الذي يكتمونه كائنٌ من ربك، أو للجنس، والمعنى: أنَّ جنس الحق هو ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه، لا ما لم يثبت أنه منه كالذي عليه أهل الكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: ﴿هو﴾، والضمير عائد على الحق المكتوم؛ أي: مما كتموه هو الحق كائنًا من ربك، ويكون المجرور حينئذٍ في موضع الحال، أو خبرًا بعد خبر، وعلى كل التقادير فالجملة مستأنفة.
وقرأ علي بن أبي طالب ﵁، بالنصب على أنه بدل من ﴿الحق﴾ المكتوم وهي قراءة شاذة، والتقدير: يكتمون الحق من ربك، أو منصوب على الإغراء؛ أي: الزم الحق، أو مفعول لـ ﴿يعلمون﴾ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ يا محمدُ ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾؛ أي: من الشَّاكين في أنه الحق من ربك، أو في كتمانهم الحق عالمين به، أو في أن علماء أهل الكتاب علموا صحة نبوءتك وشريعتك. وعلى الأول فالخطاب مع الرسول، والمراد به الأمة؛ أي: لا يكن أحد من أمته من الممترين في ذلك؛ لأنه ﷺ لا يشك في كون ذلك هو الحق من الله .
وقال أبو العالية (١): يقول الله سبحانه لنبيه ﷺ : فلا تكونن - يا محمد - في شكٍّ أن الكعبة هي قبلتك، وكانت قبلة الأنبياء من قبلك.
١٤٨ - ﴿وَلِكُلٍّ﴾ بحذفِ المضاف إليه؛ لدلالة التنوين عليه؛ أي: ولكل أهل دينٍ سواء كان بحقٍ أو بباطلٍ ﴿وِجْهَةٌ﴾؛ أي: جهة وقبلة يستقبلها؛ أي: أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم. والضمير في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ راجعٌ إلى لفظ ﴿كل﴾، و (الهاء) في قوله: ﴿مُوَلِّيهَا﴾ عائد على الـ ﴿وجهة﴾ وهو المفعول الأول. والمفعول الثاني محذوفٌ؛ تقديره: موليها وجهه. والمعنى: أن لكل صاحب ملة قبلةً، صاحبُ تلك القبلة موليها وجهه، أو المعنى ولكل قومٍ من المسلمين جهة من الكعبة يصلي إليها، جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، إذا كان الكلام في المسلمين. ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ عائدًا على الله سبحانه، وإن لم يسبق له ذكر لعلمه من السياق؛ إذ من المعلوم أن الله
стр. 1052
فاعل ذلك، والمعنى حينئذٍ: أن لكل صاحب ملة قبلةٌ، الله موليها إياه؛ أي: أمر بأن يستقبلها، اتبعها من اتبعها، وتركها من تركها؛ يعني: شارعها ومكلِّفهم بها.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلِكُلٍّ﴾ منوَّنًا: ﴿وِجْهَةٌ﴾ مرفوعًا، ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ بكسر اللام اسم فاعل.
وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي ﴿هوَ مُوَلَّاها﴾ بفتح اللام اسم مفعول، وهي قراءة ابن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي الباقر، والمعنى: ﴿هو﴾؛ أي: كل قوم مولَّى لتلك الجهة؛ أي: مأمور باستقبالها، وقرىء شاذًا: ﴿ولكلِّ وجهةٍ﴾ بالإضافة؛ أي: بخفض اللام من ﴿كل﴾ بلا تنوين، ﴿وجهةٍ﴾ بالخفضِ منونًا على الإضافة، قال في "الكشاف": والمعنى عليها: وكل وجهة وقبلة الله موليها، فزيدت اللام لتقدم المفعول، كقولك لزيد ضربت. وقال ابن جرير: هي خطأ لا سيما وهي معزوة إلى ابن عامر أحد القراء السبعة، وقرأ أبي: (ولكل قبلة) وهي قراءة شاذة، وقرأ عبد الله: ﴿ولكل جعلنا قبلة﴾ وهي قراءة شاذة أيضًا.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: فبادروا - يا أمة محمد - إلى الطاعات والأعمال الصالحة، وقبول أوامرها، من التوجه إلى القبلة وغيره مما تنال به سعادة الدارين. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾؛ أي: في أي موضع تكونوا من برٍّ أو بحرٍ أنتم وأعداءكم من موافق ومخالف، مجتمع الأجزاء ومفترقها ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾؛ أي: يبعثكم الله جميعًا، ويحشركم إلى المحشر يوم القيامة للمجازاة، فيجازيكم على أعمالكم خيرًا أو شرًّا، أو (٢) أينما تكونوا من أعماق الأرض، وقلل الجبال يقبض أرواحكم، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة .. يأت بكم الله جميعًا، ويجعل صلواتكم كأنّها إلى جهةٍ واحدة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه مِنْ جَمْعِكم وغيره ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر يقدر على الإعادة بعد الموت، والإثابة لأهل الطاعة، والعقاب لمستحق العقوبة.
стр. 1053
ومعلومٌ (١) أن مثل هذه الجملة المصدّرة بإن تجيء كالعلةِ لِما قبلَها، فكأن المعنى: إتيان الله بكم جميعًا لقدرته على ذلك.
١٤٩ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾؛ أي: وفي أي مكانٍ خرجت إليه يا محمد لسفرٍ، أو غزو. وقرأ عبد الله بن عمير: ﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ بفتح المثلثة تخفيفًا، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾؛ أي: فاصرف، وحول، ووجه ذاتك في صلاتك ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: تلقاء المسجد الحرام وجهة الكعبة. ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن التولي إلى المسجد الحرام في الصلاة ﴿لَلْحَقُّ﴾؛ أي: للأمر الموافق للحكمة الثابت الذي لا يعرض له نسخ، ولا تبديل حال كونه واقعًا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ أبو عمرو: ﴿يعملون﴾ بالياء على الغيبة، وهو راجع للكفار؛ أي: من إنكار أمر القبلة، والباقون: ﴿تعملون﴾ بالتاء على الخطاب؛ أي: ليس هو بساهٍ عن أعمالكم، ولكنه محصيها لكم وعليكم، فيجازيكم بها يوم القيامة.
١٥٠ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ في الصلاة ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: تلقاءه ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾؛ أي: وفي أي مكان كنتم فيه - يا أمة محمد - من أقطار الأرض مقيمين، أو مسافرين في برٍّ أو بحرٍ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: فوجِّهوا وجوهكم في الصلاة من محالكم ﴿شَطْرَهُ﴾؛ أي: شطر المسجد الحرام وتلقاءه.
