← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.

стр. 10641

والنفساء بالقرآن؛ لأنه لا يعد قارئًا، وكذا لا يكره لهم التعليم للصبيان وغيرهم حرفًا حرفًا، وكلمةً كلمةً مع القطع بين كل كلمتين، وقيل: معنى ﴿يَتْلُونَ﴾ يتّبعون كتاب الله، من قولهم: تلاه إذا اتبعه؛ لأن التلاوة بلا عمل لا نفع فيها، وقد ورد: "رب قارىء للقرآن والقرآن يلعنه". ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة؛ أي: أدّوها بآدابها وشرائطها وأركانها في أوقاتها، وغاير بين الجملتين بالاستقبال والمضي؛ لأن أوقات التلاوة أعم بخلاف أوقات الصلاة، وكذا أوقات الزكاة المدلول عليها بقوله: ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ في وجوه البر ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ وأعطيناهم ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ وهي ضد السر؛ أي: إنفاق سر وعلانية، أو ذوي سرّ وعلانية بمعنى مسرّين ومعلنين؛ أي: أنفقوا كيفما أمكن لهم من غير قصد إليهما، فيه حثّ على الإنفاق كيفما تهيّأ، فإن تهيأ سرًا فهو أفضل، وإلا فعلانية، ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراءٍ هو عين الرياء، ويمكن أن يراد بالسر صدقة النفل، بالعلانية صدقة الفرض، وفيه أيضًا حث على الإنفاق في جميع الأوقات. وجملة ﴿يَرْجُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾؛ أي: يقصدون ويطلبون، ﴿تِجَارَةً﴾؛ أي: مثوبة ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ صفة لتجارة؛ أي: لن تبطل ولن تخسر ولن تهلك؛ أي: يأملون من ربهم، ويطلبون منه بأعمالهم المذكورة مثوبة مدّخرة لا تبطل ولا تحبط .. قال في "الإرشاد": وأتى بقوله: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ للدلالة على أنها ليست كسائر التجارات الدائرة بين الربح والخسران؛ لأنه اشتراء باقٍ بفانٍ، والإخبار برجائهم من أكرم الأكرمين عدة قطعية بحصول رجائهم، ٣٠ - وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَرْجُونَ﴾ (١)، أو بـ ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ على معنى أنه ينتفي عنها الكساد، وتنفق عند الله ليوفيهم بحسب أعمالهم وخلوص نياتهم ﴿أُجُورَهُمْ﴾؛ أي: أجور أعمالهم من التلاوة والإقامة والإنفاق، فلا وقف على لن تبور أي لن تكسد لأجل أن يعطيهم أجور أعمالهم الصالحة وافية كاملة، أو متعلق بمحذوف دل عليه السياق؛ أي: فعلوا ذلك ليوفيهم أجور أعمالهم، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: من جوده وكرمه وخزائن رحمته ما يشاء مما لم يخطر ببالهم عند العمل، ولم يستحقوا له، بل هو كرم محض، ومن

стр. 10642

فضله يوم القيامة نصبهم في مقام الشفاعة ليشفعوا فيمن وجبت لهم النار من الأقرباء وغيرهم. وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ تعليل (١) لما قبله من التوفية والزيادة؛ أي: غفور لفرطاتهم وفي "بحر العلوم": ستَّار لكل ما صدر منهم مما من شأنه أن يستر، محاء له عن قلوبهم، وعن ديوان الحفظة. ﴿شَكُورٌ﴾ لطاعاتهم؛ أي: مجازيهمِ عليها وومثيب لهم، وقيل (٢): إن هذه الجملة هي خبر إن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ مع تقدير رابط؛ أي: غفور لهم، وتكون جملة ﴿يَرْجُونَ﴾ في محل نصب على الحال من فاعل ﴿أَنْفَقُوا﴾، والأول أولى. وفي "التأويلات النجمية": غفور يغفر تقصيرهم في العبودية، شكور يشكر يسعيهم مع التقصير بفضل الربوبية. وحاصل معنى الآية: أن الذين يتبعون كتاب الله تعالى، ويعملون بما فرض فيه من فرائض، فيؤدون الصلاة المفروضة لمواقيتها على ما رسمه الدين بإخلاص وخشية من ربهم، ويتصدقون مما أعطاهم من الأموال سرًا وعلانية بلا بسط ولا إسراف، هؤلاء قد عاملوا ربهم راجين ربح تجارتهم بنيلهم عظيم ثوابه كفاء ما قدّموا من عمل مع الإخبات والإنابة إليه، ويبتغون فضلًا منه ورحمة فوق ذلك، وغفرانًا لما فرط من زلّاتهم، وما اجترحوا من سيئاتهم، فالله هو الغفور لما فرط من المطيعين من الزلات، الشكور لطاعاتهم، فمجازيهم عليها الجزاء الأوفى، ونحو الآية قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال أبو الليث: الشكر على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: الشكر ممن دونه يكون بالطاعة وترك مخالفته. والوجه الثاني: الشكر ممن هو شكله يكون بالجزاء والمكافأة. والوجه الثالث: الشكر ممن فوقه يكون رضي منه باليسير، كما قال بعضهم الشكور: هو المجازي بالخير الكثير على العمل اليسير، والمعطي بالعمل في أيام

стр. 10643

معدودة نعمًا في الآخرة غير مجذوذة، ومن عرف أنه الشكور شكر نعمته، وآثر طاعته، وطلب رحمته، وشهد منته. قال الغزالي: وأحسن وجوه الشكر لنعم الله أن لا يستعملها في معاصيه، بل في طاعته. ٣١ - ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهو القرآن، فـ ﴿مِنَ﴾ للتبيين، أو هو اللوح المحفوظ، فـ ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وجملة قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الصدق لا كذب فيه، ولا شكّ خبر الموصول حال كونه ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: موافقًا لما قبله من الكتب السماوية المنزّلة على الأنبياء في العقائد وأصول الأحكام، وهو حال مؤكدة؛ أي: أحقه مصدقًا؛ لأنَّ حقيّته لا تنفكّ عن هذا التصديق ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿بِعِبَادِهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿لَخَبِيرٌ﴾؛ أي: محيط ببواطن أمورهم ﴿بَصِيرٌ﴾؛ أي: عالم بظواهرها، وقدّم الجار والمجرور لرعاية الفاصلة التي على حرف الراء، فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوّة .. لم يوح إليك مثل هذا الحق المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب، يعرف صدقها منه، وتقديم الخبير للتنبيه على أن العمدة في ذلك العلم والإحاطة هي الأمور الروحانية. المعنى (١): أي إن القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد هو الحق من ربك، وعليك وعلى أمتك أن نعمل به، وتتّبع ما فيه دون غيره من الكتب التي أوحيت إلى غيرك، وهو مصدق لما مضى بين يديه مما أنزل إلى الرسل من قبله، فصار إمامًا لها، إن الله سبحانه خبير بأحوال عباده بصير بما يصلح لهم، فيشرّع لهم من الأحكام ما يناسب أحوال الناس في كل زمان ومكان، ويرسل من الرسل من هو حقيق بتبليغ ذلك للناس ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. ٣٢ - ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب والتأخير؛ أي: بعدما أوحينا إليك، أو بعد كتب الأولين، كما دلّ ما قبله على كل منهما، وسئل سفيان الثوري على ماذا عطف بقوله: ﴿ثُمَّ﴾؟ قال: على إرادة الأزل، والأمر المقضي؛ أي: بعدما أردنا في الأزل. ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾؛ أي: ملكنا بعظمتنا ملكًا تامًا، وأعطينا هذا القرآن عطاءً لا رجوع فيه. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ المفعول الأول لـ ﴿أَوْرَثْنَا﴾ الموصول، والمفعول الثاني ﴿الْكِتَابَ﴾، وإنما قدّم المفعول الثاني لقصد التشريف والتعظيم للكتاب.

стр. 10644

والمعنى (١): ثم أورثنا الذين اصطفيناهم واختارناهم من عبادنا هذا الكتاب الذي هو القرآن؛ أي: قضينا وقدّرنا في سابق علمنا بأن نورّث العلماء من أمتك يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك، ومعنى اصطفائهم: اختيارهم واستخلاصهم، ولا شكّ أنّ علماء هذه الأمة من الصحابة، فمن بعدهم قد شرفهم الله تعالى على سائر العباد، وجعلهم أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس، وأكرمهم بكونهم أمة خير الأنبياء، سيّد ولد آدم، قال مقاتل: يعني قرآن محمد جعلناه ينتهي إلى الذين اصطفينا من عبادنا، وقيل: إن المعنى: أورثناه من الأمم السالفة؛ أي: أخرناه عنهم، وأعطيناه الذين اصطفينا، والأول أولى. وهذه الأمة اصطفاهم الله تعالى على سائر الأمم، كما اصطفى رسولهم على جميع الرسل، وكتابهم على كل الكتب، وهذا الإيراث للمجموع لا يقتضي الاختصاص بمن يحفظ جميع القرآن، بل يشمل من يحفظ منه جزءًا، ولو أنه الفاتحة، فإن الصحابة رضوان لله عليهم أجمعين لم يكن واحد منهم يحفظ جميع القرآن، ونحن على القطع بأنهم مصطفون. ولما كانت الوراثة بالسبب والنسب، وكان السبب جنسًا واحدًا، كالزوجية، وهما صاحبا الفرض، وكان النسب من جنسين: الأصول كالآباء والأمهات، والفروع كل ما يتولّد من الأصول كالأولاد والأخوة والأخوات وأولادهم والأعمام وأولادهم، وهم صاحب فرض وعصبية، فصار مجموع الورثة ثلاثة أصناف: صنف صاحب الفرض بالسبب، وصنف صاحب الفرض بالنسب، وصنف صاحب الباقي وهم العصبة، كذلك الورثة هاهنا ثلاثة أقسام، كما قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ أي: فمن الذين اصطفينا من عبادنا ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بما عمل من الصغائر؛ لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء، ولا يمنع صاحبه من دخول الجنة مع الذين يدخلون الجنة، يحلون فيها من أساور من ذهب إلى آخر ما سيأتي، ووجه كونه ظالمًا لنفسه أنه نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعات .. لكان لنفسه فيها من الثواب حظًا عظيمًا، وهذا القول هو الراجح، وقد روي هذا القول عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعائشة،

