← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

والخلاصة: أنه لا ينبغي لمؤمن ولا مؤمنة أن يختارا أمرًا قضى الرسول بغيره، وقال أبو حيان: الخيرة: مصدر من تخير على غير قياس، كالطيرة من تطير. وقرىء بسكون الياء، ذكره عيسى بن سليمان، وقرأ الحرميان (١) - نافع وابن كثير - والعربيان - أبو عمرو وابن عامر - وأبو جعفر وشيبة والأعرج وعيسى: ﴿أن تكون﴾ بتاء التأنيث؛ لكونه مسندًا إلى الخيرة، وهي مؤنثة لفظًا، وقرأ الكوفيون والحسن والأعمش والسلمي: ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ بالياء التحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد؛ لأنه قد فرق بين الفعل وفاعله المؤنث بقوله: ﴿لَهُمُ﴾، مع كون التأنيث غير حقيقي. وعبارة "الشوكاني": والخيرة: مصدر بمعنى الاختيار، وقرأ ابن السميقع: ﴿الخيرة﴾ بسكون الياء، والباقون بفتحها. انتهت. ثم توعد سبحانه من لم يذعن لقضاء الله وقدره، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في أمر من الأمور، ويعمل برأيه. وفي "كشف الأسرار": ومن يعص الله، فخالف الكتاب ورسوله، فخالف السنة ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ وأخطأ طريق الحق، وعدل عن الصراط المستقيم ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾؛ أي: بيّن الانحراف عن سنن الصواب؛ أي: ضلالًا ظاهرًا واضحًا لا يخفى. والمعنى (٢): أي ومن يعصِ الله ورسوله ويخالفهما فيما أمرا ونهيا .. فقد جار ومال عن قصد السبيل، وسلك غير طريق الهدى والرضاد، ونحو الآية قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن العبد ينبغي أن لا يكون له اختيار بغير ما اختاره الله، بل تكون خيرته فيما اختاره الله له، ولا يعترض على أحكامه الأزلية عند ظهورها له، بل له الاحتراز عن شر ما قضى الله قبل وقوعه، فإذا وقع الأمر .. فلا يخلو إما أن يكون موافقًا للشرع، أو يكون مخالفًا للشرع، فإن يكن موافقًا للشرع .. فلا يخلو؛ إما أن يكون موافقًا لطبعه، أو مخالفًا لطبعه، فإن يكن موافقًا لطبعه .. فهو نعمة من الله يجب عليه شكرها، ان يكن مخالفًا لطبعه .. فيستقبله

стр. 10257

بالصبر والتسليم والرضا، وإن يكن مخالفًا للشرع .. يجب عليه التوبة والاستغفار، والإنابة إلى الله تعالى من غير اعتراض على الله فيما قدر وقضى وحكم به، فإنه حكيم يفعل ما يشاء بحكمته، ويحكم ما يريد بعزته. انتهى. ٣٧ - ثم ذكر الله سبحانه نبيه بما وقع منه؛ ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حال في صدور ضعاف العقول، ومرضى القلوب فقال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾. روي (١) أنه لما نزلت الآية المتقدمة .. قالت زينب وأخوها عبد الله: رضينا يا رسول الله؛ أي: بنكاح زيد، فأنكحها ﵊ إياه، وساق إليها مهرها عشرة دنانير وستين درهمًا، وخمارًا، وملحفة، ودرعًا، وإزارًا، وخمسين مدًا من طعام، وثلاثين صاعًا من تمر، وبقيت بالنكاح معه مدةً، فجاء النبي ﵊ يومًا إلى بيت زيد لحاجة، فأبصر زينب، فأعجبه حسنها، فوقع في قلبه محبتها بلا اختيار منه، والعبد غير ملوم على مثله ما لم يقصد المأثم، ونظرة المفاجأة التي هي النظرة الأولى مباحة، فقال ﵊ عند ذلك: "سبحان الله، يا مقلب القلوب ثبت قلبي" وانصرف، وذلك أن نفسه كانت تمتنع عنها قبل ذلك لا يريدها, ولو أرادها لخطبها، وسمعت زينب التسبيحة، فذكرتها لزيد بعد مجيئه، وكان غائبًا ففطن، فأتى رسول الله تلك الساعة، فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: "ما لك، أرأيت منها شيئًا؟ " قال: لا والله، ما رأيت منها إلا خيرًا، ولكنها تتعظم علي لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فمنعه ﵊، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾؛ أي: واذكر يا محمد قصة وقت قولك: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بالتوفيق للإسلام الذي هو أجل النعم، وللخدمة والصحبة، وهو زيد بن حارثة ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يا محمد بحسن التربية والإعتاق والتبني له، وكان من سبي الجاهلية، اشتراه رسول الله ﷺ في الجاهلية، وأعتقه وتبناه، وهو أول من أسلم من الموالي، وكان ﷺ يحبه، ويحب ابنه أسامة، شهد بدرًا والخندق والحديبية، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة حين خرج إلى بني المصطلق، وخرج أميرًا في سبع سرايا، وقتل يوم مؤتة - بضم الميم وبالهمزة ساكنة -: موضع معروف عند الكرك.

стр. 10258

ومقول القول قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾؛ أي: أمسك على نكاحك ﴿زَوْجَكَ﴾ زينب، واتركها فيه ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ سبحانه في أمرها, ولا تطلقها ضرارًا، أو تعللًا بتكبرها, ولا تعجل بطلاقها. ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؛ أي: والحال أنك تضمر في قلبك وتستر الأمر الذي الله مظهره للناس، وهو نكاحها إن طلقها زيد. وقيل: حبها، وهو علم بأن زيدًا سيطلقها وسينكحها، يعني: أنك تعلم بما أعلمتك أنها ستكون زوجتك، وأنت تخفي في نفسك هذا المعنى، والله يريد أن ينجز لك وعده، ويبدي أنها زوجتك بقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وكان من علامات أنها زوجته إلقاء محبتها في قلبه، وذلك بتحبيب الله تعالى، لا بمحبته بطبعه، وذلك ممدوح جدًا، ومنه قوله ﵊: "حبب إلى من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة"، وأنه لم يقل أحببت، ودواعي الأنبياء من قبيل الإذن الإلهي؛ إذ ليس للشيطان عليهم سبيل. قال في "الأسئلة المقحمة": قد أوحي إليه أن زيدًا يطلقها، وأنت تزوج بها، فأخفى عن زيد سر ما أوحي إليه؛ لأن السر يتعلق بالمشيئة والإرادة، ولا يجب على الرسل الإخبار عن المشيئة والإرادة، وإنما يجب عليهم الإخبار والإعلام عن الأوامر والنواهي، لا عن المشيئة، كما أنه كان يقول لأبي لهب: آمن بالله، وقد علم أن الله أراد أن لا يؤمن أبو لهب، كما قال تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾؛ لأن ذلك الذي يتعلق بعذاب أبي لهب إنما هو من المشيئة والإرادة، فلا يجب على النبي إظهاره، ولا الإخبار عنه. ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: تستحييهم، أو (١) تخاف لومهم وتعييرهم لك به، بأن يقولوا: أمر مولاه بطلاق امرأته، ثم تزوجها. وفي "التأويلات النجمية": أي: تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة بأن يخطر ببالهم نوع إنكار، أو اعتراض عليه، أو شك في نبوته، بأن النبي ﷺ من تنزه عن مثل هذا الميل، وتتبع الهوى، فيخرجهم عن الإيمان إلى الكفر، فكانت تلك الخشية إشفاقًا منه عليهم، ورحمة بهم أنهم لا يطيقون سماع هذه الحالة، ولا يقدرون على تحملها. ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ﴾؛ أي: والحال أن الله سبحانه أحق وأجدر وأولى ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ في كل حال، وتخاف منه،

стр. 10259

وتستحييه. وفي"كشف الأسرار": إنما عوتب ﷺ على إخفاء ما أعلمه الله تعالى أنها ستكون زوجة له. قالت عائشة ﵂: لو كتم النبي ﷺ شيئًا من الوحي .. لكتم هذه الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ الخ، وما نزل على رسول الله آية هي أشد عليه من هذه الآية. وفي "التأويلات": يشير إلى أن رعاية جانب الحق أحق من رعاية جانب الخلق؛ لأن لله تعالى في إبداء هذا الأمر، وإجراء هذا القضاء حكمًا كثيرة، فالواجب على النبي ﷺ إذا عرض له أمر أن، في أحدهما رعاية جانب الحق، وفي الآخر رعاية جانب الخلق، أن يختار رعاية جانب الحق على الخلق، فإن للحق تعالى في إجراء حكم من أحكامه، وإصفاء أمر من أوامره حكمًا كثيرة، كما قال تعالى في إجراء تزويج النبي ﷺ بزينب قوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القرطبي: وقد اختلف في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم ابن جرير الطبري وغيره إلى أن النبي ﷺ وقع منه استحسان لزينب بنت جحش، وهي في عصمة زيد بن حارثة، وكان حريصًا على أن يطلقها زيد، فيتزوجها هو، ثم إن زيدًا لما أخبره بأنه يريد فراقها، ويشكو منها غلظة قول، وعصيان أمر، وأذًى باللسان، وتعظمًا بالشرف قال له: "اتق الله فيما تقول عنها، وأمسك عليك زوجك"، وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف. انتهى. وحاصل معنى الآية: أي واذكر أيها الرسول حين قولك لمولاك الذي أنعم الله عليه فوفقه للإسلام، وأنعمته عليه بحسن تربيته وعتقه وتقريبه منك: أمسك عليك زوجك زينب، واتق الله في أمرها, ولا تطلِّقها ضرارًا، وتعللًا بتكبرها، وشموخًا بأنفها، فإن الطلاق يثنيها، وربما لا يجد بعدها خيرًا منها، وأنت تعلم أن الطلاق لا بد منه، بما ألهمك الله أن تمتثل أمره بنفسك؛ لتكون أسوةً لمن معك، ولمن يأتي بعدك، وإنما غلبك في ذلك الحيرة، وخشية أن يقولوا: تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت تخفي في نفسك ما الله مبديه من الحكم الذي ألهمك، وتخاف من اعتراض الناس، والله الذي أمرك بهذا كله أحق وحده بأن تخشاه، فكان عليك أن

