أردف ذلك باستثناء بعض الأقارب، ونساء المؤمنين، والأرقاء لما في الاحتجاب عن هؤلاء من عظيم المشقة للحاجة إلى الاختلاط بهؤلاء كثيرًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر وجوب احترام النبي ﷺ حال خلوته بقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ .. أردف ذلك ببيان ما له من احترام في الملأ الأعلى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وفي الملأ الأدنى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه من طريق السدي عن أبي صالح عن ابن عباس عن أم هانىء بنت أبي طالب، قالت: خطبني رسول الله ﷺ ، فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فلم أكن أحل له؛ لأني لم أهاجر.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح عن أم هانىء قالت: نزلت فيَّ هذه الآية: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أراد النبي ﷺ أن يتزوجني، فنهي عني؛ إذ لم أهاجر.
قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن سعد عن عكرمة قال: نزلت في أم شريك الدوسية.
وأخرج ابن سعد عن منير بن عبد الله الدؤلي أن أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية عرضت نفسها على النبي ﷺ ، وكانت جميلة، فقبلها فقالت عائشة: ما في امرأةٍ حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أم شريك: فأنا تلك، فسماها الله: مؤمنة، فقال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، فلما نزلت .. قالت عائشة: إن الله يسارع لك في هواك.
قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه
стр. 10292
الشيخان بسندهما عن عائشة قالت: كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.
وأخرج ابن سعد عن أبي رزين قال: همَّ رسول الله ﷺ أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك .. جعلنه في حل من أنفسهم، يؤثر من يشاء على من يشاء، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ...﴾ سبب نزوله (١): ما أخرجه ابن سعد عن عكرمة قال: خيَّر رسول الله ﷺ أزواجه، فاخترن الله ورسوله، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (٢) البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: أولم النبي ﷺ حين بني بزينب ابنة جحش، فأشبع الناس خبزًا ولحمًا، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين، كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلم عليهن، ويدعو لهن، ويسلِّمن عليه، ويدعون له، فلما رجع إلى بيته .. رأى رجلين جرى بهما الحديث، فلما رآهما .. رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان رسول الله ﷺ رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما، أم أخبِر، فرجع حتى دخل البيت، وأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ...﴾ الآية.
وفي رواية عنهما عن أنس قال: لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش .. دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، وقام من القوم من قام، وقعد ثلاثة، ثم انطلقوا، فجئت، فأخبرت النبي ﷺ : أنهم انطلقوا، فجاء حتى دخل، وذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
стр. 10293
وأخرج الترمذي، وحسنه عن أنس قال: كنت مع رسول الله ﷺ ، فأتى باب امرأة عرس بها، فإذا عندها قوم، فانطلق، ثم رجع وقد خرجوا، فدخل، فأرخى بيني وبينه سترًا، فذكرته لأبي طلحة فقال: لئن كان كما تقول .. لينزِلنَّ في هذا شيء، فنزلت آية الحجاب.
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ في قعب، فمر عمر، فدعاه، فأكل، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: أوه، لو أُطاع فيكن. . ما رأتكن عين، فنزلت آية الحجاب.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: دخل رجل على النبي ﷺ ، فأطال الجلوس، فخرج النبي ﷺ ثلاث مرات ليخرج، فلم يفعل، فدخل عمر، فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجل: لعلك آذيت النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "لقد قمت ثلاثًا لكي يتبعني، فلم يفعل"، فقال له عمر: يا رسول الله، لو اتخذت حجابًا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهن، فنزلت آية الحجاب.
قال الحافظ ابن حجر: يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب، فلقربه منها .. أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب.
وأخرج البخاري (١) بسنده عن عائشة ﵂ قالت: كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ : احجب نساءك، قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي ﷺ يخرجن ليلًا إلى ليل قبل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس، فقال: عرفناك يا سودة حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض إلى بيته .. بادروه، فأخذوا المجالس، فلا يعرف ذلك في وجه رسول الله ﷺ ، ولا يبسط يده إلى الطعام استحياءً منهم، فعوتبوا في ذلك فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ...﴾ الآية.
стр. 10294
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: بلغ النبي ﷺ أن رجلًا يقول: لو قد توفي النبي ﷺ .. تزوجت فلانة من بعده، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ...﴾ الآية.
وأخرج عن ابن عباس قال: نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي ﷺ بعده. قال سفيان: ذكروا أنها عائشة.
وأخرج عن السدي قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا، ويتزوج نساءنا، لئن حدث به حدث .. لنتزوجن نساءه من بعده، فأُنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: نزلت في طلحة بن عبيد الله؛ لأنه قال: إذا توفي رسول الله ﷺ .. تزوجت عائشة.
قال الحافظ السيوطي: وقد كنت في وقفة شديدة من صحة هذا الخبر؛ لأن طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، أجلٌّ مقامًا من أن يصدر منه ذلك، حتى رأيتُ أنه رجل آخر شاركه في اسمه واسم أبيه ونسبته، كما في "إنسان العيون".
وأخرج جويبر عن ابن عباس: أن رجلًا أتى بعض أزواج النبي ﷺ ، فكلمها وهو ابن عمها، فقال النبي ﷺ : "لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا"، فقال: يا رسول الله، إنها ابنة عمي، واللهِ ما قلت لها منكرًا، ولا قالت لي. قال النبي ﷺ : "قد عرف ذلك، إنه ليس أحد أغير من الله، وإنه ليس أحد أغير مني"، ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمي، لأتزوجنها من بعده، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال ابن عباس: فأعتق ذلك الرجل رقبة، وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله، وحج ماشيًا توبة من كلمته.
التفسير وأوجه القراءة
٤٥ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ نداء كرامة وتعظيم؛ لأن الشريف ينادى باللقب الشريف، لا
стр. 10295
نداء علامة، مثل: يا آدم ونحوه.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ وبعثناك بعظمتنا إلى كافة الناس، وقوله: ﴿شَاهِدًا﴾ حال من كاف ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ أي: حالة كونك شاهدًا على أمتك، تشهد لمن صدقك وآمن بك بالإيمان, وعلى من كذبك وكفر بك بالتكذيب، وهي (١) حال مقدَّرة، فالنبي ﷺ بعث متحملًا للشهادة في الدنيا، ويكون في الآخرة مؤديًا لما تحمله، ووقت الأداء متأخر عن وقت الإرسال، نحو: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أي: مقدرًا به الصيد غدًا.
والمعنى: يا أيها النبي الكريم، إنا أرسلناك بعظمتنا مقدرًا شهادتك على أمتك بتصديقهم وتكذيبهم، تؤديها يوم القيامة أداء مقبولًا قبول قول الشاهد العدل في الحكم. قال مجاهد: شاهدًا على أمته بالتبليغ إليهم، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم إليهم.
﴿وَ﴾ حالة كونك ﴿مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين بالجنة، وبما أعده لهم من جزيل الثواب وعظيم الأجر. ﴿وَ﴾ حالة كونك ﴿نَذِيرًا﴾؛ أي: مخوفًا للكافرين والعصاة بالنار، وبما أعده لهم من عظيم العقاب.
٤٦ - ﴿وَ﴾ حالة كونك ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: داعيًا لكافة الناس إلى توحيده سبحانه ودينه، وإلى الإيمان بكل ما جاء به، والعمل بما شرعه لهم. ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بأمره له بذلك وتقديره، لا برأيك واجتهادك، وهذا راجع (٢) إلى قوله: داعيًا فقط، وذلك كما إذا قال شخص: من يطع الملك يسعد، ومن يعصه يشقى، فيكون مبشرًا ونذيرًا، ولا يحتاج في ذلك إلى إذن من الملك، وأما إذا قال: تعالوا إلى سماطه، وأحضروا إلى خوانه، فيحتاج في ذلك إلى إذنه.
وقيل: معنى (٣) ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بتيسيره وتسهيله، فأطلق الإذن، وأريد به التيسير مجازًا بعلاقة السببية، فإن التصرف في ملك الغير متعسر، فإذا أذن .. تسهل وتيسر، وإنما لم يحمل الأذن على حقيقته، وهو الإعلام بجازة الشيء، والرخصة فيه؛ لانفهامه من قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾، وقيد به الدعوة إيذانًا بأنها
стр. 10296
أمر صعب لا يتأتى إلا بمعونة وإمداد من جانب قدسه، كيف لا، وهي صرف الوجوه عن سمت الخلق إلى الخلاق، وإدخال قلادة غير معهودة في الأعناق.
﴿و﴾ حالة كونك ﴿سِرَاجًا﴾؛ أي: مصباحًا ﴿مُنِيرًا﴾؛ أي: مضيئًا في الظلام؛ أي: يستضاء به في ظلم الضلالة، كما يستضاء بالمصباح في الظلمة. ففي الكلام تشبيه بليغ، وقال الزجاج: ﴿وَسِرَاجًا﴾؛ أي: ذا سراج منير؛ أي: كتاب نير، وفي "الخازن": سماه (١) سراجًا منيرًا؛ لأنه جلا به ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير. وقيل: معناه: أمد الله بنور نبوته نور البصائر، كما يمد بنور السراج نور الأبصار، ووصفه بالإنارة؛ لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطه، ودقَّتْ فتيلته.
فإن قلت: لم سماه سراجًا، ولم يسمه شمسًا، والشمس أشد إضاءة من السراج وأنور؟.
قلتُ: نور الشمس لا يمكن أن يؤخذ منه شيء، بخلاف نور السراج، فإنه يؤخذ منه أنوار كثيرة.
وعبارة "فتح الرحمن" هنا: فإن قلت (٢): كيف شبه الله تعالى نبيه ﷺ بالسراج، دون الشمس، مع أنها أتم؟.
قلتُ: المراد بالسراج هنا: الشمس، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾، أو شبهه بالسراج؛ لأنه تفرع منه بهدايته جميع العلماء، كما يتفرع من السراج سرج لا تحصى، بخلاف الشمس.
واعلم: أن الله شبَّه نبينا محمدًا ﷺ بالسراج لوجوه (٣):
منها: أنه يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، ويهتدى بأنواره إلى مناهج الرشد والهداية، كما يهتدى بالسراج المنير في الظلام إلى سمت المرام.
ومنها: أن السراج الواحد يوقد منه ألف سراج، ولا ينقص من نوره شيء.
стр. 10297
ومنها: أنه ﷺ يضيء من جميع الجهات الكونية إلى جميع العوالم، كما أنَّ السراج يضيء من كل جانب، وأيضًا: يضيء لأمته كلهم، كالسراج لجميع الجهات إلا من عمي، مثل: أبي جهل، ومن تبعه على صفته، فإنه لا يستضيء بنوره، ولا يراه حقيقة، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
ومنها: أنه سماه سراجًا، ولم يسمه شمسًا، ولا قمرًا، ولا كوكبًا؛ لأنه لا يوجد يوم القيامة شمس ولا قمر ولا كوكب، ولأن الشمس والقمر لا ينقلان من موضع إلى موضع بخلاف السراج، ألا ترى أنه تعالى نقله ﵇ من مكة إلى المدينة.
