أي: من شأنه الظلم والجهل، كما يقال: الماء طهور؛ أي: من شأنه الطهارة. واعلم أنَّ الظلومية والجهولية صفتا ذم عند أهل الظاهر؛ لأنهما في حق الخائنين في الأمانة، فمن وضع الغدر والخيانة موضع الوفاء والأداء .. فقد ظلم وجهل. اهـ "روح".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التأكيد بإن، وبفعلية الخبر في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ إلخ.
ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾، ﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾: هم من المنافقين، فعمم ثم خصص زيادة في التقبيح والتشنيع عليهم. ومنها: التأكيد بالمصدر.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾؛ لأنه في الأصل إلصاق الشيء بالشيء، فاستعير هنا للتسليط.
ومنها: الإتيان بالمصدر مع الفعل للتأكيد في قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، وفيه أيضًا: جناس الاشتقاق.
ومنها: الإتيان بعنوان السيادة والكبر في قوله: ﴿سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ لتقوية الاعتذار، وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾؛ لأن الأصل في الكبير أن يستعمل في الأجرام، ثم استعير هنا للمعاني.
ومنها: التحسر والتفجع بطريق التمني في قوله: ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ فأطلق الجزء وأراد الكل؛ أي: أجسامهم، وفيه أيضًا تخصيص الوجوه بالذكر؛ لأناقة الوجه على جميع الأعضاء، وهو مثابة المقابلة.
стр. 10397
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، وفي قوله: ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ مثَّل للأمانة في ضخامتها وعظمها وتفخيم شأنها بأنها من الثقل، بحيث لو عرضت على السموات والأرض والجبال، وهي من القوة والشدة بأعلى المنازل .. لأبت عن حملها، وأشفقت منها، وهو تمثيل رائع لتهويل شأن الأمانة.
ومنها: المقابلة اللطيفة بين قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾، وبين قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وفي ختم السورة بهذه الآية من البدائع ما يسميه علماء البديع: ردَّ العجز على الصدر؛ لأن بدء السورة كان في ذم المنافقين، وختامها كان في بيان سوء عاقبة المنافقين، فحسن الكلام.
ومنها: العدول إلى صيغة الماضي في قوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ مع كونه معطوفًا على يقولون قبله؛ للإشعار بأن قولهم ليس مستمرًا، كقولهم السابق، بل هو ضرب اعتذار أرادوا به ضربًا من التشفي بمضاعفة عذاب الذين ألقوهم في تلك الورطة.
ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة الذي هو الاسم الجليل في قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ لتهويل الخطب وتربية المهابة.
ومنها: الإظهار في موضع الاضمار ثانيًا في قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ﴾ لإبراز مزيد الاعتناء بأمر المؤمنين والمؤمنات توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه.
ومنها: الاعتراض بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ بين الحمل وغايته للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما عهده وتحمله.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
تنبيه: ذكر سبحانه في هذه السورة الكثير من شؤون الزوجية، وكيف تعامل الزوجات، وقد رأينا أن نذكر هنا مسألتين كثر الخوض فيهما من أرباب الأديان
стр. 10398
الأخرى، ومن نابتة المسلمين الذين تعلموا في مدارسهم، وسمعوا كلام المبشرين، ظنًا منهم أنهم وجدوا مغمزًا في الإِسلام، وأصابوا هدفًا يصمي الدين، ويجعل معتنقيه مضغة في أفواه السامعين، وأنى لهم ذلك، وليتهم فكروا وتأملوا قبل أن يتكلموا:
أَرَى الْعَنْقَاءَ تَكْبُرُ أَنْ تُصَادَا ... فَعَانِدْ مَنْ تُطِيْقُ لَهُ عِنَادَا
١ - تعدد زوجاته ﷺ وكثرتهن، بينما لم يبحْ مثل ذلك لأمته.
٢ - إباحة تعدد الزوجات لعامة المسلمين، ومن ثم وجب علينا أن نميط اللثام عن الأسباب التي دعت إلى كل منهما.
أسباب تعدد زوجاته ﷺ
قبل أن ندخل في تفاصيل البحث نذكر لك أنَّ النبي ﷺ عاش مع خديجة خمسًا وعشرين سنة، لم يتزوج سواها، وكانت سنه إذ ذاك ناهزت الخمسين، وكان قد تزوجها في شرخ شبابه؛ إذ كانت سنه وقتئذ خمسًا وعشرين سنة، وكانت سنها أربعين، وعاشا معًا عيشًا هنيئًا، شعاره الإخلاص والوفاء، وكانت من أكبر أنصاره على الكفار الذين سخروا منه، وألحقوا به ضروبًا شتى من الأذى، ولم يشأ أن يتزوج غيرها مع ما كان يبيحه له عرف قومه، بل ظل وفيًا لها حتى توفيت، فحزن عليها حزنًا شديدًا، وسمي عام وفاتها: عام الحزن، ولم ينقطع عن ذكراها طوال حياته.
والآن حق علينا أن نذكر لك الأسباب التي حدت النبي ﷺ إلى التعدد، وهي قسمان: أسباب عامة، وأسباب خاصة.
الأسباب العامة
١ - إن رسالة النبي ﷺ عامة للرجال والنساء، ومن التشريع ما هو مشترك بين الوجل والمرأة، وما هو خاص بأحدهما، وكل يحتاج في تلقينه إلى عدد ليس بالقليل؛ لتفوق المرسل إليهم، وكثرتهم، وقصر زمن حياة الرسول، وكثرة الأحكام وإلا لم يحصل التبليغ على الوجه الأتم. ومن الأحكام المتعلقة بالنساء ما تستحي المرأة أن تعرفه من الرجل، ويستحي الرجل من تبليغه للمرأة، ألا ترى إلى ما روي
стр. 10399
عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت يزيد الأنصاري قالت للنبي ﷺ : كيف أغتسل من الحيض؟ قال: "خذي فرصة ممسكة - قطعة قطن - فتوضئي" قالها ثلاثًا، وهو في كل ذلك يقول: "سبحان الله" عند إعادتها السؤال، ثم أعرض عنها بوجهه استحياء، فأخذتها عائشة، وأخبرتها بما يريد النبي ﷺ .
ومن ثمَّ وجب أن يتلقى الأحكام الخاصة بالنساء من الرسول ﷺ عدد كثير منهن، وهن يبلِّغن ذلك إلى النساء، ولا يصلح للتلقي عنه إلا أزواجه؛ لأنهن لهن خصائص تمكنهن من معرفة أغراض النبي ﷺ دون تأفُّف ولا استحياء، يرشد إلى ذلك قوله: "خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء" يريد عائشة ﵂ والعرب تقول: امرأة حمراء؛ أي: بيضاء.
٢ - إن المصاهرة من أقوى عوامل التآلف والتناصر، كما هو مشاهد معروف، والدعوة في أول أمرها كانت في حاجة ماسة، إلى الإكثار من ذلك؛ لاجتذاب القبائل إليه، ومؤازرتهم له لذود عوادي الضالين، وكفِّ أذاهم عنه، ومن ثَمَّ كان أكثر زوجاته من قريش سيدة العرب.
٣ - إن المؤمنين كانوا يرون أنَّ أعظم شرف، وأمتن قربة إلى الله تعالى مصاهرتهم لنبيه، وقربهم منه، فمن ظفر بالمصاهرة .. فقد أدرك ما يرجو، ألا ترى أن عمر ﵁ أسف جد الأسف حين فارق رسول الله ﷺ ابنته، وقال: لا يعبأ بعدها بعمر، ولم ينكشف عنه الهم حتى روجعت، وأنَّ عليًا كرم الله وجهه على اتصاله برسول الله ﷺ من طريق النسب، وشرف اقترانه بالزهراء، رغب في أن يزوجه أخته أم هانىء بنت أبي طالب؛ ليتضاعف شرفه ولم يمنعها من ذلك إلا خوفها أن تقصِّر في القيام بحقوق الرسول مع خدمة أبنائها.
الأسباب الخاصة
١ - تزوج النبي ﷺ بعد خديجة سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو الذي أسلم، واضطر إلى الهجرة إلى بلاد الحبشة هربًا من اضطهاد المشركين، ومات هناك، وأصبحت امرأته بلا معين، وهي أرمل رجل مات في سبيل الدفاع عن الحق، فتزوجها النبي ﷺ وفاء لرجل غادر الأهل والأوطان احتفاظًا بعقيدته، وقد شاركته هذه الزوجة في أهوال التغريب والنفي، وحماية لها من أهلها أن يفتنوها؛
стр. 10400
لأنها مع زوجها على غير رغبتهم.
٢ - تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، وعمرها زهاء خمسين عامًا، وكان زواجه منها سببًا في دخول خالد بن الوليد في دين الله، وهو المجاهد الكبير، والبطل العظيم، وهو الذي غلب الروم على أمرهم فيما بعد، وله في الإِسلام أيام غر محجلة إلى أن زواجها بالنبي ﷺ يسر لذوي قرباها وسيلة للعيش، فطعموا من جوع، وأمنوا من مخوف، وأثروا بعد فاقة.
٣ - تزوج جويرية، وكان أبوها الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق بن خزاعة، جمع قبل إسلامه جموعًا كثيرة لمحاربة النبي ﷺ ، ولما التقى الجمعان عرض عليهم الرسول ﷺ الإِسلام فأبوه، فحاربهم حتى هزموا، ووقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها على سبع أواق من الذهب، فلم تر معينًا لها غير النبي ﷺ ، فجاءت إليه، وأدلت بنسبها، وطلبت حريتها، فتذكر النبي ﷺ ما كان لأهلها مع العز والسؤدد، وما صاروا إليه بسوء التدبير والعناد، فأحسن إليها وإلى قومها بأداء ما عليها من نجوم، ثم تزوجها، فقال المسلمون بعد أن اقتسموا بني المصطلق: إن أصهار رسول الله لا يسترقون، وأعتقوا من بأيديهم من سبيهم، وعلى إثر ذلك أسلم بنو المصطلق شكرًا لله على الحرية بعد ذل الكفر والأسر.
٤ - تزوج السيدة عائشة مكافأة لأبي بكر الصديق؛ إذ كان شديد التمسك برسول الله ﷺ ، مولعًا بالتقرب منه، فكان ذلك قرة عين لها ولأبويها، وفخرًا لذوي قرباها، وكان عبد الله بن الزبير - ابن أختها - يفاخر بني هاشم بذلك.
٥ - تزوج أم المؤمنين حفصة بنت عمر مكافأة لزوجها الذي توفي مجروحًا في وقعة بدر، وفي تلك الحقبة كانت السيدة رقية بنت الرسول ﷺ وزوج عثمان قد توفيت، فعرض عمر ابنته على عثمان، فأعرض عنها رغبة في أم كلثوم بضعة الرسول ﷺ ؛ ليستديم له بذلك الشرف، فعز هذا على عمر، وأنفت نفسه، فشكاه إلى أبي بكر، فقال له: لعلها تتزوج من هو خير منه، ويتزوج من هي خير منها له. [يريد زواج عثمان بأم كلثوم، وزواج حفصة بالنبي ﷺ ].