стр. 10645

وقيل: الظالم لنفسه هو صاحب الكبائر، وقيل: هو المقصّر في العمل بالكتاب. واعلم (١): أن الظلم ثلاثة أقسام: ظلم بين الإنسان وبين الله، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، وظلم بينه وبين الناس، وظلم بينه وبين نفسه، وهو المراد بما في هذه الآية كما في "المفردات". وتقديم الظالم في الذكر لا يدل على تقديمه في الدرجة لقوله تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، كما في "الأسئلة المقحمة"، وقال بعضهم: قدم الظالم لكثرة الفاسقين، ولأن الظلم بمعنى الجهل، والركوب إلى الهوى مقتضى الجبلة، والاقتصاد والسبق عارضان، وقال أبو الليث: الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق كي لا يعجب السابق بنفسه، ولا ييأس الظالم من رحمة الله. وقال القشيري: في الإرث يبدأ بصاحب الفرض، وإن قلّ نصيبه، فكذا هاهنا بدأ بالظالم، ونصيبه أقل من نصيب الآخرين، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾؛ أي: متوسط في العمل بالكتاب في أغلب الأوقات، ولا يخلو من خلط شيء أو متوسط في أمر الدين، بحيث لا يميل إلى جانب الإفراط، ولا إلى جانب التفريط، وهذا من أهل الجنة ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ﴾؛ أي: متقدم إلى ثواب الله وجنته ورحمته ﴿بِالْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: بالأعمال الصالحة، بضم التعليم والإرشاد إلى العلم والعمل ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بإرادته وتوفيقه، جعله في "كشف الأسرار" متعلقًا بالأصناف الثلاثة على معنى ظلم الظالم، وقصد المقتصد، وسبق السابق بعلم الله تعالى، والظاهر تعلقه بالسابق، كما ذهب إليه أجلاء المفسرين على معنى بتيسيره وتوفيقه وتمكينه من فعل الخير، لا باستقلاله، وفيه تنبيه على عزة منال هذه الرتبة وصعوبة مأخذها قال القشيري: كأنه قال: يا ظالم ارفع رأسك، فإنك وإن ظلمت فما ظلمت إلا نفسك، ويا سابق اخفض فإنك وإن سبقت فما سبقت إلا بتوفيقي. وقرأ الجمهور (٢): ﴿سَابِقٌ﴾ على صيغة اسم الفاعل، وقرأ أبو عمران الحوفي وعمر بن أبي شجاع ويعقوب في رواية والقراءة عن أبي عمرو: ﴿سبَّاق﴾ على صيغة المبالغة، وقيل: المراد بالطوائف الثلاث: التالي للقرآن تلاوة مجرّدة، والقارىء له العامل به، والقارىء العامل بما فيه والمعلم له، وقال الحسن:

стр. 10646

الظالم: الذي رجحت سيئاته على حسناته، والمقتصد: الذي استوت حسناته وسيئاته، والسابق: من رجحت حسناته على سيئاته، وقيل: من ظاهره خير من باطنه، ومن استوى ظاهره وباطنه، ومن باطنه خير من ظاهره، أو من أسلم بعد فتح مكة، ومن أسلم بعد الهجرة قبل الفتح، ومن أسلم قبل الهجرة. والمعنى (١): أي أوحينا إليك القرآن، ثمّ أورثناه من اصطفينا من عبادنا، وهم هذه الأمة التي هي خير الأمم بشهادة الكتاب: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وجعلناهم أقسامًا ثلاثة: ظالم لنفسه مفرِّط في فعل بعض الواجبات، مرتكب لبعض المحرمات، مقتصد مؤدِّ للواجبات، تارك للمحرمات، تقع منه تارة بعض الهفوات، وحينًا يترك بعض المستحسنات، سابقٌ بالخيرات بإذن الله، يقوم بأداء الواجبات والمستحبات، ويترك المحرمات والمكروهات وبعض المباحات. والخلاصة: أن الأمة في العمل أقسام ثلاثة: مقصّر في العمل بالكتاب، مسرف على نفسه، ومتردّد بين العمل به ومخالفته، ومتقدم إلى ثواب الله تعالى بعمل الخيرات وصالح الأعمال بتيسير الله وتوفيقه. ﴿ذَلِكَ﴾ السبق بالخيرات ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ الذي لا يقادر قدره، والمن العظيم من الله الكبير، لا ينال إلا بتوفيقه، أو (٢) ذلك الإيراث والاصطفاء، فيكون بالنظر إلى جميع المؤمنين من الأمة، وكونه فضلًا؛ لأن القرآن أفضل الكتب الإلهية، وهذه الأمة المرحومة أفضل جميع الأمم السابقة، وفي "التأويلات النجمية": ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الذي ذكر من الظالم مع السابق في الإيراث والاصطفاء ودخول الجنة، ومن دقائق حكمته أنه تعالى ما قال في هذه المعرض الفضل العظيم؛ لأن الفضل العظيم في حق الظالم أن يجمعه مع السابق في الفضل والمقام، كما جمعه معه في الذكر انتهى. ٣٣ - وبعد أن ذكر سبحانه أحوال السابقين .. بيَّن جزاءهم ومآلهم بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أي: بساتين استقرار وثبات وإقامة بلا رحيل؛ لأنه لا سبب للرحيل عنها، وهو إما بدل من الفضل الكبير؛ لأنه لما كان هو السبب في نيل الثواب .. نزل منزلة المسبب، وعلى هذا فتكون جملة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ مستأنفة أو مبتدأ خبره قوله: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾؛ أي: هؤلاء الثلاثة أصناف يدخلون جنات عدن، ومن دخلها لم يخرج

стр. 10647

منها، وهذا هو الأولى بالترجيح، أو الضمير للسابق فقط، وجمعه لأن المراد بالسابق الجنس، وعلى هذا فتخصيص حال السابقين ومآلهم بالذكر، والسكوت عن الفريقين الآخرين وإن لم يدل على حرمانهما من دخول الجنة مطلقًا لكن فيه تحذير لهما من التقصير، وتحريض على السعي في إدراك شؤون السابقين. والأول هو الأصح، وعليه عامة أهل العلم، كما في "كشف الأسرار" قال أبو الليث: في تفسير أول الآية وآخرها دليل على أن الأصناف الثلاثة كلهم مؤمنون يدخلون الجنة، فأما أول الآية فقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ فأخبر أنه أعطى الكتاب لهؤلاء الثلاث، وأما آخر الآية فقوله: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾؛ إذ لم يقل: يدخلانها. وفي "التأويلات النجمية": لما ذكرهم أصنافًا ثلاثة رتّبها, ولما ذكر حديث الجنة والتنعّم والتزيّن فيها .. ذكرهم على الجمع، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ الآية، نبَّه على أنّ دخولهم الجنة لا باستحقاق بل بفضله، وليس في الفضل تميّز فيما يتعلق بالنعمة دون ما يتعلق بالمنعم. وقرأ الجمهور: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ مبنيًا للفاعل، وقرأ أبو عمرو: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ مبنيًا للمفعول، وقرأ زر بن حبيش والزهري ﴿جنة﴾ على الإفراد، والجمهور: ﴿جَنَّاتُ﴾ بالجمع. ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثان، أو حال مقدرة؛ أي: يلبسون على سبيل التزيُّن والتحلي نساءً ورجالًا ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿مِن﴾ الأولى تبعيضية، والثانية بيانية، أي: يحلون بعض أساور كائنة من ذهب؛ لأنه أفضل من سائر أفرادها، والأساور جمع أسورة جمع سوار، كما سيأتي. ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ بالنصب معطوف على محل من أساور، واللؤلؤ: الدر؛ أي: ويحلون لؤلؤًا. وقرأ الجمهور: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ بضم الياء وفتح الحاء وشدّ اللام مبنيًا للمفعول، وقرىء بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف اللام من حليت المرأة، فهي حال إذا لبست الحلىّ، وقرأ عاصم ونافع: ﴿لؤلؤا﴾ بالنصب عطفًا على محل ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾، والباقون: بالجر عطفًا على ﴿ذَهَبٍ﴾. وقال في "بحر العلوم": معطوف على ﴿ذَهَبٍ﴾ فإنهم يسوّرون بالجنسين: أساور من ذهب، ومن لؤلؤ، وذلك على الله يسير، وكم من أمر من أمور الآخرة

стр. 10648

يخالف أمور الدنيا، وهذا منها. ﴿وَلِبَاسُهُمْ﴾؛ أي: ما يلبسون ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنات ﴿حَرِيرٌ﴾ لا كحرير الدنيا، فإنه لا يوجد من معناه في الدنيا إلا الاسم. والمعنى: أي: بساتين إقامة يدخلها هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب، واصطفيناهم من عبادنا يوم القيامة، ويحلون فيها أسورة من ذهب ولآلىء، ويكون لباسهم فيها حريرًا. ٣٤ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: ويقولون عند دخولهم الجنة حمدًا لربهم على ما صنع بهم، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي: الإحاطة بأوصاف الكمال لمن له تمام القدرة، ﴿الَّذِي أَذْهَبَ﴾؛ أي: أزال ﴿عَنَّا﴾ بدخولنا الجنة، ﴿الْحَزَنَ﴾؛ أي: جنس الحزن والغم والهمّ، سواء كان حزن الدنيا، أو حزن الآخرة من همّ المعاش وحزن زوال النعم والجوع والعطش وخوف السلطان ودغدغة التحاسد والتباغض وحزن الأعراض والآفات ووسوسة إبليس والسيئات وردّ الطاعات وسوء العاقبة والموت وأهوال يوم القيامة والنار والمرور على الصراط، وغير ذلك. وقرأ الجمهور: ﴿الْحَزَنَ﴾ بفتحتين، وقرأ جناح بن حُبيش: بضم الحاء وسكون الزاي: أي: ويقولون حينئذ: الحمد لله الذي أذهب عنا الخوف من كل ما نحذر، وأراحنا مما كنا نتخوّف من هموم الدنيا والآخرة، ثم ذكر السبب في ذهاب الحزن عنهم فقال: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ لذنوب المذنبين ﴿شَكُورٌ﴾ للمطيعين. روي عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور". رواه البغوي بسنده. والخلاصة: أنه أذهب عنهم الحزن من خوف العاقبة، ومن أجل المعاش والوساوس، ولما ذكر سرورهم وكرامتهم بتحليتهم بالحلي، وإدخالهم الجنات .. ذكر سرورهم ببقائهم فيها، وأعلمهم بدوامها فقال: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾؛ أي: أنزلنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ والدوام التي يقام فيها أبدًا، ولا ينتقل عنها، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ ورحمته وإحسانه من غير أن يوجبه شيء من جهتنا. والمعنى (١): ﴿إِنَّ رَبَّنَا﴾ المحسن إلينا

стр. 10649

مع إساءتنا ﴿لَغَفُورٌ﴾ للمذنبين، فيبالغ في ستر ذنوبهم الخارج عن الحصر ﴿شَكُورٌ﴾ للمطيعين، فيبالغ في إثابتهم، فإن الشكر من الله: الإثابة والجزاء الوفاق. وفي "التأويلات النجمية": غفور للظالم لنفسه، شكور للمقتصد والسابق، وإنما قدم ما للظالم رفقًا بهم لضعف أحوالهم. انتهى. ٣٥ - ثمّ وصفوا الله بوصف آخر هو شكر له فقالوا: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ وأنزلنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ مفعول ثان لـ ﴿أحلّ﴾، وليست بظرف؛ لأنها محدودة مختصة، والمقامة مصدر ميمي بمعنى الإقامة؛ أي: دار الإقامة التي لا انتقال عنها أبدًا، فلا يريد النازل بها ارتحالًا منها, ولا يراد به ذلك ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: من إنعامه وتفضله من غير أن يوجبه شيء من قبلنا من الأعمال، فإن الحسنات فضل منه أيضًا، فلا واجب عليه. وذلك أن دخول الجنة بالفضل والرحمة، واقتسام الدرجات بالأعمال والحسنات هذا مخلوق تحت رق مخلوق مثله لا يستحق على سيده عوضًا لخدمته، فكيف الظن بمن له الملك على الإطلاق، أيستحق من يعبده عوضًا على عبادته تعالى الله سبحانه عما تقول المعتزلة من الإيجاب. ﴿لَا يَمَسُّنَا﴾؛ أي: حالة كوننا لا يصيبنا ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في دار الإقامة في وقت من الأوقات ﴿نَصَبٌ﴾؛ أي: تعب بدن ولا وجع، كما في الدنيا. ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾؛ أي: قال وفتور وضعف ناشىءٍ من تعب؛ إذ لا تكليف فيها ولا كد، وإذا أرادوا أن يروه سبحانه لا يحتاجون إلى قطع مسافة وانتظار وقت، بل هم في غرفهم يلقون فيها تحية وسلامًا، وإذا رأوه لا يحتاجون إلى تحديق مقلة في جهة يرونه، كما هم بلا كيفية. والتصريح بنفي الثاني مع استلزام نفي الأول له، وتكرير الفعل للمبالغة في بيان انتفاء كل منهما. وقرأ الجمهور (١): ﴿لُغُوبٌ﴾ بضم اللام، وعلي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن السلمي: بفتحها. والمعنى: أي إنَّ ربنا لغفور شكور؛ لأنه أنزلنا الجنة التي لا تحول عنها ولا