وكرّر (٢) الله أمرَ التولي لشطرِ المسجد الحرام ثلاثَ مرات؛ لتأكيد أمر القبلة، فالثالثة مؤكدةٌ للثانية لا للأولى؛ لأنّا بينّا أن الأولى: في الإقامة، والثانية: في السفر، وأما الثالثة: ففي السفر أيضًا، فهي مؤكدةٌ للثانية، وحكمة هذا التأكيد: تثبيت هذا الحكم، وتقرير نسخ استقبال بيت المقدس؛ لأن النسخ من مظانِّ الفتنة والشبهة، مع أنه تعالى علق بكل آية فائدةً. أما في الآية الأولى فبيّن أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد، وأمر هذه القبله حق؛
стр. 1054
لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل، وأما في الآية الثانية: فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه حقًّا مغايرةٌ لعلم أهل الكتاب بكونه حقًّا، وأما في الآية الثالثة: فبين أنه تعالى قطع حجة اليهود والمشركين، وذلك قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: عرّفناكم وجه الصواب في قبلتكم والحجة لكم؛ لكي لا يكون لليهود والمشركين ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأمة المحمدية ﴿حُجَّةٌ﴾؛ أي: مجادلة ومعارضة في التولي، والمعنى: أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن محمدًا يجحد ديننا، ويتبع قبلتنا، وذلك مدفوع بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وتدفع احتجاج المشركين بأنه ﷺ يدّعي مِلة إبراهيم ويخالف قبلته. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قرأ الجمهور: ﴿إِلَّا﴾ بكسر الهمزة جعلوها أداة استثناء متصل، وقرأ ابن عامر، وزيد بن علي، وابن زيد شذوذًا ﴿ألا﴾ بفتح الهمزة وتخفيف اللام جعلوها ﴿أَلاَ﴾ التي للتنبيه والاستفتاح. فعلى قراءة هؤلاء يكون إعراب ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مبتدأ خبره جملة ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾، ودخلت الفاء؛ لأنه سَلَكَ بـ ﴿الذِينَ﴾ مسلك الشرط، والفعل الماضي هو مستقبل المعنى. كأنه قيل: من يظلم من الناس فلا تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم، واخشوني فلا تخالفوا أمري، وقال أبو عبيدة: إنّ ﴿إلّا﴾ هنا بمعنى الواو؛ أي: و ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فهو استثناء بمعنى ﴿الواو﴾ ومنه قول الشاعر:
وَمَا بِالْمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ ... دَارُ الْخَلِيْفَةِ إلا دَارُ مَرْوَانَا
كأنه قال: إلا دار الخليفة ودار مروان، ونقل السجاوندي في قراءة شاذة عن أبي بكر بن مجاهد أنه قرأ: ﴿إلى الذين﴾ جعلها حرف جر، وتأويلها بمعنى (مع) والمعنى على قراءة الجمهور: لكي لا يكون حجة لأحد من اليهود والمشركين إلا للمعاندين منهم، القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه، وحبًّا لبلده، ولو كان على الحق .. للزم قبلة الأنبياء ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾؛ أي: فلا تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم، فإنهم لا يضرونكم ﴿وَاخْشَوْنِي﴾؛ أي: واحذروا عقابي، فلا تخالفوا أمري. وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾؛ أي: فهو علة ثانية، وكأن المعنى: عرّفناكم وجه الصواب في
стр. 1055
قبلتكم، والحجة لكم لانتفاء حجج الناس عليكم ولإتمام النعمة عليكم، فيكون التعريف معللًا بهاتين العلتين. والفصل بالاستثناء وما بعده كلا فصل؛ إذ هو من متعلق العلة الأولى، وقيل: معطوف على علة مقدرة، كأنه قيل: واخشوني؛ لأوفقكم، ولأتم نعمتي عليكم. وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة. وقيل: دخول الجنة. والمعنى: ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم لتتم لكم الملة الحنفية. وقيل: تمام النعمة الموت على الإِسلام، ثم دخول الجنة، ثم رؤية الله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: ولكي تهتدوا من الضلالة إلى الحق، فهو علة ثالثة، فإن قلتَ: إن الله تعالى أنزل عند قرب وفاته ﷺ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فدلّ على أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم فكيف قال قبل ذلك بسنين كثيرة في هذه الآية: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾؟
قلنا: تمام النعمة في كل وقتٍ بما يليق به، فلا معارضة بين الآيتين.
الإعراب
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، أو داخلة على مقسم به محذوف، تقديره: وعزتي وجلالي ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَتَيْتَ﴾: فعل، وفاعل في محل الجزم بإن على كونه فعل شرط لها. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب مفعول به؛ لأن (أتى) هنا بمعنى جاء. ﴿أُوتُوا﴾: فعل ماض مُغيَّر ونائب فاعل وهو المفعول الأول. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان؛ لأن (أتى) هنا بمعنى أعطى، والجملة من الفعل المغيَّر ونائب فاعل صلة الموصول، والعائد ضمير الغائب. ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَتَيْتَ﴾. ﴿مَا تَبِعُوا﴾: ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَبِعُوا﴾ فعل وفاعل، ﴿قِبْلَتَكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه ساد مسد جواب الشرط، وجملة الشرط مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب، وإنما جعلنا المذكور جوابًا للقسم لا للشرط جريًا على القاعدة النحوية: أنه إذا اجتمع شرط وقسم فإنه يحذف جواب المتأخر
стр. 1056
منهما، كما قال ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
وأيضًا لا يصلح قوله: ﴿مَا تَبِعُوا﴾ أن يكون جوابًا للشرط؛ لأنه فعل منفي بـ ﴿ما﴾ فحقه دخول الفاء عليه، فوجب أن يكون جوابًا للقسم لا للشرط، ولذلك جاء فعل الشرط ماضيًا؛ لأنه متى حذف الجواب .. وجبَ كون فعل الشرط ماضيًا إلا في ضرورةٍ، كما هو مقرر في محله.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية أو تميمية. ﴿أَنْتَ﴾: في محل الرفع اسمها، أو مبتدأ. ﴿بِتَابِعٍ﴾ ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿تابع﴾: خبر ﴿ما﴾ منصوب، أو خبر المبتدأ مرفوع. ﴿قِبْلَتَهُمْ﴾: مفعول لـ ﴿تابع﴾ ومضاف إليه، والجملة الإسمية معطوفة على جملة الشرط وجوابه، لا على الجواب وحده، إذ لا تحل محله؛ لأن نفي تبعيتهم مقيد بشرطٍ لا يصح أن يكون قيدًا في نفي تبعيته قبلتهم.
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية أو تميمية. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: اسم ﴿ما﴾ ومضاف إليه، أو مبتدأ ﴿بِتَابِعٍ﴾ ﴿الباء﴾: زائدة ﴿تابع﴾: خبر ما، أو خبر المبتدأ. ﴿قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾: مفعول ﴿تابع﴾، ومضاف إليه، والجملة الإسمية معطوفة على جملة الشرط وجوابه في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ﴾ ... إلخ.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَئِنِ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية فيه، أو داخلة على مقسم به محذوف، وتقديره: وعزتي وجلالي. ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿اتَّبَعْتَ﴾. فعل وفاعل في محل الجزم بأن على كونه فعل شرط لها. ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق
стр. 1057
بـ ﴿اتَّبَعْتَ﴾، ﴿بَعْدِ﴾: مضاف. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه ﴿جَاءَكَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ما، والجملة صلةٌ لما، أو صفة لها. ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستتر في جاء. ﴿إِنَّكَ﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿الكاف﴾ اسمها. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء زائد لتأكيد الكلام، ولا تعمل هنا شيئًا؛ لأن عملها في الفعل، ولا فعل هنا. ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿من الظالمين﴾: جار ومجرور خبر لـ ﴿إن﴾، وجملة إن من اسمها وخبرها جوابٌ القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه سادٌّ مسد جواب الشرط، وجملة القسم مستأنفة.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾
﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثانٍ، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الغائبين. ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿كَمَا﴾ (الكاف): حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿يَعْرِفُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة (ما) المصدرية. (ما) مع صلتها في تأويل مصدرٍ مجرور بالكاف، تقديره: كمعرفتهم أبناءهم، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: يعرفونه معرفةً كائنةً كمعرفتهم أبناءهم، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ بدلًا من ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في الآية قبلها، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿الظَّالِمِينَ﴾، فيكون ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ حالًا من الكتاب، ويجوز أن يكون نصبًا على تقدير: أعني، ورفعًا على تقديرهم: انتهى. ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾: الواو استثنائية، ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿فَرِيقًا﴾: اسمها. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿فَرِيقًا﴾، ﴿لَيَكْتُمُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿يكتمون﴾: فعل وفاعل. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية خبر (إن)، تقديره: وإن فريقًا منهم لكاتمون الحق، وجملة (إن) مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾
стр. 1058
﴿الواو﴾ حالية، ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب حال من فاعل ﴿يكتمون﴾.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.
﴿الْحَقُّ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، وقيل: خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ تقديره: هو؛ أي: ما كتموه، وقيل: الحق. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور حال من الحق، وقيل: غير ذلك ﴿فَلَا﴾ (الفاء): عاطفة تفريعية ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع ناقص في محل الجزم بـ (لا) مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: جار ومجرور خبر (تكون)، وجملة (تكون) معطوفة على جملة المبتدأ.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
﴿وَلِكُلٍّ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. (لكل): جار ومجرور خبر مقدم. ﴿وِجْهَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، وسَوَّغ الابتداء بالنكرة وصفه بما بعده، والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ﴾: ضمير يعود على (كل) في محل الرفع مبتدأ. ﴿مُوَلِّيهَا﴾: خبر ومضاف إلى المفعول الأول، والضمير عائد على وجهة، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: وَجْهَهُ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع صفةٌ لوجهة ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم فأقول ﴿استبقوا﴾ فعل وفاعل، ﴿الْخَيْرَاتِ﴾: منصوب بنزع الخافض تقديره: إلى الخيرات والجملة الفعلية في محل النصب مفعول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿أَيْنَ﴾: اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية مبنية على الفتح، والظرف متعلق بـ ﴿تَكُونُوا﴾. ﴿مَا﴾: زائدة. ﴿تَكُونُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿أَيْنَ﴾ على كونه فعل شرط لها، وهو من كان التامة، ﴿يَأْتِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿أَيْنَ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿بِكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به.