стр. 10260

تمضي في الأمر قدمًا؛ تعجيلًا لتنفيذ كلمته، وتقرير شرعه. ثم زاد الأمر بيانًا بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾؛ أي: تخفي في نفسك ذلك الأمر مخافة من الناس، فلما قضى زيد من زوجته زينب وطرًا، ولم يبق له فيها حاجة، والمراد: قضى وبلغ وأتم وطره منها بنكاحها، والدخول بها بحيث لم يبق له فيها حاجة، وتقاصرت همته عنها، وطلقها وانقضت عدتها. وفي "التأويلات" (١): أما وطر زيد منها في الصورة: استيفاء حظه منها بالنكاح، ووطره منها في المعنى: شهرته بين الخلق إلى قيام الساعة، بأن الله تعالى ذكره باسمه في القرآن، دون جميع الصحابة، وبأنه آثر النبي ﷺ على نفسه بإيثار زينب له. وفي "الأسئلة المقحمة": كيف طلق زيد زوجته بعد أن أمر الله ورسوله بإمساكه إياها؟ والجواب: ما هذا الأمر للوجوب واللزوم، وإنما هو للاستحسان. ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ يا محمد؛ أي: جعلناها زوجة لك، هلال ذي القعدة سنة أربع من الهجرة على الصحيح، وهي بنت خمس وثلاثين سنة، والمراد: الأمر بتزويجها، أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد، ولا تقدير صداق، ولا شيء مما يعتبر في النكاح في حق أمته؛ أي: زوجناكها, ولم نحوجك إلى وليٍّ يعقد لك عليها تشريفًا لك ولها. ويؤيده ما روى أنس ﵁: أنها كانت تفخر على سائر أزواج النبي ﷺ ، وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات، وهو من خصائصه ﷺ . وروي أنها لما اعتدت .. قال رسول الله لزيد: "ما أجد أحدًا أوثق في نفسي منك، اخطب عليَّ زينب"، قال زيد: فانطلقت، فإذا هي تخمر عجينها، فقلت: يا زينب، أبشري، فإن رسول الله يخطبك، ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فزوجها رسول الله ﷺ

стр. 10261

ودخل، وما أوْلَم على امرأة من نسائه ما أوْلَم عليها، ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم، حتى امتد النهار، وجعل زيدٍ سفيرًا في خطبتها ابتلاء عظيم له، وشاهد على قوة إيمانه، ورسوخه فيه. وقرأ الجمهور (١): ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ بنون العظمة، وقرأ جعفر بن محمد وابن الحنفية وأخواه الحسن والحسين وأبوهم علي: ﴿زوجتكها﴾ بتاء الضمير للمتكلم، ثم علل سبحانه ذلك بقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ﴾؛ أي: زوجناكها كيلا يكون فيما بعد ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾؛ أي: ضيق ومشقة وذنب ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾؛ أي: في تزوج زوجات الذين دعوهم أبناء، والأدعياء: جمع دعي، وهو الذي يدعى ابنًا من غير ولادة. ﴿إِذَا قَضَوْا﴾؛ أي: إذا قضى الأدعياء ﴿مِنْهُنَّ﴾؛ أي: من زوجاتهم ﴿وَطَرًا﴾؛ أي: حاجة؛ أي: إذا لم يبق لهم فيهن حاجة، وطلقوهن، وانقضت عدتهن، فإن لهم في رسول الله أسوة حسنة. وفيه (٢) دليل على أن حكمه ﷺ وحكم الأمة سواء إلا ما خصه الدليل. قال الحسن: كانت العرب تظن أن حرمة المتبنَّى كحرمة الابن، فبيَّن الله تعالى أن حلائل الأدعياء غير محرمة على المتبني، وإن أصابوهن؛ أي: وطؤوهن، بخلاف ابن الصلب، فإن امرأته تحرم على أبيه بنفس العقد عليها، وكان النبي ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة، فكان يقال: زيد بن محمد، حتى نزل قوله سبحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾. والمعنى: أي فلما قضى زيد منها حاجته وملها، ثم طلقها .. جعلناها زوجًا لك لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين، ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءً كنَّ من قبلُ أزواجًا لأدعيائهم. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: ما يريد تكوينه من الأمور ﴿مَفْعُولًا﴾؛ أي: مكونًا موجودًا في الخارج لا محالة، لا يمكن دفعه لأحد، ولو كان نبيًا، كما كان تزويج زينب، وكانت كالعارية عند زيد؛ أي: كان قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله ﷺ قضاءً ماضيًا مفعولًا نافذًا لا محالة. قال بعضهم: في اعتقادنا أنَّ

стр. 10262

زينب بكر، كعائشة ﵄؛ لأن زيدًا كان يعرف أنها حق النبي ﷺ ، فلم يمسها، وذلك مثل آسية وزليخا، ويكفينا أنَّ ميله ﷺ إليها كان أكثر من غيرها, ولم تلد أيضًا، وكانت عائشة تقول في حق زينب: هي التي كانت تساويني في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ما رأيت امرأة قط خيرًا في الدين، وأتقى لله، وأصدق في حديث، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة من زينب. ماتت بالمدينة سنة عشرين، وصلى عليها عمر بن الخطاب ﵂، ودفنت بالبقيع، ولها من العمر ثلاث وخمسون سنة، وأبدل الله منها لزيد جارية في الجنة، كما قال النبي ﷺ : "استقبلتني جارية لعساء، وقد أعجبتني، فقلت لها: يا جارية أنت لمن؟ قالت: لزيد بن حارثة. قوله: "استقبلتني"؛ أي: خرجت من الجنة، واستقبلته ﷺ بعد مجاوزة السماء السابعة ليلة المعراج، واللعس: لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلًا، وذلك مستملح، قاله في "الصحاح". وأبدى السهيلي حكمة لذكر زيد باسمه في القرآن، هي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، وصار يقال له: زيد بن حارثة، ولا يقال له: زيد بن محمد، ونزع عنه هذا التشريف، وعلم الله وحشته من ذلك .. شرَّفه بذكر اسمه في القرآن دون غيره من الصحابة، فصار اسمه يتلى في المحاريب، وزاد في الآية أن قال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: بالإيمان, فدل على أنه من أهل الجنة، علم بذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى له ﵁. ٣٨ - ثم بيَّن الله سبحانه أنه لم يكن على رسول الله ﷺ حرج في هذا النكاح، فقال: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيّ﴾ ﷺ ﴿مِن﴾ زائدة لوقوعها بعد النفي ﴿حَرَجٍ﴾ اسم كان الناقصة؛ أي: ما صح ولا استقام في الحكمة أن يكون على النبي ﷺ حرج وضيق ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾ وقسم وقدر له في علمه، كتزوج زينب؛ أي: ليس على النبي حرج وذنب ومنع فيما أحل الله له من نكاح امرأة من تبناه، بعد فراقه إياها. ثم بين أن الرسول وسحونِ ليس بدعًا في الرسل فيما أباح له من الزوجات والسراري، فقال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: منصوب على المصدرية بفعل محذوف مؤكد لما قبله من نفي الحرج؛ أي: سن الله سبحانه نفي الحرج سنةً؛ أي: جعله طريقة مسلوكة ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾؛ أي: مضوا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل النبي ﷺ من

стр. 10263

الأنبياء؛ حيث وسع عليهم في باب النكاح وغيره، ولقد كان لداودٍ ﵊ مئة امرأة، وثلاث مئة سرية، ولابنه سليمان ﵇ ثلاث مئة امرأة، وسبع مئة سرية، فلك التوسعة في أمر النكاح مثل الأنبياء الماضين؛ أي: إن هذا هو السنن الأقدم في الأنبياء والأمم الماضية، أن ينالوا ما أحله الله لهم من أمر النكاح وغيره. أي: إن الله سن بك أيها الرسول سنة أسلافك من الأنبياء الذين مضوا من قبل فيما أباح لهم من الزوجات والسراري، فقد كان لسليمان وداود وغيرهما عدد كثير منهن، وفي هذا رد على اليهود الذين عابوه ﷺ وحاشاه بكثرة الأزواج. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ؛ أي: مأموره الذي قدره وحكمه وقضاه ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾؛ أي: قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو كقولهم: ظل ظليل، وليل أليل، في قصد التأكيد. قال مقاتل: أخبر الله أن أمر زينب كان من حكم الله وقدره. اهـ. وفيه إشارة إلى أن الله تعالى إذا قضى أمر نبي .. لم يجعل عليه في ذلك من حرج، ولا سبب نقصان، وإن كان في الظاهر سبب نقصان ما عند الخلق، والذي يجري على الأنبياء قضاء مبرم مبني على حكم كثيرة، وليس فيه خطأ، ولا غلط ولا عبث. ٣٩ - ثم وصف الذين خلوا بصفات الكمال والتقوى، وإخلاص العبادة له، وتبليغ رسالته، فقال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ ، والموصول صفة للذين خلوا، أو في محل الرفع على إضمارهم، أو في محل النصب على تقدير: أمدح. وقرأ عبد الله: ﴿الذين بلغوا﴾ جعله فعلًا ماضيًا، وقرأ أبي ﴿رسالة الله﴾ على التوحيد، والجمهور: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ جمعًا. والمراد بالرسالة: ما يتعلق بالرسالة، وهي سفارة العبد بين الله، وبين ذوي الألباب من خلقه؛ أي: إيصال الخبر من الله إلى العباد؛ أي: الذين يوصلون ما أمروا بتبليغه إلى الخلق. ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾؛ أي: يخافونه في كل ما يأتون ويذرون، لا سيما في أمر تبليغ الرسالة؛ حيث لا يقطعون منها حرفًا، ولا تأخذهم لومة لائم ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ﴾ في