٦ - تزوج صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير، وكانت قد وقعت في السبي مع عشيرتها، فأراد النبي ﷺ أن يتزوجها رأفة بها؛ إذ ذلت بعد عزة،
стр. 10401
واسترقت، وهي السيدة الشريفة عند أهلها، وتأليفًا لقومها حتى يدخلوا في كنف الإسلام، وينضووا تحت لوائه.
٧ - تزوَّج زينب بنت جحش الأسدية لإبطال عادة جاهلية كانت متأصلة عند العرب، وهي التبني، بتنزيل الدعيِّ منزلة الابن الحقيقيِّ، وإذ أراد الله سبحانه إبطال هذه العادة .. جعل رسوله ﷺ أسوةً حسنةً في هذا، فسعى في تزويج زيد مولاه بعد أن أعتقه بزينب ذات الحسب والمجد، فأنفت هي وأخوها عبد الله، وأبت أن تكون زوجًا لدعيٍّ غير كفء، فنزل الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فرضيا بقضاء الله ورسوله، غير أنها كانت نافرة من هذا القرآن، مترفعة عن زيد، ضائقة به ذرعًا، فآثر فراقها، فسأل الرسول ﷺ الإذن في ذلك، فقال له: "أمسك عليك زوجك واتق الله"، وأخفى في نفسه ما الله مبديه من تزوجه منها بعد زيد، وخشي أن يقول الناس: تزوج محمد من زوجة زيد ابنه، ولما لم يبق لزيد فيها شيء من الرغبة .. طلَّقها، فتزوجها النبي ﷺ إبطالًا لتلك العادة، وهي إعطاء المتبنى حكم الابن، وقد تقدم تفصيل هذا في أثناء التفسير بشيء من البسط والإيضاح.
ومما سلف يستبين لك أن ما يتقوَّله غير المنصفين من الغربيين من أن النبي ﷺ خول لنفسه ميزة لم يعطها لأحد من أتباعه، لا وجه له من الصحة، فإن زواجه بأمهات المؤمنين كان لأغراضٍ اجتماعية اقتضتها الدعوة، ودعا إليها حب النصرة، ولا سيما إذا علم أنَّه لم يتزوج بكرًا قط إلا عائشة، وأنه تزوج من أمهات من كن في سن الكهولة أو جاوزتها.
أسباب إباحة تعدد الزوجات في الإِسلام
يجدر بذوي الحصافة في الرأي أن ينظروا إلى الأسباب التي دعت أن يبيح الإِسلام تعدد الزوجات، دون أن ينقموا عليه ذلك، ويرموه بالقسوة، فإن في بعضها ما هو موجب للتعدد، لا مجيز له فحسب، وهاك أهم الأسباب:
١ - قد تصاب المرأة أحيانًا بمرض مزمن، أو مرض معد يجعلها غير قادرة على القيام بواجبات الزوجية، فيضطر الرجل إلى أن يقترف ما ينافي الشرف والمروءة، ويغضب الله ورسوله إن لم يبح له أن يتزوج أخرى.
стр. 10402
٢ - دل الاستقراء على أن عدد النساء يربو على عدد الرجال، لما يعانيه هؤلاء من الأعمال الشاقة التي تنهك القوى، وتضوي الأجسام، ولا سيما الحروب الطاحنة، فإذا منع التعدد .. لا يجد بعض النساء أزواجًا يحصنونهن ويقومون بشؤونهن، فيكثر الفساد، ويلحق الأسر العار، وتعضهن الحياة بأنيابها.
٣ - حضت الشريعة الإِسلامية على كثرة النسل؛ لتقوى شوكة الإِسلام، وتعلو سطوته، وتنفذ كلمته، حتى ترهبه الأعداء، وتتقيه الأمم المناوئة له، ولا يمكن الوصول إلى ذلك إلا بإباحة تعدد الزوجات؛ لأن المنع مفض إلى تناقص النسل، ولا أدل على ذلك من أن عقلاء الأمم في الغرب أشفقوا على أممهم لما اعتراها من نقص في النسل بسبب منع التعدد من ناحية، وإحجام كثير من شبانهم عن الزواج، والاجتزاء بالسفاح فرارًا من حقوق الزوجية، وأعباء الأولاد من ناحية أخرى، ومن ثمَّ لجأ كثير من الدول الغربية إلى اربتاط بعضهم ببعض بالحلف والعهود والمواثيق، طلبًا لنيل فائدة التكاثر، وبذلك تبقى لهم السيادة الدولية.
٤ - دل الإحصاء في كثير من البلاد الغربية على أنَّ حظر تعدد الزوجات أدى إلى كثرة الأولاد غير الشرعيين، مما حدا بعض المفكِّرين إلى النظر في توريثهم.
٥ - كان من نتائج منع التعدد انتشار كثير من الأمراض الفتاكة التي أصابت الرجال والنساء والأطفال، حتى عجز الطب عن مكافحتها، وتغلغل الداء، وعز الدواء، مما جعل بعض البلاد تسن القوانين التي تمنع عقد الزواج إلا بعد إحضار صك رسميِّ بخلو الزوجين من الأمراض المعدية، والأمراض التي تجعل النسل ضعيفًا ضاويًا، لا يستطيع الكفاح في الحياة.
والله أعلم
* * *
стр. 10403
خلاصة ما حوته هذه السورة الكريمة من أغراض ومقاصد
وجملة ما تضمنت هذه السورة:
١ - الأمر بتقوى الله سبحانه، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين.
٢ - وجوب اتباع ما ينزل به الوحي مع ضرب المثل لذلك.
٣ - إبطال العادة الجاهلية، وهي إعطاء المتبنى حكم الابن، وبيان أن الدين منه براء.
٤ - إبطال التوريث بالحلف، والتوريث بالهجرة، وإرجاع التوريث إلى الرحم والقرابة.
٥ - ذكر النعمة التي أنعم بها عليهم في وقعة الخندق بعد أن اشتدَّ بهم الخطب.
٦ - تخيير النبي نساءه بين شيئين: الفراق إذا أردن زينة الحياة الدنيا، والبقاء معه إذا أحببن الله ورسوله والدار الآخرة.
٧ - التشديد عليهن بمضاعفة العذاب إذا ارتكبن الفواحش، ونهيهن عن الخضوع في القول، وأمرهن بالقرار في البيوت، وتعليمهن كتاب الله وسنة رسوله، ونهيهن عن التبرج.
٨ - قصة زينب بنت جحش وزيد مولى رسول الله ﷺ .
٩ - ما أحل الله سبحانه لنبيه من النساء وتحريم الزواج عليه بعد ذلك.
١٠ - النهي عن إيذاء المؤمنين للنبي ﷺ إذا دخلوا بيته لطعام ونحوه.
١١ - الأمر بكلام أمهات المؤمنين من وراء حجاب إذا طلب منهن شيء، إلا الآباء والأبناء والأرقاء.
١٢ - أمرهن بإرخاء الجلباب إذا خرجن لقضاء حاجة.
١٣ - تهديد المنافقين وضعاف الإيمان والمرجفين في المدينة.
стр. 10404
١٤ - سؤال المشركين عن الساعة متى هي؟
١٥ - النهي عن إيذاء النبي ﷺ ، حتى لا يكونوا كبني إسرائيل الذين آذوا موسى.
١٦ - عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال.
والله أعلم
* * *
стр. 10405
سورة سبأ
سورة سبأ مكية، قال القرطبي: في قول الجميع إلا آية واحدة اختلف فيها، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ...﴾ الآية، فقالت فرقة: هي مكية، وقالت فرقة: هي مدنية.
وآيها: أربع وخمسون. وكلماتها: ثمان مئة وثلاث وثلاثون كلمة. وحروفها: ألف وخمس مئة واثنا عشر حرفًا.
الناسغ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة سبأ كلها محكمة إلا آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾ الآية، نسخها الله تعالى بآية السيف، وسميت سورة سبأ؛ لذكر قصة سبأ فيها.
المناسبة: ووجه اتصالها بما قبلها (١):
١ - أن الصفات التي أجريت على الله في مفتتحها تشاكل الصفات التي نسبت إليه في مختتم السورة السالفة.
٢ - أنه في السورة السابقة ذكر سؤال الكفار عن الساعة استهزاءً، وهنا حكى عنهم إنكارها صريحًا، وطعنهم على من يقول البعث، وقال هنا ما لم يقله هناك.
وقال أبو حيان: وسبب نزولها: أن (٢) أبا سفيان قال لكفار مكة - لما سمعوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ -: إن محمدًا يتوعدنا بالعذاب بعد أن نموت، ويخوِّفنا بالبعث، واللاتِ والعزى لا تأتينا الساعة أبدًا، ولا نبعث، فقال الله: قل يا محمد ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾. قاله مقاتل.
وباقي السورة تهديد لهم وتخويف، ومن ذكر هذا السبب ظهرت المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها.
стр. 10406
فضلها: وروي في فضلها (١): أنه ﷺ قال: "من قرأ سورة سبأ .. لم يبق رسول ولا نبي إلا كان له يوم القيامة رفيقًا ومصافحًا، ولكن لا أصل له صحيح، وسميت سورة سبأ لذكر قصة سبأ فيها.
والله أعلم
* * *
الآيات لما قبلها: أن الله (١) لما بيَّن أنَّ له الحمد في الآخرة على ما أسدى إلى عباده من النعم .. أردف ذلك ببيان أنَّ كثيرًا منهم ينكرها أشد الإنكار، ويستهزء بمن يثبتها ويعتقد أنها ستكون، وقد بلغ من تهكمهم أنهم يستعجلون مجيئها ظنًا منهم أنَّ هذه خيالات، بل أضغاث أحلام. وقد ذكر أنَّ مجيئها ضربة لا زب، لتجزى كل نفس بما تسعى من خير أو شر، ثم أعقب هذا ببيان أنَّ الناس فريقان: مؤمن بآيات ربه، يرى أنها الحق، وأنها تهدي إلى الصراط المستقيم، ومعاند جاحد بها، يسعى في إبطالها، ومآل أمره العذاب الأليم على ما دسَّ به نفسه من قبيح الخلال.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمَّا (٢) بين أنهم أنكروا الساعة، ورد عليهم ما قالوا، وأكده كل التأكيد، ثم ذكر ما يكون إذ ذاك من جزاء المؤمن بالثواب العظيم على ما عمل من صالح الأعمال، وجزاء الساعي في تكذيب الآيات بالتعذيب في الجحيم على ما دسَّ به نفسه من اجتراح المعاصي، وفاسد المعتقدات .. أردف ذلك بذكر مقال للكافرين ذكروه تهكمًا واستهزاءً، ثم ذكر الدليل على صحة البعث بخلق السموات والأرض، ثم توعدهم على تكذيبهم بأشد الوعيد لعلهم يرجعون عن عنادهم، ويثوبون إلى رشادهم.
قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أن الله لما ذكر أنَّ في خلق السموات والأرض آية لكل من أناب إلى الله تعالى ورجع إليه .. أردف ذلك بذكر بعض من أنابوا إلى ربهم، فأنعم عليهم بما آتاهم من الفضل المبين، ومن جملتهم: داود ﵇، فقد جمع الله له النبوة والملك والجنود ذوي العَدد والعُدد، ومنحه الصوت الرخيم، فكان إذا سبح تسبح معه الجبال الراسيات، وتقف له الطيور الراسيات، وعلمه سرد الدروع؛ لتكون عدة للمقاتلين، درءًا للمجاهدين.
