← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾. ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكّد لفعله المحذوف، منصوب على المفعولية المطلقة، تقديره: صبغنا الله صبغته، والجملة معطوفة في المعنى على جملة ﴿آمَنَّا﴾ داخلةٌ تحت حكم الأمر في قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾؛ أي: قولوا آمنَّا بالله، وصبغنا الله صبغته، وهذا أحسن الأوجه في إعرابه كما مرّ، وقيل: منصوبٌ على الإغراء؛ أي: الزموا صبغة الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ الواو استئنافية ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿أَحْسَنُ﴾ خبره والجملة مستأنفة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بأحسن ﴿صِبْغَةً﴾ تمييزٌ محوَّل عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والأصل: ومن صبغته أحسن من صبغة الله؛ أي: لا أحسن منها ﴿وَنَحْنُ﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة ﴿نحن﴾ مبتدأ ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿عَابِدُونَ﴾، وهو خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على ﴿آمنّا﴾ فهو داخلٌ معه تحت الأمر؛ أي: وقولوا نحن ... الخ. وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه. انتهى. "أبو السعود". ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿تحاجُّوننا﴾ فعل وفاعل ومفعول به مرفوع بثبات النون، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿فِي اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بتحاجون ﴿وَهُوَ﴾ الواو حالية ﴿هو﴾ مبتدأ ﴿رَبُّنَا﴾ خبر ومضاف إليه ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ معطوف على ﴿رَبُّنَا﴾، والجملة في محل النصب حالٌ من الواو في ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾، وكذا قالوا، أو من ضمير المفعول، أو من الجلالة ﴿وَلَنَا﴾ الواو حالية ﴿لنا﴾ خبر مقدّم ﴿أَعْمَالُنَا﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة في محل النصب حال من ضمير المفعول في ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ ﴿وَلَكُمْ﴾ الواو عاطفة ﴿لكم﴾ خبر مقدّم، ﴿أَعْمَالُكُمْ﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لنا أعمالنا﴾ ﴿وَنَحْنُ﴾ الواو حالية ﴿نحن﴾ مبتدأ ﴿لَهُ﴾ متعلق بمخلصون ﴿مُخْلِصُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة في محل

стр. 1017

النصب حال من ضمير المفعول في ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ أو من واو الفاعل، وفي "الجلالين": والجمل الثلاث؛ يعني قوله: ﴿رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، والثالثة: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أحوالٌ من الواو في ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ والعامل فيها: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾. ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. ﴿أَمْ﴾ عاطفة متصلة معادلة لهمزة ﴿أتحاجون﴾ ﴿تَقُولُونَ﴾ بالتاء فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿تحاجون﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الإنكار ﴿يقولون﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. وقال أبو البقاء: قرئ ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ بالياء ردًّا على قوله: ﴿فسيكفكهم﴾ وبالتاء ردًّا على قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾؛ انتهى. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ ناصب واسمه ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ﴾ معطوفاتٌ على إبراهيم ﴿كَانُوا﴾ فعل ماض ناقص واسمه ﴿هُودًا﴾ خبره ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ معطوف على ﴿هُودًا﴾، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿تَقُولُونَ﴾. ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة ﴿أَأَنْتُمْ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿أنتم﴾ مبتدأ ﴿أَعْلَمُ﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿أَمِ﴾ عاطفة متّصلة ﴿اللَّهُ﴾ معطوف على ﴿أنتم﴾، ولكنه فصل بين المتعاطفين بالمسؤول عنه ﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية ﴿من﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿أَظْلَمُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة؛ مسوقة للتعريض بكتمانهم شهادة الله، وهذا دَيْدَنُ اليهود دائمًا ﴿مِمَّن﴾ جار ومجرور متعلق بأظلم ﴿كَتَمَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿شَهَادَةً﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب ﴿عِنْدَهُ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لشهادة ﴿وَمَا﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة ﴿ما﴾ حجازية

стр. 1018

﴿اللَّهُ﴾ اسمها ﴿بِغَافِلٍ﴾ خبرها، والباء زائدة، وجملة ﴿ما﴾ الحجازية مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾، ﴿عَمَّا﴾ جار ومجرور متعلق ﴿بِغَافِلٍ﴾ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: عمّا تعملونه. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿خَلَتْ﴾ فعل ماض مبني بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، والتاء علامة تأنيث الفاعل، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿أُمَّةٌ﴾ والجملة في محل الرفع صفةٌ لأُمَّةٌ ﴿لَهَا﴾ خبر مقدم ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخّر، والجملة الإسمية مستأنفة، أو حال من ﴿أُمَّةٌ﴾ أو صفة ثانية لها، والأول أظهر، وجملة ﴿كَسَبَتْ﴾ صلة لما الموصولة، ﴿وَلَكُمْ﴾ خبر مقدم ﴿مَا﴾ مبتدأ مؤخّر، وجملة ﴿كَسَبْتُمْ﴾ صلة لما الموصولة، والجملة الإسمية معطوفة على ما قبلها، ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿تُسْأَلُونَ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة، والواو نائب فاعله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ مسوقة؛ لتأكيد ما قبلها ﴿عَمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُسْأَلُونَ﴾ ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة لما الموصولة، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿حَنِيفًا﴾ الحنيف: المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، يقال: حَنَف حَنْفًا من باب ضرب إذا مال، وحَنِف من باب تعب حَنَفًا، وحَنُف حنافة من باب ظرف اعوجَّت رجله إلى داخلٍ، فهي حنفاء، فالحنيف في أصل اللغة الذي تميل قدماه كُلُّ واحدة إلى أختها، وقد يستعمل في اليدين ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ أصله: تهتديوا بوزن تفتعلوا من اهتدى الخماسيِّ، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فلمَّا سكنت التقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الدال؛ لمناسبة واو الجماعة، وهذا بعد حذف نون الرفع للجازم، وهو الطلب السابق

стр. 1019

﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ جمع سبط بكسر السين وسكون الباء، وهو في الأصل: ولد البنت مقابل الحفيد الذي هو ولد الابن، وهو مشتق من السبط، أي: الشجرة. وفي "الفتوحات": وهذا كله بالنظر إلى أصل اللغة في إطلاق السبط على ولد الولد مطلقًا، وإلّا فالعرف خصَّص السبط بولد البنت، والحفيد بولد الابن. اهـ. ﴿فقد اهتدوا﴾ أصله: اهتديوا بوزن افتعلوا، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة، فحذفت الألف، وبقيت الفتحة دالَّةً عليها. ﴿فإن تولّوا﴾ أصله: تَوَلَّيُوا أيضًا، فُعِل به ما فعل بـ ﴿اهْتَدَوْا﴾ المذكور قبله، فوزن اهتدوا افتعوا، ووزن تَوَلَّوا تفعَّوا ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ الشقاق: المخالفة والعداوة، وأصله: من الشقِّ وهو الجانب؛ لأنّ كل واحد من المتشاققين يكون في شقٍّ غير شق صاحبه؛ أي: في ناحيةٍ منه، وهو مصدر شاقَّ شقاقًا من باب فاعَلَ، وفيما ذكر إشارة إلى بيان المراد بالشقاق هنا؛ لأنَّ له في اللغة ثلاث معان: أحدها: الخلاف، ومنه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾. والثاني: العداوة، ومنه قوله: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾. والثالث: الضلال، مثل: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ والصبغ بالكسر: ما يلوَّن به الثياب، وبالفتح: المصدر، والصبغة: الحالة التي تبنى لبيان النوع، كصبغت صِبغةَ الأمير نظير جِلسةَ الإقعاء، والصَبغة بالفتح: المرَّة من الصبغ، كصبغت صبغةً. وفي "المصباح": صبغت الثوب صبغًا من بابي نفع وقتل، وفي لغة من باب ضرب. انتهى. والصبغة، كالجلسة من جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والعرب تسمِّي ديانة الشخص لشيء، واتصافه به صبغةً، قال بعض ملوكهم: وكُلُّ أُناسٍ لهم صبغةٌ ... وصِبغة همدان خير الصِّبَغْ صبغنا على ذاك أبناءَنا ... فأَكْرِم بصبغتنا في الصِّبَغْ ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ أصله: أتحاججوننا، فأدغمت الجيم الأولى في الثانية،