стр. 1059
﴿اللَّهُ﴾: فاعل. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ضمير المخاطبين، وجملة ﴿أَيْنَ﴾ من فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، وهو خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المتعلقة بجواب ﴿أَيْنَ﴾.
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
﴿وَمِنْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿من حيث﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ولِّ﴾ الآتي. ﴿خَرَجْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿فَوَلِّ﴾: ﴿الفاء﴾: زائدة، ﴿ولِّ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿وَجْهَكَ﴾: مفعول أول ومضاف إليه. ﴿شَطْرَ﴾: مفعول ثانٍ وهو مضاف. ﴿الْمَسْجِدِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْحَرَامِ﴾: صفة له، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَإِنَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها ﴿لَلْحَقُّ﴾: اللام حرف ابتداء، الحق: خبرها، والجملة مستأنفة. ﴿مِن رَبِّكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الحق. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿ما﴾ نافية ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. أو: ﴿ما﴾: حجازية، ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. ﴿بِغَافِلٍ﴾: ﴿الباء﴾ زائدة، ﴿غافل﴾: خبر المبتدأ، أو خبر ﴿ما﴾، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: تعملونه، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية؛ تقديره: عن عملكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿غافل﴾.
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: تقدم إعرابه آنفًا، فلا عود ولا إعادة، فراجعه إن شئت.
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
﴿وَحَيْثُ مَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿حيث ما﴾: اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل وفاعل؛ لأنه من كان التامة في محل الجزم بـ ﴿حيث ما﴾ على كونها فعل شرط
стр. 1060
لها. ﴿فَوَلُّوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب الشرط، ﴿وَلُّوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿حيث ما﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿حيث ما﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾. ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ مفعول أول ومضاف إليه. ﴿شَطْرَهُ﴾: مفعول ثانٍ ومضاف إليه.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
﴿لِئَلَّا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿أن﴾ حرف مصدري ونصب ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَكُونَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن المذكورة في ﴿لِئَلَّا﴾. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿لِيَكُونَ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿حُجَّةٌ﴾؛ لأنه نعت نكرة قُدِّم عليها. ﴿حُجَّةٌ﴾: اسم ﴿يَكُونَ﴾: مؤخر، وجملة ﴿يَكُونَ﴾ من اسمها وخبرها صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدرٍ مجرور بلام التعليل؛ تقديره: لعدم كون حجة ثابتة للناس عليكم، الجار والمجرور متعلق بمحذوف؛ تقديره: عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم وكيفية الاحتجاج في القبلة بما بيَّنا في قولنا: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ لإعدام كون حجة للناس عليكم ونفيها.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من الناس متصل؛ لأن ما قبل إلا ظالمون أيضًا، والمعنى: لئلا تكون حجةً لأحد من الناس - أي: اليهود والمشركين - عليكم إلا المعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه وحبًّا لبلده، ولو كان على الحق .. للزم قبلة الأنبياء قَبْله ﵈. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿ظَلَمُوا﴾.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.
﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرطٍ مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أنما فعلنا بكم ذلك لقطع حجة الناس عنكم، وأردتم بيان ما يلزمكم .. فأقول لكم ﴿لا تخشوهم﴾ ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَخْشَوْهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول
стр. 1061
مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة معترضة. ﴿وَاخْشَوْنِي﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿اخشوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾.
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وَلأُتِمَّ: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿أتم﴾: منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿نِعْمَتِي﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أتم﴾، أو حال من (نعمتي)، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام؛ تقديره: ولإتمام نعمتي عليكم، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، والتقدير: عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم لقطع حجة الناس عنكم، ولإتمام نعمتي عليكم بتحويلكم إلى أشرف القبل، قبلة أبيكم إبراهيم ﵇. ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لعل﴾: حرف نصب وتعليل بمعنى كي، ﴿الكاف﴾): اسمها، وجملة ﴿تَهْتَدُونَ﴾ في محل الرفع خبرها، وجملة (لعل) في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة؛ تقديره: ولإرادتي هدايتكم إلى الحق، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، وتقدير الكلام: عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم لقطع حجة الناس عنكم، ولإتمام نعمتي عليكم، ولإرادتي هدايتكم إلى الحق، والله أعلم بمعنى كلامه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ الآية: الحجة والعلامة. قيل: أصلها أيَيَة كتمرة، قلبت عينها ألفًا على غير قياس، وقيل: أصلها آئية كقائلة، حذفت همزتها تخفيفًا، وقيل: غير ذلك.
﴿مَا تَبِعُوا﴾؛ أي: لا يتبعوا، فهو ماض في معنى المستقبل، ودخلت ﴿مَا﴾ حملًا على لفظ الماضي، وحذفت الفاء في الجواب مع كونه منفيًّا بها؛ لأن فعل
стр. 1062
الشرط ماض غير مجزوم لفظًا.
﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: جمع هوى مقصورًا، والهوى: كل ما تحبه النفس وتميل إليه طبعًا. ﴿إِذًا﴾: حرف، والنون فيه أصل، ولا تستعمل إلا في الجواب، ولا تعمل هنا شيئًا؛ لأن عملها في الفعل، ولا فعل هنا، فهي هنا مؤكدةٌ لجواب ارتبط بمتقدم، ولا عمل لها إذا كانت مؤكدة.
﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: اسم فاعل من الامتراء؛ وهو الشك، يقال: امترى في الشيء - من باب افتعل - إذا شك فيه، ومثله: المراء والمرية.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾: وعبارة "السمين" هنا: وفي ﴿وِجْهَةٌ﴾ قولان:
أحدهما: اسم للمكان المتوجه إليه كالكعبة، وعلى هذا يكون إثبات ﴿الواو﴾ قياسًا؛ إذ هي غير مصدر.
والثاني: أنها مصدر بوزن فِعْلةٌ، وعلى هذا يكون ثبوت ﴿الواو﴾ شاذًا منبِّهًا على الأصل المتروك في عدة ونحوها. انتهت.
وقال أبو البقاء: ﴿وِجْهَةٌ﴾ مصدر جاء على الأصل، والقياس: جهة مثل (عِدَة) و (زِنَه)، و ﴿الوجهة﴾: مصدر في معنى المتوجه إليه، كالخلق بمعنى المخلوق، وهي مصدر محذوف الزوائد؛ لأن الفعل تَوجّه أو اتجه، والمصدر التوجه أو الاتجاه؛ لأنه لم يستعمل منه وَجْهٌ كَوْعدٌ.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ بكسر اللام على قراءة الجمهور اسم فاعل من ولّى يولّي توليةً من باب فَعّل المضاعف المعتل، وأما بفتح اللام: فاسم مفعول منه.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾: والخيرات جمع خيرة، وفيها احتمالان:
أحدهما: أن تكون مخففة من خيرة بالتشديد بوزن فيعلة، نحو ميِّت في ميْت.
والثاني: أن تكون غير مخففة من خَيِّرة، بل ثبتت على فَعْلَة بوزن جَفْنَة. يقال: رجل خَيْر وامرأة خَيْرَة، وعلى كلا التقديرين فليستا للتفضيل، والسبق: الوصول إلى
стр. 1063
الشيء أولًا، وأصله: المتقدم في السير، ثم تجوّز به في كل تقديم. اهـ.
البلاغة
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: فيه وضع اسم الموصول موضع الضمير؛ للإيذان بكمال سوء حالهم من العناد؛ يعني: أنهم قد انتهوا في العناد، وإظهار المعاداة إلى رتبةٍ لو جئتهم فيها بجميع المعجزات .. ما تبعوك، ولا سلكوا طريقك.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾: وهذه الجملة أبلغ في النفي من قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ من وجوه: كونها اسميةً، وتكرر الاسم فيها، وكون نفيها مؤكدًا بالباء.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾: هذا من باب التهييج والإلهاب للثبات على الحق.
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾: فيه تشبيه مرسل مفصل؛ أي: يعرفون محمدًا ﷺ معرفةً واضحةً كمعرفة أبنائهم الذين من أصلابهم، وخصَّ الأبناء دون البنات أو الأولاد؛ لأن الذكور أعرف وأشهر، وهم لصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق. والالتفات عن الخطاب إلى الغيبة؛ للإيذان بأن المراد ليس معرفتهم له ﷺ من حيث ذاته ونسبه الزاهر، بل من حيث كونه مسطورًا في الكتاب منعوتًا بالنعوت التي من جملتها أنه ﷺ يصلي إلى القبلتين، كأنه قيل: الذين آتيناهم الكتاب يعرفون من وصفناه فيه، وبهذا تظهر جزالة النظم الكريم وبلاغة القرآن العظيم.