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أن الله لما ذكر ما منَّ به على داود من النبوة والملك ..
стр. 10409
أردف ذلك بذكر ما تفضل به على ابنه سليمان من تسخير الريح، فتجري من الغداة إلى منتصف النهار مسيرة شهر، ومن منتصف النهار إلى الليل مسيرة شهر، وإذابة النحاس على نحو ما كان لداود من إلانة الحديد، وتسخير الجن عملة بين يديه، يعملون له شتى المصنوعات، من قصور شامخات، وصور من نحاس، وجفان كبيرة كالأحواض، وقدور لا تتحرك لعظمها؛ إذ كل منهما أناب إلى ربه، وجال بفكره في ملكوت السموات والأرض، وكان من المؤمنين المخبتين الذين هم على ربهم يتوكلون.
وعبارة أبي حيان هنا (١): مناسبة قصة داود وسليمان ﵉ لما قبلها: هي أن أولئك الكفار أنكروا البعث لاستحالته عندهم، فأخبروا بوقوع ما هو مستحيل في العادة مما لا يمكنهم إنكاره؛ إذ طفحت ببعضه أخبارهم وشعراؤهم على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، من تأويب الجبال والطير مع داود، وإلانة الحديد، وهو الجرم المستعصي، وتسخير الريح لسليمان، وإسالة النحاس له، كما ألان الحديد لأبيه، وتسخير الجن فيما شاء من الأعمال الشاقة.
وقيل: لما ذكر من ينيب من عباده .. ذكر من جملتهم داود، كما قال: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ وبَيَّن ما آتاه الله على إنابته، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾، وقيل: ذكر نعمته على داود وسليمان ﵉ احتجاجًا على ما منح محمدًا ﷺ ؛ أي: لا تستبعدوا هذا، فقد تفضلنا على عبيدنا قديمًا بكذا وكذا. فلما فرغ التمثيل لمحمد ﷺ .. رجع إلى التمثيل لهم بسبأ، وما كان من هلاكهم بالكفر والعتو انتهى.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿الْحَمْدُ﴾ بأقسامه الأربعة مستحق ﴿لِلَّهِ﴾ فلا تكون لغيره سبحانه. واعلم (٢) أنَّ الألف واللام في الحمد؛ إما للجنس، أو للاستغراق، أو للعهد، وعلى كلٍّ منها، فاللام في ﴿لِلَّهِ﴾ إما للملك، أو للاستحقاق، أو للاختصاص، فهذه ثلاثة في الثلاثة الأولى بتسع احتمالات: والأولى منها كون الألف واللام للجنس، واللام
стр. 10410
للاستحقاق؛ لأنه يلزم من استحقاق الجنس استحقاق الأفراد من باب الأولى، والمعنى حينئذ: جنس الحمد بجميع أفراده وأنواعه مستحق لله تعالى.
فإن قلت: لِمَ اختيرت كلمة الحمد دون الشكر حيث لم يقل الشكر لله؟
قلت: اختيرت كلمة الحمد على الشكر؛ لأن الحمد يعم الفضائل والفواضل دون الشكر، فإنه يختص بالفواضل.
وإن قلتَ: لِمَ اختيرت كلمة الجلالة دون الرحمن وغيره من الأسماء، حيث لم يقل الحمد للرحمن مثلًا؟
قلتُ: اختيرت الجلالة دون سائر الأسماء والصفات لدلالتها على صفتي الجلال والجمال، وعلى استحقاقه الحمد لذاته؛ لئلا يتوهم اختصاصه بصفة دون أخرى؛ لأن تعليق الحكم بمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق. وقد بسطت الكلام على الحمدلة، وعلى الصور الجارية فيها إلى أن وصلت بمئة وثمانين صورة في بعض مؤلفاتي "سلم المعراج على خطبة المنهاج"، و"فتح الملك العلام على عقيدة العوام"، فراجعه إن أردت الخوض فيها.
أي: جميع (١) أفراد المدح والثناء والشكر من كل حامد وشاكر ملك لله تعالى، ومخصوص به، لا شركة لأحد فيه؛ لأنه الخالق والمالك، كما قال: ﴿الَّذِي لَهُ﴾ خاصة خلقًا وملكًا وتصرفًا بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي (٢): جميع الموجودات، فإليه يرجع الحمد لا إلى غيره، وكل مخلوق أجرى عليه اسم المالك، فهو مملوك له تعالى في الحقيقة؛ لأن الزنجي لا يتغير عن لونه؛ لأن سمي كافورًا، والمراد: على نعمه الدنيوية، فإنَّ السموات والأرض وما فيهما خلقت لانتفاعنا، فكلها نعمة لنا دينًا ودنيا، فاكتفي بذكر كون المحمود عليه في الدنيا عن ذكر كون الحمد أيضًا فيها. وقد صرح في موضع آخر، كما قال: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾، وهذا القول؛ أي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ ...﴾ إلخ، وان كان حمدًا لذاته بذاته، لكنه تعليم للعباد كيف يحمدونه، فكأنه قال: قولوا يا عبادي: الحمد لله ... إلخ، إذا أردتم ثنائي وشكري.
стр. 10411
والمعنى (١): أي الحمد الكامل للمعبود المالك لجميع ما في السموات وما في الأرض، دون كل ما يعبدونه، ودون كل شيء سواه؛ إذ لا مالك لشيء من ذلك غيره.
والخلاصة: أن له جميع ما في السمموات وما في الأرض خلقًا وملكًا، وتصرفًا بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة.
وعبارة "الشوكاني" هنا: ومعنى (٢): ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي جميع ما هو فيها في ملكه، وتحت تصرفه، يفعل به ما يشاء، ويحكم فيه بما يريد، وكل نعمة واصلة إلى العبد، فهي مما خلقه له، ومنَّ به عليه، فحمده على ما في السموات والأرض هو حمد له على النعم التي أنعم بها على خلقه مما خلقه لهم.
ولما بيَّن أن الحمد الدنيوي من عباده الحامدين له مختص به .. بيَّن أن الحمد الأخروي مختص له كذلك، فقال: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾، فهو بيان لاختصاص الحمد الأخروي به تعالى إثر بيان اختصاص الدنيوي به على أن الجار؛ إما متعلق بنفس الحمد، أو بما يتعلق به الخبر من الاستقرار، وإطلاقه عن ذكر ما يشعر المحمود عليه ليعم النعم الأخروية، كما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾، وما يكون ذريعة إلى نيلها من النعم الدنيوية، كما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾؛ أي: لما جزاؤه هذا من الإيمان والعمل الصالح.
والمعنى: أن له سبحانه على الاختصاص حمد عباده الذين يحمدونه في الدار الآخرة إذا دخلوا الجنة. وقد قيل (٣): يحمده أهل الجنة في ستة مواضع:
أحدها: حين نودي ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ فإذا ميِّز المؤمنون من الكافرين يقول المؤمنون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، كما قاله نوح ﵇ حين أنجاه الله من قومه.
والثاني: حين جاوزوا الصراط قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
стр. 10412
والثالث: حين دنوا إلى باب الجنة، واغتسلوا بماء الحياة، ونظروا إلى الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾.
والرابع: حين دخلوا الجنة، واستقبلتهم الملائكة بالتحية قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ [. . . .] الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾.
والخامس: حين استقروا في منازلهم قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾.
والسادس: كلما فرغوا من الطعام قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ .
والفرق بين الحمدين مع كون نعمتي الدنيا والآخرة على طريق التفضل (١): أن الأول: على نهج العبادة، والثاني: على وجه التلذذ، كما يتلذذ العطشان بالماء البارد لا على وجه الفرض والوجوب. وقد ورد في الخبر: "أنهم يلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس" والمعنى: أنَّ الحمد في الدنيا عبادة، وفي الآخرة تلذذ وابتهاج؛ لأنه قد انقطع التكليف فيها.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي أحكم أمور الدين والدنيا والآخرة، ودبَّرها حسبما تقتضيه الحكمة، وتستدعيه المصلحة ﴿الْخَبِيرُ﴾؛ أي: بليغ الخبرة والعلم ببواطن الأشياء ومكنوناتها.
٢ - ثم بيَّن كونه خبيرًا بقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ ﴿مَا يَلِجُ﴾ ويدخل ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من البذور والغيث، ينفذ في موضع، وينبع من آخر، ومن الكنوز والدفائن، والأموات، والحشرات، والهوام، ونحوها. وأيضًا: يعلم ما يدخل في أرض البشرية بواسطة الحواس الخمس، والأغذية الصالحة والفاسدة من الحلال والحرام، ﴿و﴾ يعلم ﴿مَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض، كالحيوان من حجره، والزرع والنبات، وماء العيون, والغازات، والمعادن التي مضى عليها آلاف السنين، ومخلفات الأمم ومصنوعاتهم؛ كمخلفات المصريين القدماء، ونقوش آشور وبابل، وعجائب أهل سبأ وصناعاتهم، مما استخرجه علماء العاديات من الأوروبيين في القرن الماضي، والعصر الحاضر، ولا يزالون كل يوم يكشفون جديدًا يدل على أن
стр. 10413
الشرق كان ذا مدنيَّة وحضارة لا يدانيها أعظم ما يوجد في الغرب الآن في أرقى ممالكه، وكالأموات عند الحشر ونحوها، وأيضًا: يعلم ما يخرج من أرض البشرية من الصفات المتولدة منها، والأعمال الحسنة والقبيحة.
﴿و﴾ يعلم ﴿مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ كالملائكة، والكتب، والمقادير، والأرزاق، والبركات، والأمطار، والثلوج، والبرد، والأنداء، والشهب، والصواعق ونحوها.
وأيضًا: يعلم ما ينزل من سماء القلب من الفيوض الروحانية، والإلهامات الربانية.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَنْزِلُ﴾ بفتح الياء وتخفيف الزاي مسندًا إلى ﴿مَا﴾. وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي بضم الياء وتشديد الزاي مسندًا إلى الله سبحانه.
﴿و﴾ يعلم ﴿مَا يَعْرُجُ﴾ ويصعد ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في السماء، كالملائكة والأرواح الطاهرة، والأبخرة والأدخنة، والدعوات، وأعمال العباد، والطائرات والمطاود الجوية، وأيضًا: يعلم ما يعرج في سماء القلب من آثار الفجور والتقوى، وظلمة الضلالة، ونور الهدى. ولم (٢) يقل: إليها؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ يشير إلى أن الله هو المنتهى لا السماء، ففي ذكر ﴿فِي﴾ إعلام بنفوذ الأعمال فيها، وصعودها منها إليه تعالى.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿الرَّحِيمُ﴾ للحامدين، ولمن تولاه ﴿الْغَفُورُ﴾ للمقصِّرين، ولذنوب أهل ولايته؛ أي: وهو مع كثرة نعمه، وسبوغ فضله، رحيمٌ بعباده، فلا يعاجل بعقوبة، غفورٌ لذنوب التائبين إليه، المتوكلين عليه.
