يخرجن بالليل لحاجتهن، وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن، فيؤذين، فشكوا ذلك، فقيل ذلك للمنافقين، فقالوا: إنما نفعله بالإماء، فنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ...﴾ الآية، ثم أخرج نحوه عن الحسن ومحمد بن كعب القرظي.
التفسير وأوجه القراءة
٥٧ - ولما ذكر الله سبحانه ما يجب لرسوله من التعظيم .. ذكر هنا الوعيد الشديد للذين يؤذونه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ (١) بفعل ما يكرهه، وارتكاب ما لا يرضاه بترك الإيمان به، ومخالفة أمره، ومتابعة هواهم، ونسبة الولد والشريك إليه تعالى، والإلحاد في أسمائه وصفاته، ونفي قدرته على الإعادة، وسب الدهر، ونحت التصاوير تشبيهًا بخلق الله تعالى. وقال ابن عباس (٢) ﵄: هم اليهود والنصارى والمشركون، فأما اليهود فقالوا: عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله : "كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي .. فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد" أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: قال الله : "يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي أقلب الليل والنهار". متفق عليه.
معنى هذا الحديث: أنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن يذموا الدهر، ويسبوه عند النوازل؛ لاعتقادهم أن الذي يصيبهم من أفعال الدهر، فقال الله تعالى: أنا الدهر؛ أي: أنا الذي أحل بهم النوازل، وأنا فاعل لذلك الذي تنسبونه إلى الدهر في زعمكم.
стр. 10362
وقيل: هم أصحاب التصاوير. عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو شعيرة" متفق عليه.
وقيل: الكلام على حذف مضاف، والتقدير: إن الذين يؤذون أولياء الله، كما روي عن النبي ﷺ قال: قال الله : "من آذى لي وليًا .. فقد آذنته بالحرب"، وقال تعالى: "من أهان لي وليًا .. فقد بارزني بالمحاربة" فمعنى إذاية الله سبحانه: هو مخالفة أمر الله تعالى، وارتكاب معاصيه، ذكر ذلك على ما يتعارفه الناس بينهم؛ لأن الله تعالى منزه عن أن يلحقه أذى من أحد.
﴿وَ﴾ يؤذون ﴿رَسُولَهُ﴾ محمدًا ﷺ بقولهم: شاعر ساحر كاهن مجنون، وطعنهم في نكاح صفية الهارونية، وهو الأذى القولي، وكسر رباعيته، وشج وجهه الكريم يوم أحد، ورمي التراب عليه، ووضع القاذورات على ظهر النبوة، قاله ابن عباس ﵄.
ويجوز أن يكون المراد بإيذاء الله ورسوله (١): إيذاء رسول الله خاصة بطريق الحقيقة، وذكر الله لتعظيمه، والإيذان بجلالة مقداره عنده تعالى. وأن إيذاءه ﷺ إيذاء له تعالى لما قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾؛ أي: فمن آذى رسوله .. فقد آذى الله.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: طردهم الله ، وأبعدهم من رحمته ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ بحيث لا يكادون ينالون فيهما شيئًا من رحمة الله، جعل ذلك اللعن في الدنيا والآخرة، لتشملهم اللعنة فيما، بحيث لا يبقى وقت من أوقات محياهم ومماتهم إلا واللعنة واقعة عليهم، ومصاحبة لهم.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾؛ أي: هيأ لهم من ذلك ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ يصيبهم في الآخرة خاصةً؛ أي: نوعًا من العذاب يهانون فيه، فيذهب بعزهم وكبرهم.
قال في "التأويلات": لما استحق المؤمنون بطاعة الرسول ﷺ ، والصلاة عليه صلاة الله .. فكذلك الكافرون استحقوا بمخالفة الرسول وإيذائه لعنة الله، فلعنة
стр. 10363
الدنيا هي الطرد عن جناب الله، والحرمان من الإيمان, ولعنة الآخرة: الخلود في النيران، والحرمان من الجنان، وهذا حقيقة قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
قال في "فتح الرحمن": يحرم أذى النبي ﷺ بالقول والفعل بالاتفاق، واختلفوا في حكم من سبه - والعياذ بالله - من المسلمين، فقال أبو حنيفة والشافعي: هو كفر كالردة، يقتل ما لم يتب. وقال مالك وأحمد: ويقتل ولا تقبل توبته؛ لأن قتله من جهة الحد لا من جهة الكفر. وأما الكافر إذا سبه صريحًا بغير ما كفر به، من تكذيبه ونحوه، فقال أبو حنيفة: لا يقتل؛ لأن ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزر. وقال الشافعي: ينتقض عهده، فيخير الإِمام فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، ولا يرد مأمنه؛ لأنه كافر لا أمان له، ولو لم يشترط عليه الكف عن ذلك، بخلاف ما إذا ذكره بسوء يعتقده ويتدين به، كتكذيب ونحوه، فإنه لا ينتقض عهده بذلك إلا باشتراط. وقال مالك وأحمد: يقتل ما لم يسلم. واختار جماعة من أئمة مذهب أحمد: أن سابَّه ﷺ يقتل بكل حال، منهم: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقال: هو الصحيح من المذهب. وحكم من سب سائر أنبياء الله وملائكته حكمُ من سب نبينا ﷺ ، وأما من سب الله والعياذ بالله - من المسلمين بغير الارتداد عن الإِسلام، ومن الكفار بغير ما كفروا به من معتقدهم في عزير والمسيح ونحو ذلك، فحكمه حكم من سبَّ النبي ﷺ . نسأل الله العصمة والهداية، ونعوذ به من السهو والزلل والغواية، إنه الحافظ الرقيب.
ومعنى الآية (١): أن الذين يؤذون الله سبحانه، فيرتكبون ما حرمه من الكفر وسائر المعاصي، ومنم اليهود الذين قالوا: يد الله مغلولة، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون الذين قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ويؤذون رسوله كالذين قالوا: هو شاعر، هو كاهن، هو مجنون، إلى نحو ذلك من مقالاتهم الشنيعة .. طردهم الله سبحانه في الدنيا والآخرة من رحمته، وأبعدهم من فضله في الدنيا، فجعلهم يتمادون في غيهم، ويدسون أنفسهم، ويستمرئون سبل الغواية والضلالة التي ترديهم في النار، وبئس
стр. 10364
القرار، وفي الآخرة، حيث يصلون نارًا تشوي الوجوه، وهيأ لهم في الآخرة عذابًا يؤلمهم، ويجعلهم في مقام الزراية والاحتقار والخزي والهوان.
٥٨ - ولما كان من أعظم أذى رسوله أذى من تابعه .. بيَّن ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بوجه من وجوه الأذى؛ أي: يفعلون بهم ما يتأذون به من قول أو فعل ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾؛ أي: بغير جناية يستحقون بها الأذية، وتقييد أذاهم به بعد إطلاقه في الآية السابقة للإيذان بأن أذى الله ورسوله لا يكون إلا غير حق، وأما أذى هؤلاء .. فقد يكون حقًا، وقد يكون غير حق، أما إذا كان بحق، كما إذا وقع من المؤمنين والمؤمنات الابتداء بشتم لمؤمن أو مؤمنة، أو ضرب، فإن القصاص من الفاعل ليس من الأذية المحرمة على أيّ وجه كان، ما لم يجاوز ما شرعه الله، والآية عامة لكل أذى بغير حق في كل مؤمن ومؤمنة، فتشمل ما روي أن عمر ﵁ خرج يومًا فرأى جارية مزينة مائلة إلى الفجور، فضربها، فخرج أهلها، فآذوا عمر باللسان.
وما روي أن المنافقين كانوا يؤذون عليًا ﵁، ويسمعونه ما لا خير فيه، وما سبق من قصة الإفك حيث اتهموا عائشة بصفوان السهمي ﵄، وما روي أنَّ الزناة كانوا يتبعون النساء إذا برزن بالليل لطلب الماء، أو لقضاء حوائجهن، وكانوا لا يتعرضون إلا للإماء، ولكن ربما كان يقع منهم التعرض للحرائر أيضًا جهلًا، أو تجاهلًا لاتحاد الكل في الزي واللباس، حيث كانت تخرج الحرة والأمة في درع وخمار، وما سيأتي من أراجيف المرجفين، وغير ذلك مما يثقل على المؤمن.
ثم أخبر عما لهؤلاء الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقال: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا﴾ واقترفوا، والاحتمال: مثل الاكتساب وزنًا ومعنى، كما في "بحر العلوم". وقال بعضهم: تحملوا. ﴿بُهْتَانًا﴾؛ أي: افتراء وكذبًا عليهم. ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: ذنبًا ظاهرًا واضحًا لا شك في كونه من البهتان والإثم.
واعلم: أن أذى المؤمنين قرن بأذى الرسول ﷺ ، كما أن أذى الرسول قرن بأذى الله، ففيه إشارة إلى أن من آذى المؤمنين .. كان كمن آذى الرسول، ومن آذى الرسول .. كان كمن آذى الله تعالى، فكما أنَّ المؤذي لله وللرسول مستحق الطرد
стр. 10365
واللعن في الدنيا والآخرة، فكذا المؤذي للمؤمن.
روي: أن رجلًا شتم علقمة ﵁، فقرأ هذه الآية. وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: خرج النبي ﷺ على أصحابه فقال: "رأيت الليلة عجبًا، رأيتُ رجالًا يعلقون بألسنتهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا".
وفي الحديث: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" بأن لا يتعرض لهم بما حرم من دمائهم وأموالهم وأعراضهم، قدَّم اللسان في الذكر؛ لأن التعرض به أسرع وقوعًا وأكثر، وخص اليد بالذكر؛ لأن معظم الأفعال يكون بها. واعلم أن المؤمن إذا أوذي يلزم عليه أن لا يتأذى، بل يصبر، فإن له فيه الأجر، فالمؤذي لا يسعى في الحقيقة إلا في إيصال الأجر إلى من آذاه، ولذا ورد: "وأحسن إلى من أساء إليك"، وذلك لأن المسيء وإن كان مسيئًا في الشريعة، لكنه محسن في الحقيقة.
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه
"أيُّ الربا أربى عند الله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أربى الربا عند الله استحلال عرض امرىءٍ مسلم، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ ".
والمعنى: أي إن الذين ينسبون إلى المؤمنين والمؤمنات ما لم يعملوه، وما هم منه براء قد اجترحوا كذبًا فظيعًا، وأتوا أمرًا إدًّا، وذنبًا ظاهرًا، ليس له ما يسوغه أو يقوم مقام العذر له.
