← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.

стр. 10676

هؤلاء، وبعد أن نفى ما نفى من الحجج .. أضرب عن ذلك، وبين أن الذي حملهم على الشرك هو تقرير السلف للخلف، وإضلال الرؤساء للأتباع، وقولهم لهم: إن هؤلاء شفعاء يشفعون لكم عند الله إذا أنتم عبدتموهم، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿بَلْ إِنْ﴾ نافية؛ أي: ما ﴿يَعِدُ الظَّالِمُونَ﴾ أنفسهم بالشرك ﴿بَعْضُهُمْ﴾ وهم الرؤساء والأشراف، ﴿بَعْضًا﴾؛ أي: لبعض، وهم الأتباع، ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾؛ أي: إلا باطلًا لا أصل له، كما يفعله الرؤساء والقادة من المواعيد لأتباعهم؛ أي (١): ما يعد بعضهم بعضًا إلا غرورًا يغرونهم به ويزيّنونه لهم، وهو الأباطيل التي تغرّ، ولا حقيقة لها، وذلك قولهم: إن هذا الآلهة تنفعهم وتقرّبهم إلى الله، وتشفع لهم عنده، وهو تغرير محض، يسفّه بذلك آراءهم، وينبئهم على ذميم أحوالهم وأفعالهم، وخسّة هممهم، ونقصان عقولهم بإعراضهم عن الله، وإقبالهم على ما سواه؛ أي (٢): بل ما يعد الأسلاف للأخلاف، والرؤساء للسفلة في الدنيا بأن شركاءهم تقربهم إلى الله تعالى، وبأنها تشفع لهم في الآخرة، فتضر وتنفع، إلا باطلًا، وقيل: إن الشياطين تعد المشركين بذلك، وقيل: المراد بالوعد الذي يعد بعضهم بعضًا هو أنهم ينصرون على المسلمين ويغلبونهم، فعلى العاقل أن يصحّح التوحيد ويحقّقه، ولا يرى الفاعل والخالق إلا الله ، ٤١ - ولما أبان حقارة الأصنام .. أرشد إلى عظمته تعالى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: يحفظهما ويمنعهما من ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ وتسقطا وتقعا. أي (٣): إن الله سبحانه يمنع السموات أن تضطرب وتتحرَّك وتنتقل عن أماكنها، فترتفع أو تستخفض، ويمنع الأرض من مثل ذلك، ويحفظهما برباطٍ خاص، وهو ما يسمّيه العلماء نظام الجاذبية، فجميع العوالم من الأرض والقمر والشمس والسيارات الأخرى تجري في مدارات خاصة بهذا النظام الذي وضع لها، ولولا ذلك لتحطّمت هذه الكرات المشاهدة، وزالت عن أماكنها, لكنها به ثبتت في مواضعها، واستقرّت في مداراتها. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن زالت السموات والأرض عن مقرّهما

стр. 10677

ومركزهما على سبيل الفرض، أو بتخليتهما، كما يكون يوم القيامة، ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾؛ أي: ما يمسكها ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ تعالى؛ أي: ما يقدر أحد على إمساكهما وإعادتهما إلى محلهما ومكانهما من بعده تعالى؛ أي: ما يقدر أحد غيره تعالى على ذلك، أو المعنى: وإن أشرفتا على الزوال ما استطاع أحد غيره تعالى أن يمسكهما ويمنعهما عن السقوط. والخلاصة: أنه لا يقدر على دوامهما وبقائهما على هذا الوضع إلا اللطيف الخبير، ونحو الآية قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾. وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿كَانَ حَلِيمًا﴾ غير معاجل بالعقوبة التي تستوجبها جنايات الكفار حيث أمسكهما، وكانتا جديرتين بأن تهدّا هدّ العظيم كلمة الشرك، ﴿غَفُورًا﴾ لمن رجع عن كلمة الكفر، وقال بالوحدانية، تعليل لما قبلها من إمساكه تعالى للسموات والأرض؛ أي: ومن ثَمَّ حلم على المشركين، وغفر لمن تاب منهم على عظيم جرمهم المقتضي تعجيل العقوبة لهم. والخلاصة: أنه يحلم وينظر ويؤجل، ولا يعجّل، ويستر ويغفر. وفي "شرح الأسماء" للإمام الغزالي رحمه الله تعالى: الحليم: هو الذي يشاهد معصية العصاة، ويرى مخالفة الأمر، ثم لا يستفزّه غضب، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش. انتهى. والفرق بين الحليم والصبور: أن المذنب لا يأمن العقوبة في صفة الصبور، كما يأمنها في صفة الحليم؛ يعني: أن الصبور يشعر بأنه يعاقب في الآخرة بخلاف الحليم، كما في "المفاتيح". ولعل هذا بالنسبة إلى المؤمنين دون الكفار، فعلى العاقل أن يتخلَّق بهذا الاسم بأن يصفح عن الجنايات، ويسامح في المعاملات، بل يجازي الإساءة بالإحسان, فإنه من كمالات الإنسان. واعلم: أنّ التوحيد سبب لنظام العالم بأسره، ألا ترى أنه لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله؛ أي: لا يوجد من يوحِّد توحيدًا حقيقيًا، فإنه إذا انقرض أهل هذا التوحيد، وانتقل الأمر من الظهور إلى البطون .. يزول العالم، وينتقض أجزاؤه؛ لأنه إذًا يكون كجسد بلا روح، والروح إذا فارق الجسد يتسارع إلى الجسد البلى والفساد.

стр. 10678

ويروى أنّ آخر مولود في النوع الإنساني يكون بالصّين، فيسري بعد ولادته العقم في الرجال والنساء، ويدعوهم إلى الله تعالى، فلا يجاب في هذه الدعوة، فإذا قبضه الله، وقبض مؤمني زمانه .. وبقي من بقي مثل البهائم، لا يَحِلُّون حلالًا، ولا يحرّمون حرامًا، فعليهم تقوم الساعة، وتخرّب الدنيا، وينتقل الأمر إلى الآخرة. ٤٢ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: أقسم وحلف مشركوا مكة، ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إما منصوب على المصدرية؛ أي: أغلظ أيمانهم وأشدّها وأوكدها، أو مصدر واقع موقع الحال؛ أي: جاهدين ومبالغين في أيمانهم، والجهد بالفتح: بلوغ الغاية في الاجتهاد، وأما بالضم .. فهو الطاقة، والأيمان: جمع يمين، واليمين في الحلف مستعار من اليمين بمعنى اليد اعتبارًا بما يفعل المحالف والمعاهد عنده. قال الراغب: أي: حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم. انتهى، وكان أهل الجاهلية يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، وكانوا يحلفون بالله، ويسمّونه جهد اليمين، وعبارة "الصاوي" هنا: وإنما كان الحلف بالله غاية أيمانهم؛ لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وأصنامهم، فإذا أرادوا التأكيد والتشديد .. حلفوا بالله، وهي اليمين المغلّظة، كما قال النابغة: حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيْبَةً ... وَلَيْسَ وَرَاءَ اللهِ لِلْمَرْءِ مَطْلَبُ أي: كما أن الله تعالى أعلى المطالب، كذلك الحلف به أعلى الأحلاف روي أن قريشًا بلغهم قبل مبعث النبي ﷺ أنَّ أهل الكتاب كذّبوا رسلهم، فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم الرسل فكذبوهم، وحلفت قريش: واللهِ ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾؛ أي: واللهِ لئن جاء قريشًا نبىٌّ منذر مخوّف من عذاب الله ﴿لَيَكُونُنَّ﴾؛ أي: قريش ﴿أَهْدَى﴾؛ أي: أطوع وأصوب دينًا، ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي (١): من كل من اليهود والنصارى وغيرهم؛ لأن ﴿إِحْدَى﴾ شائعة، والأمم جمع، فليس المراد إحدى الأمتين اليهود والنصارى فقط، ولم يقل من الأمم بدون إحدى؛ لأنه لو قال لجاز أن يراد بعض الأمم وأنَّث ﴿إِحْدَى﴾ لكون أمة مؤنثة. والمعنى (٢): أي وأقسم المشركون بالله أغلظ الإيمان، وبالغوا فيها أشد

стр. 10679

المبالغة، لئن جاءهم من الله رسول ينذرهم بأسه .. ليكوننّ أسلك لطريق الحق، وأشد قبولًا له من أيِّ أمة من الأمم التي قد خلت من قبلهم، أو المعنى: فواللهِ لئن أتانا رسول لنكوننّ أهدى من إحدى الأمم؛ أي: من الأمة التي يقال فيها هي إحدى الأمم تفضيلًا لها على غيرها في الهدى والاستقامة، كما يقال للدّاهية العظيمة: هي إحدى الدواهي. والخلاصة: من إحدى الأمم على العموم، أو من الأمة التي يقال لها: إحدى الأمم تفضيلًا لها, ولا ينافي عموم ما هنا قوله في أواخر سورة الأنعام: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾؛ أي: اليهود والنصارى، ثم قوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾؛ أي: إلى الحق؛ لأن (١) تخصيص الطائفتين وكتابيهما هناك إنما هو لاشتهارهما بين الأمم، واشتهارهما فيما بين الكتب السماوية. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾؛ أي: نذير أفضل الكل، وأشرف الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿مَا زَادَهُمْ﴾؛ أي: ما زاد قريشًا ذلك النذير أو مجيئه. ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾؛ أي: إلا تباعدًا عن الحق والهدى، وهربًا منه، وفيه إشعار بأن (٢) المثبت أصل النفور؛ لكونهم جاهليّة لم يأتهم نذير من عهد إسماعيل، وإسناد الزيادة إليه مجاز؛ لأنه هو السبب في أن زادوا في أنفسهم نفورًا. ٤٣ - ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿نُفُورًا﴾، أو مفعول له؛ أي: ما زادهم إلا عتوًّا وتكبرًا عن الإيمان به، أو ما زداهم إلا نفورًا لأجل الاستكبار والعتوّ، قال في "بحر العلوم": الاستكبار والتكبّر، كالاستعظام والتعظّم لفظًا ومعنى. انتهى. قال بعضهم: إن الله تعالى قد أنشأك من الأرض، فلا ينبغي لك أن تعلو على أمك، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ معطوف على ﴿اسْتِكْبَارًا﴾، أو على ﴿نُفُورًا﴾، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، كمسجد الجامع، وصلاة الأولى، وأصله: أن مكروا المكر السيء، فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثم بدل أن مع الفعل بالمصدر، ثم أضيف اتساعًا، وقال الراغب: المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: محمود، وهو أن يتحرَّى بذلك فعل جميل، وعلى ذلك قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ومذموم، وهو

