أيضًا الاسم من التطير، ومنه قولهم: لا طير إلا طير الله، كما يقال: لا أمر إلا أمر الله، وقال ابن السكيت يقال: طائر الله لا طائرك، ولا تقل: طير الله، وتطيَّر من الشيء وبالشيء، والاسم: الطيرة بوزن عنبة، وهي ما يتشاءم به من الفأل الرديء. ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ والضر: اسم لكل سوء ومكروه يتضرر به. ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ من الإنقاذ، وهو: التخليص من المخاوف والمكاره.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ لردِّ إنكار الكفرة بقولهم في حقه ﷺ : لست مرسلًا، وما أرسل الله إلينا رسولًا، فإنه أكد بالقسم، وبإن، وباللام، وباسمية الجملة؛ لأن المقام مقام الإنكار.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ فإنه شبَّه حال الكفار في امتناعهم من الهدى والإيمان بمن غلت يده إلى عنقه بالسلاسل والأغلال، فأصبح رأسه مرفوعًا لا يستطيع خفضًا له ولا التفاتًا على طريقة الاستعارة التمثيلية.
ومنها: القلب في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾؛ إذ حقيقة الكلام: جعلنا أعناقهم في الأغلال، وقال ثعلب: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ إن المعنى: اسلكوا فيه سلسلة؛ أي: أدخلوا في عنقه سلسلة.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿أَغْلَالًا﴾ مبالغة في تعظيمها وتهويل أمرها.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ الآية، فقد شبههم بمن أحاط بهم سدان هائلان، فغطيا أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في وهدة الجهالة، ممنوعون من النظر في الآيات والدلائل, أو كأنهم وقد حرموا نعمة التفكير في القرون الخالية والأمم الماضية، والتأمل في مغاب الآتية والعواقب المستقبلية، قد أحيطوا بسدٍّ من أمامهم، وسد من
стр. 10747
ورائهم، فهم في ظلمة داكنة لا تختلج العين من جانبها بقبس، وتتوسم بصيصًا من أمل.
ومنها: تكرير الضمير في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ لزيادة التأكيد.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾؛ لأنه استعار الإحصاء بمعنى العد للإحصاء بمعنى البيان بجامع الضبط في كل، فاشتق من الإحصاء بمعنى البيان، أحصينا بمعنى: بينا على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ فقد حذف مفعول ﴿فَعَزَّزْنَا﴾، والتقدير: فعززهما بثالث.
ومنها: التأكيدات في قوله: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ الآيات، ففي هذه الآيات يبدو التأكيد بأروع صورة للخبر، فقال أولًا: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ فأورد الكلام ابتدائي الخبر، ثم قال: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، فأكده بمؤكدين، وهو: إن، واسمية الجملة، فأورد الكلام طلبيًا، ثم قال: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، فترقى في التأكيد بثلاثة، وهي: إن، واللام، واسمية الجملة، فأورد الكلام إنكاري الخبر جوابًا عن إنكارهم، قيل: وفي قوله: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ تأكيد رابع، وهو إجراء الكلام مجرى القسم في التأكيد به، وفي أنه يجاب بما يجاب به القسم، وفي هذه الآية ائتلاف الفاصلة مع ما يدل عليه سائر الكلام، فإن ذكر الرسالة مهد لذكر البلاغ والبيان.
ومنها: قصر القلب في قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ فالمخاطبون وهم الرسل لم يكونوا جاهلين بكونهم بشرًا ولا منكرين لذلك، لكنهم نزّلوا منزلة المنكرين لاعتقاد الكفار أن الرسول لا يكون بشرًا، فنزلوهم منزلة المنكرين للبشرية لما اعتقدوا التنافي بين الرسالة والبشرية، فقلبوا هذا الحكم وعكسوه وقالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا؛ أي: أنتم مقصورون على البشرية، ليس لكم وصف الرسالة التي تدعونها، فلا فضل لكم علينا يقتضي اختصاصكم بالرسالة دوننا, ولو أرسل الرحمن إلى البشر رسلًا لجعلهم من جنس أفضل منهم، وهم الملائكة على زعمهم.
стр. 10748
ومنها: الطباق في قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾.
ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾.
ومنها: الجناس الناقص في ﴿نَحْنُ نُحْيِ﴾ لتغير بعض الحروف.
ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿أَرْسَلْنَا﴾ و ﴿لَمُرْسَلُونَ﴾، وبين ﴿تَطَيَّرْنَا﴾ و ﴿طَائِرُكُمْ﴾.
ومنها: الإطناب بتكرار الفعل في قوله: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾.
ومنها: الإيغال في قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، الإيغال عندهم: هو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها؛ لأن قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ مما يتم المعنى بدونه؛ لأن الرسل مهتدون لا محالة، إلا أن فيه زيادة حث على اتباع الرسل وترغيب فيه.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وفائدته: أن في انتقاله من مخاطبتهم ومناصحتهم إلى التكلم تلطفًا بهم من جهة، ووعيدًا لهم من جهة ثانية، فقد صرف الكلام أولًا إلى نفسه، وأراهم أنه لا يختار لهم إلا ما يختاره لنفسه، ثم التفت إلى مخاطبتهم ثانيًا مقرعًا مهددًا بالعواقب التي تنتظرهم، ثم عاد أخيرًا إلى التلطف في النصيحة؛ لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح؛ حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني، وإليه أرجع.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾.
ومنها: الحذف لدلالة السياق عليه في قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، والتقدير: فلما أشهر إيمانه .. قتلوه، فقيل له: ادخل الجنة.
ومنها: ائتلاف الفواصل في هذه الآي، وهو من خصائص القرآن لما فيه من روعة البيان، وحسن الوقع على السمع، وهو كثير في القرآن.
فائدة: من محاسن القرآن الكريم وبلاغته الخارقة الإيجاز في القصص والأنباء، والإشارة إلى روحها وسردها؛ لأن القصد من القصص التذكير والاعتبار،
стр. 10749
ولهذا لم يذكر في القصة اسم البلدة، ولا اسم الشخص الذي دعاهم إلى الله تعالى، ولا أسماء الرسل الكرام؛ لأن كل ذلك ليس هو الهدف من القصة، وقس على هذا سائر قصص القرآن.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أجل وأعز وأكرم وأعلم، والحمد لله على إحسانه وإنعامه، وصلِّ وسلم ربنا على محمد وآله الطيبين الأخيار، وصحبه الكرام الأبرار، وأتباعهم إلى يوم العرض على الجبار (١).
* * *
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الرابع والعشرون»
стр. 10752
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 10753
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٢٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، جل على الإنعام، فسبحانه ذا الجلال والإكرام على ما منّ به علينا من الفضل الجسيم، لا سيما تفسير كتابه الكريم، والصلاة والسلام على أفضل الأنام سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه الكرام، ومن حذا حذوهم إلى يوم القيام.
أما بعد: فلما استدبرت من تفسير الجزء الثاني والعشرين من القرآن الكريم .. استقبلت تفسير الجزء الثالث والعشرين منه، طالبًا منه سبحانه المعونة والسلامة، والتوفيق والهداية لأصوب الطريق، فيما أنا بصدده من تفسير كتابه، فهو المرجو في كل دعاء، ومنه حصول كل رجاء، فقلت: وقولي هذا:
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢) وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ
стр. 10757
إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ ...﴾ الآيات، تقدم أن قلنا غير ما مرة، أنّ تقسيم الكتاب الكريم إلى الأجزاء الثلاثين، لوحظ فيه العد اللفظي، لا الاتصال المعنوي، إذ كثيرًا ما تكون بداءة الجزء في أثناء القصة الواحدة، كما هنا، فإنه بعد أن بيّن حال الناصح الشهيد، ودخوله الجنة ... أردف ذلك ذكر حال المتخلفين المخالفين له، ثم ذكر سنة الله في أمثالهم من العذاب الدنيوي، ثم هم يردون إلى ربهم فيعذبهم في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (١) لما بيّن أن العباد كلهم محضرون إليه يوم القيامة للحساب والجزاء على ما قدموا من عمل ... أردف ذلك بما يدل على أن البعث ممكن وليس بمستحيل، وآية ذلك أن الأرض الميتة إذا نزل عليها المطر تحيا، وتنبت من كل زوج بهيج، ثم ذكر أنه كان يجب عليهم شكران هذه النعم بعبادة خالقها، وترك عبادة غيره مما لا يجديهم نفعًا، ولا يدفع عنهم ضرًا.
قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما استدل على إمكان البعث والنشور بأحوال
стр. 10758
الأرض وما يطرأ عليها من تغير، مما هو دليل القدرة الشاملة .. أردف ذلك بذكر أحوال الأزمنة من اختلاف الليل والنهار، وجريان الشمس والقمر، والأجرام السماوية، وهي مخلوقات عظيمة تحت قبضته يتصرف فيها بعظيم سلطانه.
قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر على سبيل المنّة على عباده أنه أحيا الأرض، وهي مكان الحيوان .. أردف ذلك بذكر نعمة أخرى على الإنسان، وهي أنه جعل له طريقا يتخذه في البحر، ويسير فيه كما يسير في البر، جلبا لأرزاقه وتحصيلًا لأقواته من أقاصي البلاد في أنحاء المعمورة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر أنهم أعرضوا عن النظر في الآيات التي يشاهدونها في الآفاق .. أردف ذلك بذكر إعراضهم عن الآيات المنزّلة من عند ربهم، مما فيه تحذيرهم، بأن يحل بهم من المثلات مثل ما حل بمن قبلهم، ثم أعقبه بذمهم على ترك الشفقة على خلق الله تعالى، إذ قيل لهم: أنفقوا فلم يفعلوا.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما أمرهم بتقوى الله، وخوّفهم أن يحل بهم مثل ما حل بمن قبلهم من المثلات .. أعقب هذا بذكر إنكارهم ليوم البعث، واستعجالهم له، استهزاء به وسخرية منه، ثم أتبعه ببيان أنه حق لا شك فيه، وأنه سيأتيهم بغتة من حيث لا يشعرون، وإذ ذاك يخرجون من قبورهم مسرعين إلى الداعي، ثم ينادون بالويل والثبور وعظائم الأمور، حين يرون العذاب، ويقولون: من أخرجنا من قبورها، فيجابون: بأن ربكم هو الذي قدر هذا، ووعدكم به على ألسنة رسله، وسيوفي كل عامل جزاء عمله.