стр. 1020

والمحاجُّة: المجادلة ودعوى الحق، وإقامة الحجة، على ذلك من كل واحد من الجانبين. البلاغة وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾؛ أي: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى، وليس المعنى: إنّ الفريقين قالوا ذلك؛ لأنّ كل فريق يعدُّ دين الآخر باطلًا. ومنها: جعل الشقاق ظرفًا لهُمْ في قوله: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾؛ مبالغةً في الإخبار عن استيلائه عليهم، فإنّه أبلغ من قولك: هم مشاقون. ومنها: تنكير شقاق؛ دلالةً على امتناع وفاق بينهم أصلًا. ومنها: التذييل بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لأنّه تذييلٌ لما سبق من الوعد، وتأكيدٌ له. ومنها: الإيجاز بالحذف في ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾؛ لأنّ الأصل: فسيكفيك شرَّهم، وفيه تصدير الفعل بالسين دون سوف؛ إشعارًا بأنَّ ظهوره عليهم واقعٌ في زمن قريبٍ. ومنها: التعجيز والتبكيت في قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾؛ لأنّ المراد منه إلزام الخصم، وإلجاءَه إلى الاعتراف بالحق بإرخاء عِنانه، وسدّ طرق المجادلة عليه؛ لأنّه ليس لله سبحانه، وكذا لدين الإِسلام مثلٌ، فيؤمنون به. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ حيث شبَّه الدين الإِسلاميَّ بالصبغة، وحذف المشبَّه، وأبقى المشبه به بجامع أنَّ في كل منهما حليةً وزينةً، لِمَا قام به، وفيه أيضًا: فنُّ المشاكلة: وهو ذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوع ذلك الشيء في صحبة الغير، إمّا بحسب المقال المحقَّق، أو المقدَّر بأن لا يكون ذلك الغير مذكورًا حقيقةً، ويكون في حكم المذكور؛ لكونه مدلولًا عليه بقرينة الحال، فسمي الدين هنا صبغةً؛ لوقوعه في مقابلة صبغة النصارى

стр. 1021

أولادهم في المعمودية. قال البغوي: إنّ إطلاق مادة لفظ الصبغ على التطهير مجاز تشبيهي، وذلك أنه شبه التطهير من الكفر بالإيمان بصبغ المغموس في الصبغ الحسِّي، ووجه الشبه ظهور أثر كل منهما على ظاهر صاحبه، فيظهر أثر التطهير على المؤمن حسًّا ومعنًى بالعمل الصالح، والأخلاق الطيبة، كما يظهر أثر الصبغ على الثوب، ولا ينافي ذلك كونه مشاكلة. انتهى. وتقرير المشاكلة مبسوط في "التلخيص" وشرحه للسعد التفتازاني، فراجعهما. ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ وقوله ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾؛ لرعاية الفواصل، وللاعتناء بالضمير المجرور العائد إلى الله . ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ والتوبيخيُّ في قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ والتقريري في قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾. ومنها: التهديد في قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ومنها: تكرير الآية ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ بعينها؛ مبالغة في الزجر عمَّا هم عليه من الافتخار بالآباء، والاتكال على أعمالهم. ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع (١). * * *

стр. 1022

شعرٌ إِذَا رَأيْتَ زَلِيقًا ... كُنْ سَاتِرًا وحَلِيما يا مَنْ يُعَيِّبُ تَفْسِيري ... لِمَ لا تَمُرُّ كَرِيمَا (وفَوْقَ كُلِّ ذي عِلْمٍ عليم)

стр. 1023

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الثالث»

стр. 1024

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 1025

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [٣]

стр. 1026

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1027

شعر وَعيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيْلَةٌ ... وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِيْ الْمَسَاوِيَا قَدَّمْتُهُ لِلِإخْوَانِ مُعْتَذِرَا ... وَالْعُذْرُ مِنْ شِيَمِ السَّادَاتِ مَقْبُوْلُ

стр. 1028

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾. المناسبة قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ...﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أن اليهود والنصارى قالوا: إن إبراهيم ومَن ذكر معه كانوا يهودًا أو نصارى، ذكروا ذلك طعنًا في الإِسلام؛ لأن النسخ عند اليهود باطل، فقالوا: الانتقال عن قبلتنا باطلٌ وسفَهٌ، فرد الله تعالى ذلك عليهم بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ...﴾ الآية، فبين ما كان هداية وما كان سفهًا. وحاصل ما ذكر في المناسبة: أن اليهود والنصارى زعموا أن إبراهيم والأنبياء الذين ذُكروا معه كانوا يهودًا أو نصارى، وقد كانت قِبْلةُ الأنبياء بيتَ المقدس، وكان ﷺ وهو بمكة يستقبل بيت المقدس، فلما أمر ﷺ بالتوجه إلى الكعبة المشرفة .. طعن اليهود في رسالته، واتخذوا ذلك ذريعةً للنيل من

стр. 1029

الإِسلام، وقالوا: لقد اشتاق محمد إلى مولده، وعن قريب يرجع إلى دين قومه، فأخبر الله رسوله الكريم ﷺ بما سيقوله السفهاء، ولقَّنه الحجة الدامغة؛ ليرد عليهم ويوطن نفسه على تحمل الأذى منهم عند مفاجأة المكروه، وكان هذا الإخبار قبل تحويل القبلة معجزةً له ﵊. أسباب النزول قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ...﴾ إلى آخر الآية قال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس ويُكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا علم من مات قبل أن نُصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا قبل بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقال السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ...﴾ إلى آخر الآية. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال الإِمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو نعيم، سمع زهيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁: أن النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلى - أو صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمرَّ على أهل المسجد وهم راكعون قال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل البيت رجال قُتلوا، فلم نَدْرِ ما نقول فيهم؛ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. سبب نزول قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ...﴾ الآية، أخرج البخاري أيضًا رحمه الله تعالى في "صحيحه" قال: حدثنا عبد الله بن

стр. 1030

رجاء، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: (كان رسول الله ﷺ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فصلى مع النبي ﷺ رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال هو: يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وأنه توجه نحو الكعبة، فتحرف القوم نحو الكعبة). وأخرج هذا الحديث أيضًا الترمذي، وابن ماجه، والإمام أحمد، والدارقطني، وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير"، وابن سعد في "الطبقات"، وعندهما زيادة: (وقال السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟) فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أنس. التفسير وأوجه القراءة ١٤٢ - ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾؛ أي: الجهال الذين خفت أحلامهم، وضعفت عقولهم ﴿مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: من اليهود والمشركين والمنافقين و ﴿السُّفَهَاءُ﴾: جمع سفيه، والسفيه (١): من لا يميز ما له وما عليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره. ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم مضرة منه في باب الدنيا، فيكون الكافر أولى بهذا الاسم، فلا كافر إلا وهو سفيه. وقيده (٢) بالناس؛ لأن السفه كما يوصف به الناس يوصف به غيرهم من الحيوان والجماد، وكما ينسب القول إليهم حقيقة ينسب إلى غيرهم مجازًا، فرفع المجاز بقوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ ذكره ابن عطيه وغيره.