стр. 10680

أن يتحرّى به فعل قبيح. انتهى. ومنه ما في هذه الآية، ولذا وُصف بالسيء. والمعنى: ما زادهم إلا المكر السيء في دفع أمره ﷺ ، وفي قتله وإهلاكه، ومعنى الآية؛ أي (١): ولكن حين جاءهم الرسول انعكست الآية، فما زادهم مجيئه إلا بعدًا عن الإيمان بالله، وانصرافًا عن الحق، واستكبارًا عن اتباع آياته، ومكروا بالناس مكرًا سيئًا، فصدّوهم عن سبيله. والخلاصة: أنه قد تبين أن لا عهد لهم مع ادّعائهم أنهم أوفى الناس، ولا صدق لهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق، وصار مثلهم مثل الإبل التي نفرت من ربها فضلت عن الطريق، فدعاها صاحبها، فازدادت بدعائه نفرة، وصارت بحيث يتعذّر أو يتعسّر ردّها. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ بكسر همزة السيء، وقرأ الأعمش وحمزة بإسكانها وصلًا، فإما إجراءً للوصل مجرى الوقف، وإما إسكانًا لتوالي الحركات، وإجراءً للمنفصل مجرى المتّصل، وقد غلّط كثير من النحاة هذه القراءة؛ ونزَّهوا الأعمش على جلالته أن يقرأ بها، قالوا: وإنما يقف بالسكون، فغلط من روى عنه أنه كان يقرأ بالسكون وصلًا، وتوجيه هذه القراءة ممكن بأن من قرأ بها أجرى الوصل مجرى الوقف، كما في قول الشاعر: فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبِ ... إِثْمًا مِنَ اللهِ وَلَا وَاغِلِ بسكون الباء من أشرب، ومثله قراءة من قرأ: ﴿وما يشعرْكم﴾ بسكون الراء، ومثل ذلك قراءة أبي عمرو: ﴿إلى بارئكم﴾ بسكون الهمزة، وغير ذلك كثير في كلامهم، قال أبو على الفارسي: هذا على إجراء الوصل مجرى الوقف، وروي عن ابن كثير: ﴿ومكر السئْي﴾ بهمزة ساكنة بعد السين وياء بعدها مكسورة، وهو مقلوب السيء المخفّف من السيء، كما قال الشاعر: وَلَا يُجْزُوْنَ مِنْ حَسَنٍ بِسَئْيٍ ... وَلَا يُجْزُوْنَ مِنْ غِلْظٍ بِلِيْنِ وقرأ ابن مسعود: ﴿ومكرًا سيئًا﴾ عطف نكرة على نكرة، ثم بيّن أن عاقبة مكرهم عادت عليهم بالوبال بقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ﴾؛ أي: لا يحيط، ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾

стр. 10681

ولا ينزل وباله. ﴿إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهو الماكر، وقد حاق بهم يوم بدر؛ أي: ولا يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم، وقُرىء (١): ﴿يَحِيقُ﴾ بضم الياء ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ بالنصب؛ أي: ولا يحيق الله المكر السيىء إلا بأهله، روي الزهري أن النبي ﷺ قال: "لا تمكروا ولا تعينوا ماكرًا، فإن الله يقول: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، ولا تبغوا, ولا تعينوا باغيًا، فإن الله سبحانه يقول ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ولا تنكثوا, ولا تعينوا ناكثًا، فإن الله يقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ". وقد وقع مثل هذا في كلام العرب، فقد قالوا: من حفر لأخيه جبًا وقع فيه منكبًا والعبرة في الأمور بالعواقب. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. قال أبو عبد الله الرازي: فإن قلت (٢): كثيرًا ما نرى الماكر يفيده مكره، ويغلب خصمه بالمكر، والآية تدل على عدم ذلك؟ فالجواب: من وجوه: أحدها: أن المكر في الآية هو المكر بالرسول ﷺ من العزم على القتل والإخراج، ولا يحيق إلا بهم؛ حيث قتلوا ببدر. وثانيها: أنه عام، وهو الأصح، فإنه ﷺ نهى عن المكر، وقال: "لا تمكروا, ولا تعينوا ماكرًا، فإنه تعالى يقول: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ فعلى هذا يكون ذلك الممكور به أهلًا، فلا يريد نقضًا. وثالثها: أن الأمور بعواقبها، ومن مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلًا في الظاهر، ففي الحقيقة هو الفائز، والماكر هو الهالك. انتهى. ثم هدّدهم بأن يحل بهم مثل ما أحلّ بمن قبلهم من العذاب فقال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ النظر هنا بمعنى الانتظار، والاستفهام فيه إنكاريّ؛ أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون، ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: إلا عادة الله سبحانه في الأولين؛ أي: في الأمم المتقدّمة بتعذيب مكذبيهم وماكريهم؛ بأن ينزل بهؤلاء العذاب، كما نزل بأولئك. والفاء في قوله: ﴿فَلَنْ﴾ لتعليل (٣) ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب من

стр. 10682

مجيئه، فجعل استقبالهم لذلك انتظارًا له منهم؛ أي: فهل ينتظر هؤلاء المشركون من قومك بعد تكذيبك إلا أن أنزل بهم من العذاب على شركهم بي وتكذيبهم رسولي، مثل ما أنزلت بمن قبلهم من أمثالهم الذين كذبوا رسلهم؛ لأنه لن ﴿تَجِدَ﴾ أيها المخاطب، أو يا محمد ﴿لِسُنَّتِ اللَّهِ﴾ سبحانه، وعادته في تعذيب الأمم المكذبة. ﴿تَبْدِيلًا﴾؛ أي: تغييرًا بأن يضع موضع العذاب الرحمة والعفو، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾؛ أي: نقلًا عن المستحق إلى غيره؛ بأن ينقله من المكذبين إلى غيرهم؛ أي: وهذه سنة الله في كل مكذب، فلا تغيّر ولا تبدّل، ولن يجعل الرحمة موضع العذاب، ولن يحوّل العذاب من نفس إلى أخرى، كما قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ونفي وجدان التبديل والتحويل عبارة عن نفي وجودهما بالطريق البرهاني، وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما. وفي "الفتوحات": إن قلت (١): التبديل: تغيير الشيء عمّا كان عليه مع بقاء مادّته، والتحويل: نقله من مكان إلى آخر، فكيف قال ذلك مع أنّ سنة الله لا تبدّل ولا تحوّل؟ قلتُ: أراد بالأول أنّ العذاب لا يبدّل بغيره، وبالثاني أنه لا يحوّل عن مستحقّه إلى غيره، وجمع بينهما هنا تتميمًا لتهديد المسيء؛ لقبح مكره في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ اهـ "كرخي". وفي الآية (٢) تنبيه على أنّ فروع الشرائع وإن اختلفت صورها، فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدّل، وهو تطهير النفس وترشيحها للوصول إلى ثواب الله تعالى وجواره، كما في "المفردات". ٤٤ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ للاستفهام الإنكاري، أو التقريري، وهو الظاهر من دخول همزة الاستفهام على حرف النفي، وعبارة "الصاوي" هنا: والاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، ونفي النفي: إثبات. والمعنى: بل ساروا في الأرض، ومرَّوا على ديار قوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وغيره، فنظروا آثار ديارهم. انتهى. وهي داخلة على محذوف يقتضيه

стр. 10683

السياق، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أقعد مشركوا مكة في مساكنهم، ولم يسيروا, ولم يذهبوا في نواحي الأرض إلى جانب الشام واليمن والعراق للتجارة. ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ ويعرفوا بمشاهدة آثار ديار الأمم الماضية العاتية، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ﴾ كانوا ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: على أي حالة كان أخذهم، فإنهم هلكوا، لما كذبوا الرسل، وآثار هلاكهم باقية في ديارهم ﴿وَكَانُوا﴾؛ أي: والحال أنّ الذين من قبلهم كعاد وثمود وسبأ كانوا ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، وأطول منهم أعمارًا، وأكثر منهم أموالًا، فما نفعهم طول المدى، وما أغنى عنهم شدة القوى، وكثرة الغنى، وتقدم الكلام على نظير هذه الجملة في سورة الروم، وهناك قال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ استئناف إخبار عما كانوا عليه، وهنا قال: وكانوا؛ أي: وقد كانوا، فالجملة حال، فهما مقصدان ذكره أبو حيان. وهذه الجملة مسوقة (١) لتقرير معنى ما قبلها، وتأكيده؛ أي: أقعدوا ولم يسيروا في الأرض، فينظروا ما أنزلنا بعاد وثمود ومدين وأمثالهم من العذاب لما كذبوا الرسل، فإن ذلك هو من سنة الله في المكذبين التي لا تبدل ولا تحول، وآثار عذابهم، وما أنزل الله بهم موجودةٌ في مساكنهم، ظاهرة في منازلهم، والحال وآثار أولئك قد كانوا أشد منهم قوة جسم، وأطول أعمارًا، وأكثر أموالًا، وأكبر أبدانًا. والخلاصة: أقعد هؤلاء المشركون بالله في مساكنهم، ولم يسيروا في الأرض التي أهلكتا فيها أهلها بكفرهم بنا، وتكذيبهم رسلنا أثناء رحلاتهم التي يسلكونها إلى طريق الشام في تجاراتهم، فينظروا على أي حالة كان أخذهم، ألم نهلكهم ونخرب مساكنهم، ونجعلهم مثلًا لمن بعدهم، فيتعظوا لهم، ويزدجروا عما هم عليه من الشرك بعبادتهم الآلهة من الأوثان والأصنام. ثم بين أنهم إذا صاروا على تمردهم وعنادهم .. فهم لا يفلتون من عقابه، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ تقرير لما يفهم مما قبله عن استئصال الأمم السابقة، واللام (٢) و ﴿من﴾ لتأكيد النفي المستفاد من ﴿ما﴾ والمعنى: استحال من كل الوجوه أن يعجز الله سبحانه شيء ويسبقه ويفوته ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا﴾ تأكيد آخر لـ ﴿ما﴾ النافية، ففي الكلام ثلاث تأكيدات ﴿في الأرض﴾؛ أي: ما كان ليسبقه