ومعنى الآية (١): أي يا أيها الرسول، إنا بعثناك شاهدًا على من بُعثت إليهم، تراقب أحوالهم، وترى أعمالهم، وتتحمل الشهادة بما صدر منهم من تصديق وتكذيب، وسائر ما يفعلون من الهدى والضلال، وتؤدِّي ذلك يوم القيامة، وأرسلناك مبشرًا لهم بالجنة إن صدقوك، وعملوا بما جئتهم به من عند ربك، ومنذرًا لهم بالنار يدخلونها، فيعذبون فيها إن هم كذبوك، وخالفوا ما أمرتهم به، ونهيتهم عنه، وداعيًا الخلق إلى الإقرار بوحدانيته تعالى، وسائر ما يجب له من صفات الكمال، وإلى عبادته ومراقبته في السر والعلن، وسراجًا منيرًا يستضيء به الضالون في ظلمات الجهل والغواية، ويقتبس من نورك المهتدون، فيسلكون مناهج الرشد والسعادة.
٤٧ - وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوف على مقدر يقتضيه المقام، كأنه قال: فدبر أمور الناس، وراقب أحوالهم، وبشر المؤمنين بك، وبما جئت به بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا؛ أي: على مؤمني سائر الأمم في الرتبة والشرف، أو زيادة على أجور أعمالهم بطريق التفضل والإحسان. وروي أن الحسنة الواحدة في الأمم السالفة كانت بواحدة، وفي هذه الأمة بعشر أمثالها إلى ما لا نهاية له.
أو هو من عطف جملة على جملة، وهي الذكور سابقًا، ولا يمنع من ذلك الاختلاف بين الجملتين بالإخبار والإنشاء. أمره سبحانه بأن يبشرهم بأن لهم من الله
стр. 10298
فضلًا كبيرًا على سائر الأمم، وقد بين ذلك سبحانه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
وأخرج ابن جرير وعكرمة عن الحسن أنه قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قالوا: يا رسول الله، قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾.
٤٨ - ثم نهاه سبحانه عن طاعة أعداء الدين فقال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ من أهل مكة ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ من أهل المدينة. ومعناه: الدوام على عدم طاعتهم، أي (١): دم واثبت على ما أنت عليه من مخالفتهم، وترك إطاعتهم، واتباعهم.
وفي "الإرشاد": نُهي عن مداراتهم في أمر الدعوة، واستعمال لين الجانب في التبليغ، والمسامحة في الإنذار، كنى عن ذلك بالنهي عن طاعتهم مبالغةً في الزجر والتنفير عن المنهي عنه، بنظمه في سلكها، وتصويره بصورتها.
أي: لا تطعهم فيما يشيرون عليك به من المداهنة في الدين، وفي الآية تعريض لغيره من أمته؛ لأنه ﷺ معصوم عن طاعتهم في شيء مما يريدونه، ويشيرون به عليه، وقد تقدم تفسير هذه الآية في أول السورة ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾؛ أي: واترك المجازاة لهم على إيذائهم إياك، ومؤاخذتهم به؛ أي: دع أن تؤذيهم مجازاةً لهم على ما يفعلونه من الأذى لك، فهو مصدر مضاف إلى المفعول، أو المعنى: لا تبال بإيذائهم لك بسبب تصلبك في الدعوة والإنذار، فهو مصدر مضاف إلى الفاعل، وهي منسوخة بآية السيف بالنظر إلى الكافر.
وعن ابن مسعود ﵁: قسم رسول الله ﷺ قسمة، فقال رجل من الأنصار: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فأخبر بذلك، فاحمر وجهه فقال: "رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
وفي "التأويلات": ﴿وَلَا تُطِعِ ...﴾ إلخ؛ أي: لا تتخلق بخلق من أخلاقهم، ولا توافق من أعرضنا عنه، وأغفلنا قلبه عن ذكرنا، وأضللناه من أهل الكفر والنفاق وأهل البدع والشقاق. ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ بالبحث والمناظرة على إبطالهم، فإنهم عن
стр. 10299
سمع كلمات الحق لمعزولون، فتضيع أوقاتك، ويزيد إنكارهم.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في كل شؤونك، واعتمد عليه في أمورك خصوصًا في هذا الشأن، فإنه تعالى يكفيكهم، والعاقبة لك. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ سبحانه لمن استكفاه من جهة كونه ﴿وَكِيلًا﴾؛ أي: موكولًا إليه الأمور في كل الأحوال، فهو فعيل بمعنى: المفعول، تمييز من فاعل كفى، وهو الله؛ إذ الباء صلة، والتقدير: وكفى الله من جهة الوكالة، فإن أهل الدارين لا يكفي كفاية الله فيما يحتاج إليه، فمن عرف أنه تعالى هو المتكفل بمصالح عباده، والكافي لهم في كل أمر .. اكتفى به في كل أمره، فلم يدبر معه، ولم يعتمد إلا عليه.
روي: أن الحجاج بن يوسف سمع ملبيًا يلبي حول البيت، رافعًا صوته بالتلبية، وكان إذ ذاك بمكة فقال: على بالرجل، فأتي به إليه، فقال: ممن الرجل؟ قال: من المسلمين، فقال: ليس عن الإِسلام سألتك، قال: فعمَّ سألت؟ قال: سألتك عن البلد، قال: من أهل اليمن، قال: كيف تركت محمد بن يوسف؟ - يعني: أخاه - قال: تركته عظيمًا جسيمًا لباسًا ركابًا خراجًا ولاجًا. قال: ليس عن هذا سألتك، قال: فعمَّ سألت؟ قال: سألتك عن سيرته، قال: تركته ظلومًا غشومًا، مطيعًا للمخلوق، عاصيًا للخالق. فقال له الحجاج: ما حملك على هذا الكلام، وأنت تعلم مكانه منى؟ قال: أترى مكانه منك أعز منى بمكاني من الله، وأنا وافد بيته، مصدِّق نبيه، فسكت الحجاج، ولم يحسن جوابًا، وانصرف الرجل من غير إذن، فتعلق بأستار الكعبة، وقال: اللهم بك أعوذ وبك ألوذ، اللهم فرجك القريب، ومعروفك القديم، وعادتك الحسنة، فخلص من يد الحجاج بسبب توكله على الله في قوله الخشن، وبعدم إطاعته وانقياده للمخلوق.
ومعنى الآية: أي ولا تطع (١) يا محمد قول كل كافر ولا منافق في أمر الدعوة، وألن الجانب في التبليغ، وارفق في الإنذار، واصفح عن آذاهم، واصبر على ما ينالك منهم، وفوِّض أمورك إلى الله، وثقْ به، فإنه كافيك جميع من دونك حتى يأتيك أمره وقضاؤه، وهو حسبك في جميع أمورك، وكالؤك وراعيك.
стр. 10300
٤٩ - ولما ذكر سبحانه قصة زيد وطلاقه لزينب، وكان قد دخل بها، وخطبها النبي ﷺ بعد انقضاء عدتها، كما تقدم .. خاطب المؤمنين هنا مبيِّنًا لهم حكم الزوجة إذا طلقها زوجها قبل الدخول، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمد ﷺ ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ﴾ وتزوجتم ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ وعقدتم عليهن عقد النكاح. قال في "بحر العلوم": أصل النكاح: الوطء، ثم قيل للعقد نكاح مجازًا تسمية للسبب باسم المسبب، فإن العقد سبب الوطء المباح، وعليه قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾؛ أي: لا يتزوج. ونظيره تسمية النبات غيثًا في قوله: رعينا الغيث؛ لأنه سبب للنبات، والخمر إثمًا؛ لأنها سبب لاكتساب الإثم. انتهى.
وفي "القاموس": النكاح: الوطء والعقد. انتهى.
وخص المؤمنات (١) بالذكر مع أن هذا الحكم الذي في الآية يستوي فيه المؤمنات والكتابيات، تنبيهًا على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيّرًا لنطفته، ويجتنب عن مصاحبة الفواسق، فما بال الكوافر. فالتي في سورة المائدة تعليم ما هو جائز غير محرم من نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وهذه فيها تعليم ما هو أولى بالمؤمنين من نكاح المؤمنات، وقد قيل: الجنس يميل إلى الجنس. وفي "فتح الرحمن": التقييد بالمؤمنات خرج مخرج الغالب، وإلا فالكتابيات مثلهن فيما ذكر في الآية. انتهى.
﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾؛ أي: أطلقتموهن من عقال النكاح، وفككتموهن من حبله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: من قبل أن تجامعوهن، فإن المس، أي: اللمس كنايةٌ عن الجماع.
وقرأ حمزة والكسائي (٢): ﴿تُماسوهن﴾ بضم التاء ومد الميم، وفائدة (٣) الإتيان بـ ﴿ثُمَّ﴾ إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخي الطلاق ربما تمكن الإصابة معه، فيؤثر في العدة كما يؤثر في النسب، فلا تفاوت في الحكم بين أن يطلقها وهي قريبة العهد من النكاح، وبين أن يطلقها وهي بعيدة منه.
стр. 10301
وفيه دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح، كما قال بعضهم: إنما النكاح عقدة، والطلاق يحلها. فكيف تحل عقدة لم تعقد؟. فلو قال: متى تزوجت فلانة، أو كل امرأة أتزوجها .. فهي طالق، لم يقع عليه طلاق إذا تزوج. عند الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يقع مطلقًا؛ لأنه تطليق عند وجود الشرط، إلا إذا زوجها فضولي، فإنها لم تطلق، كما في "المحيط". وقال مالك: إن عين امرأة بعينها، أو من قبيلة، أو من بلد، فتزوجها .. وقع الطلاق، وإن عمم فقال: كل امرأة أتزوجها من الناس كلهم لم يلزمه شيء.
والقول الصحيح الموافق لنص الكتاب والسنة: عدم وقوع الطلاق قبل النكاح، لحديث ابن عباس ﵄ قال: "جعل الله الطلاق بعد النكاح" وأخرجه البخاري في ترجمة باب بغير إسناد. ولحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا طلاق قبل النكاح".
ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: "لا طلاق فيما لا تملك، ولا عتق فيما لا تملك، ولا بيع فيما لا تملك". أخرجه أبو داود والترمذي بمعناه.
ثم إن (١) حكم الخلوة التي يمكن معها المساس في حكم المساس عند أبي حنيفة وأصحابه. والخلوة الصحيحة: غلق الرجل الباب على منكوحته بلا مانع وطءٍ من الطرفين، وهو ثلاثة:
حسي: كمرض يمنع الوطأ، ورتق وهو: انسداد موضع الجماع، بحيث لا يستطاع.
وشرعي: كصوم رمضان دون صوم التطوع، والقضاء والنذر والكفارة على الصحيح؛ لعدم وجوب الكفارة بالإفساد، وكإحرام فرض أو نفل، فإن الجماع مع الإحرام يفسد النسك، ويوجب دمًا مع القضاء.
وطبعي: كالحيض والنفاس؛ إذ الطباع السليمة تنفر منها، فإذا خلا بها في
стр. 10302
محل خال عن غيرهما حتى عن الأعمى والنائم، بحيث أمنا من إطلاع غيرهما عليهما بلا إذنهما .. لزمه تمام المهر؛ لأنه في حكم الوطء، ولو كان خصيًا، وهو مقطوع الأنثيين، أو عنينًا، وهو الذي لا يقدر على الجماع، وكذا لو كان مجبوبًا، وهو مقطوع الذكر. وفرض الصلاة مانع كفرض الصوم للوعيد على تركها، والعُدَّة تجب بالخلوة، ولو مع المانع احتياطًا لتوهم شغل الماء، ولأنها حق الشرع والولد.
واعلم: أن الحيض والنفاس والرتق من الأعذار المخصوصة بالمرأة، وأما المرض والإحرام والصوم .. فتعتبر في كل من الرجل والمرأة، وتعد مانعًا بالنسبة إلى كليهما، كما في تفسير "أبي الليث".