стр. 1031

وأتى (١) بسين الاستقبال في ﴿سَيَقُولُ﴾ مع مضي القول المذكور؛ لاستمرارهم عليه؛ بناءً على أن الآية متقدمة في تركيب المصحف متأخرة في النزول عن آية ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ كما ذكره ابن عباس وغيره. فمعنى ﴿سَيَقُولُ﴾: أنهم يستمرون على هذا القول إن كانوا قد قالوه. وحكمة الاستقبال أنهم كما قالوا ذلك في الماضي منهم أيضًا من يقوله في المستقبل. وقال البيضاوي كالسيوطي تبعًا لما في "الكشاف". والإتيان (٢) بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب هو ما عليه أكثر المفسرين. وفائدة تقدم الإخبار به - أي: على المخبر عنه - توطين النفس، وإعداد الجواب. وقيل: فائدته أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد عن الاضطراب إذا وقع، وإعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، فقبل الرمي يراش السهم. ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ صرفَ النبي والمؤمنين وحوَّلَهم إلى الكعبة ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أولًا وهي بيت المقدس. والقِبْلة: هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وإنما سميت قِبْلةً؛ لأن المصلي يقابلها وهي تقابله. والاستفهام هنا للإنكار؛ أي: أيُّ شيء، وأيُّ سبب اقتضى انصرافهم عن قبلتهم التي كانوا عليها التي هي قبلة الأنبياء والمرسلين؛ أي: لا سبب يقتضي ذلك، وإنما هو من تشهيهم وتصرفهم برأيهم. ومحصل الجواب المذكور بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ إلخ بيان السب المقتضي لذلك، وهو: إرادة المالك المختار. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾؛ أي: جميع الجهات من المشارق، والمغارب، وما بينهما كلها لله ملكًا، والخلق عبيده. لا يختص به مكان دون مكان، وإنما العبرة بامتثال أمره، لا بخصوص المكان، يكلف عباده أن يستقبلوا بما شاء منها، وأن تجعل قبلة لهم، فلا اعتراض عليه. ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إلى طريق قويم، موصل إلى سعادة

стр. 1032

الدارين، وهو ما ترتضيه الحكمة، وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة، وإلى الكعبة أخرى. والظاهر: أن الصراط المستقيم هو ملة الإِسلام وشرائعه، فالكعبة من بعض مشروعاته. والإشارة في قوله: ١٤٣ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾ راجعة إلى مفهوم الآية المذكورة قبله؛ أي: كما جعلناكم معديين إلى الصراط المستقيم، أو هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل، أو جعلنا قِبلتكم أفضل القبل ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ يا أمة محمد ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: أمة خيارًا عدولًا ممدوحين بالعلم والعمل. ﴿لِتَكُونُوا﴾؛ أي: لكي تكونوا يوم القيامة ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: على الأمم الماضية بأن رسلهم قد بلغتهم رسالات ربهم؛ وذلك (١) لأن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير؟ فينكرون ويقولون: ما جاءنا من نذير، فيسأل الله الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا قد بلغناهم، فيسألهم البينة - وهو أعلم بهم - إقامة للحجة، فيقولون: أمة محمد تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد ﷺ ، فيشهدون لهم بأنهم قد بلغوا فتقول الأمم الماضية: من أين علموا وإنما أتوا بعدنا؟ فيسأل الله تعالى هذه الأمة، فيقولون: أرسلت إلينا رسولًا، وأنزلت علينا كتابًا أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل، وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد ﷺ ، فيُسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بصدقهم. وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يجاء بنوح وأمته يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيسأل أمته هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم، فتشهدون، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ". زاد الترمذي "وسطًا عدولًا". ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: يشهد بعدالتكم، وعلى صدقكم في شهادتكم على الأمم

стр. 1033

الماضية، فهو معطوف على ﴿لِتَكُونُوا﴾ يعني (١): أن الرسول يزكيكم في شهادتكم على الأمم السابقة أن أنبياءهم بلَّغوهم، وعلى هذا تكون ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللام؛ أي: يكون شاهدًا لكم؛ أي: مزكيًا لكم شاهدًا بعدالتكم. وأخرت (٢) صلة الشهادة أولًا، وقدمت آخرًا؛ لأن المراد في الأول: إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر: اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم. وقيل (٣): معنى قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أنه ﷺ إذا ادعى على أمته أنه بلغهم .. تقبل منه هذه الدعوى، ولا يطالب بشهيد يشهد له، فسميت دعواه شهادة من حيث قَبولها، وعدمِ توقفها على شيء آخر، بخلاف سائر الأنبياء لا تقبل دعواهم على أممهم إلا بشادة الشهود، وهم هذه الأمة ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾؛ أي: وما صيرنا لك القبلة الآن بعد الهجرة الجهة ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: كنت على استقبالها أولًا في مكة قبل الهجرة، وتلك الجهة الكعبة، فـ ﴿القبلة﴾: هو المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾ مقدمًا، و ﴿التي﴾ صفة لموصوف محذوف؛ أي: الجهة التي كنت عليها، وهذا هو المفعول الأول مؤخرًا، وجعل: بمعنى صير، والتقدير: وما صيرنا الجهة التي كنت عليها أولًا قبل الهجرة - وهي الكعبة - القبلة الآن؛ أي: بعد نسخ استقبال بيت المقدس؛ أي: وما جعلنا قبلتك الأولى قبلة لك ثانيًا؛ أي: ما حولناك ورجعناك إليها ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: إلا لنعاملهم معاملة مَنْ يمتحنهم، ونعلم حينئذ مَنْ يتبع الرسول محمدًا ﷺ في التوجه إلى ما أُمر به - وهو الكعبة - ويصدقه، ممن ينقلب ويرجع إلى الكفر مرتدًا، وراجعًا على عقبيه شكًّا في الدين، وظنًّا منه أن النبي ﷺ في حيرة من أمره، وكان ﷺ يصلي إلى الكعبة قبل الهجرة، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفًا لليهود، فصلى إليها سبعة عشر شهرًا، ثم حول إلى الكعبة، وارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية، وقالوا: رجعَ محمد إلى دين آبائه. وقرأ الزهري: ﴿ليُعلَم﴾ بالبناء للمفعول وقرىء: ﴿على

стр. 1034

عقْبيه﴾ بسكون القاف، وهي لغة تميم، وكلا القراءتين شاذتان. ﴿وَإِنْ﴾؛ أي: وإنها ﴿كَانَتْ﴾؛ أي: التولية إلى الكعبة ﴿لَكَبِيرَةً﴾؛ أي: لشاقة على الناس ثقيلة عليهم. وقرأ (١) اليزيدي شذوذًا: ﴿لكبيرةٌ﴾ بالرفع، وخرج ذلك الزمخشري على زيادة ﴿كاَنَتْ﴾ والتقدير: وإن هي لكبيرة، وهذا ضعيف؛ لأن كان الزائدة لا عمل لها، وهنا اتصل بها الضمير فعملت فيه، ولذلك استكن فيها وقرأ الجمهور ﴿لَكَبِيرَةً﴾ بالنصب على أن تكون خبر ﴿كاَنَتْ﴾. ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ منهم؛ أي: هداهم ووفَّقهم لاتّبَاع الرسول، وهم الثابتون على الإيمان ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾؛ أي: تصديقكم بالقِبْلة الأولى المنسوخة، وصلاتكم إليها؛ أي: لا يجعل صلاتكم إليها ضائعًا غير محسوب لكم، بل يثيبكم عليها؛ لأن سبب نزولها: السؤال عمن مات قبل التحويل. وذلك (٢) أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس، إن كانت على هدى فقد تحولتم عنه، وإن كانت على ضلالة فقد دنتم الله بها مدة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة، فقال المسلمون: إنما الهدى فيما أمر الله به، والضلالة فيما نهى الله عنه. قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قِبْلتنا وكان قد مات قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة: أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقبا ورجال آخرون؟ فانطلقت عشائرهم إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾؛ يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس. وقرأ الضحاك ﴿ليضَيَّع﴾ بفتح الضاد، وتشديد الياء، مضاعف ضاع، وهي قراءة شاذة ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ﴾ أي: بالمؤمنين ﴿لَرَءُوفٌ﴾؛ أي: لمنعم لهم بجلائل النعم. ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بدقائقها. وهذه الجملة جارية مجرى التعليل لما قبلها؛ أي: للطف رأفته، وسعة رحمته، لا يضيع إيمان من آمن، ولا عمل من عمل صالحًا.