стр. 10684

ويفوته شيء من الأشياء كائنًا ما كان فيهما، ﴿إِنَّهُ﴾ سبحانه، ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾؛ أي: بليغ العلم بكل شيء في العالم مما وجد ويوجد ﴿قَدِيرًا﴾؛ أي: بليغ القدرة على كل ممكن، ولذلك علم بجميع أعمالهم السيئة، فعاقبهم بموجبها، فمن كان قادرًا على معاقبة من قبلهم كان قادرًا على معاقبتهم إذا كانت أعمالهم مثل أعمالهم، أي: إنه تعالى عليم بمن يستحق أن تعجل له العقوبة، ومن قد تاب وأناب إلى ربه، ورجع عن ضلالته، قدير على الانتقام ممن شاء منهم، وعلى توفيق من أراد بالإيمان. والإشارة في الآية أنه ما خاب له تعالى وليٌ، ولا ربح له عدوٌ فقد وسع لأوليائه فضلًا كثيرًا، ودمرَّ على أعدائه تدميرًا، وسبب الفضل والولاية هو التوحيد، كما أن سبب القهر والعداوة هو الشرك، وأن الله تعالى أمهل عباده، ولم يأخذهم بغتة، ليروا أن العفو والإحسان أحب إليه من الأخذ والانتقام، وليعلموا شفقته وبره وكرمه، وأن رحمته سبقت غضبه. ٤٥ - ولما كان المشركون يستعجلون بالوعيد استهزاء، فيقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ...﴾ بيَّن أنه لا يعاجلهم بالعقوبة على ما كسبوا لعلّهم يُنيبون أو ينيب بعضهم إلى ربه، ويؤوب إلى رشده فقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿النَّاسَ﴾ جميعًا، ويعاقبهم ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ من الذنوب، وعملوا من الخطايا، ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾؛ أي: على ظهر الأرض ووجهها، والكناية راجعة إلى الأرض، وإن لم يسبق لها ذكر؛ لكونها مفهومة من المقام، وقال أبو حيان: وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية في سورة النحل، وقال هناك: ﴿عَلَيْهَا﴾، وهنا قال: ﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾، والضمير عائد على الأرض، إلا أن هناك يدل عليه سياق الكلام، وهنا يمكن أن يعود على ملفوظ به، وهو قوبه: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، وقال هناك: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ وقال هنا: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ انتهى. وفي "الجمل" وهنا قال: ﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾ استعارة من ظهر الدابة دلالة على التمكن والتقلب عليها، والمقام هنا يناسب ذلك؛ لأنه حث على السير للنظر والاعتبار، والله أعلم بأسرار كتابه. فإن قيل: كيف يقال لما عليه الخلق وجه الأرض وظهر الأرض، مع أن الظهر مقابل الوجه، فهو من قبيل إطلاق الضدين على شيء واحد؟. قلتُ: صح ذلك باعتبارين: فإنه يقال لظاهرها: ظهر الأرض من حيث أن

стр. 10685

الأرض كالدابة الحاملة الأثقال، ويقال له: وجه الأرض؛ لكون الظاهر منها كالوجه للحيوان، وأن غيره كالبطن، وهو الباطن منها اهـ "زاده". ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾؛ أي: من نسمة تدب عليها كائنة ما كانت، سواء كانت من بني آدم؛ لأنهم المكلفون المجازون، ويعضده ما بعد الآية، أو من غيرهم أيضًا، فإن شؤم معاصي المكلفين يلحق الدواب في الصحارى، والطيور في الهواء بالقحط ونحوه، ولذا يقال من أذنب ذنبًا، فجميع الخلق - من الإنس والدواب والوحوش والطيور والذر - خصماؤه يوم القيامة، وقد أهلك الله في زمان نوح ﵇ جميع الحيوانات إلا ما كان منها في السفينة، وذلك بشؤم المشركين وسببهم، وقال بعض الأئمة: ليس معناه أن البهيمة تؤخذ بذنب ابن آدم، ولكنها خلقت لابن آدم، فلا معنى لإبقائها بعد إفناء من خلقت له. والمعنى: أي ولو يعاقب الله الناس ويكافئهم بما عملوا من الذنوب واجترحوا من الآثام .. ما ترك على ظهر الأرض نسمة تدب؛ لشؤم المعاصي التي يفتنون فيها: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾؛ أي: يؤخر عقابهم ومؤاخذتهم بما كسبوا ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى وقت معين معلوم عند الله تعالى، حدده لأخذهم، لا يقصرون دونه، ولا يتجاوزونه إذا بلغوه، فللعذاب أجل، والله لا يؤاخذ الناس بنفس الظلم، فإن الإنسان ظلوم جهول، وإنما يؤاخذ بالإصرار على المعاصي، وحصول يأس الناس عن إيمانهم، فإذا لم يبق فيهم من يؤمن يهلك الله المكذبين، ولو أخذهم بنفس الظلم .. لكان كل يوم إهلاك ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: وقت هلاكهم، وأخذهم، ومجازاتهم، وهو يوم القيامة، أو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن، أو يوم القتل والأسر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ يجازيهم بما عملوا من خير أو شر؛ لأن الله تعالى ﴿كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ لا يخفى عليه شيء من أمرهم، دقَّ أو جل، ظهر أو بطن. وجملة ﴿إِن﴾ تعليل للجواب المحذوف، كما قدرناه، وهو العامل في إذا، لا جاء، كما توهّمه الشوكاني؛ لأن القاعدة عندهم: أن إذا خافضة لشرطها منصوبة بجوابها. ثم إن البصير هو المدرك لكل موجود برؤيته، وخاصية هذا الاسم وجودز التوفيق عند ذكره، فمن قرأه قبل صلاة الجمعة مئة مرة فتح الله بصيرته، ووفقه لصالح القول والعمل، نسأل الله سبحانه أن يفتح بصيرتنا إلى جانب اللاهوت،

стр. 10686

ويأخذنا عن التعلق بعالم الناسوت، ويختمنا بالخير، ويجعلنا ممن أتاه بقلب سليم. الإعراب ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿الذين﴾ مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة له، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿الذين﴾، وجملة ﴿الذين﴾ معطوفة على قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ ﴿لَا﴾: نافية ﴿يُقْضَى﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يُقْضَى﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ثانٍ للموصول، أو حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ ﴿فَيَمُوتُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية ﴿يموتوا﴾: فعل مضارع، وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النفي، وعلامة نصبه حذف النون، والجملة مع أن المضمرة في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكون قضاء عليهم، فموتهم، ﴿وَلَا يُخَفَّفُ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لا﴾: نافية ﴿يُخَفَّفُ﴾ فعل مضارع مغيَّر الصيغة ﴿عَنْهُمْ﴾: جار ومجرور نائب فاعل لـ ﴿يُخَفَّفُ﴾ ﴿مِنْ عَذَابِهَا﴾: متعلق بـ ﴿يخفف﴾، ويجوز العكس، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿يُقْضَى﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف ﴿نَجْزِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله ﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾: مفعول به، والتقدير: نجزي كل كفور جزاء كائنًا كالجزاء المذكور، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾؛ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾، ﴿فِيهَا﴾؛ متعلق بـ ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ ﴿رَبَّنَا﴾؛ منادى مضاف، وجملة النداء مقول لقول محذوف وقع تفسيرًا لـ ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ تقديره؛ وهم يصطرخون فيها يقولون في صراخهم؛ ربنا إلخ، ﴿أَخْرِجْنَا﴾: فعل أمر، معناه الدعاء، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، و ﴿نا﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لذلك القول المحذوف على كونها

стр. 10687

جواب النداء، ﴿نَعْمَلْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بالطلب السابق، والجملة في محل النصب مقول القول على كونها جواب الطلب ﴿صَالِحًا﴾: صفة أولى لمصدر محذوف؛ أي: عملًا صالحًا، أو لمفعول به محذوف؛ أي: شيئًا صالحًا ﴿غَيْر﴾: صفة ثانية على كلا التقديرين، وصحَّ الوصف به مع كونه مضافًا إلى المعرفة لعدم تعرفه بالإضافة؛ لأنه من الأسماء المتوغلة في الإبهام ﴿غَيْر﴾ مضاف، ﴿الَّذِي﴾: مضاف إليه ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿نَعْمَلْ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: كنا نعمله. ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾. ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري لدخولها على حرف النفي داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم نمهلكم ولم نعمركم، بل أمهلناكم وعمرناكم، والجملة المحذوفة مقول لقول محذوف تقديره: فيقال لهم: ألم نمهلكم ولم نعمركم، والقول المحذوف معطوف على القول المحذوف عند قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ ﴿وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾: ﴿لم﴾: حرف جزم ﴿نُعَمِّرْكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، مجزوم بـ ﴿لم﴾، والجملة معطوفة على الجملة المحذوفة ﴿ما﴾: نكرة موصوفة بمعنى عمرًا أو زمنًا في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿نُعَمِّرْكُمْ﴾، أو ظرف متعلق به ﴿يَتَذَكَّرُ﴾: فعل مضارع ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل لـ ﴿يَتَذَكَّرُ﴾، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ صفة لـ ﴿ما﴾ ﴿تذكر﴾: فعل ماض وفاعل مستتر صلة لـ ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿وَجَاءَكُمُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿جاءكم﴾: فعل ومفعول. ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فعل ماضٍ ومفعول به وفاعل معطوف على قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾؛ لأن معناه إخبار لكون الاستفهام فيه تقريريًا؛ أي: قد أمهلناكم وعمرناكم وجاءكم النذير، فلا عذر لكم، ﴿فَذُوقُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم تعميرنا إياكم، ومجيء النذير لكم، وأردتم بيان ما هو المستحق لكم .. فأقول لكم: ذوقوا. ﴿ذوقوا﴾: فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والمفعول محذوف تقديره: فذوقوا نار جهنم، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مقول للقول

стр. 10688

المحذوف ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية ﴿ما﴾ نافية ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: خبر مقدم ﴿مِن﴾: زائدة ﴿نَصِيرٍ﴾: مبتدأ مؤخر، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ حجازية عند من يجوّز تقديم خبرها على اسمها، إذا كان ظرفًا، والجملة الاسمية في محل النصب مقول للقول المحذوف على كونها معلّلة للأمر بالذوق. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿عَالِمُ﴾ خبره ﴿غَيْبِ السَّمَاوَاتِ﴾: مضاف إليه ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿عَلِيمٌ﴾: خبره ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: متعلق به، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها من علمه غيب السموات والأرض. ﴿هُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر، ومفعولان، والجملة صلة الموصول ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَائِفَ﴾، أو صفة له ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم جعلنا إياكم خلائف في الأرض، وأردتم بيان عاقبتكم، فأقول لكم: ﴿من﴾: اسم شرط جازم، في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما ﴿كَفَرَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، فاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ الشرطية ﴿فَعَلَيْهِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا ﴿عليه﴾: خبر مقدم ﴿كُفْرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة ﴿وَلَا يَزِيدُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَا﴾: نافية ﴿يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعل ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿الْكَافِرِينَ﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿مَقْتًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿يَزِيدُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر ﴿خَسَارًا﴾: مفعول ثانٍ، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، وكررت للتوكيد، ولزيادة التقرير على رسوخ الكفر في نفوسهم، واقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين الهائلين، وهما: المقت والخسار.