التفسير وأوجه القراءة
٢٨ - فلما قتل حبيب النجار، غضب الله له، فعجّل لهم العقوبة، فأمر
стр. 10759
جبرائيل ﵇، فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾؛ أي: على قوم حبيب النجار، وهم أهل أنطاكية. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد قتلهم له، أو من بعد رفع الله له إلى السموات على الاختلاف السابق. ﴿مِنْ جُنْدٍ﴾ وعسكر ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ ولم نرسل عليهم جندًا من الأرض، لإهلاكهم وللانتقام منهم؛ أي: لم نحتج إلى إرسال جنود من السماء لإهلاكهم، كما وقع ذلك للنبي ﷺ يوم بدر، من إرسال الملائكة لنصرته وحرب أعدائه، بل كفينا أمرهم بصيحة ملك. ﴿وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾؛ أي: وما صح واستقام في قضائنا وحكمتنا أن ننزل لإهلاك قومه جندًا من السماء، لسبق قضائنا وقدرنا، بأن إهلاكهم بالصيحة لا بإنزال الجند، فإنا جعلنا لكل شيء سببا يخصه، حيث أهلكنا بعض الأمم بالحاصب، وبعضهم بالصيحة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالإغراق، وجعلنا إنزال الجند من السماء من خصائصك في الانتصار من قومك.
وفي الآية: استحقار لأهل أنطاكية ولإهلاكهم، حيث اكتفى في استئصالهم بما يتوسل به إلى زجر، نحو الطيور والوحوش، من صيحة عبد واحد مأمور، وإيماء إلى تفخيم شأن الرسول ﷺ ؛ لأنه إذا كان أدنى صيحة ملك واحد، كافيًا في إهلاك جماعة كثيرة، ظهر أن إنزال الجنود من السماء يوم بدر والخندق لم يكن إلا تعظيمًا لشأنه، وإجلالًا لقدره، لا لاحتياج الملائكة إلى المظاهرة والمعاونة.
فإن قيل: كما لم ينزل عليهم جندًا من السماء، لم يرسل إليهم جندًا من الأرض أيضًا، فما فائدة قوله: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؟
فالجواب: أنه ليس للاحتراز، بل لبيان أن النازل عليهم من السماء لم يكن إلا صيحةً واحدة أهلكتهم بأسرهم؛ أي: ليسوا بأحقّاء بأن ننزل لإهلاكهم جندًا من السماء،
٢٩ - بل أهلكناهم بصيحة واحدة، كما يفيده قوله: ﴿إِنْ كانَتْ﴾؛ أي: ما كانت الأخذة أو العقوبة على أهل أنطاكية ﴿إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ صاح بها جبرائيل، فأهلكهم قال المفسرون: أخذ جبرائيل بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة، فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حسّ، كالنار إذا انطفأت، وهو معنى قوله:
стр. 10760
﴿فَإِذا﴾ هم؛ أي: أهل أنطاكية ﴿خامِدُونَ﴾ أي: قوم خامدون؛ أي: ميتون لا يسمع لهم حسّ، ولا يشاهد لهم حركة، شبّهوا بالنار الخامدة رمزًا إلى أن الحي كالنار الساطعة في الحركة والالتهاب، والميت كالرماد، يقال: خمدت النار إذا سكن لهبها ولم ينطفىء جمرها، وهمدت إذا طفىء جمرها قال في «الكواشي»: لم يقل: هامدون وإن كان أبلغ لبقاء أجسادهم بعد هلاكهم. و ﴿إذا﴾ فجائية (١)؛ أي: فاجأهم الخمود إثر الصيحة، لم يتأخر ووقعت (٢) الصيحة في اليوم الثالث من قتل حبيب والرسل، أو في اليوم الذي قتلوهم فيه. وفي رواية، في الساعة التي عادوا فيها بعد قتلهم إلى منازلهم فرحين مستبشرين، وإنما عجّل الله عقوبتهم، غضبا لأوليائه الشهداء، ولم يذكر لنا الكتاب الكريم، كيف كانت الصيحة، ولا كيف نزل بهم العذاب. وتفصيل ذلك لا يعنينا، فالعبرة تحصل بدون بيانه، إذ المراد: انتقام الله وعذابه لمن كذب أولياءه على أي نحو كان ذلك العذاب. نسأل الله سبحانه أن يحفظنا من موجبات غضبه وسخطه وعذابه.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿صَيْحَةً﴾ بالنصب، على أن ﴿كان﴾ ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى ما يفهم من السياق، كما قدمنا. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والأعرج ومعاذ القارىء ﴿صيحةٌ﴾ بالرفع على أنّ ﴿كان﴾ تامة؛ أي: ما حدثت أو ما وقعت إلا صيحة واحدة. وكان الأصل أن لا يلحق التاء؛ لأنه إذا كان الفعل مسندا إلى ما بعد إلا من المؤنث لم تلحق العلامة للتأنيث، فيقال: ما قام إلا هند، ولا يجوز (ما قامت إلا هند) عند أصحابنا إلا في الشعر. وجوّزه بعضهم في الكلام على قلّة، ومثله قراءة الحسن، ومالك بن دينار، وأبي رجاء، والجحدري، وقتادة، وأبي حيوة، وابن أبي عبلة، وأبي بحرية ﴿لا ترى إلا مساكنهم﴾ بالتاء. والقراءة المشهورة ﴿لا يرى﴾ بالياء، فأنكر أبو حاتم، وكثير من النحويين هذه القراءة، أعني: قراءة الرفع، بسبب لحوق تاء التأنيث في قوله: ﴿إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً﴾. قال أبو حاتم: فلو كان كما قرأ أبو جعفر .. لقال: إن
стр. 10761
كان إلا صيحة. وقدّر الزجاج هذه القراءة بقوله: إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة، وقدّرها غيره: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة، وقرأ عبد الله بن مسعود: إن كانت إلا زقية واحدة. والزقية: الصيحة. قال النحاس: وهذا مخالف للمصحف.
٣٠ - ﴿يا حَسْرَةً﴾ يا ندامة ﴿عَلَى الْعِبادِ﴾ المصرين على العناد تعالي، فهذا أوانك ووقت ظهورك، فهذه من الأحوال التي حقّها أن تحضري فيها، وهي ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾، فإن المستهزئين بالناصحين الذين نيطت بنصائحهم سعادة الدارين، أحقاء بأن يتحسروا ويتحسّر عليهم المتحسرون، وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين. والمراد (١) بالعباد هنا: مكذبو الرسل؛ أي: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة، إذا عاينوا العذاب على تكذيبهم رسل الله ومخالفة أوامره.
ثم بيّن سبب الحسرة والندامة، فقال: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ ...﴾ الخ؛ أي: ما جاءهم رسول إلا استهزؤوا به، وكذبوه، وجحدوا ما أرسل به من الحق.
والخلاصة: أن المستهزئين بالناصحين المخلصين، المنوط بنصحهم خير الدارين، جديرون أن يتحسروا على أنفسهم، إذ فوّتوا عليها السعادة الأبدية، وعرّضوها لعذاب مقيم، وكأنه قيل: يا حسرة احضري فهذه شدة لا سبيل للخلاص منها.
وقرأ الجمهور (٢): بنصب ﴿حَسْرَةً﴾ على كونها مشابهة بالمنادى المضاف في طولها، بما تعلق بها من الجار والمجرور، فكأنه نادى الحسرة وقال لها: هذا أوانك فاحضري، وقيل: إنها منصوبة على المصدرية، والمنادى محذوف والتقدير: يا هؤلاء تحسروا حسرة على العباد المكذبين للرسل حين جاؤوهم فاستهزؤوهم، وقرأ أبي، وابن عباس، وعلي بن الحسين، والضحاك، ومجاهد
стр. 10762
والحسن ﴿يا حسرة العباد﴾ بالإضافة إما إلى الفاعل أو إلى المفعول، فيجوز أن تكون الحسرة منهم على ما فاتهم، ويجوز أن تكون الحسرة من غيرهم عليهم، لما فاتهم من اتباع الرسل حين أحضروا للعذاب، وطباع البشر تتأثر عند معاينة عذاب غيرهم، وتتحسر عليهم أو من الملائكة، وقرأ أبو الزناد، وابن هرمز، ومسلم بن جندب، وعكرمة ﴿يا حسره على العباد﴾ بسكون الهاء إجراء للوصل مجرى الوقف، وقال ابن خالويه: ﴿يا حسرةَ على العباد﴾ بغير تنوين، قاله ابن عباس، اهـ. ووجهه: أنه اجتزأ بالفتحة عن الألف التي هي بدل من ياء المتكلم في النداء، كما اجتزأ بالكسرة على الياء فيه، وقد قرىء ﴿يا حسرتا﴾ بالألف؛ أي: يا حسرتي، ويكون من الله على طريق الاستعارة لتعظيم ما جنوه على أنفسهم، شبّه استعظام الله سبحانه لجنايتهم على أنفسهم، بتحسر الإنسان على غيره، لأجل ما فاته من الدولة العظمى، من حيث أن ذلك التحسر يستلزم استعظام ما أصاب ذلك الغير، والإنكار على ارتكابه، والوقوع فيه.
