوُ الكَمَالْ
ذمُّ أُولي العُزْبَةِ قلنا: نعم ... مَنْ مال عَنْ إلْفٍ وفي الكَفِّ مالْ
стр. 845
أخرجه أحمد والموصلي ... والطبراني الرحَّال الصَّوَّالْ (١)
أراذلُ الأمواتِ عُزَّابُكم ... "شرارُكم عُزَّابكم" يا رِجالْ
مِنْ طُرُقٍ فيها اضطرابٌ ولا ... تخلُو مِنَ الضَّعف على كلِّ حالْ
وكتب إليه ابن المصري مِنَ القدس أيضًا ما نصه:
أسيدنا قاضي القُضاةِ ومَنْ غدا ... يُفيد طُلَّابَ العِلْمِ كلَّ غريبِ
حديثًا روينا في "ابنِ ماجَةَ" مسندًا ... بلفظ أبي الدَّرداء خيرِ حبيبِ
فمعناه خيرُ الرُّسْلِ لم يخْشَ فقرَنا ... يصدِّقُ هذا قلبُ كلِّ مُنيبِ
سوى صَبَّةِ الدُّنيا علينا تزيغُنا ... إلهيَّة في الزِّيغِ زَيغُ عجيبِ
فكُلٌّ نَحَا في النُّطق فيه مخالفًا ... لصاحبه معناه غيرُ قريبِ
فبيِّنْ رعاكَ اللَّه تحريرَ متنِه ... وألفاظِه بالقَوْلِ قولَ مصيبِ
فلا زلت يا مولى (٢) لكل ملمة ... فأنتَ إمامي في الورى ومُثيبي
فأجابه بقوله:
سألتَ رعاكَ اللَّه يا شَمْسَ دينِه ... لتُشْرِقَ إشراقًا بغيرِ غُروبِ
وتُبدي لطُلَّاب العلوم فضائلًا ... بأسئلة تَسْمُو (٣) لكلِّ مُجيبِ
فلبَّيْكَ ألفًا عن دعائِكَ مُسْرِعًا ... ولو كنت بالأقصى فخيرُ قريبِ
وإنَّ التي قد (٤) أشكَلَتْ جملةٌ جرى ... بها قلمٌ ما كان خطَّ أريبِ
فإلا للاستثناء مِنْ بعدِ هاهيَه ... تلى هِيَ هاءُ سكت وغيرُ غريبِ
بقارِعَةِ القُرآن قد سُكِّنَتْ إذا ... وقفت ودَمْجًا عندَ كلِّ أديبِ
стр. 846
ومِنْ دَونِ هاءِ السَّكْتِ جاءت روايةٌ ... فلَمْ يَبقَ شكٌّ بعدَها لمُرِيبِ
وكتب إليه ابن المصري أيضًا:
أسيِّدنا قاضي القضاة ومَنْ له ... علينا أيادِ لا تَنَاهى تَعَدُّدَا
سؤال طرا: في أي موطنٍ قد أتت ... حياةٌ لميْتٍ بعدما كان مُلْحَدَا
بأمرِ الذي لولاه ما عُرِفَ الهدى ... ولا أتهَمَ السَّاري إليه وأنْجَدَا
وهذا "الشِّفا" (١) فيه دليلٌ وإنَّما ... يَرُوم زيادات بحفظك يُقتَدَى
فبيِّنْ -رعاك اللَّه- يا حافظًا حوى ... مِنَ السُّنَّةِ الغَرَّاءِ صدرًا ومَوْرِدَا
فأجابه:
نعم عاش أمواتٌ بدعوَةِ مَنْ أتى ... مِنَ اللَّه للأحياء بالنُّور والهُدَى
فمنها ابنُ مَنْ قَد هاجَرَت ودعت ... وقد قَضى عاشَ عَيْشًا حيًّا طيبًا ومُرْغِدَا
ومنها التي ماتت بوادٍ فخُيِّرَتْ ... ومنها ذراعُ الشَّاة تنهى عَنِ الرَّدى
فهذا الذي يحوي "الشفا"، وبغيره ... إعادةُ إبراهيمَ مِنْ بعدِ ما ارتدا
ومثلُ ذراعُ الشَّاة شاةُ الَّتي دعت ... إلى دارِها قالت: أُخذتُ بلا فدا
وأصرَحُ مِنْ كلٍّ شُوَيْهَةُ جابرٍ ... دعا فلقد كادت تُلَبِّي له النِّدا
وأصدَرها للبيتِ مِنْ بعدِ ذبحِها ... عليه سلامُ اللَّه مثنى وموحدا
ثم قال السائل: فهذه سبعةُ أشياء ما بين بهيمةٍ تنطقُ بعد الموت وإنسانٍ كذلك، واحدٌ بالفعلِ وآخرُ بالقوَّة، وما بينَ مَنْ عاش بعد الموتِ، إمّا إنسانٌ وإمّا بهيمة، وشرحُ ذلك:
أما القصة الأولى، فذكرها عياضٌ عَنْ أنسٍ، أنَّ شابًا مِنَ الأنصار توفي وله أمُّ عجوزٌ عمياء. قال: فسجيناه وعزَّيناها (٢)، فقالت: مات ابني؟
стр. 847
قلنا: نعم. قالت: اللَّهُمَّ إن كنتَ تعلمُ أنِّي هاجرتُ إليك والى نبيك رجاءَ أن تُعينَني على كلِّ شدَّةٍ،، فلا تحملنَّ عليَّ هذه المصيبة. قال: فما بَرِحْتَا أن كشفَ الثَّوبَ عَنْ وجهه، فطَعِمَ وَطَعِمْنا.
وأمَّا قصَّةُ ذراعِ الشَّاة التي سُمَّتُ بخيبر، فأصلها في الصحيحين وغيرهما مِنْ حديث أبي هريرة ﵁، ولفطه عَنْ أبي داود: أن يهودية أهدت إلى النبي ﷺ بخيبرَ شاةً مَصليَّةً سمَّتها، فأكل رسولُ اللَّه ﷺ منها وأكلَ القومُ، فقال: "ارْفَعوا أيدِيَكم، فإنَّها أخبرتني أنها مسمومة".
ورواه البزار مِنْ حديثِ أنسٍ ﵁ بلفظ: "إنَّ عُضْوًا مِنْ أعضائها يُخبرني أنَّها مسمومةٌ". ورواه مِنْ حديث أبي سعيد ﵁ ونحوه.
وفي حديث جابر ﵁: "أخبرتني هذه الذراع".
ومن حديث كعب بنِ مالك ﵁، فقال ﷺ للمرأة: "هل سَمَمْتِ هذه الشاة"؟ قالَت: مَنْ أخبرك؟ قال: "هذا العظمُ"، لساقها، وهو في يده. قالت: نعم. أخرجه الطبراني.
وأما قصة الذي وَأَدَ بنتَه، فذكرها عياضٌ عَنِ الحسن مرسلًا، قال: جاء رجل إلى النبيِّ ﷺ ، فذكر له أنَّه طرح بُنَّيةً له في وادي كذا، فانطلق معه إلى الوادي، فقال لها باسمها: "يا فلانة، احْيي بإذن اللَّه"، فخرجت وهي تقول: لبَّيكَ وسعدَيْكَ، فقال لها: "إن أبويك (١) قد أسلما، فإنْ أحبَبْتِ أن أرُدِّك عليهما". قالت: لا حاجة لي فيهما، فقد وجدتُ اللَّه خيرًا لي منهما.
وأما قصة إبراهيم، فرواها أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نُبَيط بن شُريط (٢) في "نسخته" المشهورة عن أبيه، عن جده إبراهيم، وكان قد أدركَ النَّبيَّ ﷺ ، فمات عنده، فبعث النبىُّ ﷺ إلى أمِّه الفُرَيعَة (٣) بنتِ جابر أنَّ
стр. 848
ابنَك إبراهيم قد مات، فقالت: الحمد للَّه. اللهم إنِّي قد هاجرتُ إليك وإلى نبيِّكَ، ليكون لي عندَ كلِّ مصيبةٍ، فلا تحمل عليَّ هذه المصيبة اليوم. قال: فأحياه اللَّه عندَ ذلك، وأكلَ وطَعِمَ بين يدي النبيِّ ﷺ . انتهى.
وهذه تُشبه القصَّة الأولى، إلا أنَّه قال في الأولى: إنَّ الشَّابَ مِنَ الأنصار، وإبراهيم بنُ نُبَيْطٍ أشجعي، فالظَّاهرُ التَّعدُّدُ.
وأما قصة تخيير والدِ الميت، فرواها أبو نعيم في "الدلائل" مِنْ طريق مَيْسَرٍ الحلبي، عن عتبة بن ضُمَيْرَة، قال: سمعت والدي يقول: كان لرجل صِرْمَةٌ مِنْ غنم، وكان له ابنٌ يأتي النبي ﷺ بقدحٍ مِنْ لبنٍ إذا حَلَبَ. ثم إنَّ النبي ﷺ افتقده، فجاء أبوه، فأخبره أنَّ ابنه هلك، فقال النبي ﷺ : "أتريدُ أن أدعَوَ اللَّه تعالى أن ينشُرَهَ لك، أو تصبر. فيُدَّخَرَ لك إلى يوم القيامة، فيأتِيَك فيأخُذَ بيدك، فينطلق بك إلى باب الجنَّةِ، فتدخُل مِنْ أيِّ أبوابها شئت"؟ فقال الرجل: ومَنْ لي بذلك يا رسول اللَّه؟ فقال ﷺ : "هو لك ولكلِّ مؤمنٍ".
وأما قصَّة المرأة التي دعتِ النَّبيَّ ﷺ إلى طعامٍ، فقدَّمَتْ بينَ يديه شاةً، فلما أراد أن يأكُلَ، قال: "إنَّ هذه لشاة أُخِذت بغيرِ حقٍّ"، فأصلها في "سنن أبي داود" وغيره.
وذكرها صاحب "شفاء الصدور" بلفظ: أنَّ امرأةً رأتِ النبىَّ ﷺ ، فأرادت أن تُطعِمَه شيئًا، ولم يكن عندها شيءٌ، فذكرتْ عند جارتها عَنَاقًا، وكانت جارتُها غائبةً، فقالت: إنَّها لا تمنَعُني، فذَبَحَتْها، ثمَّ شوتها وقدَّمتها بين يدي النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "إن هذه العَناقَ لتُخبرني أنَّها أُخِذت بغيرِ حقٍّ"، فقالت المرأة: قد كان ذلك.