стр. 10689

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ورأى هنا بصرية تتعدى لمفعول واحد بلا همز، ولاثنين بالهمز، كما هنا، وهي بمعنى: أخبروني ﴿شُرَكَاءَكُمُ﴾: مفعول أول لأرى، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾: صفة لـ ﴿شُرَكَاءَكُمُ﴾ ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: تدعونهم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿تَدْعُونَ﴾ ﴿أَرُونِي﴾: فعل أمر وفاعل ونون وقاية ومفعول أول، والجملة معترضة، وأعربها الزمخشري بدلًا من ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿خَلَقُوا﴾ خبره؛ أي: أي شيء خلقوه، أو ﴿ما﴾ اسم استفهام مبتدأ، ﴿ذا﴾ اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر لـ ﴿ما﴾، وجملة ﴿خَلَقُوا﴾ صلة لذا الموصولة؛ أي: ما الذي خلقوه، والاستفهام فيه إنكاري ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقُوا﴾، والجملة الاستفهامية في محل النصب مفعول ثانٍ؛ إما لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، وإما لـ ﴿أَرُونِي﴾، فالمسألة من باب التنازع، أو مفعول ثانٍ لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وجملة ﴿أَرُونِي﴾ اعتراضية ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾: ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري أضرب بها عن الاستفهام الإنكاري إلى استفهام آخر ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿شِرْكٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿شِرْكٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾: منقطعة أيضًا تفسر ببل، وهمزة الاستفهام ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿كِتَابًا﴾: مفعول ثانٍ، والجملة الإضرابية في محل النصب معطوفة على ما قبلها ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿هم﴾: مبتدأ ﴿عَلَى بَيِّنَتٍ﴾ خبره ﴿مِنْهُ﴾: صفة لـ ﴿بَيِّنَتٍ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ﴾: ﴿بَل﴾: حرف إضراب وابتداء ﴿إنْ﴾: نافية ﴿يَعِدُ الظَّالِمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿بَعْضُهُمْ﴾: بدل من ﴿الظَّالِمُونَ﴾ بدل بعض من كل ﴿بَعْضًا﴾: مفعول به لـ ﴿يَعِدُ﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿غُرُورًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿يَعِدُ﴾، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي: إلا بغرور، أو صفة لمصدر محذوف، أي: إلا وعدًا باطلًا.

стр. 10690

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ﴾: خبره، والجملة مستأنفة ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تَزُولَا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع ما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، أي: عن زوالها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُمْسِكُ﴾؛ لأنه بمعنى يمنع ويحفظ، أو منصوب على أنه بدل اشتمال من ﴿السماوات﴾ ﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة واللام موطئة للقسم ﴿أَنْ﴾: حرف شرط جازم ﴿زَالَتَا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها ﴿إِنْ﴾ نافية ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾: فعل ماض ومفعول به ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿أَحَدٍ﴾: فاعل ﴿أمسك﴾ ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: جار ومجرور حال من أحد، أو صفة له، وعلى هذا يكون المعنى أحد غيره تعالى، وجملة ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف دلّ عليه جواب القسم على حد قول ابن مالك: وَاحْذِفْ لدَى اجتماعِ شَرْطٍ وقَسَم ... جَوابَ ما أخّرْتَ فهُوْ مُلْتَزَم وجملة ﴿إن﴾ الشرطية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله ﴿حَلِيمًا﴾: خبر أول لها ﴿غَفُورًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾. ﴿وَأَقْسَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَقْسَمُوا﴾ ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: منصوب على المصدرية، أو على الحال؛ أي: جاهدين ﴿لَئِنْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿لَيَكُونُنَّ﴾:

стр. 10691

﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة للأولى ﴿يكونن﴾: فعل مضارع ناقص مرفوع لعدم اتصاله بنون التوكيد لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، و ﴿الواو﴾ المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع اسمها، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب، أصله: ليكونونن، كما سيأتي ﴿أَهْدَى﴾: خبر ﴿يكون﴾ ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَهْدَى﴾، وجملة ﴿يكون﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مقول لقول محذوف، تقديره: وأقسموا بالله جهد أيمانهم قائلين لئن جاءهم نذير، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف تقديره: إن جاءهم نذير يكونوا أهدى من إحدى الأمم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة بين القسم وجوابه ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿ما﴾: نافية ﴿زَادَهُمْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿نَذِيرٌ﴾ ومفعول به أول ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿نُفُورًا﴾: مفعول ثانٍ لزاد، والجملة الفعلية جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة قوله: وأقسموا. ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. ﴿اسْتِكْبَارًا﴾: مفعول لأجله؛ أي: لأجل الاستكبار، أو بدل من ﴿نُفُورًا﴾، أو حال من مفعول ﴿زَادَهُمْ﴾، أي: حال كونهم مستكبرين ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾: معطوف على ﴿اسْتِكْبَارًا﴾، أو على ﴿نُفُورًا﴾، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، والأصل: المكر السيء أو أن هناك موصوفًا محذوفًا؛ أي: مكر العمل السيء ﴿وَلَا يَحِيقُ﴾ ﴿الواو﴾: حالية ﴿لا﴾: نافية ﴿يَحِيقُ الْمَكْرُ﴾: فعل وفاعل ﴿السَّيِّئُ﴾ صفته ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿بِأَهْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَحِيقُ﴾، والجملة في محل النصب حال من مكر السيء أو مستأنفة. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. ﴿فَهَلْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت هؤلاء المشركين، وأردت بيان عاقبتهم .. فأقول لك: هل

стр. 10692

ينظرون ﴿هل﴾: حرف للاستفهام الإنكاري ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾: مفعول به، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله؛ أي: سنة الله في الأولين، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة ﴿فَلَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية ﴿لن﴾: حرف نصب ﴿تَجِدَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر منصوب بـ ﴿لن﴾، ﴿لِسُنَّتِ اللَّهِ﴾: مجرور باللام، وهو مصدر مضاف إلى فاعله؛ لأنه تعالى سنّها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَبْدِيلًا﴾ و ﴿تَبْدِيلًا﴾: مفعول ﴿تَجِدَ﴾؛ لأنه من وجد الضالة، بمعنى: أصاب، والجملة الفعلية في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية ﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾: فعل وناصب وفاعل مستتر ﴿لِسُنَّتِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَحْوِيلًا﴾، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾. ﴿أَوَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التقريري داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أقعدوا في منازلهم ولم يسيروا، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿يَسِيرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿يَنْظُرُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَسِيرُوا﴾ ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر كان مقدم للزومه الصدارة ﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿الَّذِينَ﴾: مضاف إليه ﴿قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب مفعول ﴿يَنْظُرُوا﴾ معلقة عنها باسم الاستفهام ﴿وَكَانُوا﴾: ﴿الواو﴾: حالية ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿أَشَدَّ﴾: خبره ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَشَدَّ﴾ ﴿قُوَّةً﴾: تمييز منصوب باسم التفضيل، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب حال من الذين ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿مَا﴾: نافية ﴿كَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾ ﴿اللام﴾: حرف نفي وجحود ﴿يعجز﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، و ﴿الهاء﴾ مفعول به ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿شَيْءٍ﴾: فاعل ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾ ﴿وَاَلأَرضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وجملة يعجز صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام

стр. 10693

تقديره: وما كان الله لإعجاز شيء إياه، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر كان، ولكن اللام بمعنى الباء، والتقدير: وما كان الله موصوفًا بإعجاز شيء في السموات والأرض إياه، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة مسوقة لتقرير ما يفهم مما قبله من استئصال الأمم السابقة ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص، واسمه ضمير يعود على الله ﴿عَلِيمًا﴾: خبر أول لها ﴿قَدِيرًا﴾: خبر ثانٍ، وجملة ﴿قَدِيرًا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾. ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُؤَاخِذُ﴾ ﴿كَسَبُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: بما كسبوه، ويحتمل كون ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: بكسبهم ﴿ما﴾ نافية ﴿تَرَكَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله ﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَرَكَ﴾ ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿دَابَّةٍ﴾: مفعول ﴿تَرَكَ﴾، وجملة ﴿تَرَكَ﴾ جواب ﴿لو﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لكن﴾: حرف استدراك ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾: متعلق بـ ﴿يؤخر﴾ ﴿مُسَمًّى﴾: صفة ﴿لِأَجَلٍ﴾، والجملة الاستدراكية معطوفة على جملة ﴿لو﴾ الشرطية ﴿فَإِذَا جَاءَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، وجوابه محذوف تقديره: فيجازيهم على أعمالهم، والفاء رابطة الجواب، وجملة إذا معطوفة على الجملة الاستدراكية ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص، واسمه ضمير يعود على الله ﴿بِعِبَادِهِ﴾: متعلق بـ ﴿بَصِيرًا﴾ ﴿بَصِيرًا﴾: خبر كان، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الجواب المحذوف.

стр. 10694

التصريف ومفردات اللغة ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾: أي: يصيحون أشد الصياح للاستغاثة، أصله: يصترخون بوزن يفتعلون من الاصطراخ، والاسطراخ: افتعال من الصراخ، وهو الصياح بجهد وشدة، دخلت الطاء فيه للمبالغة كدخولها في الاصطبار والاصطفاء والاصطناع والاصطياد جريًا على القاعدة المشهورة عند الصرفيين: أن الفعل المبدوء بأحد أحرف الإطباق، وهي: الصاد والضاد والطاء والظاء، إذا صيغ منه على وزن افتعل، وما يتصرف منه .. أبدلت تاء الافتعال طاء مثال ذلك: الأفعال: صلح ضرب طرد ظلم، إذا بنينا منها صيغة افتعل .. قلنا على القياس: اصتلح اضترب اطترد اظتلم، ولتخفيف اللفظ أبدلت التاء طاء، والمجانسة بينهما ظاهرة، فنقلت إلى اصطلح اضطرب اطرد اظطلم، ويجوز في نحو: اظطلم وجهان آخران: اظّلَم اطلَّم. ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ والتعمير: إطالة العمر، والعمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، كما سبق. ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ هو المعتقدات والظنون التي في النفوس. ﴿خَلَائِفَ﴾ جمع خليفة، وهو الذي يقوم بما كان قائمًا به سلفه، وأما خلفاء فجمع خليف، وكلاهما بمعنى المستخلف بصيغة اسم المفعول. ﴿مَقْتًا﴾؛ أي: بغضًاواحتقارًا، قال الراغب: المقت: البغض الشديد لمن يراه متعاطيًا لقبيح اهـ. ﴿خَسَارًا﴾؛ أي: خسارة، فالعمر كرأس المال إذا اشترى به صاحبه رضا الله تعالى ربح، وإذا اشترى سخطه خسر. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: يحفظهما بقدرته، فإن الإمساك ضد الإرسال، وهو التعلق بالشيء وحفظه ﴿أَنْ تَزُولَا﴾؛ أي: تضطربا وتنتقلا من أماكنهما، والزوال: الذهاب، وهو يقال في كل شيء قد كان ثابتًا قبل، أي: كراهة زوالهما عن أماكنهما، فإن الممكن حال بقائه لا بد له من حافظ. ﴿حَلِيمًا﴾ والحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، كما في "المفردات".