وجملة قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ ...﴾ إلخ، مستأنفة مسوقة لبيان ما كانوا عليه من تكذيب الرسل والاستهزاء بهم، وأن ذلك هو
سبب التحسر عليهم، وفي «بحر العلوم»: قوله: ﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾ إلخ، حكاية حال ماضية مستمرة؛ أي: كانوا في الدنيا على الاستمرار يستهزئون بمن يأتيهم من الرسول من غاية الكبر، ويستحقرون، ويستنكفون عن قبول دينه ودعوته، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ عن استهزاء قومه له.
٣١ - ولما بيّن حال الأولين نبه الحاضرين، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ وعيد للمشركين في مكة بمثل عذاب الأمم الماضية، ليعتبروا ويرجعوا عن الشرك. والاستفهام للتقرير؛ أي: قد رأوا كثرة إهلاكنا، وكم في قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ خبرية؛ أي: ألم يعلم أهل مكة كثرة إهلاكنا من قبلهم، من المذكورين آنفًا، ومن غيرهم بشؤم تكذيبهم. وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ معلّق عن العمل فيما بعده؛ لأن ﴿كَمْ﴾ لا يعمل فيها ما قبلها، خبرية كانت كما هنا، أو استفهامية، خلا أن معناه نافذ في الجملة، كما نفذ في قولك: ألم تر إن زيدا لمنطلق. وإن لم يعمل
стр. 10763
في لفظه، فالجملة منصوبة المحل بـ ﴿يَرَوْا﴾.
وقوله: ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ أي: المهلكين من القرون ﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى أهل مكة ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من ﴿أَهْلَكْنا﴾ على المعنى؛ أي (١): ألم يعلموا كثرة إهلاكنا القرون الماضية والأمم السالفة كونهم؛ أي: الهالكين غير راجعين إليهم؛ أي: إلى هؤلاء المشركين؛ أي: أهلكوا إهلاكًا لا رجوع لهم من بعده في الدنيا؛ أي: أفلا يعتبرون، ولم لا ينتبهون، فكما أنهم مضوا وانقرضوا إلى حيث لم يعودوا إلى ما كانوا، فكذلك هؤلاء سيهلكون وينقرضون إثرهم ثم لا يعودون، وقال بعضهم: ألم يروا أن خروجهم من الدنيا، ليس كخروج أحدهم من منزله إلى السوق، أو إلى بلد آخر، ثم عودته إلى منزله عند إتمام مصلحته هناك، بل هو مفارق من الدنيا أبدًا، فكونهم غير راجعين إليهم عبارة عن هلاكهم بالكلية، ويجوز أن يكون المعنى: أن الباقين لا يرجعون إلى المهلكين بنسب ولا ولادة؛ أي: أهلكناهم وقطعنا نسلهم، والإهلاك مع قطع النسل أتم وأعم، وقال أبو حيان: والذي تقتضيه صناعة العربية أن ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ معمول لمحذوف دل عليه السياق، تقديره: قضينا أو حكمنا أنهم إليهم لا يرجعون، ولا يصح إبداله مما قبله لفظًا ولا معنًى وقرأ ابن عباس، والحسن إنهم بكسر الهمزة على الاستئناف وقطع الجملة عما قبلها من جهة الإعراب، ودل ذلك على أن قراءة الفتح مقطوعة عن ما قبلها من جهة الإعراب، لتتفق القراءتان ولا تختلفان، وقرأ عبد الله ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا﴾، و ﴿أَنَّهُمْ﴾ على هذا بدل اشتمال مما قبله، اهـ «البحر».
والمعنى (٢): أي ألم يعتبروا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل: كعاد، وثمود. وأنهم لا رجعة لهم إلى الدنيا، كما تعتقد الدهرية جهلًا منهم، بأنهم يعودون إليها كما كانوا، وهذه الآية ترد قول أهل الرجعة (٣)؛ أي: من يزعم
стр. 10764
أن من الخلق من يرجع إلى الدنيا قبل القيامة بعد الموت، كما حكي عن ابن عباس ﵄: أنه قيل له: إن قومًا يزعمون أن عليًا ﵁ مبعوث قبل يوم القيامة، فقال ابن عباس: بئس القوم نحن، إذا نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه؛ أي: لو كان راجعًا إلى الدنيا لكان حيًا، والحي لا تنكح نساؤه، ولا يقسم ميراثه، كما قال الفقهاء إذا بلغ إلى المرأة وفاة زوجها، فاعتدت وتزوجت وولدت، ثم جاء زوجها الأول فهي امرأته؛ لأنها كانت منكوحته، ولم يعترض شيء من أسباب الفرقة، فبقيت على النكاح السابق، ولكن لا يقربها حتى تنقضي عدتها من النكاح الثاني.
ويجب إكفار الروافض في قولهم: بأن عليًا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا، فينتقمون من أعدائهم، ويملؤون الأرض قسطًا كما ملئت جورًا، وذلك القول مخالف للنص.
٣٢ - وبعد أن ذكر أنه أهلكهم وبيّن طريق ذلك، أعقب هذا بأن لهم حسابًا وعقابًا، فقال: ﴿وَإِنْ﴾ نافية أو مخففة ﴿كُلٌّ﴾ تنوينه عوض عن المضاف إليه ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد بمعنى: إلا على القول: بأن ﴿إِنْ﴾: نافية، وبالتخفيف على أن اللام هي الفارقة، و ﴿ما﴾: زائدة على القول: بأن ﴿إِنْ﴾: مخففة من الثقيلة. ﴿جَمِيعٌ﴾ فعيل بمعنى مفعول، جمع بين كل وجميع؛ لأن الكل يفيد الإحاطة دون الاجتماع، والجميع يفيد أن المحشر يجمعهم، ولدينا بمعنى عندنا، ظرف لجميع أو لـ ﴿مُحْضَرُونَ﴾ والمعنى على التشديد: وما كل الخلائق إلا مجموعون لدينا، محضرون عندنا للحساب والجزاء، وعلى التخفيف. وإنه كل الخلائق لمجموعون عندنا، محضرون لدينا للحساب والجزاء.
وهذه الآية (١): بيان لرجوع الكل إلى المحشر، بعد بيان عدم الرجوع إلى الدنيا، وأن من مات ترك على حاله، ولو لم يكن بعد الموت بعث وجمع وحبس وعقاب وحساب، لكان الموت راحة للميت، ولكنه يبعث ويسأل، فيكرم
стр. 10765
المؤمن، والمخلص، والصالح والعادل، ويهان الكافر، والمنافق، والمرائي والفاسق، والظالم. فيفرح من يفرح، ويتحسر من يتحسر، فللعباد موضع التحسر إن لم يتحسروا اليوم.
وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر (١): بتشديد ﴿لما﴾، وباقي السبعة بتخفيفها، فمن شددها كانت عنده بمعنى إلا، و ﴿إِنْ﴾ نافية، ومن خفف ﴿لما﴾ جعل ﴿إِنَّ﴾ مخففة من الثقيلة، واللام في ﴿لَمَّا﴾ فارقة، و ﴿ما﴾ زائدة.
فائدة: وقال (٢) أبو عبد الله الرازي في كون لما بمعنى: إلا معنى مناسب، وهو أن ﴿لَمَّا﴾ كأنها حرفا نفي جميعًا، وهما: لم وما، فتأكد النفي، وإلا كأنها حرفا نفي: «إن ولا»، فاستعمل أحدهما مكان الآخر، انتهى. والمعنى؛ أي: وإن جميع الأمم ماضيها، وحاضرها، وآتيها ستحضر يوم القيامة بين يدي الله، فيجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها، ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة له، وما أحسن قوله:
ولو أنّا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كُلِّ حَيِّ
وَلكنَّا إذَا مِتنا بُعثنا ... وَنُسأل بعدها عن كلِّ شَيِّ
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾.
والخلاصة: أن الناس يجمعون للحساب والجزاء، ويوفى كل عامل جزاء عمله من خير أو شر.
٣٣ - ثم ذكر سبحانه البرهان على التوحيد، والحشر مع تعداد النعم وتذكيرها، فقال: ﴿وَآيَةٌ﴾؛ أي: علامة عظيمة، ودلالة واضحة على البعث والجمع والإحضار، وهو خبر مقدم للاهتمام به، وقوله: ﴿لَهُمُ﴾؛ أي: لأهل مكة، إما متعلق بآية؛ لأنها بمعنى: العلامة أو بمضمر هو صفة لها، والمبتدأ قوله: ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾؛ أي: اليابسة الجامدة، قرأ أهل المدينة (٣): ﴿الميِّتة﴾ بالتشديد،
стр. 10766
وخففها الباقون، وجملة قوله: ﴿أَحْيَيْناها﴾ مستأنفة مبينة لكيفية كون الأرض الميتة آية، كأن قائلًا قال: كيف تكون آية؟ فقال: أحييناها، والإحياء في الحقيقة: إعطاء الحياة، وهي صفة تقتضي الحس والحركة، والمعنى هاهنا: هيجنا القوى النامية فيها، وأحدثنا نضارتها بأنواع النباتات في وقت الربيع، بإنزل الماء من بحر الحياة، وكذلك النشور، فإنا نحيي الأبدان البالية المتلاشية في الأجداث، بإنزال رشحات من بحر الجود، فنعيدهم أحياء كما أبدعناهم أولًا من العدم.