٥٩ - ولما فرغ سبحانه من الزجر لمن يؤذي رسوله والمؤمنين والمؤمنات من عباده .. أمر رسوله ﷺ بأن يأمر بعض من ناله الأذى ببعض ما يدفع ما يقع عليه منه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الكريم ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾؛ أي: نسائك، وكانت تسعًا حين توفي ﷺ ، وهن: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة، وزينب، وميمونة، وصفية، وجويرية، وقد سبق تفاصيلهن نسبًا وأوصافًا وأحوالًا، وقد نظمها بعضهم بقوله:
تُوُفِّيْ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ ... إِلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ
стр. 10366
فَعَائِشَةٌ مَيْمُوْنَةٌ وَصَفِيَّةٌ ... وَحْفْصَةُ تَتلُوهُنَّ هِنْدٌ وَزَيْنَبُ
جُوَيْرِيَّةٌ مَعْ رَمْلَةٍ ثُمَّ سَوْدَةٌ ... ثَلاَثٌ وَسِتٌّ ذِكْرُهُنَّ لَيَعْذُبُ
﴿وَبَنَاتِكَ﴾ وكانت ثمانيًا، أربع صلبيات ولدتها خديجة، وهي: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة ﵅، متن في حياته ﷺ إلا فاطمة، فإنها عاشت بعده ستة أشهر؛ وأربع ربائب ولدتها أم سلمة، وهي: برة، وسلمة، وعمرة، ودرة، ﵅.
﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في المدينة ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ مقول القول.
والإدناء (١): الإرخاء، من الدنو، وهو القرب. والجلباب: ثوب أوسع من الخمار دون الرداء تلويه المرأة على رأسها، وتبقي منه ما ترسله إلى صدرها، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ لأن المرأة ترخي بعض جلبابها، وتتلفع ببعض.
والمعنى: يرخين ويغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة، ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والأبدان، كالإماء، حتى لا يتعرض لهن السفهاء ظنًا بأنهن إماء. وعن السدي: تغطي إحدى عينيها، وشق وجهها، والشق الآخر إلا العين، وقال الحسن: تغطي نصف وجهها. وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها, لكنها تستر الصدر ومعظم الوجه.
قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينًا واحدةً ليعلم أنهن حرائر. ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الإدناء والتغطية والإرخاء ﴿أَدْنَى﴾ وأقرب إلى ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ فيتميزن عن الإماء والقينات اللاتي هن مواقع تعرض الزناة وأذاهم، كما ذكر في الآية السابقة، ويظهر للناس أنهن حرائر ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ من جهة أهل الفجور بالتعرض لهن، وليس المراد بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد أن يعرفن أنهن حرائر لا إماء؛ لأنهن قد لبسن لبسة تختص بالحرائر.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿غَفُورًا﴾ لما سلف منهن من التقصير في الستر،
стр. 10367
وترك إدناء الجلابيب. ﴿رَحِيمًا﴾ بهن أو بعباده؛ حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئيات منها، أو غفورًا للمذنبين، رحيمًا بهم بقبول توبتهم، فيدخلن في ذلك دخولًا أوليًا.
قال أنس ﵁: مرت لعمر بن الخطاب جارية متقنعة، فعلاها بالدرة وقال: يا لكاع، تتشبهين بالحرائر، ألقي القناع. وفي الآية تنبيه لهنّ على حفظ أنفسهن، ورعاية حقوقهن بالتصاون والتعفف، وفيها إثبات زينتهن، وعزة قدرهن.
وقيل المعني: ﴿ذَلِكَ﴾ التنبيه ﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أن لهن قدرًا ومنزلة وعزة في الحضرة ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ بالأطماع الفاسدة، والأقوال الكاذبة ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لهن بامتثال الأوامر ﴿رَحِيمًا﴾ بهن بإعلاء درجاتهن، كما في "التأويلات النجمية".
واعلم: أنه فهم من الآية شيئان:
الأول: أن نساء ذلك الزمان كنَّ لا يخرجن لقضاء حوائجهن إلا ليلًا تسترًا وتعففًا، وإذا خرجن نهارًا لضرورة .. يبالغن في التغطي، ورعاية الأدب والوقار، وغض البصر عن الرجال الأخيار والأشرار، ولا يخرجن إلا في ثياب دنيئة، فمن خرجت من بيتها متعطِّرة متبرِّجة؛ أي: مظهرة زينتها ومحاسنها للرجال .. فإن عليها ما على الزانية من الوزر، وعلامة المرأة الصالحة عند أهل الحقيقة أن يكون حسنها مخافة الله، وغناها القناعة، وحليها العفة؛ أي: التكفف عن الشرور والمفاسد، والاجتناب عن مواقع التهم.
والثاني: أن الدنيا لم تخل عن الفسق والفجور حتى في الصدر الأول، فرحم الله أمرأً غضَّ بصره عن أجنبية، فإن النظرة تزرع في القلب شهوة، وكفى بها فتنة. قال ابن سيرين ﵀: إني لأرى المرأة في منامي، فاعلم أنها لا تحل لي، فأصرف بصري عنها. فيجب على المرء أن لا يقرب امرأةً ذات عطر وطيب، ولا يمس يدها, ولا يكلمها, ولا يمازحها, ولا يلاطفها, ولا يخلو بها، فإن الشيطان يهيّج شهوته، ويوقعه في الفاحشة.
وفي الحديث: "من فاكه امرأةً لم تحل له، ولا يملكها .. حبس بكلِّ كلمةٍ ألف عام في النار، ومن التزم امرأةً حرامًا - أي: اعتنقها - .. قرن مع الشيطان في سلسلة؛ ثم يؤمر به إلى النار" والعياذ بالله من دار البوار.
стр. 10368
وعن رسول الله ﷺ : "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له". رواه الطبراني والبيهقي، وهو حديث حسن.
وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: كنَّا نغطي وجوهنا من الرجال. رواه الحاكم، وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ومن صور الاختلاط المحرم: اختلاط البنات مع ابن العم، وابن العمة.
ومنها: اختلاط البنات مع ابن الخال وابن الخالة.
ومنها: الاختلاط مع أخ الزوج بالنسبة للزوجة.
ومنها: اختلاط أخوات الزوجة مع زوجها.
ومنها: اختلاط أخ المرأة من الرضاع مع أخوات أخته من الرضاع.
ومنها: خلوة خطيب الفتاة بالفتاة، وخروجه معها إلى السوق، وحديثه معها قبل العقد، وإنما جاز له النظر إليها بحضور وليها إذا عزم على الزاوج فقط، إلى غير ذلك من الصور التي تساهل فيها كثير من أهل عصرنا الفاسد.
وحاصل معنى الآية: أن الله سبحانه طلب من نبيه ﷺ أن يأمر النساء المؤمنات المسلمات، وبخاصة أزواجه وبناته، بأن يسدلن عليهن الجلابيب إذ خرجن من بيوتهن؛ ليتميزن عن الإماء. وعن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنّ﴾ .. خرج نساء الأنصار كان رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها.
وإجمال ذلك: أن على المسلمة إذا خرجت من بيتها لحاجة أن تسدل عليها ملابسها، بحيث تغطي الجسم والرأس، ولا تبدي شيئًا من مواضع الفتنة، كالرأس والصدر والذراعين، ونحوها، ثم علل ذلك بقوله: ذلك التستر أقرب إلى معرفتهن بالعفة، فلا يتعرض لهن، ولا يلقين مكروهًا من أهل الريبة احترامًا لهن منهم، فإن المتبرجة مطموع فيها، منظور إليها نظرة سخرية واستهزاء، كما هو مشاهد في كل عمر ومصر، لا سيما في هذا العصر الذي انتشرت فيه الخلاعة، وكثر فيه الفسق والفجور، وكان الله سبحانه غفورًا لما عسى أن يكون قد صدر من الإخلال بالستر، كثير الرحمة لمن امتثل أمره معهن، فيثبه عظيم الثواب، ويجزيه الجزاء الأوفى.
стр. 10369
٦٠ - ولما كان الأذى إنما يحصل من أهل النفاق ومن على شاكلتهم .. حذرهم بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾، واللام: موطئة للقسم؛ أي: وعزتي وجلالي لئن لم ينزجر ويمتنع المنافقون عما هم عليه من النفاق، وأحكامه الموجبة للإيذاء ﴿وَ﴾ لم ينته ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: ضعف إيمان، وقلة ثبات عليه، أو فجور من تزلزلهم في الدين، وما يستتبعه مما لا خير فيه، أو من فجورهم وميلهم إلى الزنا والفواحش ﴿وَ﴾ لم ينته ﴿الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: المخبرون في المدينة الأخبار الكاذبة المشوشة المضعفة لعزائم المسلمين في الجهاد، عما هم عليه من نشر أخبار السوء عن سرايا المسلمين، بأن يقولوا: انهزموا، وقتلوا، وأخذوا، وجرى عليهم كيت وكيت، وأتاكم العدو، وغير ذلك من الأراجيف المؤذية الموقعة لقلوب المسلمين في الاضطراب والإنكار والرعب ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ جواب القسم المحذوف؛ أي: لنحرضنك يا محمد بقتلهم، ولنامرنك باستئصالهم؛ أي: لنسلطنك يا محمد على هؤلاء المنافقين الذين جمعوا بين النفاق ومرض القلوب دمارجاف المسليمن، فتستأصلهم بالقتل والتشريد والإجلاء بأمرنا لك بذلك.
قال القرطبي: أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، والمعنى: إن المنافقين قد جمعوا بين النفاق ومرض القلوب والإرجاف على المسلمين، فهو على هذا من باب قوله:
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامْ ... وَلَيْثِ الْكَتِيْبَةِ فِيْ الْمُزْدَحَمْ
أي: إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة. وقال عكرمة وشهر بن حوشب: الذين في قلوبهم مرض هم الزناة.
وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾؛ أي: في المدينة، معطوف على جواب القسم، و ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار الرسول أعظم ما يصيبهم. وعبارة "الكشاف" هنا: إنما عطف بـ ﴿ثُمَّ﴾؛ لأن الجلاء عن الأوطان كان أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا به، فتراخت حاله عن الحال المعطوف عليه. اهـ يعني: أنها للتفاوت الرتبي، والدلالة على أن ما بعدها أبعد مما قبلها، وأعظم وأشد عندهن. اهـ "شهاب"؛ أي: لا يساكنونك في المدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: زمانًا أو جوارًا قليلًا ريثما - قدر ما - يتبين حالهم من الانتهاء وعدمه، فيهلكوا إن لم ينتهوا،
стр. 10370
وفي "بحر العلوم" ريثما يرتحلون بأنفسهم وعيالهم.
ومعنى الآية: والله لئن لم يكف أهل النفاق الذين يستسرون الكفر، ويظهرون الإيمان، وأهل الريب الذين غلبتم شهواتهم، وركنوا إلى الخلاعة والفجور، وأهل الإرجاف في المدينة الذين ينشرون الأخبار الملفقة الكاذبة التي فيها إظهار عورات المسلمين، وإبراز ما استكن من خفاياهم، كضعف جنودهم، وقلة سلاحهم، وكراعهم، ونحو ذلك مما في إظهاره مصلحة للعدو، وحضد لشوكة المسلمين .. لنسلطنك عليهم، وندعونك إلى قتالهم وإجلائهم عن البلاد، فلا يسكنون معك فيها إلا قليلًا، وتخلو المدينة منهم بالموت أو بالإخراج.
والخلاصة: أن الله سبحانه قد توعد أصنافًا ثلاثة من الناس بالقتال والقتل، أو النفي من البلاد، وهم:
١ - المنافقون الذين يؤذون الله سرًا.
٢ - مَنْ في قلوبهم مرض، فيؤذون المؤمنين باتباع نسائهم.