فإذا كان الله متصفًا بالخلق والملك (٣)، والتصرف والحكمة، والعلم والرحمة، والمغفرة، ونحوها من الصفات الجليلة .. فله الحمد المطلق، والحمد: هو الثناء على الجميل الاختياري من جهة التعظيم من نعمة وغيرها، كالعلم والكرم، وأما قولهم: الحمد لله على دين الإِسلام، فمعناه: على تعليم الدين
стр. 10414
وتوفيقه، والحمد القولي: هو حمد اللسان وثناؤه على الحق بما أثنى به نفسه على لسان أنبيائه، والحمد الفعلي هو الإتيان بالأعمال الصالحة البدنية ابتغاءً لوجه الله تعالى، والحمد الحاليُّ هو الاتصاف بالمعارف والأخلاق الإلهية، والحمد عند المحنة: الرضى عن الله فيما حكم به، وعند النعم: الشكر، فيقال في الضراء: الحمد لله على كل حال، نظرًا إلى النعمة الباطنة دون الشكر لله خوفًا من زيادة المحنة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، والحمد على النعمة، كالروح للجسد، فلا بد من إحيائها، وأبلغ الكلمات في تعظيم صنع الله، وقضاء شكر نعمته: الحمد لله، ولذا جعلت زينة لكل خطبة، وابتداءٍ لكل مدحة، وفاتحةً لكل ثناء، وفضيلةً لكل سورة، ابتدئت بها على غيرها. وفي الحديث: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله، فهو أجذم"؛ أي: أقطع فله الحمد قبل كل كلام بصفات الجلال والإكرام.
قال في "فتوح الحرمين":
أَحْسَنُ مَا اهْتَمَّ بِهِ ذَوُوْ الْهِمَمِ ... ذِكْرٌ جَمِيْلٌ لِوَليِّ النِّعَمِ
٣ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد بهؤلاء القائلين: جنس الكفرة على الإطلاق، أو كفار مكة على الخصوص، ومعنى قوله: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ أنها لا تأتي بحال من الأحوال إنكارًا منهم لوجودها، لا لمجرد إتيانها في حال تكلمهم، أو حال حياتهم، مع تحقق وجودها فيما بعد، وعبَّر عن القيامة بالساعة تشبيهًا لها بالساعة التي هي جزء من أجزاء الزمان؛ لسرعة حسابها. قال في "الإرشاد": أرادوا بضمير المتكلم جنس البشر قاطبة، لا أنفسهم أو معاصرهم فقط، كما أرادوا بنفي إتيانها وجودها بالكلية، لا عدم حضورها مع تحققها في نفس الأمر، وإنما عبروا عنه بذلك؛ لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها, ولأن وجود الأمور الزمانية المستقبلة لا سيما أجزاء الزمان لا تكون إلا بالإتيان والحضور، وردَّ الله سبحانه عليهم، وأمر رسوله أن يقول لهم: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿بَلَى﴾ ردٌّ لكلامهم، وإثبات لما نفوه من إتيان الساعة على معنى ليس الأمر إلا إتيانها ﴿وَرَبِّي﴾ الواو فيه للقسم، أتى به لتأكيد الإتيان؛ أي: أقسمت بربي، ومالك أمري ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الساعة ألبتة، وهو تأكيد لما قبله.
стр. 10415
قرأ الجمهور (١): ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بتاء التأنيث؛ أي: لتأتينكم الساعة التي أنكرتم مجيئها، وقرأ طلق المعلم عن أشياخه بياء الغيبة على معنى: ليأتينكم البعث؛ لأنه مقصودهم من نفي الساعة؛ أي: أنهم لا يبعثون، أو على معنى: ليأتينكم يوم القيامة، أو على إسناده إلى الله على معنى: ليأتينكم أمر عالم الغيب على حد قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾؛ أي: أمره، ويبعد أن يكون الضمير للساعة لأن إجراء المؤنث المجازي مجرى المذكر لا يكون إلا في الشعر نحو قوله:
وَلَا أرْضٌ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا
ثم بعد أن أكد الجواب بالقسم على البعث، أتبع القسم بقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ وما بعده ليعلم أنَّ إتيانها من الغيب الذي تفرد به ، وجاء القسم بقوله: ﴿وَرَبِّي﴾ مضافًا إلى الرسول ليدل على شدة القسم؛ إذ لم يأت به في الاسم المشترك بينه وبين من أنكر الساعة، وهو لفظ الله.
وقرأ نافع وابن عامر ورويس وسلام والجحدري وقعنب: ﴿عالم﴾ بالرفع على إضمار: هو، وجوز الحوفي وأبو البقاء أن يكون مبتدأ، والخبر ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ وقال الحوفي: أو خبره محذوف؛ أي: عالم الغيب هو، وقرأ باقي السبعة: ﴿عَالِمِ﴾ بالجر على أنه بدل من ﴿رَبِّي﴾، أو نعت له. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي ﴿علام﴾ على المبالغة والخفض، وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ تشديد للتأكيد بالقسم، كما مر، يريد (٢) أن الساعة من الغيوب، والله عالم بكلها، والغيب: ما غاب عن الخلق على ما قال بعضهم: العلقة: غيب في النطفة، والمضغة: غيب في العلقة، والإنسان: غيب في هذا كله، والماء: غيب في الهواء، والنبات: غيب في الماء، والحيوان: غيب في النبات، والإنسان: غيب في هذا كله، والله قد أظهر من هذه الغيوب، وسيظهره بعدما كان غيبًا في التراب. وفائدة الأمر باليمين: أن لا يبقى للمعاندين عذرٌ أصلًا لما أنهم كانوا يعرفون أمانته ونزاهته عن وصمة الكذب، فضلًا عن اليمين الفاجرة، وإنما لم يصدقوه مكابرة، وهذا الكفر والتكذيب طبيعة النفوس الكاذبة المكذبة، فمن وكله الله بالخذلان إلى طبيعة نفسه .. لا يصدر منه إلا الإنكار، ومن نظره الله إلى قلبه بنظر العناية .. فلا يظهر
стр. 10416
منه عند سماع قوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ إلا الإقرار والنطق بالحق.
ومعنى قوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ تعالى؛ أي: لا يبعد عن علمه، ولا يغيب، ولا يستتر عليه ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: وزن نملة صغيرة، أو مقدار الهباء كائنة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، وفيه إشارة إلى علمه بالأرواح والأجسام ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ المثقال ﴿وَلَا أَكْبَرُ﴾ منه. ورفعهما على الابتداء، فلا وقف عند ﴿أَكْبَرُ﴾، والخبر: قوله تعالى: ﴿إِلَّا﴾ هو مسطور ومثبت ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ هو اللوح المحفوظ المظهر لكل شيء، وإنما كتب جريًا على عادة المخاطبين، لا مخافة نسيان، وليعلم أنه لم يقع خللٌ وإن أتى عليه الدهر، والجملة مؤكدة لنفي العزوب، والمعنى: إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ الذي اشتمل على معلومات الله تعالى.
فإن قيل: فأيُّ حاجة إلى ذكر الأكبر، فإن مَنْ علم الأصغر من الذرة لا بدَّ وأن يعلم الأكبر؟
فالجواب: أن المراد من هذا الكلام بيان إثبات الأمور في الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر .. لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر؛ لكونها محل النسيان، وأمَّا الأكبر .. فلا ينسى، فلا حاجة إلى إثباته فقال: الإثبات في الكتاب ليس كذلك، فإن الأكبر مكتوب فيه أيضًا. اهـ "كرخي".
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَعْزُبُ﴾ بضم الزاي، وقرأ يحيى بن وثاب بكسرها، قال الفراء: والكسر أحبُّ إليَّ، وهما لغتان يقال: عزب يعزب بالضم، ويعزب بالكسر: إذا بعد وغاب. وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ برفع الراءين بالرفع على الابتداء، والخبر ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، كما مرَّ، أو على العطف على ﴿مِثْقَالُ﴾، ويكون ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ تأكيدًا لما تضمن النفي في قوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ تقديره: لكنه في كتاب مبين، وهو كناية عن ضبط الشيء والتحفظ به، فكأنه في كتاب وليس ثَمَّ كتاب حقيقة، وعلى التقدير الأول: الكتاب هو اللوح المحفوظ.
وقرأ قتادة والأعمش بفتح الراءين عطفًا على ﴿ذَرَّةٍ﴾ أو على أن ﴿لَا﴾ هي لا
стр. 10417
التبرئة التي يبنى اسمها على الفتح. وقرأ زيد بن علي: ﴿ولا أصغرِ من ذلك ولا أكبرِ﴾ بخفض الراءين بالكسرة، كأنه نوى مضافًا إليه محذوفًا، التقدير: ولا أصغره، ولا أكبره، ومن ذلك ليس متعلقًا بأفعل، بل هو بتبيين؛ لأنه لما حذف المضاف إليه أبهم لفظًا، فبينه بقوله: ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾.
قيل: قوله: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إشارة إلى علمه بالأرواح، ﴿وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى علمه بالأشباح، وكما أبرزهما من العدم إلى الوجود أولًا .. فكذلك يعيدهما ثانيًا.
قيل: سبب نزول هذه الآية (١): أن أبا سفيان قال لكفار مكة - لما سمعوا ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ -: إن محمدًا يتوعدنا بالعذاب بعد أن نموت، ويخوفنا بالبعث، واللاتِ والعزى لا تأتينا الساعة أبدًا، ولا نبعث، فقال الله: قل يا محمد: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، قاله مقاتل. وباقي السورة تهديد لهم وتخويف، ومن ذكر هذا السبب ظهرت به المناسبة بين هذه السورة، والسورة التي قبلها.
ومعنى الآية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الخ: أي (٢): وقال الذين ستروا ما أرشدتهم إليه عقولهم من البراهين الدالة على قيام الساعة: إنه لا رجعة بعد هذه الدنيا, ولا بعث ولا حساب، إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما نحن بمبعوثين، وقد أمر الله رسوله أن يرد عليهم مؤكدًا لهم بطلان ما يدعون: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾؛ أي: قل لهم إنها وربي لآتية لا ريب فيها.
وهذه الآية إحدى آياتٍ ثلاث أمر الله فيها رسوله أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد حين أنكره من أنكر من أهل الشرك والعناد:
فإحداهن: في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾.
وثانيتها: في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾.
стр. 10418
وثالثتها: ما هنا.