стр. 10264

تبليغ ما أمروا به ﴿أَحَدًا﴾ من خلقه؛ أي: تعيير أحدا, ولا لومه ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ سبحانه، وفي وصفهم بقصرهم الخشية على الله تعريض (١) بما صدر عنه ﷺ من الاحتراز من لائمة الخلق بعد التصريح في قوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ ...﴾ الآية. مدحهم سبحانه بتبليغ ما أرسلهم به إلى عباده، وخشيته في كل فعل وقول، ولا يخشون سواه، ولا يبالون بقول الناس، ولا بتعييرهم، بل خشيتهم مقصورة على الله سبحانه. والمعنى (٢): أي هؤلاء الذين جعل محمد متبعًا سنتهم، وسالكًا سبيلهم، هم الذين يبلِّغون رسالات ربهم إلى من أرسلوا إليهم، ويخافون الله في تركهم تبليغ ذلك، ولا يخافون سواه. والخلاصة: كن من أولئك الرسل الكرام، ولا تخشَ أحدًا غير ربك، فإنه يحميك ممن يريدك بسوءٍ، أو يمسك بأذى. قال بعضهم: خشية الأنبياء من العتاب، وخشية الأولياء من الحجاب، وخشية عموم الخلق من العذاب. اهـ. وفي "الأسئلة المقحمة": كيف قال سبحانه: ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾، ومعلوم أنهم خافوا غير الله، وقد خاف موسى ﵇ حين قال: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾، وكذلك قال يعقوب ﵇: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، وكذلك خاف نبينا ﷺ حين قيل له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وكذلك أخبر الكتاب عن جماعة من الأنبياء أنهم خافوا أشياء غير الله؟ والجواب: أن معنى الآية: لا يعتقدون أنَّ شيئًا من المخلوقات يستقل بإضرارهم، ويستبد بإيذائهم دون إرادة الله ومشيئته؛ لما يعلمون أن الأمور كلها بقضاء الله وقدره، فأراد بالخوف هنا خوف العقيدة والعلم واليقين، لا خوف البشرية الذي هو من الطباع الخلقية، وخواص البشرية، ونتائج الحيوانية. ﴿وَكَفَى بِاللَّه﴾ سبحانه ﴿حَسِيبًا﴾؛ أي: محاسبًا لعباده على أعمالهم، فينبغي أن يحاسب العبد نفسه قبل محاسبة الله إياه، ولا يخاف غير الله، لا في أمر النكاح، ولا في غيره، إذا علم أن رضي الله وحكمه فيه.

стр. 10265

واعلم: أن السواك والتعطر والنكاح ونحوها من سنن الأنبياء ﵈، وليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم إلى الآن، ثم تستمر تلك العبادة في الجنة إلا الإيمان والنكاح، وقيل: المعنى: وكفى الله ناصرًا ومعينًا وحافظًا لأعمال عباده، ومحاسبًا لهم عليها، أو المعنى: وكفى بالله حاضرًا في كل مكان، يكفي عباده كل ما يخافونه. ٤٠ - ولما تزوج النبي ﷺ زينب .. قال الناس: تزوج محمد امرأة ابنه، فأنزل الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ ﷺ بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. والمختار: أنه لا يشترط في الإِسلام معرفة أب النبي ﷺ واسم جده، بل يكفي فيه معرفة اسمه الشريف، كما في "هداية المريدين"، يقال: فلان محمود، إذا حمد، ومحمد: إذا كثرت خصاله المحمودة، كما في "المفردات". قال زكريا في "شرح المقدمة الجزرية": هو البليغ في كونه محمودًا، وهو الذي حمدت عقائده وأفعاله وأقواله وأخلاقه، سماه به جده عبد المطلب بإلهام من الله سبحانه في سابع ولادته، فقيل له: لِمَ سميت محمدًا، وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ فقال: رجوت أن يحمد في السماء والأرض، وقد حقق الله رجاءَه وتفاؤله. ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ أي (١): ليس باب لزيد بن حارثة على الحقيقة حتى تحرم عليه زوجته، ولا هو أب لأحد لم يلده. قال الواحدي: قال المفسرون: لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له من الذكور من خديجة ثلاثة: القاسم، والطيب، والطاهر، وماتوا صغارًا لم يبلغ أحد منهم الحلم، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، ومات رضيعًا، وولد له من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، والثلاث الأول متن في حياته ﷺ ، وماتت فاطمة بعد أن قبض ﷺ إلى الرفيق الأعلى بستة أشهر. قال القرطبي: ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلًا. قال: وأما الحسن والحسين، فكانا طفلين، ولم يكونا رجلين معاصرين له ﷺ . ولا ينتقض عموم أحد في قوله: ﴿أَبَا أَحَدٍ﴾ بكونه أبًا للطاهر والقاسم وإبراهيم؛ لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال؛ لأن الرجل هو الذكر البالغ من بني آدم، ولو بلغوا لكانوا رجاله لا رجالهم، وكذا الحسن والحسين، كما مر آنفًا. ﴿وَلَكِنْ﴾ كان محمد ﷺ ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾؛ أي: رسولًا من رب العالمين إلى

стр. 10266

كافة الثقلين ﴿وَ﴾ كان ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾؛ أي: وكان آخرهم الذي ختموا به. والمعنى (١): أي ما كان لك أن تخشى أحدًا من الناس بزواج امرأة متبناك، لا ابنك، فإنك لست أبًا لأحد من الناس، ولكنك رسول الله في تبليغ رسالته إلى الخلق، فأنت أب لكل فرد من الأمة فيما يرجع إلى التوقير والتعظيم ووجوب الشفقة عليهم، كما هو دأب كل رسول مع أمته. وخلاصة ذلك: ليس محمد باب لأحد منكم أبوة شرعية، يترتب عليها حرمة المصاهرة ونحوها, ولكنه أب للمؤمنين جميعًا فيما يجب عليهم من توقيره وإجلاله وتعظيمه، كما أن عليه أن يشفق عليهم، ويحرص على ما فيه خيرهم وفائدتهم في المعاش والمعاد، وما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. وفي "فتح الرحمن": قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ...﴾ إلخ. هو (٢) جواب سؤال مقدر تقديره: أمحمد أبو زيد بن حارثة؟. فأجيب: بنفي الأعم المستلزم لنفي الأخص؛ إذ لو اقتصر على قوله: ما كان محمد أبا زيد، لقيل: وماذا يلزم منه، فقد كان للأنبياء أبناء، فجيء بنفي الأعم تمهيدًا للاستدراك بأنه رسول الله، وخاتم النبيين وإن قلتَ: كيف صح نفي الأبوة عنه، وكان أبًا للطيب والطاهر والقاسم وإبراهيم؟ قلت: قد قيد النفي بقوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ لأن إضافة الرجال إلى المخاطبين تخرج أبناءه؛ لأنهم رجاله لا رجالهم، ولأن المفهوم منهم بقرينة المقام الرجال البالغون، وأبناؤه ليسوا كذلك، إذ لو كان له ابن بالغ، لكان نبيًا، فلا يكون هو خاتم النبيين. فإن قلت: كيف قال تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وعيسى ﵇ ينزل بعده وهو نبي؟ قلتُ: معنى كونه خاتم النبيين: أنه لا ينبَّأ أحد بعده، وعيسى نبي قبله، وحين ينزل كان عاملًا بشريعة محمد ﷺ .

стр. 10267

وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ بتخفيف ﴿لكن﴾ ﴿رَسُولَ﴾ على إضمار كان لدلالة كان المتقدمة عليه. قيل: أو على العطف على ﴿أَبَا أَحَدٍ﴾، وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو بالتشديد، والنصب على أنه اسم لكن، والخبر محذوف، تقديره: ولكن رسول الله وخاتم النبيين هو؛ أي: محمد ﷺ ، وحذف خبر لكن وأخواتها جائز إذا دل عليه دليل، كقول الشاعر: فَلَوْ كُنْتُ ظَبْيًا مَا عَرَفْتَ قَرَابَتِيْ ... وَلَكِنَّ زِنْجِيًّا عَظِيْمَ الْمَشَافِرِ أي: أنت لا تعرف قرابتي، وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة بالتخفيف ورفع رسول الله وخاتم النبيين. أي: ولكن هو رسول الله. وقرأ الجمهور: ﴿وَخَاتَمَ﴾ بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم؛ أي: جاء آخرهم، وقرأ الحسن والشعبي وزيد بن علي والأعرج بخلاف عنه، وعاصم: بفتح التاء، بمعنى أنهم به ختموا، فهو كالخاتم والطابع لهم الذي يتختمون به، ويتزينون بكونه منهم، وقيل: كسر التاء وفتحها لغتان، قال أبو عبيد: الوجه الكسر, لأن التأويل أنه ختمهم، فهو خاتمهم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الموجودات ﴿عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا. ومن جملة معلوماته هذه: الأحكام المذكورة هنا، وأنه لا نبي بعده، فيعلم من يليق بأن يختم به النبوة، وكيف ينبغي لشأنه، ولا يعلم أحد سواه ذلك. والخلاصة: أنه سبحانه يعلم من الأجدر بالبدء به من الأنبياء، ومن الأحق بأن يكون خاتمهم، ويعلم المصالح في ذلك، ونحو الآية قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية (٢): هي نص على أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده .. فلا رسول بطريق الأولى، والأحرى, لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس. وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ ، فمن رحمة الله بالعباد إرسال محمد إليهم، ثم من تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له. وقد أخبر الله في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة، عن: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادَّعى هذا