وأما قصة شاةِ جابرٍ ﵁، فأخرجها أبو نعيم في "الدَّلائل" مِنْ طريق أبي البدَّاح بنِ سهل، عن أبيه سهل بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك الأنصاري، قال: أتى جابرُ بنُ عبد اللَّه رسولَ اللَّه ﷺ ، فردَّ ﵇. قال جابر: فرأيتُ في وجه رسول اللَّه ﷺ تغيرًا (١)، وما أحسبه تغيَّر إلا مِنَ الجوع، فقلت
стр. 849
لامرأتي: هل عندَكِ مِنْ شيءٍ؟ قالت: واللَّه ما لنا إلا هذه الدَّاجنُ وفَضْلَةٌ مِنْ زاد نعلِّلُ بها الصِّبيانَ، فقلت لها: هل لك أن تذبحي هذه الدَّاجن، وتصنعين ما عندك، ثم نحمِلُه إلى رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: أفعل ما أحببتَ مِنْ ذلك.
قال: فذَبَحت الداجن، وصنعت ما كان عندها، وطحنَتْ وخبَزَتْ وطبخت، ثم ثرَدَتْها في جفْنَةٍ لنا، فوضعتُ الدَّاجِنَ، ثم حملتها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فوضعتُها بين يديه، فقال: "ما هذا يا جابر"؟ قلت: يا رسول اللَّه، ظننتُ أنَّ وجهَك لم يتغيَّر إلا مِنَ الجُوعِ، فذبحتُ داجنًا كانت لنا، ثمَّ حملتُها إليك. فقال النبي ﷺ : "يا جابرُ، اذهبْ فادعُ لي قومك". قال: فأتيتُ أحياءَ الأنصارِ، فلم أزل أجمعُهم، فأتيتُه بهم، ثم دخلتُ إليه، فقلت: يا رسول اللَّه، هذه الأنصار قد اجتمعت. قال ﷺ : "أدخلهم عليَّ أرسالًا". فكانوا يأكلون منها، فإذا شبعَ قومٌ، خرجوا ودخل آخرون، حتَّى أكلُوا جميعًا، وفَضَلَ في الجَفْنَةِ شِبْهُ ما كان فيها.
وكان رسول اللَّه ﷺ قال لهم: "كلوا ولا تَكْسِرُوا عظمًا". ثم إن رسول اللَّه ﷺ جَمَع العظام في وسط الجَفْنَةِ، فوضع يده عليها، ثم تكلَّم بكلامٍ لم أسمَعْه، إلَّا أنِّي أرى شفتَه تتحرك، فإذا الشَّاةُ قد قامت تنفُضُ أذُنيها، فقال لي: "خذ شاتك يا جابر، بارك اللَّه لك فيها"، فأخذتها ومضيت، فإنها لتُسارعني بأذنها، حتى أتيتُ بها البيتَ، فقالت لي المرأة: ما هذا يا جابر؟ قلت: هذه شاتُنا التي ذبحناها لرسول اللَّه ﷺ ، دعا اللَّه، فأحياها لنا. قالت: أشهد أنه رسول اللَّه. انتهى.
وأصل هذا في الصحيح باختصار بدون قصَّةِ إحياءِ الشَّاة، وهذا الإسناد لا بأس به، وهو أصرحُ ما رأيتُ في هذا الباب، واللَّه أعلم.
وكتب إليه قاضي صفد ثم دمشق حسام الدين بن بريطع الحنفي، وهو محمد بن عبد الرحمن بن العماد ابن قاضي غزة، بعد أن قرأ على صاحب الترجمة شيئًا مِنْ شرح "ألفية الحديث" للعراقي ما نصه:
ماذا يقولُ إمامُ العصر سيِّدُنا ... قاضي القضاة أدامَ اللَّه أيامَهْ
стр. 850
هل صحَّ نقل بأنَّ الشَّافِعيَّ لَقِي ... يعقُوبَ بعدَ بُلوغِ الحَبْرِ أحلامَهْ
وابن الحسن معه عند الرَّشيدِ وهل ... أبدى السُّؤالَ الذي استشكلا أحكامَهْ
وهل هما عجزا فيما سأله فجُدْ ... بالرَّدِّ فأنت وحيدُ الدَّهْرِ علاْمَهْ
فأجابه بقوله:
ما صح لُقْيَا الإمام الشَّافعي أبا ... يوسف (١) يومًا ببغدادٍ ولا شامَهْ
وما روى البلويُّ في رحلةٍ شُهِرَتْ ... قد ردَّه ونفاه كلُّ علَّامَهْ
ولائحٌ أثرُ الوضع المنمَّقِ في ... تلكَ المسائلِ لا برضاهُ فهَّامَهْ
هذا جواب محبٍّ في الجميع غدا ... مُنَاهُ أن يغفِرَ الرَّحمن آثامَهْ (٢)
стр. 851
وكتب إليه بعض الطلبة ما نصه:
جوابكم يا حافظَ العصرِ والذي على ... عذبه الصَّافي يسوغُ التَّيمُّمُ
ويا مُزْنةً مِنْ رَحْمَةِ اللَّه أُرسِلَتْ ... قوابِلُها الهامي علوم وأنعم
إذا أثبتَ القاضي ثُبوتًا مجرَّدًا ... وما عنده مِنْ مانع فيه يعلمُ (١)
ولم يحكم القاضي ولا غيرُه به ... فذو الحقِّ مدفوعٌ عَنِ الحقِّ مُعْدَمُ
فهل دفْعُه عَنْ صاحبِ الحقِّ حقَّه ... ولا مانعٌ في الشَّرع فعلٌ محرَّمُ
فأجابه:
يقول الفقير العبدُ أحمدُ ذو الغِنَا ... بربٍّ قويٍّ حمدُه مُتَحَتِّمُ
إذا الحاكم استوفى الشُّروطَ فمنعُه ... مِنَ الحُكْمِ مِنْ بعدِ الثُّبوتِ تحكُّمُ
ولا سيما أن طالِبَ الحقِّ جاءه ... فقال له: احكُمْ فالدِّفاع محرَّمُ
وأما إذا كان الثَّنائي لمقتضٍ ... فلا لَوْمَ فيما يقتضيه التَّلوُّمُ
فهذا جوابي مع شواغِلَ أوجَبَتْ ... تأخُّرَه يومين واللَّه أعلمُ
وكتب إليه بعض الطَّلبة أيضًا يلتمسُ منه الجواب عن السُّؤال المشهور الذي أجاب عنه العلاء (٢) القونويُّ شارح "الحاوي"، وهو مِنْ نظم بعض الزَّنادقة، قاله على لسانِ بعض يهودِ الشَّام، وهو:
أيا علماءَ الدِّين ذِمِّيّ دينِكم ... تحيَّر دُلُّوه بأوضح حُجَّةِ
إذا ما قضى ربُي بكُفري بزعمِكُم ... ولم يرضَهُ مني فما وَجْهُ حيلَتي
قضى بضلالي ثمَّ قال: ارْضَ بالقَضَا ... فهل أنا راضٍ بالذي فيه شِقْوَتي
دعاني وسدَّ البابَ دُوني، فهل إلى ... دخولي سبيلٌ بيِّنوا لي قضيَّتي
стр. 852
إذا شاء ربِّي الكفرَ مِنِّي مشيئةً ... فهل أنا عاصٍ باتِّباعِ المشيئةِ
وهل لي اختيارٌ أن أخالف (١) حُكمَه ... فباللَّه فاشْفُوا بالبراهين غُلَّتي
فكتب ما نصه:
يقول الفقير العسقلانيُّ أحمدٌ الذي ... لم يَصِلْ في الفهم للرتبة التي (٢)
ولكنَّه يُثْني على اللَّه حامدًا ... له ويُثَنِّي بالصَّلاة الحميدةِ
على أحمد الهادي البشيرِ وآلِه ... وأصحابِهِ الزَّاكينَ خيرِ البريَّةِ
ويُثني إلى هذي المسائل عاطفًا ... إلى حلِّها مِنْ عُقدِها بالحقيقةِ
لئن كنتَ يا هذا تقرُّ بأنَّه ... تعالى له مُلْكُ الوُجودِ بقُدْرَةِ
فمهما يشاء اللَّه يفعَلُ في الذي ... يراهُ ويُمضي حُكْمَه في الخليقةِ
فسلِّمْ له تَسْلم ودِنْهُ تَفُزْ فَمَنْ ... له يعتَرِضْ يذهب إلى حَيْثُ ألقتِ
وكتب بعد الجواب ما صورته: ويُقسم باللَّه جلت قدرتُه أنه كتب هذا الجواب مرتجلًا في حالة يخَيَّلُ له فيها أن ثمَّ مِنْ يمليه عليه، بحيثُ لم يشطُب في مُسَوَّدَتِها إلَّا على ثلاثة ألفاظ، وعمدتُه في هذا الجواب شيئان:
أحدهما: أن الخطابَ مع مَنْ يقِر بالتَّوحيد ووجودِ الإله الحقِّ الذي ابتدأ الوجود، لا مع مَنْ يعطِّل.
والثاني: أنه تعالى يفعلُ ما يشاء، ولا يُسألُ عمَّا يفعل، ومَنْ توقَّف في هذا، فإنَّه يستند إلى قياسِ الغائب على الشاهد وهو قياسٌ فاسد لفقد الجامع، واللَّه أعلم.
وكتب له بعض العامَّة، ويقال: إنه القيم محمد بن علي بن محمد الفالاتي، عم صاحبنا الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن علي، يسأله عن معنى الكرد فقال:
سردت كلَّ علوم الناس أوفى سَرْدْ
стр. 853
يا شيخ الإسلام أفتينا وزِيحَ الطَّرْدْ
الكَرْدُ ما هو فخبرنا (١) صفات الكردْ
يا واحدَ العصر يا كامِل مُفَنَّنْ فَرْدْ
فأجابه:
الكَرْدُ بالفتح والإسكان مِثْلُ الطَّرْدْ
وزنه ومعناه قالوا راح يَكْرُدُ كَرْدْ
والكتفْ عند العَرَبْ أيضًا يُسَمَّى الكَرْدْ
خذ فائدة مِنْ "صحاح" الجوهري يا فَرْدْ
وكتب إليه آخر يسأله عن أديبين نظما مطلَعَيْ زجل، أحدُهما قال:
دار عذار الآس بوجه الرَّوْض ... وأمس خدّ الورد مِنُّو خالْ
والشَّقيق فوق وجنَتُه نقطة (٢) ... يحسب العنبَرْ عليها خالْ
وقال الآخر:
وجه روضي فيه عُيونْ تجري ... للورود كَفُّو الزَّهر يا خَالْ
والذي كفاه وساق نَهَرُه ... خطّ في خَدِّ الشَّقائِقْ خالْ
فكتب ما نصُّه: العزة للَّه جميعًا. لقد أجادَ كلٌّ منهما في صفة الروض، وزيَّنا وجهَ السكن الخال بالخدِّ والحال، ولكن الأول أرشق، وناظمه عند ذي الذَّوق أذوق، والعلم عند اللَّه تعالى.