стр. 10650

نقلة، ولا يصيبنا فيها نصب ولا وجع ولا إعياء ولا فتور. والخلاصة: أنهم أتعبوا أنفسهم في العبادة في دار الدنيا، فاستراحوا راحة دائمة في الآخرة، كما قالوا: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ وقيل للربيع بن خيثمة وقد كان يقوم ليله ويصوم نهاره: أتعبت نفسك، فقال: راحتها أطلب. الإعراب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، و ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿النَّاسُ﴾: بدل من أيّ، أو عطف بيان له، وجملة النداء مستأنفة، ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: متعلق بالفقراء؛ لأنه جمع فقير، وفقير صفة مشبهة، ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْغَنِيُّ﴾: خبر أول، ﴿الْحَمِيدُ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة، ﴿إِن﴾: حرف شرط جازم ﴿يَشَأْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَيَأْتِ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾، ﴿بِخَلْقٍ﴾: متعلق بـ ﴿يأت﴾، ﴿جَدِيدٍ﴾: صفة لـ ﴿خلق﴾، ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾: الواو: عاطفة ﴿ما﴾: حجازية، ﴿ذَلِكَ﴾: اسمها، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿عَزِيزٍ﴾، ﴿بِعَزِيزٍ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة ﴿عزيز﴾: خبر ﴿ما﴾ الحجازية، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ الشرطية. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية ﴿لا﴾: نافية، ﴿تَزِرُ﴾: فعل مضارع، ﴿وَازِرَةٌ﴾: فاعل، أو صفة لفاعل محذوف؛ أي: نفس وازرة، ﴿وِزْرَ﴾: مفعول به، ﴿أُخْرَى﴾: مضاف إليه، ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿تَدْعُ﴾: فعل مضارع

стр. 10651

مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها, ﴿مُثْقَلَةٌ﴾: فاعل، ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَدْعُ﴾ ومفعول ﴿تَدْعُ﴾ محذوف للعلم؛ أي: أحدًا من الناس، ﴿لَا﴾: نافية ﴿يُحْمَلْ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، ﴿مِنْهُ﴾: حال من ﴿شَيْءٌ﴾. ﴿شَيْءٌ﴾: نائب فاعل، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ﴾. ﴿وَلَوْ﴾ الواو: عاطفة على جملة محذوفة وقعت حالًا، ﴿لو﴾: حرف شرط، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على معلوم من السياق تقديره: ولو كان المدعو ﴿ذَا قُرْبَى﴾: خبر كان منصوب بالألف، وجواب ﴿لو﴾ محذوف تقديره: ولو كان المدعو ذا قربى .. لا يحمل منها شيئًا وجملة ﴿لو﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة محذوفة وقعت حالًا من مفعول ﴿تَدْعُ﴾ المحذوف، والتقدير: ولو كان المدعو غير قربى لا يحمل منه شيء، ولو كان ذا قربى .. لا يحمل منه شيء، والمعنى: لا يحمل منها المدعو شيئًا من حملها: حالة كونه غير قريب لها، وحالة كونه قريبًا لها، وقد مرَّ أمثال ذلك في أوائل الكتاب فراجعها. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾ حرف كاف ومكفوف، ﴿تُنْذِرُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿يَخْشَوْنَ﴾ صلتهم، ﴿رَبَّهُمْ﴾: مفعول به لـ ﴿يَخْشَوْنَ﴾. ﴿بِالْغَيْبِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَخْشَوْنَ﴾؛ أي: يخشون ربهم غائبين عن عذابه، أو من المفعول؛ أي: يخشون عذابه غائبًا عنهم , ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿يَخْشَوْنَ﴾، ﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿تَزَكَّى﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ ﴿فَإِنَّمَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب ﴿إنما﴾: كافة ومكفوفة، ﴿يَتَزَكَّى﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾: ﴿لِنَفْسِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَتَزَكَّى﴾ على أنه تعليل له، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونها جواب شرط لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾: خبر مقدم، ﴿الْمَصِيرُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

стр. 10652

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾: فعل وفاعل، ﴿وَالْبَصِيرُ﴾: معطوف عليه، والجملة مستأنفة مسوقة لضرب المثل للمؤمن والكافر، والتنافي بينهما في الذات والوصف والمستقر في الآخرة، ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿لا﴾: زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها، ﴿الظُّلُمَاتُ﴾: معطوف على ﴿الْأَعْمَى﴾، ﴿وَلَا النُّورُ﴾: معطوف على الظلمات، و ﴿لا﴾: زائدة لتأكيد النفي، ﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿لا﴾: زائدة لتأكيد النفي، ﴿الظِّلُّ﴾: معطوف على ﴿الْأَعْمَى﴾، ﴿وَلَا الْحَرُورُ﴾: معطوف على ﴿الظِّلُّ﴾، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ﴾: فعل وفاعل، معطوف على قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾، ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾: معطوف على ﴿الْأَحْيَاءُ﴾، و ﴿لا﴾: زائدة، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿يُسْمِعُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يُسْمِعُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلتها، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية حجازية، ﴿أَنْتَ﴾: في محل الرفع اسمها، ﴿بِمُسْمِعٍ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة ﴿مسمع﴾: خبرها منصوب، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾. ﴿من﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿مسمع﴾. ﴿فِي الْقُبُورِ﴾: متعلق بمحذوف صلة ﴿من﴾ الموصولة، ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿نَذِيرٌ﴾: خبر ﴿أَنْتَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من الفاعل؛ أي: محقين، أو من المفعول؛ أي: محقًا، أو نعت لمصدر محذوف؛ أي: إرسالًا متلبسًا بالحق. ﴿بَشِيرًا﴾: حال من المفعول، ﴿وَنَذِيرًا﴾: معطوف عليه. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿مِن﴾ زائدة، ﴿أُمَّةٍ﴾: مبتدأ ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿خَلَا﴾: فعل ماضٍ، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَلَا﴾، ﴿نَذِيرٌ﴾: فاعل ﴿خَلَا﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾.

стр. 10653

﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿يُكَذِّبُوكَ﴾: فعل مضارع وفاعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف تقديره: فاصبر على تكذيبهم، ولا تتأسف عليه، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مع جوابها مستأنفة، ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية للجواب المحذوف، أو رابطة الجواب، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول، والجملة الفعلية في محل الجر بلام التعليل المقدرة مسوقة لتعليل الجواب المحذوف، أو هي الجواب، ﴿جَاءَتْهُمْ﴾: فعل ومفعول به، ﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الموصول على تقدير: قد، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿رُسُلُهُمْ﴾، أو متعلق بـ ﴿جَاءَتْهُمْ﴾، ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ﴾: معطوفان على البينات بإعادة الجار، ﴿الْمُنِيرِ﴾: صفة لـ ﴿الكتاب﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿أَخَذْتُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول. ﴿فَكَيْفَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿كيف﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجبي، في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليها وجوبًا ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿نَكِيرِ﴾: اسمها مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لرعاية الفاصلة، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف جزم ونفي، ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد، أو على كل من يصلح للخطاب، والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدم من ذكر اختلاف أحوال الناس، ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَنْزَلَ﴾: خبره، وجملة ﴿أَنَّ﴾ سادة مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾ لأنها قلبية، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿مَاءً﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أخرجنا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿أَنْزَلَ﴾ على طريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم، ﴿بِهِ﴾:

стр. 10654

متعلق بـ ﴿أخرجنا﴾، ﴿ثَمَرَاتٍ﴾: مفعول ﴿أخرجنا﴾، ﴿مُخْتَلِفًا﴾: صفة لـ ﴿ثَمَرَاتٍ﴾، ولكنها سببية، ولذلك لم يؤنث لأنه أسند إلى جمع تكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، ﴿أَلْوَانُهَا﴾: فاعل لـ ﴿مُخْتَلِفًا﴾، ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة ﴿من الجبال﴾: خبر مقدم، ﴿جُدَدٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: ومن الجبال ذو جدد وطرق بيض وحمر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿أَنَّ﴾، فكأنه قال: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، وأنه من الجبال ذو جدد بيض الخ. ﴿بِيضٌ﴾: صفة لـ ﴿جُدَدٌ﴾، ﴿وَحُمْرٌ﴾: معطوف عليه، ﴿مُخْتَلِفٌ﴾: صفة لـ ﴿جُدَدٌ﴾ أيضًا، ﴿أَلْوَانُهَا﴾: فاعل مختلف، ﴿وَغَرَابِيبُ﴾: معطوف على ﴿جُدَدٌ﴾، ﴿سُودٌ﴾: بدل من ﴿غَرَابِيبُ﴾، وجعله الزمخشري معطوفًا على ﴿بِيضٌ﴾، و ﴿غرابيب﴾: صفة له مقدمة عليه مبالغة في التأكيد، فكأنه قيل: ومن الجبال جدد ييض وحمر وسود غرابيب؛ أي: شبيه بالغراب. ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾. ﴿وَمِنَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿من الناس﴾: خبر مقدم، ﴿وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ﴾: معطوفان على ﴿النَّاسِ﴾، ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾: صفة لمبتدأ مؤخر محذوف تقديره: صنف مختلف ألوانه كائن من الناس والدواب، ﴿أَلْوَانُهُ﴾: فعل مختلف، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف تقديره: مختلف ألوانه اختلافًا كائنًا كذلك؛ أي: كاختلاف ألوان الجبال، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿يَخْشَى اللَّهَ﴾: فعل ومفعول به مقدم على فاعله لإفادة الحصر، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: حال من ﴿الْعُلَمَاءُ﴾، و ﴿الْعُلَمَاءُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول له، ﴿غَفُورٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول

стр. 10655

به، صلة الموصول، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿يَتْلُونَ﴾، ﴿وَأَنْفَقُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَتْلُونَ﴾. ﴿مِمَّا﴾: متعلق بـ ﴿أَنْفَقُوا﴾، ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: رزقناهموه، ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: منصوبان بنزع الخافض؛ أي: في السر والعلانية، أو على الحالية، أو على المفعولية المطلقة، ﴿يَرْجُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿تِجَارَةً﴾: مفعول به، جملة ﴿يَرْجُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿لَنْ﴾: حرف نصب، ﴿تَبُورَ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿تِجَارَةً﴾، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿تِجَارَةً﴾، ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يوفيهم﴾: فعل مضارع ومفعول به أول وفاعل مستتر يعود على الله منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿أُجُورَهُمْ﴾: مفعول ثانٍ، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿لَنْ تَبُورَ﴾، على معنى أنها لن تكسد لأجل أن يوفيهم أجور أعمالهم الصالحة، وقيل: متعلق بمحذوف دل عليه السياق تقديره: فعلوا ذلك ليوفيهم أجورهم، ﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يزيد﴾، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول له، ﴿شَكُورٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها من التوفية والزيادة. ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾. ﴿وَالَّذِي﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿الَّذِي﴾: مبتدأ ﴿أَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: أوحيناه، ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: حال من العائد المحذوف، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْحَقُّ﴾: خبر، والجملة مستأنفة، ﴿مُصَدِّقًا﴾: حال من ﴿الْكِتَابِ﴾. ﴿لِمَا﴾: متعلق بـ ﴿مُصَدِّقًا﴾، ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة لـ ﴿ما﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿بِعِبَادِهِ﴾: متعلق بـ ﴿لَخَبِيرٌ﴾، ﴿لَخَبِيرٌ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر أول لـ ﴿إن﴾، ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر ثانٍ لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ

стр. 10656

وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخٍ، ﴿أَوْرَثْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثانٍ قدّم لشرفه، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿أَوْرَثْنَا﴾، والجملة معطوفة على محذوف معلوم من السياق تقديره: أوحينا إليك هذا الكتاب، ثم أورثناه الذين اصطفينا. ﴿اصْطَفَيْنَا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: اصطفيناهم. ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾: حال من الموصول، أو من العائد المحذوف، ﴿فَمِنْهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت إيراثنا إياهم، وأردت بيان تفاصيلهم .. فأقول لك: ﴿مِنْهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿ظَالِمٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿لِنَفْسِهِ﴾: متعلق بـ ﴿ظَالِمٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَمِنْهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مُقْتَصِدٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿وَمِنْهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿سَابِقٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿بِالْخَيْرَاتِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: حال من الضمير المستكن في ﴿سَابِقٌ﴾، أو متعلق به، ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْفَضْلُ﴾: خبر، ﴿الْكَبِيرُ﴾: صفة له، والجملة مستأنفة. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾. ﴿جَنَّاتُ﴾: مبتدأ، ﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾: خبر، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، أو ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: بدل من ﴿الْفَضْلُ﴾، وجملة ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ حال من ﴿جَنَّاتُ﴾، ﴿يُحَلَّوْنَ﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿فِيهَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية خبر ثان لـ ﴿جَنَّاتُ﴾، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿أَسَاوِرَ﴾: مفعول ثانِ لـ ﴿يُحَلَّوْنَ﴾، ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾: صفة لـ ﴿أَسَاوِرَ﴾، ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾: معطوف على محل ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾، ﴿وَلِبَاسُهُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِيهَا﴾: حال من ضمير الغائبين، ﴿حَرِيرٌ﴾: خبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُحَلَّوْنَ﴾. ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾. ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يُحَلَّوْنَ﴾: والتقدير: جنات

стр. 10657

يدخلونها، ويقولون فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة ﴿أَذْهَبَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، صلة الموصول، ﴿عَنَّا﴾: متعلق بـ ﴿أَذْهَبَ﴾، ﴿الْحَزَنَ﴾: مفعول به ﴿إِنَّ رَبَّنَا﴾: ناصب واسمه، ﴿لَغَفُورٌ﴾: خبر أول لها، واللام: حرف ابتداء، ﴿شَكُورٌ﴾: خبر ثانٍ، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿الْحَمْدُ﴾. ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾. ﴿الَّذِي﴾: بدل من الموصول الأول، أو نعت ثانٍ للجلالة ﴿أَحَلَّنَا﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، صلة الموصول، ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿أَحَلَّنَا﴾ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَحَلَّنَا﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَمَسُّنَا﴾: فعل ومفعول به، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَمَسُّنَا﴾، ﴿نَصَبٌ﴾: فاعل، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿أَحَلَّنَا﴾ الأول، ﴿وَلَا يَمَسُّنَا﴾: فعل ومفعول به، ﴿فِيهَا﴾: متعلق به، ﴿لُغُوبٌ﴾: فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ الفقراء: جمع فقير، كالفقائر جمع: فقيرة، والفقير: المكسور الفقار، والفقر ذكره في "تاج المصادر" في باب ضرب، وجعله في "القاموس": من حدِّ كرم، وقال الراغب في "المفردات": يقال: افتقر فهو مفتقر وفقير، ولا يكاد يقال فقر، وإن كان القياس يقتضيه، انتهى. وفهم من هذا أن الفقير صيغة مبالغة، كالمفتقر بمعنى ذي الاحتياج الكثير الشديد، والفقر: وجود الحاجة الضرورية، وفقد ما يحتاج إليه. ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ والمثقلة: النفس التي أثقلتها الذنوب والأوزار، قال الراغب: الثقل والخفة متقابلان، وكل ما يترجح عما يوزن به أو يقدر به يقال: هو ثقيل، وأصله في الأجسام، ثم يقال في المعاني: أثقله الغرم والوزر. انتهى .. فالثقل هنا: الإثم، سمي به لأنه يثقل صاحبه يوم القيامة، ويثئطه عن الثواب في الدنيا. ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ قيل: في الأثقال المحمولة في الظاهر، كالشيء المحمول على الظهر، حمل بالكسر، وفي الأثقال المحمولة في الباطن، كالولد في البطن حمل

стр. 10658

بالفتح، كما في "المفردات". وفي "المصباح": الحمل بالكسر ما يحمل على الظهر ونحوه، والجمع أحمال وحمول، وحملت المتاع حملًا من باب ضرب، فأنا حامل، والأنثى حاملة بالتاء؛ لأنها صفة مشتركة، وفي "المختار": قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في البطن، أو على رأس شجرة، والحمل - بالكسر -: ما كان على ظهر أو رأس، قال الأزهري: وهذا هو الصواب، وهو قول الأصمعي. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ يقال: وزر يزر كوعد يعد من الباب الثاني وزرًا بالفتح والكسر، وزر يوزر من الرابج حمل، والوزر الإثم والثقل. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ والإنذار: الإبلاغ مع التخويف. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ والأعمى: فاقد حاسة البصر، والبصير ضده. ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾: جمع ظلمة، وهي عدم النور. ﴿وَلَا النُّورُ﴾: وهو الضوء المنتشر المعين للأبصار. ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ قال الراغب: يقال لكل موضع لا تصل إليه الشمس ظل، ولا يقال الفيء إلا لما زال عنه الشمس، ويعبر بالظل عن العز والمنعة، وعن الرفاهية انتهى. والحرور: فعول من الحر غلب على السموم، وهي الريح الحارة التي تؤثر تأثير الشمس تكون غالبًا بالنهار. وعبارة "الزمخشري": الحرور: السموم إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور بالليل والنهار، وقيل: بالنهار خاصة، وفي "المصباح": الحر بالفتح خلاف البرد، يقال: حر اليوم والطعام يحر من باب تعب وحر حرورًا من بابي قعد وضرب لغة، والاسم الحرارة، فهو حار، وحرت النار تحر من باب تعب توقدت وأسعرت، والحرة بالفتح: أرض ذات حجارة سود، والجمع: حرار، مثل: كلبة وكلاب، والحرور وزان رسول: الريح الحارة. قال الفراء: تكون ليلًا ونهارًا، قال أبو عبيدة: أخبرنا رؤبة أن الحرور بالنهار، والمسموم بالليل. وقال أبو عمرو بن العلاء: الحرور والسموم بالليل والنهار، والحرور مؤنثة، وعبارة "القاموس": والحرور: الريح الحارة بالدليل، وقد تكون بالنهار، وحر الشمس والحر الدائم والنار. انتهى. فائدة: قال الزمخشري: فإن قلت ﴿لا﴾ المقرونة بواو العطف ما هى؟.

стр. 10659

قلت: إذا وقعت الواو في النفي .. قرئت بها لتأكيد معنى النفي، انتهي. وقد كررت ﴿لا﴾ هنا خمس مرات اثنين في الأولى ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾، واثنين في الثانية ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾، وواحدة في الثالثة ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، فالزيادة في عبارتهم شاملة لأصل زيادتها كالأولى من الجملة الأولى، ولتكريرها كالثانية منها. اهـ شيخنا. والحي: من به القوة الحساسة، والميت: من زال عنه ذلك. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ جمع: قبر، وهو مقر الميت، يقال: قبرته جعلته في القبر. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾ الأمة: الجماعة الكثيرة، وتقال لكل أهل عصر, والمراد بها هنا: أهل العصر، فإن قيل: كم من أمة في الفترة بين عيسى ومحمد لم يرسل إليها رسول ينذرها؟ أجيب: بأن آثار النذارة إذا كانت باقية لم تخلُ من نذير إلى أن تندرس، وحين اندرست آثار نذارة عيسى بعث محمدًا ﷺ . اهـ "خطيب" و"خازن". وهذا يقتضي أن أهل الفترة مكلفون لبقاء آثار الرسل المتقدمة فيهم. تأمل فالمسألة خلافية. ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ قال الراغب: الخلاء: المكان الذي لا ساتر في من بناء وساكن وغيرهما، والخلو يستعمل في الزمان والمكان، لكن لما تصور في الزمان المضي .. فسر أهل اللغة قولهم خلا الزمان بقولهم: مضى وذهب انتهي. ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾: جمع زبور بمعنى المكتوب من: زبرت الكتاب كتبته كتابة غليظة، وكل كتاب غليظ الكتابة يقال له زبور، كما في "المفردات". ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ جمع ثمرة، وهي اسم لكل ما يطعم من أحمال الشجر. ﴿جُدَدٌ﴾ - بالضم والفتح -: جمع جدة بالضم، وهي الطرق المختلفة الألوان في الجبل وغيره، كما مر. ﴿غَرَابِيبُ﴾ جمع غربيب كعفاريت جمع عفريت، وهو شديد السواد، يقال: أسود غربيب، وأبيض يقق، وأصفر فاقع، وأحمر قان، وفي الحديث: "إن الله يبغض الشيخ الغربيب" يعني: الذي يخضب بالسواد. وقال امرؤ القيس في وصف فرسه:

стр. 10660

العَيْنُ طَامِحَةٌ واليَدُّ سَابِحَةٌ ... والرِّجْلُ لَافِحَةٌ والوَجْهُ غِرْبِيبُ ﴿سُودٌ﴾ جمع أسود، ﴿وَالدَّوَابِّ﴾ جمع دابة، وهي ما يدب على الأرض من الحيوان، وغلب على ما يركب من الخيل والبغال والحمير، ويقع على المذكر. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: جمع نعم محركة، وقد يسكن عينه: الإبل والبقر والضأن والمعز دون غيرها، فالخيل والبغال والحمير خارجة عن الأنعام. ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ والعلانية: ضد السر، وهي الإظهار، وأكثر ما يقال ذلك في المعاني دون الأعيان، يقال: أعلنته فعلن؛ أي: أظهرته فظهر. ﴿تِجَارَةً﴾ والتجارة في العرف: تقليب المال لغرض الربح، والمراد من التجارة هنا: المعاملة مع الله لنيل الثواب، والتاجر الذي يبيع ويشتري وعمله التجارة وهي التصرف في رأس المال طالبًا للربح، وليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذه اللفظة، وأما تجاه فأصله وجاه وتجوب، فالتاء فيه للمضارعة. ﴿لَنْ تَبُورَ﴾: البوار: فرط الكساد، والوصف منه: بائر، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد .. عبر بالبوار عن الهلاك مطلقًا، ومن الهلاك المعنوي ما في قولهم: خذوا الطريق ولو دارت، وتزوجوا البكر ولو بارت، واسكنوا المدن ولو جارت. ﴿أُجُورَهُمْ﴾ جمع أجر، والأجر ثواب العمل. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ قال الراغب: الوراثة: انتقال قينة إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد، وسمي بذلك المنتقل عن الميت، ويقال لكل من حصل له شيء من غير تعب: قد ورث كذا انتهى. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ والاصطفاء في الأصل: تناول صفو الشيء وخالصه. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾؛ أي: عامل به تارة، ومخالف له أخرى، وإنما قال مقتصد بصيغة الافتعال؛ لأن ترك الإنسان للظلم في غاية الصعوبة. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ﴾؛ أي: متقدم إلى ثواب الله سبحانه، راجع دخول جنته، وأصل السبق: المتقدم في السير، ويستعار لإحراز الفضل كما هنا. ﴿بِالْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: بسبب ما يعمل من الخيرات والأعمال الصالحة، والخير كل ما يرغب فيه الكل، كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع، وضده: الشر.