стр. 10268

المقام بعده كذاب أفاك دجال ضال مضل، ولو تخرق وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى سبحانه على يدي الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة، والأقوال الباردة. ٤١ - ثم أمر سبحانه عباده بأن يستكثروا من ذكره بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير، وبكل ما هو ذكر لله تعالى، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، وصدَّقوهما ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ سبحانه بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ في (١) جميع الأوقات ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، وفي عموم الأمكنة برًا وبحرًا، سهلًا وجبلًا، وفي كل الأحوال حضرًا وسفرًا، صحة وسقمًا، سرًا وعلانيةً، قيامًا وقعودًا، وعلى الجنوب، وفي الطاعة بالإخلاص، وسؤال القبول والتوفيق، وفي المعصية بالامتناع منها، وبالتوبة والاستغفار، وفي النعمة بالشكر، وفي الشدة بالصبر، فإنه ليس للذكر حد معلوم كسائر الفرائض، ولا لتركه عذر مقبول إلا أن يكون المرء مغلوبًا على عقله. ثم إن ذكر الله، وان كان يشمل الصلاة والتلاوة والدراسة ونحوها، إلا أن أفضل الأذكار: لا إله إلا الله، فالاشتغال به منفردًا، ومع الجماعة محافظًا على الآداب الظاهرة والباطنة ليس كالاشتغال بغيره. وقال بعضهم: الأمر بالذكر الكثير إشارة إلى محبة الله تعالى، يعني: أحبوا الله؛ لأن النبي ﷺ قال: "من أحب شيئًا أكثر من ذكره". وقال مجاهد: الذكر الكثير: أن لا ينساه أبدًا، وقال الكلبي: الذكر الكثير بالصلوات الخمس. ٤٢ - وقال مقاتل: هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال. ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾؛ أي: نزهوه تعالى عما لا يليق به ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾؛ أي: أول النهار وآخره، وقد يذكر الطرفان، ويفهم منهما الوسط، فيكون المراد: سبحوه في جميع الأوقات خصوصًا في الوقتين المذكورين المفضلين على سائر الأوقات؛ لكونهما مشهودين على ما دل قوله ﵊: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل

стр. 10269

وملائكة بالنهار"، وتخصيصهما بالذكر لمزيد ثواب التسبيح فيهما، وخص التسبيح بالذكر بعد دخوله تحت عموم قوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ تنبيهًا على مزيد شرفه، وإنافة ثوابه على غيره من الأذكار، وقيل: أفرد التسبيح بالذكر من بين الأذكار؛ لكونه العمدة فيها من حيث إنه من باب التخلية. وفي الحديث: "أربع لا يمسك عنهن جنب: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" فإذا قالها الجنب .. فالمحدث أولى، فلا منع من التسبيح على جميع الأحوال إلا أن الذكر على الوضوء والطهارة من آداب الرجال. وقيل: المراد بالتسبيح بكرة: صلاة الفجر، وبالتسبيح أصيلًا: صلاة المغرب، وقال قتادة وابن جرير: المراد: صلاة الغداة وصلاة العصر، وقال الكلبي: أما بكرة: فصلاة الفجر، وأما أصيلًا: فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وقيل (١): خص البكرة والأصيل بالذكر: لأن وقت البكرة وقت القيام من النوم، وهو يُعَدُّ كأنه حياة جديدة بعد موت، ووقت الأصيل: وقت الانتهاء من العمل اليومي، فيكون الذكر شكرًا له على توفيقه لأداء الأعمال، والقيام بالسعي على الأرزاق، فلم يبق إلا السعي إلى ما يقربه من ربه بالعمل للآخرة. ٤٣ - ثم ذكر السبب في هذا الذكر والتسبيح، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: إن ربكم الذي تذكرونه الذكر الكثير، وتسبحونه بكرةً وأصيلًا هو الإله الذي يصلي عليكم، ويرحمكم، ويثني عليكم في الملأ الأعلى، ويعتني بكم بالرحمة والمغفرة والتزكية ﴿و﴾ تصلي عليكم ﴿ملائكته﴾؛ أي: تستغفر لكم ملائكته؛ أي: هو الذي يصلي عليكم، ويأمر ملائكته بالدعاء والاستغفار لكم، و ﴿هُوَ﴾ (٢) معطوف على المستكن في ﴿يُصَلِّي﴾ لمكان الفصل المغني عن التأكيد بالمنفصل. فالمراد بالصلاة: المعنى المجازي الشامل للرحمة والاستغفار، وهو الاعتناء بما فيه خيرم، وصلاح أمرهم، فلا يجوز أن يراد بالصلاة أولًا الرحمة، والاستغفار ثانيًا، فإن استعمال اللفظ الواحد في معنيين متغايرين مما لا مساغ له، بل على أن يراد بها معنى مجازي عام يكون كلا المعنيين فردًا له حقيقيًا، وهو

стр. 10270

الاعتناء بما فيه خيرهم وصلاح أمرهم، فإن كلًّا من الرحمة والاستغفار فرد حقيقي له. اهـ "أبو السعود". فالله يهديكم برحمته، والملائكة يستغفرون لكم، وفي هذا من التحريض على ذكره، والتسبيح له ما لا يخفى. واللام في قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُصَلِّي﴾؛ أي: يصلي عليكم ليخرجكم الله سبحانه بتلك الصلاة والعناية، وإنما لم يقل: ليخرجاكم؛ لئلا يكون للملائكة منة عليهم بالإخراج، ولأنهم لا يقدرون على ذلك؛ لأن الله هو الهادي في الحقيقة لا غير؛ أي: يعتني هو وملائكته بأموركم ليخرجكم ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: من ظلمات المعاصي ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: إلى نور الطاعات، ومن ظلمة الضلالة إلى نور الهدى، جمع الظلمات لتعدد أنواع الكفر، وأفرد الثاني لأن الإيمان شيء واحد لا تعدد فيه. اهـ شيخنا". أي: ليخرجكم بسبب رحمته، ودعاء الملائكة من ظلمات الجهل والشرك والمعصية والشك والضلالة والبشرية وصفاتها، إلى نور العلم والتوحيد والطاعة واليقين والهدى والروحانية وصفاتها. ومعنى الآية (١): تثبيت المؤمنين على الهداية، ودوامهم عليها؛ لأنهم كانوا وقت الخطاب على الهداية، ثم أخبر سبحانه برحمته للمؤمنين تأنيسًا لهم، وتثبيتًا فقال: ﴿وَكَانَ﴾ سبحانه في الأزل قبل إيجاد الملائكة المقربين ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بكافتهم قبل وجدانهم العينية ﴿رَحِيمًا﴾؛ولذلك فعل بهم ما فعل من الاعتناء بصلاحهم بالذات وبواسطة الملائكة، فلا تتغير رحمته بتغير أحوال من سعد في الأزل، وفي هذه الجملة تقرير لمضمون ما تقدمها. والمعنى (٢): أي إنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان, وكان رحيمًا بالمؤمنين في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصَّرهم الطريق الذي حاد عنه سواهم من الدعاة إلى الكفر، وأما الآخرة: فإنه آمنهم من الفزع الأكبر، ٤٤ - وأمر الملائكة أن يتلقوهم بالبشارة بالفوز بالجنة، والنجاة من النار، وهذا ما أشار إليه بقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾؛ أي: تحية المؤمنين من الله سبحانه يوم لقائهم له عند الموت، أو عند البعث، أو عند دخول الجنة هي: التسليم عليهم منه .

стр. 10271

وقيل: المراد: تحية بعضهم لبعض يوم يلقون ربهم: سلام، وذلك لأنه كان بالمؤمنين رحيمًا، فلما شملتهم رحمته، وأمنوا من عقابه .. حيَّا بعضهم بعضًا سرورًا واستبشارًا، والمعنى: سلامة لنا من عذاب النار. قال الزجاج: المعنى: فيسلمهم الله من الآفات، ويبشرهم بالأمن من المخافات يوم يلقونه. والإضافة (١) في ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، والضمير عائد على المؤمنين، والضمير في ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ عائد على الله سبحانه؛ أي: ما يحيون به يوم يلقون الله سبحانه عند الموت، أو عند البعث من القبور، أو عند دخول الجنة: سلام؛ أي: تسليم من الله تعالى عليهم تعظيمًا لهم، أو تسليم من الملائكة بشارة لهم بالجنة، أو تكرمة لهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، أو إخبارًا بالسلامة من كل مكروه وآفة وشدة. وقيل: الضمير في يلقونه راجع إلى ملك الموت، وهو الذي يحييهم، كما ورد أنه لا يقبض روح كل مؤمن إلا سلم عليه، وعن أنس ﵁: "إذا جاء ملك الموت إلى وليِّ الله سلَّم عليه، وسلامه عليه أن يقول: السلام عليك يا وليَّ الله، قم فأخرج من دارك التي خربتها إلى دارك التي عمرتها، فإذا لم يكن وليًا لله قال له: قم فأخرج من دارك التي عمرتها إلى دارك التي خربتها" ... قال بعضهم: عمارة الدنيا: بزرع الحبوب، وتكثير القوت، وجري الأنهار، وغرس الأشجار، ورفع أبنية الدور، وتزيين القصور، وعمارة الآخرة: بالأذكار، والأعمال، والأخلاق، والأحوال. اهـ. ﴿وَأَعَدَّ﴾ الله سبحانه ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للمؤمنين في الجنة، وهيأ لهم ﴿أَجْرًا كَرِيمًا﴾؛ أي؛ ثوابًا حسنًا دائمًا مما تشتهيه أنفسهم، وتلذه أعينهم، وهو نعيم الجنة، وهو بيان لآثار رحمته الفائضة عليهم عقيب بيان آثار رحمته الواصلة إليهم قبل ذلك. وإيثار الجملة الفعلية دون وأجرهم أجر كريم ونحوه؛ لمراعاة الفواصل، وفيه إشارة إلى سبق العناية الأزلية في حقهم؛ لأن في الإعداد تعريفًا بالإحسان السابق،

стр. 10272

والأجر الكريم ما يكون سابقًا على العمل، بل يكون العمل من نتائج الكرم. ثم هذه الآية من أكبر نعم الله على هذه الأمة، ومن أدل دليل على أفضليتها على سائر الأمم، والمعنى: أي (١): وهيأ لهم ثوابًا حسنًا في الآخرة، يأتيهم بلا طلب بما يتمتعون به من لذات المآكل والمشارب والملابس والمساكن، في فسيح الجنات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. الإعراب ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾. ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يَقْنُتْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَن﴾ مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْكُنَّ﴾ حال من فاعل ﴿يَقْنُتْ﴾. ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَقْنُتْ﴾، ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة، وذكر الضمير في ﴿مَن﴾ نظرًا للفظ. ﴿وَتَعْمَلْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَن﴾، معطوف على ﴿يَقْنُتْ﴾ وأنث الضمير هنا نظرًا إلى معنى ﴿مَن﴾. ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به. ﴿نُؤْتِهَا﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول أول مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة. ﴿أَجْرَهَا﴾: مفعول ثان لآتى؛ لأنه بمعنى: أعطى. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لنيابته عن المصدر؛ لأنه بمعنى: إتياءتين، أو منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿نُؤْتِهَا﴾، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم، معطوف على ﴿نُؤْتِهَا﴾ على كونها جواب ﴿من﴾ الشرطية. ﴿لَهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَعْتَدْنَا﴾. ﴿رِزْقًا﴾: مفعول به. ﴿كَرِيمًا﴾: صفة ﴿رِزْقًا﴾. ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾: منادى مضاف، معطوف بعاطف مقدَّر على المنادى السابق.