وكتب إليه بعضُ الفُضلاء يسألُه عن قول علي بن الجهم الشاعر الشهير:
ربما عالج القوافي رجالٌ ... تلتوي بهم (٣) تارة وتلينُ
стр. 854
طاوعَتْهُم عَيْنٌ وعَيْنٌ وعَيْنٌ ... وعصَتْهُم نونٌ ونونٌ ونونُ
ما المراد بالطاعة والعصيان؟ وأنَّ الصَّفِيَّ الحِلّي أجاب عنه بقوله:
كفم مع دم خمسة أعين الَّفظات ... منها حرفُ الرويِّ يكونُ
ودواةٌ وحرفُ خطٍّ وحوتُ اليم ... يعصي الرَّوِيَّ والكلُّ نونُ
فأجاب بما سمعته مِنْ لفظه: نِسْبَةُ البيت لمن ذُكر فيه نظر، والنسبةُ لمَنْ أجابَ صحيحة، وقد أجاب عنهما قبل الصَّفِيِّ الحِلِّي الأستاذ أبو عمرو بن الحاجب، لكنَّ نظمه: فيه قَلَقٌ كعادته، ونَظْمُ الحليّ منسجم.
وأما الجواب عَن المراد بالطَّاعة والمعصية، فهو ظاهر في النظم المسؤول عنه، وذلك (١) أنَّ العينَ لفظٌ مشترك في ثلاثة معاني، وكذلك النون، [فأما العين] (٢) فأطاعت في لفظها ومعناها في الرَّوِيِّ، فإنَّ النُّونَ لفظُها والميمَ معناها، وكلاهما رويُّ النُّون، فأطاعت بلفظها، وعصت بمعناها؛ لأنَّ لفظَها مُتَّفِقٌ وهو النون، ومعناها مختلفٌ، وهو الهاء والفاء والياء؛ لأنَّ الثلاثةَ عَيْنُ الفعلِ مختلف لفظًا، واللَّه أعلم.
وكتب إليه بعضُهم مِنْ بيت المقدس يسأله عَنْ قول القائل:
كَيْدُ حسودي وهَنَا ... فلي سرورٌ وهَنَا
"الحمدُ للَّه الذي ... أذْهَبَ عنَّا الحَزَنا"
وقول الآخر:
قلبي إلى الرشد يَسِيرْ ... وعِنُدَه النَّظْمُ يَسِيرْ
"الحمدُ للَّه الذي ... فضَّلنا على كثيرْ"
стр. 855
أيهما أولى؟ فقال: المقدَّم مؤخَّر.
قلت: وأظن المقتضي لتأخُّرِه الإتيان بألف الإطلاق، بخلاف الثاني، فقد جاء بالآية على وجهها.
وسئل عن قول بعضهم:
حبي الذي سادُوا رِقَاب الأعادي دَاسْ
والقَلْبْ في شاطْ بَحْرِ العِشْق لأجْلُو طَاشْ
لو قَدْ قَدْ سام غُصن البَان لمَّا ماسْ
إذا سعى شام طرفي في بدر مِصْري ماسْ
ولو ترى ساق يحلي الماء وقَلْبُو قاسْ
عشقي له شاع بل غيري بوَصْلُو عَاشْ
كم شابْ مُذْ سارْ مِنْ هجر وصَدْ وراسْ
واللَّحظ لو شان كالهندي ويُوقِدْ ناس
وقول الآخر:
حبي الذي ماس سوء البُعْدْ قلبي سامْ
والعِشْقْ لو نار تَغْشَى القَلْبْ لاجْلُو رانْ
والوَصْلْ ما ناح مِنْ جارحْ لحَاظُو حامْ
وكم (مِنْ) (١) فتى ناح مِنْ هَجْرُو وحَتْفُو خانْ
والقدْ قَدْ مَالْ والعاذِلْ بجَهْلُو لامْ
هذا وقد نال ميل الغُصْنْ لمَّا لانْ
والرِّدْف قَدْ ماجْ لما أن تعاطى حامْ
والدَّهر لو ناب يوقد غُصني بانْ (٢)
стр. 856
فكتب ما صورته: للَّه الأمر. الذي يشهد به الذَّوْق السَّليم أنَّ كلًا منهما في النَّظم مستقيم، وليس لهما في قسم البلاغة قسيم، إلا أنَّ الثاني أبعدُ في إيجابه مِنَ السلب، وأقربُ في آدابه إلى القَلْب، وفوقَ كلِّ ذي علمٍ عليم.
ويلتحق بهذا أنَّ الشيخ شهاب الدين الأبشيطي نزيلَ المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاةِ والسلام، سألَ فقيه الوقتِ الشَّرفَ يحيى المناوي عَنْ بعضِ الأسئلة نظمًا، وأجابه المشارُ إليه كذلك نظمًا، وأرسل بالجوابِ لصاحب الترجمة، ليقفَ عليه، ويقرِّضَه، فكان في ذلك عدَّةُ أبياتٍ امتدح الشرف بها صاحبَ التَّرجمة، علمتُ منها الآن قوله:
إمامَ الهدى غَيْظَ العِدَا صَيْبَ النَّدى ... حَلِيف الجدى مُجلِي الصَّدى أوحدَ العَصْرِ
لأجْعَلَ منه جوهرَ اللَّفْظِ حِلْيةً ... على جيد قولي فهو في الحُسْنِ كالدُّرِّ
فكتب صاحب الترجمة ﵀ ما نصُّه -مع أنَّه لم يكن القَصْدُ أن يكون كتابته إلا نظمًا-: تأملت هذا الجواب، فوجدتُه بعون الملك الوهاب في غاية الصواب.
وكتب إليه الشيخُ شهاب الدين ابن أبي السعود ما نصُّه (١): الحمد للَّه، لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّه العلي العظيم.
يا بَحْرَ عِلْم أرانا لفظُه دُرَرًا ... وفي الطُّروس يُرينا زَهْرَ بُسْتَانِ
رَوْضُ القَرِيضِ أتى يشكو إليكَ فتًى ... جَنَى فَصُلْ واحتكم وانقُمْ عَلَى الجاني
فالشِّعْرُ نادى وقد قامتْ قرائِنُه ... شكواي مِنْ خائنٍ في النَّظم أوزانِ
هذا شخص، ولا أقولُ مِنَ الناس سمع بَيتَي الصَّفِيِّ الحليِّ، وهما:
لحَى اللَّه المزيُنَ قَدْ تَعَدَّى ... وجاءَ لقَلْعِ ضِرْسِكَ بالمُحَالِ
أعاقَ الظَّبْيَ في كِلْتا يَدَيْه ... وسَلَّطَ كَلْبَتَيْنِ على غَزَالِ
стр. 857
فقلع رجلٌ يلقَّبُ وليَّ الدِّين ضرسه، فنظم ذلك الشخص، وأعَرب عَنْ قدره، وبُرغمي أن أقول في شعره هذين البيتين، وزعم أنَّهما مِنْ منخلع البسيط، ومن خطِّه نقلتُ، وهما:
إنَّ المزيِّن قَدْ تَعَدَّى ... في قلعِ ضِرْسِك العَلِيَّا
أغرى على الظَّبيِ كَلْبَتَيْنِ ... وضلَّ إذ آذى وَلِيّا
فماذا يستحقُّ مِنَ الإجازة على هذا المدح الذي جَمَعَ في التَّخلُّفِ أبلغَ الوجازة، وفي التَّكلُّفِ والتعجرف ما لا يستطيع طبيب علاجه، افعلوا ذلك مثابين.
فكتب: الحمدُ للَّه واهب العافية. يستحقُّ مَنْ سَلَحَ هذا المقطوعَ أنْ يُقْطَعَ، ويستوجب مَنْ رَضِيَ بنسبة هذين البيتين إليه أن يُصْفَع، فلو رآه الصَّفدي، لرجع عَنِ "اختراع الخراع"، ولقضى على مِنْ نازعه في هذه الطريقة بالموت بعد النزاع، فما بلغ هذه الغاية إلا وهو في (١) اختيار انبساطِ الإخوان، فقد جاوز النهاية، والسلام.
قلت: وكذا كتب على هذين البيتين الشِّهابُ الحجازي والشِّهابُ ابنُ أبي السُّعود المذكور، وكتابتُه عندي بخطِّه، والشهابُ بنُ صالح، حتى قيل: إنَّ قائلهما رُمي بالشُّهبِ الأربعة.
ومما اتّفق: أنَّ شيخنا جلس مرَّةٌ ومعه الشِّهاب بنُ تَقِيِّ والشِّهاب الشَّيْرَجِي والشِّهاب الريشي والشِّهاب الحِجازي والشِّهاب بن يعقوب وشهابٌ آخر، بحيثُ صاروا بصاحب التَّرجمة سبعةً، فقال الحجازي: يا مولانا لقبتم (٢) ذنوابكم (٣) بالسبع السيارة، وقد اجتمعَت هنا، فقال شيخُنا بديهةً: فمن جاء بينهم فقد احترق. وللَّه در القائل: مَنِ ادَّعى عِلْمَ ما لا يعلم، كذب فيما يعلم، فما بالُك فيمن يُنازعُ في الجميع!
стр. 858
وما الناس إلَّا كالصَّحائِفِ عُوِّدَتْ ... وألسُنُهم إلا كمِثْلِ التَّراجمِ
إذا اشتَجَرَ الخصمان في فِطْنَة الفتَى ... فمِقْوَلُه في ذاك أعدَلُ حاكمِ
وروينا في "المجالسة" للدينوري مِنْ طريق النَّضر بن شُمَيْل، قال: لو كنتُ عند الخليل بن أحمد، إذ دخل عليه شيخٌ مِنْ أهله، فقال له: لو اشتغلتَ بمعاشك، كان أعودَ عليك مِنْ هذا، فأنشأ الخليل يقولُ:
لو كنتَ تَعْقِلُ ما أقولُ عذرتني ... أو كنتَ تعقِلُ ما تقولُ عذَلْتُكا
لكن جَهِلْتَ مقالتي فعذلتني ... وعَلِمْتُ أنَّكَ جاهِلٌ فعذَرْتُكا
ثم التفت إلينا، فقال: الرِّجال أربعة: رجلٌ يدري ولا يدري أنَّه يدري، فذاك غافلٌ فأفهموه، ورجلٌ يدري، ويدري أنَّه يدري، فذاك عاقلٌ فاعرِفُوه، ورجلٌ لا يدري، ويدري أنَّه لا يدري، فذاك جاهلٌ فعلِّمُوه، ورجلٌ لا يدري، ولا يدري أنَّه لا يدري، فذاكَ مائِقٌ فاحذَرُوه.
وروينا عن عمرو بن مُرَّة، قال: حدَّثتُ إبراهيم بحديثٍ عَنْ رجلٍ، فقال: ذاك صاحبُ أمراء، يعني: ليس مثلَ غيره في الحديث.
قلت: وهذا المبهمُ اسمه عبدُ الرحمن.
إذا جَمَعَتْ بينَ امرأيْنِ صناعةٌ ... فأحبَبتَ أن تدري الذي هُوَ أحذقُ
فلا تتامَّل مِنْهُما غيرَ ما جَرَت ... به لهما الأرزاق حينَ تُفَرَّق
فحيثُ يكون الجَهلُ فالرِّزق واسِعٌ ... وحيثُ يكونُ العِلْمُ فالرِّزْقُ ضَيِّق
نسأل اللَّه تعالى التوفيق والهداية إلى أقوم طريق. وكل (١) هذا استطراد.