وبدأ في تفصيل الآيات بالأرض (١)؛ لأنها مستقرهم حركةً، وسكونًا، حياةً وموتًا، فنبههم الله سبحانه بهذا، على إحياء الموتى، وذكرهم نعمه وكمال قدرته، فإنه سبحانه أحيا الأرض بالنبات، وأخرج منها الحبوب التي يأكلونها، ويتغذون بها. وهو معنى قوله: ﴿وَأَخْرَجْنا مِنْها﴾؛ أي: من الأرض ﴿حَبًّا﴾ وبزرًا. والحب هو الذي يطحن، والبزر الذي يعصر منه الدهن، وهو جمع حبة، والمراد: جنس الحبوب التي تصلح قواما للناس من الأرز، والذرة، والحنطة، والشعير، وغيرها. ﴿فَمِنْهُ﴾؛ أي: فمن ذلك الحب ﴿يَأْكُلُونَ﴾ تقديم (٢) الصلة ليس لحصر جنس المأكول في الحب، حتى يلزم أن لا يؤكل غيره، بل هو لحصر معظم المأكول فيه، ولبيان أنه أكثر ما يقوم به المعاش، فإن الحب معظم ما يؤكل، ويعاش به، ومنه صلاح الإنس حتى إذا قل قل .. الصلاح، وكثر الضر والصياح، وإذا فقد .. فقد النجاح بإخلال الأشباح ولأمر ما قال النبي ﷺ : «أكرموا الخبز فإن الله أكرمه، فمن أكرم الخبز أكرمه الله».
قال في شرعة الإسلام: ويكرم الخبز بأقصى ما يمكن، فإنه يعمل في كل لقمة يأكلها الإنسان من الخبز ثلاث مئة وستون صانعًا. أولهم: ميكائيل الذي يكيل الماء من خزانة الرحمة، ثم الملائكة التي تزجر السحاب والشمس والقمر والأفلاك، وملائكة الهواء، ودواب الأرض، وآخرهم الخباز. ومن إكرام الخبز: أن تلتقط الكسرة من الأرض، وإن قلت، فيأكلها تعظيما لنعمة الله تعالى. وفي الحديث: «من أكل ما يسقط من المائدة .. عاش في وسعة، وعوفي في ولده،
стр. 10767
وولد ولده، من الحمق». ويقال: إن التقاط الفتات مهور الحور العين، ولا يضع القصعة على الخبز، ولا غيرها، إلا ما يؤكل به من الإدام، ويكره مسح الأصابع والسكين بالخبز، إلا إذا أكله بعده، وكذا يكره وضع الخبز جنب القصعة لتستوي، وكذا يكره أكل وجه الخبز أو جوفه، ورمي باقيه لما في كل ذلك من الاستخفاف بالخبز، والاستخفاف بالخبز يورث الغلاء والقحط، كذا في شرح «النقاية والعوارف».
ومعنى الآية (١): أي ومن الأدلة على قدرتنا على البعث: إحياء الأرض الهامدة التي لا نبات فيها، بإنزالنا الماء عليها، فتهتز، وتربو، وتنبت نباتًا مختلفًا ألوانه وأشكاله، وتخرج حبًا هو قوت لكم ولأنعامكم، وبه قوام حياتكم.
٣٤ - ﴿وَجَعَلْنا فِيها﴾؛ أي: وخلقنا في الأرض ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين مملوءة ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ جمع نخلة ﴿وَأَعْنابٍ﴾ جمع عنب؛ أي: من أنواع النخل والعنب، ولذلك جمعا دون الحب، فإن الدال على الجنس مشعر بالاختلاف، ولا كذلك الدال على الأنواع. وخصهما بالذكر لأنهما أعلى الثمار، وأنفعها للعباد.
فإن قلت (٢): لم ذكر النخيل دون التمور حتى يطابق الحب والأعناب في كونها مأكولة، لأن التمور والحب والأعناب كلها مأكولة دون النخيل؟
قلت: ذكر النخيل لاختصاص شجرها بمزيد النفع، وآثار الصنع. وذلك لأنها أول شجرة استقرت على وجه الأرض، وهي عمتنا لأنها خلقت من فضل طينة آدم ﵇ على ما قيل وهي تشبه الإنسان، من حيث استقامة قدها وطولها. وامتياز ذكرها من بين النبات، واختصاصها باللقاح، ورائحة طلعها كرائحة المني، ولطلعها غلاف كالمشيمة التي يكون الولد فيها، ولو قطعت رأسها ماتت كما قالوا: أقرب الجماد إلى النبات المرجان، لأنه ينبت في البحر كالنبات، ويكون له أغصان. وأقرب النبات إلى الحيوان النخل، لأنها تموت بقطع رأسها، ولا تثمر بدون اللقاح، كما ذكر. وأقرب الحيوان إلى الإنسان
стр. 10768
الفرس، ويرى المنامات كبني آدم. ولو أصاب النخلة آفة هلكت، والجمار من النخلة كالمخ من الإنسان. وإذا تقارب ذكورها وإناثها حملت حملًا كثيرًا؛ لأنها تستأنس بالمجاورة.
ومن خواص النخلة: أن مضغ خوصها يقطع رائحة الثوم، وكذا رائحة الخمر. وأما العنب فقد جاء في بعض الكتب المنزلة «أتكفرون بي وأنا خالق العنب». وله خواص كثيرة، وكذا الزبيب. وروي: أنه أهدي إلى النبي ﷺ الزبيب، فقال: «بسم الله، كلوا نعم الطعام الزبيب يشد العصب، ويذهب الوصب، ويطفىء الغضب، ويرضي الرب ويطيب النكهة، ويذهب البلغم، ويصفي اللون». وماء الكرم الذي يتقاطر من قضبانها بعد كسحها ينفع للجرب شربا، ويسقى للمشغوف بالخمر بعد شربه الخمر، من غير علمه، فيبغض الخمر قطعًا.
وأول من استخرج الخمر جمشيد الملك، فإنه توجه مرة إلى الصيد فرأى في بعض الجبال كرمة، وعليها عنب، فظنها من السموم، فأمر بحملها حتى يجربها، ويطعم العنب لمن يستحق القتل، فتكسرت حباته فعصروها، وجعلوا ماءها في ظرف، فما عاد الملك إلى قصره إلا وقد تخمر العصير، فأحضر رجلًا وجب عليه القتل، فسقاه من ذلك، فشربه بكره ومشقة ونام نومة ثقيلة ثم انتبه، وقال: اسقوني منه فسقوه أيضًا مرارًا، فلم يحدث فيه إلا السرور والطرب، فسقوه غيره وغيره، فذكروا أنهم انبسطوا بعدما شربوه، ووجدوا سرورا وطربا، فشرب الملك فأعجبه، ثم أمر بغرسه في سائر البلاد. وكانت الخمر حلالًا في الأمم السالفة، فحرمها الله تعالى علينا، لأنها مفتاح لكل شر، وجالبة لكل سوء وضر، ومميتة للقلب، ومسخطة للرب.
وقد قيل: خير خلكم خل خمركم. وذلك لأن انقلاب الخمر إلى الخل مرضاة للرب. وفيه خواص كثيرة. وأكثر الناس السعال والتنحنح في مجلس معاوية، فأمر بشرب خل الخمر. والخل ورد فيه «نعم الإدام»، وقد تعيش به كثير من السلف الكرام، نسأل الله القناعة على الدوام.
стр. 10769
﴿وَفَجَّرْنا﴾؛ أي: شققنا وأسلنا ﴿فِيها﴾؛ أي: في الأرض ﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾؛ أي: بعضًا من ماء العيون. فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه أو ﴿مِنْ﴾ زائدة، و ﴿الْعُيُونِ﴾ مفعول به على رأي من جوز زيادتها في الإثبات. وهو الأخفش، ومن وافقه. وقرأ الجمهور ﴿فَجَّرْنا﴾: بالتشديد. وقرأ جناح بن حبيش بالتخفيف. والفجر، والتفجير كالفتح والتفتيح لفظًا ومعنى.
واعلم (١): أن تفجير الأنهار والعيون في البلاد، رحمة من الله تعالى، إذ حياة كل شيء من الماء، وللبساتين منه النضارة والنماء. والعيون إما جارية وإما غير جارية، والجارية غير الأنهار، إذ هي أكثر وأوسع من العيون، ومنبعها غير معلوم غالبا كالنيل المبارك، حيث لم يوجد رأسه. وغير الجارية هي الآبار.
٣٥ - واللام في قوله: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ متعلق بـ ﴿جَعَلْنا﴾، وتأخيره عن تفجير العيون لأنه من مبادىء الأثمار، والضمير في ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾ يعود إلى المذكور من الجنات والنخيل؛ أي: وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب، ورتبنا مبادىء إثمارها ليأكلوا من ثمر ما ذكر من الجنات والنخيل والأعناب، ويواظبوا على الشكر أداء لحقوقنا. ففيه إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة. وقيل: الضمير راجع إلى ماء العيون؛ لأن الثمر منه، قاله الجرجاني. وقيل: الضمير لله على طريقة الالتفات، والإضافة إليه، لأن الثمر بخلقه كما في «البيضاوي». وقرأ الجمهور (٢): ﴿ثَمَرِهِ﴾ بفتح الثاء والميم. وقرأ حمزة، والكسائي، وطلحة، وابن وثاب بضمهما. وقرأ الأعمش بضم الثاء، وإسكان الميم.