стр. 10661

﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ والأساور: جمع أسورة، وهو جمع سوار على وزن كتاب وغراب معرب "دستواره". ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ واللؤلؤ: الدر، سمي بذلك لتلألئه ولمعانه. ﴿وَلِبَاسُهُمْ﴾ واللباس: اسم لما يلبس. ﴿حَرِيرٌ﴾: والحرير من الثياب: ما رق، كما في "المفردات"، وثوب يكون سداه ولحمته إبريسمًا، وإن كان في الأصل الإبريسم المطبوخ، كما في "القهستاني"، ويحرم لبسه على الرجال دون النساء إلا في الحرب، كما هو مبسوط في علم الفروع. ﴿الْحَزَنَ﴾: الحزن - بفتحتين - والحزن - بالضم والسكون - واحد، وهو: خشونة الأرض، وخشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم، وضده الفرح. وقيل: الحزن - بالتحريك -: الخوف من محذور يقع في المستقبل. ﴿أَحَلَّنَا﴾؛ أي: أنزلنا يقال: حلت إذا نزلت من حل الأحمال عند النزول، ثم جرِّد استعماله للنزول فقيل: حل حلولًا وأحله غيره، والمحلة: مكان النزول، كما في "المفردات". ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿أحل﴾، وليست بظرف؛ لأنها محدودة مختصة، فلو كان ظرفًا لتعدى إليه الفعل بفي، والمقامة - بالضم -: مصدر ميمي، تقول: أقام يقيم إقامة ومقامة. ﴿لَا يَمَسُّنَا﴾ المس، كاللمس، وقد يقال في كل ما ينال الإنسان من أذى. ﴿نَصَبٌ﴾؛ أي: تعب وكد بالأشغال. ﴿لُغُوبٌ﴾؛ أي: ضعف وملالة عن كثرة الأشغال، والفرق بين النصب واللغوب: أن النصب نفس المشقة والكلفة، واللغوب: ما يحدث منه من الفتور والضعف للجوارح. قال أبو حيان: هو لازم من تعب البدن، فهي الجديرة لعمري بأن يقال فيها: عَلْيَاءُ لَا تَنْزِلُ الأَحْزَانُ سَاحَتَهَا ... لَوْ مَسَّهَا حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرَّاءُ وفي "القاموس": نصب كفرح: أعيا، وفي "المختار": ونصب تعب، وبابه: طرب. ﴿لُغُوبٌ﴾ إعياء من التعب، وفي "القاموس": لغب لغبًا ولغوبًا، كمنع وسمع وكرم: أعيا أشد الاعياء، وفي "المختار": اللغوب - بضمتين -: التعب والإعياء،

стр. 10662

وبابه: دخل، ولَغِب بالكسر لغوبًا لغة ضعيفة، فظاهر ما ورد في كتب اللغة أنهما متفقان في المعنى، ولكن الزمخشري فرَّق بينهما تفريقًا دقيقًا، فقال: فإن قلت: ما الفرق بين النصب واللغوب؟ قلت: النصب: التعب والمشقة التي تصيب المتنصب للأمر المزاول له، وأما اللغوب فما يلحقه من الفتور بسبب النصب، فالنصب نفس المشقة والكلفة، واللغوب نتيجته وما يحدث منه من الكلال والفترة. انتهى. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: تعريف الفقراء في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء فقط، وأن افتقار غيرهم بالنسبة إلى فقرهم كالعدم. ومنها: الطباق بين ﴿يذهب﴾ و ﴿وَيَأْتِ﴾، بين ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، و ﴿الظُّلُمَاتُ﴾ و ﴿النُّورُ﴾، و ﴿الظِّلُّ﴾ و ﴿الْحَرُورُ﴾، و ﴿الْأَحْيَاءُ﴾ و ﴿الْأَمْوَاتُ﴾، وبين: ﴿نَذِيرًا﴾ و ﴿بَشِيرًا﴾، وبين ﴿سِرًّا﴾ و ﴿عَلَانِيَةً﴾. ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿تَزِرُ﴾ و ﴿تَزِرُ﴾ و ﴿وِزْرَ﴾ في قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وبين ﴿حِمْلِهَا﴾ و ﴿يُحْمَلْ﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ الآية، شبه الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير بجامع ظلام الطريق، وعدم الاهتداء على الكافر، ووضوح الرؤية، والاهتداء للمؤمن، ثم استعار المشبه به ﴿الْأَعْمَى﴾ للكافر، واستعار ﴿البصير﴾ للمؤمن بطريق الاستعارة التصريحية الأصلية. ومنها: تكرار إلا في قوله: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ مبالغة في تأكيد النفي. ومنها: تقديم الأعمى على البصير، والظلمات على النور، والظل على الحروو لتتطابق فواصل الآي.

стр. 10663

ومنها: إيثار صيغة الجمع في الطرفين في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ تحقيقًا للتباين بين أفراد الفريقين. ومنها: الاستعارة المرشحة في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ مثل المصرين على الكفر بالأموات، ورشح له بذكر القبور، وترشيح الاستعارة اقترانها بما يلائم المستعار منه، شبه تعالى من طبع على قلبه بالموتى في عدم القدرة على الإجابة، فكما لا يسمع أصحاب القبور ولا يجيبون، كذلك الكفار لا يسمعون ولا يقبلون الحق. ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ لكون الإنذار هو المقصود الأهم من البعثة. ومنها: إعادة الجار في المعطوف في قوله: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ﴾ لإفادة التأكيد. ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لذمهم بما في حيز الصلة، والإشعار بعلية الأخذ. ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. ومنها: الالتفات من الغيبة في: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ لإظهار كمال الاعتناء بفعل الإخراج لما فيه من الصنع البديع المنبىء عن كمال القدرة والحكمة، ولأن الرجوع إلى نون العظمة أهيب في العبارة. ومنها: التدبيج في قوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ والتدبيج: أن يذكر المتكلم ألوانا يقصد الكناية بها والتورية بذكرها عن أشياء من وصف أو مدح أو هجاء أو غير ذلك من الفنون، وقد أراد الله سبحانه بذلك الكناية عن المشتبه من الطرق إلى آخر ما ذكروه هنا. ومنها: العدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأورد هاتين الجملتين اسميتين مع مشاركتهما للفعلية قبلهما في الاستشهاد بمضمون كل على تباين الناس في الأحوال لما أن اختلاف الجبال والناس والدواب والأنعام فيما ذكر من الألوان أمر مستمر، فعبر عنه بما يدل على

стр. 10664

الاستمرار، وأما إخراج الثمرات المختلفة .. فأمر حادث، فعبر عنه بما يدل على الحدوث، ولما كان فيه نوع خفاء علَّق الرؤية به بطريق الاستفهام التقريري، بخلاف أحوال الجبال والناس وغيرهما، فإنها مشاهدة غنية عن التأمل، فلذلك جردت عن التعليق بالرؤية فتدبر، كما مر ذلك عن "أبي السعود". ومنها: التقديم والتأخير لغرض الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فقصر الخشية على العلماء قصر صفة على موصوف، فكأنه قيل: إن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، أما إذا قدمت الفاعل .. فإن المعنى ينقلب إلى أنهم لا يخشون إلا الله، فيكون قصر موصوف على صفة، وهما معنيان مختلفان كما يبدو للمتأمل. ومنها: مغايرة الأسلوب من الاستقبال في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ إلى المضي في قوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ للدلالة على أن أوقات التلاوة أعم بخلاف أوقات الصلاة، وكذا أوقات الزكاة المدلول عليها بقوله: ﴿وَأَنْفَقُوا﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية المرشحة في قوله: ﴿تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ استعار التجارة للمعاملة مع الله تعالى لنيل ثوابه، وشبَّهها بالتجارة الدنيوية، وهي المعاملة مع الخلق بالبيع والشراء لغرض الربح بجامع الاكتساب في كلٍّ، ثم رشحها بقوله: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾. ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ لمرعاة الفاصلة التي على حرف الراء. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ شبه إعطاء الكتاب إياهم من غير كد ولا تعب في وصوله إليهم بتوريث الوارث، وفيه أيضًا تقديم المفعول الثاني على المفعول الأول لشرفه وعظم قدره، وفي هذه الآية أيضًا من البلاغة الجمع ثم التقسيم، وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين أو أكثر في حكم، ثم يقسم ما جمعه، فجمع العباد هنا في إيراثهم الكتاب، ثم فصلهم بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ إلخ. ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿عِبَادِنَا﴾. ومنها: التعبير عن المستقبل بالماضي في قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي:

стр. 10665

ويقولون عند دخول الجنة: الحمد لله للدلالة على التحقق والوقوع. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 10666

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) بيّن ما لعباده الذين أورثوا الكتاب من النعمة في دار السرور .. أردف ذلك بذكر ما لأضدادهم من النقمة زيادة في سرورهم بما قاسوا في الدنيا من تكبرهم عليهم، وفخارهم بما أوتوا من نعيم زائد وجور لا يدوم. وعبارة أبي حيان (٢): لما ذكر حال المؤمنين ومقرهم .. ذكر حال

стр. 10667

الكافرين، وهذا يدل على أن أولئك الثلاثة هم في الجنة، والذين كفروا هم مقابلوهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لماذكر فيما سلف أنه ليس للظالمين من ينصرهم، ويدفع العذاب عنهم .. أردف ذلك ببيان أنه محيط بالأشياء علمًا، فلو كان لهم نصير في وقت ما .. لعلمه، إلا أنه تعالى لما نفى النصير على سبيل الاستمرار، وكان ذلك مظنة أن يقال: كيف يخلدون في العذاب، وقد ظلموا في أيام معدودات .. أعقب ذلك بذكر أنه عليم بما انطوت عليه ضمائرهم، وأنهم صمموا على ما هم فيه من الضلال والكفر إلى الأبد، فمهما طالت أعمارهم فلن تتغير حالهم. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما بيَّن (١) أنه هو الذي استخلفهم في الأرض .. أكد هذا بأمره ﷺ أن يقول لهم ما يضطرهم إلى الاعتراف بوحدانيته، وعدم إشراك غيره معه. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر تكذيبهم للتوحيد بإشراكهم الأوثان والأصنام، وبَكَّتهم على هذا أشد التبكيت، وضرب لهم الأمثال ليبين لهم سخف عقولهم وقبح معتقداتهم .. أردف ذلك بذكر إنكارهم للرسالة بعد أن كانوا مترقبين لها ناعين على أهل الكتاب تكذيب بعضهم بعضًا، فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، ثم هددهم بأن عاقبتهم ستكون الهلاك الذي لا محيص عنه، وتلك سنة الله سبحانه في الأولين من قبلهم، وسنته لا تبديل فيها ولا تحويل. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه (٢) لما هدد المشركين بجريان سنته فيهم بإهلاكهم، كما أهلك المكذبين من قبلهم .. نبَّههم إلى ذلك بما يشاهدونه من