стр. 10695

﴿وَأَقْسَمُوا﴾ أقسم: حلف، أصله: من القسامة، وهي أيمان تقسم على أولياء المقتول، ثم صار اسمًا لكل حلف، كما في "المفردات". ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: غاية اجتهادهم فيها، قال الفراء: للجهد بالفتح من قولك اجهد جهدك؛ أي: ابلغ غايتك، والجهد بالضم الطاقة، وعند غير الفراء كلاهما بمعنى الطاقة اهـ "زاده". وإنما كان القسم بالله غاية أيمانهم؛ لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وأصنامهم، فإذا اشتد عليهم الحال، وأرادوا تحقيق الحق .. حلفوا بالله. ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ بضم النون الأولى مضارع، اتصل به واو الجماعة، ولم تباشره نون التوكيد، أصله: ليكونونن بثلاث نونات، أولاها نون الرفع، حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، وواو الجماعة لالتقاء الساكنين، وهو معرب مرفوع بثبوت النون لعدم مباشرته بنون التوكيد لوجود الفاصل، وهو واو الجماعة. ﴿نُفُورًا﴾؛ أي: تباعدًا عن الحق والهدى. ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾، الاستكبار: التكبر، كالاستعظام بمعنى التعظم. ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ قال الراغب: المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة، كما مر عنه ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ قال في "القاموس": حاق به يحيق حيقًا وحيوقًا وحيقانًا: أحاط به، كأحاق وحاق بهم العذاب: أحاط ونزل، كما في "المختار"، والحيق: ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله، أي: ولا يصيب ولا ينزل. ﴿يَنْظُرُونَ﴾ النظر هنا بمعنى الانتظار ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ والسنة: الطريقة، وسنة النبي: طريقته التي كان يتحراها، وسنة الله: طريقة حكمته. ﴿تَبْدِيلًا﴾ بوضع الرحمة موضع العذاب. ﴿تَحْوِيلًا﴾ بأن ينقل عذابه من المكذبين إلى غيرهم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع. فمنها: التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾. ومنها: المبالغة في نحو ﴿كَفُورٍ﴾ و ﴿شكور﴾ ونحو: ﴿حَلِيمًا﴾ ﴿عَلِيمًا﴾ ﴿قَدِيرًا﴾؛ فإنها من صيغ المبالغة.

стр. 10696

ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾؛ لأن همزة الإنكار إذا دخلت على حرف النفي أفادت التقرير, لأنه في معنى: عمرناكم، نظيره قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؛ لأنه في معنى: قد شرحنا صدرك، ولا تغتر بما ذكره أكثر المفسرين هنا من أن الاستفهام إنكاري؛ لأنه غير صواب، والله أعلم. ومنها: التهكُّم في قوله: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ مثل قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: خطرات القلوب، ففيه إسناد ما للحال إلى المحل؛ لأن الصدور محل القلوب، فالإضافة فيه لأدنى ملابسة. ومنها: التكرير في قوله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ لزيادة التشنيع والتقبيح على من كفر بالله تعالى، وللتنبيه على أن اقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين الهائلين القبيحين بطريق الاستقلال والأصالة. ومنها: التنكير للتعظيم في كل من الأمرين؛ أي: مقتًا عظيمًا ليس وراءه خزي وصغار، وخسارًا عظيمًا ليس وراءه شرٌّ وتبار. ومنها: الاستفهام الإنكاري للتوبيخ في قوله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾، وكذلك قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ومنها: الكناية في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ لأنه كناية عن حفظهما؛ لأن الإمساك في الأصل: التعلق بالشيء، فكنى به عن الحفظ. ومنها: ائتلاف اللفظ مع المعنى في قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، وهو أن تكون ألفاظ المعنى المراد يلائم بعضها بعضًا، ليس فيها لفظة نافرة عن أخواتها غير لائقة بمكانها؛ لأنه كانت هنا جميع الألفاظ المجاورة للقسم كلها من المستعمل المتداول فيه. ومنها: إرسال المثل في قوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قال كعب الأحبار لابن عباس في التوراة: من حفر حفرة لأخيه وقع فيه، فقال له ابن عباس: إنا وجدنا هذا في كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

стр. 10697

ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾؛ لأن إسناد الزيادة للنذير مجاز مرسل؛ لأنه سبب في ذلك كقوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ اهـ "سمين". ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأن همزة الإنكار دخلت على حرف النفي، فأفادت التقرير؛ لأن نفي النفي إثبات، كما مر، فصار المعنى: قد ساروا ونظروا. ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأن اللام في ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾، و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ لتأكيد النفي المستفاد من ﴿ما﴾، وكذا ﴿لا﴾ في قوله: ﴿وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ تأكيد آخر لـ ﴿ما﴾ النافية، ففي الكلام ثلاث تأكيدات. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ فقد شبه الأرض بالدابة التي يركب الإنسان عليها، ويحمل عليها أنواع الأثقال، ثم حذف المشبه به وهو الدابة، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الظهر على طريقة الاستعارة المكنية. والله أعلم * * *

стр. 10698

مجمل ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من حكم وأحكام وجملة ما تضمنته هذه السورة: ١ - الأدلة على قدرة الله سبحانه بإبداعه للكون، وأنه المنعم المتفضل. ٢ - تذكير الناس بالنعم ليشكروها. ٣ - تثبيت فؤاد رسول الله ﷺ بذكر قصص المكذبين الأنبياء والمرسلين. ٤ - نداء الناس عامة بأن يتحلو بالفضائل، ويتخلوا عن الرذائل، ولا يتبعوا خطوات الشيطان، وينظروا فيما أبدع الرحمن من الآيات في الأرض والسموات. ٥ - ضرب الأمثال لما سلف من القسمين، وإيضاح الطائفتين المؤمنة والكافرة. ٦ - تقسيم المؤمنين إلى علماء محققين وصالحين متقين، ثم تقسيمهم من حيث العمل أقسامًا ثلاثة. ٧ - وصف عاقبة الكافرين والمؤمنين، وما يلقاه كل منهما يوم القيامة (١). والله أعلم * * *

стр. 10699

سورة يس سورة يس سورة مكية، قال القرطبي: بالإجماع إلا أن فرقة قالت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ نزلت في بني سلمة من الأنصار، حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله ﷺ ، وليس زعمًا صحيحًا، وسيأتي بيان ذلك، وقيل: إلا قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ...﴾ الآية. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس قال: سورة يس نزلت بمكة، وأخرج ابن مردويه عن عائشة مثله. تسميتها: وسميت هذه السورة سورة يس؛ لأن الله سبحانه افتتح السورة الكريمة بها، وفي الافتتاح بها إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، وتسمى أيضًا القلب والدافعة والقاضية والمعمِّمة. وآيها: ثلاث وثمانون آية، وكلماتها: سبع مئة وتسع وعشرون كلمة، وحروفها: ثلاثة آلاف حرف. الناسخ والمنسوخ فيها: وقال ابن حزم: سورة يس كلها محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. مناسبتها لما قبلها: ١ - أنه لما ذكر في السورة السالفة قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾، وقد أعرضوا عنه وكذبوه .. افتتح هذه السورة بالقسم بصحة رسالته، وأنه على صراط مستقيم؛ لينذر قومًا ما أنذر آباؤهم. ٢ - أنه قال فيما قبلها: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وقال في هذه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، وقال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، وورد في فضلها أحاديث كثيرة:

стр. 10700

فمنها: ما روي عن معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرؤا يس على موتاكم". ومنها: ما ذكر الآجري من حديث أم الدرداء عن النبي ﷺ قال: "ما من ميت يقرأ عليه يس إلا هوّن الله عليه". ومنها: ما في مسند الدارمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر الله له في تلك الليلة". أخرجه أبو نعيم الحافظ. ومنها: ما روى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بها قراءة القرآن عشر مرات". ومنها: ما روي عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "إن في القرآن لسورة تشفع لقارئها، وتغفر لمستمعها، ألا وهي سورة يس تدعى في التوراة: المعممة"، قيل: يا رسول الله، وما المعممة؟ قال: "تعم صاحبها بخير الدنيا، وتدفع عنه أهوال الآخرة، وتدعى أيضًا: الدافعة والقاضية"، قيل: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: تدفع عن صاحبها كل سوء، وتقضي له كل حاجة". ومنها (١): ما روى الدارمي عن شهر بن حوشب قال: قال ابن عباس: من قرأ يس حين أصبح يعطى يسر يومه حتى يمسي، ومن قرأها في صدر ليلة أعطي يسر ليلته حتى يصبح. ومنها: ما روى الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الجنة يرفع عنهم القرآن، فلا يقرؤون شيئًا سوى طه ويس"، وعن أبي جعفر قال: من وجد في قلبه قسوة فليكتب يس في جام؛ أي: إناء بزعفران، ثم يشربه. ومنها: ما روى الثعلبي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من دخل مقبرة، فقرأ سورة يس .. خفف العذاب عن أهلها ذلك اليوم، وكان له بعدد من فيها حسنات" وقال يحيى بن أبي كثير: إن من قرأ سورة يس ليلًا لم يزل في فرح حتى يصبح، ومن قرأها حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي، وقد حدثني بهذا

стр. 10701

من جربها، ذكره الثعلبي وابن عطية، وقال ابن عطية: ويصدق ذلك التجربة، اهـ "قرطبي". وفي "البيضاوي": عن ابن عباس (١): أنه ﷺ قال: "إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس، من قرأها يريد بها وجه الله غفر له، وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن عشر مرات، وأيما مسلم قرىء عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس .. نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفًا، يصلون عليه، ويستغفرون له، ويشهدون غسله، ويتبعون جنازته، ويصلون عليه، ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ سورة يس وهو في سكرات الموت .. لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة، فيشربها وهو على فراشه، فيقبض روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان. اهـ. ومنها: "يس لما قرئت له". قلت: وورد في فضلها أحاديث كثيرة ذكرت أكثرها هنا، وأغلبها أحاديث فيها مقال، وفيها موضوعات، وإنما ذكرتها استئناسًا بها في فضل هذه السورة الكريمة. والله أعلم * * *