وقوله: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ معطوف على ﴿ثَمَرِهِ﴾؛ أي: ليأكلوا من ثمره، ويأكلوا من الذي عملته أيديهم. وهو ما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما، وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن ما موصولة. وقيل: ﴿مَا﴾: نافية، والمعنى: والحال أنه لم تعمل ذلك الثمر، ولم تصنعه أيديهم؛ لأن الثمر وجد بخلق الله تعالى لا بفعلهم، ومحل الجملة حينئذ النصب على الحال. ويؤيد الأول
стр. 10770
قراءة ﴿وما عملت﴾ بلا هاء، فإن حذف العائد من الصلة أحسن من الحذف من غيرها. والأيدي في قوله: ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ كناية عن القوة، لأن أقوى جوارح الإنسان في العمل يده، فصار ذكر اليد غالبًا في الكناية، ومثله ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَما عَمِلَتْهُ﴾ بالضمير، فإن كانت ﴿مَا﴾ موصولة فالضمير عائد عليها، وإن كانت نافية فالضمير عائد على الثمر. وقرأ طلحة، وعيسى وحمزة، والكسائي، وأبو بكر بغير ضمير. ومفعول ﴿عملت﴾ على كلا التقديرين محذوف. وجوز في هذه القراءة أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: وعمل أيديهم، وهو مصدر أريد به المعمول، فيعود إلى معنى الموصول.
والمعنى (٢): أي وأنشأنا في هذه الأرض التي أحييناها، بساتين من نخيل وأعناب، وجعلنا فيها أنهارًا سارحة، في أمكنة تنشر فيها، ليأكلوا من ثمر الجنات، ومما عملت أيديهم مما غرسوا وزرعوا.
ولما عدد سبحانه هذه النعم .. حض على الشكر، فقال: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: أفلا يشكرون خالق هذه النعم، على ما تفضل به عليهم، من نعم لا تعد ولا تحصى. وهو إنكار واستقباح لعدم شكرهم النعم المعدودة. والهمزة فيه للاستفهام التوبيخي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والفاء: عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير (٣): أيرون هذه النعم أو أيتنعمون بها فلا يشكرونها بالتوحيد والتقديس والتحميد، فيرجعون عن عبادة غير الله تعالى. وفي ذلك استدلال على وحدانية الله تعالى، وتعداد للنعم. فالأرض مكان لهم لا بد لهم منها، فهي نعمة، ثم إحياؤها بالنبات نعمة ثانية، فإنها تصير أنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة، فإن قوتهم يصير في مكانهم، ثم جعل الجنان فيها نعمة رابعة؛ لأن الأرض تنبت الحب في كل سنة. وكل ذلك مفيد إلى بيان إحياء الموتى. فيقول الله تعالى: كما فعلنا في موات الأرض كذلك نفعل في الأموات
стр. 10771
في الأرض، فنحييهم ونعطيهم ما لا بد لهم منه في بقائهم من الأعضاء المحتاج إليها وقواها كالعين، والأذن وغير ذلك. ونزيد له ما هو زينة كالعقل الكامل والإدراك الشامل، فكأنه تعالى قال: نحيى الموتى إحياءً تامًا، كما أحييت الأرض إحياءً تامًا.
٣٦ - وجملة قوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها﴾ مستأنفة، مسوقة لتنزيهه سبحانه عما وقع منهم، من ترك الشكر لنعمه المذكورة، والتعجب من إخلالهم بذلك. فالمعنى: تنزه بذاته عن كل ما لا يليق مما فعلوه، اه «أبو السعود». وفي «القرطبي»: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها﴾ تنزه (١) نفسه سبحانه عن قول الكفار، إذ عبدوا غيره، مع ما رأوا من نعمه وآثار قدرته. وفيه تقدير معنى الأمر. والمعنى: سبحوا أيها العباد ربكم، الذي خلق وأوجد الأزواج، والأصناف، والأنواع كلها جميعا. ونزهوه عما لا يليق به من الإشراك، فإنه سبحانه انفرد بخلق هذه الأزواج، فأفردوه بالعبادة والطاعة، ولا تجعلوا له شريكًا مما لا يخلق، ولا ينفع، ولا يضر. وقيل: فيه معنى التعجب. والمعنى: عجبًا لهؤلاء الكفرة في كفرهم، وإعراضهم عن شكر الذي خلق الأزواج كلها، مع ما يشاهدونه من هذه الآيات. وفي الغالب من تعجب من شيء قال: سبحان الله. والأزواج: الأصناف والأنواع، فكل زوج صنف؛ لأنه مختلف في الألوان كألوان العنب، فمنه أبيض، وأسود، وأحمر وكذلك ألوان الرطب. وفي الطعوم: كالرمان، فمنه حامض، وحال، ومر. وفي «الأشكال»: كالمربع، والمدور، والمثلث، والطويل، والعريض. وفي الصغر والكبر. فمعنى ازدواجها: اختلافها فيما ذكر.
وقوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ من نجم، وشجر، ومعدن بيان للأزواج، وكذا ما بعده بيان له. والمراد: كل ما ينبت فيها من الأشياء المذكورة وغيرها.
وخلق الأزواج ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: الذكور والإناث وخلق الأزواج ﴿مِمَّا
стр. 10772
لا يَعْلَمُونَ﴾ من أصناف (١) خلقه في البر، والبحر، والسماء والأرض. ثم يجوز أن يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر، ويعلمه الملائكة، ويجوز أن لا يعلمه مخلوق. ويقال: دواب البحر والبر، ألف صنف لا يعلم الناس أكثرها. فبين الأزواج بهذه الأمور الثلاثة، التي لا يخرج عنها شيء من أصناف المخلوقات، وغيره تعالى، لم يخلق شيئًا منها. وإنما ذكر (٢) الله تعالى كون الكل مخلوقًا، لينزه الله تعالى عن الشريك. فإن المخلوق لا يصلح شريكا للخالق، والتوحيد الحقيقي، لا يحصل إلا بالاعتراف بأن لا إله إلا الله، فلا تشركوا بالله شيئًا، مما تعلمون ومما لا تعلمون.
قال في «بحر العلوم»: ويجوز أن يكون معنى ﴿مِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾: مما لا يدركون كنهه مما خلق من الأشياء كالثواب والعقاب، كما قال ﷺ : «أربع لا تدرك غايتها: شرور النفس، وخداع إبليس، وثواب أهل الجنة، وعقاب أهل النار». ومنه الروح، فإنه ما بلغنا أن الله تعالى أطلع أحدًا على حقيقة الروح. وفي الآية (٣) إشارة إلى أنه ما من مخلوق إلا وقد خلق شفعًا، إذ الفردية من أخص أوصاف الربوبية، كما قال عبد العزيز المكي رحمه الله تعالى: خلق الأزواج كلها، ليستدل بذلك، إلى أن خالق الأشياء منزه عن الزوج، وإلى أن في كل شيء دليلا على وجوده تعالى، ووحدته، وكمال قدرته. قال أبو العتاهية:
فيا عجبًا كيف يعصي الإله ... أم كيف يجحده الجَاحِدُ
ولله فِي كُلٍّ تحريكةٍ ... وتسكينة أبدًا شَاهِدُ
وَفيْ كُلٍّ شَيْءٍ لهُ آيةٌ ... تدلُّ على أَنِّهُ وَاحِدُ
ومعنى الآية (٤): أي تنزيهًا لمن خلق هذه الأنواع كلها من الزرع والثمار ومختلف النبات، وخلق من أولادهم ذكورًا وإناثًا، وخلق مما لا يعلمون من الأشياء، التي لم يطلعهم عليها، ولم يجعل لهم طريقًا إلى معرفتها تفصيلًا، بل
стр. 10773
علمهم ذلك بطريق الإجمال بنحو قوله: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، ليستدلوا بذلك على عظمة الخالق، وسعة ملكه، وجلالة قدره.
والخلاصة: تنزه ربنا خالق هذا الخلق العظيم، من نبات وحيوان وإنسان، وخالق، ما لا نعلم مما لا ندرك كنهه ولا نعلم حقيقته عن كل نقص لا يليق بجليل عظمته. وفيه الدليل على عظيم قدرته، وواسع ملكه.
٣٧ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾؛ أي: علامة عظيمة لأهل مكة على كمال قدرتنا. وهو مبتدأ، خبره قوله: ﴿اللَّيْلُ﴾ المظلم، كأنه قيل: كيف كان آية؟ فقيل: ﴿نَسْلَخُ﴾ ونزيل، وننزع، ونكشط ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من الليل ﴿النَّهارَ﴾ المضيء؛ أي: نزيل ضوء النهار ونكشفه عن مكان الليل، ونلقي ظله بحيث لا يبقي معه شيء من ضوئه، الذي هو شعاع الشمس في الهواء. مستعار من السلخ، وهي إزالة ما بين الحيوان وجلده من الاتصال، وإن غلب في الاستعمال تعليقه بالجلد، يقال: سلخت الإهاب بمعنى أخرجتها عنه. قال المرزوقي: دلت الآية على أن الليل قبل النهار؛ لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ، كما أن المعطي قبل العطاء.
﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾؛ أي: داخلون في الظلام مفاجأة، فإن ﴿إذا﴾ للمفاجأة؛ أي: ليس لهم بعد ذلك أمر سوى الدخول فيه. وفيه رمز إلى أن الأصل هو الظلمة، والنور عارض متداخل في الهواء، فإذا خرج منه أظلم. فعلى هذا المعنى، كان الواقع عقيب إذهاب الضوء عن مواضع ظلمة الليل هو ظهور الظلمة، كما كان الواقع عقيب سلخ الإهاب هو ظهور المسلوخ. وأما على معنى الإخراج فالواقع بعده هو الإبصار دون الإظلام، والمقام حينئذ مقام أن يقال: فإذا هم مبصرون، لكن لما كان الليل زمان ترح وألم وعدم إبصار، والنهار وقت فرح وسرور وإبصار، جعل الليل كأنه يفاجئهم عقيب إخراج النهار من الليل بلا مهلة، إذ زمان السرور ليس فيه مهلة حكمًا، وإن كان ممتدًا، بخلاف زمان الغم، فإنه كان فيه المهلة، وإن كان قصيرًا، كما قيل: سنة الوصل سنة، وسنة الهجر سنة. ولبعضهم:
ويوم لا أراك كألفِ شهرِ ... وشهرٌ لا أراك كألفِ عامِ
стр. 10774
وقال آخر:
محنُ الزَّمان كثيرةٌ لا تنقضيْ ... وسرورهُ يأْتيك كالأَعياد
ومعنى الآية: أي ومن آيات قدرته تعالى الدالة على إمكان البعث والحشر والنشر، وعلى قدرته على فعل كل ما يشاء: الليل ينزع عنه النهار، فتأتي الظلمة، ويذهب النهار. فإذا الخلق قد صاروا في ظلمة بمجيء الليل، الذي كان الضياء ساترًا له. وفي الضياء سرور، ولذة، وراحة للنفس، وسعي على الرزق. وفي زواله وحشة، وانقباض تشعر بألمه النفوس، كما أن فيه تركًا للعمل الذي به قوام الحياة. ومن ثم جعل الآية ظهور الليل، ولم يجعلها مجيء النهار، والآية تحصل بكل منهما.
والخلاصة: أن تعاقب الليل والنهار على ظهر البسيطة، من أكبر الأدلة على قدرة المولى سبحانه، وفيه عبرة لمن يعي ويفهم. وإن البعث والنشور من أيسر الأمور عليه سبحانه.
٣٨ - وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ﴾ معطوف على الليل؛ أي: وآية لهم الشمس المضيئة المشرقة على صحائف الكائنات، كأنه قيل: كيف كانت آية؟ فقيل: هي تجري أو حال كونها جارية، وسائرة إلى مستقر لها. ويجوز أن تكون الواو ابتدائية، ﴿وَالشَّمْسُ﴾ مبتدأ، وما بعدها الخبر، ويكون الكلام مستأنفًا مشتملًا على ذكر آية مستقلة. وقوله: لمستقر لها فيه وجوه:
الأول: أن الكلام في ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ للتعليل، والمستقر: اسم مكان؛ أي: تجري لبلوغ مستقر وحد معين، ينتهي إليه دورها في آخر السنة. فشبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره.
والثاني: أن اللام بمعنى إلى، والمستقر كبد السماء؛ أي: وسطها، والمعنى: تجري إلى أن تبلغ إلى وسط السماء، وتستقر فيه. شُبه بطء حركتها فيه بالوقفة والاستقرار، وإلا فلا استقرار لها حقيقةً. كما قال في «المفردات» الزوال يقال في شيء قد كان ثابتًا، ومعلوم أن لا ثبات للشمس، فكيف يقال
стр. 10775
زوال الشمس؟ فالجواب: قالوه لاعتقادهم في الظهيرة، أن لها ثباتًا في كبد السماء.
والثالث: أن اللام لام العاقبة، والمستقر مصدر ميمي؛ أي: تجري بحيث يترتب على جريها استقرارها في كل برج من البروج الاثني عشرة، على نهج مخصوص، بأن تستقر في كل برج شهرا، ويأخذ الليل من النهار في نصف الحول، والنهار من الليل في النصف الآخر منه، وتبلغ نهاية ارتفاعها في الصيف، ونهاية انحطاطها في الشتاء. ويترتب عليه اختلاف الفصول الأربعة، وتهيئة أسباب معاش الأرضيات، وتربيتها.
والرابع: لمنتهى مقدر لكل يوم من المشارق والمغارب، فإن لها في دورها ثلاث مئة وستين مشرقًا ومغربًا، تطلع كل يوم من مطلع، وتغرب من مغرب، ثم لا تعود إليها إلى العام القابل. فالمستقر اسم زمان؛ أي: تجري إلى زمان استقرارها، وانقطاع حركتها عند خراب العالم، أو إلى وقت قرارها وتغير حالها بالطلوع من مغربها. وهذا القول هو الراجح، لما روى أبو ذر ﵁ قال: دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فلما غابت الشمس، قال النبي ﷺ : يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: تذهب تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد، ولا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، ويقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها. فذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾. والمعنى المفهوم من الحديث تنتهي في سيرها لمستقر لها، فتقف فيه ولا تنتقل عنه. ومستقرها هو مكان تحت العرش، تسجد فيه كل ليلة عند غروبها، فتستمر ساجدة فيه طول الليل، فعند طلوع النهار يؤذن لها في أن تطلع من مطلعها أولًا، فإذا كان آخر الزمان لا يؤذن لها في الطلوع من المشرق، بل يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من المغرب. وهذا هو الصحيح الواضح، اهـ «فتوحات».
قال إمام الحرمين، وغيره من الفضلاء: لا خلاف أن الشمس تغرب عند قوم وتطلع عند قوم آخرين، والليل يطول عند قوم ويقصر عند قوم آخرين. وعند
стр. 10776
خط الاستواء يكون الليل والنهار مستويين أبدًا. والأرض مدورة مسيرة خمس مئة عام، كأنها نصف كرة مدورة، فيكون وسطها أرفع. وحول الأرض البحر الأعظم، المحيط فيه ماء غليظ منتن، لا تجري فيه المراكب، وحول هذا البحر جبل قاف، خلق من زمرد أخضر، والسماء مقببة عليه، ومنه خضرتها.
وقرىء (١): ﴿إلى مستقر لها﴾. وقرأ عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، وعطاء بن رباح، وزين العابدين، وابنه الباقر، والصادق بن الباقر، وابن أبي عبدة ﴿لا مستقرَّ لها﴾ نفيًا مبنيًا على الفتح، فيقتضي انتفاء كل مستقر. وذلك في الدنيا؛ أي: هي تجري دائمًا فيها لا تستقر. وقرأ ابن أبي عبلة ﴿لا مستقرٌّ لها﴾ برفع مستقر، وتنويه على إعمال ﴿لا﴾ عمل ﴿ليس﴾، نحو قول الشاعر:
تعز فلا شيء على الأرض باقيًا ... ولا وزر مما قضى الله واقيًا
﴿ذلِكَ﴾ الجري البديع، المنطوي على الحكم العجيبة التي تتحير في فهمها العقول والأفهام ﴿تَقْدِيرُ﴾ وتدبير ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ أي: الغالب بقدرته على كل مقدور ﴿الْعَلِيمِ﴾؛ أي: المحيط علمه بكل معلوم، وتقدير الله الأشياء أن يجعلها على مقدار مخصوص، ووجه مخصوص حسبما اقتضته الحكمة البالغة.
وقيل معنى الآية: أي والشمس تجري حول مركز مدارها الثابت، الذي تسير حوله بحسب وضعها النجمي. فقد ثبت أن لها حركةً رحويةً حول هذا المركز، تقدر بمئتي ميل في الثانية الواحدة. وهذا الوضع العجيب من تقدير العزيز القاهر لعباده، القابض على زمام مخلوقاته، العليم بأحوالها، الذي لا تخفى عليه خافية من أمرها.
٣٩ - ﴿وَالْقَمَرَ﴾ بالنصب، بإضمار فعل يفسره قوله: ﴿قَدَّرْناهُ﴾ كما في زيدا ضربته، فهو من باب الاشتغال، يجوز فيه النصب والرفع. قرأ بالرفع نافع، وابن كثير، وأبو عمرو وابن محيصن، والحسن بخلاف عنه، والرفع يكون على الابتداء، وما بعده خبر. وقرأ الباقون: بالنصب على الاشتغال، والتقدير: وقدرنا
стр. 10777
القمر قدرناه، والقمر مفعول أول لقدرنا. وقوله: ﴿مَنازِلَ﴾ مفعول ثان له، لأن ﴿قدرنا﴾ بمعنى: صيرنا، فيتعدى إلى مفعولين؛ أي: صيّرنا القمر وعيّنا له منازل، ومواضع من الأبراج ينزل فيها كل ليلة. ويجوز انتصاب ﴿مَنازِلَ﴾ على الظرفية، والكلام حينئذ على حذف مضاف؛ أي: وقدرنا سير القمر في منازل من الأبراج، أو على الحال؛ أي: وقدرنا سيره حال كونه ذا منازل ومواضع ينزل فيها.
وتلك المنازل معروفة عند العرب. وهي ثمان وعشرون، ينزل القمر كل ليلة، في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستو، لا بتفاوت يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين. ثم يتقوس، ويدق، ويستتر ليلتين، إن كان الشهر ثلاثين أو ليلة، إن كان تسعًا وعشرين. وهذه (١) المنازل، هي مواقع النجوم، التي نسبت إليها العرب الأنواء، المستمطرة أربعة عشر منها شامية، وأربعة عشر منها يمانية. أولها: الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرقة، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك وهو آخر الشامية. والغفر، والزبانان، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، والسعد الذابح، والسعد البلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، ومقدم الدلو، ومؤخر الدلو، والحوت وهو آخر اليمانية. وهذه المنازل مقسومة على الاثني عشر برجًا، كما استوفينا الكلام عليها في أوائل سورة يونس.