стр. 10668

آثارهم في رحلاتهم للتجارة في الشام والعراق واليمن، فقد خلت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النعيم بعد كمال القوة وكثرة العدد والعدد وكثرة المال والولد، وما أغنى ذلك عنهم شيئًا، ولا دفع عنهم من عذابه لما جاء أمره؛ لأنه لا يعجزه شيء إذا أراده. ثم ذكر حلمه بعباده، وأنه لو أخذهم بما اجترحوا من السيئات ما ترك على ظهر الأرض إنسانًا يدبّ على وجهها, لكنّه أخر عقابهم إلى يوم القيامة فيحاسبهم ويوفي كل عامل جزاء عمله إن خيرًا فخير، وان شرًا فشر، وهو البصير بحال عباده. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن أبي هلال أنه بلغه أن قريشًا كانت تقول: لو أن الله بعث منّا نبيًا .. ما كانت أمة من الأمم أطوع لخالقها, ولا أسمع لنبيّها, ولا أشد تمسكًا بكتابها منا، فأنزل الله سبحانه قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾، وقوله: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾، وكانت اليهود تستفتح به على النصارى فيقولون: إنا نجد نبيًّا يخرج. التفسير وأوجه القراءة ٣٦ - ولمّا فرغ من ذكر جزاء عباده الصالحين .. ذكر جزاء عباده الطالحين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: جحدوا بوجود الله سبحانه، أو كفروا بوحدته ﴿لَهُمْ﴾ بمقابلة كفرهم الذي هو أكبر الكبائر وأقبح القبائح، ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ التي لا تشبه نارًا، ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: لا يحكم عليهم بموتٍ ثانٍ، ﴿فَيَمُوتُوا﴾ ويستريحوا من العذاب، ونصبه بأن مضمرة في جواب النفي ﴿وَلَا

стр. 10669

يُخَفَّفُ﴾؛ أي: لا يهوّن ولا يقلّل ولا يرفع، ﴿عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾؛ أي: من ﴿عذاب جهنم طرفة عين﴾، بل كلما خبت .. زيد استعارها، كما قال في آية أخرى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وهذه الآية هي مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾؛ وقوله: ﴿عَنْهُمْ﴾ نائب مناب الفاعل، و ﴿مِنْ عَذَابِهَا﴾ في موضع النصب، أو بالعكس، وإن كانت ﴿مِن﴾ زائدة يتعيّن له الرفع ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع، ﴿نَجْزِي﴾ في الآخرة، ﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾؛ أي: كل من هو مبالغ في الكفر، أو في الكفران، لا جزاء أخفّ وأدنى منه. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَيَمُوتُوا﴾ بالنصب جوابًا للنفي، وقرأ عيسى بن عمر والحسن: ﴿فيموتون﴾ بإثبات النون، قال أبو عثمان المازني: على العطف على ﴿يقضى﴾، وقال ابن عطية: هي قراءة ضعيفة، ولا وجه لهذا التضعيف، بل هي كقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾؛ أي: فلا يعتذرون، قال ابن عطية: وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ﴿ولا يخفف﴾ بإسكان الفاء، شبّه المنفصل بالمتصل، كقوله: فاليوم أشرب غير مستحقب. وقرأ الجمهور: ﴿نَجْزِي كُلَّ﴾ مبنيًا للفاعل، ونصب ﴿كل﴾ وقرأ أبو عمرو وأبو حاتم عن نافع بالياء مبنيًا للمفعول ورفع ﴿كل﴾. والمعنى (٢): أي والذين ستروا ما تدل عليه العقول من شموس الآيات وأنوار الدلالات , لهم نار جهنم، لا يحكم عليهم فيها بموت ثانٍ فيستريحوا من الآلام، ولا يخفّف عنهم العذاب فيها، بل كلّما خبت زيد سعيرها، ونحو الآية قوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾، وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، وقوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾. ثم بيّن أن هذا جزاء كل كافر بنعمة ربه جاحد بوحدانيته، فقال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾؛ أي: وهكذا نكافىء كل جاحد لآلاء الله منكر لرسله، فندخله نار جهنم بما قدّم في الدنيا من سيئات عمله. ٣٧ - ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: الكفار، ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾؛ أي: يصيحون ويستغيثون، ﴿فِيهَا﴾؛

стр. 10670

أي: في نار جهنم، ويدعون ويتضرعون ويقولون: يا ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ من هذه النار، وخلّصنا من عذابها، وردَّنا إلى الدنيا، ﴿نَعْمَلْ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾ على أنه صفة لمصدر محذوف، ويصح كونه صفة لمحذوف؛ أي: شيئًا صالحًا؛ أي: نؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، وذلك لأنّ قبول الأعمال مبنيّ على الإيمان ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ في الدنيا؛ أي: غير الذي عملناه في الدنيا أولًا، قيدوا العمل الصالح بهذا الوصف إشعارًا بأنهم كانوا يحسبون ما فعلوه صالحًا، والآن تبيّن خلافه؛ إذ كان هوًى وطبعًا ومخالفةً، وللتحسّر على ما عملوه من غير الأعمال الصالحة مع الاعتراف منهم بأنّ أعمالهم في الدنيا كانت غير صالحة؛ أي: وهم يسشغيثون ويضجّون في النار يقولون ربّنا أخرجنا منها، وأعدنا إلى دار الدنيا .. نطعك ونعمل غير الذي كنا نعمل من معصيتك، وقد علم منهم أنه لو ردّهم إلى هذه الدار .. لعادوا إلى ما نهوا عنه، فأجاب الله سبحانه عليهم بقول: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ ونمهلكم يا معشر الكفار في الدنيا، ﴿مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾؛ أي: بقدر ما يتّعظ فيه، ﴿مَنْ تَذَكَّرَ﴾؛ أي: من أراد أن يتعظ ويؤمن، والهمزة فيه (١) للاستفهام التقريري المضمّن للتوبيخ، داخلة على محذوف يقتضيه المقام، والواو عاطفة على ذلك المحذوف والتعمير إطالة العمر، والعمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، و ﴿مَّا﴾ نكرة موصوفة، أو مصدر يراد به الزمان، كقولك: أتيك غروب الشمس. والتقدير: ألم نعطكم مهلة، ولم نعمركم عمرًا أو تعميرًا أو وقتًا وزمنًا يتذكر فيه من تذكر؛ أي: يتمكن فيه من التذكر والتفكر من أراد التذكر والتفكر في شأنه وإصلاح حاله، وإن قصر، إلا أن التوبيخ في المطاولة أعظم، وهذا الزمن قيل: هو ستون سنة، قاله جماعة من الصحابة، وقيل: أربعون سنة، قاله الحسن ومسروق وغيرهما، وقيل: ثماني عشرة سنة، قاله عطاء وقتادة. وقرأ الأعمش (٢): ﴿ما يذكّر فيه﴾ بالإدغام من اذكر بالإدغام، واجتلاب همة الوصل ملفوظًا بها في الدرج. يعني: أنه إذا بلغ حدّ البلوغ يفتح الله له نظر العقل، فيلزم حينئذ على المكلف أن ينظر بنظر العقل إلى المصنوعات، فيعرف صانعها ويوحّده ويطيعه، وأَذا بلغ إلى

стр. 10671

الثماني عشرة، أو العشرين، أو ما فوق ذلك يتأكد التكليف، ويلزم الحجة أشدّ من الأول، وفي الحديث: "أعذر الله إلى امرىء أخّر أجله حتى بلغ ستين سنة"؛ أي: أزال عذره، ولم يبق له موضعًا للاعتذار؛ حيث أمهله طول هذه المدة، ولم يعتذر؛ لأن الستين قريب معترك المنايا، وهو زمن الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى، ولعل سرّ تعيين ستين ما قاله النبي ﷺ : "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجاوز ذلك" رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، فإذا بلغ الستين وجاوزها .. كانت السبعون آخر زمان التذكُّر؛ لأن ما بعدها زمان الهرم. وكل جماعة من الصحابة فمن بعدهم إذا بلغ أربعين سنة، أو رأى شيبًا .. بالغ في الاجتهاد، وطوى الفراش، وأقبل على قيام الليل، وأقلَّ معاشرة الناس، ولا فرق في ذلك بين الأربعين فما دونها؛ لأن الأجل مكتوم لا يدري متى يحل، أيقظنا الله وإياكم من رقدة الغافلين، والمعنى (١): عشتم في الدنيا أعمارًا لو كنتم من ينتفعون بالحق لانتفعتم به مدة عمركم، ونحو الآية حكاية عنهم: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾. والخلاصة: أنه تعالى لا يجيبكم إلى ما طلبتم؛ لأنكم كنتم عصاة، ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾؛ أي: وجاءكم الرسول ومعه كاتب الله ينذركم بالعقاب إن خالفتم أمره وتركتم طاعته. والخلاصة: أنه احتج عليهم بأمرين: طول العمر، وإرسال الرسل. قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ معطوف (٢) على الجملة الاستفهامية؛ لأنه في معنى: قد عمرناكم، وجاءكم النذير من حيث إن همزة الإنكار إذا دخلت على حرف النفي أفادت التقرير، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) ...﴾ الخ؛ لأنه في معنى: قد شرحنا إلخ. والمراد بالنذير: رسول الله ﷺ ، وعليه جمهور المفسرين، كما قاله الواحدي، وقيل المراد: أيُّ رسولٍ كان؛ لأن الكلام مع الكفار على الإطلاق، وقيل ما معه من القرآن. وقيل: كمال العقل؛ لأنه فارق بين الخير والشر، أو موت الأقاوب