стр. 10702

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾. المناسبة قد سبق لك بيان وجه المناسبة بين آخر السورة السابقة وأول هذه السورة. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن هؤلاء المشركين قد ختم الله على قلوبهم فهم لا يؤمنون .. أردف ذلك بذكر مَثَلٍ لقوم حالهم كحالهم في الغلو في الكفر والإصرار على التكذيب والاستكبار على الرسل، وصم الآذان عن سماع الوعظ

стр. 10703

والإرشاد، وهم أهل قرية أنطاكية ببلاد الشام، فقد كان قصصهم مع رسل الله، كقصص قومك معك في العناد والاستكبار والعتو والطغيان (١). أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات (٢): ما أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يقرأ في السجدة، فيجهر بالقراءة حتى تأذى به ناس من قريش، حتى قاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا بهم عمي لا يبصرون، فجاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد، فدعا حتى ذهب عنهم فنزلت: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: فلم يؤمن من ذلك النفر أحد. قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلى قوله: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا لأفعلن ولأفعلن، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلى قوله: ﴿يُبْصِرُونَ﴾ فكانوا يقولون: هذا محمد، فيقول: أين هو أين هو أين هو؟ ولا يبصر. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري: قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى ...﴾ الآية، فقال النبي ﷺ : "إن آثاركم تكتب، فلا تنتقلوا" وأخرج الطبراني عن ابن عباس مثله، قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا الحديث غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، قلت: فلا وجه لقوله؛ لأنه إذا ثبت أن هذه الآية نزلت بمكة، فلا مانع من نزولها مرتين، وإن لم يثبت نزولها بمكة، فقد تكون السورة مكية إلا آية، كما هو معروف، والله أعلم.

стр. 10704

التفسير وأوجه القراءة ١ - قوله ﴿يس (١)﴾ قرأ الجمهور (١): بسكون النون مظهرة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص وقالون وورش: بإدغام النون في الواو الذي بعدها، وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق بفتح النون، وقال الزجاج: النصب على أنه مفعول لفعل مقدر، كأنه قال: اتل يس، وهذا على مذهب سيبويه، أنه اسم للسورة، أو على البناء، وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق أيضًا والسمال ونصر بن عاصم: بكسرها على البناء أيضًا كجير، وقرأ الكلبي وهارون الأعور ومحمد بن السميقع: بضم النون على البناء كمنذ وحيث وقط، وقيل: على أنها خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه يس، ومنعت من الصرف للعلمية والتأنيث، وقال الكلبي: هي بلغة طيء، يا إنسان، وقيل: الحركة لالتقاء الساكنين، الفتح لطلب الخفة كأين وكيف، والضم كحيث، والكسر على أصل التقاء الساكنين كأمسِ. وإذا قيل إنه قسم .. فيجوز أن يكون معربًا بالنصب على ما قاله أبو حاتم، والرفع على الابتداء نحو: أمانة الله لأقومن، والجر على إضمار حرف الجر، وهو جائز عند الكوفيين، وعبارة (٢) ابن الجوزي هنا: وقرأ الحسن وأبو الجوزاء: ﴿يس (١)﴾ بفتح الياء وكسر النون، وقرأ أبو المتوكل الناجي وأبو رجاء وابن أبي عبلة بفتح الياء والنون جميعًا، وقرأ أبو حصين الأسدي بكسر الياء وإظهار النون. قال الزجاج: والذي عند أهل العربية أن هذا بمنزلة افتتاح السور، وبعض العرب يسن، والقرآن بفتح النون، وهذا جائز في العربية لوجهين: أحدهما: أن يس اسم للسورة، فكأنه قال: اتل يس، وهو على وزن هابيل وقابيل لا ينصرف. والثاني: فتح لالتقاء الساكنين، والتسكين أجود؛ لأنه حرف هجاء. انتهى. وقال صاحب "الروح": ﴿يس (١)﴾ إما مسرود (٣) على نمط التعديد، فلا حظ له من الإعراب أو اسم للسورة، وعليه الأكثر، فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ

стр. 10705

محذوف؛ أي: هذه يس، أو النصب على أنه مفعول لفعل محذوف؛ أي: اقرأ يس، ويؤيِّد كونه اسم السورة قوله ﷺ : "إن الله تعالى قرأ طه ويس قبل أن خلق آدم بألفي عام، فإذا سمعت الملائكة قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا". قال الشوكاني (١): واختلف في معنى هذه اللفظة، فقيل: معناها يا رجل، أو يا إنسان، قال ابن الأنباري: الوقف على يس حسن لمن قال هو افتتاح للسورة، ومن قال معناه: يا رجل، أو يا إنسان .. لم يقف عليه، وقال سعيد بن جبير وغيره: هو اسم من أسماء محمد ﷺ دليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ قال السيد الحموي: يَا نَفْسُ لا تَمْحَضِيْ بِالْوِدِّ جَاهِدَةً ... عَلَى الْمَوَدَّةِ إلَّا آلَ يَاسِيْنَا ومنه قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ أي: على آل محمد، وسيأتي في الصافات ما المراد بآل ياسين، قال الواحدي: قال ابن عباس والمفسرون: يريد يا إنسان؛ يعني: محمدًا ﷺ ، وقال أبو بكر الوراق: معناه: يا سيد البشر، وقال مالك: هو اسم من أسماء الله تعالى، روى ذلك عنه أشهب، وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق: أن معناه: يا سيد، وقال كعب: هو قسم أقسم الله به، وقالت فرقة (٢): ﴿يا﴾ حرف نداء، والسين مقامة مقام إنسان، انتزع منه حرف فأقيم مقامه، ورجح الزجاج: أن معناه يا محمد، وقال البقلي: أقسم بيد القدرة الأزلية وسناء الربوبية. واختلفوا هل هو عربي، أو غير عربي؟: فقال سعيد بن جبير وعكرمة: حبشي، وقال الكلبي: سرياني، تكلَّمت به العرب .. فصار من لغتهم، وقال الشعبي: هو بلغة طيء، وقال الحسن: هو بلغة كلب، وذهب قوم (٣) إلى أن الله تعالى لم يجعل لأحد سبيلًا إلى إدراك معاني الحروف المقطعة في أوائل السور، وقالوا: إن الله تعالى منفرد بعلمها، ونحن نؤمن بأنها من جملة القرآن العظيم،

стр. 10706

ونكل علمها إليه تعالى ونقرأها تعبدًا وامتثالًا لأمر الله تعالى، وتعظيمًا لكلامه، وإن لم نفهم منها ما نفهمه من سائر الآيات، وهذا القول هو الأصح الأسلم الذي عليه أكثر السلف. ٢ - ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ بالجر على أنه مقسم به ابتداء، والواو فيه واو القسم؛ أي: أقسم بالقرآن الحكيم، وقيل: الواو للعطف على يس إن جعل يس مقسمًا به؛ أي: أقسم بيس، وبالقرآن الحكيم، قال النقاش: لم يقسم الله سبحانه لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا لمحمد ﷺ تعظيمًا له وتمجيدًا، فقال في "إنسان العيون". من خصائصه ﵇ أن الله تعالى أقسم على رسالته بقوله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ . اهـ. ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ أي: الحاكم، كالعليم بمعنى العالم، فإنه يحكم بما فيه من الأحكام، فهو فعيل بمعنى: فاعل، أو المحكم المصفى من التناقض والعيب ومن التغير بوجه ما، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وهو الذي أحكم نظمه وأسلوبه، وأتقن معناه وفحواه، فهو فعيل بمعنى مفعل، كما تقول: عقدت العسل، فهو عقيد؛ أي: معقد، أو (١) ذي الحكمة؛ أي: المتضمن لها والمشتمل عليها، فإنه منبع كل حكمة، ومعدن كل عظة، فيكون بمعنى النسب مثل تأمر بمعنى ذي تمر، أو هو من قبيل وصف الكلام بصفة المتكلم به؛ أي: الحكيم قائله. ٣ - ﴿إِنَّكَ﴾ يا أكمل الرسل، ويا أفضل الكل، وهو خطاب المواجهة بعد شرف القسم به، وهو مع قوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ جواب للقسم، والجملة لرد إنكار الكفرة بقولهم في حقه ﷺ لست مرسلًا، وما أرسل الله إلينا رسولًا. قال في "بحر العلوم": هو من الإيمان الحسنة البديعة لتناسب بين المرسل به والمرسل إليه اللذين: أحدهما: المقسم به المنزل، والآخر المقسم عليه، المنزل إليه. انتهى. وهذه الشهادة منه تعالى من جملة ما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.

стр. 10707

٤ - ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ متعلق بـ ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، والمعنى: أي: إنك يا محمد لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة، وهي التوحيد والاستقامة في الأمور كلها، قال ابن الجوزي: وأحسن (١) ما قيل في العربية أن يكون ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ خبر ﴿إن﴾، ويكون قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ خبرًا ثانيًا لها، فيكون المعنى: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم. اهـ. ويجوز أن يكون على صراط مستقيم حالًا من الضمير المستكن في خبر ﴿إِنّ﴾، والمعنى: أي: أقسم بالقرآن المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنك أيها الرسول لمن المرسلين الذين هم على دين قويم، وشرع مستقيم موصل إلى الجنة والرضى. فإن قلت (٢): أيُّ حاجة إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾، ومن المعلوم أن الرسل لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟ قلتُ: فائدته وصف الشرع بالاستقامة صريحًا، وإن دل عليه لمن المرسلين التزامًا، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت استقامته، وقد نكره ليدل له على أنه أرسل من بين الصراط على صراط مستقيم لا يوازيه صراط، ولا يكتنه وصفه في الاستقامة، فالتنكير للتفخيم، كما سيأتي. ٥ - ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر وأبو جعفر وشيبة والحسن والأعرج والأعمش: برفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا القرآن هو تنزيل العزيز في ملكه، الرحيم بخلقه؛ أي: منزل منه ، عبر عن المنزل بالمصدر مبالغةً حتى كأنه نفس التنزيل، ويجوز أن يكون خبرًا لقوله: يس إن جعل اسمًا للسورة؛ أي: سورة يس منزل من العزيز الرحيم، لا مختلق من عند محمد ﷺ ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وطلحة والأشهب وعيسى بخلاف عنهما: بالنصب؛ إما على المصدرية؛ أي: نزَّل الله ذلك تنزيلًا من العزيز الرحيم، أو على المدح؛ أي: أمدح تنزيل العزيز الرحيم؛ أي: أمدح كتابًا منزلًا من العزيز الرحيم، وقرأ (٣) أبو حيوة وأبي بن كعب وأبو رزين وأبو العالية