فإذا كان في آخر منازله دق، واصفر، واستقوس ﴿حَتَّى عادَ﴾ وصار في التقوس ﴿كَالْعُرْجُونِ﴾؛ أي: مثل العذق ﴿الْقَدِيمِ﴾؛ أي: العتيق الذي مر عليه حول. قال الزجاج: العرجون: هو عود العذق، الذي فيه الشماريخ اليابس المنحني، شبه به الهلال إذا انحنى وتقوس. والعذق بالكسر في النخل، بمنزلة العنقود في الكرم. وقال ابن الشيخ: حتى صار القمر في آخر الشهر وأول الشهر
стр. 10778
الثاني في دقته، واستقواسه، واصفراره كالعرجون القديم. فالعرجون إذا قدم، وعتق .. دق وتقوس، واصفر. شبه به القمر في آخر الشهر في هذه الوجوه الثلاثة؛ أي: في عين الناظر، وإن كان في الحقيقة عظيمًا بنفسه. فالعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. والشماريخ، جمع شمراخ أو شمروخ: ما عليه البسر من العيدان الصغار. والقديم: ما تقادم عهده بحكم العادة، ولا يشترط في إطلاق لفظ القديم عليه مدة بعينها، إذ يقال لبعض الأشياء: قديم وإن لم يمض عليه حول. وقيل: أقل هذا القديم الحول.
واعلم: أنه قد صح أن دور هذه الأمة، هو الدور القمري العربي، الذي حسابه مبني على الشهر تامًا كان أو ناقصًا، لا الدور الشمسي الذي هو مبني حسابه على الأيام فلا يكون ناقصًا. وقد صام ﷺ ثمانية أو تسعة رمضانات، خمس منها كانت تسعًا وعشرين يومًا، والباقي ثلاثين. وقد قال ﷺ : «شهرا عيد لا ينقصان»؛ أي: حكمهما إذا كانا تسعًا وعشرين، مثل حكمهما، إذا كانا ثلاثين في الفضل والثواب.
وقرأ الجمهور (١): ﴿العرجون﴾ بضم العين والجيم. وقرأ سليمان التيمي: بكسر العين وفتح الجيم. وهما لغتان. والمعنى؛ أي: وجعلنا لسير القمر منازل، وهي ثمانية وعشرون منزلة، ينزل في كل واحد منها ليلة واحدة، ثم يستتر ليلتين أو ليلة، إذا نقص الشهر، فإذا كان في آخر منازله دق وتقوس حتى صار كالعرجون القديم، والعذق العتيق الذي عليه الشماريخ.
٤٠ - ﴿لَا الشَّمْسُ﴾ مبتدأ، والخبر ما بعده؛ لأنه لا يجوز أن تعمل ﴿لَا﴾ في المعرفة ﴿يَنْبَغِي﴾ ويتيسر، ويمكن ﴿لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾؛ أي (٢): لا يصح، ولا يمكن، ولا يسهل للشمس أن تدرك القمر في سرعة سيره، وتنزل في المنزل الذي فيه القمر؛ لأن لكل واحد منهما سلطانا على انفراده، فلا يتمكن أحدهما من الدخول على الآخر، فيذهب سلطانه إلى أن يأذن الله سبحانه بالقيامة، فتطلع
стр. 10779
الشمس من مغربها.
أو المعنى (١): لا يمكن للشمس أن تلحق القمر في سرعة سيره. فإن القمر أسرع سيرا، حيث يقطع فلكه ويدور في منازله الثماني والعشرين في شهر واحد، بخلاف الشمس فإنها أبطأ منه، حيث لا تقطع فلكها ولا تدور في تلك المنازل المقسومة على الاثني عشر برجا إلا في سنة. فيكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يومًا، فهي لا تدرك القمر في سرعة سيره، فإنه تعالى جعل سيرها أبطأ من سير القمر. وأسرع من سير زحل، وهو كوكب في السماء السابعة. وذلك لأن الشمس كاملة النور، فلو كانت بطيئة السير لدامت زمانًا كثيرًا في مسامتة شيء واحد فتحرقه، ولو كانت سريعة السير .. لما حصل لها لبث في بقعة واحدة، بقدر ما يخرج النبات من الأرض والأوراق والثمار من الأشجار، وبقدر ما ينضج الثمار والحبوب، ويجف. فلو أدركت القمر في سرعة سيره، لكان في شهر واحد صيف وشتاء، فيختل بذلك أحكام الفصول، وتكون النبات وتعيش الحيوان.
ويجوز أن يكون المعنى: ليس للشمس أن تدرك القمر في آثاره ومنافعه مع قوة نورها وإشراقها. فإن لكل واحد منهما آثارا ومنافع تخصه، وليس للآخر أن يدركه فيها كما قالوا: الثمرة تنضجها الشمس، ويلونها القمر، ويعطيها الطعم الكوكب. وقالوا: إن سهيلًا، وهو كوكب يمني يعطي الحجر اللون الأحمر، فيصير عقيقًا.
ويجوز أن يكون المعنى: ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾؛ أي: في مكانه. فإن القمر في السماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة؛ فهي لا تدركه في مكانه ولا يجتمعان في موضع واحد. قال النحاس: وأحسن ما قيل في معناه: وأبينه أن سير القمر سير سريع، والشمس لا تدركه في السير. وأما قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ فذلك حين حبس الشمس عن الطلوع لخراب الدنيا. ويأتي في سورة القيامة، أن
стр. 10780
جمعهما علامة لانقضاء الدنيا، وقيام الساعة.
والمعنى (١): أي لا يصح للشمس ولا يسهل عليها أن تدرك القمر في سرعة سيره؛ لأن الشمس تجري في اليوم مقدار درجة، والقمر يسير في اليوم مقدار -
١٣ - ثلاث عشرة درجة، ولأن لكل منهما مدارًا خاصًا لا يجتمع مع الآخر فيه.
﴿وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾؛ أي: ولا الليل سابق انقضاء النهار، فلا يأتي الليل في أثناء النهار، كأن يأتي وقت الظهر، ولكن يعاقبه ويناوبه ويجيء كل واحد منهما في وقته ولا يسبق صاحبه؛ أي: هما (٢) يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. وقيل معناه: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر، فلا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع القمر بالنهار، وله ضوء، فإذا اجتمعا وأدرك أحدهما صاحبه قامت القيامة. وقيل معناه: إن الشمس لا تجتمع مع القمر في فلك واحد، ولا يتصل ليل بليل، لا يكون بينهما نهار فاصل. وقرأ عمارة بن عقيل الخطفي: ﴿سابق﴾ بغير تنوين، ﴿النهار﴾ بالنصب، وحذف التنوين فيه لالتقاء الساكنين. وقيل (٣): المراد بالليل والنهار آيتاهما، وهما النيران، وبسبق الليل سبق القمر إلى سلطان الشمس في محو نورها. فيكون التركيب عكسًا للأول، فالمعنى: لا يصح للقمر أيضًا أن يطلع في وقت ظهور سلطان الشمس وضوئها، بحيث يغلب نورها ويصير الزمان كله ليلًا، بل هما يسيران الدهر على نظامهما، ولا يدخل أحدهما على الآخر، ولا يجتمعان إلا عند إبطال الله هذا التدبير، ونقض هذا التأليف، وتطلع الشمس من مغربها، ويجتمع معها القمر.
فإن قلت: إذا كان هذا التركيب عكس ما ذكر قبله كان المناسب أن يقال ولا الليل مدرك النهار.
قلت: إيراد السبق مكان الإدراك لأنه الملائم لسرعة سير القمر.
стр. 10781
﴿وَكُلٌّ﴾ والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه، الذي هو الضمير العائد إلى الشمس والقمر؛ أي: وكلهم؛ أي: وكل من الشموس والأقمار. والجمع باعتبار التكاثر العارض لهما بتكاثر مطلعهما، فإنّ اختلاف الأحوال يوجب تعددا ما في الذات، أو العائد إلى الكوكب فإن ذكرهما مشعر بها. ﴿فِي فَلَكٍ﴾ مخصوص معين من الأفلاك السبعة. والفلك: مجرى الكواكب ومسيرها، وتسميته بذلك لكونه كالفلك؛ أي: فلك المغزل. وقال الشوكاني: والفلك: هو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة. والخلاف في كون السماء مبسوطة أو مستديرة معروف. والجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَسْبَحُونَ﴾؛ أي: كل من الشموس والأقمار أو كل من الكواكب السيارة يسيرون في فلك خاص به، وهو سماء الدنيا للقمر، والرابعة للشمس. والمعنى: يسيرون بانبساط وسهولة، لا مزاحم لهم سير السابح في سطح الماء. وجوز التعبير عنهم بضمير العقلاء، نسبة السباحة التي هي من أوصاف العقلاء إليهم.
فائدة: قال في «فتح الرحمن»: إن قلت: كيف نفى الله تعالى الإدراك للقمر عن الشمس، دون عكسه في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾؟
قلت: لأن سير القمر أسرع؛ لأنه يقطع فلكه في شهر، والشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، فكانت جديرةً بأن توصف بنفي الإدراك لبطء سيرها، والقمر خليقا بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره.
٤١ - ثم ذكر نوعًا آخر مما امتن به على عباده من النعم، فقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾؛ أي: علامة عظيمة لأهل مكة، أو لكفار العرب أو للكفار على الإطلاق، الكائنين في عصر محمد ﵇، على كمال قدرتنا. وهو خبر مقدم لقوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: أنا حملنا أولادهم الكبار الذين يبعثونهم إلى تجاراتهم ﴿فِي الْفُلْكِ﴾؛ أي: في السفينة. وهو ههنا مفرد بدليل وصفه بقوله: ﴿الْمَشْحُونِ﴾؛ أي: المملوء منهم ومن غيرهم أو المعنى: حملنا صبيانهم ونساءهم الذين يستصحبونهم. وتخصيص الذرية بمعنى الضعفاء الذين يستصحبونهم في سفر البحر، مع أن تسخير البحر والفلك نعمة في حق أنفسهم أيضًا، لما أن
стр. 10782
استقرارهم في السفن أشق، واستمساكهم فيها أعجب. وقيل: الضمير في ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يرجع إلى القرون الماضية، والمعنى: أن الله حمل ذرية القرون الماضية في الفلك المشحون، فالضميران مختلفان. وقيل: الذرية: الآباء والأجداد، والفلك هو سفينة نوح، أي: إن الله حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح. وعبارة «الخازن» حمل آباءهم الأقدمين، في أصلاب الذين كانوا في السفينة، فكانوا ذرية لهم. وفي «فتح الرحمن»: إن قلت: الذرية اسم للأولاد، والمحمول في سفينة نوح آباء المذكورين، لا أولادهم.