стр. 10672

والجيران والإخوان، وقيل: الشيب، والمعنى عليه: أولم نعمّركم حتى شبتم، وفيه أن مجيء الشيب ليس بعام للجميع عموم ما قبله، وفي الأثر: ما من شعرة تبيضّ إلا قالت لأختها: استعدّي فقد قرب الموت، وقيل: غير ذلك. قيل: أول من شاب من ولد آدم ﵇ إبراهيم الخليل ﵇، فقال: ما هذا يا رب؟ قال: هذا وقار في الدنيا، ونور في الآخرة، فقال: ربّ زدني من نورك ووقارك. وفي الحديث: "إن الله سبحانه يبغض الشيخ الغربيب"؛ أي: الذي لا يشيب، كما في "المقاصد الحسنة". وقيل: أول من صلع من البشر آدم ﵇؛ لطوله أثّر فيه حر الشمس؛ لأن طوله كان ستين ذراعًا، والفاء في قوله: ﴿فَذُوقُوا﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم قطع أعذاركم بما ذكر من التعمير ومجيء النذير، وأردتم بيان ما تستحقّون .. قأقول لكم: ذوقوا عذاب جهنم؛ لأنكم لم تعتبروا ولم تتعظوا، فأنتم الظالمون، ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ اليوم، ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ ينصرهم ويمنعهم من عذاب الله تعالى، والفاء في قوله: ﴿فَمَا﴾ للتعليل؛ أي: فذوقوا العذاب؛ لأنه ليس للظالمين أنفسهم بالكفر والشرك ناصر يدفع عنهم العذاب، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا في الدنيا نائمين، ولذا لم يذوقوا الألم، فلمّا ماتوا وبعثوا وتيقّظوا تيقّظًا تامًا .. ذاقوا العذاب وأدركوه. والمعنى: أي فذوقوا عذاب النار جزاء مخالفتكم للأنبياء في حياتكم الدنيا، ولن تجدوا لكم ناصرًا ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والسلاسل والأغلال، ٣٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه، ﴿عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي عالم ما غاب في السموات والأرض عن العباد، وما شوهد لهم؛ أي: يختص بالله سبحانه علم كل شيء غاب عن العباد فيهما، وخفي عليهم، فكيف يخفى عليه أحوالهم، وأنهم لو ردوا إلى الدنيا .. لعادوا لما نهوا عنه؛ أي: أنه تعالى عالم بكل شيء، ومن ذلك أعمالكم لا تخفى عليه منها خافية، فلو ردّكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحًا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. قرأ الجمهور (١): ﴿عَالِمُ غَيْبِ﴾ بإضافة عالم إلى غيب، وقرأ جناح بن

стр. 10673

حبيش: ﴿عالم﴾ منوّنًا ﴿غيب﴾ بالنصب، وقيل: المعنى: أي (١) إن الله عالم ما تخفون أيها المشركون في أنفسكم، وما تضمرون، وما ستنوون أن تفعلوه، وما هو غائب عن أبصاركم في السموات والأرض، فاتّقوه أن يطَّلع عليكم وأنتم تضمرون الكيد لرسوله، وتريدون إطفاء دينه، وتنصرون آلهتكم التي لا تنفعكم شيئًا يوم القيامة، والمعنى الأول أولى بالسياق، وفي هذا إيماءٌ إلى أنه لو مدّ أعمارهم لم يرجعوا عن الكفر أبدًا، فلا مطمع في صلاحهم، وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تعليل لما قبلها؛ أي: لأنه عليم بما تكنّه السرائر وما تنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بما عمل؛ أي: لأنه إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى من كل شيء .. علم ما فوقها بالأولى، وقيل: هذه الجملة مفسّرة للجملة الأولى. ولم يقل: ذوات الصدور (٢)؛ لإرادة الجنس، وذات: تأنيث ذي بمعنى: صاحب، والمعنى: عليم بالمضمرات صاحبة الصدور؛ أي: القلوب، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وجعلت الخواطر القائمة بالقلب صاحبة له بملازمتها وحلولها، كما يقال للّبن ذو الإناء، ولولد المرأة وهو جنين: ذو بطنها، فالإضافة لأدنى ملابسة. وفي "التأويلات النجمية": أي عالم بإخلاص المخلصين وصدق الصادقين، وهما من غيب سموات القلوب، وعالم بنفاق المنافقين وجحد الجاحدين، وهما من غيب أرض النفوس انتهى. ٣٩ - ثم ذكر ما هو سبب آخر لعلمه بالغيب قال: ﴿هُوَ﴾؛ أي: الله سبحانه، وهو مبتدأ، خبره قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي (٣): جعلكم أمة خالفة لمن قبلها، قال قتادة: خلفًا بعد خلف، وقرنًا بعد قرن، والخلف هو التالي للمتقدم، وقيل: جعلكم خلفاءه في أرضه. والخلائف (٤): جمع خليفة، وأما خلفاء فجمع خليف، كما سيأتي، وكلاهما بمعنى المستخلف؛ أي: جعلكم خلفاء في أرضه ممن كان قبلكم من الأمم،

стр. 10674

وأورثكم ما بأيديهم من متاع الدنيا لتشكروه بالتوحيد والطاعة، ومن خلافتهم أن الله تعالى استخلفهم في خلق كثير من الأشياء كالخبز، فإنه تعالى يخلق الحنطة بالاستقلال، والإنسان بخلافته يطحنها ويخبزها، وكالثوب فإنه تعالى يخلق القطن والإنسان بخلافته، يغزله وينسج منه الثوب، وهلمّ جرًا؛ أي (١): هو الذي ألقى إليكم مقاليد التصرّف، والانتفاع بما في الأرض لتشكروه بالتوحيد والطاعة. ﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾ منكم نعمة الخلافة بأن يخالف أمر مستخلفه، ولا ينقاد لأحكامه ويتّبع هواه ﴿فَعَلَيْهِ﴾ لا على غيره ﴿كُفْرُهُ﴾؛ أي: وبال كفره، وجزاؤه: هو الطرد واللعن والنار، لا يتعدّاه إلى غيره ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾؛ أي: إلا بغضًا وغضبًا؛ أي: كلما استمروا في كفرهم أبغضهم ربهم وغضب عليهم ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾؛ أي: نقصًا وهلاكًا؛ أي: وكلما اطمأنّوا إلى كفرهم خسروا أنفسهم يوم القيامة، وحق عليهم هو العذاب، والمعنى. أن الكفر لا ينفع عند الله تعالى؛ حيث لا يزيدهم إلا المقت، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يزيدهم إلا الخسار. والتكرير (٢): للتنبيه إلى اقتضاء الكفر لكل من الأمرين القبييحن: البغض، والخسران على سبيل الاستقلال والأصالة، والتنكير للتعظيم؛ أي: مقتًا عظيمًا ليس وراءه خزي وصغار، وخسارًا عظيمًا ليس بعده شرٌّ وتبارٌّ، ٤٠ - ثم أمره سبحانه أن يوبِّخهم ويبكّتهم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد تبكيتًا لهم: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني ﴿شُرَكَاءَكُمُ﴾؛ أي: عن آلهتكم وأصنامكم، والإضافة إليهم؛ حيث لم يقل شركائي؛ لأنهم جعلوهم شركاء الله، وزعموا ذلك من غير أن يكون له أصل ما أصلًا، ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أي: تعبدون، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: حال كونكم متجاوزين دعاء الله وعبادته؛ أي (٣): أخبروني عن الشركاء الذين اتخذتموهم آلهةً وعبدتموهم من دون الله تعالى، وجملة ﴿أَرُونِي﴾ - أي: أخبروني ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: أيَّ جزءٍ من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه دون الله - بدل من ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بدل اشتمال، والمعنى: أخبروني عن شركائكم، أروني أيَّ شيء خلقوا من الأرض، وإنما فسّرنا الرؤية بالإخبار؛ لأنّ الرؤية والعلم سبب الإخبار،

стр. 10675

فاستعمل الإراءة في الإخبار، والمراد من الاستفهام في قوله: ﴿مَاذَا خَلَقُوا﴾ الإنكار؛ أي: نفي ذلك، وقيل: إن الفعلان، وهما: أرأيتم وأروني من باب التنازع، وقد أعمل الثاني على ما هو اختيار البصريين، فإن: أرأيتم يطلب: ماذا خلقوا مفعولًا ثانيًا، وأروني يطلبه أيضًا معلقًا له. والمعنى (١): أي أخبروني أيها المشركون عن شركائكم الذين تدعونهم من دون الله من الأصنام والأوثان، أروني أيَّ جزءٍ من الأرض، أو من الأناس والحيوان خلقوا حتى يستحقّوا الإلهية، والشركة. والخلاصة: أعلمتم هذه الآلهة ما هي، وعلى أيِّ حال هي، فإن كنتم تعلمون أنها عاجزة، فكيف تعبدونها؟ وإن كنتم توهّمتم فيها القدرة، فأروني أثرها؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ أي: بل ألهم شركة مع الله في خلق السمموات أو ملكها أو التصرف فيها؛ ليستحقّوا بذلك شركة ذاتية في الألوهية، ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: بل أعطينا الشركاء وأنزلنا عليهم، ويجوز أن يكون الضمير للمشركين، ويكون فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة. ﴿كِتَابًا﴾ ينطق بأنا اتخذناهم شركاء، ﴿فَهُمْ﴾؛ أي: الشركاء أو المشركون، ﴿عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾؛ أي: على حجة ظاهرة واضحة من ذلك الكتاب بأنّ لهم شركة جعلية. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة وأبو عمرو وابن كثير وحفص وأبان عن عاصم (٢): ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ بالإفراد، وباقي السبعة بالجمع، قال مقاتل: يقول تعالى: هل أعطينا كفار مكة كتابًا فهم على بيان منه بأنّ مع الله شريكًا. وخلاصة ما تقدم (٣): أخبروني عمّن تعبدونهم من دون الله هل استبدُّوا بخلق شيء من الأرض حتى يعبدوا كعبادة الله، أو لهم شركة معه في خلق السموات، وآتيناهم برهانًا بهذه الشركة. والخلاصة: أنّ عبادة هؤلاء؛ إما بدليل من العقل، ولا عقل يحكم بعبادة من لا يخلق شيئًا، وإما بدليل من النقل، وإنّا لم نؤت المشركين كتابًا فيه الأمر بعبادة

стр. 10676

هؤلاء، وبعد أن نفى ما نفى من الحجج .. أضرب عن ذلك، وبين أن الذي حملهم على الشرك هو تقرير السلف للخلف، وإضلال الرؤساء للأتباع، وقولهم لهم: إن هؤلاء شفعاء يشفعون لكم عند الله إذا أنتم عبدتموهم، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿بَلْ إِنْ﴾ نافية؛ أي: ما ﴿يَعِدُ الظَّالِمُونَ﴾ أنفسهم بالشرك ﴿بَعْضُهُمْ﴾ وهم الرؤساء والأشراف، ﴿بَعْضًا﴾؛ أي: لبعض، وهم الأتباع، ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾؛ أي: إلا باطلًا لا أصل له، كما يفعله الرؤساء والقادة من المواعيد لأتباعهم؛ أي (١): ما يعد بعضهم بعضًا إلا غرورًا يغرونهم به ويزيّنونه لهم، وهو الأباطيل التي تغرّ، ولا حقيقة لها، وذلك قولهم: إن هذا الآلهة تنفعهم وتقرّبهم إلى الله، وتشفع لهم عنده، وهو تغرير محض، يسفّه بذلك آراءهم، وينبئهم على ذميم أحوالهم وأفعالهم، وخسّة هممهم، ونقصان عقولهم بإعراضهم عن الله، وإقبالهم على ما سواه؛ أي (٢): بل ما يعد الأسلاف للأخلاف، والرؤساء للسفلة في الدنيا بأن شركاءهم تقربهم إلى الله تعالى، وبأنها تشفع لهم في الآخرة، فتضر وتنفع، إلا باطلًا، وقيل: إن الشياطين تعد المشركين بذلك، وقيل: المراد بالوعد الذي يعد بعضهم بعضًا هو أنهم ينصرون على المسلمين ويغلبونهم، فعلى العاقل أن يصحّح التوحيد ويحقّقه، ولا يرى الفاعل والخالق إلا الله ، ٤١ - ولما أبان حقارة الأصنام .. أرشد إلى عظمته تعالى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: يحفظهما ويمنعهما من ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ وتسقطا وتقعا. أي (٣): إن الله سبحانه يمنع السموات أن تضطرب وتتحرَّك وتنتقل عن أماكنها، فترتفع أو تستخفض، ويمنع الأرض من مثل ذلك، ويحفظهما برباطٍ خاص، وهو ما يسمّيه العلماء نظام الجاذبية، فجميع العوالم من الأرض والقمر والشمس والسيارات الأخرى تجري في مدارات خاصة بهذا النظام الذي وضع لها، ولولا ذلك لتحطّمت هذه الكرات المشاهدة، وزالت عن أماكنها, لكنها به ثبتت في مواضعها، واستقرّت في مداراتها. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن زالت السموات والأرض عن مقرّهما