وكتب إليه القاضي الحنفي -وما علمت الآن مِنْ هو-[بل عندي في كونها مِنْ نظمه نظر] (٢):
стр. 859
أيُّها الحاكمُ الذي قطُّ ما مال ... وإنْ كان مذهبًا يتحنَّفْ
والإمامُ الذي سما في سماء العلم ... إياسًا وفاق في الحِلْمِ أحنفْ
ما ترى في عُدُولِ قاضٍ أقاموا ... كلمتا الحق عنده في مكلَّفْ
إنْ يُكذبهم فقد ثبتَ الحقُّ ... عليه وإن يصدق يحلَّفْ
ويرد القاضي الشهادة مع ... فقد المعاداة بينهم إذ توقفْ
هل أصابَ التفضل إذ عكس الأمر ... جهارًا أم فيه سِرٌّ سيُوصَفْ
مُنَّ بالكَشْفِ عنه لا زلتَ في ... مسرَّة مِنَ اللَّه دائمًا ليس تُكشفْ
[فأجابه هذا المبهم] (١):
وكتب إلى بعض العلماء ممن لم أعلمه الآن، [وفي صحة نسبتها إليه أيضًا نظر] (٢):
يا إمامًا له الفضائل تُعزى ... زادك اللَّه في مثالِك عزّا
ما الجوابُ السَّديد في رجل أزّ ... ضعيفِ المشي على الأرضِ أزّا
فتثنَّت ثنيَّتاه إلى أن ... سقطا عِنْدَ وكزِه الصَّعْبِ وَكْزَا
حيثُ يعفو عَنِ القِصاصِ ويَرْضَى ... دِيَّةَ كي يكونَ في الناس حِرزا
هل لذاك ارتجاعها أن تعد تلك ... الثنايا يا أوّلًا أفِدْ وابْقَ كَنْزَا
فأجابه هذا المبهم (٣). . .
ولنقتصر على ما أوردناه مِنْ نثره الذي فاق فيه أهلَ عصره، ثم على ما أوردناه مِنْ منظومه الذي لم يُلحق فيه، (مع) (٤) ما منحه اللَّه مِنْ شريفِ علومه؛ فما مِنْ نوعٍ مِنْ أنواعه إلا ولو أُفْرِدَ بالتَّصنيف، لكان جديرًا بذلك لاتساعه،
стр. 860
على أنَّ الإحاطة بجميعه لا تُستطاع، وحصرُه غير ممكن بالإجماع، فتقاريظُه -مع كثرتها- إليها المنتهى بالاتِّفاق، ورسائلُه فاقت مع سيرها في الآفاق، وأجوبته عَنِ الألغاز غاية في الإيجاز والاحتراز، وكتابتُه لمن عَرَضَ عليه، أو جلس مستفيدًا بين يديه، أو سمع عليه الحديثَ في القديم والحديث، أو قرأ عليه شيئًا مِنْ مصنفاته أو شافهه بإملائه ورواياته، فأشهر مِنْ أنْ تُذكَر، وأظهر مِنْ أن تُحصر، ومنظومه الذي ليس له فيه شرك وإن جَمَعَهُ في سلك فلم نلتزم (فيه) (١) الاستيعاب، إنما (٢) اقتصر منه على الكثير مما يحلُو ويُستطاب، إذ منه على طريقة أهل الأدب ذوي الحجا والرتب ما كان يستغفر اللَّه منه، ويعتذر لخواصه عنه، كما سمعت فلك منه مرارًا، سرًا وجهارًا، لوفور ديانته وعظيم أمانته، على أن بعض أعدائه وحُسَّاده قد دسَّ فيه ما ليس وَفْق مُراده ممَّا يتحقَّقُه أهلُ العرفان المخالفين حظ النفس واتِّباع الشيطان. ومما ينسب إليه أبياتٌ (٣) في قصِّ الأظفار أيام الأسبوع، ولا يجوز نسبتها إليه (٤).
وبالجملة ففي عُلُوِّ منزلته وشريفِ مرتبته ما يمنعُ الافتخارَ بما ذكرناه ورتَّبناه وحرَّرناه، لكن إنَّما أردنا الاقتطاف مِنْ تلك الأزهار والاستجناء مِنْ تلك الثمار، لارتياح النفوس إليها، وتجدُّدِ العهد القديم لديها، واللَّه تعالى يتفضَّلُ عليه بالقَبُول، ويبلَّغه في الآخرة وإيَّايَ خيرَ مأمول، بمنِّه وكرمه.
ولنختم هذه الفصول بقصيدة له فيها مواعظُ وآداب على طريقة ابن القيم، حيث ذمَّ نفسَه وازدراها في الأبيات التي أولها "بُنَيَّ أبي بكر"، قالها شيخُنا لمَّا وعك في سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة، فقال -وسمَّاها "الموقظة"-:
بُنَيَّ عليٍّ قد تفاقم وِزْرُه ... فليس على مَنْ خاض في عِرضِهِ وِزْرُ
بُنَيَّ عليٍّ مثلما قال ربُّه ... ظلُومٌ كنُودٌ شأنُه الغَدْرُ والمَكْرُ
стр. 861
بُنَيَّ عليٍّ خاب واللَّه سعيُه ... إذا لم يكُنْ في الصَّالحين له ذِكْرُ
بُنَيَّ عليٍّ يأمرُ النَّاسَ بالتُّقى ... ويغفُلُ عمَّا يقتضي النَّهْيُ والأمرُ
بُنَيَّ عليٍّ قد غدا متصدِّرًا ... لِفَقْدِ أُولي العَلْيَا وأنَّى له الصَّدْرُ
بُنَيَّ عليٍّ صار يُفتي ويجْتَري ... عليها ولا فَهْمٌ لديه ولا ذِكْرُ
بُنَيَّ عليٍّ ليس يُذْكَرُ إذْ نَشَا ... ذليلًا يتيمًا ما لَهُ في الورى قَدْرُ
بُنَيَّ عليٍّ صار مِنْ بعد يُتمه ... وحظُّ اليتامَى عِنْدَه النَّهْرُ والقَهْرُ
بُنَيَّ عليٍّ صار مِنْ بعدِ ذُلِّه ... عزيزَ أُناسٍ دأبُه البَأوْ والفَخْرُ
بُنَيَّ عليٍّ صارَ مِنْ بعدِ جهلِه ... عَليمًا وبعد القِلِّ صارَ له وَفْرُ
بُنَيَّ عليٍّ كل ما يَشْتهي جَرَى ... على وَفْقِ ما يَهْوَى وليس له شُكرُ
بُنَيَّ عليٍّ ما أَحبَّ رَأيٍ ولا ... يميلُ إلى التَّقوى فهلْ يُؤْمَنُ المَكْرُ
بُنَيَّ عليٍّ صار للأمرِ مالكًا ... وهيهات عَنْ قُرْبٍ لقد قُضِيَ الأمرُ
بُنَيَّ عليٍّ قد أتاه نذيرُه ... وليس لمَنْ جاء النَّذيرُ له عُذْرُ
بُنَيَّ عليٍّ جاز في العمر سِنَّ مَنْ ... مضى مِنْ أبٍ وابنٍ كذا العمُّ والصِّهرُ
بُنَيَّ عليٍّ ما الذي ترتجيه مِنْ ... سوى اللَّه هيهات انقضى الأمَلُ الغِرُّ
إلهي أنا الخَطَّاءُ للذَّنْبِ عامدًا ... وكم نِلتُ (١) أطماعًا وما كنت اضطرُّ
إلهي قد حوَّلْتَني فَوْقَ ما أنَا لَهُ ... الأهل (٢) والتقصير وَصْفِيَ والعُذْرُ
إلهي كم نِعْمَةٍ إثرَ نعمةٍ ... أزَلْتَ بها بُؤسِي فما مَسَّني الضُّرُّ
إلهي فما قابَلْتَ بالشُّكْر نِعْمَةً ... ولكني بجَهْلٍ لاح للنِّعَمِ الكُفْرُ
إلهي كم نجَّيتني مِنْ مُلِمَّة ... فاذْعَنَ لي في سَيْريَ البرُّ والبَحْرُ
إلهي أنا العبدُ المُسيءُ وأنت يا ... إلهي المليكُ المحسنُ المُنعمُ البَرُّ
стр. 862
إلهي أنتَ الرَّبُّ شيمَتُك الغِنَا ... وإنِّي لعبد السوء شيمَتِيَ الفَقْرُ
إلهي عاملني بما أنتَ أهلُه ... فللذَّنب في ظهري إذا لم تُعِنْ وَقْرُ
إلهي تداركني برحْمتِكَ التي ... يقابلُها مِنْ فيضِ فضلِكَ لي الجَبْرُ
إلهي كما أنعمتَ زِدْ وأدِمْ ولا ... تُغَيِّرْ فتُشْمِتْ بي عَدُوًا به غمرُ
إلهي بذنبي بُؤتُ فاغفِره لي عسى ... أكون كمن في الحشر أوجُهُهُمْ زُهْرُ
إلهي كم عبدٍ أدَمْتَ سُرورَه ... فوافاك بعدَ الموت بالعفو يَنْسَرُّ
إلهي فاجعلني برحماك منهمُ ... فإن شفيعي أحمدُ المصطفى الطُّهْرُ
فلا عملٌ أرجو سوى حبِّه ومَنْ ... إليه أنتمي عُسري بحبهم يُسْرُ
وأفاد ﵁ أنَّ أصلَ هذه الطريقة سبق إليها محمدُ بنُ كثير المصِّيصي، فذكر الحاكم، قال: سمعت أبا منصور الحسن بن أحمد المعادي يقول: سمعت موسى بنَ العباس الجُوَيني -ونزل في دارنا- يُنشد أبياتًا بعد أن يقوم اللَّيل، فيصلِّي ثمَّ يبكي طويلًا، فسُئِلَ عنها، فقال: سمعتُ محمَّدَ بنَ عوفٍ يقول: سمعتُ محمَّدَ بنَ كثيرٍ المصِّيصي يقول:
بُنَيَّ كثيرٍ كثيرُ الذُّنوبِ ... في الحِلِّ والبلِّ مَنْ كان سبَّهْ
بُنَيَّ كثيرٍ دَهَتْه اثنَتَانِ ... رياءٌ وعُجْبٌ يخالِطْنَ قَلبَهْ
بُنَيَّ كثيرٍ أكولٌ نَؤُومٌ ... وما ذاك فعل مَنْ خاف ربَّهْ
بُنَيَّ كثيرٍ يُعلِّم علمًا لقد (١) ... أعْوَزَ الصُّوفَ مَنْ جزَّ كلبهْ
قلت: وقرأتُ في "شرح الشاطبية" للجعبري ما نصُّه: وسأله -أي عبدَ اللَّه بنَ كثير القارىء- الناسُ أن يجلس للإقراء بعد شيخه، فأنشد في ذم نفسه تواضعًا، وساق الأبيات، وعندي أنَّ نسبتها لابن كثيرٍ المقرىء سهو، واللَّه الموفق.