والله أعلم
* * *
стр. 1064
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ...﴾ الآيات، لمّا ذكر الله في الآيات السابقة النعم التي أنعمها على بني إسرائيل التي قابلوها بالجحود والكفران فيما يزيد على ثلث السورة، وعدد جرائمهم؛ ليعتبر ويتعظ بها المؤمنون، وأنهى الكلام عليهم .. بدأ هنا بمخاطبة المؤمنين وتذكيرهم بنعمةِ الله العظمى عليهم ببعثة خاتم المرسلين محمد ﷺ ، وبالتشريعات الحكيمة التي بها سعادتهم في الدارين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنهم سمعوا من طعن الكفار على التوجه إلى الكعبة والصلاة إليها أذى كثيرًا، فأمروا عند ذلك بالاستعانة بالصبر والصلاة. انتهى.
أسباب النزول
قوله تعالى (١): ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ الآية، أخرج ابن منده في "المعرفة" من طريق السُدِّي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ قال: قتل تميم بن الحمام ببدر، وفيه وفي غيره نزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ...﴾ الآية. قال أبو نعيم: اتفقوا على
стр. 1065
أنه عمير بن الحمام، وأنَّ السُدِّي صَحَّفه.
التفسير وأوجه القراءة
١٥١ - والكاف في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ التشبيه المستفاد منها؛ إما عائد (١) إلى ما قبلها، والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة، أو في الآخرة كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال رسول من جنسكم ونسبكم فيكم يا معشر العرب، قاله الفراء، ورجّحه ابن عطيه، أو عائد إلى ما بعدها، والتقدير: فاذكروني بالطاعة كما ذكرتكم بإرسال رسولٍ منكم فيكم أذكركم بالثواب والمغفرة، قاله الزجاج. والخطاب (٢) في الآية لأهلِ مكة ولجميع العرب، وفي إرساله رسولًا منهم نعمة عظيمة عليهم؛ لما فيه من الشرف لهم، ولأن المعروف من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير، فكان بعثه الرسول منهم وفيهم أقرب إلى قبولِ قوله والانقياد له.
والمعنى: كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب رسولًا فيكم محمدًا ﷺ . ﴿يَتْلُو﴾: أي يقرأ ﴿عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ القرآنية المشتملة على الأوامر والنواهي؛ لتتعبدوا بتلاوتها، وهي من أعظم النعم؛ لأنها معجزة باقية مستمرة على ممر الدهور، وفي هذا احتجاج عليهم؛ لأنهم عرفوا أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فلما قرأ عليهم القرآن تبين صدقه في النبوة ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾؛ أي: يطهركم من دنس الشرك والمعاصي بالتوحيد والطاعات والصدقات، وقيل: معناه يحملكم على ما إذا فعلتموه صرتم أزكياء مثل محاسن الأخلاق ومكارم الأفعال، وقدّمه (٣) هنا باعتبار القصد، وأخره في دعوة إبراهيم ﵇ باعتبار الفعل. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: يفهمكم معاني القرآن وأحكامه لتعملوا بها، فالتعليم غير التلاوة، فليس بتكرار. ﴿وَ﴾ يعلمكم ﴿الحكمة﴾؛ أي: السنة والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يعلمكم أمورًا لم تكونوا عالمين بها قبل بعثه ﷺ من
стр. 1066
أخبار الأمم الماضية، والقرون الخالية، وقصص الأنبياء، وأخبار الحوادث المستقبلة والمغيبات في الآخرة، وكرر الفعل ليدل على أنه جنس آخر.
١٥٢ - ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ باللسان والقلب والجوارح، فالصلاة مشملة على الثلاثة:
فالأول: كالتسبيح والتكبير.
والثاني: كالخشوع وتدبر القراءة.
والثالث: كالركوع والسجود.
﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ بالإحسان والرحمة والنعمة في الدنيا والآخرة ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ بالطاعة ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ أي: لا تتركوا شكرها بكفرانها وجحدها، وعصيان الأمر، فمن أطاع الله فقد شكره، ومن عصاه فقد كفره.
وعن أبي هريرة ﵁، يقول الله : "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه". متفق عليه. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت" متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "سبق المفردون" قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات" أخرجه مسلم، المفردون (١): الذين ذهب القرن الذي كانوا فيه وبقوا، وهم يذكرون الله تعالى، ويقال: تفرد الرجل إذا تفقه واعتزل.
١٥٣ - ثم نادى ﵎ عباده المؤمنين بلفظ الإيمان؛ ليستنهض هممهم إلى امتثال الأوامر الإلهية، وهو النداء الثاني الذي جاء في هذه السورة الكريمة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: صدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿اسْتَعِينُوا﴾؛ أي: اطلبوا المعونة من الله على أمور دنياكم وآخرتكم ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على مشقة أداء فرائض الله، وترك المعاصي، وحظوظ النفس وعلى المرازي والمصائب وإذاية الكفار ﴿و﴾ بـ ﴿الصلاة﴾؛ أي: وبإكثار صلاة التطوع في الليل والنهار، إنما (٢)
стр. 1067
خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات، أما الصبر: فهو حبس النفس على احتمال المكاره في ذات الله، وتوطينها على تحمل المشاق في العبادات، وسائر الطاعات، وتجنب الجزع، وتجنب المحظورات، ومنهم من حمل الصبر على الصوم، وفسره به، ومنهم من حمله على الجهاد. وأما الاستعانة بالصلاة: فلأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود، والإخلاص له. وقيل: استعينوا بالصبر على طلب الآخرة، وبالصلوات الخمس في مواقيتها على تمحيص الذنوب.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ على مشاق التكاليف، والمصائب بالعون والنصر والتأييد؛ أي: معين وحافظ وناصر للصابرين على ذلك. وفي ذلك ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب، فمن كان الله معه لم يخش من الأهوال وإن كانت كالجبال.
ولمَّا قال المنافقون وبعض الناس لشهداء أحد وبدر: مات فلان وفلان، وذهب عنهم نعيم الدنيا ولذاتها .. أنزل الله هذه الآية فقال:
١٥٤ - ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ أيها الناس ﴿لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعة الله في قتال المشركين وجهادهم لإعلاء كلمة الله؛ أي: لا تقولوا للشهداء: إنهم ﴿أَمْوَاتٌ﴾ كسائر الأموات ﴿بَلْ﴾ هم ﴿أَحْيَاءٌ﴾ أهل الجنة في الجنة يرزقون من التحف؛ أي: بل هم أحياء تصل أرواحهم إلى الجنان، كما ورد: (أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة). أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، فهم أحياء من هذه الجهة وإن كانوا أمواتًا من جهة خروج الروح من أجسادهم ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا تعلمون بحياتهم وحالهم، وما هم فيه من النعيم والكرامة.
وعن الحسن: أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًا وعشيًّا، فيصل إليهم الوجع. وعن مجاهد: يرزقون ثمر الجنة، ويجدون ريحها، وليسوا فيها.
стр. 1068
١٥٥ - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لنصيبنكم أيها المؤمنون إصابه من يختبر أحوالكم، أتصبرون على النبلاء وتستسلمون للقضاء أم لا؟ ﴿بِشَيْءٍ﴾ قليل ﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾؛ أي: خوف العدو. وقرأ الضحاك ﴿بأشياء﴾ فلا حذف على هذه القراءة، وأما على قراءة الجمهور: فلا بد من تقدير حذفٍ؛ أي: شيء من الخوف، وشيءٍ من الجوع، وشيء من نقص الثمراتِ والأنفسِ، والخوف: توقع مكروه يحصل منه ألم في القلب.
إنما (١) قلله بالإضافة والنسبة إلى ما وقاهم منه؛ ليخفف عليهم ويريهم أن رحمته لا تفارقهم، أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة، وإنما أخبرهم به قبل وقوعه؛ ليوطنوا عليه أنفسهم ﴿و﴾ شيء من ﴿الجوع﴾ بسبب القحط وتعذر حصول القوت ﴿و﴾ شيء من ﴿نقص من الأموال﴾ والمواشي بسبب النقصان والخسران الحاصل في النقود والهلاك في المواشي ﴿و﴾ بشيء من نقص ﴿الأنفس﴾ بالقتل والموت، أو بالمرض والشيب ﴿و﴾ شيء من نقص ﴿الثمرات﴾ والحبوب بالجوائح والآفات.