قلت: الذرية من أسماء الأضداد عند كثير، تطلق على الآباء والأولاد، والمراد هنا: الفريقان، فمعناه: حملنا آباءهم وأولادهم؛ لأنهم كانوا في ظهور آبائهم المحمولين ظاهرًا، انتهى. قال الواحدي: والذرية تقع على الآباء كما تقع على الأولاد؛ لأنها من الذرء بمعنى الخلق، فيصلح الاسم للأصل والنسل. وقيل: الذرية: النطف الكائنة في بطون النساء وشبه البطون بالفلك المشحون. والراجح: القول الثاني ثم الأول ثم الثالث.
وقيل: إن الضمير في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ يرجع إلى العباد المذكور في قوله: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾، وقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾، ثم قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فكأنه قال: وآية للعباد، أنا حملنا ذرية العباد، وهذا قول حسن؛ لأنه لا يلزم عليه اختلاف الضميرين.
٤٢ - ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ﴾؛ أي: وآية لهم أنا خلقنا لهم ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ أي: مما يماثل الفلك، ويشابهه ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾؛ أي: ما يركبونه. قال مجاهد، وقتادة، وجماعة من أهل التفسير: هي الإبل، خلقها لهم للركوب في البر، مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تسمي الإبل سفائن البر. وعلى هذا، فتعريف الفلك للجنس؛ لأن المقصود من الآية: الاحتجاج على أهل مكة، ببيان صحة البعث وإمكانه. استدل عليهم أولًا بإحياء الأرض الميتة، وجعلها سببا لتعيّشهم، ثم استدل عليهم بتسخير الرياح والبحار والسفن الجارية فيها، على وجهه، يتوسلون بها إلى تجارات البحر، ويستصحبون من يهمهم حمله من النساء والصبيان. كما قال
стр. 10783
تعالى: ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وقيل: تعريفه للعهد الخارجي، والمراد: فلك نوح ﵇، المذكور في قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا﴾، فيكون المعنى: أنا حملنا ذريتهم؛ أي: أولادهم إلى يوم القيامة، في ذلك الفلك المشحون منهم، ومن سائر الحيوانات التي تعيش في الماء، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل ولا عقب. وخلقنا لهم من مثله؛ أي: مما يماثل ذلك الفلك في صورته وشكله من السفن والزوارق والبواخر، قاله الحسن، والضحاك، وأبو مالك. قال النحاس: وهذا أصح؛ لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس.
فإن قلت (١): فعلى هذا لم لم يقل: حملناهم وذريتهم مع أن أنفسهم محمولون أيضًا؟
قلت: إشارة إلى أن نعمة التخليص عامة لهم ولأولادهم إلى يوم القيامة. ولو قيل: حملناهم لكان امتنانا بمجرد تخليص أنفسهم من الغرق، وجعل السفن مخلوقة لله تعالى مع كونها من مصنوعات العباد، ليس لمجرد كونها صنعتهم بإقدار الله تعالى وإلهامه، بل لمزيد اختصاص أهلها بقدرته تعالى وحكمته، حسبما يعرب عنه قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا﴾. والتعبير عن ملابستهم بهذه السفن بالركوب؛ لأنها باختيارهم، كما أن التعبير عن ملابسة ذريتهم، بفلك نوح، بالحمل، لكونها بغير شعور منهم واختيار. وأما قوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ فبطريق التغليب.
وجعل بعضهم المعنى الثاني أظهر؛ لأنه إذا أريد بمثل الفلك: الإبل لكان قوله: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ﴾ إلخ، فاصلًا بين متصلين، لأن قوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ متصل بالفلك. واعتذر عنه في الإرشاد بأن حديث خلق الإبل في خلال الآية بطريق الاستطراد، لكمال التماثل بين الإبل والفلك، فكأنها نوع منه.
والمعنى: ومن آيات (٢) قدرته الدالة على رحمته بعباده، أن جعل أولادهم يركبون السفن الموقرة، بسائر السلع التي ينقلونها من بلد إلى آخر، ليستفيدوا مما
стр. 10784
تحمله من الأقوات وسائر حوائجهم المعيشية، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل، ولا عقب من بعده.
ونحو الآية قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾.
﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾؛ أي: وخلقنا من مثل تلك السفن البحرية، سفنا برية، وهي الإبل التي تسير في الصحاري، كما قال شاعرهم:
سَفائِنُ برٍّ والسَّرابُ بِحَارُهَا
ونحوها قطر السكك الحديدية، والسيارات والسفن الهوائية من مطاود، وطائرات تسير في الجو حاملة للناس السلع المختلفة. والذخائر الحربية، ومن جراء هذا لم يعين الكتاب الكريم، ما يركبون لما سيظهر في عالم الوجود، مما هو مخبأ في صحيفة الغيب. وهذا من إعجاز الكتاب الكريم. ونحو الآية: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)﴾.
٤٣ - ثم ذكر لطفه بعباده حين ركوبهم تلك السفن، فقال: ﴿وَإِنْ نَشَأْ﴾ إغراقهم ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾ في اليم مع ما حملناهم فيه من الفلك. وهذا من تمام الآية التي امتن بها عليهم. ووجه الامتنان أنه لم يغرقهم في لجج البحار مع قدرته على ذلك. والضمير (١) يرجع إما إلى أصحاب الذرية أو إلى الذرية أو إلى الجميع على اختلاف الأقوال. وتعليق الإغراق بمحض المشيئة. إشعار بأنه قد تكامل ما يوجب هلاكهم من معاصيهم، ولم يبق إلا تعلق مشيئته تعالى به. ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾؛ أي: فلا مغيث لهم يحرسهم من الغرق، ويدفعه عنهم قبل وقوعه ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾؛ أي: ينجون منه بعد وقوعه، ولا يخلّصون. يقال: أنقذه واستنقذه إذا خلّصه من ورطة ومكروه
٤٤ - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ استثناء مفرغ من أعم العلل الشاملة للباعث المتقدم، والغاية المتأخرة؛ أي: لا يغاثون، ولا ينقذون لشيء من الأشياء، إلا لرحمة عظيمة ناشئة من قبلنا داعية إلى الإغاثة والإنقاذ، كذا قال
стр. 10785
الكسائي، والزجاج، وغيرهما. وقيل: هو استثناء منقطع؛ أي: لكن يغاثون وينقذون لرحمة منا. وقيل: هو منصوب على المصدرية بفعل مقدر؛ أي: إلا أن يرحموا رحمة منا. ﴿و﴾ انتصاب ﴿مَتاعًا﴾ بالعطف على ﴿رَحْمَةً﴾؛ أي: لا يغاثون، ولا ينقذون لشيء من الأشياء إلا لرحمة منا، وتمتيع منا لهم ﴿إِلى حِينٍ﴾؛ أي: إلى زمان قدر لآجالهم، أو إلا أن يرحمهم الله، ويمتعهم إلى انقضاء آجالهم.
وفي الآية رد على ما زعم الطبيعي، من أن السفينة تحمل بمقتضى الطبيعة، وأن المجوف لا يرسب الماء. فقال تعالى في رده: ليس الأمر كذلك، بل لو شاء الله تعالى إغراقهم، لأغرقهم، وليس ذلك بمقتضى الطبيعة، وإلا لما طرأ عليها آفة ورسوب.
وفيها الإشارة إلى أن المنعم عليه، ينبغي أن لا يأمن في حال النعمة عذاب الله تعالى. فإن كفار الأمم السالفة، أمنوا من بطشه تعالى، فأخذوا من حيث لا يشعرون، فكيف يأمن أهل مكة، وأهل السفينة؟! لكن لا يعرفون قدر النعمة إلا بعد تحولها عنهم. ولا قدر العافية إلا بعد الابتلاء بمصيبة، فلا بد من مقابلة النعمة بالشكر والعطاء بالطاعة والاجتهاد في طريق التوحيد والمعرفة. فإن المقصود من الإمهال هو تدارك الحال.
والمعنى: أي وإن نشأ إغراقهم في الماء مع ما حملته السفن والزوارق، فلا مغيث لهم يحفظهم من الغرق، وينجيهم من الموت، ولكن رحمة منا بهم وتمتيعا لهم إلى حين، بلذات الحياة الدنيا أبقيناهم، وحفظناهم من الغرق. وإلى هذا أشار بقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤)﴾.
٤٥ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾؛ أي: لكفار مكة بطريق الإنذار ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: ما قبلكم من العقوبات النازلة على الأمم الماضية الذين كذبوا رسلهم، واحذروا من أن ينزل بكم مثلها، إن لم تؤمنوا. جعلت الوقائع الماضية باعتبار تقدمها عليهم، كأنها بين أيديهم. ﴿وَما خَلْفَكُمْ﴾؛ أي: وما بعدكم من العذاب المعد لكم في الآخرة بعد هلاكهم. جعلت أحوال الآخرة باعتبار أنها تكون بعد