٣ - المرجفون الذين يؤذون النبي ﷺ بنحو قولهم: غلب محمد، وسيخرج محمد من المدينة، وصميؤخذ أسيرًا إلى نحو ذلك مما يراد به إظهار ضعف المؤمنين، وسخط الناس منهم.
وعبارة النسفي هنا: والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يؤلِّفون من أخبار السوء .. لنأمرنك بأن تفعل الأفعال التي تسؤهم، ثم بأن نضطرهم إلى طلب الجلاء من المدينة، وإلى أن لا يساكنوك فيها إلا زمانًا قليلًا ريثما يرتحلون، فسُمِّي إغراء، وهو التحريش على سبيل المجاز.
٦١ - ثم بيَّن مآل أمرهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، فقال: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ حال من مقدر حذف هو وعامله، تقديره: يخرجون منها حال كونهم مطرودين عن الرحمة والمدينة، أو حال من فاعل ﴿لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ على أن حرف الاستثناء داخل على الظرف والحال معًا؛ أي: لا يجاورنك إلا حال كونهم ملعونين، ولا (١) يجوز أن
стр. 10371
ينتصب بـ ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ الآتي؛ لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبلها.
أي: يخرجون منها حال كونهم ملعونين مطرودين ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾؛ أي: في أيِّ مكان وجدوا وأدركوا ﴿أُخِذُوا﴾؛ أي: مسكوا ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ والتشديد يدل على التكثير، وبه قرأ الجمهور. وقرأت فرقة بالتخفيف، فيكون ﴿تَقْتِيلًا﴾ مصدرًا على غير قياس المصدر، يعني: الحكم فيهم: الأخذ والقتل على جهة الأمر، فما انتهوا عن ذلك، كما في تفسير "أبي الليث".
وقال محمد بن سيرين: فلم ينتهوا, ولم يغر الله بهم، والعفو عن الوعيد جائز لا يدخل في الخلف، كما في "كشف الأسرار" وقيل (١):هذا دعاء عليهم بأن يأخذوا ويقتلوا تقتيلًا، وهو أولى. وقيل: معنى الآية: إنهم إن أصروا على النفاق .. لم يكن لهم مقامٌ بالمدينة إلا وهم مطردون.
والمعنى (٢): أي في ذلك الوقت القليل الذي يجاورونك فيه يكونون مطرودين من باب الله تعالى وبابك، وإذا خرجوا لا ينفكون عن المذلة، ولا يجدون ملجأً، بل أينما يكونوا يطلبوا ويؤخذوا ويقتلوا تقتيلًا.
٦٢ - ثم بين أن هذا الحكم عليهم وعلى أمثالهم بنحو هذا هو شرعة الله تعالى في أشباههم من قبل، فهو ليس بباع فيهم، كما قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد حذف عامله وجوبًا تقديره: سن الله سبحانه ذلك الحكم من لعن المنافقين، وأخْذِهم، وقتلهم أينما ثقفوا ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ ومضوا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلكم أيها الأمة المحمدية؛ أي: سن الله ذلك في الأمم الماضية سنة، وجعله طريقة مسلوكةً من جهة الحكمة، وهي أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء وسَعَوا في توهين أمرهم بالإرجاف ونحوه أينما ثقفوا.
﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾ يا محمد ﴿لِسُنَّةِ اللَّهِ﴾ سبحانه وعادته في خلقه ﴿تَبْدِيلًا﴾؛ أي: تغييرًا أصلًا؛ أي: لا يبدِّلها لابتنائها على أساس الحكمة التي عليها يدور ذلك التشريع، أو لا يقدر أحد على أن يبدلها؛ لأن ذلك مفعول له لا محالة، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء في الخلف والسلف.
стр. 10372
والمعنى: أي إن سنته تعالى في المنافقين في كل زمان إذا استمروا في كفرهم وعنادهم، ولم يرجعوا عما هم عليه أن يسلط عليهم أهل الإيمان, فيذلوهم ويقهروهم، وهذه السنة لا تغير ولا تبدل؛ لابتنائها على الحكمة والمصلحة، ولا يقدر غيره على تغييرها.
٦٣ - ﴿يَسْأَلُكَ﴾ يا محمد ﴿النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾؛ أي: عن وقت قيامها وحصولها، والساعة (١): جزء من أجزاء الزمان، ويعبَّر بها عن القيامة تشبيهًا بذلك لسرعة حسابها، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.
كان المشركون يسألونه ﷺ عن ذلك استعجالًا بطريق الاستهزاء والتعنت والإنكار، واليهود امتحانًا لما أن الله تعالى عمّى وقتها؛ أي: أخفاه في التوراة وسائر الكتب، وقيل: السائلون عن الساعة هنا هم أولئك المنافقون والمرجفون لَمَّا توعدوا بالعذاب .. سألوا عن الساعة استبعادًا وتكذيبًا.
﴿قُلْ﴾ يا محمد جوابًا لهم ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا﴾؛ أي: علم وقت مجيئها ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، لا يطلع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، كما قال في آية أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾؛ أي: وأيُّ شيء يجعلك داريًا وعالمًا بوقت قيامها، والاستفهام للإنكار المضمن معنى التعجب والنفي؛ أي: لا يعلمك بوقت مجيئها شيء أصلًا، فأنت لا تعرفه، وليس من شرط النبي أن يعلم الغيب بغير تعليم من الله تعالى.
﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾؛ أي: قيامها ﴿تَكُونُ﴾ شيئًا ﴿قَرِيبًا﴾، وهو (٢) خبر ﴿تَكُونُ﴾ على حذف موصوف؛ أي: شيئًا قريبًا. وقيل: التقدير: قيام الساعة، فروعيت الساعة في تأنيث ﴿تَكُونُ﴾، وروعي المضاف المحذوف في تذكير ﴿قَرِيبًا﴾. وقيل: كثر استعمال قريبًا استعمال الظروف، فهو ظرف في موضع الخبر. اهـ.
أو ﴿تَكُونُ﴾ تامة، والظاهر كما عليه الجماهير أن قوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ جملة مستقلة، وقوله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ جملة مستقلة أيضًا، فتأمل.
وفيه تهديد للمستعجلين، وإسكات للمتعنتين، والخطاب لرسول الله ﷺ لبيان أنها إذا كانت محجوبة عنه لا يعلم وقتها، وهو رسول الله .. فكيف بغيره من
стр. 10373
الناس؟!
قالوا: مِنْ أشراط الساعة أن يقول الرجل: أفعل غدًا، فإذا جاء غد .. خالف قولُه فعلَه، وأن ترفع الأسرار، وتوضع الأخيار، ويرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا والفجور، ورقص القينات، وشرب الخمور، ونحو ذلك من موت الفجاة، وعلو أصوات الفساق في المساجد.
والمعنى (١): أي يكثر الناس هذا السؤال متى تقوم الساعة، فالمشركون يسألون عن ذلك استعجالًا لها على طريق التهكم والاستهزاء، والمنافقون يسألون سؤال المتعنت العالم بما يجيب به الرسول، واليهود يسألون سؤال امتحانٍ، واختبار ليعلموا أيجيب بمثل ما في التوراة من ردِّ أمرها إلى الله، أم يجيب بشيء آخر؟ فلقنه الله الجواب عن هذا بجعل ردِّ ذلك إليه، فقال: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الذي أحاط علمه بكل شيء، ولم يطلع عليها ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا.
ثم أكد نفي علمها عن أحد غيره بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾، وأيُّ شيءٍ يعلمك وقت مجيئها وقيامها؛ أي: لا يعلمك به أحد أبدًا. ثم أخبر عن قرب وقوعها بقوله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾؛ أي: لعلها توجد وتحقق بعد وقت قريب، ونحو الآية قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾، وقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾، وقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.
٦٤ - ثم بين حال السائلين عنها المنكرين لها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾ به على الإطلاق، لا منكري الحشر، ولا معاندي الرسول فقط؛ أي: طردهم وأبعدهم من رحمته العاجلة والآجلة، ولذلك يستهزئون بالحق الذي لا بد لكل خلق من انتهائه إليه، والاهتمام بالاستعداد له. ﴿وَأَعَدَّ﴾؛ أي: هيأ ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للكافرين مع ذلك ﴿سَعِيرًا﴾؛ أي: نارًا مسعورةً موقودةً شديدة الاتقاد، يقاسونها في الآخرة
٦٥ - حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مقدرًا خلودهم ومكثهم في السعير ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: دائمًا؛ أي: زمنًا لا انقضاء، ولا نهاية، ولا آخر له. وأكَّد الخلود بالتأبيد والدوام مبالغةً في ذلك، وحالة كونهم ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يلي أمرهم،
стр. 10374
ويحفظهم من دخول العذاب من أول الأمر ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصرهم ويخلصهم وينقذهم من العذاب بعد دخولها.
والمعنى (١): أي إن الله أبعد الكافرين به من كل خير، وأقصاهم من كل رحمة، وأعد لهم في الآخرة نارًا تتقد وتتسعر ليصليهموها ماكثين فيها أبدًا إلى غير نهاية.
ثم أيأسهم من وجود ما يدفع عنهم العذاب من الولي والنصير بقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾؛ أي: لا يجدون حينئذ من يستنقذهم من السعير، وينجيهم من عذاب الله تعالى بشفاعة أو نصرة، كما هي الحال في الدنيا لدى الظلمة؛ إذ ربما وجد النصير والشفيع الذي يخلِّص فيها من الورطات، ويدفع المصائب والنكبات.
٦٦ - وقوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ظرف لقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ﴾، وقيل: لـ ﴿خَالِدِينَ﴾، وقيل: لـ ﴿نَصِيرًا﴾، وقيل: لفعل مقدر، وهو: اذكر؛ أي: لا يجدون وليًا ولا نصيرًا حين تصرف وتحول وجوههم في النار من جهة إلى جهة أخرى، كاللحم يشوى في النار، أو يطبخ في القدر، فيدور به الغليان من جهة إلى جهة، ومن حال إلى حال، أو يطرحون فيها منكوسين مقلوبين، وتخصيص الوجوه بالذكر للتعبير عن الكل، وهي الجملة بأشرف الأجزاء وأكرمها، ويقال: تحول وجوههم من الحسن إلى القبح، ومن حال البياض إلى حال السواد.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿تُقَلَّبُ﴾ مبنيًا للمفعول. وقرأ الحسن وعيسى وأبو جعفر الرؤاسي بفتح التاء؛ أي: ﴿تتقلب﴾، وحكاها ابن عطية عن أبي حيوة، وقال ابن خالويه عن أبي حيوة: "نُقلِّب" بالنون ﴿وجوههم﴾ بالنصب، وحكاها ابن عطية أيضًا عن أبي حيوة، وخارجة. زاد صاحب "اللوامح" أنها قراءة عيسى البصري. وقرأ عيسى الكوفي كذلك، إلا أن بدل النون تاء، وفاعل ﴿تقلب﴾ ضمير يعود على ﴿سعير﴾، أو على جهنم، أسند إليهما اتساعًا، وقراءة ابن أبي عبلة ﴿تتقلب﴾ بتائين.