стр. 10273

﴿لَسْتُنَّ﴾: فعل ناقص واسمه، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير لجماعة الإناث المخاطبات في محل الرفع اسمها، والنون علامة جمع الإناث. ﴿كَأَحَدٍ﴾: خبر ﴿لَسْتُنَّ﴾. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾: صفة لـ ﴿أحد﴾. وجملة ليس جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنِ﴾: حرف شرط. ﴿اتَّقَيْتُنَّ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنِ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع، ومفعول التقوى محذوف، تقديره: إن اتقيتن الله، وجواب ﴿إِنِ﴾ الشرطية محذوف، تقديره: فإنكن أعظم أجرًا من غيركن، وجملة ﴿إِنِ﴾ الشرطية مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتن أنكن لستن كأحد من النساء، وأردتن بيان ما هو اللائق لمنصبكن .. فأقول لكن: لا تخضعن. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَخْضَعْنَ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ويجوز أن تكون الفاء رابطة الجواب، وجملة ﴿لا تخضعن﴾ في محل جزم بـ ﴿إِنِ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها ﴿بِالْقَوْلِ﴾، متعلق بـ ﴿تَخْضَعْنَ﴾، أو حال من ضمير الفاعل؛ أي: لا تلن حال كونكن متلبسات بالقول. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. ﴿فَيَطْمَعَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية ﴿يطمع﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي. ﴿الَّذِي﴾: فاعل. ﴿فِي قَلْبِهِ﴾: خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك؛ لإصلاح المعنى تقديره: لا يكن منكن خضوع بالقول، فطمع الذي في قلبه مرض. ﴿وَقُلْنَ﴾: الواو: عاطفة. ﴿قلن﴾: فعل أمر مبني على السكون، والنون: فاعل. ﴿قَوْلًا﴾: مفعول مطلق مبين للنوع. ﴿مَعْرُوفًا﴾: صفة ﴿قَوْلًا﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾. ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ

стр. 10274

الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾. ﴿وَقَرْنَ﴾: فعل أمر مبني على السكون، والنون: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قلن﴾. ﴿في يوتكن﴾: متعلق بـ ﴿قرن﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَبَرَّجْنَ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة في محل الرفع فاعل. ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: مفعول مطلق مبيِّن للنوع ﴿الْأُولَى﴾: صفة للجاهلية، والجملة معطوفة على جملة ﴿قرن﴾. ﴿وَأَقِمْنَ﴾: فعل أمر مبني على السكون، والنون: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قرن﴾. ﴿الصَّلَاةَ﴾: مفعول به. ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ما قبله. ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ما قبله عطف عام على خاص. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل جميع ما قبلها. ﴿لِيُذْهِبَ﴾ ﴿اللام﴾: لام كي. ﴿يذهب﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿عَنْكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿يذهب﴾. ﴿الرِّجْسَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير: إنما يريد الله لإذهاب الرجس عنكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُرِيدُ﴾، واللام زائدة في المعنى؛ أي: إنما يريد الله إذهاب الرجس عنكم ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾: منصوب على الاختصاص؛ أي: أخصَّ أهل البيت، أو منصوب على أنه منادى مضاف حذف منه حرف النداء. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾: فعل، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به معطوف على ﴿يذهب﴾. ﴿تَطْهِيرًا﴾: مفعول مطلق. ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾. ﴿وَاذْكُرْنَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿اذكرن﴾: فعل أمر مبني على السكون، والنون: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قرن﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿يُتْلَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل يعود على ﴿مَا﴾. ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: متعلق بـ ﴿يُتْلَى﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿مِنْ آيَاتِ

стр. 10275

اللَّهِ﴾: حال من نائب فاعل ﴿يُتْلَى﴾. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾: معطوف على ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿لَطِيفًا﴾: خبر أول لـ ﴿كَانَ﴾. ﴿خَبِيرًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾. ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ معطوف على ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾، وكذا قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ﴾: معطوفات على ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ على كونها اسمًا لـ ﴿إِنَّ﴾ المكسورة. ﴿فُرُوجَهُمْ﴾: مفعول ﴿الحافظين﴾. ﴿وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ﴾: معطوفان على اسم ﴿إِنَّ﴾ المكسورة، ولفظ ﴿اللَّهَ﴾: مفعول ﴿الذاكرين﴾. ﴿كَثِيرًا﴾: مفعول مطلق لـ ﴿الذاكرين﴾؛ لأنه صفة مصدر محذوف، أي: ذكرًا كثيرًا. ﴿وَالذَّاكِرَاتِ﴾: معطوف أيضًا على اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَعَدَّ﴾. ﴿مَغْفِرَةً﴾: مفعول به لـ ﴿أَعَدَّ﴾. ﴿وَأَجْرًا﴾: معطوف على ﴿مَغْفِرَةً﴾. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة ﴿أَجْرًا﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها. ﴿وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾: معطوفة عليه. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿قَضَى اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾. ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به لقضى،

стр. 10276

﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿أَنْ﴾. ﴿لَهُمُ﴾: خبر مقدم لـ ﴿يَكُونَ﴾. ﴿الْخِيَرَةُ﴾: اسم ﴿يَكُونَ﴾ مؤخر. ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾: حال من ﴿الْخِيَرَةُ﴾، أو متعلق بـ ﴿الْخِيَرَةُ﴾، وتكون ﴿مِن﴾ بمعنى: في، وجملة ﴿يَكُونَ﴾ مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم كان، والتقدير: ما كان كون الخيرة في أمرهم كائنًا لمؤمن ولا مؤمنة وقت قضاء الله سبحانه، ورسوله ﷺ أمرًا في شؤونهم، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة مسوقة لبيان قصة زينب بنت جحش، وزوجها زيد بن حارثة. ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يَعْصِ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَن﴾ الشرطية مجزوم بحذف حرف العلة. ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف عليه. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لاقترانه بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ الشرطية. ﴿ضَلَالًا﴾: مفعول مطلق. ﴿مُبِينًا﴾: صفته، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾. ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾. ﴿وَإِذْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان. ﴿تَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد. ﴿لِلَّذِي﴾: متعلق بـ ﴿تَقُولُ﴾، والظرف متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾، أو مستأنفة. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾: معطوف على ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ﴾. ﴿أَمْسِكْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على زيد بن حارثة، والجملة في محل نصب مقول ﴿تَقُولُ﴾. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَمْسِكْ﴾، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: على نفسك. ﴿زَوْجَكَ﴾: مفعول به، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿أَمْسِكْ﴾. ﴿وَتُخْفِي﴾: ﴿الواو﴾: حالية أو عاطفة. ﴿تخفي﴾: فعل مضارع، وفاعل

стр. 10277

مستتر يعود على محمد. ﴿فِي نَفْسِكَ﴾: متعلق بـ ﴿تخفي﴾، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تَقُولُ﴾، أو معطوفة على جملة ﴿تَقُولُ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿تخفي﴾. ﴿اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول. ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾: فعل، وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تخفي﴾، أو معطوفة عليه. ﴿وَاللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿أَحَقُّ﴾: خبره. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تَخْشَاهُ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه بدل اشتمال من لفظ الجلالة، والتقدير: والله خشيته أحق وأولى من خشية الناس، أو منصوب بنزع الخافض المتعلق بـ ﴿أَحَقُّ﴾، تقديره: والله أحق بخشيته من خشية الناس، وجوز أبو البقاء أن يكون ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾: مبتدأ، و ﴿أَحَقُّ﴾: خبره مقدم عليه، والجملة خبر عن لفظ الجلالة، والجملة الاسمية على جميع التقادير حال من فاعل ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿قَضَى زَيْدٌ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿قَضَى﴾. ﴿وَطَرًا﴾: مفعول ﴿قَضَى﴾. ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعولان, والجملة جواب ﴿لمّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لمّا﴾ مستأنفة. ﴿لكي﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿كي﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿كي﴾. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: خبر ﴿يَكُونَ﴾ مقدم على اسمها. ﴿حَرَجٌ﴾: اسم ﴿يَكُونَ﴾ مؤخر. ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿حَرَجٌ﴾، وجملة ﴿يَكُونَ﴾ مع ﴿كي﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ على أنه تعليل للتزويج؛ أي: زوجناكها لرفع حرج كائن على المؤمنين في حرمة أزواج أدعيائهم عليهم. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط. ﴿قَضَوْا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْهُنَّ﴾: متعلق بـ ﴿قَضَوْا﴾. ﴿وَطَرًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾. والظرف متعلق بـ ﴿يَكُونَ﴾ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معترضة، أو معطوفة على جملة ﴿لمّا﴾. ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ

стр. 10278

أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم. ﴿مِن﴾: زائدة. ﴿حَرَجٍ﴾: اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخر. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور صفة ﴿حَرَجٌ﴾، وجملة ﴿فَرَضَ اللَّهُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: فرضه الله. ﴿له﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرَضَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة مسوقة لنفي الحرج في زواجه ﷺ بزينب. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، تقديره: سن الله له ذلك؛ أي: كثرة النساء سنة الذين خلوا من قبل، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي: كسنة الله في الأنبياء الذين خلوا من قبل. ﴿فِي الَّذِينَ﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾؛ أي: حالة كونها متبعة في الذين خلوا، وجملة ﴿خَلَوْا﴾ صلة الموصول. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَوْا﴾. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿قَدَرًا﴾: خبره. ﴿مَقْدُورًا﴾: صفة لازمة له للتأكيد كيوم أيوم، وليل أليل، وظل ظليل. وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة. ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من الموصول الأول، أو صفة له، أو في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين ﴿يُبَلِّغُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾: مفعول به. ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿يُبَلِّغُونَ﴾. ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿اللَّهَ﴾: مستثنى من ﴿أَحَدًا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يخشون﴾. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾: فعل وفاعل، والباء زائدة. ﴿حَسِيبًا﴾: حال أو تمييز، والجملة مستأنفة. ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ مُحَمَّدٌ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿أَبَا أَحَدٍ﴾: خبره منصوب بالألف. ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: صفة لـ ﴿أَحَدٍ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة، ﴿وَلَكِنْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك مهمل لكونها مخففة. ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾: معطوف على ﴿أَبَا أَحَدٍ﴾، ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾: معطوف على ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾، أو خبر