وقال (٢) الشافعي رحمه الله تعالى: الخوف خوف الله، والجوع صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال الزكاة والصدقات، والنقص من الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا محمد ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على تجرع غصص هذه المصائب والبلايا بجنات النعيم، والأجر الجسيم.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم قال: أقبضتم ثمرةَ فؤاده؟ قالوا: نعم، قال: فماذا قال؟ قالوا: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتًا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد" أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.
١٥٦ - ثم وصف تعالى الصابرين الذين يستحقون تلك البشارة وبيّنهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا
стр. 1069
أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: نائبة وشدة مما ذكر، وحلت بهم؛ أي: بشر الصابرين الذين إذا نزل بهم كرب أو بلاءً أو مكروه ﴿قَالُوا﴾ باللسان والقلب جمعًا، لا باللسان فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع قبح وسخط للقضاء، وذلك بأن يتصور بقلبه ما خلق لأجله، وأنه راجع إلى ربه، ويتذكر نعم الله تعالى عليه؛ ليرى أن ما أبقى الله تعالى عليه أضعاف ما استرده منه، فهون عليه، ويستسلم ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ ملكًا وخلقًا وعبدًا؛ أي: نحن عبد الله وأموالنا له، يفعل فينا ما يشاء، لا يسئل عما يفعل ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى لقائه ﴿رَاجِعُونَ﴾ بالبعث والنشور بعد الموت، وإن لم نرض بقضائه لا يرضى منا أعمالنا. قال أبو بكر الوراق ﴿إنَّا لله﴾ إقرارٌ منا بالملك له تعالى ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرار على أنفسنا بالهلاك.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجُرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها .. إلا آجره الله في مصيبته واخلف له خيرًا منها" أخرجه مسلم. وعن عائشة ﵂: أن مصباح النبي ﷺ طفىء فاسترجع، فقلت: إنما هو مصباح. فقال: "كل ما ساء المؤمن فهو مصيبة" رواه أبو داود في مراسله.
قيل: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت هذه الأمة يعني الاسترجاع عند المصيبة، ولو أعطيه أحد لأعطي يعقوب ﵇، ألا تسمع إلى قوله عند فقد يوسف: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ قيل: وفي قول العبد ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
١٥٧ - تفويض منه إلى الله وأنه راض بكل ما نزل به من المصائب ﴿أُولَئِكَ﴾ الصابرون المسترجعون عند المصيبة ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ ومغفرة ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾؛ أي: نعمة وإنما جمع الصلوات للتنبيه على كثرتها وتنوعها؛ لأنه أراد مغفرة بعد مغفرة، والرحمة من الله إنعامه وإحسانه وإفضاله، وذكر الرحمة بعد الصلاة للتأكيد. وقيل: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾؛ أي: مغفرة من ربهم في الدنيا، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾؛ أي: مغفرة من ربهم في الدنيا، ورحمة؛ أي: سلامة من العذاب في الآخرة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ إلى الحق والصواب؛ حيث استرجعوا لمصيبتهم واستسلموا لقضاء الله تعالى، وقيل: المهتدون إلى الجنة الفائزون بالثواب.
стр. 1070
فصل
في ذكر أحاديث وردت في ثواب أهل البلاء، وأجر الصابرين:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيرًا .. يصب منه" يعني: يبتليه بالمصائب حتى يأجره على ذلك. أخرجه البخاري.
وعن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ قال: "ما يصيب المؤمن من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا حزَنٍ ولا أذىً ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها .. إلا كفر الله عنه بها خطاياه" متفق عليه.
وعن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يصيبه أذى، من مرض فما سواه .. إلا حط الله به عنه من سيئاته كما تحط الشجرة ورقها" متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمن كمثل الزرع، لا تزال الريح تفيئه، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء. ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة لا تهتز حتى تحصد" متفق عليه. الأرزة: شجرٍ معروف بالشام، ويعرف في العراق ومصر بالصنوبر، والصنوبر ثمر الأرزة، وقيل: الأرزة الثابتة في الأرض.
وعن أنسٍ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا .. عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد شرًّا .. أمسك عنه حتى يوافى يوم القيامة" أخرجه الترمذي.
وعن أنس أيضًا ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن عظم الجزاء مع عظم النبلاء، وإن الله إذا أحب قومًا .. ابتلاهم، فمن رضي .. فله الرضا، ومن سخط .. فله السخط" أخرجه الترمذي.
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا
стр. 1071
بالمقاريض" أخرجه الترمذي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم أحتسبه إلا الجنة" أخرجه البخاري.
وعن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁ قال: قلت يا رسول الله، أيّ الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا .. اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة (١) .. هون عليه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.
الإعراب
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾.
﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر وتشبيه، ما: مصدرية. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بأرسلنا. ﴿رَسُولًا﴾: مفعول به. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رَسُولًا﴾، والجملة الفعلية صلة ما المصدرية، (ما) مع صلتها في تأويل مصدرٍ مجرور بالكاف؛ تقديره: كإرسالنا فيكم رسولًا ﴿مِنْكُمْ﴾، الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف؛ لوقوعه صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة إتمامًا كائنًا كإرسالنا رسولًا؛ أي: إتمامًا كائنًا كإتمامها عليكم بإرسال رسول منكم ﴿يَتْلُو﴾: فعل مضارع معتل بالواو، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَسُولًا﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق
стр. 1072
بـ ﴿يتلوا﴾، ﴿آيَاتِنَا﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿رَسُولًا﴾. ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿يزكيكم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على رسولًا، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَتْلُو﴾ على كونها صفة لـ ﴿رَسُولًا﴾.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿يعلمكم﴾: مضارع معطوف على يتلوا. ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول به ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: معطوفة على الكتاب ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿يعلمكم﴾: فعل مضارع ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَسُولًا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَتْلُو﴾ على كونها صفة لـ ﴿رَسُولًا﴾. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة، في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿علم﴾، ﴿لم﴾ حرف نفي. ﴿تَكُونُوا﴾: فعل مضارع ناقص، واسمه مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، وهو بمعنى (عرف) يتعدى إلى واحد؛ تقديره: تعلمونه، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿تَكُونُوا﴾ تقديره: ما لم تكونوا عالمين، وجملة ﴿تَكُونُوا﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف من ﴿تَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
﴿فَاذْكُرُونِي﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم إتمام نعمتي عليكم بما ذكر، وأردتم بيان ما هو الواجب عليكم .. فأقول لكم: ﴿اذكروني﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مفعول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾: ﴿أَذْكُرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، و ﴿الكاف﴾: مفعول به، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَاشْكُرُوا﴾: الواو: عاطفة، ﴿اشكروا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاذْكُرُونِي﴾، ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَكْفُرُونِ﴾: فعل مضارع
стр. 1073
مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، والنون للوقاية؛ لأنها تقي الفعل عن الكسرة، وياء المتكلم المحذوفة لرعاية الفاصلة في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء؛ ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، تابع للفظه، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿اسْتَعِينُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿بِالصَّبْرِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اسْتَعِينُوا﴾. ﴿وَالصَّلَاةِ﴾: معطوف عليه. ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه والظرف متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقديره: كائن مع الصابرين، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾.
﴿وَلَا تَقُولُوا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَقُولُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة. ﴿لِمَن﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُولُوا﴾. ﴿يُقْتَلُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة لـ ﴿من﴾ الموصولة. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُقْتَلُ﴾. ﴿أَمْوَاتٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هم أموات، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره في محل النصب مقول لـ ﴿تَقُولُوا﴾. ﴿بَلْ﴾ حرف ابتداء. ﴿أَحْيَاءٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: بل هم أحياء، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَشْعُرُونَ﴾ فعل وفاعل، ومفعوله محذوف؛ تقديره: ولكن لا تشعرون ما هم فيه من الكرامة والنعيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله
стр. 1074
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ على كونها مستأنفة.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، أو حرف جر وقسم داخلة على مقسم به محذوف تقديره: وعزتي وجلالي، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، (نبلون): فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، و ﴿الكاف﴾: مفعول به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مع جوابه مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿بِشَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نبلونكم﴾. ﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿شيء﴾؛ تقديره: بشيء كائن من الخوف، ﴿وَالْجُوعِ﴾: معطوف على الخوف. ﴿وَنَقْصٍ﴾: معطوف على شيء. ﴿مِنَ الْأَمْوَالِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمحذوف؛ تقديره: وبنقص شيء كائن من الأموال؛ لأن النقص مصدر نقصت؛ وهو متعد إلى مفعول، وقد حذف المفعول، تقديره: وبنقص شيء من الأموال، ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾: معطوف على الأموال. ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾: معطوف على الأموال أيضًا، عطف خاصٍّ على عام. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة.