ثم وصف المولى نفسه بكامل العلم، وعظيم الإحاطة بالموجودات، مما يؤكِّد إمكان البعث، فقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ الخ؛ أي: إن وقت مجيئها لا يعلمه سوى علام الغيوب الذي لا يغيب عن علمه شيء في السموات، ولا في الأرض، من ذرة فما دونها, ولا ما فوقها، أين كانت، وأين ذهبت، فكل ذلك محفوظ في كتاب مبين، فالعظام وإن تلاشت، واللحوم وإن تفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت، وأين تفرقت، فيعيدها كما بدأها أول مرة، وهو بكل شيء عليم،
٤ - ثم بَّين الحكمة في إعادة الأجسام، وقيام الساعة بقوله:
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، واللام (١) فيه علة لقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، وبيان لما يقتضي إتيانها، فاللام للعلة عقلًا، وللمصلحة والحكمة شرعًا؛ أي: إتيان الساعة فائدته ومصلحته وحكمته: جزاء المؤمنين بالثواب، والكافرين بالعقاب. والإشارة بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ للموصول؛ أي: أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم؛ أي: لهم بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح مغفرة؛ أي: ستر ومحو لما صدر عنهم مما لا يخلو عنه البشر ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تعب فيه، ولا منَّ عليه، وهو الجنة، بخلاف رزق الدنيا، فإنه لا يأتي إلا بتسبب وتعب.
والمعنى (٢): أي يبعثهم الله سبحانه من قبورهم يوم القيامة ليثيب الذين آمنوا بالله، وعملوا بما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه، وأولئك لهم مغفرة لذنوبهم من لدنه، وعيش هنيء في الجنة، لا تعب فيه، ولا منَّ عليه.
والخلاصة: أنَّ الحكمة تقتضي وجودها, وليس هناك مانع منها، فالعلم المحيط بالغيب موجود، فقد وجد المقتضي لوجودها، وارتفع المانع من إتيانها.
٥ - ثم ذكر فريق الكافرين الذين يعاقبون عند إتيان الساعة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا﴾ واجتهدوا ﴿فِي﴾ إبطال ﴿آيَاتِنَا﴾، وحججنا وأدلتنا التكوينية، أو التنزيلية المنزلة على الرسل بالرد والطعن فيها، وصدِّ الناس عن التصديق بها حالة كونهم ﴿مُعَاجِزِينَ﴾؛
стр. 10419
أي: ظانين ومقدِّرين أنهم يعجزوننا، ويفوتوننا؛ لأنهم حسبوا أن لا بعث ولا نشور، فيكون لهم ثواب وعقاب.
قال في "البحر": ظانين في زعمهم وتقديرهم أنهم يفوتوننا، وأن كيدهم للإسلام يتم لهم.
قرأ الجمهور (١): ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مخففًا. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد وأبو عمرو والجحدري وأبو السمال: ﴿معجِّزين﴾ مثقلًا؛ أي: مثبطين للناس عن الإيمان بالآيات، مدخلين عليهم العجز في نشاطهم، وهذا هو معنى سعيهم في شأن الآيات، أو معجزين قدرة الله في زعمهم.
﴿أُولَئِكَ﴾ الساعون ﴿لَهُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿عَذَابٌ﴾ عظيم ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾؛ أي: من سيء العذاب، فـ ﴿مِنْ﴾ للبيان، ﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع صفة ﴿عَذَابٌ﴾؛ أي: شديد الإيلام. وفي "المفردات": أصل الرجز: الاضطراب، وهو في الآية كالزلزلة، والظاهر (٢) أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا﴾ مبتدأ، والخبر في الجملة الثانية، وهي ﴿أُولَئِكَ﴾، وقيل: ومنصوب عطفًا على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والمعنى عليه: أي وليجزي الذين سعوا في إبطال أدلتنا وحججنا عنادًا منهم، وكفرًا، وظنوا أنهم يسبقوننا بأنفسهم، فلا نقدر عليهم بشديد العذاب في جهنم، وبئس المهاد؛ لما اجترحوا من السيئات، ودسوا به أنفسهم من قبيح الأعمال.
وإجمال ذلك: أن الساعة آتية لا ريب فيها؛ لينعم السعداء المؤمنون، ويعذِّب الأشقياء الكافرون.
قرأ الجمهور: ﴿أَلِيمٌ﴾ بالجر صفة لـ ﴿رِجْزٍ﴾. وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم بالرفع صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، ونحو الآية قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾، وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾.
٦ - ثم استشهد باعتراف أولي العلم ممن آمن من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار وأضرابهما بصحة ما أنزل إليه؛ ليرد به على أولئك الجهلة
стр. 10420
الساعين في الآيات الذين أنكروا الساعة، فقال: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ مستأنف (١) مسوق للاستشهاد بأولي العلم على الجهلة الساعين في الآيات؛ أي: ويعلم أولو العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن شايعهم من علماء الأمة، أو من آمن من علماء أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهما، والأول أظهر؛ لأن السورة مكية، كما في "التكملة".
﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: النبوة والقرآن والحكمة، والموصول مع صلته مفعول أول لـ ﴿وَيَرَى﴾. ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل يفيد التوكيد، كقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. ﴿الْحَقَّ﴾ بالنصب على أنه مفعول ثان لـ ﴿يَرَى﴾، وبه قرأ الجمهور، وقرأ (٢) ابن أبي عبلة بالرفع؛ جعل ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْحَقَّ﴾: خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني لـ ﴿يَرَى﴾، وهي لغة تميم، يجعلون ما هو فصل عند غيرهم مبتدأً، قاله أبو عمر الجرمي.
وقوله: ﴿وَيَهْدِي﴾ عطف على ﴿الْحَقَّ﴾، عطف فعل على اسم، كما في قوله تعالى: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾؛ أي: وقابضات، فكأنه قيل: ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك الحق، وهاديًا ﴿إِلَى صِرَاطِ﴾ الله ﴿الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الْحَمِيدِ﴾ عند خلقه الذي هو التوحيد، والتوشح بلباس التقوى، وهذا يفيد رهبةً؛ لأن العزيز يكون ذا انتقام من المكذِّب، ورغبة؛ لأن الحميد يشكر على المصدِّق، والمراد: أنه يهدي إلى دين الله، وهو التوحيد.
ومعنى الآية (٣): أي وقال الجهلة المنكرون للبعث والحشر والحساب: إنه لا رجعة بعد هذه الدنيا، وقال العالمون من أهل الكتاب، ومن أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن يأتي من بعدهم من أمته: إن الذي أنزل إليك من ربك مثبتًا لقيام الساعة، ومجازاة كل عامل بما عمل من خير أو شر، هو الحق الذي لا شك فيه، وأنه هو الذي يرشد من اتبعه، وعمل به إلى سبيل الله الذي لا يغالب، ولا يمانع، وهو القاهر لكل شيء، والغالب له، وهو المحمود على جميع أفعاله وأقواله، وما أنزله
стр. 10421
من شرع ودين.
وفي الآية: إيماء إلى أن دين الإِسلام (١)، وتوحيد الملك العلام، هو الذي يتوصل به إلى عزة الدارين، وإلى القربة والوصلة والرؤية في مقام العين.
كما أن الكفر والتكذيب يتوصل به إلى المذمة والمذلة في الدنيا والآخرة، وإلى البعد والطرد والحجاب عما تعانيه القلوب الحاضرة، والوجوه الناظرة. قال بعض الكبار: يشير بالآية إلى الفلاسفة الذين يقولون: إن محمدًا ﷺ كان حكيمًا من حكماء العرب، وبالحكمة أخرج هذا الناموس الأكبر، يعنون: النبوة والشريعة، ويزعمون أن القرآن كلامه، أنشأه من تلقاء نفسه، يسعون في هذا المعنى مجاهدين جهدًا تامًا في إبطال الحق، وإثبات الباطل، فلهم أسوأ الطرد والإبعاد؛ لأن القدح في النبوة ليس كالقدح في سائر الأمور، وأما الذين أوتوا العلم من عند الله تعالى موهبة منه، لا من عند الناس بالتكرار والبحث، فيعلمون أن النبوة والقرآن والحكمة هو الحق من ربهم، وإنما يرون هذه الحقيقة؛ لأنهم ينظرون بنور العلم الذي أوتوه من الحق تعالى، فإنَّ الحق لا يرى إلا بالحق، كما أن النور لا يرى إلا بالنور.
ولما كان يرى الحق بالحق .. كان الحق هاديًا لأهل الحق وطالبيه إلى طريق الحق، وذلك قوله: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، فهو العزيز؛ لأنه لا يوجد إلا به، وبهدايته، والحميد؛ لأنه لا يرد الطالب بغير وجدان، كما قال: "ألا من طلبني وجدني". قال موسى ﵇: أين أجدك يا رب؟ قال: "يا موسى، إذا قصدت إليَّ فقد وصلت إليَّ" انتهى.
٧ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منكري البعث، وهم كفار قريش، قالوا بطريق الاستهزاء مخاطبًا بعضهم لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون به النبي ﷺ ، وإنما قصدوا بالتنكير الهزء والسخرية؛ أي: هل نرشدكم إلى رجل ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: يخبركم بأمر عجيب، ونبأ غريب، هو: ﴿أنكم إذا﴾ متم و ﴿مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾؛ أي: وفرقت أجسادكم كل تفريق، وقطعتم كل تقطيع، وصرتم بعد موتكم رفاتًا وترابًا ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: تخلقون خلقًا جديدًا وتبعثون من قبوركم أحياء،
стр. 10422
وتعودون إلى الصور التي كنتم عليها أولًا، والخلق الجديد إشارة إلى النشأة الثانية.
والعامل في ﴿إِذَا﴾ محذوف دلَّ عليه ما بعده؛ أي: تنشأون خلقًا جديدًا، ولا يعمل فيها مزقتم؛ لإضافتها إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا ينبئكم؛ لأن التنبئة لم تقع وقت التمزيق، بل تقدمت عليه، ولا جديد؛ لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها.
قال هذا القول بعضهم لبعض؛ استهزاءً بما وعدهم الله على لسان رسوله من البعث، وأخرجوا الكلام مخرج التلهي به، والتضاحك مما يقوله من ذلك، كما يقول الرجل لمن يريد أن يعجبه: هل أدلك على قصة كريبة نادرة؛ لما كان البعث عندهم من المحال .. جعلوا من يخبر عن وقوعه في حيز من يتعجب منه، وأتوا باسمه ﵇ نكرةً في قوله: هل ندلكم على رجل، وكان اسمه أشهر علم في قريش، بل في الدنيا، وإخباره بالبعث أشهر خبر؛ لأنهم أخرجوا ذلك مخرج الاستهزاء، والتحلي ببعض الأحاجي المعمولة للتلهي والتعمية، فلذلك نكروا اسمه، كما سبق.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بالهمز والتشديد، وزيد بن علي بإبدال الهمزة ياءً محضةً، وحكى عنه الزمخشري: ﴿ينبئكم﴾ بالهمز من ﴿أنبأ﴾ ومعنى الآية: أي: وقال قريش بعضهم تعجبًا واستهزاءً وتهكمًا وإنكارًا: هل سمعتم برجل يقول: إنا إذا تقطعت أوصالنا، وتفرقت أبداننا، وبليت عظامنا .. نرجع كرةً أخرى أحياءً كما كنا، ونحاسب على أعمالنا، ثم نثاب على الإحسان إحسانًا، ونجزى على اجتراح الآثام آلامًا بنار تلظى، تشوي الوجوه والأجسام.
وخلاصة ذلك: أنه يقول: إذا أكلتكم الأرض، وصرتم رفاتًا وعظامًا، وقطعتكم السباع والطير .. ستحيون وتبعثون، ثم تحاسبون على ما فرِّط منكم من صالح العمل وسيِّئه.