стр. 10708

والجحدري وأبو جعفر يزيد بن القعقاع: بالجر على أنه نعت للقرآن؛ لأنه بمعنى المنزل، أو بدل منه، وعبر عنه بالمصدر، كما تقول العرب: هذا الدرهم ضرب الأمير؛ أي: مضروبه لكمال عراقته في كونه منزلًا من عند الله تعالى، فكأنه نفس التنزيل كما مر آنفًا. والعزيز (١): هو الغالب على جميع المقدورات، المتكبِّر الغني عن طاعة المطيعين، المنتقم ممن خالفه، ولم يصدق القرآن، وخاصية هذا الاسم وجود الغنى والعز صورة أو حقيقة أو معنى، فمن ذكره أربعين يومًا في كل يوم أربعين مرة .. أعانه الله تعالى وأعزه، فلم يحوجه إلى أحدٍ من خلقه، والرحيم: هو المتفضل على عباده المؤمنين بإنزال القرآن ليوقظهم من نوم الغفلة، ونعاس النسيان، وخاصية هذا الاسم رقة القلب والرحمة للمخلوقين، فمن دوامه كل يوم مئة مرة .. كان له ذلك، ومن خاف الوقوع في مكروه .. ذكره وقرينه وهو اسم الرحمن. ٦ - قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ متعلق بـ ﴿تَنْزِيلَ﴾؛ أي: نزل عليك القرآن لتنذر، أو بفعل مقدر يدل عليه من المرسلين؛ أي: أرسلناك لتنذر؛ أي: لتخوف بالقرآن، ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ ﴿مَا﴾: نافية، والجملة صفة مبينة لغاية احتياجهم إلى الإنذار، والمعنى: لتنذر قومًا غير منذر آباؤهم الأقربون؛ لتطاول مدة الفترة، ولم يكونوا من أهل الكتاب، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يعني: العرب، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة على أن تكون الجملة مفعولًا ثانيًا ﴿لِتُنْذِرَ﴾ بحذف العائد، والمعنى: لتنذر قومًا العذاب الذي أنذره آباؤهم، أو لتنذر قومًا عذابًا أنذره آباؤهم الأبعدون في زمن إسماعيل ﵇، وإنما وصف الآباء في التفسير الأول بالأقربين، وفي الثاني بالأبعدين؛ لئلا يلزم أن يكونوا منذرين وغير منذرين، فآباؤهم الأقدمون آتاهم النذير لا محالة، بخلاف آبائهم الأدنين، وهم قريش، فيكون ذلك بمعنى قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾، ويجوز ان تكون ﴿مَا﴾ مصدرية، فتكون نعتًا لمصدر مؤكد؛ أي: لتنذر قومًا إنذارًا كائنًا مثل إنذار آبائهم الأقدمين من العذاب، ﴿فَهُمْ﴾؛

стр. 10709

أي (١): القوم وآباؤهم الأقربون، ﴿غَافِلُونَ﴾ عن أمر الآخرة، جاحدون لها، إن قلنا: إن ﴿مَا﴾ نافية، أو فهؤلاء القوم غافلون عما أنذر به آباؤهم الأقدمون لامتداد المدرة إن قلنا إن ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة. وعبارة "الشوكاني" قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (٢) متعلق بنفي الإنذار على الوجه الأول؛ أي: لم ينذر آباؤهم فهم بسبب ذلك غافلون، وعلى الأوجه الأخيرة متعلق بقوله ﴿لِتُنْذِرَ﴾؛ أي: فهم غافلون عما أنذرنا به آباءهم، وقد ذهب أكثر أهل التفسير إلى أن المعنى على النفي، وهو الظاهر من النظم لترتيب فهم غافلون على ما قبله. وعبارة "الروح": قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ متعلّق (٣) بنفي الإنذار مترتب عليه، والضمير للفريقين: القوم والآباء؛ أي: لم ينذر آباؤهم فهم جميعًا لأجله غافلون عن الإيمان والرشد، وحجج التوحيد وأدلة البعث، والفاء داخلة على الحكم المسبَّب عما قبله، فالنفي المتقدِّم سبب له؛ يعني: أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم، ويجوز أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ ردًا لتعليل إنذاره، فالضمير للقوم خاصة؛ أي: فهم غافلون عما أنذر به آباؤهم الأقدمون؛ لامتداد المدة، فالفاء داخلة على سبب الحكم المتقدم. والمعنى (٤): أي إنا أرسلناك لتنذر العرب الذين لم يأتهم نذير من قبلك، فهم في غفلة عن معرفة الشرائع التي فيها سعادة البشر، وإصلاح المجتمع، وذكرهم وحدهم هنا؛ لأن الخطاب كان معهم، وهذا لا يمنع أنه مرسل إلى الناس كافة، كما قال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ٧ - واللام في قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾؛ أي: موطئة للقسم؛ أي: لقد حقت كلمة العذاب العاجل ووجبت ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾؛ أي: على أكثر أهل مكة، كأبي جهل وأصحابه، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: في علم الله تعالى، وقتلوا يوم بدر على الكفر؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد وجب وثبت قضاؤنا بالعذاب على أكثر أهل مكة، أو أكثر الكفار

стр. 10710

على الإطلاق، أو أكثر كفار العرب، أو أكثر القوم الذين تنذرهم، وهم أهل مكة، وهم من مات على الكفر وأصر عليه أول حياته، فيتفرع قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ على ما قبله؛ أي: لا يؤمنون بإنذارك إياهم، والفاء داخلة على الحكم المسبب عما قبله؛ أي: لأن الله تعالى قد علم منهم الإصرار على ما هم فيه من الكفر والموت عليه، وذهب الجمهور (١): إلى أن المراد بهذا القول قوله تعالى لإبليس عند قوله: لأغوينهم أجمعين: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾، وهو المعنيُّ بقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وهذا القول لما تعلق بمن تبع إبليس من الجن والإنس، وكان أكثر أهل مكة ممن علم الله منهم الإصرار على اتباعه، واختيار الكفر إلى أن يموتوا .. كانوا ممن وجب وثبت عليهم مضمون هذا القول، لكن لا بطريق الجبر من غير أن يكون من قبلهم ما يقتضيه، بل بسبب إصرارهم الاختياري على الكفر والإنكار، وعدم تأثرهم من التذكير والإنذار، ولما كان مناط ثبوت القول وتحققه عليهم إصرارهم على الكفر إلى الموت .. كان قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ متفرعًا في الحقيقة على ذلك، لا على ثبوت القول، وفُهِم من قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ أن أهل السعادة أقل، إنما كان أهل السعادة أقل؛ لأن المقصود من الإيجاد ظهور الخليفة من العباد، وهو يحصل بواحدٍ مع أن الواحد على الحق، هو السواد الأعظم في الحقيقة. فمن آمن فقد أعلى الدين، ومن أعلاه فقد تعرض لعلوه وعزه عند الله تعالى، ومن كفر .. فقد أراد إطفاء نور الله، والله متم نوره، ولما قال المشركون يوم أحد: أعل هبل، أعل هبل .. أذلهم الله وهبلهم، وهو صنم كان يعبد في الجاهلية، وهو الحجر الذي يطأه الناس في العتبة السفلى من باب بني شيبة، وهو الآن مكبوب على وجهه، وبلط الملوك فوقه البلاط، فإن كنت تفهم مثل هذه الأسرار، وإلا فاسكت، والله تعالى حكيم يضع الأمور كلها في مواضعها، فكل ما ظهر في العالم فهو حكمة وضعه في محله، لكن لا بد من الإنكار لما أنكره الشارع فإياك والغلط. ومعنى الآية (٢): وعزتي وجلالي لقد وجب العقاب على أكثرهم؛ لأنه سبحانه سجل عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون به ولا يصدقون برسوله، لما علم من

стр. 10711

خبث نفوسهم، وسوء استعدادهم، فلا تعمر قلوبهم بالإيمان، ولا تخبت لله في أيِّ زمان، ٨ - ثم ضرب لهم مثلًا، فقال: ﴿إِنَّا﴾ بمقتضى قهرنا وجلالنا ﴿جَعَلْنَا﴾؛ أي: خلقنا، أو صيرنا، ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾؛ أي: في أعناق أكثر أهل مكة، جمع: عنق، ﴿أَغْلَالًا﴾ ثقالًا عظيمة، جمع: غل، وهو ما يشد به اليد إلى العنق للتعذيب والتشديد، سواء كان من الحديد أو غيره، وقال القهستاني: الغل: الطوق من حديد، الجامع لليد إلى العنق، المانع من تحرك الرأس. اهـ. والفاء (١) في قوله: ﴿فَهِيَ﴾ للنتيجة، أو التعقيب؛ أي: فالأغلال منتهية، ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن، وهو مجتمع اللحيين؛ أي: فالأغلال لعظمها وضخامتها منتهية إلى أذقانهم، بحيث لا يتمكَّن المغلول معها من تحرك الرأس والالتفات، ووجه وصول الغل إلى الذقن، هو إما كونه غلظيًا عريضًا يملأ ما بين الصدر والذقن، فلا جرم يصل إلى الذقن، ويرفع الرأس إلى فوق، وإما كون طوق الغل الذي يجمع اليدين إلى العنق، بحيث يكون في ملتقى طرفين تحت الذقن حلقة يدخل فيها رأس العمود الواصل بين ذلك الطوق وبين قيد اليد خارجًا عن الحلقة إلى الذقن، فلا يخلِّيه يحرِّك رأسه. ﴿فَهُمْ﴾؛ أي: أكثر أهل مكة بسبب ذلك ﴿مُقْمَحُونَ﴾؛ أي: رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم، فإن الإقماح رفع الرأس إلى فوق مع غض البصر، يقال: أقمح البعير رأسه، وقمح قموحًا عند رفع رأسه عند الحوض بعد الشرب؛ إما لارتوائه، أو لبرودة الماء، أو لكراهة طعمه، قال بعضهم: لفظ الآية - وإن كان ماضيًا - لكنه إشارة إلى ما يفعل بهم في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآية، ولهذا قال الفقهاء: كره جعل الغل في عنق عبده؛ لأنه عقوبة أهل النار، قال الفقيه: إن في زماننا جرت العادة بذلك إذا خيف من الإباق، بخلاف التقييد، فإنه غير مكروه؛ لأنه سنة المسلمين في المتمردين. هذا والجمهور (٢) على أن الآية تمثيل لحال الأكثر في تصميمهم على الكفر، وعدم امتناعهم منه، وعدم التفاتهم إلى الحق، وعدم انعطاف أعناقهم، نحوه: بحال الذين غلت أعناقهم، فوصلت الأغلال إلى أذقانهم، وبقوا رافعين رؤوسهم، غاضين أبصارهم، فهم أيضًا لا يلتفتون إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا

стр. 10712

يطأطئون رؤوسهم له، ولا يكادون يرون الحق، أو ينظرون إلى جهته. قال أبو حيان: والظاهر (١) أن قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ هو حقيقة لا استعارة، لما أخبر تعالى أنهم لا يؤمنون .. أخبر عن شيء من أحوالهم في الآخرة إذا دخلوا النار. انتهى. وقرأ ابن عباس (٢): ﴿إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا﴾ قال الزجاج: أي: في أيديهم، قال النحاس: وهذه القراءة تفسير، ولا يقرأ بما خالف المصحف، قال: وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة، التقدير: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالًا، فهي إلى الأذقان، فلفظ ﴿هي﴾ كناية عن الأيدي، لا عن الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا، ونظيره: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾؛ أي: والبرد؛ لأن الغل إذا كان في العنق .. فلا بد أن يكون في اليد، ولا سيما وقد قال الله تعالى: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾، فقد علم أنه يراد به الأيدي، وروي عن ابن عباس ﵄: أنه قرأ: ﴿إنا جعلنا في أيديهم أغلالا﴾، وعن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا﴾، كما روي سابقًا عن قراءة ابن عباس. ومعنى الآية: أي إنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا، فهي واصلة إلى الأذقان ملصقة بها، فهم من جراء ذلك مقمحون؛ أي: مرفوعو الرؤوس؛ إذ أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود خارجًا من الحلقة إلى الذقن، فلا يمكنه من أن يطأطىء رأسه، فلا يزال مقمحًا. والمراد: منعناهم بموانع عن الإيمان تشبه ما ذكر، فهم غاضوا أبصارهم، لا يلتفتون إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطؤون رؤوسهم له، ٩ - ثم أكد ما سبق، وزاده بيانًا وتفصيلًا، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا﴾ لهم مع ما ذكر سابقًا؛ أي: خلقنا لهم من كمال غضبنا عليهم وصيرنا، ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: من قدامهم ﴿سَدًّا﴾ عظيمًا؛ أي: حاجزًا يحجزهم عن الإبصار، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: من ورائهم ﴿سَدًّا﴾ عظيمًا. وقرأ عبد الله وعكرمة والنخعي وابن وثاب وطلحة وحمزة والكسائي وابن كثير وحفص (٣): ﴿سَدًّا﴾ بفتح السين في الموضعين، وقرأ الجمهور: بالضم، وكلاهما

стр. 10713

لغتان بمعنى، أي منعناهم عن الإيمان بموانع، فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان, كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد، ومن هذا المعنى في الآية قول الشاعر: وَمِنَ الْحَوَادِثِ لَا أَبَالَكَ أَنَّنِيْ ... ضُرِبَتْ عَلَى الأَرْضُ بِالأَسْدَادِ لَا أَهْتَدِيْ فِيْهَا لِمَوْضِعِ تَلْعَةٍ ... بَيْنَ الْعُذِيْبِ وَبَيْنَ أَرْضِ مُرَادِ ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: غطينا أبصارهم، وجعلنا عليها غشاوة، فالكلام على حذف مضاف، ﴿فَهُمْ﴾ بسبب ذلك، ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾؛ أي: لا يقدرون على إبصار شيء، والفاء (١) داخلة على الحكم المسبب عما قبله؛ لأن من أحاطه السد من جميع جوانبه لا يبصر شيئًا؛ إذ الظاهر أن المراد ليس جهتي القدام والخلف فقط، بل يعم جميع الجهات، إلا أن جهة المقدام لما كانت أشرف الجهات وأظهرها، وجهة الخلف كانت ضدها .. خُصت بالذكر. قال الفراء (٢): فألبسنا أبصارهم غشاوة؛ أي: عمي فهم لا يبصرون سبيل الهدى، وكذا قال قتادة: إنَّ المعنى: لا يبصرون الهدى، وقال السدي: لا يبصرون محمدًا ﷺ حين ائتمروا على قتله، وقال الضحاك وجعلنا من بين أيديهم سدًا؛ أي: في الدنيا، ومن خلفهم؛ أي: في الآخرة، فأغشيناهم فهم لا يبصرون؛ أي: عموا عن البعث، وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا، وقيل: ما بين أيديهم: الآخرة، وما خلفهم: الدنيا. وقرأ الجمهور: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ بالغين المعجمة؛ أي: غطينا أبصارهم، فهو على حذف مضاف، كما مر، وقرأ ابن عباس وعمر بن عبد العزيز وابن يعمر وعكرمة والنخعي وابن سيرين والحسن وأبو رجاء وزيد بن علي ويزيد البربري ويزيد بن المهلب وأبو حنيفة وابن مقسم: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ بالعين المهملة، من العشاء، وهو ضعف البصر؛ أي: جعلنا عليها غشاوة، ومنه ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾. والآية إما تتمّة للتمثيل وتكميل له؛ أي: تكميل؛ أي: وجعلنا مع ما ذكر من

стр. 10714

أمامهم سدًا عظيمًا، ومن ورائهم سدًا كذلك، فغطينا بهما أبصارهم، فهم بسبب ذلك لا يقدرون على إبصار شيء ما أصلًا، وإما تمثيل مستقل، فإن ما ذكر من جعلهم حصورين بين سدين هائلين قد غطّينا بهما أبصارهم بحيث لا يبصرون شيئًا قطعًا كافٍ في الكشف عن فظاعة حالهم، وكونهم محبوسين في مطمورة الغيّ والجهالات، محرومين من النظر في الأدلّة والآيات. قال الإِمام (١): المانع من النظر في الآيات والدلائل قسمان: قسم يمنع من النظر في الآيات التي في أنفسهم، فشبّه ذلك بالغسل الذي يجعل صاحبه مقمحًا لا يرى نفسه، ولا يقع بصره على بدنه، وقسم يمنع من النظر في آيات الآفاق، فشبّه بالسد المحيط، فإن المحاط بالسد لا يقع نظره على الآفاق، فلا تتبيّن له الآيات التي في الآفاق، كما أن المقمح لا تتبيّن له الآيات التي في الأنفس، فمن ابتلى بهما حرم من النظر بالكلية؛ لأن الدلائل والآيات مع كثرتها منحصرة فيهما، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ مع قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾. إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله تعالى في الأنفس والآفاق. وقيل (٢): نزلت هذه الآيات في أبي جهل بن هشام، وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدًا يصلي .. ليرضخن رأسه بحجر، فلما رآه يصلي ذهب إليه فرفع حجرًا ليرميه، فلما أوما إليه .. رجفت يداه إلى عنقه، والتصق الحجر بيده إلى عنقه، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى، قال الوليد بن المغيرة: أنا أرضخ رأسه، فأتاه وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر، فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه، قال: واللهِ ما رأيته، ولقد سمعت صوته، فقال الرجل الثالث: واللهِ لأشدخنَّ رأسه، ثم أخد الحجر وانطلق، فرجع القهقرى ينكص على عقبيه، حتى خرّ على قفاه مغشيًّا عليه، فقيل له: ما شأنك؟ قال: شأني عظيم، رأيت الرجل، فلما دنوت منه .. فإذا فحل يخطر بذنبه ما رأيت قط فحلًا أعظم منه حال بيني وبينه، فواللاتِ والعزى لو دنوت منه .. لأكلني، فأنزل الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ

стр. 10715

مُقْمَحُونَ (٨)﴾؛ أي: إنا جمعنا أيمانهم إلى الأذقان حين أرادوا أن يرجموا النبي ﷺ بالحجارة، وهو في الصلاة، فها هم مغلولون من كل خير محرومون. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ الخ؛ أي: وجعلنا من أمامهم سترًا حيث أرادوا أن يرجموا النبي ﷺ بالحجارة، وهو في الصلاة، فلم يبصروا النبي ﷺ ، ومن خلفهم سدًّا، حتى لا يبصروا أصحابه، فغطَّينا أبصارهم فهم لا يبصرون النبي ﷺ ، فيؤذوه، ومعنى الآية: أي (١): إنه زيّن لهم سوء أعمالهم، وأعجبوا بأنفسهم، واستكبروا عن اتباع الرسول، وشمخوا بأنوفهم، ولم يخضعوا لما جاءهم به، وصدوا أبواب النظر عما ينفعهم، ولم يقبلوا شيئًا سوى ما هم عليه، فما مثلهم إلا مثل من أحاط به سدان من الأمام والخلف، فحجباه عن النظر، فهو لا يبصر شيئًا. والخلاصة: أنهم محبوسون في سجن الجهالة، ممنوعون عن النظر في دلائل الأنفس ودلائل الكون، محرومون عن التأمل فيما حل بمن قبلهم من الأمم الخالية، والتفكر في العواقب المستقبلة، ١٠ - ثم ذكر فذلكة لما تقدم فقال: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أكثر أهل مكة ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: مستو (٢) عند أكثر أهل مكة إنذارك إياهم وعدمه؛ لأن قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وإن كانت جملة فعلية استفهامية، لكنه في معنى مصدر مضاف إلى الفاعل، فصح الإخبار عنه، فقد هجر فيه جانب اللفظ، ونظر إلى المعنى، ومنه: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وهمزة الاستفهام وأم لتقرير معنى الاستواء والتأكيد، فإن معنى الاستفهام منسلخ منهما رأسًا بتجريدهما عنه لمجرد الاستواء، كما جرِّد حرف النداء عن الطلب لمجرد التخصيص في قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. فكما أن هذا جرى على صورة النداء، وليس بنداء، كذلك: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ جرى على صورة الاستفهام، وليس باستفهام. وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لا يؤمن أكثر أهل مكة، استئناف مؤكد لما قبله مبيِّن لما فيه من إجمال ما فيه الاستوار. والمعنى (٣): أي وسواء على هؤلاء الذين حق عليهم القول إنذارك إياهم وتركه، فإنه قد طبع الله على قلوبهم فهم لا يؤمنون؛ إذ قد خبثت نفوسهم، وساء
следующие страницы →