стр. 10375
وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ استئناف (١) بياني واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا يصنعون عند ذلك؟ فقيل: يقولون متحسرين على ما فاتهم: ﴿يَا لَيْتَنَا﴾؛ أي: يا هؤلاء ليتنا ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ﴾؛ أي: نتمنى أن نطيع الله في دار الدنيا فيما أمرنا به، ونهانا عنه، فالمنادى محذوف كما قدرنا، ويجوز أن تكون ﴿يا﴾ لمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين المنبه ﴿وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ فيما دعانا إليه من الحق، فلن نبتلى بهذا العذاب، فتمنوا حين لا ينفعهم التمني؛ أي: ويقولون إذ ذاك على طريق التمني: ليتنا أطعنا الله في الدنيا، وأطعنا رسوله فيما جاءنا به من أمر ونهي، فما كنا نبتلى بهذا العذاب، بل كنا مع أهل الجنة في الجنة، فيا لها من حسرة وندامة ما أعظمها وأجلها:
نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاَتَ سَاعَةُ مَنْدَمِ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ
ونحو الآية قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾، وقوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾.
وهذه الألف في (٢) ﴿الرَّسُولَا﴾ والألف التي ستأتي في ﴿السبيلا﴾ هي الألف التي تقع في الفواصل، ويسميها النحاة: ألف الإطلاق؛ لمد الصوت بها؛ لأن أواخر آيات هذه السورة الألف، والعرب تحفظ هذا في خطبها وأشعارها.
٦٧ - ثم ذكر بعض معاذيرهم بإبقائهم التبعة على من أضلوهم من كبرائهم وسادتهم بقوله: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال الأتباع من الكافرين، فهو معطوف على ﴿يَقُولُونَ﴾، والعدول (٣) إلى صيغة الماضي للإشعار بأن قولهم هذا ليس مستمرًا كقولهم السابق، ولا مسببًا عنه، بل هو ضرب اعتذار أرادوا به ضربًا من التشفِّي بمضاعفة عذاب الذين ألقوهم في تلك الورطة، وإن علموا عدم قبوله في حق خلاصهم منها.
أي: يقولون يومئذ وهم في جهنم: ﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يا مالك أمرنا ﴿إِنَّا أَطَعْنَا﴾ وامتثلنا ﴿سَادَتَنَا﴾؛ أي: أئمتنا في الضلالة، يعنون: قادتهم ورؤساءهم الذين لقنوهم الكفر، وأمروهم به ﴿وَكُبَرَاءَنَا﴾؛ أي: عظماءنا منزلةً في الكفر والدنيا؛ أي:
стр. 10376
وافقناهم فيما هم عليه من الكفر. والسادة: جمع سيد، وهو الإِمام الذي يأمرهم بالكفر ويلقنهم، والكبراء: جمع كبير، وهو مقابل الصغير. والمراد: الكبير رتبةً وحالًا، والتعبير عنهم (١) بعنوان السيادة والكبر لتقوية الاعتذار، وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾؛ أي: صرفونا عن طريق الإِسلام والتوحيد بما زينوا لنا الكفر والشرك.
والمعنى: وقال الأتباع من الكفرة - وهم في جهنم -: ربنا إنا أطعنا أئمتنا في الضلالة، وكبراءنا في الشرك، فأضلونا السبيل، وأزالونا عن محجة الحق، وطريق الهدى من الإيمان بك، والإقرار بوحدانيتك، والإخلاص لطاعتك في الدنيا، وفي هذا إحالة الذنب على غيرهم، كما هي عادة المذنب يفعل ذلك، وهو يعلم أنه لا يجد به نفعًا.
وفي هذا (٢): زجر عن التقليد شديد، وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا، والتحذير منه، والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم معنى كلام الله تعالى، ويقتدي به، وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام في سوء الفهم، ومزيد البلادة، وشدة التعصب.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿سَادَتَنَا﴾ جمعًا على وزن: فعلة، أصله: سودة، وهو شاذ في جمع فيعل، فإن جعلت جمع سائد قرب من القياس، وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والسلمي وابن عامر والعامة في الجامع بالبصرة: ﴿ساداتنا﴾ على الجمع بالألف والتاء، وهو لا ينقاس.
قال في "بحر العلوم": قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص والكسائي ﴿وأطعنا الرسول فأضلونا السبيل﴾ بغير ألف في الوصل، وقرأ حمزة وأبو عمرو ويعقوب في الوقف أيضًا. والباقون: بالألف في الحالين تشبيهًا للفواصل بالقوافي، فإن زيادة الألف لإطلاق الصوت، وفائدتها الوقف. والدلالة على أنَّ الكلام قد انقطع، وأن ما بعده مستانف، وأما حذفها: فهو القياس؛ أي: في الوصل والوقف.
стр. 10377
٦٨ - ثم ذكر أنم يدعون ربهم على طريق التشفي ممن أوردهم هذا المورد الوخيم أن يضاعف لهم العذاب؛ إذ كانوا سبب ضلالهم ووقوعهم في بلواهم، وإن كانوا يعلمون أن ذلك لا يخلصهم مما هم فيه، فقالوا: ﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يا مالك أمرنا. تصدير الدعاء بالنداء المكرر للمبالغة في الجؤار، واستدعاء الإجابة ﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: مثلي العذاب الذي أوتيناه؛ لأنهم ضلوا وأضلوا، فضعف لضلالهم في أنفسهم عن طريق الهداية، وضعف لإضلالهم غيرهم عنها ﴿وَالْعَنْهُمْ﴾؛ أي: واطردهم عن رحمتك ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾؛ أي: طردًا شديدًا عظيمًا، وأصل الكبير والعظيم أن يستعملا في الأعيان، ثم استعير للمعاني، كما هنا.
أي: ربنا عذبهم مثلي عذابنا الذي تعذبنا به، مثلًا على ضلالهم، ومثلًا على إضلالهم إيانا، واخزهم خزيًا عظيمًا، واطردهم من رحمتك.
وقرأ الجمهور: ﴿كَثِيرًا﴾ بالثاء المثلثة؛ أي: لعنًا كثير العدد، عظيم القدر، شديد الموقع؛ أي: العنهم اللعن علي إثر اللعن؛ أي: مرة بعد مرة، ويشهد للكثرة قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد والنحاس لمناسبتها للسياق، وقرأ ابن مسعود وأصحابه وحذيفة بن اليمان وابن عامر وعاصم ويحيى بن وثاب والأعرج بخلاف عنه: ﴿كَبِيرًا﴾ بالياء الموحدة؛ أي: كبيرًا في نفسه، شديدًا عليهم ثقيل الموقع.
٦٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَا تَكُونُوا﴾ في أن تؤذوا رسول الله ﷺ . قيل: نزلت في شأن زينب، وما سمع فيه من مقالة الناس، كما سبق. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قسم النبي ﷺ قسمًا، فقال رجل: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال: "يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ ﵇، كقارون وأشياعه وغيرهم من سفهاء بني إسرائيل، هو قولهم: إنَّ به أدرة، أو برصًا، أو عيبًا، وفيه تأديب للمؤمنين، وزجر لهم عن أن يدخلوا في شيء من الأمور التي تؤذي رسول الله ﷺ ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: فأظهر الله سبحانه براءة موسى ﵇: ﴿مِمَّا قَالُوا﴾ في حقه؛ أي: من مضمون ما قالوا، ومؤدَّاه الذي هو الأمر المعيب، فإن البراءة تكون من العيب، لا
стр. 10378
من القول، وإنما الكائن من القول التخلص. ﴿وَكَانَ﴾ موسى ﵇ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿وَجِيهًا﴾؛ أي: ذا جاهٍ ومنزلة ودرجة وقدر، فكيف يوصف بعيب ونقيصة. وقال ابن عباس ﵄: وجيهًا أي حَظِيًّا، لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، وفيه إشارة إلى أن موسى ﵇ كان في الأزل عند الله مقضيًّا له بالوجاهة، فلا يكون غير وجيه بتعيير بني إسرائيل إياه، كما قيل:
إِنْ كُنْتُ عِنْدَكَ يَا مَوْلاَيَ مُطَّرَحًا ... فَعِنْدَ غَيْرِكَ مَحْمُوْلٌ عَلَى الْحِدَقِ
واختلفوا فيما أوذي به موسى (١)، فروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأ بعض، وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. قال: فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، قال: فجمح - أسرع - موسى بأثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى، فقالوا: واللهِ ما بموسى من بأس، فقام الحجر حتى نظروا إليه. قال: فأخذ ثوبه، فطفق الحجر ضربًا". قال أبو هريرة: والله إن بالحجر ندبًا - أثرًا - ستة أو سبعة من ضرب موسى الحجر. أخرجه البخاري ومسلم.
قال في "إنسان العيون": كان موسى ﵇ إذا غضب يخرج شعر رأسه من قلنسوته، وربما اشتعلت قلنسوته نارًا لشدة غضبه، ولشدة غضبه لما فر الحجر بثوبه .. ضربه مع أنه لا إدراك له، ووُجِّه بأنه لما فرَّ .. صار كالدابة، والدابة إذا جمحت بصاحبها يؤدبها بالضرب. انتهى.
وقيل في إذاية موسى ﵇: إن قارون دفع إلى زانية مالًا عظيمًا على أن تقول على رأس الملأ من بني إسرائيل: إني حامل من موسى بالزنا، فأظهر الله نزاهته عن ذلك، بأن أقرت الزانية بالمصانعة بينها وبين قارون، وفعل بقارون ما فعل من الخسف، كما فصِّل في سورة القصص.
ومعنى الآية (٢): يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تؤذوا الرسول بقولٍ يكرهه، ولا بفعلٍ لا يحبه، ولا تكونوا أمثال الذين آذوا موسى نبيَّ الله، فرموه
стр. 10379
بالعيب كذبًا وباطلًا، فبرأه الله مما قالوه من الكذب والزور، بما أظهر من الأدلة على كذبهم، وكان موسى ذا وجاهة وكرامة عند ربه، لا يسأله شيئًا إلا أعطاه إياه.
ولم يعين (١) لنا الكتاب الكريم ما قالوا في موسى، ومن الخير أن لا نعينه حتى لا يكون رجمًا بالغيب دون أن يكون عليه دليل. وقد اختلفوا فيه، أهو عيب في بدنه، كبرص وأدْره، أم هو عيب في خلقه؟ فقد روَوا أنَّ قارون حرَّض بغيًا على قذفه بنفسها، فعصمه الله من كذبها، وقيل: إنهم اتهموه بقتل هارون لما خرج معه إلى الطور، ومات هناك، ثمَّ استبان لهم بعد أنه مات حتف أنفه.
روي عن عبد الله بن مسعود قال: قسم رسول الله ﷺ ذات يوم قسمًا، فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، فاحمر وجهه، ثم قال: "رحمة الله على موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا، فصبر".
وروى أحمد عنه أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "لا يبلِّغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" ومن هذا يتبين أن إيذاءه كان بالقدح في أعماله وتصرفاته، لا بالعيب في بدنه كما روي.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ بالنون على الظرفية المجازية. وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبو حيوة: ﴿وكان عبدًا﴾ بالباء الموحدة من العبودية ﴿لله﴾: بلام الجر، و ﴿عبدًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿وَجِيهًا﴾ صفته. قال ابن خالويه: صليت خلف ابن شنبوذ في شهر رمضان، فسمعته يقرأ: ﴿وكان عبدًا لله﴾ على قراءة ابن مسعود.