٨ - ثم حكى سبحانه عن هؤلاء الكفار أنهم رددوا ما وعدهم به رسول الله ﷺ من البعث بين أمرين، فقالوا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فيما قاله، وهذا أيضًا من كلام الكفار، وأصل (٢) ﴿أَفْتَرَى﴾: أافترى بهمزة الاستفهام المفتوحة الداخلة على همزة
стр. 10423
الوصل المكسورة للإنكار والتعجب، فحذفت همزة الوصل تخفيفًا مع عدم اللبس، والفرق بين الافتراء والكذب: أن الافتراء هو افتعال الكذب من قول نفسه، والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه؛ أي: هل اختلق محمد على الله كذبًا ﴿أَمْ﴾ لم يفترِ، بل ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾؛ أي: جنون يوهمه ذلك، ويلقيه على لسانه من غير قصد، والجنون: حائل بين النفس والعقل، وهذا حصر للخبر الكاذب بزعمهم في نوعيه، وهما: الكذب على عمد، وهو المعني بالافتراء، والكذب لا عن عمد، وهو المعني بالجنون، فيكون معنى ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أم لم يفترِ، فعبر عن عدم الافتراء بالجنة؛ لأن المجنون لا افتراء له؛ لأن الكذب عن عمد ولا عمد للمجنون، فالإخبار حال الجنة قسيم للافتراء الأخص، لا الكذب الأعم.
ثم رد عليهم سبحانه ما قالوه في رسوله، فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء كما زعموا، وهو مبرَّأ منهما، بل هؤلاء القائلون الكافرون بالحشر والنشر واقعون ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ في الآخرة ﴿و﴾ واقعون في الدنيا في ﴿الضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الصواب والهدى، بحيث لا يرجى الخلاص منه. ووصف الضلال بالبعد على الإسناد المجازي للمبالغة؛ إذ هو في الأصل وصف الضال. لأنه الذي يتباعد عن المنهاج القويم، وكلما ازداد بعدًا عنه .. كان أضل. وتقديم العذاب على ما يوجبه ويؤدي إليه، وهو الضلال للمسارعة إلى بيان ما يسوؤهم، وجعل العذاب والضلال محيطين بهم إحاطة الظرف بالمظروف؛ لأن أسباب العذاب معهم، فكأنهم في وسطه، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتنبيه على أنَّ علة ما اجترؤوا عليه كفرهم بالآخرة، وما فيها من فنون العقاب، ولولاه لما فعلوا ذلك خوفًا من غائلته.
وحاصل الآية (١): إثبات الجنون الحقيقي لهم، فإن الغفلة عن الوقوع في العذاب وعن الضلال الموجب لذلك جنون أي جنون، واختلال عقل أي اختلال؛ إذ لو كان فهمهم ادراكهم تامًا وكاملًا .. لفهموا حقيقة الحال، ولما اجترؤوا على سوء المقال.
قال بعضهم: كما أن الطفل الصغير يسبى إلى بعض البلاد، فينسى وطنه
стр. 10424
الأصلي بحيث لو ذكر به لم يتذكر، كذلك نفس الإنسان القاسي قلبه، إن ذكر بالآخرة، وهو وطنه الأصلي لم يتذكر، ويكفر به، ويقول مستهزئًا ما يقول، ولا يتفكر أن أجزاءه كانت متفرقة حين كان هو ذرة أخرجت من صلب آدم، كيف جمع الله ذرات شخصه المتفرقة، وجعلها خلقًا جديدًا، كذلك يجمع الله أجزاءه المتفرقة للبعث.
والمعنى (١): أي ليس الأمر كما زعموا, ولا كما ذهبوا إليه، بل إنَّ محمدًا هو البر الرشيد الذي جاء بالحق، وإنهم هم الكذبة الجهلة الأغبياء، الذين بلغوا الغاية في اختلال العقل، وأوغلوا في الضلال، وبعدوا عن الإدراك والفهم، وليس هذا إلا الجنون بعينه، وسيؤدي ذلك بهم إلى العذاب؛ إذ هم قد أنكروا حكمة الله في خلق العالم، وكذبوه في وعده ووعيده، وتعرضوا لسخطه.
٩ - ثم ذكرهم بما يعاينون مما يدل على كمال قدرته، وفيه تنبيه لهم إلى ما يحتمل أن يقع لهم من القوارع التي تهلكهم، وتهديد على ما اجترحوا من السيئات، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾ الهمزة فيه للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف (٢)، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفعلوا ما فعلوا من المنكر المستتبع للعقوبة، فلم يروا ولم ينظروا ﴿إِلَى مَا﴾ أحاط بهم من ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، وقدامهم ﴿وَ﴾ إلى ﴿ما﴾ أحاط بهم من ﴿خَلْفَهُمْ﴾ وورائهم حالة كون ما أحاط بهم ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فإنهما أحاطا بهم من جميع جوانبهم، من أمامهم وخلفهم، ويمينهم وشمالهم، حيثما كانوا وساروا، بحيث لا مفر ولا مهرب لهم.
والمعنى: أنهم إذا نظروا .. رأوا السماء خلفهم وقدامهم، وكذلك إذا نظروا في الأرض .. رأوها خلفهم وقدامهم، فالسماء والأرض محيطتان بهم، فهو القادر على أن ينزل بهم ما شاء من العذاب بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسوله، وإنكارهم للبعث، فهذه الآية اشتملت على أمرين:
أحدهما: أن هذا الخلق الذي خلقه الله تعالى من السماء والأرض يدل على كمال القدرة على ما هو دونه من البعث، كما في قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 10425
وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾.
والأمر الآخر: التهديد لهم، بأن من خلق السماء والأرض على هذه الهيئة التي قد أحاطت بجميع المخلوقات فيهما .. قادرٌ على تعجيل العذاب لهم.
ومن المعلوم (١): أن ما بين يدي الإنسان هو كل ما يقع نظره عليه من غير أن يحوِّل وجهه إليه، وما خلفه هو كل ما لا يقع نظره عليه، حتى يحوِّل وجهه إليه، فيعم الجهات كلها.
فإن قلت: هلا ذكر الإيمان والشمائل، كما ذكرهما في قوله في الأعراف: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾؟
فالجواب: أنه وجد هنا ما يغني عن ذكرهما من لفظ العموم، والسماء والأرض، بخلاف ما هناك. اهـ "كرخي".
ثم بيَّن المحذور المتوقع من جهة السماء والأرض، فقال: ﴿إِنْ نَشَأْ﴾ جريًا على موجب جناياتهم ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾؛ أي: نغيبها من تحتهم، كما خسفناها بقارون وأشياعه ﴿أَوْ﴾ إن نشأ ﴿نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ وقطعًا ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾، كما أسقطناها على أصحاب الأيكة؛ لأن ذلك بما ارتكبوه من الجرائم.
ومعنى إسقاط الكسف من السماء (٢): إسقاط قطع من النار، كما وقع لأصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب، كانوا أصحاب غياض ورياض وأشجار ملتفة؛ حيث أرسل الله تعالى عليهم حرًا شديدًا، فرأوا سحابةً، فجاؤا ليستظلوا تحتها، فأمطرت عليهم النار، فاحترقوا.
والمعنى (٣): أي أفلم ينظر هؤلاء المكذبون بالمعاد، الجاحدون للبعث بعد الممات، فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، فيرتدعوا عن جهلهم، ويزدجروا عن تكذيبهم، حذر أن نأمر الأرض فتخسف بهم، أو نأمر السماء فتسقط عليهم كسفًا، فإنا إن نشأ أن نفعل ذلك بهم .. فعلنا، لكنا نؤخِّره لحلمنا وعفونا؛ أي: حيثما
стр. 10426
كانوا .. فالسماء والأرض قد أحاطتا بهم، ولا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما، ولا يخرجوا من ملكوت الله فيهما.
وإجمال ذلك: أنه تعالى ذكرهم بأظهر شيء لديهم يعاينونه حيثما وجدوا, ولا يغيب عن أبصارهم حيثما ذهبوا، وفيه الدليل على قدرته على البعث والإحياء، فإن من قدر على خلق تلك الأجرام العظام .. لا تعجزه إعادة الأجسام، فهي إذا قيست بها .. كانت كأنها لا شيء، كما قال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾، وفي هذا ما لا يخفي من التنبيه إلى مزيد جهلهم المشار إليه بالضلال البعيد.
وقرأ الجمهور (١): ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ﴾، و ﴿نُسْقِطْ﴾ بنون العظمة في الثلاثة، وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وعيسى والأعمش وابن مطرف: بالياء التحتية في الأفعال الثلاثة؛ أي: إن يشأ الله. وقرأ الكسائي وحده بإدغام الفاء في الباء في: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ﴾. قال أبو علي: وذلك لا يجوز؛ لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء، فلا تدغم فيها، وإن كانت الباء تدغم في الفاء، نحو: اضرب فلانًا. وقال الزمخشري: وقرأ الكسائي: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ﴾ بالإدغام، وليست بقوية. انتهى.
قلت: والقراءة سنة متبعة، ويوجد فيها الفصيح والأفصح، وكل ذلك من تيسير الله تعالى القرآن للذكر، فلا التفات لقول أبي علي، ولا الزمخشري.
ثم ذكر ما هو كالعلة في الحثِّ على الاستدلال بذلك ليزيح إنكارهم بالبعث، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ إن فيما ذكر من السماء والأرض من حيث إحاطتهما بالناظر من جميع الجوانب، أو فيما تلي من الوحي الناطق بما ذكر ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لدلالة واضحة تدل على قدرتنا على البعث بعد الموت ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾؛ أي: راجع إلى ربه، مطيع له في أمره ونهيه، فإن من شأنه الإنابة، والرجوع إلى الله، إذا تأمل فيهما، أو في الوحي المذكور .. ينزجر عن تعاطي القبيح، وينيب إليه تعالى.
والمعنى (٢): أي إن في النظر إلى خلق السموات والأرض لدلالة لكل عبد فطن منيب إلى ربه على كمال قدرتنا على بعث الأجساد، ووقوع المعاد؛ لأن من
стр. 10427
قدر على خلق هذه السموات على ارتفاعها واتساعها، وعلى هذه الأرض على انخفاضها وطولها وعرضها .. قادر على إعادة الأجسام، ونشر الرميم من العظام، كما قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾.
فإن قلت: لم قال هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ بإفراد الآية، وقال فيما بعد: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ بجمعها، فما الفرق بين المقامين؟
قلت: إن ما هنا إشارة إلى إحياء الموتى، فناسبه الإفراد، وما بعد إشارة إلى سبأ قبيلة في البلاد، فصاروا فرقًا، فناسبه الجمع. اهـ "كرخي".