﴿فَمَا لَكُمْ﴾ أيها الأزواج ﴿عَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: على المطلقات قبل الدخول ﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾؛ أي: أيام معدودة بالأشهر، أو بالأقراء، ينتظرن انقضاءها في زواجها للغير. وعدة المرأة: هي الأيام التي بانقضائها تحل للزوج. وجملة ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾؛ أي: تحسبونها، في محل الجر على أنها صفة ﴿عِدَّةٍ﴾؛ أي: تستوفون عددها، أو تعدونها وتحصونها بالأقراء إن كانت من ذوات الحيض، أو بالأشهر إن كانت آيسةً، وفي الإسناد إلى (١) الرجال دلالة على أنَّ العدة حقهم، كما أشعر به ﴿فَمَا لَكُمْ﴾.
فدلت الآية على أنه لا عدة على غير المدخول بها، وهذا من الأمر المجمع عليه، كما حكاه القرطبي؛ لبراءة رحمها من نطفة الغير، فإن شاءت تزوجت من يومها، وكذا إذا تيقن بفراغ رحم الأمة من ماء البائع، لم يستبرىء عند أبي يوسف. وقالا أي: الشافعي وأحمد: إذا ملك جارية، ولو كانت بكرًا، أو مشتراة ممن لا يطأ أصلًا، مثل المرأة والصبي والعنين والمجبوب، أو شرعًا كالمحرم رضاعًا أو مصاهرة، أو نحو ذلك .. حرم عليه وطؤها ودواعيه، كالقبلة والمعانقة والنظر إلى فرجها بشهوة، أو غيرها حتى يستبرىء بحيضة، أي: يطلب براءة رحمها من الحمل.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ بتشديد الدال، افتعل من: العد؛ أي: تستوفون
стр. 10303
عددها، من قولهم: عدَّ الدراهم فاعتدها؛ أي: استوفى عددها.
وقرأ ابن كثير في رواية عنه، وأهل مكة: بتخفيفها، وفي هذه القراءة وجهان:
أحدهما: أن تكون بمعنى الأولى مأخوذة من الإعتداد؛ أي: تستوفون عددها, ولكنهم تركوا التضعيف لقصد التخفيف.
والوجه الثاني: أن يكون المعنى: تعتَدُون فيها، والمراد بالإعتداء هذا: هو ما في قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، فيكون الآية على القراءة الأخيرة: فما لكم عليهن من عدة تعتدون عليهن فيها بالمضارة. وقد أنكر ابن عطية صحة هذه القراءة عن ابن كثير، وقال: إن البزي غلط عليه.
وهذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وبقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. وتخصص من هذه الآية المتوفى عنها زوجها، فإنه إذا مات بعد العقد عليها، وقبل الدخول بها .. كان الموت كالدخول، فتعتد أربعة أشهر وعشرًا.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾؛ أي: فأعطوهن المتعة، وهي: درع وخمار وملحفة، كذا قيل. وهو محمول على إيجاب المتعة إن لم يسم لها مهر عند العقد، وعلى استحبابها إن سمي ذلك، فإنه إن سمي المهر عنده، وطلق قبل الدخول، فالواجب نصفه دون المتعة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؛ أي: فالواجب عليكم نصف ما سميتم لهن من المهر.
﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾؛ أي: أخرجوهن من منازلكم؛ إذ ليس لكم عليهن من عدة ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾؛ أي: إخراجًا حسنًا، أي: من غير ضرار ولا منع حق. وقيل: السراح الجميل: أن لا يطالبها بما كان قد أعطاها. وفي "كشف الأسرار": معنى الجميل: أن لا يكون الطلاق جور الغضب، أو طاعة لغيره، وأن لا يكون ثلاثًا بتًا، أو لمنع صداق، انتهى. والمراد بالسراح هنا: الإخراج من المنازل كما سبق، ولا يصح تفسير السراح بالطلاق السني, لأنه إنما يتسنى في المدخول بها، والضمير لغير المدخول بها.
وفي "التأويلات النجمية": وفي الآية إشارة إلى كرم الأخلاق، يعنى: إذا نكحتم المؤمنات، ومالت قلوبهن إليكم، ثم آثرتم الفراق قبل الوصال، فكسرتم
стр. 10304
قلوبهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتعوهن ليكون لهن عليكم تذكرةً في أيام الفرقة، وأوائلها إلى أن تتوطن نفوسهن على الفرقة، وسرحوهن سراحًا جميلًا، بأن لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير، ولا تستردوا منهن شيئًا تفضلتم به معهن، فلا تجمعوا عليها الفراق بالحال، والإضرار من جهة المال. انتهى.
وينبغي للمؤمن (١): أن لا يؤذي أحدًا بغير حق، ولو كلبًا أو خنزيرًا، ولا يظلم، ولو بشق تمرة، ولو وقع شيء من الأذى والجور .. يجب الاستحلال والإرضاء، ورأينا كثيرًا من الناس في هذا الزمان يطلقون ضرارًا، ويقعون في الإثم مرارًا، ويخالعون على المال بعد الخصومات، كأنهم غافلون عما بعد الممات.
ومعنى الآية (٢): أي يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتم على المؤمنات، وتزوجتموهن، ثم طلقتموهن من قبل المسيس، فلا عدة لكم عليهن بأيام يتربصن بها تستوفون عددها, ولكن اكسوهن كسوة تليق بحالهن إذا خرجن وانتقلن من بيت إلى آخر. ويختلف ذلك باختلاف البيئة والبلد الذي تعيش فيه المرأة، وأخرجوهن إخراجًا جميلًا، فهيئوا لهن من المركب والزاد وجميل المعاملة ما تقرّ به أعينهن، ويسر به أهلوهن، ليكون في ذلك بعض السلوة مما لحقهن من أذى بقطع العشرة التي كن ينتظرن دوامها، ومن الخروج من بيوت كن يرجون أن تكون هي المقام إلى أن يلاقين ربهن، أو تموت عنهن بعولتهن.
روى البخاري عن سهل بن سعد، وأبي أسيد ﵄ قالا: إن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شراحيل، فلما أن دخلت عليه .. بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها، ويكسوها ثوبين رازقيين - ضَرْبٌ من الثياب مشهور في ذلك الحين -.
٥٠ - وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ...﴾ الآية، ذكر الله سبحانه في هذه الآية أنواع الأنكحة التي أحلها لرسوله ﷺ ، وبدأ بأزواجه اللاتي قد أعطاهن أجورهن؛ أي: مهورهن، فقال: يا أيها النبي الكريم ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾؛ أي: أبحنا لك بعظمتنا ﴿أَزْوَاجَكَ﴾؛ أي: نساءك ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ﴾ هن، وأعطيت ﴿أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: مهورهن، عبَّر عن
стр. 10305
المهر بالأجر؛ لأن المهر أجر على البضع؛ أي: على المباشرة به، وإيتاؤها؛ إما إعطاؤها معجلة، أو تسميتها في العقد، وأيًا ما كان أجزأ.
واختلف (١) في معنى ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ فقال ابن زيد والضحاك: إن الله أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها، فتكون الآية مبيحة له لجميع النساء ما عدا ذوات المحارم. وقال الجمهور: المراد: أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك؛ لأنهن قد اخترنك على الدنيا وزينتها، وهذا هو الظاهر؛ لأن قوله: ﴿أَحْلَلْنَا﴾، و ﴿آتَيْتَ﴾ ماضيان، وتقييد الإحلال بإيتاء الأجور ليس لتوقف الحل عليه؛ لأنه يصح العقد بلا تسمية، ويجب مهر المثل مع الوطء، والمتعة مع عدمه، فكأنه لقصد الإرشاد إلى ما هو الأفضل. ففي (٢) وصفهن بـ ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ تنبيه على أن الله سبحانه اختار لنبيه ﷺ الأفضل والأولى؛ لأن إيتاء المهر أولى وأفضل من تأخيره؛ ليتقصى الزوج عن عهدة الدين، وشغل ذمته به، ولأن تأخيره يقتضي أنه يستمتع بها مجانًا دون عوض تسلمته، والتعجيل كان سنة السلف، لا يعرف منهم غيره.
والمعنى (٣): أي يا أيها النبي إنا أحللنا لك الأزواج اللاتي أعطيتهن مهورهن، وقد كان مهره ﷺ لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونصفًا؛ أي: خمس مئة درهم، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإنه أمهرها عنه النجاشي ﵀، أربع مئة درهم.
﴿وَ﴾ أحللنا لك ﴿مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ويدك أي: السراري اللاتي دخلن في ملكك حالة كونها ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ سبحانه، ورده ﴿عَلَيْكَ﴾ من الكفار بالغنيمة لنسائهم المأخوذات على وجه القهر والغلبة. وليس المراد بهذا القيد إخراج ما ملكه بغير الغنيمة، فإنه تحل له السرية المشتراة والموهوبة والمهداة، ولكنه إشارة إلى ما هو الأفضل والأطيب؛ لأنها إذا كانت مسبية، فملكها مما غنمه الله من أهل دار الحرب .. كانت أحل وأطيب مما تشترى من الجلب، فما سبط من دار الحرب قيل فيه: سبط طيبة، وممن له عهد قيل فيه: سبي خبيثة، وفيء الله لا يطلق إلا على الطيِّب.
стр. 10306
والمعنى: أي وأحللنا لك الإماء اللواتي سبيتهن فملكتهن بالسباء، وصرن لك من الفيء، بفتح الله عليك، وقد ملك صفية بنت حيي بن أخطب في سبي خيبر، ثم أعتقها، وجعل صداقها عتقها، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق أعتقها، ثم تزوجها، وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية أم إبراهيم، وكانتا من السراري.
وقال في "إنسان العيون": إن سراريه ﷺ أربع: مارية القبطية أم سيدنا إبراهيم ﵁، وريحانة، وجاريةٌ وهبتها له ﷺ زينب بنت جحش، وأخرى اسمها: زليخا القرظية. انتهى.
وكون ريحانة بنت يزيد من بني النضير سرية أضبط على ما قاله العراقي (١)، وزوجة أثبت عند أهل العلم على ما قاله الحافظ الدمياطي. وأما صفية بنت حيي الهارونية من غنائم خيبر، وجويرية بنت الحارث بن أبي صوار الخزاعية المصطلقية، وإن كانتا من المسبيات، لكنه ﷺ أعتقهما، فتزوجهما، فهما من الأزواج لا من السراري على ما بيِّن في كتب السير، فالوجه أنَّ المعنى: مما أفاء الله؛ أي: أعاده عليك بمعنى: صيره لك، ورده لك بأي جهة كانت هديةً أو سبية.
﴿وَ﴾ أحللنا لك ﴿بَنَاتِ عَمِّكَ﴾ والبنت: مؤنث الابن، والعم: أخو الأب؛ أي: وأحللنا لك نساء قريش من أولاد عبد المطلب وأعمامه ﷺ اثنا عشر:
الحارث، وأبو طالب، والزبير، وعبد الكعبة، وحمزة، والمقوم - بفتح الواو المشددة وكسرها - والمغيرة، والعباس، وضرار، وأبو لهب، وقثم، ومصعب، ولم يسلم من أعمامه الذين أدركوا البعثة إلا حمزة والعباس.
وبنات أعمامه ﷺ : ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وكانت تحت المقداد، وأم الحكيم بنت الزبير، وكانت تحت النضر بن الحارث، وأم هانىء بنت أبى طالب، اسمها: فاختة، وجمانة بنت أبي طالب، وأم حبيبة، وآمنة، وصفية بنات العباس بن عبد المطلب، وأروى بنت الحارث بن عبد المطلب.