стр. 10677

ومركزهما على سبيل الفرض، أو بتخليتهما، كما يكون يوم القيامة، ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾؛ أي: ما يمسكها ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ تعالى؛ أي: ما يقدر أحد على إمساكهما وإعادتهما إلى محلهما ومكانهما من بعده تعالى؛ أي: ما يقدر أحد غيره تعالى على ذلك، أو المعنى: وإن أشرفتا على الزوال ما استطاع أحد غيره تعالى أن يمسكهما ويمنعهما عن السقوط. والخلاصة: أنه لا يقدر على دوامهما وبقائهما على هذا الوضع إلا اللطيف الخبير، ونحو الآية قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾. وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿كَانَ حَلِيمًا﴾ غير معاجل بالعقوبة التي تستوجبها جنايات الكفار حيث أمسكهما، وكانتا جديرتين بأن تهدّا هدّ العظيم كلمة الشرك، ﴿غَفُورًا﴾ لمن رجع عن كلمة الكفر، وقال بالوحدانية، تعليل لما قبلها من إمساكه تعالى للسموات والأرض؛ أي: ومن ثَمَّ حلم على المشركين، وغفر لمن تاب منهم على عظيم جرمهم المقتضي تعجيل العقوبة لهم. والخلاصة: أنه يحلم وينظر ويؤجل، ولا يعجّل، ويستر ويغفر. وفي "شرح الأسماء" للإمام الغزالي رحمه الله تعالى: الحليم: هو الذي يشاهد معصية العصاة، ويرى مخالفة الأمر، ثم لا يستفزّه غضب، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش. انتهى. والفرق بين الحليم والصبور: أن المذنب لا يأمن العقوبة في صفة الصبور، كما يأمنها في صفة الحليم؛ يعني: أن الصبور يشعر بأنه يعاقب في الآخرة بخلاف الحليم، كما في "المفاتيح". ولعل هذا بالنسبة إلى المؤمنين دون الكفار، فعلى العاقل أن يتخلَّق بهذا الاسم بأن يصفح عن الجنايات، ويسامح في المعاملات، بل يجازي الإساءة بالإحسان, فإنه من كمالات الإنسان. واعلم: أنّ التوحيد سبب لنظام العالم بأسره، ألا ترى أنه لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله؛ أي: لا يوجد من يوحِّد توحيدًا حقيقيًا، فإنه إذا انقرض أهل هذا التوحيد، وانتقل الأمر من الظهور إلى البطون .. يزول العالم، وينتقض أجزاؤه؛ لأنه إذًا يكون كجسد بلا روح، والروح إذا فارق الجسد يتسارع إلى الجسد البلى والفساد.

стр. 10678

ويروى أنّ آخر مولود في النوع الإنساني يكون بالصّين، فيسري بعد ولادته العقم في الرجال والنساء، ويدعوهم إلى الله تعالى، فلا يجاب في هذه الدعوة، فإذا قبضه الله، وقبض مؤمني زمانه .. وبقي من بقي مثل البهائم، لا يَحِلُّون حلالًا، ولا يحرّمون حرامًا، فعليهم تقوم الساعة، وتخرّب الدنيا، وينتقل الأمر إلى الآخرة. ٤٢ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: أقسم وحلف مشركوا مكة، ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إما منصوب على المصدرية؛ أي: أغلظ أيمانهم وأشدّها وأوكدها، أو مصدر واقع موقع الحال؛ أي: جاهدين ومبالغين في أيمانهم، والجهد بالفتح: بلوغ الغاية في الاجتهاد، وأما بالضم .. فهو الطاقة، والأيمان: جمع يمين، واليمين في الحلف مستعار من اليمين بمعنى اليد اعتبارًا بما يفعل المحالف والمعاهد عنده. قال الراغب: أي: حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم. انتهى، وكان أهل الجاهلية يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، وكانوا يحلفون بالله، ويسمّونه جهد اليمين، وعبارة "الصاوي" هنا: وإنما كان الحلف بالله غاية أيمانهم؛ لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وأصنامهم، فإذا أرادوا التأكيد والتشديد .. حلفوا بالله، وهي اليمين المغلّظة، كما قال النابغة: حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيْبَةً ... وَلَيْسَ وَرَاءَ اللهِ لِلْمَرْءِ مَطْلَبُ أي: كما أن الله تعالى أعلى المطالب، كذلك الحلف به أعلى الأحلاف روي أن قريشًا بلغهم قبل مبعث النبي ﷺ أنَّ أهل الكتاب كذّبوا رسلهم، فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم الرسل فكذبوهم، وحلفت قريش: واللهِ ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾؛ أي: واللهِ لئن جاء قريشًا نبىٌّ منذر مخوّف من عذاب الله ﴿لَيَكُونُنَّ﴾؛ أي: قريش ﴿أَهْدَى﴾؛ أي: أطوع وأصوب دينًا، ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي (١): من كل من اليهود والنصارى وغيرهم؛ لأن ﴿إِحْدَى﴾ شائعة، والأمم جمع، فليس المراد إحدى الأمتين اليهود والنصارى فقط، ولم يقل من الأمم بدون إحدى؛ لأنه لو قال لجاز أن يراد بعض الأمم وأنَّث ﴿إِحْدَى﴾ لكون أمة مؤنثة. والمعنى (٢): أي وأقسم المشركون بالله أغلظ الإيمان، وبالغوا فيها أشد

стр. 10679

المبالغة، لئن جاءهم من الله رسول ينذرهم بأسه .. ليكوننّ أسلك لطريق الحق، وأشد قبولًا له من أيِّ أمة من الأمم التي قد خلت من قبلهم، أو المعنى: فواللهِ لئن أتانا رسول لنكوننّ أهدى من إحدى الأمم؛ أي: من الأمة التي يقال فيها هي إحدى الأمم تفضيلًا لها على غيرها في الهدى والاستقامة، كما يقال للدّاهية العظيمة: هي إحدى الدواهي. والخلاصة: من إحدى الأمم على العموم، أو من الأمة التي يقال لها: إحدى الأمم تفضيلًا لها, ولا ينافي عموم ما هنا قوله في أواخر سورة الأنعام: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾؛ أي: اليهود والنصارى، ثم قوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾؛ أي: إلى الحق؛ لأن (١) تخصيص الطائفتين وكتابيهما هناك إنما هو لاشتهارهما بين الأمم، واشتهارهما فيما بين الكتب السماوية. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾؛ أي: نذير أفضل الكل، وأشرف الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿مَا زَادَهُمْ﴾؛ أي: ما زاد قريشًا ذلك النذير أو مجيئه. ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾؛ أي: إلا تباعدًا عن الحق والهدى، وهربًا منه، وفيه إشعار بأن (٢) المثبت أصل النفور؛ لكونهم جاهليّة لم يأتهم نذير من عهد إسماعيل، وإسناد الزيادة إليه مجاز؛ لأنه هو السبب في أن زادوا في أنفسهم نفورًا. ٤٣ - ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿نُفُورًا﴾، أو مفعول له؛ أي: ما زادهم إلا عتوًّا وتكبرًا عن الإيمان به، أو ما زداهم إلا نفورًا لأجل الاستكبار والعتوّ، قال في "بحر العلوم": الاستكبار والتكبّر، كالاستعظام والتعظّم لفظًا ومعنى. انتهى. قال بعضهم: إن الله تعالى قد أنشأك من الأرض، فلا ينبغي لك أن تعلو على أمك، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ معطوف على ﴿اسْتِكْبَارًا﴾، أو على ﴿نُفُورًا﴾، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، كمسجد الجامع، وصلاة الأولى، وأصله: أن مكروا المكر السيء، فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثم بدل أن مع الفعل بالمصدر، ثم أضيف اتساعًا، وقال الراغب: المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: محمود، وهو أن يتحرَّى بذلك فعل جميل، وعلى ذلك قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ومذموم، وهو

стр. 10680

أن يتحرّى به فعل قبيح. انتهى. ومنه ما في هذه الآية، ولذا وُصف بالسيء. والمعنى: ما زادهم إلا المكر السيء في دفع أمره ﷺ ، وفي قتله وإهلاكه، ومعنى الآية؛ أي (١): ولكن حين جاءهم الرسول انعكست الآية، فما زادهم مجيئه إلا بعدًا عن الإيمان بالله، وانصرافًا عن الحق، واستكبارًا عن اتباع آياته، ومكروا بالناس مكرًا سيئًا، فصدّوهم عن سبيله. والخلاصة: أنه قد تبين أن لا عهد لهم مع ادّعائهم أنهم أوفى الناس، ولا صدق لهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق، وصار مثلهم مثل الإبل التي نفرت من ربها فضلت عن الطريق، فدعاها صاحبها، فازدادت بدعائه نفرة، وصارت بحيث يتعذّر أو يتعسّر ردّها. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ بكسر همزة السيء، وقرأ الأعمش وحمزة بإسكانها وصلًا، فإما إجراءً للوصل مجرى الوقف، وإما إسكانًا لتوالي الحركات، وإجراءً للمنفصل مجرى المتّصل، وقد غلّط كثير من النحاة هذه القراءة؛ ونزَّهوا الأعمش على جلالته أن يقرأ بها، قالوا: وإنما يقف بالسكون، فغلط من روى عنه أنه كان يقرأ بالسكون وصلًا، وتوجيه هذه القراءة ممكن بأن من قرأ بها أجرى الوصل مجرى الوقف، كما في قول الشاعر: فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبِ ... إِثْمًا مِنَ اللهِ وَلَا وَاغِلِ بسكون الباء من أشرب، ومثله قراءة من قرأ: ﴿وما يشعرْكم﴾ بسكون الراء، ومثل ذلك قراءة أبي عمرو: ﴿إلى بارئكم﴾ بسكون الهمزة، وغير ذلك كثير في كلامهم، قال أبو على الفارسي: هذا على إجراء الوصل مجرى الوقف، وروي عن ابن كثير: ﴿ومكر السئْي﴾ بهمزة ساكنة بعد السين وياء بعدها مكسورة، وهو مقلوب السيء المخفّف من السيء، كما قال الشاعر: وَلَا يُجْزُوْنَ مِنْ حَسَنٍ بِسَئْيٍ ... وَلَا يُجْزُوْنَ مِنْ غِلْظٍ بِلِيْنِ وقرأ ابن مسعود: ﴿ومكرًا سيئًا﴾ عطف نكرة على نكرة، ثم بيّن أن عاقبة مكرهم عادت عليهم بالوبال بقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ﴾؛ أي: لا يحيط، ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾
следующие страницы →