стр. 1035

وقرأ (١) الحِرْمِيَّان وابنُ عامر وحفص ﴿لَرَءُوفٌ﴾ مهموزًا على وزن فَعُول بالمد، حيث وقع في القرآن. قال الشاعر: نُطِيْعَ رَسُوَلَنَا وَنُطِيْعُ رَبًّا ... هُوَ الرَّحْمَنُ كَانَ بِنَا رَؤُوْفَا وقرأ باقي السبعة: ﴿لرؤف﴾ مهموزًا بالقصر على وزن فعل. وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع: ﴿لروف﴾ مثقّلًا بغير همز. و ﴿الرءوف﴾: كثير الرأفة، وهي أشد من الرحمة (٢)، وقيل: الرأفة أخص من الرحمة، وقيل: الرأفة الرحمة، وقيل في الفرق بين الرأفة والرحمة: أن الرأفة: مبالغة في رحمة خاصة، وهي دفع المكروه، وإزالة الضرر، وأما الرحمة: فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى، ويدخل فيه أيضًا جميع الإفضال والإنعام، فذكر الله الرأفة أولًا؛ بمعنى أنه لا يضيع أعمالهم، ثم ذكر الرحمة ثانيًا؛ لأنها أعم وأشمل. ١٤٤ - ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ قال القرطبي في "تفسيره": قال العلماء: هذه الآية مقدمة في النزول على قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ و ﴿قد﴾ هنا للتحقيق، أو للتكثير؛ أي: حقًّا نرى تحول وجهك إلى السماء، وتردد نظرك في السماء طالبًا قبلة غير التي أنت مستقبلها، أو كثيرًا نرى تصرف نظرك في جهة السماء انتظارًا وتطلعًا للوحي؛ وذلك أن رسول الله ﷺ كان يترجى من ربه أن يحوله إلى الكعبة؛ لأنها قبلة إبراهيم أبيه، وأَدْعَى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرة لهم، ولمخالفة اليهود، فكان ينتظر نزول جبريل بالوحي بالتحويل، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾؛ أي: فلَنحولنك في الصلاة إلى قِبْلةٍ تحبها وتهواها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها في قلبك ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾؛ أي: فاصرف جملة بدنك ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: تلقاء الكعبة، وفي حرف (٣) عبد الله شذوذًا: ﴿فول وجهك تلقاء المسجد الحرام﴾؛ أي: استقبل عينها بصدرك في الصلاة إن كنت قريبًا، واستقبل جهتها

стр. 1036

إن كنت بعيدًا. وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأنه ﷺ كان في المدينة. والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن في استقبال عينها حرجًا عليه بخلاف القريب، وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين، وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية. والمراد بالمسجد الحرام هنا: الكعبة كما هو في أكثر الروايات، وقال آخرون: المراد بالمسجد الحرام: جميع المسجد الحرام، وقال آخرون: المراد به الحرم كله. وقال القرطبي: روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي". ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾؛ أي: وفي أي موضع كنتم فيه يا أمة محمد، من بر أو بحر، مشرق أو مغرب، ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾؛ أي: فاصرفوا، وحولوا وجوهكم في الصلاة جهة المسجد الحرام الذي هو بمعنى الكعبة. خص (١) الرسول أولًا بالخطاب تعظيمًا له، وإيجابًا لرغبته، ثم عمم تصريحًا بعموم الحكم، وتأكيدًا لأمر القبلة، وتحضيضًا للأمة على المتابعة. وقال (٢) ابن كثير: أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيث ما توجه قالبه، وقلبُه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا مَنْ جَهِلَ جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. انتهى. وأخرج الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، ولما خرج ركع ركعتين قبل الكعبة، وقال: "هذه القبلة؛ يعني: أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت، فلا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إلى الكعبة أبدًا، فهي قبلتكم".

стр. 1037

وعن ابن عمر ﵄ قال: (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة) متفق عليه. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ من قبلكم؛ يعني: أحبار اليهود، وعلماء النصارى ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾؛ أي: أن التولي والتحويل إلى الكعبة هو ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: الأمر الثابت ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لمعاينتهم لما هو مسطور في كتبهم من أنه ﷺ يصلي إلى القبلتين، ولكن يكتمونه ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ : ﴿بِغَافِلٍ﴾؛ أي: بساه ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء إما خطابًا للمؤمنين؛ أي: وما الله بساه عما تعملون أيها المسلمون من امتثال أمر القبلة. وقال (١) ابن عباس ﵄: يريد: أنكم - يا معشر المؤمنين - تطلبون مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم، فأنا أثيبكم على طاعتكم أفضل الثواب، وأجزيكم أحسن الجزاء. وإما خطابًا لأهل الكتاب؛ أي: وما الله بغافل عما تكتمون - يا أهل الكتاب - خبر الرسول، وخبر القبلة. وقرأ الباقون: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ بالياء على أنه راجع لأهل الكتاب؛ يعني: وما أنا بساه عما يفعل هؤلاء اليهود والنصارى، فأنا أجازيهم عليه في الدنيا والآخرة، فهو على هذا القول وعلى القول الثاني: وعد للكافرين، وتهديد لهم بالعقاب على الجحود والإباء، وعلى القول الأول: وعد للمؤمنين بالثواب على القبول والأداء. الإعراب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. سَيَقُولُ: ﴿السين﴾: حرف تنفيس واستقبال، ﴿يقول السفهاء﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿السُّفَهَاءُ﴾. ﴿مَا وَلَّاهُمْ ...﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿مَاَ﴾: استفهامية في محل الرفع

стр. 1038

مبتدأ، ﴿وَلَّاهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَاَ﴾، ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بولّى، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿سَيَقُولُ﴾، ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول في محل الجر، صفة للقبلة. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَيْهَا﴾ جار ومجرور، خبر (كان)، وجملة (كان) صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿عَلَيْهَا﴾. ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الْمَشْرِقُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَالْمَغْرِبُ﴾: معطوف عليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب حال من لفظ الجلالة. (مَن: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَهْدِي﴾، ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: يشاء هدايته. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: جار ومجرور، صفة متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿كذلك﴾: جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف. ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿أُمَّةً﴾. مفعول ثان. ﴿وَسَطًا﴾: صفة لـ ﴿أُمَّةً﴾، والتقدير: وجعلناكم أمة وسطًا جعلًا كائنًا كجَعْلِنا إياكم على صراط مستقيم؛ لأن معنى ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يجعل من يشاء على صراط مستقيم. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. ﴿لِتَكُونُوا﴾: (اللام): لام كي. ﴿تكونوا﴾: فعل ناقص، واسمه منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿شُهَدَاءَ﴾: خبر ﴿تكونوا﴾. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شُهَدَاءَ﴾، وجملة (تكونوا): صلة ﴿أن﴾ المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في

стр. 1039

تأويل مصدر مجرور بلام كي، والجار والمجرور متعلق بـ (جعلنا)، والتقدير: جعلناكم أمة وسطًا لكونكم شهداء على الناس. ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ﴿وَيَكُونَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿يكون﴾: معطوف على (تكونوا). ﴿الرَّسُولُ﴾: اسمه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بقوله: ﴿شَهِيدًا﴾، وهو خبر لـ ﴿يكون﴾. ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾: نافية ﴿جَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿الْقِبْلَةَ﴾: مفعول ثانٍ مقدم. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول في محل النصب، صفة لمحذوف هو المفعول الأول، والتقدير: وما جعلنا الجهة التي كنت على استقبالها أولًا قبل الهجرة - وهي الكعبة - القبلة لك الآن بعد نسخ بيت المقدس إلا لنعلم .. إلخ. وجملة ﴿جَعَلْنَا﴾ من الفعل والفاعل مستأنفة. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَيْهَا﴾: خبر كان، وجملة (كان): صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿عَلَيْهَا﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿لِنَعْلَمَ﴾: (اللام)، لام كي. نعلم: منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على الله، وهو بمعنى (عرف) يتعدى لمفعول واحد، والجملة صلة (أن) المضمرة، (أن) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام؛ تقديره: إلا لعلمنا من يتبع، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿لِنَعْلَمَ﴾، ﴿يَتَّبِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على (مَنْ)، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد ضمير الفاعل. ﴿الرَّسُولَ﴾: مفعول لـ ﴿يتبع﴾. ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نعلم﴾، ﴿يَنْقَلِبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يَنْقَلِبُ﴾. ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ تقديره: وإنها، أي: القصة. ﴿كان﴾ فعل ناقص واسمها ضمير يعود على

стр. 1040

القصة أيضًا. ﴿لَكَبِيرَةً﴾: (اللام): فارقة بين (إن) المخففة والنافية، ﴿كبيرة﴾ خبر كان، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بكبيرة. فإن (١) قلت: لم يتقدم هنا نفي ولا شبهه، وشرط الاستثناء المفرغ تقدم شيء من ذلك .. قلت: إن الكلام وإن كان موجبًا لفظًا، فإنه في معنى النفي؛ إذ المعنى إنها لا تخفُّ ولا تسهل إلا على الذين ﴿هَدَى اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: هداهم الله. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ نافية. ﴿كَانَ اللَّهُ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿لِيُضِيعَ﴾: (اللام): حرف جر وجحود. (يضيع): فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿إِيمَانَكُمْ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. والجملة الفعلية صلة (أن) المضمرة، (أن) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، ولام الجحود متعلقة بمحذوف خبر كان؛ تقديره: وما كان الله مريدًا لإضاعة إيمانكم، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة. وهذا الإعراب على مذهب البصريين ويدل لمذهبهم التصريح بالخبر المحذوف في قوله: سَمَوْتَ وَلَمْ تَكُنْ أَهْلًا لِتَسْمُوْ وأما على مذهب الكوفيين: فاللام وما بعدها في محل الخبر، ولا يقدِّرون شيئًا، وإنّ (اللام) للتأكيد. وقد أشبعتُ الكلام على لام الجحود بإعرابها على كلا المذهبين في كتابي "الخريدة البهية في إعراب أمثلة الأجرومية" فراجعه إن شئت. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿بِالنَّاسِ﴾: جار ومجرور تنازع فيه ما بعده. ﴿لَرَءُوفٌ﴾ (اللام): لام الابتداء. ﴿رءوف﴾: خبر أول لـ ﴿إنَّ﴾.