وفي الآية (١): حثٌّ بليغ على التوبة والإنابة، وزجر عن الجرم والجناية، وأن العبد الخائف لا يأمن قهر الله طرفة عين، فإن الله قادر على كل شيء، يوصل اللطف والقهر من كل ذرة من ذرات العالم. قال إبراهيم بن أدهم ﵀: إذا صدق العبد في توبته .. صار منيبًا؛ لأن الإنابة ثاني درجة التوبة. وقال أبو سعيد القرشي: المنيب: الراجع عن كل شيء يشغله عن الله إلى الله. وقال بعضهم: الإنابة: الرجوع منه إليه، لا من شيء غيره، فمن رجع من غيره إليه .. ضيع أحد طرفي الإنابة، والمنيب على الحقيقة: من لم يكن له مرجع سواه، ويرجع إليه من رجوعه، ثم يرجع من رجوع رجوعه، فيبقى شبحًا لا وصف له، قائمًا بين يدي الحق، مستغرقًا في عين الجمع:
هَجَرْتُ الْخَلْقَ كُلًّا فِيْ هَوَاكَا ... وَأَيْتَمْتُ الْعِيَالَ لِكَيْ أَرَاكَا
فَلَوْ قَطَّعْتَنِيْ فِيْ الْحُبِّ إِرْبًا ... لَمَا سَكَنَ الْفُؤَادُ إِلَى سِوَاكَا
وقال بعضهم: هجر النفس: مواصلة الحق، ومواصلة النفس: هجر الحق، ومن الله: الإيصال إلى مقام الوصال.
١٠ - ثم ذكر من عباده المنيبين إليه: داود وسليمان، فقال ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أعطينا داود ﵇ ﴿مِنَّا﴾؛ أي: من
стр. 10428
جهتنا بلا واسطة ﴿فَضْلًا﴾؛ أي: زيادة ودرجة؛ أي: نوعًا من الفضل على سائر الأنبياء مطلقًا، سواء كانوا أنبياء بني إسرائيل، أو غيرهم، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، والفاضل من وجه، لا ينافي كونه مفضولًا من وجه آخر. وهذا الفضل الذي أعطي داود ﵇ هو ما ذكر بعد من تأويب الجبال، وتسخير الطير، وإلانة الحديد، فإنه معجزة خاصة به، وهذا لا يقتضي انحصار فضله فيها، فإنه تعالى أعطاه الزبور، كما قال في مقام الامتنان والتفضل: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
قال في "التأويلات النجمية": والفرق بين داود، وبين نبينا محمد ﷺ : أنه ذكر فضله في حق داود على صفة النكرة، وهي تدل على نوع من الفضل، وشيء منه، وهو الفيض الإلهي بلا واسطة، كما يدل عليه كلمة ﴿مِنَّا﴾، وقال في حق نبينا ﷺ : ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ والفضل الموصوف بالعظمة يدل على كمال الفضل، وكذا قوله: ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ لما أضاف الفضل إلى الله .. اشتمل على جميع أنواع الفضل. انتهى.
ويجوز أن يكون التنكير للتفخيم، و ﴿مِنَّا﴾ لتأكيد فخامته الذاتية لفخامته الإضافية على أن يكون المفضل عليه غير الأنبياء، فالمعنى إذًا: ولقد آتينا داود بلا واسطة فضلًا عظيمًا على سائر الناس، كالنبوة والعلم والقوة والملك والصوت الحسن، وغير ذلك.
وقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ مقول لقول محذوف هو بذل من آتينا؛ أي: ولقد آتينا داود منا فضلًا، وقلنا للجبال: يا جبال أوبي وسبحي مع داود إذا سبح، أو هو مقول لمصدر قول محذوف بدل من ﴿فَضْلًا﴾؛ أي: ولقد آتينا داود منا فضلًا، وقَوْلنا: يا جبال أوبي معه. والتأويب على معنيين:
أحدهما: الترجيع؛ لأنه من الأوب، وهو الرجوع.
والثاني: السير بالنهار كله. فالمعنى على الأول: رجِّعي معه التسبيح، وسبِّحي مرةً بعد مرة، وذلك بأن يخلق الله تعالى فيها صوتًا مثل صوته، كما خلق الكلام في شجرة موسى ﵇، فكان كلما سبَّح سمع من الجبال ما يسمع من المسبح، ويعقل معنى معجزةً له. قالوا: فمن ذلك الوقت يسمع الصدى من
стр. 10429
الجبال، وهو ما يرده الجبال على المصوت فيه. والمعنى على الثاني: سيري معه حيث سار، ولعل (١) حكمة تخصيص الجبال بالتسبيح أو السير؛ لإنها على صور الرجال، كما دل عليه ثباتها، وقيل: معناه: كان إذا لحقه ملل أو فتور .. أسمعه الله تسبيح الجبال، فينشط له.
وقرأ الجمهور: ﴿أَوِّبِي﴾ بفتح الهمزة وتشديد الواو على صيغة الأمر من التأويب، وهو: الترجيع، أو التسبيح، أو السير، أو النوح. وقرأ ابن عباس والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق: بضم الهمزة، أمرًا من: آب يؤوب: إذا رجع؛ أي: ارجعي معه. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ قرأه الجمهور بالنصب عطفًا على ﴿فَضْلًا﴾ على معنى: وسخرنا له الطير؛ لأن إيتاءَها إياه: تسخيرها له، فلا حاجة إلى إضماره، ولا إلى تقدير المضاف؛ أي: تسبيح الطير، كما في "الإرشاد"، أو عطفًا على محل: ﴿يَا جِبَالُ﴾؛ لأنه منصوب تقديرًا؛ إذ المعنى: نادينا الجبال والطير. وقال سيبويه وأبو عمرو بن العلاء: انتصابه بفعل مضمر على معنى: وسخرنا له الطير. وقال الزجاج والنحاس: يجوز أن يكون مفعولًا معه، كما تقول: استوى الماء والخشبة. وقال الكسائي: إنه معطوف على ﴿فَضْلًا﴾ لكن على تقدير مضاف محذوف؛ أي: آتيناه فضلًا، وتسبيح الطير.
وقرأ السلمي والأعرج ويعقوب وأبو نوفل وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم ومسلمة بن عبد الملك (٢): بالرفع، عطفًا على لفظ "الجبال"، أو على المضمر في ﴿أَوِّبِي﴾ لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه.
نزَّل الجبال والطير منزلة العقلاء (٣)؛ حيث نوديت نداءهم؛ إذ ما من حيوان وجماد إلا وهو منقاد لمشيئته، ومطيع لأمره، فانظر؛ إذ من طبع الصخور الجمود، ومن طبع الطير النفور، ومع هذا قد وافقته ﵇، فأشد منها القاسية قلوبهم، الذين لا يوافقون ذكرًا، ولا يطاوعون تسبيحًا، وينفرون من مجالس أهل الحق نفور الوحوش، بل يهجمون عليها بأقدام الإنكار، كأنهم الأعداء من الجيوش.
стр. 10430
قال المولى الجامي: وإنما كان تسبيح الجبال والطير لتسبيحه؛ لأنه لما قوي توجهه ﵇ بروحه إلى معنى التسبيح والتحميد .. سرى ذلك إلى أعضائه وقواه، فإنها مظاهر روحه، ومنها إلى الجبال والطير فإنها صور أعضائه وقواه في الخارج، فلا جرم يسبحن لتسبيحه، وتعود فائدة تسبيحها إليه، يعني: لما كان تسبيحها ينشأ عن تسبيحه، لا جرم يكون ثوابه عائدًا إليه، لا إليها؛ لعدم استحقاقها لذلك. انتهى.
وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيد﴾ معطوف على ﴿آتَيْنَا﴾؛ أي: ولقد جعلنا الحديد لداود لينًا في نفسه، كالشمع والعجين والمبلول، يصرفه في يده كيف يشاء، من غير إحماءٍ بنار، ولا ضربٍ بمطرقة، أو جعلنا الحديد بالنسبة إلى قوته التي آتيناها إياه لينًا، كالشمع بالنسبة إلى سائر قوى البشرية، وكان داود أوتي شدة قوة في الجسد، وإن لم يكن جسيمًا، وهو أحد الوجهين لقوله: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ في سورة ص،
١١ - وأمرناه بـ ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ واصنع من الحديد لك، ولغيرك دروعًا ﴿سَابِغَاتٍ﴾؛ أي: واسعات طويلات تامات، تغطي لابسها حتى تفضل عنه، فيجرها على الأرض، وتقيه شر الحرب. والأولى جعل ﴿أَنِ﴾ هنا مصدرية، حذف منها باء الجر، لا مفسرة، وهو ﵇ أول من اتخذها، وكانت قبل ذلك صفائح حديد مضروبة ثقالًا على لابسها.
وقرىء: ﴿صابغات﴾ بالصاد بدلًا من السين، وتقدم أنها لغة في قوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾. قال المفسرون: كان (١) داود ﵇ حين ملك على بني إسرائيل يخرج متنكرًا، فيسأل الناس: ما تقولون في داود؟ فيثنون عليه، فقيَّض الله له ملكًا في صورة آدميّ، فسأله على عادته، فقال له الملك: نعم الرجل لولا خصلة فيه، فسأله عنها، فقال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال، ولو أكل من عمل يده. لتمت فضائله، فعند ذلك سأل ربه أن يسبّب له ما يستغني به عن بيت المال، فعلَّمه تعالى صنعة الدروع، فكان يعمل كل يوم درعًا ويبيعها بأربعة آلاف درهم، أو بستة آلاف، يتفق عليه وعلى عياله ألفين، ويتصدق بالباقي على فقراء بني إسرائيل.
وفي الحديث: "كان داود لا يأكل إلا من كسب يده"، وفي الآية دليل على
стр. 10431
تعلم أهل الفضل الصنائع، فإن العمل بها لا ينقص بمرتبتهم، بل ذلك زيادة في فضلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وفي الحديث: "إن خير ما أكل المرء من عمل يده".
﴿وَقَدِّرْ﴾؛ أي: واقتصد وتوسَّطْ ﴿فِي السَّرْدِ﴾؛ أي: في نسج الدروع بحيث تناسب مساميرها لحلقاتها؛ أي: لا تجعل مسمار الدرع دقيقًا فيقلقل، ولا غليظًا فيفصم الحلق، أو المعنى: توسط عند نسج الدروع في حلقاتها؛ أي: لا تعملها صغيرة، فتضعف، ولا يقوى الدرع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة، فتثقل على لابسها، أو المعنى: اجعل (١) كل حلقة مساوية لأختها، ضيقة، لا ينفذ منها السهم لغلظها, ولا تثقل حاملها، واجعل كلها بنسبة واحدة، وقدر واحد. أو المعنى: قدر وتوسط في سرد الدروع ونسجها, ولا تصرف جميع أوقاتك إلى نسج الدروع، بل اشتغل به مقدار ما تحصل به قوتك وحوائجك، وأما باقي الأوقات .. فاصرفه إلى عبادة ربك.
قال الرازي: أي إنك غير مأمور به أمر إيجاب، وإنما هو اكتساب، والكسب يكون بقدر الحاجة، وباقي الأيام والليالي للعبادة، فقدر في ذلك العمل، ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب، بل حصِّل فيه القوت فحسب. انتهى.