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب صفة للصابرين، أو منصوب بـ (أعني) ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب إذا لا محل لها، وجملة إذا صلة الموصول لا محل لها من الإعراب ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿نا﴾: اسمها، ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور خبر إن، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿إنّا﴾ حرف واسمها. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿رَاجِعُونَ﴾؛ وهو خبر إن، والجملة في محل النصب
стр. 1075
معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مقول القول.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم للمبتدأ الثاني. ﴿صَلَوَاتٌ﴾: مبتدأ ثان. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: صفة لـ ﴿صَلَوَاتٌ﴾، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لا محل لها من الإعراب، كأنه قيل: ما الذي بشروا به؟ فقيل: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: معطوف على ﴿صَلَوَاتٌ﴾: ﴿وَأُولَئِكَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿أولئك﴾ مبتدأ. ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل. ﴿الْمُهْتَدُونَ﴾: خبره، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ وشكرٌ يتعدى تارةً بنفسه، وتارةً بحرف جرٍ على حدٍّ سواء على الصحيح، وقال بعضهم: إذا قلت: شكرت لزيدٍ: فمعناه: شكرت لزيد صنيعه، فجعلوه متعديًا لاثنين: أحدهما: بنفسه، والآخر: بحرف الجر، ولذلك فسر الزمخشري هذا الموضع بقوله: واشكروا لي ما أنعمت عليكم.
وقال ابن عطية: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ واشكروني بمعنى واحد، و ﴿لي﴾ أفصح وأشهر مع الشكر، ومعناه: اشكروا نعمتي وأياديَّ، وكذلك إذا قلت: شكرتك فالمعنى: شكرت لك صنيعك وذكرته. فَحَذَف المضاف؛ إذ معنى الشكر: ذكر اليد وذكر مسديها معًا، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف انتهى "سمين" وقيل: معنى الشكر هنا: الاعتراف بحق المنعم والثناء عليه، ولذلك قابله بقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ هو من كفر النعمة، وهو على حذف مضاف؛ أي: ولا تكفروا نعمتي، ولو كان من الكفر ضد الإيمان لقال: ولا تكفروا، أو: ولا تكفروا بي، وهذه النون نون الوقاية حذفت ياء المتكلم بعدها تخفيفًا لتناسب الفواصل، وقيل: المعنى واشكروا لي بالطاعة، ولا تكفرون بالمعصية.
стр. 1076
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ جمع صابر، اسم فاعل من صبر على الأمر - من باب ضرب - إذا جرأ وشجع وتجلد، فهو صابر وصبر وصبور، والصبر من خواص الإنسان؛ لأنه يتعارض فيه العقل والشهوة وهو بدني، وهو إما فعلي كتعاطي الأعمال الشاقة، وإما احتمالي كالصبر على الضرب الشديد، ونفسي وهو قمع النفس عن مشتهيات الطبع فإن كان من شهوة الفرج والبطن سمي عِفَّة، وإن كان من احتمال مكروه اختلفت أساميه باختلاف المكروه ففي المصيبة يقتصر عليه باسم الصبر ويضاده الجزع، وإن كان في الغنى سُميَ ضبط النفس ويضاده البطر، وإن كان في حربٍ سُمي شجاعةً ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مُضجرة سُمي سعة صدر ويضاده الضجر، وإن كان في إخفاء كلام سُمي كتمانًا ويضاده الإعلان، وإن كان في فضول الدنيا سُمي زهدًا ويضاده الحرص، وإن كان على يسير من المال سمِّي قناعةً ويضاده الشره.
قال القفال: ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه، ولا أن لا يكره ذلك، إنما هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع وإن ظهر دمع عين أو تغير لون ولو ظهر منه أولًا ما لا يُعد معه صابرًا ثُمَّ صبر لم يعد ذلك إلا سلوانًا.
﴿مُصِيبَةٌ﴾: اسم فاعل من أصابت، والمصيبة: كل ما أذى المؤمن في نفسٍ أو مالٍ أو أهلٍ، صغرت أو كبرت حتى انطفاء المصباح لمن يحتاجه يُسمى: مصيبة.
البلاغة
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾: والتعبير بصيغة التكلم الدالّة على العظمة بعد التعبير بالصيغة التي لا دلالة لها عليها من قبيل التفنن، وجريًا على سَنَنِ الكبراء. أفاده أبو السعود.
وبين كلمتي ﴿أَرْسَلْنَا﴾ و ﴿رَسُولًا﴾ من المحسنات البديعية جناس الاشتقاق؛ وهو توافق الكلمتين في الحروف والأصول مع الاتفاق في أصل المعنى.
стр. 1077
قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: ذكره بعد قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ من باب ذكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول والعموم، ويسمى مثل هذا عند البلغاء بالإطناب.
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾: فيه إيجاز بالحذف؛ أي: لا تقولوا: هم أموات، بل هم أحياء وبينهما طباق.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ﴾: والإتيان بالجملة الخبرية مقسمًا عليها تأكيدٌ لوقوع الابتلاء، وإسناد الفعل إليه صريح في إضافة أسباب البلايا إليه، وأن هذه المحن من الله تعالى. ﴿بِشَيْءٍ﴾ الباء فيه للإلصاق، وأفرده ليدل على التقليل؛ أي: بشيءٍ قليلٍ؛ إذ لو جمعه فقال: بأشياء .. لاحتمل أن تكون ضروبًا من كل واحدٍ مما بعده.
قوله: ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾: ذكره بعد ذكر الأموال من ذكر الخاص بعد العام اهتمامًا به؛ لاندراجها تحت الأموال.
قوله: ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾: فيه من المحسنات البديعية التجنيس المغاير؛ وهو أن تكون إحدى الكلمتين اسمًا، والأخرى فعلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾، ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾، وفي "المنتخب" ما ملخَّصه: إن إسناد الإصابة إلى المصيبة لا إلى الله تعالى؛ ليعم ما كان من الله وما كان من غيره، فما كان من الله فهو داخل تحت قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾؛ لأن في الإقرار بالعبودية تفويضًا للأمور إليه، وما كان في غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله في الإنصاف منه، ولا يتعدى. كأنه في الأول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ يدبر كيف يشاء، وفي الثاني: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ﴾ ينصف لنا كيف يشاء انتهى.
﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾: التنوين فيهما للتفخيم، وجمع صلوات؛ ليدل على أن ذلك ليس مطلق صلاة، بل صلاة بعد صلاة، ووصفها بكونها ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ليدل بـ ﴿من﴾ على ابتدائها من الله؛ إذ تنشأ تلك الصلوات وتبتدىء من الله تعالى، ويحتمل أن تكون ﴿من﴾ تبعيضية، فيكون ثَمَّ حذف مضاف؛ أي: صلوات من صلوات ربهم، وأتى بلفظ الرب مع إضافته إلى ضميرهم؛ لما فيه من
стр. 1078
دلالة التربية والنظر للعبد فيما يصلحه ويربِّيه به.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾: أكّد بقوله: ﴿هُمُ﴾ وبالألف واللام؛ لإفادة الحصر، كأن الهدايةَ انحصرت فيهم، وهو من قَصْرِ الصفة على الموصوف، وأتى باسم الفاعل، ليدل على الثبوت؛ لأن الهداية ليست من الأفعال المتجددة وقتًا بعد وقت فيخبر عنها بالفعل، بل هي وصف ثابتٌ.
والله أعلم
* * *
стр. 1079
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.
المناسبة
لما أمر الله بذكره وشكره، ودعا المؤمنين إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، وأثنى على الصابرين، وكان الحج من الأعمال الشاقة المفنية للمال والبدن، وكان أحد أركان الإِسلام .. أعقب ذلك ببيان أهمية الحج، وأنه من شعائر دين الله، ثم نبه تعالى على وجوب نشر العلم، وعدم كتمانه، وذكر خطر كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى، كما فعل اليهود والنصارى في كتبهم، فاستحقوا اللعنة والغضب من الله تعالى ومن عباده.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ...﴾ قال الإِمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" (ج ٤ ص ٢٤٤): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال عروة: سألت عائشة ﵂، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جناح ألا يطّوف بالصفا والمروة؟ فقالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت كما أوَّلتها عليه كانت لا جناح عليه ألا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار؛ كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها بالمشلل (١)، فكان مَنْ أهلَّ يتحرج أن
стр. 1080
يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ...﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: وقد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون: أن الناس - إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل بمناة - كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن .. قالوا: يا رسول الله كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ...﴾ الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما؛ في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم يتحرجوا أن يطوفوا بهما في الإِسلام؛ من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. والحديث أخرجه مسلم والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود، وأحمد ابن حنبل، ومالك في "الموطأ".