стр. 1041

﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثان لها، والجملة مستأنفة بمنزلة التعليل لما قبلها. ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق أو تكثير. ﴿نَرَى﴾: فعل مضارع، وهي بصرية، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿تَقَلُّبَ﴾: مفعول به، وهو مضاف ﴿وَجْهِكَ﴾: (وجه): مضاف إليه وهو مضاف، و ﴿الكاف﴾ مضاف إليه، والجملة مستأنفة وهي في المعنى علة ثانية لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ إلخ؛ أي: إنما حولنا القبلة؛ لنعلم ... الخ، ولأنا نرى ... الخ. ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقَلُّبَ﴾، وقال أبو البقاء: ولو جعل حالًا من الوجه لجاز ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية (اللام): موطئة لقسم محذوف جوازًا؛ تقديره: وعزتي وجلالي لنولينك. (نولين): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة قوله ﴿قَدْ نَرَى﴾ و (الكاف): مفعول أول لـ (نولي) ﴿قِبْلَةً﴾: مفعول ثان. ﴿تَرْضَاهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿قِبْلَةً﴾. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾: (الفاء): عاطفة تفريعية. (ولّ): فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة القسم. ﴿وَجْهَكَ﴾: مفعول أول ومضاف إليه. ﴿شَطْرَ﴾: مفعول ثان وهو مضاف. ﴿الْمَسْجِدِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْحَرَامِ﴾: صفة له. ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. ﴿وَحَيْثُ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿حيث﴾ اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق بـ ﴿كُنْتُمْ﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿حيثما﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَوَلُّوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب حيثما وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية ﴿ولوا﴾ فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿حيثما﴾ على كونها جواب شرط

стр. 1042

لها. وجملة ﴿حيثما﴾ مِنْ فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿وُجُوهَكُمْ﴾: مفعول أول ومضاف إليه. ﴿شَطْرَهُ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَإِنَّ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية: (إن) حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها. ﴿أُوتُوا﴾: فعل ماض مغير ونائب فاعل، وهو بمعنى أعطى يتعدى لمفعولين والأول منهما نائب الفاعل. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان، وجملة ﴿أُوتُوا﴾: صلة الموصول، والعائد ضمير الغائب. ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾: (اللام): لام الابتداء. ﴿يعلمون﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿أَنَّهُ﴾: ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. و ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿الْحَقُّ﴾: خبرها، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر سادّ مسد مفعولي علم؛ تقديره: ليعلمون حقِيَّة التولي. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الحق؛ تقديره: حال كونه كائنًا من ربهم ﴿وَمَا اللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾: حجازية. ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. ﴿بِغَافِلٍ﴾: (الباء) زائدة. ﴿غافل﴾: خبر ﴿ما﴾ منصوب ﴿عَمَّا﴾: ﴿عن﴾ حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية، أو موصولة، أو موصوفة. ﴿يَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ (عن)؛ تقديره: عن عملهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿غافل﴾، أو الجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، أو صفة للموصوفة، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: يعملونه، وجملة ﴿ما﴾ الحجازية مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿السُّفَهَاءُ﴾ جمع سفيه، ككرماء جمع كريم، والسفيه: هو الكذاب البهات المعتمد خلاف ما يعلم. كذا قال بعض أهل اللغة، وقال في "الكشاف": هم خفاف الأحلام، ومثله في "القاموس". ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ يقال: ولاه عن الشيء يوليه إذا صرفه وحوله عنه، من باب فعل

стр. 1043

المضاعف، كزكى تزكية. ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ يقال: شرقت الشمس تشرق - من باب نصر - شرقًا ومشرقًا، وهذا مشرق الشمس؛ أي: مكان شروقها، بالكسر على الشذوذ في المصدر والظرف كليهما، وقياسه: فتح مصدره وظرفه جميعًا، ويقال: غربت الشمس تغرب - من باب نصر - غربًا ومغربًا، وهذا مغرب الشمس؛ أي: مكان غروبها، بالكسر على الشذوذ فيهما، وقياسه: فتح مصدره وظرفه معًا. ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾: الوسط: الخيار أو العدل. وقد ثبت عن النبي ﷺ في حديث رواه الترمذي كما مر في مبحث المناسبة تفسير الوسط هنا بالعدل، فوجب الرجوع إلى ذلك. ومنه قول الراجز: لاَ تَذْهَبَنَّ في الأُمُوْرِ مُفْرِطَا ... لاَ تَسْألنَّ إِنْ سَأَلْتَ شَطَطَا وَكُنْ مِنَ النَّاسِ جَمِيْعًا وَسَطَا والآية تحتمل المعنيين، ومما يحتملها قول الآخر: هُمْ وَسَطٌ تَرْضَى الأنَامُ بِحُكْمِهِمْ ... إِذَا نَزَلَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعَظَّمِ ولما كان الوسط مجانبًا للغلو والتقصير .. كان محمودًا؛ أي: هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في عيسى، ولا قصّروا تقصيرَ اليهود في أنبيائهم. ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: جمع شهيد من الشهادة. وقد اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبِر عن حقوق الناس بألفاظٍ مخصوصةٍ على جهات. ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾: و ﴿نَرَى﴾: هنا مضارعٌ بمعنى الماضي، وقد ذكر بعض النحويين أن مما يصرف المضارع إلى الماضي ﴿قَدْ﴾ في بعض المواضع، ومنه ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾، ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. ويقال: تَقَلَّب تقلُّبًا - من باب تفعَّل - إذا تحول عن وجهه، وتقلب على فراشه إذا تحول من جانبٍ إلى جانبٍ آخر، وتقلب في الأمور إذا تصرف فيها، وانتقل من أمرٍ إلى غيره. ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾: الشطر يكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه. ومنه

стр. 1044

حديث: "الطهور شطر الإيمان"، ويكون بمعنى الجهة والنحوِ كما هنا. ويقال: شطر - من باب دخل - شطورًا إذا بَعُدَ. وشَطرت الدار إذا بَعُدت، ومنه الشاطر؛ وهو الشابّ البعيد من الجيران الغائب عن منزله يجمع على شطر، والابن الشاطر هو الذي عصى أباه، وعاش في الخلاعة بعيدًا عنه، ثم عاد إليه ثانيًا، والشطر أيضًا الجهة والناحية، يجمع على أشطر وشطور، ومنه شطر شطره إذا قصد قصده، ومنه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾؛ أي: تلقاءه. ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾: وأصلُ ولُّوا: وليوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذف أولهما وهو الياء، وضم ما قبله لتجانس الضمير، فوزنه فعوا. البلاغة ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؛ أي: على استقبالها، أو على اعتقادها، ففيه إيجازٌ بالحذفِ، والاستعلاء في قوله: ﴿عليها﴾ فيه مجاز بالاستعارة حيث شبه مواظبتهم على المحافظة عليها باستعلاء من استعلى على الشيء. ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: خيارًا عدولًا، فالوسط مستلزِم للخيار والعدول، فأطلق الملزوم وأراد اللازم، فيكونان استعارةً. وأصل الوسط: مكانٌ تستوي إليه المساحة من سائر الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة، ثم أطلق على المتصِف بها. ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾: والالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿الرَّسُولَ﴾ مع إيراده ﵊ بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الإتباع. قاله أبو السعود. ﴿يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: فيه استعارةٌ تمثيليةٌ حيث مثل لمن يرتدّ عن دينه بمن ينقلب على عقبيه. أفاده الفخر الرازي. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: ولما كان نفي الجملة السابقة مبالغًا فيها من حيث لام الجحود .. ناسب إثبات الجملة الخاتمة مبالغًا فيها، فبولغ فيها بإن