стр. 863
ثم رأيت في ترجمة محمد بن الخضر بن إبراهيم المِحْوَلي خطيب المحول، أحد القراء مِنْ "ذيل تاريخ بغداد"، لأبي سعد السمعاني، أنشدنا محمد بن الخضر بن إبراهيم المحولي بها في داره، أنشدنا أحمد بن علي بن سوار المقرىء أنشدنا شيخنا أبو علي الحسن (١) بن علي بن عبد اللَّه العطار المقرىء، أنشدني أبو الحسين محمد بن عبد اللَّه الفرضي، أنشدنا أشياخُنا، عن عبد اللَّه بن كثير أنَّه قال في ذمِّ نفسه، حيث (٢) سأله أهلُ مكَّةَ أن يُقرِئَهم القرآنَ بعدَ وفاة مجاهدِ بن جبرٍ، فذكرها. سمع هذا مِنْ أبي سعد السمعاني أبو رَوْح الهروي، فاللَّه أعلم.
وإذا (٣) تأملتَ هذا مِنْ صنيع هؤلاء، واستحضرتَ جلالَتَهم وتقدُّمَهم في السُّنَّة وغيرها، علمتَ شدة حُمْقِ القائل في مدح نفسه، زاعمًا أنه السنة، مِنْ أبيات أودعها في مجلد يطول التعرض لما فيه مِنْ منكر، يعظِّم فيه نفسه، ويترفَّعُ فيه عَلى كلِّ أهلِ عصرِه، بحيثُ يشهد العقل والنَّقل بأنَّ ذلك هو المذموم مِنْ ضربي مدح المرءِ نفسَه.
كأنك بي أُنْعَى إليك وعندها ... ترى خبرًا صُمَّت له الأُذنانِ (٤)
فلا حَسَدٌ يَبقَى لديك ولا قِلى ... فينطِقُ في مدحي بأيٍّ معَانِ
وتنظُرُ أوصافي فتعلمُ أنَّها ... عَلَتْ عَنْ مُدانٍ في أعزِّ مكانِ
ويُمسي رجالٌ قد تهدَّمَ رُكنُهم ... فمدمَعُهم لي دائِمُ الهملانِ
فكم مِنْ عزيزٍ بي يذل جماحَه ... ويطمَعُ فيه ذو شقا وهوانِ
فيا ربِّ مَنْ يُفجَأ بِهَولٍ يؤودُه ... ولو كنتُ موجودًا إليه دعاني
ويا ربِّ شخصٌ قد دَهَتْهُ مصيبةٌ ... لها القلبُ أمسى دائم الخَفَقَانِ
стр. 864
فيَطلُبُ مَنْ يجلو صداها فلا يَرَى ... ولو كنتُ جَلَتْها يدي ولِسَاني
عَدوِّي قاصٍ عنه ظُلمي آمن ... مِنَ الجُور داني النَّفْعِ حيثُ رجَاني
فإن يَرْثنِي مَنْ كنت أجمَعُ شملَه ... بتشتيتِ شملي، فالوفاء رثاني
وإلا نعاني كلُّ خَلْقٍ ترفْعَتْ ... به هِمَمي عَنْ شائِنٍ وبكاني
وهي أكثر مِنْ هذا.
وقد استحضرتُ حكايةً لطيفة رويتُها مِنْ طريق محمد بن يزيد الضَّرير، قال: حدثني عبد الرحمن بن مسهر -وهو المذكور بخفَّة العقل- قال: ولأني أبو يوسُف القاضي قضاء جَبُّل، فانحدر الرَّشيد هارون إلى البصرة، فسألت مِنْ أهل جَبُّل أن يُثنُوا عليَّ، فوعدوني أن يفعلوا، فلمَّا قرُبَ تفرَّقُوا، وأيسْتُ منهم، فسرَّحت لحيتي، فوافى أبو يوسف مَعَ الرَّشيد في الحرَّاقة، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، نِعمَ القاضي قاضي جَبُّل، قد عدل فيها وفَعَلْ، وجعلت أثني على نفسي، فطأطأ أبو يوسف رأسه وضحك، فقال له الرشيد: ممَّن تضحك؟ فأخبره، فضحك حتى فَحَصَ برجليه، ثم قال: هذا شيخ سخيفٌ عقلُه، فاعزِلْه، فعزلني، فلمَّا رجع أبو يوسُف، جعلت أختلف إليه، وأسأله قضاء ناحيةٍ، فلم يفعل، فحدَّثت النَّاسَ عن مُجالِد عن الشعبي أنَّ كنية الدجال أبو يوسف، فبلغه ذلك، فقال: هذه بتلك فحسبُك، فصِرْ إليَّ حتى أوليك ناحية، ففعل وأمسكت عنه.
نسأل اللَّه أن يلهمَنا رشدنا، ويعيذنا مِنْ شرورِ أنفسنا بمنِّه وكرمه.
стр. 865
الفصل السادس في نبذة مِنْ فتاويه المهمة المتلقاة بالقبول بين الأئمة
وكان مِنْ حقه أن يُفتَتَحَ به البابُ لشرفه في الانتساب، لكنه لمَّا وقع عندي التردُّدُ أولًا في إثباته أو حذفه مع إفراده مكمَّلًا، ثمَّ رأيتُ بعدَ كتابة ما سبق والتَّحرير مِنَ الفُصول لما وسق، أنَّ خُلُوَّ الترجمة منها يكون نقصًا، فاستخلصتُ منها ما كان بديعًا في معناه نصًا، بل كنت عزمتُ أن أذكرَ منها جميعَ ما عندي، وأستوعِب ما وقفت عليه، رجاء الانتفاع به في الحياة وبَعدي، مرتبًا على الأبواب، طلبًا لمزيد الثواب، فأشارَ بعض الأصدقاء عليَّ ممَّن أخلص في نصيحته للكافة -لا سيما إليَّ- بإفراده في تصنيف مفرد، فهو أولى وأجود، وأيضًا فربَّما طالَ الكتاب، ويكون وسيلة للانتخاب، فامتثلتُ في هذا قوله، لكن مع الإتيان منها بجملة، فأبدأ بالمكيَّة منها والمدنية، ثم بالقدسية والشاميَّة، ثم بالحلبيَّة واليمنيَّة، ثم بالقاهرية (١) والمصرية. يسَّرَ اللَّه ذلك بفضله، وأعان على فهمه ونقله.
فأما المكيات:
فعندي منها جملةٌ وردت على صاحبِ التَّرجمة مِنْ صاحبنا محدِّث (٢)
стр. 866
الحجاز النَّجم بن فهدٍ الهاشميِّ مرَّةً بعد أخرى.
ومن جملتها قوله، وقد سئل عن طُول عِمامة النَّبي ﷺ :
لا يحضرني في ذلك قدرٌ محرَّرٌ، وقد أخرجَ الطَّبراني في "المعجم الكبير" عن ابن عمر ﵄، كان رسولُ اللَّه ﷺ يدير كُورَ العمامة على رأسه، ويغرِزُها مِنْ ورائه، ويرسلها بين كتفيه. وهذا يُستفاد منه صِفَةُ التَّعميم، ولا دلالة فيه على قدرها، وقد سُئل الحافظُ عبدُ الغنيِّ عن ذلك، فلم يذكر فيه شيئًا. انتهى.
وعندي لصاحب الترجمة أيضًا الجواب في أنَّه هل كانت له ﷺ عَذَبَةٌ سيأتي بعدُ، وكذا وقفتُ على جواب للعراقي في نحو ذلك، أثبتُّه في غيرِ هذا الموضع.
ومن المكيات أيضًا: عدّة وردت عليه مِنَ العفيف محمد ابن الشرف عبدالرحيم الجرهي والد الشيخ نعمة اللَّه، مِنْ جملتها: قوله:
لم يصح أنَّ للخليل ﵇ ولا للصِّدِّيق ﵁ لحيةً في الجنة، ولا أعرفُ ذلك في شيءٍ مِنْ كتب الحديث المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة. وعلى تقدير ورُوده، فيظهر لي أنَّ الحكمة في ذلك. أمَّا في حقِّ الخليل، فلكونه مُنَزَّلًا منزلةَ الوالدِ للمسلمين؛ لأنه الذي سماهم بهذا الاسم، وأقرُّوا له باتباع ملَّته.
وأما في حقِّ الصِّدِّيق ﵁، فيُنتَزَعُ مِنْ نحوِ ما ذُكر في حقِّ الخليل ﵇؛ فإنه كالوالد للمسلمين، إذ هو الفاتِح لهم بابَ الدُّخول إلى الإسلام.
لكن أخرجَ الطَّبرانيُّ مِنْ حديث ابن مسعود ﵁ بسندٍ ضعيفٍ: "أهل الجنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ إلا موسى ﵇، فإن له لحية تضرِبُ إلى سُرَّته". وذكر القرطبي في "تفسيره" أن ذلك ورد في حق هارون ﵇ أيضًا. ورأيت بخط بعضِ أهل العلم أنه ورد في حقِّ آدم ﵇، ولا أعلم شيئا مِنْ ذلك ثابتًا (١).
стр. 867
قلت: ووردت مِنْ مكَّة قبل ذلك على صاحب الترجمة أسئلة مِنَ العلَّامة الحافظ تقي الدين أبي الطَّيِّب الفاسي (١)، افتتحها مرة بقوله:
سيدي ومولاي الحافظ الأوحد الناقد شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، [أدام اللَّه به النَّفع بمحمد وآله، يعلم أن مملوكه. . . ثم
стр. 868
ساقها، وقال: فمولانا يتفضَّلُ ببيانِ ذلك بيانًا شافيًا.
ومرة أخرى بقوله: المسؤولُ مِنْ سيِّدنا العلامةِ الحافظِ الحجةِ شيخ الإسلام أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني] (١) -أدام اللَّه النَّفْعَ بعلومه- الجواب عما سطر فيها مِنَ السؤالات، وذكرها، وقال: بيِّنُوا لنا ذلك بيانًا شافيًا عاجلًا، بحيثُ لا يتأخَّرُ ذلك عَنِ الحُجَّاح في هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى، فضلًا وإحسانًا.
وكتب له شيخُنا بالجوابِ عنهما.
وكذا وردت عليه مِنَ الحافظ جمال الدين محمد بن موسى المراكشي أسئلةٌ صدَّرها بقوله: المسؤول مِنْ إحسان سيدنا الإمام الحافظ الناقد شهاب الدين -سلَّمه اللَّه تعالى- الإفادةُ فيما يُذكَرُ فيه مِنَ الأحاديث، وإرسالُ ذلك إلينا عاجلًا. ثم ذكره، وراسله (٢) شيخُنا بالجواب، لكن أضربتُ عَنْ إيراد ذلك كلِّه، مع كونه عندي، خشيةَ الإطالة بما لا يمكن استيعابُه.