وأخرج البخاري في "صحيحه" ومسلم والترمذي، وصححه عن أنس ﵁؛ أنه سئل عن الصفا والمروة، فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإِسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ...﴾ الآية. ولا مانع من أن الآية نزلت في الجميع.
وأخرج الحاكم (١) عن ابن عباس ﵄ قال: كانت الشياطين في الجاهلية تطوف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكان بينهما أصنام لهم، فلما جاء الإِسلام قال المسلمون: يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه
стр. 1081
شيء كنا نصنعه في الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية.
قوله تعالى (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا ...﴾ الآية. أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد نفرًا من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم، فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١٥٨ - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾: اسمان للجبَلَيْنِ المعروفين بمكة في طرفي المسْعى. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ لا من شعائر الجاهلية؛ أي: من علامات مواضع عبادة الله تعالى الحج والعمرة، جمع شعيرة وهي العلامة؛ لأن الصفا والمروة كانا حدين وغايتين لطرفي المسعى، أو الكلام على حذف مضافٍ تقديره: إن الطواف والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله؛ أي: من أحكام دين الله وعبادته (٢)، ولما كان الطواف بينهما ليس عبادة مستقلة، بل إنما يكون عبادةً إذا كان بعض حج أو عمرة، بين تعالى ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾؛ أي: قصد الكعبة لعبادة مخصوصة معروفة في الشرع ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾؛ أي: أو زار الكعبة لعبادة مخصوصة معروفة في الشرع؛ لأن الحج لغة: القصد، والعمرة كذلك الزيارة، وفي الشرع: عبادتان معروفتان. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فلا ذنب، ولا إثم على ذلك الحاج أو المعتمر ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ أي: أن يدور ويسعى بينهما؛ أي: فلا إثم عليه في سعيه بين الصفا والمروة سبعة أشواط.
قال ابن عباس: كان على الصفا صنم اسمه: إساف، وعلى المروة صنم آخر اسمه: نائلة، وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما، ويتمسحون بهما، فلما جاء
стр. 1082
الإِسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين، فأذن الله تعالى فيه، وأخبر أنه من شعائر الله، لا من شعائر الجاهلية.
وأخرج مسلم (١) عن جابر ﵁ في حديثه الطويل في صفة حجة الوداع قال: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ "ابدأ بما بدأ الله به"، فبدأ بالصفا، الحديث. فإذا ثبت أن النبي ﷺ سعى وجب علينا السعي، لقوله تعالى: ﴿فاتَّبِعُوه﴾، ولقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" والأمر للوجوب.
وأخرج مسلم (٢)، وغيره عن عائشة ﵂ أنها قالت: لعمري ما أتم الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ فقال: "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا".
فائدة (٣): اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، فذهب جماعة إلى وجوبه؛ وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة ﵃، وبه قال الحسن، وإليه ذهب مالك والشافعي.
وذهب قوم إلى أنه تطوع؛ وهو قول ابن عباس ﵄، وبه قال ابن سيرين، وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أنه ليس بركن، وعلى من تركه دم. وروي عن ابن الزبير، ومجاهد، وعطاء أنّ من تركه فلا شيء عليه، واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك، فروي عنه أن من ترك السعي بين الصفا والمروة لم يُجْزِه حجه ولا عمرته، وروي عنه أنه لا شيء في تركه عمدًا ولا سهوًا، ولا
стр. 1083
ينبغي أن يتركه. ونقل الجمهور عنه أنه تطوع.
وسبب هذا الاختلاف أن قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ يصدق عليه أنه لا إثم عليه في فعله، فدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، فظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، أو غير واجب. فحجة الشافعي ومن وافقه في أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة .. ما روى الشافعي وغيره عن حبيبة بنت أبي تَجْرَأَةَ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه، وهو وراءهم يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدور به إزاره، وهو يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" ويؤيد ذلك حديث: "خذوا عني مناسككم".
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ أصله: يتطوف، فأدغمت التاء في الطاء، ماضيه تطوف، وقرأ أنس، وابن عباس، وابن سيرين، وشُهِر ﴿أن لا﴾ وكذلك في مصحف أُبي، وعبد الله، وخرج ذلك على زيادة ﴿لا﴾ نظير: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ فتتحد معنى القراءتين، وقرأ أبو حمزة: ﴿أن يطُوف بهما﴾ مِن طاف، يطوف الثلاثي، وهي قراءة ظاهرة، وقرأ ابن عباس، وأبو السمال ﴿يَطَّاف بهما﴾ أصله يطتوف بوزن يفتعل، وماضيه اطتوف بوزن افتعل، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، وأدغمت الطاء في التاء بعد قلب التاء طاء، فصارا اطّاف، وجاء مضارعه يطّاف، ومصدره اطيافًا وكل القراءات المذكورة شاذة عدا قراءة الجمهور.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾؛ أي: تبرع وزاد على ما فرض الله عليه من حج وعمرة تطوعًا ونفلًا، فطاف بين الصفا والمروة في ضمن حج تطوع وعمرته، لا استقلالًا؛ لأن السعي لا يتنفل به. ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾ ﴿شَاكِرٌ﴾ له على طاعته، وقابل منه، ومجازٍ له عليها. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته، ويعلم قدر الجزاء، فلا يبخس المستحق حقه، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
стр. 1084
وقرأ ابن كثير (١)، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر ﴿تَطَوَّعَ﴾ فعلًا ماضيًا هنا، وفي قوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. وقرأ حمزة والكسائي في المتواتر: ﴿يطَّوَّع﴾ مضارعًا مجزومًا بـ ﴿من﴾ الشرطية، وقرأ ابن مسعود: (يتطوع بخير) ويطوع أصله: يتطوع كقراءه عبد الله، وهذه قراءة شاذة.
١٥٩ - ونزل في أحبار اليهود قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾؛ أي: يخفون الناس ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ في التوراة، وهم علماء اليهود. ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: من العلامات الواضحة الدالة على صدق محمَّد ﷺ ونبوته، من نعوته وأخلاقه وأفعاله. ﴿وَالْهُدَى﴾؛ أي: ومن الأحكام التي هدى الله الخلق إليها، ودعاهم لها، وشرعها لهم من الأوامر والنواهي كآية الرجم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ وأوضحناه. ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لبني إسرائيل ﴿في الْكِتَابِ﴾؛ أي: في التوراة، والمراد بالكتم هنا: إزالة ما أنزل الله، ووضع غيره في موضعه؛ فإنهم محوا آية الرجم، ونعته ﷺ ، وكتبوا مكان ذلك ما يخالفه. ومعلوم أن الكتم والكتمان: ترك إظهار الشيء قصدًا مع مسيس الحاجة إليه، وتحقق الداعي إلى إظهاره؛ لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد من الكتمان، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه، ويكون بإزالته ووضع شيء آخر مكانه.
وقرأ الجمهور: ﴿بَيَّنَّاهُ﴾ مطابقة لقوله: ﴿أنزلنا﴾، وقرأ طلحة بن مصرف شذوذًا: ﴿بينة﴾ بضمير مفرد غائب، ففيه حينئذٍ التفات من التكلم إلى الغيبة. ﴿أُولَئِكَ﴾ الكاتمون لما أنزلنا. ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾؛ أي: يبعدهم الله من رحمته ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ من الملائكة والمؤمنين، أو جميع الخلائق؛ أي: يسألون الله أن يلعنهم ويطردهم من رحمتهم، ويقولون: اللهم العنهم.
١٦٠ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾؛ أي: ندموا على ما فعلوا، فرجعوا عن الكفر إلى الإِسلام ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما بينهم وبين الله تعالى بالتوحيد والطاعات ﴿وَبَيَّنُوا﴾؛ أي: أوضحوا للناس ما كتموا من العلم ﴿فَأُولَئِكَ﴾ التائبون المصلحون البيِّنون ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أقبل منهم
стр. 1085
توبتهم، وأتجاوز عن سيئاتهم وكتمانهم ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾؛ أي: القابل لتوبة من تاب ﴿الرحيم﴾ المبالغ في نشر الرحمة لمن مات على التوبة، وفي قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ إشارة إلى أركان التوبة الثلاثة؛ لأن معنى تابوا: ندموا، ومعنى أصلحوا: بالعزم على عدم العود إلى المعصية، ومعنى بينوا: بالإقلاع عن الكتمان؛ لأن الإقلاع مفارقة المعصية؛ وهي هنا الكتمان ومفارقتها حاصلة بالبيان.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئًا أبدًا وهما قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ إلى آخر الآيتين. متفق عليه.