стр. 1045

وباللام، وبالوزن على فعول وفعيل، كل ذلك إشارةً إلى سَعَة الرحمة، وكثرة الرأفة، وتقدم المجرور اعتناءً بالمرؤوف بهم، وتأَخرَ الوصف بالرحمة رعاية للفاصلة؛ لأنها على الميم، والفاصلة: هي الكلمة آخرَ الآيةِ كقافيةِ الشعرِ، وقرينة السجع، وسميت بالفاصلة أخذًا من قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ وهي هنا قوله سابقًا: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهنا: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾: والوجه (١) هنا قيل: أُريد به مدلول ظاهره. قال قتادة والسدي وغيرهما: (كان رسول الله ﷺ يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوِّله إلى قبلة مكة)، وقيل: كُنِّي بالوجه عن البصر؛ لأنه أشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب. تقول: بذلت وجهي في كذا، وهو من الكناية بالكل عن الجزء. وفي قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ مجازٌ مرسل من إطلاق اسم الكل على الجزء إن قلنا المراد منه الكعبة كما علله الأكثرون. والله أعلم * * *

стр. 1046

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها (١) لما قبلها: أنه تعالى لمّا ذكر لنبيه ﷺ ما يقوله السفهاء من اليهود عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وأمر رسوله ﷺ بأن يتوجه في صلاته نحو الكعبة، وأعلمه أنهم يعلمون أنه الحق وهم يكتمونه، ولا يرتبون على العلم به مقتضاه .. سلَّاه ﷺ عن قبولهم الحق بأنهم قد انتهوا في العناد وإظهار المعاداة إلى رتبةٍ لو جئتهم فيها بجميع المعجزات التي كل معجزة منها تقتضي قبول الحق .. ما تبعوك، ولا سلكوا طريقك، وإذا كانوا لا يتبعونك مع مجيئك لهم بجميع المعجزات .. فأحرى أن لا يتبعوك إذا جئتهم بمعجزةٍ واحدة، والمعنى بكل آيةٍ يدل على أن توجهك إلى الكعبة هو الحق. التفسير وأوجه القراءة ١٤٥ - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: وعزَّتي وجلالتي لَئِن جئتَ يا محمدُ

стр. 1047

اليهودَ والنصارى الذين أعطوا التوراة والإنجيل ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾؛ أي: بكل حجةٍ قطعيةٍ دالةٍ على صدقك في أنَّ تحولك بأمرٍ من الله، وذلك (١) بأنّهم قالوا: ائتنا بآيةٍ على ما تقول، فأنزل الله هذه الآية: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ الكعبة، وما دخلوا في دينك، والجملة جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه سادٌ مسد جواب الشرط؛ وذلك لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهةٍ تزيلها عنهم بإيراد الحجة والمعجزة عليهم، إنما هو عن مكابرةٍ وعنادٍ، مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق، فهم معاندون جاحدون نبوتك مع العلم بها، ففي الآية تسليةٌ لرسول الله ﷺ عن إيمانهم، وترويحُ خاطره؛ لأنَّ هؤلاء لا تؤثر فيهم كل آية، ولا يرجعون إلى الحق وإن جاءهم بكل برهانٍ، فضلًا عن برهانٍ واحد ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ وقرىء ﴿بتابعِ﴾ بالإضافةِ إلى ما بعدَه بلا تنوينٍ تخفيفًا؛ لأن اسم الفاعل المستكمِل لشروطِ العمل يجوز فيه الوجهان؛ أي: بتابعِ قبلةِ اليهود والنصارى، وهذه الجملة خبرية، قيل معناها: النهي، وطلب الدوام على قبلته؛ أي: لا تتبع قبلتهم، ودُمْ على قبلتك التي حولناك إليها - وهي الكعبة - وإلا فهو معصومٌ عن اتِّباع قبلتهم بعدَ ورود الأمر بالتحول، وقيل معناها: بيانُ أن هذه القبلة باقيةٌ غيرَ منسوخةٍ، وقطعٌ لأطماعهم، فإنهم قالوا: لو ثَبَتَّ على قبلتنا لكنّا نرجو أَنْ تكون صاحبنا الذي ننتظره تعزيرًا له، وطمعًا في رجوعه إلى قبلتهم. وأفردَ القِبلة في قوله: ﴿قِبْلَتَهُمْ﴾ مع أن لهم قبلتين: قبلةً لليهود، وقبلة للنصارى مغايرةً لقبلة اليهود؛ لأنها وإن تعددت فهي في البطلان كالقبلةِ الواحدةِ. ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾؛ أي: وما بعضُ أهلِ الكتاب اليهودِ والنصارى بتابعٍ قبلةَ البعضِ الآخر؛ أي: فإنهم وإن اتفقوا في التظاهر على النبي ﷺ مختلفونَ فيما بينهم، فلا اليهود تتبعُ قبلة النصارى، ولا النصارى تتبع قبلة اليهود، فقبلةُ اليهود بيت المقدس، وقبلة النصارى مطلع الشمس، وقبلة النبي ﷺ الكعبة، فلا يرجى توافقهم، كما لا يرجى موافقتهم لك لتصلّب كل حزبٍ فيما هو فيه، وذلك إشارةً إلى أن اليهود لا تتنصر، وإلى أنَّ النصارى لا

стр. 1048

تتهوَّد، وذلك لما بينهما من إفراط العداوة والتباغض، وقد رأينا اليهود والنصارى كثيرًا ما يدخلون في ملة الإِسلام، ولم نشاهد يهوديًّا تنصر، ولا نصرانيًّا تهود. وفي "بدائع الفوائد" لابن القيم: قبلةُ أهل الكتاب ليست بوحي ولا توقيف من الله تعالى، بل بمشورةٍ واجتهادٍ منهم، أما النصارى: فلا ريب أنَّ الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيرِه باستقبالِ المشرقِ، وهم يُقرُّون بأنَّ قبلة المسيح ﵇ قبلةُ بني إسرائيل وهي الصخرة، وإنما وضع لهم أشياخهم هذه القبلةَ وهم يعتذرون عنهم بأنَّ المسيحَ ﵇ فوَّض إليهمُ التحليلَ والتحريم وشرع الأحكامِ، وأنَّ ما حلّلوه وحرّموه فقد حلّله هو وحرّمه في السماء، فهم واليهود متفقون على أنَّ الله تعالى لم يشرع استقبال بيت المقدس على رسوله أبدًا، والمسلمونَ شاهدون عليهم بذلك الأمر، وأما قبلة اليهود: فليس في التوراة الأمر باستقبالِ الصخرةِ البتة، وإنما كانوا ينصبون التابوت، ويصلون إليه حيث خرجوا، فإذا قدموا نصبوه على الصخرةِ وصلّوا إليه، فلما رُفع صلوا إلى موضعه، وهو الصخرة. انتهى. ووقع في بعض كتب القصص (١): أن قبلة عيسى ﵇ كانت بيتَ المقدس، وبَعْد رَفْعِه ظهر بولس ودسَّ في دينهم دسائسَ، منها أنه قال: لقيتُ عيسى ﵇ فقال لي: إن الشمس كوكبٌ أحبه يبلِّغ سلامي في كل يومٍ فَمُرْ قومي ليتوجهوا إليها في صلاتهم، ففعلوا ذلك. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لَئِن اتبعتَ يا محمدُ - فَرَضًا - أهواءهم وشهواتهم؛ أي: الأمورَ التي يهوونها، ويحبونها، ويطلبونها منك، ومنها: رجوعك إلى قبلتهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ والوحي من أمر القبلةِ بأنَّك لا تعود إلى قبلتهم، وأنَّ القبلةَ هي الكعبةُ، وأنَّ دينَ اللهِ هو الإِسلامُ، وقيل (٢) معناه: من بعد ما وصل إليك من العلم بأنَّ اليهود والنصارى مقيمون على باطلٍ وعنادٍ للحقِ ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿إِذًا﴾ ولفظ ﴿إذا﴾ هنا