﴿و﴾ أحللنا لك ﴿بَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ جمع عمة، والنعمة: أخت الأب.
стр. 10307
وعماته ﷺ ست:
أم حكيم، واسمها: البيضاء، وعاتكة، وبرة، وأروى، وأميمة، وصفية، ولم تسلم من عماته اللاتي أدركن البعثة من غير خلاف إلا صفية أم الزبير بن العوام، أسلمت وهاجرت، وماتت في خلافة عمر ﵁.
واختلف في إسلام عاتكة، وأروى، ولم يتزوج رسول الله ﷺ من بنات أعمامه دينًا، وأما بنات عماته دينًا .. فكانت عنده منهن زينب بنت جحش بن رباب؛ لأن أمها أميمة بنت عبد المطلب، كما في "التكملة".
﴿و﴾ أحللنا لك ﴿بَنَاتِ خَالِكَ﴾ والخال: أخ الأم. ﴿وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ جمع: خالة، والخالة: أخت الأم، والمراد: نساء بني زهرة، يعني أولاد عبد مناف بن زهرة، لا إخوة أمه، ولا أخواتها؛ لأن آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ لم يكن لها أخ ولا أخت، فإذا لم يكن له ﷺ خال ولا خالة .. فالمراد بذلك: الخال والخالة عشيرة أمه؛ لأن بني زهرة يقولون: نحن أخوال النبي ﷺ ؛ لأن أمه منهم، ولهذا قال ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: "هذا خالي".
وإنما خص هؤلاء بالذكر تشريفًا لهن، كما قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾، وإنما (١) أفرد العم والخال، وجمع العمات والخالات في الآية، وإن كان معنى الكل الجمع؛ لأن لفظ العم والخال لما كان يعطي المفرد معنى الجنس .. استغني فيه عن لفظ الجمع تخفيفًا للفظ، ولفظ العمة والخالة، وإن كان يعطي معنى الجنس .. ففيه الهاء، وهي تؤذن بالتحديد والإفراد، فوجب الجمع لذلك. ألا ترى أن المصدر إذا كان بغير هاء لم يجمع، وإذا حدد بالهاء جمع، هكذا ذكره الشيخ أبو علي ﵀. كذا في "التكملة".
وعبارة "فتح الرحمن" هنا (٢): وإنما أفراد العم والخال، وجمع العمات والخالات؛ لأن العم والخال بوزن مصدرين، وهما: الضم، والمال، والمصدر يستوي فيه المفرد والجمع، بخلاف العمة والخالة، ولا يرد على ذلك جمع العم والخال في قوله في النور: ﴿أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
стр. 10308
أَخْوَالِكُمْ﴾؛ لأنهما ليسا مصدرين حقيقة، فاعتبر هنا حقيقتهما، وثم شبههما.
وقوله: ﴿اللَّاتِي﴾ صفة للبنات؛ أي: وأحللنا لك البنات المذكورة اللاتي ﴿هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾؛ أي: خرجن معك من مكة إلى المدينة، وفارقن أوطانهن، والمراد بالمعية (١): المتابعة له ﷺ في المهاجرة، سواء وقعت قبله أو بعده أو معه، وتقييد البنات بكونها مهاجرات معه للإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر، وللتنبيه على الأليق والأفضل له ﷺ ، فالهجرة وصفهن، لا بطريق التعليل كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، ويحتمل تقييد الحل بذلك في حقه ﷺ خاصةً، وأن من هاجر معه منهن يحل له نكاحها، ومن لم تهاجر لم تحل، ويعضده قول أم هانىء بنت أبي طالب: خطبني رسول الله ﷺ ، فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله هذه الآية، فلم أحل له؛ لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. وهم الذين أسلموا بعد الفتح، أطلقهم رسول الله ﷺ حين أخذهم، ولفائدة التقييد بالهجرة أعاد هنا ذكر بنات العم والعمات والخال والخالات، وإن كنَّ داخلات تحت عموم قوله تعالى عند ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، وأول بعضهم الهجرة في هذه الآية على الإسلام؛ أي: أسلمن معك، فدل ذلك على أنه لا يحل له نكاح غير المسلمة.
وقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ بالنصب معطوف على مفعول ﴿أَحْلَلْنَا﴾؛ إذ ليس معناه إنشاء الإحلال الناجز، بل إعلام مطلق الإحلال المنتظم لما سبق ولحق، والمعنى: وأحللنا لك امرأة مؤمنة بالله مصدِّقة بالتوحيد. ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ تلك المرأة ﴿نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ ﷺ ؛ أي: لك بغير صداق، والالتفات للإيذان بأن هذا الحكم مخصوص به لشرف نبوته، وأما من لم تكن مؤمنة .. فلا تحل لك بمجرد هبتها نفسها لك. والهبة: أن تجعل ملكك لغيرك بغير عوض. والحرة لا تقبل الهبة، ولا البيع، ولا الشراء؛ إذ ليست بمملوكة، فمعناه: إن ملَّكته بضعها بلا مهر، بأي عبارة كانت من: الهبة، والصدقة، والتمليك، والبيع، والشراء، والنكاح، والتزويج، وكان من خصائصه ﷺ أن النكاح ينعقد في حقه بلفظ الهبة وغيرها من غير ولي ولا شهود ولا مهر؛ لقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 10309
ومعنى الشرط إن اتفق ذلك، أي: وجد اتفاقًا، ولكن ليس ذلك بواجب عليك بحيث يلزمك قبول ذلك، بل مقيَّد بإرادتك، ولهذا قال: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ ﷺ ﴿أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾؛ أي: أن يجعلها منكوحة له، ويتملك بضعها بتلك الهبة لا بمهر ابتداءً وانتهاءً، وهذا شرط للشرط الأول في استيجاب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له حلها إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول.
وقيل (١): إنه لم ينكح النبي ﷺ من الواهبات أنفسهن أحدًا، ولم يكن عنده منهن شيء، وقيل: كان عنده منهن خولة بنت حكيم، كما في "صحيح البخاري" عن عائشة. وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث، وقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الأنصارية أم المساكين، وقيل غير ذلك.
ثم بين سبحانه أن هذا النوع من النكاح خاص برسول الله ﷺ ، لا يحل لغيره من أمته فقال: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ إما حال من فاعل ﴿وَهَبَتْ﴾، قاله الزجاج. أي: حالة كون تلك الواهبة خالصة لك، وخاصة بك. ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإن الإحلال للمؤمنين إنما يتحقق بالمهر، أو بمهر المثل إن لم يسم عند العقد، ولا يتحقق بلا مهر أصلًا، أو مصدر مؤكد لعامله المحذوف كالكاذبة؛ أي: خلص لك إحلال المرأة المؤمنة الواهبة خالصةً؛ أي: خلوصًا.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَامْرَأَةً﴾ بالنصب ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ بكسر الهمزة؛ أي: أحللناها لك إن وهبت. وقرأ أبو حيوة: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ أي: أحللناها لك. وقرأ أبي والحسن والشعبي وعيسى وسلام: ﴿أن وهبت﴾ بفتح الهمزة على تقدير لام العلة؛ أي: لأن وهبت، أو على أنه بدل من امرأة بدل اشتمال، وذلك حكم في امرأة بعينها، فهو فعل ماض.
وقراءة الكسر استقبال في كل امرأة كانت تهب نفسها دون واحدة بعينها. وقرأ زيد بن علي: ﴿إذ وهبت﴾ ظرف لما مضى، فهو في امرأة بعينها. وقرأ الجمهور: ﴿خَالِصَةً﴾ بالنصب، فهو مصدر مؤكد كوعد الله، وصبغة الله؛ أي: أخلص لك إخلاصًا، فأحللنا لك خالصةً بمعنى خلوصًا، ويجيء المصدر على فاعل وفاعلة،
стр. 10310
وقال الزمخشري: والفاعل والفاعلة في المصادر عليَّ غير عزيزين، كالخارج، والقاعد، والعاقبة، والكاذبة. انتهى.
وليس كما ذكر، بل هما عزيزان، وقد تتأول هذه الألفاظ على أنها ليست مصادر، وقرىء بالرفع على أنها صفة لامرأة على قراءة من قرأ: ﴿امرأة﴾ بالرفع.
وقد أجمع (١) العلماء على أن هذا خاص بالنبى ﷺ وأنه لا يجوز ولا ينعقد النكاح بهبة المرأة نفسها، إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه أنه يصح النكاح إذا وهبت، وأشهد هو على نفسه بمهر، وأما بدون مهر، فلا خلاف في أن ذلك خاص بالنبي، ولهذا قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أوجبنا على المؤمنين ﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾؛ أي: في حقهن من شرائط العقد وحقوقه، فإن ذلك حق عليهم مفروض، لا يحل لهم الإخلال به، ولا اقتداء برسول الله ﷺ فيما خصه الله به توسعة عليه، وتكريمًا له، فلا يتزوجوا إلا أربعة بمهر وولي وشهود.
﴿وَ﴾ ما فرضنا عليهم في حق ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وأيديهم من الأحكام؛ أي: وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم من كونهن ممن يجوز سبيه وحربه، لا ممن لا يجوز سبيه كالمعاهدين، وأهل الذمة.
وقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ قال المفسرون: هذا يرجع إلى أول الآية؛ أي: أحللنا لك أزواجك، وما ملكت يمينك، والواهبة نفسها لك لكيلا يكون عليك حرج. فتكون اللام متعلقةً بـ ﴿أَحْلَلْنَا﴾، وقيل: متعلقة بـ ﴿خَالِصَةً﴾، والأول أولى. ولام كي دخلت على كي للتوكيد؛ أي: لئلا يكون عليك ضيق في أمر النكاح، فقوله: قد علمنا .. الخ اعتراض بين قوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ وبين متعلَّقه، وهو ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، مقرر لما قبله من خلوص الإحلال المذكور لرسول الله، وعدم تجاوزه للمؤمنين ببيان أنه قد فرض عليهم من شرائط العقد وحقوقه ما لم يفرض عليه، تكرمة له، وتوسعة عليه.
أي: قد علمنا ما ينبغي أن يفرض عليهم في حق أزواجهن، ومملوكاتهم، وعلى أيّ حد، أو على أي صفة يحق أن يفرض عليهم، ففرضنا ما فرضنا على
стр. 10311
ذلك الوجه، وخصصناك ببعض الخصائص، كالنكاح بلا مهر وولي وشهود، ونحوها.
وفسروا المفروض في حق الأزواج بالمهر، والولي، والشهود، والنفقة، ووجوب القسم، والاقتصار على الحرائر الأربع، وفي حق المملوكات بكونهن ملكًا طيبًا، بأن تكون من أهل الحرب، لا ملكًا خبيثًا، بأن تكون من أهل العهد.
وفي الحديث: "الصلاة وما ملكت أيمانكم"؛ أي: احفظوا الصلوات الخمس، والمماليك بحسن القيام بما يحتاجون إليه من الطعام والكسوة وغيرها، وبغير تكليف على ما لا يطيقون من العمل، وترك التعذيب، قرنه ﵊ بأمر الصلاة إشارةً إلى أن حقوق المماليك واجبة على السادات وجوب الصلوات.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿غَفُورًا﴾؛ أي: فيما يعسر التحرز عنه ﴿رَحِيمًا﴾؛ أي: منعمًا على عباده بالتوسعة في مظان الحرج، ونحوه؛ أي: يغفر الذنوب ويرحم العباد، ولذلك وسع الأمر ولم يضيقه.