وهذا المعنى هو المناسب لما بعده، وهو قوله: ﴿وَاعْمَلُوا﴾ يا آل داود، خطاب له ولأهله لعموم التكليف، ويجوز أن يكون أمرًا لداود فقط؛ شرفه الله بأن خاطبه خطاب الجمع. ﴿صَالِحًا﴾؛ أي: عملًا صالحًا خالصًا من الأغراض ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا أضيع عمل عامل منكم، فأجازيكم عليه، وهو تعليل للأمر، أو لوجوب الامتثال به، والبصير: هو المدرك لكل موجود برؤيته، ومن عرف أنه البصير .. راقبه في الحركات والسكنات، حتى لا يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره. وخاصية هذا الاسم وجود التوفيق، فمن قرأه قبل صلاة الجمعة مئة مرة .. فتح الله بصيرته، ووفَّقه لصالح القول والعمل، وإن كان الإنسان لا يخلو عن الخطأ.
стр. 10432
وإجمال معنى الآية: وعزتي وجلالي لقد (١) أعطينا داود ﵇ منَّا نعمًا ومننًا فقلنا للجبال وللطير: رجعي معه التسبيح، وردديه إذا سبح ذلك بأن نحمله عليه إذا تأمل عجائبها، فهي له مذكرات، كما يذكر المسبِّح مسبِّحًا آخر، وجعلنا الحديد في يده لينًا، يسهل تصويره وتصريفه كما يشاء، فيعمل منه الدروع وآلات الحرب على أتم النظم، وأحكم الأوضاع، فيجعل حلقاتها على قدر الحاجة، فلا هي بالضيقة فتضعف، ولا تؤدي وظيفتها لدى الكر والفر، والشد والجذب، ولا هي بالواسعة التي ربما ينال صاحبها من خلالها الأذى. وهذا تعليم من الله تعالى له في إجادة نسج الدروع.
قال قتادة: إن داود أول من عملها حلقًا، وكانت قبل ذلك صفائح، فكانت ثقالًا. واعمل يا داوود أنت وآلك بطاعة الله تعالى، فأجازيكم كفاء ما عملتم، ثم علل هذا الأمر بقوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: إني مراقب لكم، مطلع عليكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليَّ شيء منها، وفي هذا ما لا يخفي من التنبيه والإغراء بإصلاح العمل، والإخلاص فيه.
١٢ - ثم ذكر سبحانه ما أنعم به على ولده سليمان من النبوة والملك والجاه العظيم فقال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾؛ أي: وسخرنا لسليمان ﵇ الريح، وهي ريح الصبا.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿الرِّيحَ﴾ بالنصب على تقدير: وسخرنا لسليمان الريح، كما قاله الزجاج. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه بالرفع على الابتداء والخبر، أي: والريح مسخرة لسليمان، وقرأ الجمهور: ﴿الرِّيحَ﴾ بالإفراد، وقرأ الحسن وأبو حيوة وخالد بن إلياس: ﴿الرياح﴾ بالجمع.
﴿غُدُوُّهَا﴾؛ أي: جريها وسيرها بالغداة؛ أي: من لدن طلوع الشمس إلى زوالها، وهو وقت انتصاف النهار ﴿شَهْرٌ﴾؛ أي: مسيرة شهر؛ أي: مسير دواب الناس في شهر. ﴿وَرَوَاحُهَا﴾؛ أي: جريها وسيرها بالعشي؛ أي: من انتصاف النهار إلى الليل ﴿شَهْرٌ﴾؛ أي: مسيرة شهر، ومسافته، يعني: كانت تسير في يوم واحد
стр. 10433
مسيرة شهرين للراكب المسرع، والجملة إما مستأنفة، أو حال من الريح. وعن الحسن: كان يغدو من دمشق مع جنوده على البساط، فيقيل باصطخر، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع، واصطخر: بزنة فردوس بلدة من بلاد فارس بناها لسليمان صخر الجني المراد بقوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ ثم يروح من اصطخر، ويبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع، وكابل بضم الباء الموحدة: ناحية معروفة من بلاد الهند، وكان ﵇ يتغدى بالري، ويتعشى بالسمرقند، والري: من مشاهير ديار الديلم بين قومس والجبال، والسمرقند: أعظم مدينة بما وراء النهر؛ أي: نهر جيحون.
قال مقاتل: كان ملك سليمان ما بين مصر وكابل. وقال بعضهم: جميع الأرض، وهو الموافق لما اشتهر عندهم من أنه ملك الدنيا كلها أربعة: اثنان من أهل الإِسلام، وهما: الاسكندر وسليمان، واثنان من أهل الكفر، وهما: نمرود وبختنصر.
﴿وَأَسَلْنَا﴾؛ أي: أذبنا وأجرينا ﴿لَهُ﴾؛ أي: لسليمان ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾؛ أي: عين النحاس المذاب أسأله من معدنه، كما ألان الحديد لأبيه داود، فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سمي عينًا. وكان ذلك باليمن بقرب صنعاء. وقال القرطبي: والظاهر أن الله جعل النحاس لسليمان في معدنه عينًا تسيل كعيون المياه دلالة على نبوته. اهـ. واصطناع الناس في النحاس بعد لينه وإذابته - ولو كانت بالنار - من آثار الكرامة التي أعطيها سليمان، ولولاها ما لان النحاس أصلًا؛ لأنه قبل سليمان لم يكن يلين أصلًا بنار ولا بغيرها اهـ "شيخنا".
وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾: خبر مقدم ﴿مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: مبتدأ مؤخر؛ أي: ومن يعمل بين يدي سليمان كائن من الجن. ويجوز أن يكون ﴿مَنْ يَعْمَلُ﴾ منصوبًا بفعل مقدر، و ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ متعلق بهذا المقدر، أو حال من ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ويؤيد هذا الاحتمال ما في سورة ص من قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ فإنه منصوب بـ ﴿سَخَّرْنَا﴾ المصرح به. والتقدير: وسخرنا له من يعمل بين يديه وقدامه حال كونه من الجن، وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَعْمَلُ﴾؛ أي: يعمل له بإذن ربه؛ أي: بأمره كما ينبيء عنه قوله: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾؛ أي: ومن يعدل من الجن ويميل عما أمرناه به من طاعة سليمان ويعصه ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ
стр. 10434
السَّعِيرِ﴾؛ أي: ندخله في الآخرة عذاب النار المسعرة. وهذا ما عليه جمهور المفسرين. وقيل: نذقه في الدنيا من عذاب النار، وقال السدي: وكل الله تعالى بالجن ملكًا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان .. ضربه بذلك السوط من حيث لا يراه ضربة أحرقته بالنار.
والمعنى: أي وسخرنا له من الجن من يبني له الأبنية وغيرها بقدرة ربه وتسخيره، ومن يخرج منهم عن طاعته .. نذقه عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة، وإنا لنوقن بصدق ما جاء به القرآن من استخدام سليمان للجن، ولا نعلم كيف كان يستخدمهم في أعماله، ولكن نشاهد آثار استخدامه لهم من المباني الشاهقة، والقصور العظيمة، والتماثيل البديعة.
١٣ - ثم بيَّن سبحانه ما يعمله الجن لسليمان فقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾؛ أي: يعمل الجن لسليمان ﴿مَا يَشَاءُ﴾ سليمان ويريد ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ بيان لما يشاء، جمع: محراب، وهو البناء المرتفع الذي يرقى إليه بدرج، والقصر العالي. سمي محرابًا؛ لأنه يذب عنه، ويحارب عليه تشبيهًا بمحراب المسجد؛ لأنه يحارب فيه الشيطان، كما سيأتي البحث عنه في مبحث مفردات اللغة.
والمعنى: يبنون له ما يشاء من قصور حصينة، ومساكن شريفة، سميت بذلك؛ لأنها يذب عنها، ويحارب عليها. قال المفسرون: فبنتِ الشياطين لسليمان تدمر على زنة تنصر، وهي بلدة بالشام، والأبنية العجيبة باليمن، وهي صرواج ومرواج وبينون وسلحين وهيذة وهنيذة وفلتوم وغمدان، ونحوها. وكلها خراب الآن، وعملوا له بيت المقدس في غاية الحسن والبهاء.
قصة بناء سليمان لبيت المقدس
وروي (١): أنه أراد داود ﵇ بنيان بيت المقدس، فبناه مرارًا، فلما فرغ منه تهدم، فشكا ذلك إلى الله تعالى، فأوحى الله إليه أن بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدماء، فقال داود: يا رب، ألم يكن ذلك في سبيلك؟ قال: بلى، ولكنهم أليسوا عبادي، فقال: يا رب، اجعل بنيانه على يدي من هو منى، فأوحى
стр. 10435
الله تعالى إليه أن ابنك سليمان يبنيه، فإني أملِّكه بعدك، وأسلِّمه من سفك الدماء، وأقضي إتمامه على يده. وسبب هذا: أن الشفقة على خلق الله أحق بالرعاية من الغيرة في الله بإجراء الحدود المفضية إلى هلاكهم، ولكون إقامة هذه النشأة أولى من هدمها فرض الله في حق الكفار الجزية والصلح إبقاءً عليهم، ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف شرع لولي الدم أخذ الفدية أو العفو، فإن أبى فحينئذ يقتل. ألا ترى سبحانه إذا كان أولياء الدم جماعة، فرضي واحد بالدية، أو عفا عن حقه، وباقي الأولياء لا يرون إلا القتل كيف يراعي من عفا، ويرجَّح على من لم يعفُ، فلا يقتل قصاصًا.
ثم نرجع إلى القصة: فصلوا فيه زمانًا، وكان مولد سليمان بغزة، وملك بعد أبيه، وله اثنتا عشرة سنة، ولما كان في السنة الرابعة من ملكه في شهر أيار سنة تسع وثلاثين وخمس مئة لوفاة موسى ﵇ .. ابتدأ سليمان في عمارة بيت المقدس وإتمامه حسبما تقدم وصية أبيه إليه، وجمع حكماء الإنس والجن، وعفاريت الأرض، وعظماء الشياطين، وجعل منهم فريقًا يبنون، وفريقًا يقطعون الصخور والعمد من معادن الرخام، وفريقًا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدر والمرجان، وكان في الدر ما هو مثل بيضة النعامة والدجاجة، وبنى مدينة بيت المقدس، وجعلها اثني عشر ربضًا، وأنزل كل ربض منها سبطًا من أسباط بني إسرائيل، وكانوا اثني عشر سبطًا، ثم بني المسجد الأقصى بالرخام الملون، وسقفه بألواح الجواهر الثمينة، ورصع سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت، وأنبت الله شجرتين عند باب الرحمة إحداهما: تنبت الذهب، والأخرى: تنبت الفضة، فكان كل يوم ينزع من كل واحدة مئتي رطل ذهبًا وفضة، وفرش المسجد بلاطة من ذهب، وبلاطة من فضة، وبألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ بيتٌ أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر. وفرغ منه في السنة الحادية عشرة من ملكه، وكان ذلك بعد هبوط آدم من الجنة بأربعة آلاف سنة وأربع مئة وأربع عشرة سنة، وبين عمارة سليمان لمسجد بيت المقدس، والهجرة النبوية المحمدية على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات ألفُ سنة وثمان مئة سنة، وقريب من سنتين.
ولما فرغ من بناء المسجد .. سأل الله تعالى ثلاثًا: حكمًا يوافق حكمه،