стр. 1049

مؤكدة لجواب ارتبط بمتقدم، ولا عمل لها فهي زائدة بين إن وخبرها؛ أي: ﴿إنك﴾ يا محمد لو فعلتَ ذلك الاتباعَ على سبيلِ تقديرِ المُحال المستحيلِ وقوعه ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهم بارتكابِ الظلمِ الفاحش. وأكَّد (١) تهديده وبالغ فيه تعظيمًا للحث المعلومِ، وتحريضًا على اقتفائه، وتحذيرًا من متابعةِ الهوى، واستفظاعًا لصدورِ الذنبِ عن الأنبياء. ولزم الوقف على الظالمين؛ إذ لو وصل لصار ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ صفة للظالمين، وليس كذلك. وقال الشوكاني (٢): وفي قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ إلى آخر الآية، من التهديد العظيم، والزجر البليغ ما تقشعر له الجلود، وترجف منه الأفئدة، وإذا كان الميل إلى أهوية المخالفين لهذه الشريعة الغراء والملة الشريفة من رسول الله ﷺ الذي هو سيد ولد آدم يوجب عليه أن يكون - وحاشاه - من الظالمين .. فما ظنك بغيره من أمته؛! وقد صان الله هذه الفرقة الإِسلامية بعث ثبوت قدم الإِسلام وارتفاع مناره عن أن يميلوا إلى شيء من هوى أهل الكتاب ولم تبق إلا دسيسة شيطانية، ووسيلة طاغوتية؛ وهو ميل بعض من تحمل حجج الله إلى هوى بعض طوائف المبتدعة؛ لما يرجوه من الحطام العاجل من أيديهم، أو الجاه لديهم إن كان لهم في الناس دولة، أو كانوا من ذوي الصولة، وهذا الميل ليس بدون ذلك الميل، بل اتباع أهوية المبتدعة تشبه اتباع أهوية أهل الكتاب، كما يشبه الماء الماء، والبيضة البيضة، والثمرة الثمرة، وقد تكون مَفْسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد على هذه الملة من مفسدة أتباع أهويةِ أهل الملل، فإن المبتدعة ينتمون إلى الإِسلام، ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين ويتبعون أحسنه، وهم على العكس من ذلك والضد لما هنالك، فلا يزالون ينقُلون مَنْ يميل إلى أهويتهم مِن بدعة إلى بدعة، ويدفعونه من شنعة إلى شنعة حتى يسلخوه من الدين، ويخرجوه وهو يظن أنه منه في الصميم، وأن الصراط الذي

стр. 1050

هو عليه هو الصراط المستقيم، هذا إن كان في عداد المقصرين ومن جملة الجاهلين. وإن كان من أهل العلم والفهم المميِزين بين الحق والباطل .. كان باتباعه لأهوتيهم ممن أضله الله على علم، وختمَ على قلبه، وصار نقمةً على عباد الله، ومصيبةً صبّها الله على المقصرين؛ لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلّا إلى الحق، ولا يتبع إلّا الصواب فيضلّون بضلاله، فيكون عليه إثمه وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة. نسأل الله اللطف والسلامة والهداية. انتهى. ١٤٦ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: أعطيناهم علم التوراة والإنجيل ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾؛ أي: يعرفون محمدًا ﷺ معرفةً جليةً واضحةً، يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين الذي يجدونه في كتابهم، أو يعرفون القرآن، أو تحويل القبلة. والأول أظهر؛ لقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾؛ أي: يعرفون أنهم منهم، وأنهم من نسلهم؛ أي: يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم، لا يلتبس عليهم بغيره. روي: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لعبد الله بن سلام ﵁: كيف هذه المعرفة المذكورة في هذه الآية؟ فقال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ومعرفتي بمحمدٍ أشد من معرفتي بابني، فقال عمر: فكيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول الله ﷺ حقًّا، وقد نعته الله تعالى في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء، فقبّل عمر رأسه وقال: وفقك الله يا أبا سلام، فقد صدقت. ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: وإن جماعةً من أهل الكتاب - وهم علمائهم - ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؛ أي: ليخفون الأمر الحق الذي هو نعتُ محمد ﷺ ، ولا يعلنونه للناس، أو ما هو أعم منه ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أنهم ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يعرفون ذلك الحق بما يجدونه في كتابهم، أو يعلمون أن كتمان الحق معصية. ١٤٧ - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ قرأ الجمهور: برفع ﴿الْحَقُّ﴾ على أنه مبتدأ، والخبر ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، و (اللام) (١): إما للعهد؛ أي: الحق الذي أنت عليه يا محمد، أو الحق

стр. 1051

الذي يكتمونه كائنٌ من ربك، أو للجنس، والمعنى: أنَّ جنس الحق هو ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه، لا ما لم يثبت أنه منه كالذي عليه أهل الكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: ﴿هو﴾، والضمير عائد على الحق المكتوم؛ أي: مما كتموه هو الحق كائنًا من ربك، ويكون المجرور حينئذٍ في موضع الحال، أو خبرًا بعد خبر، وعلى كل التقادير فالجملة مستأنفة. وقرأ علي بن أبي طالب ﵁، بالنصب على أنه بدل من ﴿الحق﴾ المكتوم وهي قراءة شاذة، والتقدير: يكتمون الحق من ربك، أو منصوب على الإغراء؛ أي: الزم الحق، أو مفعول لـ ﴿يعلمون﴾ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ يا محمدُ ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾؛ أي: من الشَّاكين في أنه الحق من ربك، أو في كتمانهم الحق عالمين به، أو في أن علماء أهل الكتاب علموا صحة نبوءتك وشريعتك. وعلى الأول فالخطاب مع الرسول، والمراد به الأمة؛ أي: لا يكن أحد من أمته من الممترين في ذلك؛ لأنه ﷺ لا يشك في كون ذلك هو الحق من الله . وقال أبو العالية (١): يقول الله سبحانه لنبيه ﷺ : فلا تكونن - يا محمد - في شكٍّ أن الكعبة هي قبلتك، وكانت قبلة الأنبياء من قبلك. ١٤٨ - ﴿وَلِكُلٍّ﴾ بحذفِ المضاف إليه؛ لدلالة التنوين عليه؛ أي: ولكل أهل دينٍ سواء كان بحقٍ أو بباطلٍ ﴿وِجْهَةٌ﴾؛ أي: جهة وقبلة يستقبلها؛ أي: أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم. والضمير في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ راجعٌ إلى لفظ ﴿كل﴾، و (الهاء) في قوله: ﴿مُوَلِّيهَا﴾ عائد على الـ ﴿وجهة﴾ وهو المفعول الأول. والمفعول الثاني محذوفٌ؛ تقديره: موليها وجهه. والمعنى: أن لكل صاحب ملة قبلةً، صاحبُ تلك القبلة موليها وجهه، أو المعنى ولكل قومٍ من المسلمين جهة من الكعبة يصلي إليها، جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، إذا كان الكلام في المسلمين. ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ عائدًا على الله سبحانه، وإن لم يسبق له ذكر لعلمه من السياق؛ إذ من المعلوم أن الله