стр. 10279

لكان المحذوفة لدلالة السابقة عليها؛ أي: ولكن كان رسول الله وخاتم النبيين. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمًا﴾. ﴿عَلِيمًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لأي، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿ذِكْرًا﴾: مفعول مطلق مؤكد لعامله. ﴿كَثِيرًا﴾: صفته. ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿اذْكُرُوا﴾. ﴿بُكْرَةً﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿سبحوه﴾. ﴿وَأَصِيلًا﴾: معطوف على ﴿بُكْرَةً﴾. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾. ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر. ﴿يُصَلِّي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر صلة الموصول. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُصَلِّي﴾، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالذكر والتسبيح. ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾: معطوف على الضمير المستكن في ﴿يُصَلِّي﴾. ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يخرجكم﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿يخرج﴾، وكذا قوله: ﴿إِلَى النُّورِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإخراجه إياكم من الظلمات إلى النور، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُصَلِّي﴾. ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾: ﴿وَكَانَ﴾: فعل ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود على الله. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلق بـ ﴿رَحِيمًا﴾. ﴿رَحِيمًا﴾: خبر كان، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة. ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾: مبتدأ، والهاء: مضاف إليه، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله؛ أي: يحيون يوم لقائه بسلام. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، وجملة ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ مضاف إليه للظرف، والظرف متعلق بمحذوف حال من ضمير الغائبين. ﴿سَلَامٌ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لبيان ما أعد لهم في الآخرة، ﴿وَأَعَدَّ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَعَدَّ﴾، ﴿أَجْرًا﴾: مفعول به. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة ﴿أَجْرًا﴾. والله أعلم.

стр. 10280

التصريف ومفردات اللغة ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ قال الراغب القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ والإعتاد: التهيئة من العتاد، وهو العدة. قال الراغب: الإعتاد: ادِّخار الشيء قبل الحاجة إليه كالإعداد، وقيل: أصله أعددنا، فأبدلت الدال تاء فرارًا من توالي مثلين. ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ قال الراغب في "المفردات": كل شيء يشرف في بابه، فإنه كريم. ﴿كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وأصل أحد: وحد بمعنى: الواحد، قلبت واوه همزةً على خلاف القياس، ثم وضع في النفي العام مستويًا فيه المذكر والمؤنث، والواحد والكثير، كما قاله الزمخشري. وفي "الإتقان": قال أبو حاتم: أحد: اسم أكمل من الواحد، ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان، بخلاف قولك: لا يقوم له أحد، وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار أحد، فيكون قد شمل عموم المخلوقين من الدواب والطير الوحشي والأنسي، فيعم الناس وغيرهم، بخلاف قولك: ليس في الدار واحد، فإنه مخصوص بالآدميين دون غيرهم، قال: ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الواحد، فيستعمل في الإثبات والنفي، نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾؛ أي: واحد، و ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾، و ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾، "ولا فضل لأحدٍ على أحد". واحد: يستعمل في المذكر والمؤنث، قال تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ بخلاف الواحد، فلا يقال: كواحد من النساء، بل كواحدة. قلت: ولهذا وصف به في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ بخلاف الواحد، والأحد: له جمع من لفظه، وهو الأحدون والآحاد، وليس للواحد جمع من لفظه، فلا يقال: واحدون، بل اثنان وثلاثة، والأحد ممتنع الدخول في الضرب والعدد والقسمة وفي شيء من الحساب بخلاف الواحد. ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ والخضوع: التطامن والتواضع والسكون، والمرأة مأمورة بالغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب. ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ قرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بفتح القاف في المضارع بناء

стр. 10281

على أنه من باب علم، وأصله: اقررن، نقلت حركة الراء الأولى إلى القاف، وحذفت لالتقاء الساكنين، ثم حذفت همزة الوصل استغناءً عنها بحركة القاف المنقولة من الراء، فصار: قرن، ووزنه الحالي: فَلْنَ، والأصل: افعلن، وقرأ الباقون ﴿قرن﴾ بكسر القاف لما أنه أمر من وقر يقر كوعد يعد وقارًا، إذا ثبت وسكن، وأصله: أوقرن، فحذفت الواو تخفيفًا، ثم الهمزة استغناءً عنها بحركة القاف، فصار: قرن، ووزنه الحالي: علن، أو من قر يقر بكسر القاف في المضارع؛ لأنه من باب ضرب، فأصله: اقررن، نقلت كسرة الراء إلى القاف، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فاستغني عن همزة الوصل، فصار: قرن، ووزنه الحالي: فلن. ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ بترك إحدى التاءين، وأصله: تتبرجن؛ أي: لا تتبخترن في مشيكن. وفي "القاموس": تبرجت المرأة: أظهرت زينتها ومحاسنها للأجانب. انتهى. قال الراغب: يقال: ثوب متبرج: صُوِّر عليه بروج، واعتبر حسنه، فقيل: تبرجت؛ أي: تشبهت به في إظهار الزينة والمحاسن للرجال؛ أي: مواضعها الحسنة، وأصل التبرج صعود البرج، وذلك أن من صعد البرج ظهر لمن نظر إليه، قاله أبو علي. انتهى. وقيل: تبرجت المرأة: ظهرت من برجها؛ أي: من قصرها، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾، كما في "المفردات". ﴿الْجَاهِلِيَّةِ﴾: هي حالة الجهل بالله، والوثنية في بلاد العرب قبل الإِسلام، أو الزمن الذي تقدمه، وأصح ما قيل في الجاهلية: أنهما جاهليتان: أولى، وأخيرة. فالأولى: هي القديمة، ويقال لها: الجاهلية الجهلاء، وهي تمتد إلى أبعد الآماد، والجاهلية الأخيرة: تمتد من منتصف القرن الخامس الميلادي، وفي الجاهلية الأولى كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ، فتمشي في منتصف الطريق تعرض نفسها على الرجال، فنهين عن ذلك. ﴿الرِّجْسَ﴾ الرجس في الأصل: الشيء القذر، والمراد به هنا: الذنب المدنس للعرض، وعرض الرجل: جانبه الذي يصونه. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قال الراغب: أهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو

стр. 10282

ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد وضيعة، فأهل الرجل في الأصل: من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبي ﷺ مطلقًا إذا قيل: أهل البيت، يعني: أهل البيت متعارف في آل النبي ﷺ من بني هاشم. فصل في إجمال أسماء زوجاته ﷺ قال ابن الكلبي: إن النبي ﷺ تزوج خمس عشرة امرأةً، ودخل بثلاث عشرة، وجمع بين إحدى عشرة، وتوفي عن تسع، وقد جمع أحمد المرزوقي هذه التسعة بقوله: عَائشَةٌ وَحَفْصَةٌ وَسَوْدَهْ ... صفِيَّةٌ مَيْمُوْنَةٌ وَرَمْلَهْ هِنْدٌ وَزَيْنَبٌ كَذَا جُوَيْرِيَّهْ ... لِلْمُومِنِيْنَ أُمَّهَاتٌ مَرْضِيَّه ١ - خديجة بنت خويلد، وكانت قبله تحت عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ومات عنها، وتزوجها بعده أبو هالة بن زرارة بن النباش التميمي، فولدت له هند، ثم مات عنها، وتزوجها بعده النبي ﷺ ، فولدت له ثمانية: القاسم، والطيب، والطاهر، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. فأما الذكور: فماتوا وهم صغار، وأمَّا الإناث فبلغن ونكحن وولدن، ولم يتزوج على خديجة أحدًا، وكان موتها قبل الهجرة بثلاث سنين. ٢ و٣ - سودة بنت زمعة، وقيل: عائشة، وكانت بنت ست سنين، فدخل بها في المدينة وهي ابنة تسع، ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة، وماتت سنة ثمان وخمسين، وأما سودة: فكانت امرأة ثيبًا، وكانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبد شمس، ومات عنها، فخلف عليها رسول الله، ودخل بها بمكة. ٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبله تحت خميس بن حذافة السهمي، وكان بدريًا، وماتت بالمدينة في خلافة عثمان. ٥ - أم سلمة ابنة أبي أمية المخزومية، وكانت قبله تحت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، شهد بدرًا، وأصابته جراحة يوم أحد فمات عنها، فتزوجها

стр. 10283

رسول الله ﷺ قبل الأحزاب. ٦ - زينب بنت خزيمة من بني عامر بن صعصعة، ويقال لها: أم المساكين، وتوفيت في حياته، ولم يمت غيرها وغير خديجة في حياته ﷺ ، وكانت زينب قبله تحت الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب. ٧ - جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار الخزاعية من بني المصطلق، وكانت تحت مالك بن صفوان. ٨ - أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش، وكانت من مهاجرة الحبشة، فتنصر ومات بها، فأرسل رسول الله ﷺ إلى النجاشي، فخطبها عليه وتزوجها، وهي بالحبشة، وساق النجاشي المهر لها عن رسول الله، وماتت في خلافة أخيها معاوية. ٩ - زينب بنت جحش، كما سبقت قصتها. ١٠ - صفية بنت حيي بن أخطب تزوجها الرسول ﷺ عام خيبر. ١١ - ميمونة ابنة الحارث الهلالية، وكانت قبله تحت عمير بن عمرو الثقفي، فمات عنها، وخلف عليها أبو زهير بن عبد العزى، ثم رسول الله ﷺ ، وهي خالة ابن عباس وخالد بن الوليد. ١٢ - امرأة من بني كليب يقال لها: شاة بنت رفاعة، وقيل: سنا بنت الصلت، وقيل: ابنة الصلت بن حبيب، توفيت قبل أن يدخل بها، وقيل: الشنياء دخل بها، ومات ابنه إبراهيم فقالت: لو كان نبيًا ما مات ولده فطلقها. ١٣ - غزية بنت جابر الكلابية، قال ابن الكلبي: غزية هي أم شريك، فلما قدمت على النبي، وأراد أن يخلو بها .. استعاذت منه، فردها. ١٤ - العالية ابنة ظبيان فجامعها، ثم فارقها. ١٥ - قتيلة بنت قيس، أخت الأشعث، فتوفي عنها قبل أن يدخل بها، فارتدت. ١٦ - فاطمة بنت الضحاك، وقيل: تزوج خولة ابنة الهذيل بن هبيرة، وليلى ابنة الحطيم عرضت نفسها عليه فتزوجها وفارقها.