٧٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله في رعاية حقوقه وحقوق عباده، فمن الأول: الامتثال لأمره، ومن الثاني: ترك الأذى، لا سيما في حق رسوله ﷺ وقولوا في أيِّ شأن من الشؤون ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾؛ أي: قولًا مستقيمًا عدلًا حقًا موافقًا للصواب. قال قتادة ومقاتل: يعني: قولوا قولًا سديدًا في شأن زيد وزينب، ولا تنسبوا النبي ﷺ إلى ما لا يحل. وقال عكرمة: إن القول السديد لا إله إلا الله.
стр. 10380
وقيل: هو الذي يوافق ظاهره باطنه. وقيل: هو ما أريد به وجه الله تعالى، دون غيره، وقيل: هو الإصلاح بين الناس.
والظاهر من الآية (١): أنه أمرهم بأن يقولوا قولًا سديدًا في جميع ما يأتونه ويذرونه، فلا يخص ذلك نوعًا دون نوع، وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضي العموم، فالمقام يفيد هذا المعنى؛ لأنه أرشد سبحانه عباده إلى أن يقولوا قولًا يخالف قول أهل الأذى.
وقصةُ زينب، وبعثُهم على أن يسدِّدوا قولهم في كل باب؛ لأن حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله.
حكي أن يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت - من أكابر علماء العربية - جلس يومًا مع المتوكل، فجاء المعتز والمؤيد ابنا المتوكل، فقال: أيما أحب إليك، ابناي أم الحسن والحسين؟ قال: واللهِ إن قنبرًا خادم علي ﵁ خير منك ومن ابنيك، فقال: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا، فمات في تلك الليلة، ومن العجب أنه أنشد قبل ذلك للمعتز والمؤيد، وكان يعلِّمها فقال:
يُصَابُ اَلْفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ ... وَلَيْسَ يُصَابُ الْمَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ
فَعَثْرَتُهُ فِى الْقَوْلِ تُذْهِبُ رَأْسَهُ ... وَعَثْرَتُهُ فِيْ الرِّجْلِ تَبْرَا عَلَى مَهْلِ
٧١ - ثم ذكر ما لهؤلاء الذين امتثلوا الأمر بالتقوى والقول السديد من الأجر، فقال: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾؛ أي: يوفقكم للأعمال الصالحة، أو يصلحها بالقبول والإثابة عليها ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾؛ أي: يجعلها مغفورة مكفرة باستقامتكم في القول والفعل، وفيه إشارة إلى أن من وفقه الله لصالح الأعمال، فذلك دليل على أنه مغفور له ذنوبه.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ ﴿وَ﴾ يطع ﴿رَسُولَهُ﴾ محمدًا ﷺ في الأوامر والنواهي التي من جملتها هذه التكليفات، والطاعة: هي موافقة الأمر، والمعصية: هي مخالفته ﴿فَقَدْ فَازَ﴾ وظفر في الدارين، والفوز: الظفر بالمطلوب مع السلامة من المكروه ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾؛ أي: عاش في الدنيا محمودًا، وفي الآخرة
стр. 10381
مسعودًا، أو نجا من كل ما يخاف، ووصل إلى كل ما يرجو، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها.
وإجمال معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أن تعصوه، فتستحقوا بذلك عقوبته، وقولوا في رسوله والمؤمنين قولًا قاصدًا غير جائر، حقًا غير باطل، يوفقكم لصالح الأعمال، ويغفر لكم ذنوبكم، فلا يعاقبكم عليها، ومن يطع الله ورسوله، فيعمل بما أمره به، وينتهِ عما نهاه عنها، ويقل السديد من القول .. فقد ظفر بالمثوبة العظمى، والكرامة يوم العرض الأكبر.
والخلاصة: أنه سبحانه أمر المؤمنين بشيئين: الصدق في الأقوال، والخير في الأفعال. وبذلك يكونوا قد اتقوا الله وخافوا عقابه، ثم وعدهم على ذلك بأمرين:
١ - صلاح الأعمال؛ إذ بتقواه يصلح العمل، والعمل الصالح يرفع صاحبه إلى أعلى عليين، ويجعله يتمتع بالنعيم المقيم في الجنة خالدًا فيها أبدًا.
٢ - مغفرة الذنوب، وستر العيوب، والنجاة من العذاب العظيم.
٧٢ - ثم لما فرغ سبحانه من بيان ما لأهل الطاعة من الخير بعد بيان ما لأهل المعصية من العذاب .. بين عظم شأن التكاليف الشرعية، وصعوبة أمرها فقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ...﴾ الآية. قال ابن عباس (١): أراد بالأمانة: الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده، عرضها على السموات والأرض والجبال على أنها إذا أدُّوها .. أثابهم، وإن ضيعوها .. عذبهم. وقال ابن مسعود: الأمانة: أداء الصلوات، وايتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكيال والميزان, وأشد من هذا كله: الودائع. وقيل: جميع ما أمروا به ونهوا عنه. وقيل: هي الصوم، وغسل الجنابة، وما يخفى من الشرائع، كالنية في الأعمال.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله من الإنسان الفرج، وقال: هذه الأمانة استودعكها، فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له.
стр. 10382
وفي رواية عن ابن عباس: هي أمانات الناس، والوفاء بالعود، فحقٌّ على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنًا ولا معاهدًا في شيء، لا في قليل ولا كثير، فعرض الله تعالى هذه الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال، وهذا قول جماعة من التابعين، وأكثر السلف. فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن .. جوزيتن، وإن عصيتن .. عوقبتن، قلن: لا يا رب، نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، وقلن ذلك خوفًا وخشيةً وتعظيمًا لدين الله تعالى أن لا يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة لأمره. وكان العرض عليهن تخييرًا لا إلزامًا، لو ألزمهن لم يمتنعن من حملها. والجمادات كلها خاضعة لله ، مطيعة لأمره، ساجدة له.
قال بعض أهل العلم: ركب الله تعالى فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن وأجبن بما أجبن. وقيل: المراد من العرض على السموات والأرض والجبال: هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها. والقول الأول أصح. وهو قول أكثر العلماء.
وقوله: ﴿إِنَّا﴾ هذه النون (١) نون العظمة والكبرياء عند العلماء، فإن الملوك والعظماء يعبِّرون عن أنفسهم بصيغة الجمع، ونون الأسماء والصفات عند العرفاء. فإنها متعددة ومتكثرة ﴿عَرَضْنَا﴾؛ أي: أظهرنا وأبرزنا ﴿الْأَمَانَةَ﴾؛ أي: التكاليف الشرعية ﴿عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ على أنَّ من أداها فله الثواب، ومن لم يؤدِّها .. فله العقاب. وكان هذا العرض عرض تخيير، لا عرض إلزام ﴿فَأَبَيْنَ﴾؛ أي: فامتنعت السموات والأرض والجبال عن قبولها على هذا الشرط المذكور. والإباء: شدة الامتناع، فكل إباء، امتناع، وليس كل امتناع إباءً.
وأتى بضمير هذه كضمير الإناث؛ لأن جمع التكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك، وإن كان مذكرًا، وإنما ذكرنا ذلك لئلا يتوهم أن قد غلَّب المؤنث، وهو السموات على المذكر، وهو الجبال.
واعلم: أنه لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى: ﴿أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ
стр. 10383
السَّاجِدِينَ﴾؛ لأن السجود كان هناك فرضًا، وهاهنا الأمانة كانت عرضًا، والإباء هناك كان استكبارًا، وهاهنا كان استصغارًا لقوله تعالى: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾؛ أي: خفن من الأمانة أن لا يؤدينها. اهـ "فتوحات".
﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾؛ أي: وخفن من الأمانة وحملها، وقلن: يا رب، نحن مسخرات بأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، ولم يكن هذا القول منهن من جهة المعصية والمخالفة، بل من جهة الخوف والخشية من أن لا يؤدين حقوقها، ويقعن في العذاب، ولو كان لهن استعداد ومعرفة بسعة الرحمة، واعتماد على الله تعالى لما أبين.
فإن قلت (١): ما ذكر من السموات وغيرها جمادات، والجمادات لا إدراك لها، فما معنى عرض الأمانة عليها؟
قلت: للعلماء فيه قولان:
الأول: أنه محمول على الحقيقة، وهو الأنسب بمذهب أهل السنة؛ لأنهم لا يؤولون أمثال هذا، بل يحملونها على الحقيقة خلافًا للمعتزلة وهو القول الثاني. وعلى تقدير الحقيقة فيه وجهان: أحدهما أدق من الآخر:
الوجه الأول: أن للجمادات حياةً حقانيةً دلَّ عليها كثير من الآيات، نحو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾، وقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ إلى غير ذلك.
والوجه الثاني: أن الله تعالى ركَّب العقل والفهم في الجمادات المذكورة عند عرض الأمانة، كما ركب العقل، وقبول الخطاب في النملة السليمانية، والهدهد، وغيرهما من الطيور والوحوش والسباع، بل وفي الحجر والشجر والتراب، فهن بهذا العقل والإدراك سمعن الخطاب، وأنطقهن الله بالجواب، حيث قال لهن: أتحملن هذه على أن يكون لكُنَّ الثواب والنعيم في الحفظ والأداء، والعقاب في
стр. 10384
الغدر والخيانة.
﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: قبلها الإنسان عند عرض تلك الأمانة عليه، والمراد بالإنسان: الجنس، بدليل قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾؛ أي: تكلفها والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية، ورخاوة القوة؛ لأن الحمل إنما يكون بالهمة، لا بالقوة.
وقال بعضهم: المراد بالإنسان: آدم ﵇. وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: مثلت الأمانة كالصخرة الملقاة، ودعيت السموات والأرض والجبال إليها، فلم يقربوا منها، وقالوا: لا نطيق حملها، وجاء آدم من غير أن يدعى، وحرك الصخرة، وقال: لو أمرت بحملها لحملتها، فقلنا له: احمل، فحملها إلى ركبتيه، ثم وضعها، وقال: لو أردت أن ازداد لزدت، فقلنا له: احمل، فحملها إلى حقوه، ثم وضعها وقال: لو أردت أن ازداد لزدت، فقلنا له: احمل، فحملها حتى وضعها على عاتقه، فأراد أن يضعها، فقال الله: مكانك، فإنها في عنقك، وعنق ذريتك إلى يوم القيامة.
﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الإنسان ﴿كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسه بمعصية ربه؛ حيث لم يف، ولم يراع حقها. وقيل: المراد بظلمه لها: إتعابه إياها. ﴿جَهُولًا﴾ بكنه عاقبتها. وجملة ﴿إِنَّ﴾ اعتراض وُسِّط بين الحمل وغايته للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما عهد تحمله؛ أي: إنه كان مفرطًا في الظلم، مبالغًا في الجهل؛ أي: بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة، أو عهودهم يوم الأرواح، دون من عداهم من الذين لم يبدِّلوا فطرة الله، وجروا على ما اعترفوا بقولهم: بلى.