وأما المدنيات: . . . . . (٣)
وأما القدسيات:
فعندي مِنْ أسئلةِ كلٍّ مِنَ الشيخ شمس الدين بن المصري، حيث كان شيخَ الباسطيَّة هناك، وأسئلة الأوحد الزين عبد الكريم بن القلقشندي أشياء.
فمن أسئلة الثاني: سؤال يتعلق بمستدرك الحاكم، هل موضوعُه أن يُخرِّجَ ما هو على شرطِ الشَّيخين أو أحدهما ولم يخرِّجاه، أو أعمُّ مِنْ ذلك، وهو كلُّ حديث صحَّ عنده، فإن كان الأوَّلَ، فليس بظاهر، لأن في "المستدرك" أحاديثَ لا يقولُ فيها: على شرطهما، ولا على شرط أحدهما،
стр. 869
بل يقول: هذا الحديث صحيح الإسناد فقط، أو يقول: لولا فلان أو جهالة فلان، لحكمتُ للحديث بالصِّحَّة، وإن كان الثاني، فيخرُج موضوعُ الكتاب عن أن يكون مستدركًا عليهما أو أحدهما. ثم ما المراد بشرطِهما؟
فأجاب بأن تصرُّفَه يقتضي أنَّه بنى على الثاني، وهو الأعمُّ، ويُعتَذَرُ عما أُورِد عليه أنَّ الكتاب بذلك يخرج عَنْ أن يكونَ مستدركًا على "الصحيحين" بأن يقال: الأصلُ فيه أن يُخرِّج ما يُستدرك به على "الصحيحين" (١)، وما زاد على ذلك، فهو بطريق التَّبعيةِ، لقصد تحصيل ما يمكن أن يُطْلَقَ عليه اسم الصَّحيح، ولو على أدنى الوجوه.
وأمَّا المرادُ بقوله: على شرط فلان، فقد وقفتُ للعلامة الحافظ قُدوةِ الفقهاء والمحدثين صلاح الدين العلائي شيخ شُيوخنا تغمده اللَّه برحمته في مقدمة كتاب "الأحكام" لهذا الغرض على كَلام (٢) في غاية الإتقان، بحيثُ لا مزيدَ عليه في الحُسْنِ، والذي اختارَهُ رجحانَ القول بأنَّ مُرادَ الحاكم بقوله: على شرط فلان، أنَّ رجال ذلك السند يكون مِنْ نسب إليه الشرط أخرج لكل منهم احتجاجًا. هذا هو الأصل، وقد يتسامَحُ الحاكمُ، فيُغضي عَنْ مَنْ يتَّفق أنه وقع في السند ممَّن هو في مرتبة مَنْ أخرج له، وإن لم يكن عيَّنَه، وذلك قليل بالنِّسبة إلى المثل، وتراه ينوِّعُ العبارةَ، فتارة يقول: على شرطهما، وذلك حيثُ يتفرَّدُ أحدهما بالتخريج لراوٍ مِنْ ذلك السند، كعكرمة بالنِّسبة للبخاري، وحمادِ بن سلمة بالنسبة لمسلم؛ ففي الأول يقول: على شرط البخاري، وفي الثاني يقول: على شرط مسلم، كما لو اتفق أنهما أخرجا للجميع، فيقول: على شرطهما. ومتى كان أكثرُ السَّندِ ممَّن لم يخرِّجا له، قال: صحيح الإسناد ولا ينسُبُه إلى شرطِ واحدٍ منهما، وربما أورد الخبر، ولا يتكلَّمُ عليه، فكأنَّه أراد تحصيلَه، وأخَّرَ التَّنقيب عليه، فعوجل بالموت مِنْ قبلِ أن يتقن ذلك، وقد وقفتُ على
стр. 870
نسخةٍ مِنَ "المستدرك" في ستِّ مجلدات، فوجدت في هامش صفحةٍ مِنْ أثناءِ النِّصف الثاني مِنَ المجلد الثاني: "إلى هنا انتهى الحافظ الحاكم". ففهِمْتُ مِنْ هذا أنَّه قد حرَّر مِنْ أوَّلِ الكتاب إلى هنا، وأنَّ الباقي استمرَّ بغير تحريرٍ، ولذلك يُوجَدُ فيه هذا النوع مِنْ أنه يورِدُ الحديثَ بسنده، ولا يتكلَّم عليه.
وأما اليمنيات:
فمن جملة ما ورد السُّؤال عنه مِنْ هناك مِنَ العلَّامة السيد البدر حسين بن عبد الرحمن بن محمد الأهدل عَنِ الخضرِ صاحب موسى ﵉، وبيان الاختلاف في بقائه ونُبُوَّتِهِ وغير ذلك، وهي في غاية التحرير في كتاب "الإصابة" للشَّيخ، فلا نُطيلُ بإيرادها، لكن سمى هذه "الزهر النضر في نبأ (١) الخضر"، وختمها بزيادة، فقال: والذي تميلُ إليه النَّفسُ مِنْ حيثُ الأدلَّةِ القويَّةِ خلافُ ما يعتقدُه العوام مِنَ استمرارِ حياته.
لكن ربَّما عرضت شبهةٌ مِنْ جهةِ كثرة الناقلين للأخبار الدالّة على استمراره، فيقال: هبْ أنَّ أسانيدها واهيةً، إذ كلُّ طريقٍ منها لا تسلَمُ مِنْ سبب يقتضي تضعيفها، فماذا نصنع في المجموع؟ فإنَّه على هذه الصورة قد يلتَحِقُ بالتواتُرِ المعنويِّ الذي مثَّلُوا له بجُود حاتم، مع إحتمال التأويل في أدلة القائلين بعدم بقائه كآية ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وكحديث "رأس مائة سنة"، وغيرِ ذلك ممَّا تقدم بيانه.
وأقوى الأدلة على عدم بقائه: عدمُ مجيئه إلى رسول اللَّه ﷺ ، وانفراده بالتعمير مِنْ بين أهل الأعصارِ المتقدِّمةِ بغيرِ دليلٍ شرعيٍّ، والذي لا يتوقَّفُ فيه الجزم بنبوَّتِه (٢)، ولو ثبتَ أنه مَلَكٌ مِنَ الملائكة، لارتفعَ الإشكال كما تقدَّم، واللَّه أعلم.
стр. 871
ومنه مسألة قاضي جِبْلة وعدن محمد بن عمر الحزيزي عن رجل يصلِّي بالنَّاسِ إمامًا، فإذا سلَّمَ، تأخَّرَ قليلًا، وجعل وجهه إلى المشرق وظهره إلى المغرب، وأتى بالذكرِ ثمَّ بالدُّعاءِ وهو على الحالة المذكورة، وزعم أنَّ ذلك قد رُوي عَن النَّبيِّ ﷺ ، واستقرَّ حالُه دائمًا على ذلك في جميع الصلوات، فهل ذلك صوابٌ؟ وهل كان النَّبيُّ ﷺ إذا فرغ مِنَ الصلاة وقف في المصلى يأتي بالذكر والدعاء المأثور وهو على حالة الاستقبال، أو على ما يفعله الإمام المذكور؟ وهل المراد بالانصراف مِنْ الصلاة الانصراف (١) في الجهات عند الخروج مِنَ المسجد عن اليمين والشمال كما ذكره صاحبُ "البيان" مفسرًا به لما ذكره البغداديون، ما نقله عن صاحب "الإبانة" أنَّ المرادَ عن اليمين عند أكثرِ أصحابنا أن يفتِلَ يدَه اليسرى، ويجلس على الجانب الأيمن (٢) من المحراب. وقال القفال: الانصراف عن اليمين هو أن يفتِل يدَه اليمنى، ويجلس على الجانب الأيسر من المحراب كما في الطواف يجعل يده اليُسرى إلى الكعبة واليمين إلى الناس.
فهل لما قالاه دليلٌ مِنَ السُّنَّة؟ وهل صحَّ ما نقلاه عَنِ النَّبيِّ ﷺ قبل الذكر أو بعده. ونص الشافعي ﵁ على استحباب الانصراف للإمام عَقِبَ السَّلامِ إن لم يكُنْ معه نساءٌ، كما ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيره.
وهل في الأحاديث الصحيحة ما يخالِفُ هذا النص؟ وهل في حديث البراء بن عازب ﵄، حيث قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ﷺ أحببنا أن نكونَ عَنْ يمينِه يُقبِلُ علينا بوجهه. إلى آخر الحديث، دليلٌ لما يفعلُه المصلِّي المذكور مِنَ التأخُّرِ قليلًا واستقبال المشرق، واستدبار المغرب دائمًا أو لا؟ إذ قد يقال: إنَّ مراد البراء ﵁ بقوله: "يُقبل علينا بوجهه" حالة السلام، أو أنه انحرف، ولم يكن انحرافُه ﷺ ليذْكُرَ ويدْعُوَ مستقبلًا للمشرق، أو قد يكون لسببٍ ما.
стр. 872
المراد إيضاح ذلك بجوابٍ شافٍ للنفس يشرَحُ الصَّدرَ، ويزيلُ اللَّبْسَ، يحقِّق ذلك كلَّه، وما يُعتمَدَ وما يكون الآتي به متبعًا لا مبتدعًا.
فأجاب بما نصُّه:
أما ما وقع في السُّؤال مِنْ أنَّ الإمام إذا سلَّم التسليمة الثانية، جعل وجهه إلى المشرق وظهره إلى المغرب، فلعلَّه خصَّ ذلك بالبلد الذي هو بها، حيثُ تكونُ القبلةُ بين المشرق والمغرب، فينحرِفُ هو إلى جهة المشرق، وهي جهةُ يسارِه، ويُقبِلُ بوجهه على مَنْ هو على يمينه حين الائتمام، وهذا هو الذي يظهر مِنْ حديث البراء بن عازب ﵄، ولكن الذي يتحصَّل مِنْ مجموع أحواله ﷺ أنَّه كان لا يفعل ذلك ديْدَنًا، بل هذا الفعل خاصٌّ بما إذا أراد أن يجلِسَ في مصلَّاهُ بعدَ انقضاء الصَّلاةِ للوعظ والافتاء وغيرهما مِنْ مصالح المسلمين، وهو لائق بالصلاة التي لا نافلة بعدها كالصبح، فقد صحَّ أنه ﷺ كان يلبَثُ في مصلاه حتى تطلُعَ الشمسُ حسناء. وأما إذا كانت بعد الفريضة نافلةٌ كالظُّهر، فإنه كان ينصرف إلى منزله على يساره؛ لكون حجرة عائشة وغيرها مِنْ نسائه ﵅ كان مِنْ جهة يسار القبلة، ولذلك قال بعضُ الصَّحابة ﵃: كثيرًا ما رأيتُ رسول اللَّه ﷺ ينصرف عن يساره، رادًّا على مِنْ كان يرى استحباب الانصراف عن يمينه، ويراه حتمًا لا يعدل عنه (١). وهذا الانصراف غير الانصراف الذي نُقِلَ في السُّؤال عَنِ الفقهاء، فإنَّ الانصرافَ الذي ذكروه هو الحركة بعد السلام مِنَ الصلاة، وهذا هو الحركةُ (٢) عندَ إرادةِ التوجُّه مِنَ المسجد، وكان انصرافه هذا الثاني إلى منزله، ليستريح ويصلي فيه حينئذٍ سنة الظهر التي بعدها، وكذا كان يصلي سُنَّةَ الطهر التي قبلها في منزله؛ لأنه كان إذا فرغ مِنَ المصالح، توجه عند القيلولة إلى منزله ثمَّ يخرُح لصلاة الظُّهر، كما جرى له حين جاءه وفدُ عبدِ القَيْسِ، فشغلُوه فلم يُصَلِّ الركعتين بعد الظهر حتى دخل منزله بعد صلاة العصر، فصلاهما فيه.