وهل (١) إظهار علوم الدين فرض كفاية أو فرض عين؟ فيه خلاف، والأصح أنه إذا ظهر للبعض بحيث يتمكن كل واحد من الوصول إليه لم يبق مكتومًا، وقيل: متى سئل العالم عن شيءٍ يعلمه من أمر الدين يجب عليه إظهاره، وإلا فلا. وفي "الكرخي": وهذه الآية: تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجًا إليها، ثم تركها أو كتمها، وكتم شيئًا من أحكام الشرع مع الحاجة إليه لحقه هذا الوعيد.
١٦١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالكتمان وغيره ﴿وَمَاتُوا﴾؛ أي: واستمروا على ذلك حتى داهمهم الموت. ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ بالله ورسوله. ﴿أُولَئِكَ﴾ المستمرون على كفرهم حتى ماتوا عليه. ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ وطرده لهم من رحمته ﴿و﴾ لعنة ﴿الملائكة والناس﴾ كلهم ﴿أجمعين﴾ حتى أهل دينهم، فإنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا، وقرأ الجمهور: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بالجر عطفًا على لفظ الجلالة، وقرأ الحسن: ﴿والملائكة والناس أجمعون﴾ بالرفع، وخرج على أنه مبتدأ حذف خبره تقديره: والملائكة والناس أجمعون يلعنونهم حالة كونهم
стр. 1086
١٦٢ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مستمرين في اللعنة، أو في النار، وفي إضارها قبل الذكر تفخيم لشأنها، وتهويل منها، أو أضمرها لدلالة اللعنة عليها ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ طرفة عين ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يمهلون ولا يؤجلون من العذاب، فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون، وقيل: لا ينظرون ليعتذروا، وقيل: لا يُنظر إليهم نظر رحمة، وفي "الفتوحات الإلهية" قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إشارة إلى كم العذاب، وأنه كثير لا ينقطع، وقوله ﴿لَا يُخَفَّفُ ...﴾ إلخ إشارة إلى كيفه وشدته.
الإعراب
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿الصَّفَا﴾: اسمها. ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾: معطوف عليه. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر إن؛ تقديره: كائنان من شعائر الله، وجملة إنّ مستأنفة.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
﴿فَمَن﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن الصفا والمروة من شعائر الله، وأردتم بيان حكم السعي بينهما .. فأقول لكم: ﴿مَن حج البيت﴾: ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿حَجَّ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على (مَن). ﴿الْبَيْتَ﴾: مفعول به. ﴿أَوِ﴾: حرف عطف وتفصيل ﴿اعْتَمَرَ﴾؛ فعل ماضٍ في محل الجزم معطوف على ﴿حَجَّ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، وجملة ﴿لا﴾ من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها،
стр. 1087
وجملة (مَن) الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَطَّوَّفَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على (مَن). ﴿بِهِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف؛ تقديره: فلا جناح عليه في طوافه بهما، والجار المحذوف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور قبله.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾.
﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿تَطَوَّعَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، ﴿خَيْرًا﴾: منصوب؛ إما على (١) إسقاط حرف الجر؛ أي: تطوع بخيرٍ، فلما حذف الحرف انتصب على حد قوله:
تَمُرُّوْنَ الدِّيَارَ فَلَمْ تُعَوِّجُوا
أو على أن يكون نعت مصدر محذوف؛ أي: تطوعًا خيرًا، أو على أن يكون حالًا من ذلك المصدر المقدر معرفةً، وهذا مذهب سيبويه. اهـ "سمين".
﴿فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب.
﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿شَاكِرٌ﴾: خبر أول لها. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان. وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾.
стр. 1088
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها: ﴿يَكْتُمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير المفعول المحذوف؛ تقديره: ما أنزلناه. ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: جار ومجرور حال من ضمير المفعول المحذوف من ﴿أَنْزَلْنَا﴾ أو حال من ﴿مَا﴾ ويصح أن يتعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ كما ذكره أبو البقاء. ﴿وَالْهُدَى﴾: معطوف على البينات. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾:
جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَكْتُمُونَ﴾ ﴿بَعْدِ﴾: مضاف. ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿بَيَّنَّاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والضمير عائد على ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ تقديره: من بعد تبيننا إياه ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾. ﴿في الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور متعلق أيضًا بـ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾، فإن تعلق جارين بفعل واحد عند اختلاف المعنى أو اللفظ مما لا خلاف في جوازه. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾، وجملة إن من اسمها وخبرها جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ويصح أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾ بدلًا من اسم إن، وجملة ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾: خبرها. ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿يلعنهم اللاعنون﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ على كونها خبر إن.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مستثنى من المفعول في قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. ﴿تَابُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ﴿تَابُوا﴾ على كونها صلة الموصول، وكذا جملة قوله: ﴿وَبَيَّنُوا﴾:
стр. 1089
معطوفة على ﴿تَابُوا﴾. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية؛ لوقوعها بعد الاستثناء. ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿أَتُوبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية المتعلقة بمعلول محذوف؛ تقديره: وإنما استثنيتهم لتوبتي عليهم. ﴿وَأَنَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿أَنَا﴾: مبتدأ ﴿التَّوَّابُ﴾: خبر أول. ﴿الرَّحِيمُ﴾ خبر ثان، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿أتوب﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَمَاتُوا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿مَاتُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿كَفَرُوا﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هم﴾ مبتدأ. ﴿كُفَّارٌ﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿ماتوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿لَعْنَةُ اللهِ﴾: مبتدأ ثان ومضاف إليه، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ من اسمها وخبرها: مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة، وكذا قوله ﴿وَالنَّاسِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد للملائكة والناس.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴿١٦٢﴾﴾.
﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُخَفَّفُ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة. ﴿عَنْهُمُ﴾: متعلق به. ﴿الْعَذَابُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير المستتر في ﴿خَالِدِينَ﴾ أو مستأنفة. ﴿وَلَا هُمْ﴾: الواو عاطفة، ﴿لَا﴾
стр. 1090
نافية ﴿هم﴾ مبتدأ ﴿يُنْظَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ؛ تقديره: ولا هم منظرون، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿ولا يخفف﴾ على كونها حالًا من الضمير المستتر في ﴿خَالِدِينَ﴾ أو على كونها مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الصَّفَا﴾: جمع صفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، وعبارة "السمين": وألف الصفا منقلبة عن واو؛ بدليل قلبها في التثنية واوًا، فإنهم قالوا في تثنيته: صفوان، والاشتقاق يدل عليه أيضًا؛ لأنه من الصفو، وهو الخلوص، والصفا الحجر الأملس، وقيل: الذي لا يخالطه غيره من طين أو تراب، ويفرق بين واحده وجمعه بتاء التأنيث نحو: صفا كثيرة وصفاة واحدة، وقد يجمع الصفا على فعول وأفعال، فإنهم قالوا: صُفِي بكسر الصاد وضمها كعِصي وأصفاء، والأصل صفوو وأصفاو، فقلبت الواوان في صفوو يائين، والواو في أصفاو همزةً ككساء وبابه.
﴿وَالْمَرْوَةَ﴾: الحجارة الصغار، فقيل: اللينة، وقيل: الصلبة، وقيل: البيض، وقيل: السود. انتهت. وجمعها: مرو ومروات، وهذا بالنظر إلى أصلهما وإلا فهما عَلَمان للجبلين المعروفين في مكة.
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ والشعائر: جمع شعيرة؛ وهي العلامة؛ أي: من أعلام مناسكه، والمراد بها مواضع العبادة التي أشعرها الله تعالى أعلامًا للناس من الموقف والمسعى والمنحر.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ يقال: حج يحج حجًّا - من باب رَدَّ - فهو حاجّ، والحج لغةً: القصد، وشرعًا: قصد مكة لنسك مخصوص.
﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾: من باب افتعل، والمصدر الاعتمار، وهو الزيارة، والعمرة مأخوذة منه؛ وهي زيارة مكة لنسك معلوم.