стр. 10284

قال ابن الكلبي: أما من خطب النبي ﷺ من النساء ولم ينكحها، فأم هانىء بنت أبي طالب، خطبها ولم يتزوجها. وضباعة ابنة عامر من بني قشير، وصفية بنت بشامة الأعور العنبري، وأم حبيبة ابنة عمه العباس، فوجد العباس أخًا له من الرضاعة فتركها، وجمرة بنت الحارث بن أبي حارثة خطبها، فقال أبوها: بها سوء، ولم يكن بها وجع، فرجع إليها فوجدها قد برصت. وأما سراريه ﷺ فأربع: الأولى: مارية ابنة شمعون القبطية، ولدت له إبراهيم. والثانية: ريحانة ابنة زيد القرظية، وقيل: هي من بني النضير. والثالثة: نفيسة، وهبتها له زينب بنت جحش. والرابعة: أصابها في بعض السبي، ولم يعرف اسمها. وفي "المواهب": رواية أخرى يختلف فيها الأسماء بعض الاختلاف، ويطول بنا القول لو نقلناها، فليرجع إليها من شاء. ﴿وَالْخَاشِعِينَ﴾ قال بعضهم: الخشوع: انقياد الباطن للحق، والخضوع: انقياد الظاهر له. وفي "القاموس": الخشوع: الخضوع، أو هو في البدن، والخشوع في الصوت. ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ﴾ وفي "المفردات": الصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوع به، والزكاة للواجب. وقيل: يسمَّى الواجب صدقة إذا تحرى صاحبه الصدق في فعله. ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ وفي "المفردات": الفرج والفرجة: الشق بين الشيئين، كفرجة الحائط، والفرج: ما بين الرجلين، وكني به عن السوءة، وكثر حتى صار كالصريح فيه. ﴿الْخِيَرَةُ﴾ - بالكسر -: اسم من الاختيار؛ أي: أن يختاروا. ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وإمساك الشيء: التعلق به وحفظه. ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الإبداء: الإظهار. ﴿وَطَرًا﴾ قال في "القاموس": الوطر محركة: الحاجة، أو حاجة لك فيها همٌّ وعناية، فإذا بلغتها .. فقد قضيت وطرك.

стр. 10285

وفي "الوسيط": معنى قضاء الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء. يقال: قضى منها وطرًا: إذا بلغ ما أراد من حاجة فيها، ثم صار عبارة عن الطلاق؛ لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. انتهى. ﴿حَرَجٌ﴾؛ أي: ضيق وشدة. قال في "المفردات": أصل الحرج: مجتمع الشجر، وتصور منه ضيق بينها، فقيل للضيق: حرج، وللإثم حرج. ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ والأدعياء: جمع دعي، وهو الذي يُدَّعى ابنًا من غير ولادة. ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾؛ أي: قسم الله له وقدر، من قولهم: فرض له في الديوان كذا، ومنه: فروض العساكر لأرزاقهم. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: اسم موضوع موضع المصدر مؤكد لما قبله من نفي الحرج؛ أي: سن الله نفي الحرج سنة؛ أي: جعله طريقة مسلوكة. ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾؛ أي: مضوا، قال في "المفردات": الخلو: يستعمل في الزمان والمكان، لكن لما تصور في الزمان المضي .. فسر أهل اللغة قولهم: خلا الزمان بقولهم: مضى وذهب. انتهى. وقال بعضهم: الخلو في الحقيقة حال الزمان والمكان؛ لأن المراد خلوهما عما فيهما بموت ما فيهما. فافهم. ﴿رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ جمع: رسالة، والمراد: ما يتعلق بالرسالة، وهي سفارة العبد بين الله وبين ذوي الألباب من خلقه؛ أي: إيصال الخبر من الله إلى العبد. ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ الرسول والمرسل بمعنى واحد، من: أرسلت فلانًا في رسالة، فهو مرسل ورسول. قال القهستاني: الرسول: فعول، مبالغة: مفعول بضم الميم وفتح العين بمعنى: ذي رسالة، اسم من الإرسال، وفعول هذا لم يأت إلا نادرًا. واصطلاحًا: هو من بعث لتبليغ الأحكام ملكًا كان، أو إنسانًا، بخلاف النبي فإنه مختص بالإنسان، وهذا الفرق هو المعول عليه. انتهى. ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ والخاتم - بفتح التاء -: آلة الختم بمعنى ما يختم به، كالطابع بمعنى: ما يطبع به، والمعنى عليه: وكان آخرهم الذي ختموا به، وبكسرها: آخر الشيء؛ أي: كان خاتمهم؛ أي: فاعل الختم. ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ والذكر: إحضار الشيء في القلب، أو في القول، وهو

стр. 10286

ذكر عن نسيان، وهو حال العامة، أو إدامة الحضور والحفظ، وهو حال الخاصة؛ إذ ليس لهم نسيان أصلًا، وهم عند مذكورهم مطلقًا. ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ قال في "المفردات": السبح: المر السريع في الماء، أو في الهواء، والتسبيح: تنزيه الله، وأصله: المر السريع في عبادة الله، وجعل عامًا في العبادات قولًا كان أو فعلًا أو نية. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الظلمة: عدم النور، ويعبَّر بها عن الجهل والشرك والفسق ونحوها، كما يعبر بالنور عن أضدادها. ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، كما مر؛ أي: ما يحيون به، والتحية: الدعاء بالتعمير بأن يقال: حياك الله؛ أي: جعل لك حياة، ثم جعل كل دعاء تحية لون جميعه غير خارج عن حصول الحياة، أو سبب حياة، إما لدنيا، وإما لآخرة. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾؛ أي: كتبرج أهل الجاهلية، حذفت أداة التشبيه، ووجه الشبه، فصار بليغًا. ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بعد قوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ إفادة للتعميم، فإن إطاعة الله ورسوله تشمل كل ما تقدم من الأوامر والنواهي. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ حيث استعار الرجس الذي هو القذر للذنب، بجامع التدنيس في كل؛ لأن الذنب يدنس العرض والقلب، كما أن الرجس يدنس الثوب والبدن، وذكر الطهارة ترشيح. ومنها: جعل التطهير ترشيحًا لمزيد التنفير عن المعاصي. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

стр. 10287

ومنها: ذكر التلاوة في البيوت في قوله: ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ دون النزول فيها، مع أنه الأنسب لكونها مهبط الوحي لعمومها جميع الآيات، ووقوعها في كل البيوت، وتكررها الموجب لتمكنهن من الذكر والتذكير، بخلاف النزول. ومنها: عدم تعيين التالي ليعم تلاوة جبريل، وتلاوة النبي ﷺ ، وتلاوتهن، وتلاوة غيرهن تعلمًا وتعليمًا. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَالْحَافِظَاتِ﴾ حذف المفعول لدلالة السابق عليه؛ أي: والحافظات فروجهن، وكذا يقال في: ﴿وَالذَّاكِرَاتِ﴾. ومنها: التغليب في قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾؛ حيث أتى بضمير الغائبين تغليبًا للذكور على الإناث. ومنها: التنكير لإفادة العموم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾؛ لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي: ليس لواحد منهم أن يريد غير ما أراده الله ورسوله، فلما وقعا في سياق النفي .. كانا بمعنى كل مؤمن ومؤمنة. اهـ. "زاده". ومنها: الطباق بين ﴿تخفي﴾، و ﴿مُبْدِيهِ﴾، وبين ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ و ﴿النُّورِ﴾؛ فإنه من المحسنات البديعية. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وفيه التأكيد أيضًا؛ كظل ظليل، وليل أليل، ويوم أيوم، كما مر. ومنها: جناس السلب في قوله: ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا﴾. ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. ومنها: الطباق بين ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وفيه أيضًا المجاز المرسل من إطلاق الطرفين، وإرادة الكل؛ أي: في جميع الأوقات. ومنها: عطف الخاص في قوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ على العام في قوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إشعارًا يكون التسبيح هو العمدة في الأذكار من حيث إنه من باب التخلية. ومنها: فن التلفيف في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وهو أن يأتي بالجواب العام عن نوع من أنواع جنس تدعو الحاجة إلى بيانها كلها، فيعدل المجيب عن الجواب الخاص عما سئل عنه من تبيين ذلك النوع إلى جواب عام

стр. 10288

يتضمن الإبانة عن الحكم المسؤول عنه، وعن غيره مما تدعو الحاجة إلى بيانه، فإن قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ ...﴾ إلخ. جواب عن سؤال مقدر، وهو قول قائل: أليس محمد أبا زيد بن حارثة؟ فأتى في الجواب بقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وكان مقتضى الجواب أن يقول: ما كان محمد أبا زيد، وكان يكفي أن يقول ذلك، ولكنه عدل عنه ترشيحًا للأخبار بأن محمدًا ﷺ خاتم النبيين، ولا يتم هذا الترشيح إلا بنفي أبوته لأحد من الرجال، فإنه لا يكون خاتم النبيين إلا بشرط أن لا يكون له ولد قد بلغ، فلا يرد أن له الطاهر، والطيب، والقاسم؛ لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال. ثم احتاط لذلك بقوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فأضاف الرجال إليهم، لا إليه فالتف المعنى الخاص في المعنى العام، وأفاد نفي الأبوة الكلية لأحد من رجالهم، وانطوى في ذلك نفي الأبوة لزيد، ثم إن هناك تلفيفًا آخر، وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، فعدل عن لفظ نبي إلى لفظة رسول لزيادة المدح؛ لأن كل رسول نبي، ولا عكس، على أحد القولين، فهذا تلفيف بعد تلفيف. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 10289