٧٣ - واللام في قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ - الذين ضيعوا الأمانة بعدما قبلوها ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ - الذين خانوا في الأمانة بعدم قبولها رأسًا - لامُ العاقبة متعلقة بـ ﴿حَمَلَهَا﴾، وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ معترضة؛ لأن التعذيب، وإن لم يكن غرضًا له من الحمل، لكان لما ترتب عليه بالنسبة إلى بعض أفراده ترتب الأغراض على الأفعال المعللة بها .. أبرز في معرض الغرض، وهذا إشارة إلى الفريق الأول؛ أي: كان عاقبة حمل الإنسان لها أن يعذِّب الله هؤلاء من أفراده لخيانتهم الأمانة، وخروجهم عن الطاعة بالكلية. قال في "بحر العلوم": ويجوز أن تكون اللام علة لـ ﴿عَرَضْنَا﴾؛ أي: عرضنا عليه ليظهر نفاق المنافقين، وإشراك
стр. 10385
المشركين، فيعذبهما الله تعالى.
﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الذين حفظوا الأمانة، وراعوا حقها. قال في "الإرشاد": وهذا إشارة إلى الفريق الثاني؛ أي: كان عاقبة حمله لها أن يتوب الله على هؤلاء من أفراده؛ أي: يقبل توبتهم لعدم خلعهم ربقة الطاعة عن رقابهم بالمرة، وتلافيهم فرط منهم من فرطات، قلما يخلو الإنسان عنها بحكم جبليته، وتداركهم لها بالتوبة والإنابة، أو عرضنا عليه ليظهر إيمان المؤمن، فيتوب الله عليه؛ أي: يعود عليه بالمغفرة والرحمة إن حصل منهم تقصير في بعض الطاعات.
وقرأ الأعمش (١): ﴿فيتوب﴾ بالرفع على جعل العلة قاصرة على ما قبله، وذهب صاحب "اللوامح" أن الحسن قرأ: ﴿ويتوب﴾: بالرفع، ذكره أبو حيان في "البحر".
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: كثير المغفرة والرحمة للمؤمنين من عباده إذا قصروا في شيء مما يجب عليهم، أو كان (٢) غفورًا للظلوم، رحيمًا على الجهول؛ لأن الله سبحانه وعد عباده بأنه يغفر الظلم جميعًا إلا الظلم العظيم الذي هو الشرك.
وإجمال الآية (٣): أي إنا لم نخلق السموات والأرض على عظم أجرامها، وقوة أسرها، مستعدةً لحمل التكاليف بتلقي الأوامر والنواهي، والتبصر في شؤون الدين والدنيا, ولكن خلقنا الإنسان على ضعف منَّته، وصغر جرمه مستعدًا لتلقيها، والقيام بأعبائها، وهو مع ذلك قد غلبت عليه الانفعالات النفسية الداعية إلى الغضب، فكان ظلومًا لغيره، وركِّب فيه حب الشهوات، والميل إلى عدم التدبر في عواقب الأمور، ومن ثَمَّ كلفناه بتلك التكاليف لتكسر سورة تلك القوى، وتخفف من سلطانها عليه، ونكبت من جماحها حتى لا توقعه في مواقع الردى. ثم بين عاقبة تلك التكاليف، فقال: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ ...﴾ الخ. أي: وكان عاقبة حمل الإنسان لهذه الأمانة أن يعذب من خانها وأبى الطاعة.
стр. 10386
والانقياد لها من المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات، ويقبل توبة المؤمنين والمؤمنات إذا رجعوا إليه وأنابوا، لتلافيهم ما فرط منهم من الجهل، وعدم التبصر في العواقب، وتداركهم ذلك بالتوبة.
ثم علل قبوله لتوبتهم فقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: وكان ستارًا لذنوب عباده، كثير الرحمة بهم، ومن ثَمَّ قبل توبة من أناب إليه، ورجع إلى حظيرة قدسه، وأخلص له العمل، وتلافى ما فرِّط منه من الزلات، وأثابه على طاعته بالفوز العظيم. نسألك اللهم أن تتوب علينا، وتغفر لنا ما فرط منا من الزلات، وتثيبنا بالفوز العظيم في الجنات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
الإعراب
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعوله. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة صلة الموصول. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: متعلق بـ ﴿لَعَنَهُمُ﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾. ﴿وَأَعَدَّ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَعَدّ﴾. ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به. ﴿مُهِينًا﴾: صفة ﴿عَذَابًا﴾، وجملة ﴿أَعَدَّ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لَعَنَهُمُ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، ﴿وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿بِغَيْرِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْذُونَ﴾ وهو مضاف، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الجر مضاف إليه. ﴿اكْتَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: بغير الذنب الذي اكتسبوه، أو ﴿مَا﴾ مصدرية، والجملة الفعلية صلته، والمصدر المنسبك منها مضاف إليه لـ ﴿غَيْرِ﴾؛ أي: بغير اكتسابهم وجرمهم. ﴿فَقَد﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ لما في المبتدأ من العموم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿احْتَمَلُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بُهْتَانًا﴾: مفعول به. ﴿وَإِثْمًا﴾: معطوف على ﴿بُهْتَانًا﴾. ﴿مُبِينًا﴾: صفة. ﴿كَانَ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر
стр. 10387
المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿النَّبِيُّ﴾: صفة لأي، وجملة النداء مستأنفة ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ . ﴿لِأَزْوَاجِكَ﴾: متعلق بـ ﴿قُلْ﴾، وجملة القول جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوفان على ﴿أَزْوَاجِكَ﴾. ﴿يُدْنِينَ﴾: فعل مضارع وفاعل؛ لأن النون ضمير النسوة. ﴿عَلَيْهِنَّ﴾: متعلق بـ ﴿يُدْنِينَ﴾، أو حال مقدمة على صاحبها، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، وقيل: هو مجزوم بلام الأمر المحذوفة؛ أي: ليدنين. ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: متعلق بـ ﴿يُدْنِينَ﴾. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يُعْرَفْنَ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة نائب فاعل، والمصدر المنسبك من الفعل مجرور بحرف جر محذوف تقديره: أي ذلك أدنى وأقرب إلى معرفتهن. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُؤْذَيْنَ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة، ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُعْرَفْنَ﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره. ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان له، والجملة مستأنفة.
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾.
﴿لَئِنْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَنْتَهِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَّمْ﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الياء. ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾: فاعل. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: إن لم ينتهوا نغرينك بهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾: معطوف على ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾ ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: متعلق بـ ﴿مرجفون﴾. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة
стр. 10388
للقسم مؤكدة للأولى، وكُرِّرت لإفادة أن المذكور جواب القسم لتقدمه على الشرط، كما هو القاعدة عندهم. ﴿نغرينك﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا، تقديره: نحن، يعود على الله، والكاف: مفعول به. ﴿بِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿نغرينك﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب وتراخ. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿نغرينك﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿يجاورون﴾، أو حال من فاعل ﴿يجاورون﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿قَلِيلًا﴾: ظرف زمان متعلق بـ ﴿يجاورون﴾؛ لأنه صفة لزمان محذوف؛ أي: زمانًا قليلًا، أو منصوب على المصدرية؛ لأنه صفة لمصدر محذوف. إلا جوارًا قليلًا.
﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾.
﴿مَلْعُونِينَ﴾: حال من فاعل ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾، أو حال من مقدر حذف هو وعامله. تقديره: ثم يخرجون ملعونين. ﴿أَيْنَمَا﴾: اسم شرط جازم يجزم فعلين، في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا، والظرف متعلق بالجواب ﴿ما﴾ زائدة زيدت لتأكيد معنى الكلام. ﴿ثُقِفُوا﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة، ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿أَيْن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿أُخِذُوا﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة، ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿أَيْن﴾ على كونه جواب الشرط لها، وجملة الشرط مستأنفة. ﴿وَقُتِّلُوا﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة، ونائب فاعل معطوف على ﴿أُخِذُوا﴾. ﴿تَقْتِيلًا﴾: مفعول مطلق مؤكد لعامله. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: مفعول مطلق مؤكد لعاملة المحذوف، تقديره: سنَّ الله ذلك الأخذ والقتل في الذين نافقوا من قبل. ﴿فِي الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾، أو بعامله المحذوف. ﴿خَلَوْا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَوْا﴾. ﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَن تجد﴾: ناصب وفعل مضارع منصوب بـ ﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد. ﴿لِسُنَّةِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَبْدِيلًا﴾. و ﴿تَبْدِيلًا﴾: مفعول به لـ ﴿تَجدَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿سن﴾ المحذوفة.
стр. 10389
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾.
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل. ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْأَلُكَ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لحكاية حال المستهزئين من المشركين واليهود ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿عِلْمُهَا﴾: مبتدأ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿مَا﴾: اسم استفهام للإنكار مبتدأ، وجملة ﴿يُدْرِيكَ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة؛ أي: أيُّ شيء مدر إياك وقت مجيئها؛ أي: لا تعلمه. ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾: ناصب واسمه. ﴿تَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿السَّاعَةَ﴾ ﴿قَرِيبًا﴾: خبرها؛ أي: شيئًا قريبًا، وجملة ﴿تَكُونُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لَعَلَّ﴾، وجملة ﴿لَعَلَّ﴾ في محل نصب مفعول ثانٍ لـ ﴿يُدْرِيكَ﴾، والتقدير: وما يدريك قرب قيام الساعة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿الْكَافِرِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَأَعَدَّ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿لَعَنَ﴾. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَعَدَّ﴾. ﴿سَعِيرًا﴾: مفعول به. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من ﴿الْكَافِرِينَ﴾. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾ أيضًا. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَجِدُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول به. لـ ﴿يَجِدُونَ﴾، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: معطوف على ﴿وَلِيًّا﴾، وجملة ﴿لَا يَجِدُونَ﴾ حال ثانية من ﴿الْكَافِرِينَ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان متعلق بـ ﴿يَقُولُونَ﴾، أو بمحذوف، تقديره: اذكر، أو متعلق بـ ﴿لَا يَجِدُونَ﴾. ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليه. ﴿فِي النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿تُقَلَّبُ﴾. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو حال من ضمير ﴿وُجُوهُهُمْ﴾. ﴿يَا لَيْتَنَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، والمنادى محذوف، تقديره: يا قوم، أو يا هؤلاء. ﴿ليتنا﴾: ناصب واسمه،
стр. 10390
وجملة ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ﴾ خبر ﴿لَيْتَ﴾ جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿وَأَطَعْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿الرَّسُولَا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ﴾.