стр. 1052

فاعل ذلك، والمعنى حينئذٍ: أن لكل صاحب ملة قبلةٌ، الله موليها إياه؛ أي: أمر بأن يستقبلها، اتبعها من اتبعها، وتركها من تركها؛ يعني: شارعها ومكلِّفهم بها. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلِكُلٍّ﴾ منوَّنًا: ﴿وِجْهَةٌ﴾ مرفوعًا، ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ بكسر اللام اسم فاعل. وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي ﴿هوَ مُوَلَّاها﴾ بفتح اللام اسم مفعول، وهي قراءة ابن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي الباقر، والمعنى: ﴿هو﴾؛ أي: كل قوم مولَّى لتلك الجهة؛ أي: مأمور باستقبالها، وقرىء شاذًا: ﴿ولكلِّ وجهةٍ﴾ بالإضافة؛ أي: بخفض اللام من ﴿كل﴾ بلا تنوين، ﴿وجهةٍ﴾ بالخفضِ منونًا على الإضافة، قال في "الكشاف": والمعنى عليها: وكل وجهة وقبلة الله موليها، فزيدت اللام لتقدم المفعول، كقولك لزيد ضربت. وقال ابن جرير: هي خطأ لا سيما وهي معزوة إلى ابن عامر أحد القراء السبعة، وقرأ أبي: (ولكل قبلة) وهي قراءة شاذة، وقرأ عبد الله: ﴿ولكل جعلنا قبلة﴾ وهي قراءة شاذة أيضًا. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: فبادروا - يا أمة محمد - إلى الطاعات والأعمال الصالحة، وقبول أوامرها، من التوجه إلى القبلة وغيره مما تنال به سعادة الدارين. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾؛ أي: في أي موضع تكونوا من برٍّ أو بحرٍ أنتم وأعداءكم من موافق ومخالف، مجتمع الأجزاء ومفترقها ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾؛ أي: يبعثكم الله جميعًا، ويحشركم إلى المحشر يوم القيامة للمجازاة، فيجازيكم على أعمالكم خيرًا أو شرًّا، أو (٢) أينما تكونوا من أعماق الأرض، وقلل الجبال يقبض أرواحكم، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة .. يأت بكم الله جميعًا، ويجعل صلواتكم كأنّها إلى جهةٍ واحدة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه مِنْ جَمْعِكم وغيره ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر يقدر على الإعادة بعد الموت، والإثابة لأهل الطاعة، والعقاب لمستحق العقوبة.

стр. 1053

ومعلومٌ (١) أن مثل هذه الجملة المصدّرة بإن تجيء كالعلةِ لِما قبلَها، فكأن المعنى: إتيان الله بكم جميعًا لقدرته على ذلك. ١٤٩ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾؛ أي: وفي أي مكانٍ خرجت إليه يا محمد لسفرٍ، أو غزو. وقرأ عبد الله بن عمير: ﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ بفتح المثلثة تخفيفًا، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾؛ أي: فاصرف، وحول، ووجه ذاتك في صلاتك ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: تلقاء المسجد الحرام وجهة الكعبة. ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن التولي إلى المسجد الحرام في الصلاة ﴿لَلْحَقُّ﴾؛ أي: للأمر الموافق للحكمة الثابت الذي لا يعرض له نسخ، ولا تبديل حال كونه واقعًا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ أبو عمرو: ﴿يعملون﴾ بالياء على الغيبة، وهو راجع للكفار؛ أي: من إنكار أمر القبلة، والباقون: ﴿تعملون﴾ بالتاء على الخطاب؛ أي: ليس هو بساهٍ عن أعمالكم، ولكنه محصيها لكم وعليكم، فيجازيكم بها يوم القيامة. ١٥٠ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ في الصلاة ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: تلقاءه ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾؛ أي: وفي أي مكان كنتم فيه - يا أمة محمد - من أقطار الأرض مقيمين، أو مسافرين في برٍّ أو بحرٍ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: فوجِّهوا وجوهكم في الصلاة من محالكم ﴿شَطْرَهُ﴾؛ أي: شطر المسجد الحرام وتلقاءه. وكرّر (٢) الله أمرَ التولي لشطرِ المسجد الحرام ثلاثَ مرات؛ لتأكيد أمر القبلة، فالثالثة مؤكدةٌ للثانية لا للأولى؛ لأنّا بينّا أن الأولى: في الإقامة، والثانية: في السفر، وأما الثالثة: ففي السفر أيضًا، فهي مؤكدةٌ للثانية، وحكمة هذا التأكيد: تثبيت هذا الحكم، وتقرير نسخ استقبال بيت المقدس؛ لأن النسخ من مظانِّ الفتنة والشبهة، مع أنه تعالى علق بكل آية فائدةً. أما في الآية الأولى فبيّن أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد، وأمر هذه القبله حق؛

стр. 1054

لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل، وأما في الآية الثانية: فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه حقًّا مغايرةٌ لعلم أهل الكتاب بكونه حقًّا، وأما في الآية الثالثة: فبين أنه تعالى قطع حجة اليهود والمشركين، وذلك قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: عرّفناكم وجه الصواب في قبلتكم والحجة لكم؛ لكي لا يكون لليهود والمشركين ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأمة المحمدية ﴿حُجَّةٌ﴾؛ أي: مجادلة ومعارضة في التولي، والمعنى: أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن محمدًا يجحد ديننا، ويتبع قبلتنا، وذلك مدفوع بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وتدفع احتجاج المشركين بأنه ﷺ يدّعي مِلة إبراهيم ويخالف قبلته. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قرأ الجمهور: ﴿إِلَّا﴾ بكسر الهمزة جعلوها أداة استثناء متصل، وقرأ ابن عامر، وزيد بن علي، وابن زيد شذوذًا ﴿ألا﴾ بفتح الهمزة وتخفيف اللام جعلوها ﴿أَلاَ﴾ التي للتنبيه والاستفتاح. فعلى قراءة هؤلاء يكون إعراب ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مبتدأ خبره جملة ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾، ودخلت الفاء؛ لأنه سَلَكَ بـ ﴿الذِينَ﴾ مسلك الشرط، والفعل الماضي هو مستقبل المعنى. كأنه قيل: من يظلم من الناس فلا تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم، واخشوني فلا تخالفوا أمري، وقال أبو عبيدة: إنّ ﴿إلّا﴾ هنا بمعنى الواو؛ أي: و ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فهو استثناء بمعنى ﴿الواو﴾ ومنه قول الشاعر: وَمَا بِالْمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ ... دَارُ الْخَلِيْفَةِ إلا دَارُ مَرْوَانَا كأنه قال: إلا دار الخليفة ودار مروان، ونقل السجاوندي في قراءة شاذة عن أبي بكر بن مجاهد أنه قرأ: ﴿إلى الذين﴾ جعلها حرف جر، وتأويلها بمعنى (مع) والمعنى على قراءة الجمهور: لكي لا يكون حجة لأحد من اليهود والمشركين إلا للمعاندين منهم، القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه، وحبًّا لبلده، ولو كان على الحق .. للزم قبلة الأنبياء ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾؛ أي: فلا تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم، فإنهم لا يضرونكم ﴿وَاخْشَوْنِي﴾؛ أي: واحذروا عقابي، فلا تخالفوا أمري. وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾؛ أي: فهو علة ثانية، وكأن المعنى: عرّفناكم وجه الصواب في

стр. 1055

قبلتكم، والحجة لكم لانتفاء حجج الناس عليكم ولإتمام النعمة عليكم، فيكون التعريف معللًا بهاتين العلتين. والفصل بالاستثناء وما بعده كلا فصل؛ إذ هو من متعلق العلة الأولى، وقيل: معطوف على علة مقدرة، كأنه قيل: واخشوني؛ لأوفقكم، ولأتم نعمتي عليكم. وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة. وقيل: دخول الجنة. والمعنى: ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم لتتم لكم الملة الحنفية. وقيل: تمام النعمة الموت على الإِسلام، ثم دخول الجنة، ثم رؤية الله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: ولكي تهتدوا من الضلالة إلى الحق، فهو علة ثالثة، فإن قلتَ: إن الله تعالى أنزل عند قرب وفاته ﷺ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فدلّ على أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم فكيف قال قبل ذلك بسنين كثيرة في هذه الآية: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؟ قلنا: تمام النعمة في كل وقتٍ بما يليق به، فلا معارضة بين الآيتين. الإعراب ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾. ﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، أو داخلة على مقسم به محذوف، تقديره: وعزتي وجلالي ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَتَيْتَ﴾: فعل، وفاعل في محل الجزم بإن على كونه فعل شرط لها. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب مفعول به؛ لأن (أتى) هنا بمعنى جاء. ﴿أُوتُوا﴾: فعل ماض مُغيَّر ونائب فاعل وهو المفعول الأول. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان؛ لأن (أتى) هنا بمعنى أعطى، والجملة من الفعل المغيَّر ونائب فاعل صلة الموصول، والعائد ضمير الغائب. ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَتَيْتَ﴾. ﴿مَا تَبِعُوا﴾: ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَبِعُوا﴾ فعل وفاعل، ﴿قِبْلَتَكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه ساد مسد جواب الشرط، وجملة الشرط مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب، وإنما جعلنا المذكور جوابًا للقسم لا للشرط جريًا على القاعدة النحوية: أنه إذا اجتمع شرط وقسم فإنه يحذف جواب المتأخر
следующие страницы →