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات

стр. 10290

لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) تأديبه لنبيه ﷺ في ابتداء السورة، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله .. ذكر هنا ما ينبغي أن يكون عليه مع الخلق كافة. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أدب نبيه بمكارم الأخلاق بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، وثنى بتذكيره بحسن معاملة أزواجه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، وثلث بذكر معاملته لأمته بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا ...﴾ الآية، وكان كلما ذكر للنبي مكرمة، وعلمه أدبًا .. ذكر للمؤمنين ما يناسبه، فأرشد المؤمنين فيما يتعلق بجانبه تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ .. أرشدهم فيما يتعلق بما تحت أيديهم من الزوجات بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وفيما يتعلق بمعاملتهم لنبيهم بقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ...﴾ إلخ، وبقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه سبحانه لما ذكر أنه لم يوجب على نبيه القسم لنسائه، وأمره بتخييرهن، فاخترن الله ورسوله .. أردف ذلك بذكر ما جازاهن به من تحريم غيرهن عليه، ومنعه من طلاقهن بقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر حال النبي ﷺ مع أمته بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا﴾ .. أردف ذلك ببيان حال المؤمنين مع النبي ﷺ إرشادًا إلى ما يجب عليهم في حقه من الاحترام، والتعظيم في خلوته، وفي الملأ، فأبان أنه يجب عدم إزعاجه إذا كان في الخلوة بقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ...﴾ إلخ، وأنه يجب إجلاله إذا كان في الملأ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ...﴾ إلخ. قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أن الله سبحانه لما ذكر أن نساء النبي لا يكلمن إلا من وراء حجاب ..

стр. 10291

أردف ذلك باستثناء بعض الأقارب، ونساء المؤمنين، والأرقاء لما في الاحتجاب عن هؤلاء من عظيم المشقة للحاجة إلى الاختلاط بهؤلاء كثيرًا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر وجوب احترام النبي ﷺ حال خلوته بقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ .. أردف ذلك ببيان ما له من احترام في الملأ الأعلى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وفي الملأ الأدنى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه من طريق السدي عن أبي صالح عن ابن عباس عن أم هانىء بنت أبي طالب، قالت: خطبني رسول الله ﷺ ، فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فلم أكن أحل له؛ لأني لم أهاجر. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح عن أم هانىء قالت: نزلت فيَّ هذه الآية: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أراد النبي ﷺ أن يتزوجني، فنهي عني؛ إذ لم أهاجر. قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن سعد عن عكرمة قال: نزلت في أم شريك الدوسية. وأخرج ابن سعد عن منير بن عبد الله الدؤلي أن أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية عرضت نفسها على النبي ﷺ ، وكانت جميلة، فقبلها فقالت عائشة: ما في امرأةٍ حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أم شريك: فأنا تلك، فسماها الله: مؤمنة، فقال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، فلما نزلت .. قالت عائشة: إن الله يسارع لك في هواك. قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه

стр. 10292

الشيخان بسندهما عن عائشة قالت: كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وأخرج ابن سعد عن أبي رزين قال: همَّ رسول الله ﷺ أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك .. جعلنه في حل من أنفسهم، يؤثر من يشاء على من يشاء، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ...﴾ سبب نزوله (١): ما أخرجه ابن سعد عن عكرمة قال: خيَّر رسول الله ﷺ أزواجه، فاخترن الله ورسوله، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (٢) البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: أولم النبي ﷺ حين بني بزينب ابنة جحش، فأشبع الناس خبزًا ولحمًا، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين، كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلم عليهن، ويدعو لهن، ويسلِّمن عليه، ويدعون له، فلما رجع إلى بيته .. رأى رجلين جرى بهما الحديث، فلما رآهما .. رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان رسول الله ﷺ رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما، أم أخبِر، فرجع حتى دخل البيت، وأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ...﴾ الآية. وفي رواية عنهما عن أنس قال: لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش .. دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، وقام من القوم من قام، وقعد ثلاثة، ثم انطلقوا، فجئت، فأخبرت النبي ﷺ : أنهم انطلقوا، فجاء حتى دخل، وذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.

стр. 10293

وأخرج الترمذي، وحسنه عن أنس قال: كنت مع رسول الله ﷺ ، فأتى باب امرأة عرس بها، فإذا عندها قوم، فانطلق، ثم رجع وقد خرجوا، فدخل، فأرخى بيني وبينه سترًا، فذكرته لأبي طلحة فقال: لئن كان كما تقول .. لينزِلنَّ في هذا شيء، فنزلت آية الحجاب. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ في قعب، فمر عمر، فدعاه، فأكل، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: أوه، لو أُطاع فيكن. . ما رأتكن عين، فنزلت آية الحجاب. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: دخل رجل على النبي ﷺ ، فأطال الجلوس، فخرج النبي ﷺ ثلاث مرات ليخرج، فلم يفعل، فدخل عمر، فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجل: لعلك آذيت النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "لقد قمت ثلاثًا لكي يتبعني، فلم يفعل"، فقال له عمر: يا رسول الله، لو اتخذت حجابًا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهن، فنزلت آية الحجاب. قال الحافظ ابن حجر: يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب، فلقربه منها .. أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب. وأخرج البخاري (١) بسنده عن عائشة ﵂ قالت: كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ : احجب نساءك، قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي ﷺ يخرجن ليلًا إلى ليل قبل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس، فقال: عرفناك يا سودة حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض إلى بيته .. بادروه، فأخذوا المجالس، فلا يعرف ذلك في وجه رسول الله ﷺ ، ولا يبسط يده إلى الطعام استحياءً منهم، فعوتبوا في ذلك فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ...﴾ الآية.

стр. 10294

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: بلغ النبي ﷺ أن رجلًا يقول: لو قد توفي النبي ﷺ .. تزوجت فلانة من بعده، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ...﴾ الآية. وأخرج عن ابن عباس قال: نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي ﷺ بعده. قال سفيان: ذكروا أنها عائشة. وأخرج عن السدي قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا، ويتزوج نساءنا، لئن حدث به حدث .. لنتزوجن نساءه من بعده، فأُنزلت هذه الآية. وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: نزلت في طلحة بن عبيد الله؛ لأنه قال: إذا توفي رسول الله ﷺ .. تزوجت عائشة. قال الحافظ السيوطي: وقد كنت في وقفة شديدة من صحة هذا الخبر؛ لأن طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، أجلٌّ مقامًا من أن يصدر منه ذلك، حتى رأيتُ أنه رجل آخر شاركه في اسمه واسم أبيه ونسبته، كما في "إنسان العيون". وأخرج جويبر عن ابن عباس: أن رجلًا أتى بعض أزواج النبي ﷺ ، فكلمها وهو ابن عمها، فقال النبي ﷺ : "لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا"، فقال: يا رسول الله، إنها ابنة عمي، واللهِ ما قلت لها منكرًا، ولا قالت لي. قال النبي ﷺ : "قد عرف ذلك، إنه ليس أحد أغير من الله، وإنه ليس أحد أغير مني"، ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمي، لأتزوجنها من بعده، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال ابن عباس: فأعتق ذلك الرجل رقبة، وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله، وحج ماشيًا توبة من كلمته. التفسير وأوجه القراءة ٤٥ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ نداء كرامة وتعظيم؛ لأن الشريف ينادى باللقب الشريف، لا

стр. 10295

نداء علامة، مثل: يا آدم ونحوه. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ وبعثناك بعظمتنا إلى كافة الناس، وقوله: ﴿شَاهِدًا﴾ حال من كاف ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ أي: حالة كونك شاهدًا على أمتك، تشهد لمن صدقك وآمن بك بالإيمان, وعلى من كذبك وكفر بك بالتكذيب، وهي (١) حال مقدَّرة، فالنبي ﷺ بعث متحملًا للشهادة في الدنيا، ويكون في الآخرة مؤديًا لما تحمله، ووقت الأداء متأخر عن وقت الإرسال، نحو: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أي: مقدرًا به الصيد غدًا. والمعنى: يا أيها النبي الكريم، إنا أرسلناك بعظمتنا مقدرًا شهادتك على أمتك بتصديقهم وتكذيبهم، تؤديها يوم القيامة أداء مقبولًا قبول قول الشاهد العدل في الحكم. قال مجاهد: شاهدًا على أمته بالتبليغ إليهم، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم إليهم. ﴿وَ﴾ حالة كونك ﴿مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين بالجنة، وبما أعده لهم من جزيل الثواب وعظيم الأجر. ﴿وَ﴾ حالة كونك ﴿نَذِيرًا﴾؛ أي: مخوفًا للكافرين والعصاة بالنار، وبما أعده لهم من عظيم العقاب. ٤٦ - ﴿وَ﴾ حالة كونك ﴿دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: داعيًا لكافة الناس إلى توحيده سبحانه ودينه، وإلى الإيمان بكل ما جاء به، والعمل بما شرعه لهم. ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بأمره له بذلك وتقديره، لا برأيك واجتهادك، وهذا راجع (٢) إلى قوله: داعيًا فقط، وذلك كما إذا قال شخص: من يطع الملك يسعد، ومن يعصه يشقى، فيكون مبشرًا ونذيرًا، ولا يحتاج في ذلك إلى إذن من الملك، وأما إذا قال: تعالوا إلى سماطه، وأحضروا إلى خوانه، فيحتاج في ذلك إلى إذنه. وقيل: معنى (٣) ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بتيسيره وتسهيله، فأطلق الإذن، وأريد به التيسير مجازًا بعلاقة السببية، فإن التصرف في ملك الغير متعسر، فإذا أذن .. تسهل وتيسر، وإنما لم يحمل الأذن على حقيقته، وهو الإعلام بجازة الشيء، والرخصة فيه؛ لانفهامه من قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾، وقيد به الدعوة إيذانًا بأنها
следующие страницы →