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنّ﴾، وجملة ﴿إِنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَكُبَرَاءَنَا﴾: معطوف على ﴿سَادَتَنَا﴾، ﴿فَأَضَلُّونَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أضلونا﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿أَطَعْنَا﴾. ﴿السَّبِيلَا﴾: مفعول ثان لـ ﴿أَضَلُّونَا﴾، وزيادة الألف لإطلاق الصوت، جعلت فواصل الآي كقوافي الشعر، وفائدتها الوقف، والإشارة إلى أن الكلام قد انقطع. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء للتخفيف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿آتِهِمْ﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول أول؛ لأنه بمعنى: أعطي. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿آتِهِمْ﴾. ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾: صفة لـ ﴿ضِعْفَيْنِ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَالْعَنْهُمْ﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، معطوف على ﴿آتِهِمْ﴾. ﴿لَعْنًا﴾: مفعول مطلق. ﴿كَبِيرًا﴾: صفة ﴿لَعْنًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾. ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿لَا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه، مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿كَالَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿تَكُونُوا﴾، وجملة ﴿تَكُونُوا﴾ جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿آذَوْا مُوسَى﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿بَرَّأَهُ اللَّهُ﴾: فعل ماض ومفعول به وفاعل، معطوف على جملة ﴿آذَوْا
стр. 10391
مُوسَى﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿بَرَّأَ﴾، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، أو موصولة، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: مما قالوه فيه, أو من مضمون قولهم: إن قلنا: إنها مصدرية. ﴿وَكَانَ﴾: فعل ناقص، واسمه مستتر يعود على موسى. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَجِيهًا﴾. و ﴿وَجِيهًا﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لأي، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿وَقُولُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿اتَّقُوا﴾. ﴿قَوْلًا﴾: مفعول مطلق. ﴿سَدِيدًا﴾: صفة ﴿قَوْلًا﴾. ﴿يُصْلِحْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله مجزوم بالطلب السابق. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُصْلِحْ﴾. ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَيَغْفِرْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله تعالى، معطوف على جملة ﴿يُصْلِحْ﴾ ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿اللَّهَ﴾. ﴿ذُنُوبَكُمْ﴾: مفعول به. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشوط، أو الجواب، أو هما. ﴿يُطِعِ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ الشرطية، مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشوطية على كونها فعل شرط لها. ﴿اللَّهَ﴾: لفظ الجلالة مفعول به. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف عليه. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا لاقترانه بـ ﴿قَدْ﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿فَازَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. ﴿فَوْزًا﴾: مفعول مطلق. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة ﴿فَوْزًا﴾، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾.
﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة
стр. 10392
في محل الرفع خبر ﴿إِنَّا﴾، وجملة ﴿إِنَّا﴾ مستأنفة. ﴿عَلَى السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿عَرَضْنَا﴾. ﴿وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾: معطوفان على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿فَأَبَيْنَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أَبَيْنَ﴾: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والنون فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿عَرَضْنَا﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿يَحْمِلْنَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿أبين﴾؛ أي: فأبين حملهن إياها. ﴿وَأَشْفَقْنَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أَشْفَقْنَ﴾: فعل ماض وفاعل، مبني على السكون. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَشْفَقْنَ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَبَيْنَ﴾. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة معطوفة على محذوف، تقديره: فعرضناها على الإنسان، وحملها الإنسان. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الإنسان. ﴿ظَلُومًا﴾: خبرها الأول. ﴿جَهُولًا﴾: خبر ثانٍ لها، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾.
﴿لِيُعَذِّبَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يُعَذِّبَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل. ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾: مفعول به ﴿وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾: معطوفات على ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لتعذيب الله المنافقين الخ، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿حَمَلَهَا﴾، وقيل: بـ ﴿عَرَضْنَا﴾، واللام لام التعليل، أو لام العاقبة على الخلاف المار فيه. ﴿وَيَتُوبَ﴾: معطوف على ﴿يُعَذِّبَ﴾. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يَتُوبَ﴾. ﴿وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره. ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثانٍ لها، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ يقال: آذى يؤذي أذى وأذيَّة وإذاية، ولا يقال: إيذاءً،
стр. 10393
كما في "القاموس"، ولكن شاع بين أهل التصنيف استعماله، كما في "التنبيه" لابن كمال.
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ من الإدناء من الدنو، وهو القرب. والجلابيب: جمع جلباب. وفي "القاموس" وغيره: الجلباب، والجلبَّاب - بتشديد الباء - الأولى: ثوب أوسع من الخمار دون الرداء، تلويه المرأة على رأسها، وتبقي منه ما ترسله إلى صدرها، كما في "الكشاف".
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ الانتهاء: الانزجار عما نهي عنه. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾ قال في "الأساس": وأرجفوا في المدينة بكذا: إذا أخبروا به على أن يوقعوا في الناس الاضطراب من غير أن يصح عندهم، وهذا من أراجيف الغواة، وتقول: إذا وقعت المخاويف كثرت الأراجيف. وجاء في غيره ما نصه: أرجف: خاض في الأخبار السيئة والفتن، قصد أن يهيج الناس، وأرجف القوم بالشيء وفيه: خاضوا فيه، وأرجفت الريح الشجر: حركته، وأرجفت الأرض بالبناء للمجهول: زلزلت، وأصل الإرجاف: التحريك، مأخوذ من الرجفة، وهي الزلزلة، ووصفت به الأخبار الكاذبة لكونها متزلزلة غير ثابتة، وسمي البحر رجافًا لاضطرابه، ومنه قول الشاعر:
الْمُطْعِمُوْنَ اللَّحْمَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... حَتَّى تَغِيْبَ الشَّمْسُ فِيْ الرَّجَّافِ
﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ يقال: غرى بكذا؛ أي: لهج به ولصق، وأصل ذلك من الغراء، وهو ما يلصق به الشي، وقد أغريت فلانًا بكذا إغراءً ألهجته به.
﴿مَلْعُونِينَ﴾ قال في "الأساس" و"اللسان": لعنه أهله: طردوه وأبعدوه وهو لعين؛ أي: طريد، وقد لعن الله إبليس: طرده من الجنة، وأبعده من جوار الملائكة، ولعنت الكلب والذئب طردتهما، ويقال للذئب: اللعين، ولعنه وهو ملعَّن؛ أي: مكثر لعنه، وتلاعن القوم وتلعنوا والتعنوا والتعن فلان: لعن نفسه، ورجل لُعَنَةٌ ولُعْنَةٌ، كضُحَكَة وضُحْكَة، ولا تكن لعانًا طعانًا، ولاعن امرأته ولاعن القاضي بينهما: أوقع بينهما اللعان.
﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾؛ أي: وجدوا وأدركوا. قال الراغب: الثقف الحذق في إدراك الشيء وفعله، يقال: ثقفت كذا: إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم قد تجوِّز به، فاستعمل في الإدراك، وإن لم يكن معه ثقافة.
стр. 10394
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾؛ أي: القيامة؛ أي: عن وقت قيامها، والساعة في الأصل: جزء من أجزاء الزمان، ويعبَّر بها عن القيامة تشبيهًا بذلك لسرعة حسابها.
﴿سَعِيرًا﴾؛ أي: نارًا مسعورة شديدة الاتقاد، يقال: سعر النار وأسعرها وسعرها: أوقدها.
﴿سَادَتَنَا﴾ جمع تكسير على وزن فعلة بفتحتين؛ لأن أصله سودة، وهو شائع في وصف لمذكر عاقل صحيح اللام، نحو كامل وكملة، وساحر وسحرة، وسافر وسفرة، وبارٌّ وبررة، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ﴾، ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ فخرج بالوصف الاسم، نحو: واد وباز، وبالتذكير نحو: حائض وطالق، وبالعقل نحو: سابق ولاحق صفتي فرسين وبصحة اللام نحو: قاضٍ وغازٍ، فلا يجمع شيء من ذلك على فعلة بفتحتين باطرادٍ، وشذ في غير فاعل نحو: سيد وسادة، فوزنها: فعلة، ويجوز أن يكون جمعًا لسائد، نحو: فاجر وفجرة، وكافر وكفرة، وهو أقرب إلى القياس، كما رأيت على أن صاحب "القاموس" لم يلتزم بالقاعدة، فقال: والسائد: السيد أو دونه، والجمع: سادة وسيايد.
وقرأ ابن عامر: ﴿سادتنا﴾، فجمعه ثانيًا بالألف والتاء، وهو غير مقيس أيضًا.
﴿وَكُبَرَاءَنَا﴾ جمع: كبير، وهو مقابل الصغير, والمراد: الكبير رتبةً وحالًا.
﴿فَأَضَلُّونَا﴾ يقال: أضله الطريق، وأضله عن الطريق بمعنًى واحد؛ أي: أخطأ به عنه.
﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ أصل البراءة: التفصِّي مما تكره مجاورته؛ أي: فأظهر براءة موسى عليه مما قالوا في حقه.
﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ الوجيه: سيد القوم ذو الجاه والوجاهة. وفي "الوسيط": وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه: إذا كان ذا جاه وقدر.
﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ مستقيمًا مائلًا إلى الحق، من سد يسد سدادًا من باب ضرب: صار صوابًا ومستقيمًا، فإنَّ السداد الاستقامة، يقال: سدد السهم نحو الرمية: إذا لم يعدل به عن سمتها، وخص القول الصدق بالذكر، وهو ما أريد به وجه الله ليس فيه شائبة غيرٍ وكذب أصلًا؛ لأن التقوى صيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل
стр. 10395
أو ترك، فلا يدخل فيها.
﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ يقال: عرض لي أمر كذا؛ أي: ظهر. وعرضت له الشيء: أظهرته وأبرزته إليه، وعرضت الشيء على البيع، وعرض الجند: إذا أمرهم عليه، ونظر ما حالهم. والأمانة: ضد الخيانة، والمراد بها هنا: التكاليف الشرعية، والأمور الدينية المرعية.
﴿فَأَبَيْنَ﴾؛ أي: امتنعن من حملها، والإباء: شدة الامتناع، كما مر في مبحث التفسير.
﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾؛ أي: خفن منها. قال في "المفردات": الإشفاق: عناية مختلطة بخوف؛ لأن الشفق يحب المشفق عليه، ويخاف ما يلحقه، فإذا عدي بـ ﴿من﴾ فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدِّي بـ ﴿على﴾ فمعنى العناية فيه أظهر.
﴿ظَلُومًا﴾ والظلم: وضع الشيء في غير موضعه المختص به؛ إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا: ظلمت السقاء: إذا تناولته في غير وقته، ويسمى ذلك اللبن: الظلم، وظلمت الأرض: إذا حفرتها, ولم تكن موضعًا للحفر، وتلك الأرض يقال لها: المظلومة، والتراب الذي يخرج منها ظليم. والظلم يقال في مجاوزة الحد الذي يجري مجرى النقطة في الدائرة، ويقال فيما يكثر ويقل من التجاوز، ولذا تستعمل في الذنب الصغير والكبير، ولذا قيل لآدم في تقدمه: ظالم، وفي إبليس ظالم، وإن كان بين الظلمين بون بعيد.
قال بعض الحكماء: الظلم ثلاثة:
أحدها: بين الإنسان وبين الله سبحانه، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق.
والثاني: ظلم بينه وبين الناس.
والثالث: ظلم بينه وبين نفسه، وهذه الثلاثة في الحقيقة للنفس، فإن الإنسان أول ما يهم بالظلم، فقد ظلم نفسه.
﴿جَهُولًا﴾ والجهل: خلو النفس من العلم، وهو على قسمين: ضعيف: وهو الجهل البسيط، وقوي: وهو الجهل المركب الذي لا يدري صاحبه أنه لا يدري, فيكون محرومًا من التعلم، وكذا كان قويًا. وقال بعضهم: الإنسان ظلوم ومجهول؛
стр. 10396
أي: من شأنه الظلم والجهل، كما يقال: الماء طهور؛ أي: من شأنه الطهارة. واعلم أنَّ الظلومية والجهولية صفتا ذم عند أهل الظاهر؛ لأنهما في حق الخائنين في الأمانة، فمن وضع الغدر والخيانة موضع الوفاء والأداء .. فقد ظلم وجهل. اهـ "روح".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التأكيد بإن، وبفعلية الخبر في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ إلخ.
ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾، ﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾: هم من المنافقين، فعمم ثم خصص زيادة في التقبيح والتشنيع عليهم. ومنها: التأكيد بالمصدر.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾؛ لأنه في الأصل إلصاق الشيء بالشيء، فاستعير هنا للتسليط.
ومنها: الإتيان بالمصدر مع الفعل للتأكيد في قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، وفيه أيضًا: جناس الاشتقاق.
ومنها: الإتيان بعنوان السيادة والكبر في قوله: ﴿سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ لتقوية الاعتذار، وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾؛ لأن الأصل في الكبير أن يستعمل في الأجرام، ثم استعير هنا للمعاني.
ومنها: التحسر والتفجع بطريق التمني في قوله: ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ فأطلق الجزء وأراد الكل؛ أي: أجسامهم، وفيه أيضًا تخصيص الوجوه بالذكر؛ لأناقة الوجه على جميع الأعضاء، وهو مثابة المقابلة.
стр. 10397
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، وفي قوله: ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ مثَّل للأمانة في ضخامتها وعظمها وتفخيم شأنها بأنها من الثقل، بحيث لو عرضت على السموات والأرض والجبال، وهي من القوة والشدة بأعلى المنازل .. لأبت عن حملها، وأشفقت منها، وهو تمثيل رائع لتهويل شأن الأمانة.
ومنها: المقابلة اللطيفة بين قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾، وبين قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وفي ختم السورة بهذه الآية من البدائع ما يسميه علماء البديع: ردَّ العجز على الصدر؛ لأن بدء السورة كان في ذم المنافقين، وختامها كان في بيان سوء عاقبة المنافقين، فحسن الكلام.
ومنها: العدول إلى صيغة الماضي في قوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ مع كونه معطوفًا على يقولون قبله؛ للإشعار بأن قولهم ليس مستمرًا، كقولهم السابق، بل هو ضرب اعتذار أرادوا به ضربًا من التشفي بمضاعفة عذاب الذين ألقوهم في تلك الورطة.
ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة الذي هو الاسم الجليل في قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ لتهويل الخطب وتربية المهابة.
ومنها: الإظهار في موضع الاضمار ثانيًا في قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ﴾ لإبراز مزيد الاعتناء بأمر المؤمنين والمؤمنات توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه.
ومنها: الاعتراض بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ بين الحمل وغايته للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما عهده وتحمله.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
تنبيه: ذكر سبحانه في هذه السورة الكثير من شؤون الزوجية، وكيف تعامل الزوجات، وقد رأينا أن نذكر هنا مسألتين كثر الخوض فيهما من أرباب الأديان
стр. 10398
الأخرى، ومن نابتة المسلمين الذين تعلموا في مدارسهم، وسمعوا كلام المبشرين، ظنًا منهم أنهم وجدوا مغمزًا في الإِسلام، وأصابوا هدفًا يصمي الدين، ويجعل معتنقيه مضغة في أفواه السامعين، وأنى لهم ذلك، وليتهم فكروا وتأملوا قبل أن يتكلموا:
أَرَى الْعَنْقَاءَ تَكْبُرُ أَنْ تُصَادَا ... فَعَانِدْ مَنْ تُطِيْقُ لَهُ عِنَادَا
١ - تعدد زوجاته ﷺ وكثرتهن، بينما لم يبحْ مثل ذلك لأمته.
٢ - إباحة تعدد الزوجات لعامة المسلمين، ومن ثم وجب علينا أن نميط اللثام عن الأسباب التي دعت إلى كل منهما.
أسباب تعدد زوجاته ﷺ
قبل أن ندخل في تفاصيل البحث نذكر لك أنَّ النبي ﷺ عاش مع خديجة خمسًا وعشرين سنة، لم يتزوج سواها، وكانت سنه إذ ذاك ناهزت الخمسين، وكان قد تزوجها في شرخ شبابه؛ إذ كانت سنه وقتئذ خمسًا وعشرين سنة، وكانت سنها أربعين، وعاشا معًا عيشًا هنيئًا، شعاره الإخلاص والوفاء، وكانت من أكبر أنصاره على الكفار الذين سخروا منه، وألحقوا به ضروبًا شتى من الأذى، ولم يشأ أن يتزوج غيرها مع ما كان يبيحه له عرف قومه، بل ظل وفيًا لها حتى توفيت، فحزن عليها حزنًا شديدًا، وسمي عام وفاتها: عام الحزن، ولم ينقطع عن ذكراها طوال حياته.
والآن حق علينا أن نذكر لك الأسباب التي حدت النبي ﷺ إلى التعدد، وهي قسمان: أسباب عامة، وأسباب خاصة.
الأسباب العامة
١ - إن رسالة النبي ﷺ عامة للرجال والنساء، ومن التشريع ما هو مشترك بين الوجل والمرأة، وما هو خاص بأحدهما، وكل يحتاج في تلقينه إلى عدد ليس بالقليل؛ لتفوق المرسل إليهم، وكثرتهم، وقصر زمن حياة الرسول، وكثرة الأحكام وإلا لم يحصل التبليغ على الوجه الأتم. ومن الأحكام المتعلقة بالنساء ما تستحي المرأة أن تعرفه من الرجل، ويستحي الرجل من تبليغه للمرأة، ألا ترى إلى ما روي
стр. 10399
عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت يزيد الأنصاري قالت للنبي ﷺ : كيف أغتسل من الحيض؟ قال: "خذي فرصة ممسكة - قطعة قطن - فتوضئي" قالها ثلاثًا، وهو في كل ذلك يقول: "سبحان الله" عند إعادتها السؤال، ثم أعرض عنها بوجهه استحياء، فأخذتها عائشة، وأخبرتها بما يريد النبي ﷺ .
ومن ثمَّ وجب أن يتلقى الأحكام الخاصة بالنساء من الرسول ﷺ عدد كثير منهن، وهن يبلِّغن ذلك إلى النساء، ولا يصلح للتلقي عنه إلا أزواجه؛ لأنهن لهن خصائص تمكنهن من معرفة أغراض النبي ﷺ دون تأفُّف ولا استحياء، يرشد إلى ذلك قوله: "خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء" يريد عائشة ﵂ والعرب تقول: امرأة حمراء؛ أي: بيضاء.
٢ - إن المصاهرة من أقوى عوامل التآلف والتناصر، كما هو مشاهد معروف، والدعوة في أول أمرها كانت في حاجة ماسة، إلى الإكثار من ذلك؛ لاجتذاب القبائل إليه، ومؤازرتهم له لذود عوادي الضالين، وكفِّ أذاهم عنه، ومن ثَمَّ كان أكثر زوجاته من قريش سيدة العرب.
٣ - إن المؤمنين كانوا يرون أنَّ أعظم شرف، وأمتن قربة إلى الله تعالى مصاهرتهم لنبيه، وقربهم منه، فمن ظفر بالمصاهرة .. فقد أدرك ما يرجو، ألا ترى أن عمر ﵁ أسف جد الأسف حين فارق رسول الله ﷺ ابنته، وقال: لا يعبأ بعدها بعمر، ولم ينكشف عنه الهم حتى روجعت، وأنَّ عليًا كرم الله وجهه على اتصاله برسول الله ﷺ من طريق النسب، وشرف اقترانه بالزهراء، رغب في أن يزوجه أخته أم هانىء بنت أبي طالب؛ ليتضاعف شرفه ولم يمنعها من ذلك إلا خوفها أن تقصِّر في القيام بحقوق الرسول مع خدمة أبنائها.
الأسباب الخاصة
١ - تزوج النبي ﷺ بعد خديجة سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو الذي أسلم، واضطر إلى الهجرة إلى بلاد الحبشة هربًا من اضطهاد المشركين، ومات هناك، وأصبحت امرأته بلا معين، وهي أرمل رجل مات في سبيل الدفاع عن الحق، فتزوجها النبي ﷺ وفاء لرجل غادر الأهل والأوطان احتفاظًا بعقيدته، وقد شاركته هذه الزوجة في أهوال التغريب والنفي، وحماية لها من أهلها أن يفتنوها؛
стр. 10400
لأنها مع زوجها على غير رغبتهم.
٢ - تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، وعمرها زهاء خمسين عامًا، وكان زواجه منها سببًا في دخول خالد بن الوليد في دين الله، وهو المجاهد الكبير، والبطل العظيم، وهو الذي غلب الروم على أمرهم فيما بعد، وله في الإِسلام أيام غر محجلة إلى أن زواجها بالنبي ﷺ يسر لذوي قرباها وسيلة للعيش، فطعموا من جوع، وأمنوا من مخوف، وأثروا بعد فاقة.
٣ - تزوج جويرية، وكان أبوها الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق بن خزاعة، جمع قبل إسلامه جموعًا كثيرة لمحاربة النبي ﷺ ، ولما التقى الجمعان عرض عليهم الرسول ﷺ الإِسلام فأبوه، فحاربهم حتى هزموا، ووقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها على سبع أواق من الذهب، فلم تر معينًا لها غير النبي ﷺ ، فجاءت إليه، وأدلت بنسبها، وطلبت حريتها، فتذكر النبي ﷺ ما كان لأهلها مع العز والسؤدد، وما صاروا إليه بسوء التدبير والعناد، فأحسن إليها وإلى قومها بأداء ما عليها من نجوم، ثم تزوجها، فقال المسلمون بعد أن اقتسموا بني المصطلق: إن أصهار رسول الله لا يسترقون، وأعتقوا من بأيديهم من سبيهم، وعلى إثر ذلك أسلم بنو المصطلق شكرًا لله على الحرية بعد ذل الكفر والأسر.
٤ - تزوج السيدة عائشة مكافأة لأبي بكر الصديق؛ إذ كان شديد التمسك برسول الله ﷺ ، مولعًا بالتقرب منه، فكان ذلك قرة عين لها ولأبويها، وفخرًا لذوي قرباها، وكان عبد الله بن الزبير - ابن أختها - يفاخر بني هاشم بذلك.
٥ - تزوج أم المؤمنين حفصة بنت عمر مكافأة لزوجها الذي توفي مجروحًا في وقعة بدر، وفي تلك الحقبة كانت السيدة رقية بنت الرسول ﷺ وزوج عثمان قد توفيت، فعرض عمر ابنته على عثمان، فأعرض عنها رغبة في أم كلثوم بضعة الرسول ﷺ ؛ ليستديم له بذلك الشرف، فعز هذا على عمر، وأنفت نفسه، فشكاه إلى أبي بكر، فقال له: لعلها تتزوج من هو خير منه، ويتزوج من هي خير منها له. [يريد زواج عثمان بأم كلثوم، وزواج حفصة بالنبي ﷺ ].
٦ - تزوج صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير، وكانت قد وقعت في السبي مع عشيرتها، فأراد النبي ﷺ أن يتزوجها رأفة بها؛ إذ ذلت بعد عزة،