стр. 873
وأمَّا الذِّكْرُ (بعد الفرائض) (١)، فقد صحَّ أنه كان لا يجلس في مصلاه إلا قدْرَ ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام. . . إلى آخره"، فالظَّاهِر أنَّ المأثور مِنَ الذكر والدعاء كان يكون في المسجد؛ حيثُ لا يتوجَّه منه، وفي منزله حيث يتوجه مِنَ المسجد.
وإذا تحرَّر هذا، يُستنبط منه أنَّ مَنْ ليس في مِثلِ حاله مِنْ إرادة الوعظ والإفتاء ونحوهما إنا ذكر الذكر والدعاء المأثور لكل صلاة يستمر على استقبال القبلة حتى يفرغ وينصرف إلى منزله، وإنما كان ذلك، لأن الأمر ورد باستقبال القبلة عند الدعاء، فإذا خُصَّ منه شيءٌ للمصلحة المذكورة، بَقِيَ ما عداه على عُمومه. وهذا مما غاب بيانُه عَنْ كثير مِنَ النَّاس، فحملوا صنِيعَه ﷺ في الهيئة المذكورة مِنَ الجلُوس على عموم الأحوال، والذي يظهر أن الذي يستحب التفصيل المذكور، واللَّه الموفق.
[وكذا سأله الشِّهابُ أحمد بن أبي القاسم الضَّراسي اليماني سؤالًا يتعلَّق بقوله ﷺ "مَنْ صلَّى الصُّبْحَ، ثمَّ جلس في مُصلَّاه، إلى أن تطلُعَ الشَّمس".
كتبته مع جوابه في غير هذا الموضع] (٢).
وأما الشاميات:
فقد ورد السُّؤال منها عَنْ واقفٍ وقفَ وَقْفًا على نفسه مدَّة حياته، ثم مِنْ بعد موته (٣) على أولاده الموجودين، ثمَّ مِنْ بعدهم على أولادهم، ثم على أولاد أولادهم، ثمَّ على أولاد أولاد أولادهم ونَسْلِهِم وعَقِبِهم بينهم بالفريضة الشرعية للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأنثييْن مِنْ أولاده الظَّهر والبطن، واحدًا كان أو أكثر، ذكورًا كانوا أو إناثًا بينهم بالفريضة الشرعية، يسْتَقِلُّ (٤) به
стр. 874
الواحد، ويشترك فيه الاثنان فما فوقهما مدة حياتهم مِنْ غيرِ مشاركٍ لهم فيه ولا في شيء منه يحجُبُ الطَّبقة العُليا منهم أبدًا الطبقة السفلى مِنْ أولاد الظَّهر والبطن بالفريضة الشرعية، على أنه مَنْ تُوفِّي مِنْ أهل هذا الوقف، وترك ولدًا أو ولدَ ولدٍ أو أسفلَ مِنْ ذلك مِنْ ولد الولد، انتقل نصيبهُ إليه، واحدًا كان أو أكثرَ على التَّرتيب المشروح أعلاه، فإن لم يكن للمتوفى منهم ولدَّ ولا ولد ولدٍ ولا أسفل مِنْ ذلك، أو كانوا وانقرضوا، كان ما للمتوفى مِنْ رُبع ذلك لإخوته وأخواته المشاركين له في استحقاق الوقف، ووجوب الصَّرف إليه مِنَ الذُّكور والإناث مِنْ ولد الظَّهر والبطن على ما شُرِحَ فيه، فإن لم يكن للمتوفَّى أخٌ ولا أختٌ، أو كانوا انقرضوا، كان ما (١) للمتوفى مِنْ ذلك لأقرب الطبقات إليه مِنْ أهل الوقف المذكُور (٢) ممَّن يشاركه في حال حياته في استحقاق الربع، ووجوب الصرف إليه مِنْ ولد الظهر والبطن مِنْ أهل الوقف بينهم بالفريضة الشرعية، وحكم حاكم يرى صحة الوقف على النفس، ثم مات الآن مِنَ المستحقين محمد وأحمد ولدا محمَّد بن أم هانىء بنت عبد القادر بن أبي بكر ابن الواقف وعائشة وفاطمة بنت الشيخ علي بن أنس بنت فاطمة بنت عائشة بنت الواقف عن (٣) غير ولد، ولا ولدِ ولدٍ ولا إخوةٍ ولا أخوات. ثمَّ الآن مِنَ المستحقين الموجودين بركةُ بنتُ فاطمة بنت حسن بن محمد بن موسى ابن الواقف، وإبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن سومَلك بنت الواقف، وبي خاتون بنت أحمد بن إبراهيم بن يوسف بن سوملك بنت الواقف، ومحمد بن بلينة بنت أنس بن سليمان بن موسى ابن الواقف، وبي خاتون وزينب بنتا عائشة بنت يونس بن أبي بكر ابن الواقف، وقضاة بنت عائشة بنت فاطمة بنت إبراهيم ابن الواقف، وتولت بنت إبراهيم بن يوسف بن سوملك بنت الواقف، ومحمد وفاطمة ولدا عائشة بنت زينب بنت أبي بكر ابن الواقف، وأغُل بنت
стр. 875
عبد الرحمن بن أبي بكر ابن الواقف، وأسماء بنت فاطمة بنت أبي بكر ابن الواقف. فهل ينتقل نصيبُ المتوفِّين المذكورين إلى بركة ومَنْ شاركها في طبقتها، أم إلى بي خاتون وزينب ومَنْ بشاركها في طبقتها، أم إلى أُغُل ومن يشاركها في طبقتها؟.
وقد وقعت هذه الواقعة في دمشق المحروسة، واختلف فيها بعضُ العلماء بها، فقال بعضُهم: إن نصيب المتوفين ينتقلُ إلى أُغُل ومَنْ يشارِكُها في طبقتها دُونَ غيرهم، واحتجَّ بأن المرادَ بأقرب الطَّبقات أقربُ مَنْ في الطبقات، فهو بمنزلة قوله: أقرب أهل الواقف (١) إليه، وليس المراد تقديم أهل الطَّبقة التي هي أقربُ إلى طبقةٍ مِنْ أهل الطبقة التي هي أعلى منها ولا أسفل؛ لأنه لما خصَّ الإخوة والأخوات مِنْ أهل الطبقة، ولم يعتبر بقية الطبقة، لا معهم ولا بعدَهم، علمنا أنَّه لا ينظر إلى مُطْلَقِ الطَّبقة، بل إلى مَنْ هو أقربُ منها إليه، ولو قصد الصَّرف إلى مَنْ هو أقربُ طبقةً إليه، لكان أهل طبقته أولى، فلما عدل بعدَ الإخوة بلى أقرب الطَّبقات عَن طبقته، عُلِمَ أنَّ المراد أقرب الموجودين مِنْ بعدهم إليه، فكأنه قال: على إخوته، ثم الأقربُ فالأقرب إليه دُونَ بقية المستحقين.
وأيضًا فقوله: أقربُ الطَّبقات إليه، يحتمل أن يكونَ المراد أقربَ طبقةٍ إليه، ويحتمل أن يُراد أقرب الموجودين إليه. وهذا الثاني أولى، عملًا بقول الواقف أولًا (٢): تحجب العليا السفلى أبدًا، ما لم يخصَّ بصريح: كقوله: على أنَّ مَنْ مات منهم عَنْ ولدٍ، انتقلَ نصيبُه إلى ولده.
وقال الآخر: إنَّ نصيب المذكورين ينتقلُ إلى بركةَ ومن يشاركها في الطَّبقة؛ لأن قوله: انتقل نصيبُه إلى أقرب الطَّبقات إليه صريحٌ في أنَّ مَنْ كان أقربَ طبقةً إلى الميت استحقَّ نصيبَه، ولا شكَّ أنَّ أهلَ الطبقة الأولى -الذين هم أولادُ الواقف- أبعدُ الطبقات عَنِ الميت، والطَّبقةَ الثانية أقربُ ممَّا
стр. 876
قبلَها إلى الميت، والطَّبقةَ الثالثة أقربُ إلى الميت مِنَ الثَّانية، وهكذا حتَّى ينتهي إلى طبقةِ الميت، وحينئذٍ فأهل الطبقة (١) المساوين له في الدرجة باعتبار عددِ الطَّبقات أوْلَى بالاستحقاق مِنْ أهلِ الطَّبقة التي فوقها؛ لأنَّ الواقف قيَّد استحقاقَ أقرب الطبقات إلى الميت بكونه ممن يشاركه في استحقاق الربع. واحتمال المشاركة صدَّ عنه، إنما كان في أهل طبقته؛ لجواز أن يكون بعضُ مَنْ في طبقته محجوبًا بأبيه.
وأمَّا مَنْ فوقَه مِنَ الطَّبقات، فيشاركونه لا محالة. فلو حُمِلَ على مَنْ فوقَه مِنَ الطبقات، لعرَّى التَّقييد عَنِ الفائدة.
فإن قيل: وإذا حُمِلَ على أهل طبقته، لعرَّى عن الفائدة أيضًا؛ لأنَّ أهلَ الطَّبقة همُ المتناولون مِنْ رَيْعِ الوقف، المنتسبون إلى الواقف على حدٍّ سواء، أُجيبَ بالمنع؛ فإن الشيخ العلامة تقي الدين السبكي ﵀ حكى احتمالين في المساوي في النسب إلى الواقف، [ولم يتناول مِنْ ربع الوقف لوجود أبيه مثلًا، هل هو مِنْ أهل الطبقة أم لا، فقول الواقف] (٢): المشاركون له في الاستحقاق نصٌّ في إخراج مثل هذا، وبقي الاحتمالُ الآخر، فله فائدةٌ بخلافِ حملِه على المحمَلِ الأوَّلِ. وأيضًا قولَ الواقف: ثمَّ على أقرب الطبقات إليه لو حُمل على الطبقة العليا، لكان هو عينَ الكلام الأوَّلِ في قوله: تحجبُ الطَّبقة العليا الطبقة السُّفلى، فيبقى الكلام الثاني بلا فائدة، وأيضًا قد حكى بعض المتأخِّرين خلافًا (٣) فيما إذا احتمل عَوْدُ الضَّمير إلى الواقف أو إلى المتوفَّى، وبتقديرِ ما ذكرَهُ القائل الأول، يلزم أن لا يختلِفَ الحالُ، ولا يكون لهذا الخلافِ المحكيِّ فائدةٌ.