٥١ - ﴿تُرْجِي﴾ وتؤخر يا محمد ﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾؛ أي: من أزواجك، وتترك مضاجعتها من غير نظر إلى نوبة وقسم وعدل. ﴿وَتُؤْوِي﴾ وتضم إليك ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ منهن، وتضاجعها من غير التفات إلى نوبة وقسمة أيضًا. فالاختيار بيديك في الصحبة بمن شئت، ولو أيامًا زائدة على النوبة، وكذا في تركها، والمعنى: أي تؤخر وتترك مضاجعة من تشاء من أزواجك، وتضاجع من تشاء منهن، ولا يجب عليك قسم بينهن، بل الأمر في ذلك إليك، على أنه كان يقسم بينهن، وقد كان القسم واجبًا عليه حتى نزلت هذه الآية، فارتفع الوجوب، وصار الخيار إليه، وذلك لأنه ﷺ بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع، أو المعنى: تطلِّق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء، أو المعنى: تترك تزوج من شئت من نساء أمتك، وتتزوج من شئت، كما في "بحر العلوم". وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، وسيأتي بيان ذلك.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص: ﴿تُرْجِي﴾ بياء ساكنة، والباقون: بهمزة مضمومة، وهما لغتان، يقال: أرجأت الأمر، وأرجيته، إذا أخرته.
стр. 10312
و ﴿مَنِ﴾ في قوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ مبتدأ بمعنى الذي، أو شرط نصب بقوله: ﴿ابْتَغَيْتَ﴾، وخبر المبتدأ، أو جواب الشرط على كلا التقديرين ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾؛ أي: ومن ابتغيت وطلبت مضاجعتها حالة كونها ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ ـها، وتركتها، وطلقتها أولًا بالرجعة ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾؛ أي: فلا إثم ولا لوم ولا عتاب ولا ضيق ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمد في شيء مما ذكر من الأمور الثلاثة.
والحاصل: أن الله سبحانه فوض الأمر إلى رسوله يصنع في زوجاته ما شاء من تقديم وتأخير، وعزل وإمساك، وضم من أرجأ، وإرجاء من ضمَّ إليه، وما شاء في أمرهن فعل، توسعةً عليه، ونفيًا للحرج عنه.
والمعنى (١): أي ومن دعوت إلى فراشك، وطلبت صحبتها ممن عزلت عن نفسك بالطلاق، فلا ضيق عليك في ذلك.
والخلاصة: أنه لا ضير عليه إذا أراد إرجاع من طلَّقها من قبل، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض، وهو إما أن يطلِّق، وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وقسم أو لم يقسم، وإذا طلَّق؛ فإما أن لا يبتغي المعزولة، أو يبتغيها.
والجمهور على أن الآية نزلت في القسم بينهن، فإن التسوية في القسم كانت واجبة عليه ﷺ ، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه، وصار الاختيار إليه فيهن، وكان ذلك من خصائصه ﷺ .
ويروى: أن أزواجه ﵊ لما طلبن زيادة النفقة، ولباس الزينة .. هجرهن شهرًا حتى نزلت آية التخيير، وروى ابن جرير عن أبي رزين قال: لما نزلت آية التخيير .. أشفقن أن يطلقهن، فقلن: يا رسول الله، اجعل لنا من مالك ومن نفسك ما شئت، ودعنا كما نحن، فنزلت هذه الآية، فأرجأ رسول الله ﷺ منهن خمسًا أم حبيبة، وميمونة، وسودة، وصفية، وجويرية، فكان يقسم لهن ما شاء، وآوى إليه أربعًا: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان يقسم بينهن سواء، ويروى أنه ﷺ لم يخرج أحدًا منهن عن القسم، بل كان يسوي بينهن مع ما أطلق له وخيَّر فيه إلا سودة، فإنها رضيت بترك حقها من القسم، ووهبت ليلتها
стр. 10313
لعائشة، وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
ثم بين السبب في الإيواء والإرجاء، وأنه كان ذلك في مصلحتهن، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من تفويض الأمر إلى مشيئتك ﴿أَدْنَى﴾ وأقرب إلى ﴿أَنْ تَقَرَّ﴾ وتبرد ﴿أَعْيُنُهُنَّ﴾ وتطيب أنفسهن ﴿و﴾ إلى أن ﴿لَا يَحْزَنَّ﴾، ولا يتأسفن بما فعلت بهن من إيثار بعض على بعض.
﴿وَ﴾ إلى أن ﴿يَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾؛ أي: ويرضين كلهن بما آتيتهن، وقسمت لهن من العدل بينهن تفضلًا وتكرمًا منك، وقوله: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ بالرفع تأكيد لفاعل ﴿يرضين﴾، وهو النون؛ أي: ذلك المذكور أقرب (١) إلى قرة عيونهن، وقلة حزنهن، ورضاهن جميعًا؛ لأنه حكم كلهن فيه سواء، ثم إن سويت بينهن .. وجدت ذلك تفضلًا منك، وإن رجحت بعضهن .. علمن أنه بحكم الله، فتطمئن به نفوسهن، ويذهب التنافس والتغاير، فرضين بذلك، فاخترنه على الشرط، ولذا قصره الله عليهن، وحرم عليه طلاقهن، والتزوج بسواهن، وجعلهن أمهات المؤمنين.
والمعنى: أي إنهن إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أيِّ ذلك فعلت، وأنت مع هذا تقسم لهن اختيارًا منك، لا وجوبًا عليك .. فرحن بذلك، واستبشرن به، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن وعدلك بينهن.
والخلاصة: ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب إلى قرة عيونهن، وانتفاء حزنهن، ووجود رضاهن إذا علمن أن ذلك التفويض من عند الله تعالى، فحالة كل منهن كحالة الأخرى في ذلك.
وقرأ الجمهور: ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ مبنيًا للفاعل من: قرت العين، وقرأ ابن محيصن: ﴿تقر﴾ بضم التاء من: أقرر الرباعي، ونصب ﴿أعينهن﴾، وفاعله: ضمير المخاطب؛ أي: أنت. وقرىء: ﴿تقر﴾ مبنيًا للمفعول، و ﴿أعينهن﴾ بالرفع. وقرأ الجمهور: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ بالرفع تأكيدًا لفاعل ﴿يرضين﴾، وهو: النون. وقرأ أبو إياس
стр. 10314
حوبة بن عانذ بالنصب تأكيدًا لضمير النصب في ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾.
﴿وَاللَّهُ﴾ وحده ﴿يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من الضمائر والخواطر، فاجتهدوا في إحسانها، أو يعلم ما قلوبكم من الميل إلى بعضهن دون بعض، مما لا يمكن دفعه، ومن الرضا بما دبَّر له في حقهن من تفويض الأمر إليه ﷺ .
روى أحمد عن عبد الله بن يزيد عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني: القلب، وزيادة الحب لبعض دون بعض. وفي هذا (١) حث على تحسين ما في القلوب، ووعيد لمن لم يرضَ منهن بما دبر الله له من ذلك، وفوضه إلى مشيئته، وبعث على تواطىء قلوبهن، والتصافي بينهن، والتوافق على رضا رسول الله ﷺ .
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمًا﴾ بالسرائر كالظواهر، فيعلم ما تبدونه وما تخفونه ﴿حَلِيمًا﴾ على ذنب من أذنب، فلا يعاجل أهل الذنوب بالعقوبة، ليتوب منهم من شاء له أن يتوب، وينيب من ذنوبه من ينيب، فلا تغتروا بتأخيرها، فإنه إمهال لا إهمال.
٥٢ - ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ قرأ الجمهور: ﴿لَا يَحِلُّ﴾ بالياء التحتية للفصل بين الفعل وفاعله المؤنث؛ ولأن تأنيث الجمع غير حقيقي، وإذا جاز التذكير بغير فصل في قوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ كان معه أجوز. وقرأ ابن كثير بالفوقية نظرًا إلى كون الفاعل جمعًا؛ أي (٢): لا تحل لك واحدة من النساء، مسلمةً كانت أو كتابية، لما تقرر عندهم أن حرف التعريف إذا دخل على الجمع .. يبطل الجمعية، ويراد الجنس، وهو كالنكرة يخص في الإثبات، ويعم في النفي، كما إذا حلف لا يتزوج النساء، ولا يكلم الناس، أو لا يشتري العبيد، فإنه يحنث بالواحد؛ لأن اسم الجنس حقيقة فيه.
أي: لا تحل لك يا محمد واحدة من النساء ﴿مِنْ بَعْدُ﴾؛ أي: من بعد هؤلاء التسع اللاتي خيرتهن بين الدنيا والآخرة فاخترنك؛ لأنه نصابك من الأزواج، كما
стр. 10315
أن الأربع نصاب أمتك منهن، أو لا يحل لك النساء بعد اليوم حتى لو ماتت واحدة منهن .. لم يحل له نكاح أخرى. ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ بحذف إحدى التاءين، والأصل: تتبدل. ﴿بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ مفعول ﴿تَبَدَّلَ﴾، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة لتأكيد النفي تفيد استغراق جنس الأزواج بالتحريم؛ أي: ولا يحل لك أن تتبدل بهؤلاء التسع أزواجًا أخر بكلهن أو بعضهن، بأن تطلق واحدةً وتنكح مكانها أخرى.
أراد الله لهن كرامة وجزاء على ما اخترن رسول الله ﷺ والدار الآخرة، لا الدنيا وزينتها، ورضين بمراده، فقصر رسوله عليهن، ونهاه عن تطليقهن، والاستبدال بهن.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾؛ أي: حسن المبدلات وجمالهن؛ أي: لا يحل لك التبدل بأزواجك، ولو أعجبك حسن غيرهن ممن أردت أن تجعلها بدلًا من إحداهن، والواو (١) الداخلة على ﴿لو﴾ عاطفة لمدخولها على حال محذوفة قبلها، وكلمة ﴿لو﴾ في أمثال هذا الموقع لا يلاحظ لها جواب.
والمعنى: ولا يحل لك أن تستبدل بهن حال كونك لو لم يعجبك حسن الأزواج المستبدلة وجمالهن، ولو أعجبك حسنهن؛ أي: لا يحل لك الاستبدال حال عدم إعجاب حسنهن إياك، وحال إعجابه؛ أي: لا يحل لك على كل حال، ولو في هذه الحالة، فالمراد بـ ﴿لو﴾ هنا: استقصاء الأحوال وتعميمها.
قال ابن عباس ﵄: المرأة التي أراد النبي ﷺ استبدالها هي: أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، لما استشهد .. أراد رسول الله ﷺ أن يخطبها، فنهاه الله عن ذلك، فتركها، فتزوجها أبو بكر بإذن رسول الله ﷺ ، فهي ممن أعجبه حسنهن. وفي "التكملة": قيل: يريد حبابة أخت الأشعث بن قيس. انتهى.
وفي الحديث: "شارطت ربي أن لا أتزوج إلا من تكون معي في الجنة" فأسماء أو حبابة لم تكن أهلًا لرسول الله في الدنيا, ولم تستأهل أن تكون معه في مقامه في الجنة، فلذا صرفها الله عنه، فإنه تعالى لا ينظر إلى الصورة، بل إلى
стр. 10316
المعنى. وفي الحديث: "من نكح امرأة لمالها وجمالها .. حرم مالها وجمالها، ومن نكحها لدينها .. رزقه الله مالها وجمالها".
وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ويدك، استثناء من النساء؛ لأنه يتناول الأزواج والإماء، فإنه يحل له أن يتسرى بهن. قال ابن عباس ﵄: ملك بعد هؤلاء التسع: مارية القبطية، فولدت له ﷺ إبراهيم، ابنه ﷺ .
وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية على أقوال (١):
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة الحسن وابن سيرين وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابن زيد وابن جرير: إنها محكمة، وإنه حرم على رسول الله ﷺ أن يتزوج على نسائه، مكافأة لهن بما فعلن من اختيار الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله ﷺ بأمر الله له بذلك.
وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: لما حرم الله عليهن أن يتزوجن من بعده .. حرم عليه أن يتزوج غيرهن، وقال أبي بن كعب وعكرمة وأبو رزين: إن المعنى: لا يحل لك النساء من بعد الأصناف التي سماها الله تعالى. قال القرطبي: وهو اختيار ابن جرير، وقيل: لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات؛ لأنهن لا يصح أن يتصفن بأنهن أمهات المؤمنين، وهذا القول فيه بعد؛ لأنه يكون التقدير: لا يحل لك النساء من بعد المسلمات، ولم يجر للمسلمات ذكر، وقيل: هذه الآية منسوخة بالسنة، وبقوله سبحانه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، وبهذا قالت عائشة ﵂، وأم سلمة، وعلي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين، وهذا هو الراجح.
ويدل لهذا القول ما أخرجه ابن سعد وابن أبي حاتم عن أم سلمة قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحلَّ الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله سبحانه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ...﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود في "ناسخه"، والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر، والحاكم
стр. 10317
وصححه، وابن مردويه والبيهقي من طريق عطاء عن عائشة قالت: لم يمت النبي ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم لقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية.
وقد اختلف العلماء أيضًا في تحليل الأمة الكافرة له ﷺ (١):
القول الأول: أنها تحل للنبي ﷺ ؛ لعموم هذه الآية، وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحكم.
والقول الثاني: أنها لا تحل له تنزيهًا لقدره عن مباشرة الكافرة، ويترجح القول الأول بعموم هذه الآية، وتعليل المنع بالتنزيه ضعيف، فلا تنزه عما أحله الله له، فإن ما أحله .. فهو طيب لا خبيث باعتبار ما يتعلق بأمور النكاح، لا باعتبار غير ذلك، فالمشركون نجس بنص القرآن، ويمكن ترجيح القول الثاني بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فإنه نهي عام.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾؛ أي: حافظًا مهيمنًا مطلعًا عليه، لا يخفى عليه شيء، ولا يفوته شيء، فتحفظوا ما أمركم به، ولا تتخطوا ما حد لكم. والرقيب في أسمائه تعالى: هو الذي لا يغفل ولا يذهل، ولا يجوز عليه ذلك، فلا يحتاج إلى مذكر ولا منبه، كما في "شرح الأسماء" للزورقي. وقد بسطت الكلام فيه في كتابي "هدية الأذكياء على طيبة الأسماء" فراجعه.
واجمال معنى الآية (٢): أي لا يحل لك النساء من بعد هؤلاء التسع اللاتي في عصمتك اليوم كفاء اختيارهن الله ورسوله، وحسن صنيعهن في ذلك. ولا يحل لك أن تستبدل بهن أزواجًا أخرى غيرهن، بأن تطلق واحدة منهن، وتنكح بدلها أخرى، مهما كانت بارعة في الحسب والجمال، إلا ما ملكت يمينك منهن، وقد ملك بعدهن مارية القبطية، أهداها له المقوقس القبطي، فتسراها، وأولدها إبراهيم، ومات رضيعًا، وكان الله سبحانه حافظًا ومطلعًا على كل شيء، عليمًا بالسر والنجوى، فاحذروا تجاوز حدوده، وتخطي حلاله إلى حرامه.
стр. 10318
وقد تضمنت الآية الكريمة حكمين (١):
١ - أن لا يتزوج ﵇ غيرهن.
٢ - أن لا يستبدل بهن غيرهن.
وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد زواجها، وقد روى أبو داود أن النبي ﷺ قال: "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل".
وعن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة، فقال لي النبي ﷺ : "هل نظرت إليها"؟ قلت: لا، قال: "انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما". أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.
٥٣ - ثم أدب الله سبحانه عباده بآداب ينبغي أن يتخلقوا بها لما فيها من الحكم الاجتماعية، والمزايا العمرانية، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمد ﷺ ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾؛ أي: حجرات النبي ﷺ في حال من الأحوال، وهذا (٢) نهي عام لكل مؤمن أن يدخل بيوت رسول الله ﷺ إلا بإذن منه، وسبب النزول ما وقع من بعض الصحابة في وليمة زينب بنت جحش، كما سبق في أسباب النزول.
فإن قلت: إن الله أضاف البيوت هنا إلى النبي، وفيما سبق إلى الأزواج؛ حيث قال: ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فبينهما معارضة؟
قلت: لا معارضة؛ لأن الإضافة فيما سبق إضافة سكن، وهنا إضافة ملك، كما يؤخذ من "الفتوحات".
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال، وهو في موضع نصب على الحال؛ أي: إلا مصحوبين بالإذن، أو بنزع الخافض؛ أي: إلا بأن يؤذن لكم، أو منصوب على الظرفية؛ أي: إلا وقت أن يؤذن لكم.
أي (٣): لا تدخلوا بيوت النبي في حال من الأحوال إلا حال كونكم مأذونًا
стр. 10319
لكم ومدعوين ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ ومأكول، وهو متعلق بـ ﴿يُؤْذَنَ﴾ على تضمينه معنى يدعى؛ لشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة، وإن أذن في الدخول، كما أشعر به قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، وهو حال من فاعل ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾ على أن الاستثناء وقع على الظرف والحال، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي ﷺ إلا حال الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين إناه؛ أي: غير منتظرين إناه؛ أي: نضجه وإدراكه واستواءه وصلاحيته للأكل. والأناه - بكسر الهمزة وبالقصر -: مصدر سماعي؛ لأنى الطعام إذا أدرك من باب رمى، وفيه إشارة إلى حفظ الأدب في الاستئذان، ومراعاة الوقت، وإيجاب الاحترام.
وقرأ الجمهور (١): ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ بالنصب على الحال، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿غير﴾ بالجر صفة لـ ﴿طَعَامٍ﴾. وقال الزمخشري: وليس بالوجه؛ لأنه جرى على غير من هو له، فمن حق ضمير غير ما هو له أن يبرز فيقال: إلى طعام غير ناظرين إناه أنتم، كقوله: هند زيد ضاربته هي. انتهى. وحذف هذا الضمير جائز عند الكوفيين، وقرأ الجمهور: ﴿إِنَاهُ﴾ مفردًا، والأعمش: ﴿إناءه﴾ بمدة بعد النون.
والمعنى (٢): يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت نبيِّه ﷺ إلا أن تدعوا إلى طعام تطعمونه غير منتظرين إدراكه ونضجه.
وخلاصة ذلك: أنكم إذا دعيتم إلى وليمة في بيت النبي ﷺ .. فلا تدخلوا البيت إلا إذا علمتم أنَّ الطعام قد تم نضجه، وانتهى إعداده؛ إذ قبل ذلك يكون أهل البيت في شغل عنكم، وقد يلبسن ثياب البذلة، فلا يحسن أن تروهن وهن على هذه الحالة إلى أنه ربما بدا من إحداهن ما لا يحل النظر إليه.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ من النهي عن الدخول بغير إذن، وفيه (٣) دلالة بيِّنة على أن المراد بالإذن إلى الطعام هو الدعوة إليه؛ أي: ولكن إذا أذن لكم في الدخول، ودعيتم إلى الطعام، فادخلوا بيوته على وجوب الأدب، وحفظ أحكام تلك الجلسة.
стр. 10320
﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ الطعام وأكلتم وتناولتموه .. فإن الطعم تناول الغذاء ﴿فَانْتَشِرُوا﴾؛ أي: فأخرجوا من منزله، وتفرقوا واذهبوا حيث شئتم في الحال، ولا تمكثوا بعد الأكل والشرب. أمرهم سبحانه بالانتشار بعد الطعام، وهو التفرق، والمراد: الإلزام بالخروج من المنزل الذي وقعت الدعوة إليه عند انقضاء المقصود من الأكل.
وفي قوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ لطيفة، وهي (١): أن في العادة إذا قيل لمن يعتاد دخول دار من غير إذن: لا تدخلها إلا بإذن .. يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلًا، ولا بالدعاء، قال: لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون، بل كونوا طائعين، إذا قيل لكم: لا تدخلوا فلا تدخلوا، وإذا قيل لكم: ادخلوا فادخلوا، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ يفيد الجواز، وقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ يفيد الوجوب فليس تأكيدًا، بل هو مفيد فائدة جديدة. اهـ "رازي".
والآية (٢) خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ ، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصة بهم وبأمثالهم، وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإذن لغير الطعام، ولا اللبث بعد الطعام لأمر مهم، وليس كذلك، كما سيأتي.
﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ هو مجرور عطفًا على ناظرين؛ أي: غير مستأنسين، أو منصوب على الحالية بعامل مقدر؛ أي: ولا تدخلوا ولا تمكثوا مستأنسين بحديث بعضكم مع بعض، أو بحديث أهل البيت بالسمع له، نهوا أن يطيلوا الجلوس، ويستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدِّثه به، أو يستأنسوا بالحديث مع أزواج النبي ﷺ ، واللام في قوله: ﴿لِحَدِيثٍ﴾ يحتمل أن تكون للعلة؛ أي: مستأنسين لأجل أن يحدث بعضكم بعضًا، وأن تكون المقوية للعامل؛ لأنه فرع؛ أي: لطلب اسم الفاعل للمفعول؛ أي: ولا مستأنسين حديث أهل البيت أو غيرهم، واستئناسه تسمعه. اهـ "سمين" ويحتمل أن تكون بمعنى الباء، والأنس: ضد الوحشة والنفور، كما سيأتي.
стр. 10321
والمعنى (١): أي ولكن إذا دعاكم الرسول ﷺ .. فادخلوا البيت الذي أذن لكم في دخوله، فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم إلى أكله .. فتفرقوا واخرجوا, ولا تمكثوا فيه لتتبادلوا ألوان الحديث وفنونه المختلفة.
وقال الرازي في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ إما أن يكون فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم، فلا يكون منعًا من الدخول في غير وقت الطعام بغير إذن، وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير، فيكون معناه: ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام، فيكون الإذن مشروطًا بكونه إلى طعام، فإن لم يؤذن إلى طعام .. فلا يجوز الدخول، فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام، فلا يجوز. فنقول: المراد هو الثاني؛ ليعم النهي عن الدخول، وأما كونه لا يجوز إلا بإذن إلى طعام .. فلما هو مذكور في سبب النزول: أن الخطاب مع قوم كانوا يتحينون حين الطعام، ويدخلون من غير إذن، فمنعوا من الدخول في وقتهم بغير إذن.
وقال ابن عادل: الأولى أن يقال: المراد هو الثاني؛ لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، وقوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ من باب التخصيص بالذكر، فلا يدل على نفي ما عداه، لا سيما إذا علم مثله، فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه .. جاز دخوله بإذنه إلى غير طعام. انتهى.
والأولى في التعبير عن هذا المعنى الذي أراده أن يقال: قد دلت الأدلة على جواز دخول بيوته ﷺ بإذنه لغير الطعام، وذلك معلوم لا شك فيه، فقد كان الصحابة وغيرهم يستأذنون عليه لغير الطعام، فياذن لهم، وذلك يوجب قصر هذه الآية على السبب الذين نزلت فيه، وهو القوم الذين كانوا يتحينون طعام النبي ﷺ ، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، وأمثالهم، فلا تدل على المنع من الدخول مع الإذن لغير ذلك، وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته باذنه لغير الطعام، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
قال ابن عطية: وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكِّر
стр. 10322
من شاء إلى الدعوة ينتظرون طبخ الطعام ونضجه، وكذلك إذا فرغوا منه .. جلسوا كذلك، فنهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي ﷺ ، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله لهم في ذلك، فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل، لا قبله لانتظار نضج الطعام.
وفي "التأويلات النجمية": إذا انتهت حوائجكم فأخرجوا ولا تتغافلوا, ولا يمنعكم حسن خلقه من حسن الأدب، ولا يحملنكم فرط احتشامه على الإبرام عليه، وكان حسن خلقه جسرهم على المباسطة معه، حتى أنزل الله سبحانه هذه الآية.
ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ الاستئناس بعد الأكل الدال على اللبث، ﴿كَانَ﴾ في علم الله سبحانه ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ ﷺ ؛ لتضييق المنزل عليه وعلى أهله، وشغله فيما لا يعنيه، والأذى: هو كل ما يصل إلى الإنسان من ضرر، كما سيأتي.
وقيل: إن (١) الإشارة بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ إلى الانتظار والاستئناس للحديث، وأشير إليهما بما يشار به إلى الواحد بتأويلهما بالمذكور، كما في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: إن ذلك المذكور من الأمرين كان يؤذي النبي ﷺ ، ويلحق به الضرر؛ لأنهم يضيقون عليه المنزل، وعلى أهله، ويتحدثون بما لا يريده. قال الزجاج: كان النبي ﷺ يحتمل إطالتهم كرمًا منه، فيصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله - سبحانه - من يحضره الأدب حتى صار أدبًا لهم، ولمن بعدهم.
﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾؛ أي: يستحيي أن يقول لكم قوموا أو اخرجوا ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿لَا يَسْتَحْيِي مِنَ﴾ بيان ﴿الْحَقِّ﴾ الذي هو الإخراج لكم؛ أي: لا يترك أن يبين لكم ما هو الحق، ولا يمتنع من بيانه وإظهاره، والتعبير عنه بعدم الاستحياء للمشاكلة، يعني: أن (٢) إخراجكم حق، فينبغي أن لا يترك حياء، ولذلك لم يتركه الله ترك الحيي، وأمركم بالخروج، وكان ﷺ أشدَّ الناس حياءً، وأكثرهم عن العورات إغضاءً، وهو التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته.
стр. 10323
وهذا أدب أدَّب الله به الثقلاء، وعن عائشة ﵂: حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم، وقال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، فينبغي للضيف أن لا يجعل نفسه ثقيلًا، بل يخفف الجلوس، وكذا حال العائد، فإن عيادة المرضى لحظة. قيل للأعمش: ما الذي أعمش عينيك؛ قال: النظر إلى الثقلاء، وقد قيل:
إِذَا دخَلَ الثَّقِيْلُ بِأرْضِ قَوْمٍ ... فَمَا لِلسَّاكِنِيْنَ سوَى الرَّحِيْلُ
وقيل: مجالسة الثقيل حمى الروح، وقيل لأنوشروان: ما بال الرجل يحمل الحمل الثقيل، ولا يحمل مجالسة الثقيل؟ قال: يحمل الحمل بجميع الأعضاء، والثقيل تنفرد به الروح. قيل: من حق العاقل الداخل على الكرام قلة الكلام، وسرعة القيام.
ومن علامة الأحمق الجلوس فوق القدر، والمجيء في غير الوقت، وقد قالوا: إذا أتى باب أخيه المسلم .. يستأذن ثلاثًا، ويقول في كل مرة: السلام عليكم يا أهل البيت، ثم يقول: أيدخل فلان، ويمكث بعد كل مرة مقدار ما يفرغ الآكل من أكله، ومقدار ما يفرغ المتوضؤ من وضوئه، والمصلي بأربع ركعات من صلاته، فإن أذن .. دخل، وخفف، وإلا رجع سالمًا عن الحقد والعداوة، ولا يجب الاستئذان على من أرسل إليه صاحب البيت رسولًا، فيأتي بدعوته قال الحامي:
أَدِّبُوْا النَّفْسَ أَيُّهَا الأَحْبَابُ ... طُرُقَ الْعِشْقِ فَإِنَّ لَهَا آدَابُ
وقرأ الجمور (١): ﴿فَيَسْتَحْيِي﴾ بيائين مع سكون الحاء، مضارع استحيا من باب استفعل، وقرأت فرقة: ﴿فيستحي﴾ بياء واحدة مع كسر الحاء مضارع استحا، وهي لغة تميم، وروي عن ابن كثير، واختلفوا في المحذوف منه، أعين الكلمة أم لامها؟ فإن كان العين .. فوزنها: يستفل، وإن كان اللام .. فوزنها: يستفع، والترجيح مذكور في كتب النحو.
والمعنى (٢): أي إن ذلك اللبث والاستئناس والدخول على هذا الوجه كان يؤدي النبي ﷺ ؛ لأنه كان يمنعه من قضاء بعض حوائجه إلى ما فيه من تضييق
стр. 10324
المنزل على أهله، لكنه كان يستحيي من إخراجكم، ومنعكم مما يؤذيه، والله لم يترك الحق، وأمركم بالخروج، وفي هذا إيماء إلى أن اللبث يحرم على المدعو إلى طعام بعد أن يطعم، إذا كان في ذلك أذى لرب البيت، ولو كان البيت غير بيت النبي ﷺ ، فالتثقيل مذموم في كل مكان، محتقر صاحبه لدى كل إنسان، وعلى الجملة فللدعوة إلى المآدب نظم وآداب خاصة، أفردت بالتأليف، ولا سيما في العصر الحديث، وجعلوا التحلل منها، وترك اتباعها مما لا تسامح فيه.
ثم ذكر سبحانه أدبًا آخر متعلقًا بنساء النبي ﷺ ، فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾؛ أي: وإذا سألتم أيها المؤمنون أزواج النبي ﷺ ، ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج ﴿مَتَاعًا﴾؛ أي: شيئًا تتمتعون وتنتفعون به من ماعون وغيره ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾؛ أي: فاطلبوا منهن ذلك المتاع ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾؛ أي: من وراء ستر بينكم وبينهن.
أخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن أنس ﵁ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش في ذي القعدة، سنة خمس من الهجرة، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر، كما في "الصحيحين" عنه قال: وافقت ربي في ثلاث قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل الله آية الحجاب، وقلت: لأزواج النبي ﷺ لما تمالأن عليه في الغيرة: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت كذلك.
ثم بين سبب ما تقدم بقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾، والإشارة (١) فيه إلى سؤال المتاع من وراء حجاب، وقيل: الإشارة إلى جميع ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن، وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول، وسؤال المتاع من وراء حجاب، والأول أولى بقرينة السياق. واسم الإشارة مبتدأ، وخبره ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ أيها الرجال الأجانب، ﴿و﴾ أطهر لـ ﴿قلوبهن﴾؛ أي: لقلوب النساء الأجنبيات؛ أي: أكثر تطهيرًا لها من الخواطر النفسانية، والخيالات الشيطانية التي تعرض للرجال في أمر النساء،
стр. 10325
وللنساء في أمر الرجال, فإن كل واحد من الرجل والمرأة إذا لم يَرَ الآخر .. لم يقع في قلبه شيء.
قال في "كشف الأسرار": نقلهم عن مألوف العادة إلى معروف الشريعة ومفروض العبادة, وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال، وبين أن البشر بشر، وإن كانوا من الصحابة، وأزواج النبي ﷺ ، فلا يأمن أحد على نفسه من الرجال والنساء، ولهذا شدد الأمر في الشريعة بأن لا يخلو رجل بامرأة ليس بينهما محرمية كما قال ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان"، وفي هذا أدب لكل مؤمن, وتحذير له من أن يشق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه.
والمعنى (١): ذلك السؤال من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من وساوس الشيطان ونزغاته؛ لأن العين رسول القلب، فإذا لم تر العين .. لم يشته القلب، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر, وعدم الفتنة حينئذ أظهر. وجاء في الأثر: "النظر سهم مسموم من سهام إبليس" إذ الرؤية سبب للتعلق والفتنة، ألا ترى إلى قول الشاعر:
وَالْمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا ... فِيْ أَعْيُنِ الْعِيْنِ مَوْقُوْفٌ عَلَى الْخَطَرِ
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا سَاءَ مُهْجَتَهُ ... لَا مَرْحَبًا بِانْتِفَاعٍ جَاءَ بِالضَّرَرِ
ولما ذكر ما ينبغي من الآداب حين دخول بيت الرسول .. أكده بما يحملهم على ملاطفته وحسن معاملته بقوله: ﴿وَمَا كَانَ﴾ ينبغي ﴿لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﷺ أي أن تفعلوا في حياته ﷺ فعلًا يتأذى به بكرهه، كاللبث والاستئناس للحديث الذي كنتم تفعلونه، فإن الرسول يسعى لخيركم ومنفعتكم في دنياكم وآخرتكم فعليكم أن تقابلوا بالحسنى كفاء جليل أعماله.
أي: ما صح لكم (٢)، ولا استقام أن تؤذوه بشيء من الأشياء كائنًا ما كان، ومن جملة ذلك دخول بيوته بغير إذن منه، واللبث فيها على غير الوجه الذي يريده، وتكليم نسائه من دون حجاب، ولما كان رسول الله ﷺ قد قصر عليهن .. قصرهن
стр. 10326
الله عليه بقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ﴾؛ أي: ولا كان لكم أن تتزوجوا أزواجه ﷺ ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد مفارقته إياهن بموت أو طلاق ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: مدة حياتها زيادة في شرفه، وإظهارًا لعظمته وجلاله، ولأنهن أمهات المؤمنين، ولا يحل للأولاد نكاح الأمهات، ولأن في تزوجهن تركًا لمراعاة حرمته ﷺ ، ويقال (١): لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة، كما قال: "شارطت ربي أن لا أتزوج إلا من يكون معي في الجنة"، ولو تزوجن .. لم يكنَّ معه في الجنة؛ لأن المرأة لآخر أزواجها.
والحاصل: أنه يجب على الأمَّة أن يعظِّموه ﷺ ، ويوقروه في جميع الأحوال في حال حياته، وبعد وفاته، فإنه بقدر ازدياد تعظيمه وتوقيره في القلوب، يزداد نور الإيمان فيها.
ثم بين السبب فيما تقدم بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ الذكور من إيذائه ﷺ ، ونكاح أزواجه من بعده ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ذنبًا ﴿عَظِيمًا﴾، وخطبًا جليلًا، وأمرًا خطيرًا، لا يقادر قدره إلا الله تعالى.
٥٤ - ثم بالغ في الوعيد، فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أيها المؤمنون وتظهروا على ألسنتكم ﴿شَيْئًا﴾ مما لا خير فيه كنكاحهن ﴿أَوْ تُخْفُوه﴾؛ أي: تخفوا ذلك الشيء، وتكتموه في صدوركم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾؛ أي: بليغ العلم بظاهر كل شيء وباطنه، فيجازيكم بما صدر منكم من المعاصي البادية والخافية لا محالة، وعمم (٢) ذلك ليدخل فيه نكاحهن وغيره؛ أي: يعلم كل شيء من الأشياء، ومن جملة ذلك ما تظهرونه في شأن أزواج رسوله، وما تكتمونه في صدوركم، وفي هذا وعيد شديد؛ لأن إحاطته بالمعلومات تستلزم المجازاة على خيرها وشرها.
أي: إن ما تكنه ضمائركم، وتنطوي عليه سرائركم، فالله يعلمه؛ إذ لا تخفى عليه خافية ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾، ثم يجازيكم بما صدر منكم من المعاصي الظاهرة والباطنة، والكلام، وإن كان عامًا بظاهره، فالمقصود ما
стр. 10327
يتعلق بزوجاته ﷺ .
٥٥ - وروي: أنه لما نزلت آية الحجاب .. قال الآباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله، أو نكلمهنَّ أيضًا - أي: كالأباعد - من وراء حجاب، فنزلت ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾، ورخص الدخول على نساء ذوات محارم بغير حجاب؛ أي: لا ذنب ولا إثم على أزواج النبي ﷺ ﴿فِي﴾ دخول ﴿آبَائِهِنَّ﴾ عليهن، ونظرهم وكلامهم ورؤيتهم إياهن بلا حجاب، سواء كان الأب أبًا من النسب، أم من الرضاع. ﴿وَلَا﴾ في دخول ﴿أَبْنَائِهِنَّ﴾ عليهن، ونظرهم وكلامهِم بلا حجاب، سواء كان الابن من النسب، أو من الرضاع. ﴿وَلَا﴾ في ﴿إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾؛ أي: لا إثم عليهن في ترك الحجاب عن هؤلاء الأصناف من الأقارب، فهؤلاء لا يجب على نساء رسول الله ﷺ ، ولا على غيرهن من النساء الاحتجاب منهم، فهؤلاء ينظرون إلى الوجه والرأس والساقين والعضدين، ولا ينظرون إلى ظهرها، وبطنها، وفخذها، وأبيح النظر لهؤلاء لكثرة مداخلتهم عليهن، واحتياجهن إلى مداخلتهم، وإنما لم يذكر العم والخال؛ لأنهما بمنزلة الوالدين، ولذلك سمي العم أبًا في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، أو لأنه يكره ترك الاحتجاب منهما مخافة أن يصفاهن لأبنائهما، وأبناؤهما غير محارم؛ لجواز النكاح بينهم، فكره لهما الرؤية. وهذا ضعيف جدًا (١)، فإن تجويز وصف المرأة لمن تحل له ممكن من غيرهما ممن يجوز النظر إليهما، لا سيما أبناء الإخوة، وأبناء الأخوات، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
وهكذا يستلزم أن لا يجوز للنساء الأجنبيات أن ينظرن إليها؛ لأنهن يصفنها لأزواجهن، واللازم باطل، فالملزوم مثله. وهكذا لا وجه لما قاله الشعبي وعكرمة: من أنه يكره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها، والأولى أن يقال: إنه سبحانه اقتصر هاهنا على بعض ما ذكره من المحارم في سورة النور اكتفاءً بما تقدم، والمضاف إليه في قوله: ﴿وَلَا﴾ جناح عليهن في عدم الاحتجاب عن ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ واقع على أزواج النبي ﷺ ؛ أي (٢): ولا جناح على زوجات النبي ﷺ في عدم الاحتجاب عن نسائهن؛ أي: عن النساء المسلمات، وإضافتهن لهن من
стр. 10328
حيث المشاركة في الوصف، وهو الإِسلام، وأما النساء الكافرات فيجب على أزواج النبي ﷺ الاحتجاب عنهن، كما يجب على سائر المسلمات؛ أي: ما عدا ما يبدو عند المهنة، أما هو .. فلا يجب على المسلمات حجبه وستره عن الكافرات. اهـ. شيخنا، وقيل: هو عام في المسلمات والكتابيات، وإنما قال: ولا نسائهن بالإضافة؛ لأنهن من أجناسهن.
﴿وَلَا﴾ جناح عليهن في عدم الاحتجاب عن ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وأيديهن من العبيد والإماء؛ لما في الاحتجاب عن العبيد من المشقة؛ لأنهم يقومون بالخدمة عليهن، فيكون عبد المرأة محرمًا لها، فيجوز (١) له الدخول عليها إذا كان عفيفًا، وأن ينظر إليها كالمحارم، وقد أباحت عائشة النظر لعبدها، وقالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر، وخرجت فأنت حر، وقيل: من الإماء خاصة، فيكون العبد حكمه حكم الأجنبي معها.
قال في "بحر العلوم": وهو أقرب إلى التقوى؛ لأن عبد المرأة كالأجنبي خصيًا كان أو فحلًا، وأين مثل عائشة؟ وأين مثل عبدها في العبيد؟ لا سيما في زماننا هذا. وهو قول أبي حنيفة، وعليه الجمهور، فلا يجوز لها الحج ولا السفر معه، وقد أجاز نظره إلى وجهها وكفيها إذا وجد الأمن من الشهوة، ولكن جواز النظر لا يوجب المحرمية، وقد سبق بعض ما يتعلق بالمقام في سورة النور، فارجع لعلك تجد السرور.
قوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ يا أزواج النبي ﷺ ، وكذا سائر النساء المسلمات، معطوف على محذوف، تقديره: امتثلن ما أمرتن به من الاحتجاب، واتقين الله حتى لا يراكن غير هؤلاء ممن ذكر، وعليكن الاحتياط ما قدرتن، واخشين الله في السر والعلن، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، وهو يجازي على العمل خيرًا أو شرًا.
والخلاصة: أنّ الله شاهد عليكم عند اختلاء بعضكم ببعض، فخلوتكم مثل ملئكم، فاتقوه فيما تأتون وما تذرون، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ
стр. 10329
شَيْءٍ شَهِيدًا﴾؛ أي: مطلعًا لا تخفى عليه خافية من الأقوال والأفعال، ولا يتفاوت في علمه الأماكن والأوقات والأحوال.
وفي "التأويلات النجمية": يشير بالآية إلى تسكين قلوبهن بعد فطامهن عن مألوفات العادة، ونقلهن إلى معروف الشريعة، ومفروض العبادة، فمن عليهن وعلى أقربائهن بإنزاله هذه الرخصة؛ لأنه ما أخرجهن، وما خلَّى سبيل الاحتياط لهن مع ذلك فقال: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ فيهن، وفي غيرهن بحفظ الخواطر، وميل النفوس، وهمها. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أعمال النفوس، واحوال القلوب ﴿شَهِيدًا﴾ حاضرًا وناظرًا إليها. قال أبو العباس الفاسي: الشهيد: هو الحاضر الذي لا يغيب عنه معلوم، ولا مرئي، ولا مسموع.
فائدة: وجملة الأزواج التي مات عنهن رسول الله ﷺ ، وهي المرادة في هذه الآية تسع: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وصفية، وميمونة، وزينب، وجويرية، وقد نظمهن بعضهم فقال:
تُوُفِّيْ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ ... إِلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ
فَعَائِشَةٌ مَيْمُوْنَةٌ وَصَفِيَّةٌ ... وَحَفْصَةُ تَتْلُوْهُنَّ هِنْدٌ وَزَيْنَبُ
جُوَيْرِيَّة مَعْ رَمْلَةٍ ثُمَّ سَوْدَةٌ ... ثَلاَثٌ وَسِتٌّ ذِكْرُهُنَّ لَيَعْذُبُ
٥٦ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ محمد ﷺ ؛ أي: يعتنون بما فيه خيره وصلاح أمره، ويهتمون بإظهار شرفه، وتعظيم شأنه، وذلك من الله تعالى بالرحمة، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار، فقوله: ﴿يُصَلُّونَ﴾ محمول على عموم المجاز؛ إذ لا يجوز إرادة معنيي المشترك معًا، فإنه لا عموم للمشترك مطلقًا؛ أي: سواء كان بين المعاني تنافٍ أم لا.
قال القهستاني: الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الإنس والجن: القيام والركوع والسجود والدعاء ونحوها، ومن الطير والهوام: التسبيح، والصلاة: اسم مصدر من التصلية، وكلاهما مستعمل بخلاف الصلاة بمعنى أداء الأركان، فإن مصدرها لم يستعمل، فلا يقال: صليت تصليةً، بل يقال: صليت صلاة.
وقال بعضهم: الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة لغير النبي ﷺ ، وبمعنى
стр. 10330
التشريف بمزيد الكرامة للنبي، والرحمة عامة، والصلاة خاصة، كما دل العطف على التغاير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، وقال بعضهم: صلوات الله على غير النبي رحمة، وعلى النبي ﷺ ثناء ومدحة، قولًا وتوفيق وتأييد فعلًا، وصلاة الملائكة على غير النبي ﷺ : استغفار، وعلى النبي: إظهار للفضيلة، والمدح قولًا، والنصرة والمعاونة فعلًا. وصلاة المؤمنين على غير النبي: دعاء، وعلى النبي: طلب الشفاعة قولًا، واتباع السنة فعلًا.
وقال بعضهم: صلوات الله على النبي ﷺ بتبليغه إلى المقام المحمود، وهو مقام الشفاعة لأمته، وصلوات الملائكة: دعاؤهم له بؤيادة مرتبته، واستغفارهم لأمته، وصلوات الأمة: متابعتهم له، ومحبتهم إياه، والثناء عليه بالذكر الجميل.
وهذا التشريف الذي شرف الله به نبينا ﷺ أتم من تشريف آدم ﵇ بأمر الملائكة بالسجود له؛ لأنه لا يجوز أن يكون الله تعالى مع الملائكة في هذا التشريف لآدم، وقد أخبر تعالى عن نفسه بالصلاة على النبي، ثم عن الملائكة، وما أحسن قول بعضهم:
يُصَلِّيْ عَلَيْهِ اللهُ ﷻ ... بِهَذَا بَدَا لِلْعَالَمِيْنَ كَمَالُهُ
وقرأ الجمهور: ﴿وَمَلَائِكَتَهُ﴾ بنصب الملائكة عطفًا على لفظ اسم ﴿إِنَّ﴾، وقرأ ابن عباس وعبد الوارث عن أبي عمرو: ﴿وملائكتُه﴾ بالرفع عطفًا على محل اسم ﴿إِنَّ﴾، والضمير في قوله: ﴿يُصَلُّونَ﴾ راجع إلى الله، وإلى الملائكة، وفيه تشريف للملائكة عظيم، حيث جعل الضمير لله ولهم واحدًا، فلا يرد الاعتراض بما ثبت عنه ﷺ لما سمع قول الخطيب يقول: من يطع الله ورسوله .. فقد رشد، ومن يعصهما .. فقد غوى، فقال: "بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعصى الله ورسوله". ووجه ذلك: أنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله سبحانه مع غيره في ضمير واحد، وهذا الحديث ثابت في "الصحيح". وثبت أيضًا في "الصحيح" أن رسول الله ﷺ أمر مناديًا ينادي يوم خيبر: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية. ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين ليس هذا موضع ذكرها، والآية مؤيدة للجواز لجعل الضمير فيها لله ولملائكته واحدًا، والتعليل بالتشريف للملائكة يقال مثله في رسول الله ﷺ ، ويجمع بينهما يحمل الذم لذلك الخطيب