وقوله: إنَّ المرادَ بأقرب الطَّبقات أقربُ مَنْ في الطَّبقات ممنوع؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ هذا التقدير، وَلو أراده، لقال: أقربُ الناس إليه مِنْ أهل الوقف. وما احتجَّ به لهذا التقدير ممنوع، بل قول الواقف: لإخوته
стр. 877
وأخواته، تخصيصٌ لقوله: تحجِبُ الطَّبقةُ العليا الطَّبقةَ السُّفلى أبدًا.
وقوله: ومن مات عَنْ غير ولد، ولا ولد ولد، ولا إخوة ولا أخوات، عادَ إلى أقرب الطبقات إليه، مِنْ تمام الكلام في تخصيص قوله: تحجِبُ الطَّبقة العليا الطَّبقة السفلى، حملًا للكلام الثاني على الفائدة.
وقوله: إنَّ الاحتمالَ الثَّاني أولى، عملًا بعموم قول الواقف: تحجِبُ الطَّبقةُ العليا الطَّبقةَ السُّفلى، ما لم يحصر بصريح كقوله (١): على أنَّ مَنْ مات عَنْ ولدٍ انتقل نصيبه إلى إخوته وأخواته، وقول القائل الأول أيضًا: إنَّ الواقف لو قصد الصرف إلى مِنْ هو أقرب طبقة إليه، كان أهل طبقته أولى، يقال له: هذا محل النِّزاع، لأن القول الثاني يقول: إن أهل الطبقة هم المستحقون لنصيبِ المتوفَّى، إذ أهل طبقته أقربُ الطَّبقات إليه، فتأمَّلُوا ذلك، وبيِّنُوا الصَّواب منه واضحًا.
فأجاب: الذي بحثه المفتي الأوَّل، وإن كان له اتِّجاه لما ذكر، لكن الذي بحثه الثاني أوجه، وكلُّ شيءٍ نُقضَ به تعليل الأول مستقيمٌ يقتضي ترجيح بحثه على بحث الأول، ويُزادُ بأن يُقالَ: لو كان الأمرُ على ما أجابَ به الأول، لاقتضى أنَّه لا فرق بين قوله: أقربُ الطَّبقات إلى الواقف، وبين قوله: أقربُ الطبقات إلى الميت. والواقع أن بينهما فرقًا؛ ففي الأول يُعتَبَرُ القُرْبُ إليه، فمهما كان إليه أقلَّ عددًا، كان أحق بذلك ممَّن هو دُونَه، وفي الثاني المساوي أقربُ إلى الميت طبقةٌ مِنَ الطبقة التي تسفُل عنه، وهذا لا خفاء به، واللَّه سبحانه أعلم.
ومما ورد عليه مِنْ دمشق: أسئلة مِنَ العلَّامة القطبُ خاتمة المفسرين زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الصَّالحي الحنبلي، عُرف بأبي شعرة، نفعنا اللَّه ببركاته (٢).
стр. 878
[حديث الجسَّاسة]
كتب شيخُنا صاحبُ الترجمة إليه ما نصُّه: سألتم رضي اللَّه عنكم، وأدام لكم التوفيق، وأرشدكم إلى سواء الطريق، عن حديث فاطمة بنت قيس في الجسَّاسة، وهل فيه علَّةٌ لأجلها لم يخرِّجْهُ البخاري، فإنه لا يقال: تركه لأجلِ الطُّول، فإنه ليس في الباب شيءٌ يُغني عنه. وأيضًا فإن الصَّحابة ﵃ اختلفوا وشكُّوا في ابنِ صيَّادٍ، حتَّى بعد موت النبيِّ ﷺ ، فلو سمعوا هذه الخُطبة، لما أشكل عليهم، ولا يمكن أن تكون فاطمةُ بنتُ قيسٍ ﵂ سمعته وحدها، أو هو أمرٌ خاصٌّ، بل هو أمر عام. انتهى.
والجواب أن هذا السؤال تضمَّن أمورًا:
أولها: لِمَ لَمْ يخرِّجْهُ البخاري، وانفرد مسلم بإخراجه؟.
فأقول: ليست له علَّة قادحة تقتضي تركَ البخاري لتخريجه، وطولُه لا يقتضي العدُولَ عنه، فإنه أخرج غيره مِنْ الطوال، ولم يختصرها في بعض المواضع، مع أن حاجته منها إنَّما هي ببعض الحديث، كما في حديث الإفك؛ حيث أخرجه بطوله في كتاب الشهادات في باب تعديل النساء. ومن جملة الطِّوالِ ما أكثره (١) مِنْ كلام الرَّاوي، لا مِنْ كلامِ الرَّسول ﵊، كما في حديث أبي سفيان ﵁ في قصَّة هرقل.
والذي عندي أنَّ البخاريِّ أعرضَ عنه لما وقع بين الصَّحابةِ ﵃ في أمرِ ابنِ صيَّادِ. ويظهر لي أنِّه رجح عنده ما رجح عندَ عمرَ وجابر وغيرهما ﵃ مِنْ أنَّ ابن صياد هو الدَّجالُ، وظاهرُ حديثِ فاطمةَ بنتِ قيس يأبى ذلك، فاقتصر على ما رجح عنه، وهو على ما يظهر بالاستقراء منْ صنيعه يُؤْثِرُ الأرجح، ممّا على الراجح، وهذا منه.
الأمر الثاني ممَّا يتضمَّنُه السؤال: الإشارة إلى أنَّ الصحابة ﵃ لو سمعوا الخطبة التي نقلَتْها فاطمةُ بنتُ قيس، لما شكُّوا حتى بعد موت النبي ﷺ في ابن صياد.
стр. 879
فأقول: بل وردَ أنَّ بعضَ الصَّحابة ﵃ الذين سمعُوا الخطبةَ كما سمعتها فاطمةُ، استمرُّوا على الشَّكِّ في كَونِ ابن صيَّادٍ هو الدَّجالُ، كما سأبيِّنُه.
الأمر الثالث: الإشارة إلى أنَّ فاطمةَ بنتَ قيسٍ تفرَّدت برواية الخُطبة المذكورة، مع استبعادِ أن تكونَ سمعتها وحدَها، فما السِّرُّ في كون بقيَّةِ مَنْ سمعها معها لم يرووها كما روتها؟
فأقول: لم تنفَرِدْ فاطمةُ بسماعها ولا بروايتها، بل جاءت القصَّةُ مرويةً عَنْ جماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ غيرها، ودلَّ ورودُها علينا مِنْ رواية عائشة أمِّ المؤمنين وأبي هريرة وجابر وغيرهم، ﵃، على أنَّ جماعةٌ آخرين روَوْهَا، وإن لم تتَّصل بنا روايتهم.
أما حديث عائشة وأبي هريرة ﵄، فهو عند الإمام أحمد في "مسنده"، أورده في مسند فاطمة بنت قيس ﵂، فقال فيه: حدثنا يحيى بن سعيد -هو القطَّان- حدثنا مُجالِدٌ، عن عامر -هو الشعبي-، قال: قدِمتُ المدينة، فأتيت فاطمةَ بنت قيس ﵂، فحدثتني أن زوجها طلَّقها وذكر الحديث. وفيه: فلما أردت أن أخرج، قالت: اجلس حتى أحدثك حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ : قالت: خرج رسول اللَّه ﷺ يومًا مِنْ الأيام، فصلَّى صلاة الهاجرة، ثم قعد -يعني على المنبر- ففزعَ النَّاسُ، وقال: "اجلسوا أيها الناس، فإني لم أقُمْ مقامي هذا لفزع، ولكن تميمًا الداري أتاني، فأخبر خبرًا منعني مِنَ القيلُولَةِ مِنَ الفرح. . . ". الحديث بطوله. وفيه: قال عامر: فلقِيتُ المحرَّر بن أبي هريرة، فحدَّثتُه بحديثِ فاطمةَ بنتِ قيس ﵂، فقال: أشهد على أبي أنه حدثني كما حدثتْ (١) فاطمة، غير أنه قال: "إنه في نحو المشرق".
قال: ثمَّ لقيتُ القاسمَ بنَ محمَّدٍ، فذكرتُ له حديثَ فاطمة بنتِ قيسٍ، فقال: أشهدُ على عائشة أنها حدثتني كما حدثت (٢) فاطمة، غير أنَّها قالت: "الحَرَمَانِ عليه حرام، حرم (٣) مكة والمدينة".
стр. 880
قلت: وقد أخرج أبو داود في "السنن" هذا الحديث مِنْ رواية مجاهد، لكنه اقتصر على حديث فاطمة بنتِ قيسٍ، ولم يَسُقْ لفظَه، بل أحال به على طريق أخرى عَنْ فاطمة قبله، ولم يتعرض للزيادة في آخره.
وأخرجه ابن ماجه مِنْ رواية مجالد (١) أيضًا، مقتصرًا على حديث فاطمة بنت في قيس.
وأخرج أبو يعلى مِنْ طريق عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ استوى على المنبر، فقال: "حدَّثني تميم"، فرأى تميمًا في ناحية المسجد، فقال: "يا تميمٌ، حدِّثِ النَّاس بما حدَّثني"، فذكر الحديثَ باختصارٍ.
وهذا لا ينافي ما وقع في رواية فاطمة بنت قيس، لاحتمال أن يكونَ ﷺ قصَّ القصَّةَ، كما في رواية فاطمة بنت قيس، ثم رأى تميمًا، فأمره أن يقُصَّ عليهم ما قصَّ عنه، تأكيدًا. ويستفادُ مِنْ ذلك مشروعيةُ طلب عُلوِّ الإسناد، واللَّه أعلم.
وأما حديث جابر ﵁، فأخرجه أبو داود، وقال: حدثنا واصل بنُ عبد الأعلى، حدثنا ابنُ فضَيل -هو محمد- عن الوليد بن عبد اللَّه بن جُميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جبر ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ ذاتَ يومِ على المنبر: "إنه بينما أُنَاسٌ يسيرون في البحر، فنفِدَ طعامُهم، فرُفِعَت لهم جزيرةٌ، فخرجُوا يريدُونَ الخبر، فلقيتهم الجسَّاسة". فقلت لأبي سلمة: ما الجسَّاسَةُ؟ قال: امرأةٌ تجرُّ شعرَ جلدِها ورأسها، "قالت: في هذا القصر رجل". قال: فذكر الحديث، وفيه: "وسأل عن نخل بيسان (٢) وعين زُغَر. قال: هو المسيح". فقال لي ابن أبي سلمة: إنَّ في هذا الحديث شيئًا ما حفظته، قال: شهد جابر (٣) أنه ابنُ صيَّادِ، فقلت: فإنه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنه أسلم. قال: