﴿وَكُلٌّ﴾ والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه، الذي هو الضمير العائد إلى الشمس والقمر؛ أي: وكلهم؛ أي: وكل من الشموس والأقمار. والجمع باعتبار التكاثر العارض لهما بتكاثر مطلعهما، فإنّ اختلاف الأحوال يوجب تعددا ما في الذات، أو العائد إلى الكوكب فإن ذكرهما مشعر بها. ﴿فِي فَلَكٍ﴾ مخصوص معين من الأفلاك السبعة. والفلك: مجرى الكواكب ومسيرها، وتسميته بذلك لكونه كالفلك؛ أي: فلك المغزل. وقال الشوكاني: والفلك: هو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة. والخلاف في كون السماء مبسوطة أو مستديرة معروف. والجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَسْبَحُونَ﴾؛ أي: كل من الشموس والأقمار أو كل من الكواكب السيارة يسيرون في فلك خاص به، وهو سماء الدنيا للقمر، والرابعة للشمس. والمعنى: يسيرون بانبساط وسهولة، لا مزاحم لهم سير السابح في سطح الماء. وجوز التعبير عنهم بضمير العقلاء، نسبة السباحة التي هي من أوصاف العقلاء إليهم.
فائدة: قال في «فتح الرحمن»: إن قلت: كيف نفى الله تعالى الإدراك للقمر عن الشمس، دون عكسه في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾؟
قلت: لأن سير القمر أسرع؛ لأنه يقطع فلكه في شهر، والشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، فكانت جديرةً بأن توصف بنفي الإدراك لبطء سيرها، والقمر خليقا بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره.
٤١ - ثم ذكر نوعًا آخر مما امتن به على عباده من النعم، فقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾؛ أي: علامة عظيمة لأهل مكة، أو لكفار العرب أو للكفار على الإطلاق، الكائنين في عصر محمد ﵇، على كمال قدرتنا. وهو خبر مقدم لقوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: أنا حملنا أولادهم الكبار الذين يبعثونهم إلى تجاراتهم ﴿فِي الْفُلْكِ﴾؛ أي: في السفينة. وهو ههنا مفرد بدليل وصفه بقوله: ﴿الْمَشْحُونِ﴾؛ أي: المملوء منهم ومن غيرهم أو المعنى: حملنا صبيانهم ونساءهم الذين يستصحبونهم. وتخصيص الذرية بمعنى الضعفاء الذين يستصحبونهم في سفر البحر، مع أن تسخير البحر والفلك نعمة في حق أنفسهم أيضًا، لما أن
стр. 10782
استقرارهم في السفن أشق، واستمساكهم فيها أعجب. وقيل: الضمير في ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يرجع إلى القرون الماضية، والمعنى: أن الله حمل ذرية القرون الماضية في الفلك المشحون، فالضميران مختلفان. وقيل: الذرية: الآباء والأجداد، والفلك هو سفينة نوح، أي: إن الله حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح. وعبارة «الخازن» حمل آباءهم الأقدمين، في أصلاب الذين كانوا في السفينة، فكانوا ذرية لهم. وفي «فتح الرحمن»: إن قلت: الذرية اسم للأولاد، والمحمول في سفينة نوح آباء المذكورين، لا أولادهم.
قلت: الذرية من أسماء الأضداد عند كثير، تطلق على الآباء والأولاد، والمراد هنا: الفريقان، فمعناه: حملنا آباءهم وأولادهم؛ لأنهم كانوا في ظهور آبائهم المحمولين ظاهرًا، انتهى. قال الواحدي: والذرية تقع على الآباء كما تقع على الأولاد؛ لأنها من الذرء بمعنى الخلق، فيصلح الاسم للأصل والنسل. وقيل: الذرية: النطف الكائنة في بطون النساء وشبه البطون بالفلك المشحون. والراجح: القول الثاني ثم الأول ثم الثالث.
وقيل: إن الضمير في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ يرجع إلى العباد المذكور في قوله: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾، وقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾، ثم قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فكأنه قال: وآية للعباد، أنا حملنا ذرية العباد، وهذا قول حسن؛ لأنه لا يلزم عليه اختلاف الضميرين.
٤٢ - ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ﴾؛ أي: وآية لهم أنا خلقنا لهم ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ أي: مما يماثل الفلك، ويشابهه ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾؛ أي: ما يركبونه. قال مجاهد، وقتادة، وجماعة من أهل التفسير: هي الإبل، خلقها لهم للركوب في البر، مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تسمي الإبل سفائن البر. وعلى هذا، فتعريف الفلك للجنس؛ لأن المقصود من الآية: الاحتجاج على أهل مكة، ببيان صحة البعث وإمكانه. استدل عليهم أولًا بإحياء الأرض الميتة، وجعلها سببا لتعيّشهم، ثم استدل عليهم بتسخير الرياح والبحار والسفن الجارية فيها، على وجهه، يتوسلون بها إلى تجارات البحر، ويستصحبون من يهمهم حمله من النساء والصبيان. كما قال
стр. 10783
تعالى: ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وقيل: تعريفه للعهد الخارجي، والمراد: فلك نوح ﵇، المذكور في قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا﴾، فيكون المعنى: أنا حملنا ذريتهم؛ أي: أولادهم إلى يوم القيامة، في ذلك الفلك المشحون منهم، ومن سائر الحيوانات التي تعيش في الماء، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل ولا عقب. وخلقنا لهم من مثله؛ أي: مما يماثل ذلك الفلك في صورته وشكله من السفن والزوارق والبواخر، قاله الحسن، والضحاك، وأبو مالك. قال النحاس: وهذا أصح؛ لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس.
فإن قلت (١): فعلى هذا لم لم يقل: حملناهم وذريتهم مع أن أنفسهم محمولون أيضًا؟
قلت: إشارة إلى أن نعمة التخليص عامة لهم ولأولادهم إلى يوم القيامة. ولو قيل: حملناهم لكان امتنانا بمجرد تخليص أنفسهم من الغرق، وجعل السفن مخلوقة لله تعالى مع كونها من مصنوعات العباد، ليس لمجرد كونها صنعتهم بإقدار الله تعالى وإلهامه، بل لمزيد اختصاص أهلها بقدرته تعالى وحكمته، حسبما يعرب عنه قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا﴾. والتعبير عن ملابستهم بهذه السفن بالركوب؛ لأنها باختيارهم، كما أن التعبير عن ملابسة ذريتهم، بفلك نوح، بالحمل، لكونها بغير شعور منهم واختيار. وأما قوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ فبطريق التغليب.
وجعل بعضهم المعنى الثاني أظهر؛ لأنه إذا أريد بمثل الفلك: الإبل لكان قوله: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ﴾ إلخ، فاصلًا بين متصلين، لأن قوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ متصل بالفلك. واعتذر عنه في الإرشاد بأن حديث خلق الإبل في خلال الآية بطريق الاستطراد، لكمال التماثل بين الإبل والفلك، فكأنها نوع منه.
والمعنى: ومن آيات (٢) قدرته الدالة على رحمته بعباده، أن جعل أولادهم يركبون السفن الموقرة، بسائر السلع التي ينقلونها من بلد إلى آخر، ليستفيدوا مما
стр. 10784
تحمله من الأقوات وسائر حوائجهم المعيشية، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل، ولا عقب من بعده.
ونحو الآية قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾.
﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾؛ أي: وخلقنا من مثل تلك السفن البحرية، سفنا برية، وهي الإبل التي تسير في الصحاري، كما قال شاعرهم:
سَفائِنُ برٍّ والسَّرابُ بِحَارُهَا
ونحوها قطر السكك الحديدية، والسيارات والسفن الهوائية من مطاود، وطائرات تسير في الجو حاملة للناس السلع المختلفة. والذخائر الحربية، ومن جراء هذا لم يعين الكتاب الكريم، ما يركبون لما سيظهر في عالم الوجود، مما هو مخبأ في صحيفة الغيب. وهذا من إعجاز الكتاب الكريم. ونحو الآية: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)﴾.
٤٣ - ثم ذكر لطفه بعباده حين ركوبهم تلك السفن، فقال: ﴿وَإِنْ نَشَأْ﴾ إغراقهم ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾ في اليم مع ما حملناهم فيه من الفلك. وهذا من تمام الآية التي امتن بها عليهم. ووجه الامتنان أنه لم يغرقهم في لجج البحار مع قدرته على ذلك. والضمير (١) يرجع إما إلى أصحاب الذرية أو إلى الذرية أو إلى الجميع على اختلاف الأقوال. وتعليق الإغراق بمحض المشيئة. إشعار بأنه قد تكامل ما يوجب هلاكهم من معاصيهم، ولم يبق إلا تعلق مشيئته تعالى به. ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾؛ أي: فلا مغيث لهم يحرسهم من الغرق، ويدفعه عنهم قبل وقوعه ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾؛ أي: ينجون منه بعد وقوعه، ولا يخلّصون. يقال: أنقذه واستنقذه إذا خلّصه من ورطة ومكروه
٤٤ - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ استثناء مفرغ من أعم العلل الشاملة للباعث المتقدم، والغاية المتأخرة؛ أي: لا يغاثون، ولا ينقذون لشيء من الأشياء، إلا لرحمة عظيمة ناشئة من قبلنا داعية إلى الإغاثة والإنقاذ، كذا قال
стр. 10785
الكسائي، والزجاج، وغيرهما. وقيل: هو استثناء منقطع؛ أي: لكن يغاثون وينقذون لرحمة منا. وقيل: هو منصوب على المصدرية بفعل مقدر؛ أي: إلا أن يرحموا رحمة منا. ﴿و﴾ انتصاب ﴿مَتاعًا﴾ بالعطف على ﴿رَحْمَةً﴾؛ أي: لا يغاثون، ولا ينقذون لشيء من الأشياء إلا لرحمة منا، وتمتيع منا لهم ﴿إِلى حِينٍ﴾؛ أي: إلى زمان قدر لآجالهم، أو إلا أن يرحمهم الله، ويمتعهم إلى انقضاء آجالهم.
وفي الآية رد على ما زعم الطبيعي، من أن السفينة تحمل بمقتضى الطبيعة، وأن المجوف لا يرسب الماء. فقال تعالى في رده: ليس الأمر كذلك، بل لو شاء الله تعالى إغراقهم، لأغرقهم، وليس ذلك بمقتضى الطبيعة، وإلا لما طرأ عليها آفة ورسوب.
وفيها الإشارة إلى أن المنعم عليه، ينبغي أن لا يأمن في حال النعمة عذاب الله تعالى. فإن كفار الأمم السالفة، أمنوا من بطشه تعالى، فأخذوا من حيث لا يشعرون، فكيف يأمن أهل مكة، وأهل السفينة؟! لكن لا يعرفون قدر النعمة إلا بعد تحولها عنهم. ولا قدر العافية إلا بعد الابتلاء بمصيبة، فلا بد من مقابلة النعمة بالشكر والعطاء بالطاعة والاجتهاد في طريق التوحيد والمعرفة. فإن المقصود من الإمهال هو تدارك الحال.
والمعنى: أي وإن نشأ إغراقهم في الماء مع ما حملته السفن والزوارق، فلا مغيث لهم يحفظهم من الغرق، وينجيهم من الموت، ولكن رحمة منا بهم وتمتيعا لهم إلى حين، بلذات الحياة الدنيا أبقيناهم، وحفظناهم من الغرق. وإلى هذا أشار بقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤)﴾.
٤٥ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾؛ أي: لكفار مكة بطريق الإنذار ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: ما قبلكم من العقوبات النازلة على الأمم الماضية الذين كذبوا رسلهم، واحذروا من أن ينزل بكم مثلها، إن لم تؤمنوا. جعلت الوقائع الماضية باعتبار تقدمها عليهم، كأنها بين أيديهم. ﴿وَما خَلْفَكُمْ﴾؛ أي: وما بعدكم من العذاب المعد لكم في الآخرة بعد هلاكهم. جعلت أحوال الآخرة باعتبار أنها تكون بعد
стр. 10786
هلاكهم كأنها خلفهم. أو المعنى: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: ما أمامكم من أمر الآخرة، فاعملوا لها، فإنهم مستقبلون لها ﴿وَما خَلْفَكُمْ﴾ من أمر الدنيا، فلا تغتروا بها، فإنهم تاركون لها. وقيل: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: ما مضى من الذنوب وَما خَلْفَكُمْ؛ أي: ما بقي منها. وقيل غير ذلك. وما قدمناه أولى؛ لأن الله تعالى خوّف الكفار بشيئين:
أحدهما: العقوبات النازلة على الأمم الماضية.
والثاني: عذاب الآخرة.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إما حال من واو ﴿اتَّقُوا﴾؛ أي: اتقوا حالة كونكم راجين أن ترحموا، أو غاية لهم؛ أي: اتقوا كي ترحموا فتنجوا من ذلك، لما عرفتم أن مناط النجاة، ليس إلا رحمة الله. وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف؛ أي: أعرضوا عن الموعظة، حسبما اعتادوه، وتمرنوا عليه، وزادوا مكابرة وعنادا، كما دلت عليه الآية الثانية، أعني: قوله: ﴿إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾.
٤٦ - ﴿وَمَا﴾ نافية ﴿تَأْتِيهِمْ﴾ تنزل إليهم ﴿مِنْ﴾: مزيدة لتأكيد العموم ﴿آيَةٍ﴾ تنزيلية، كائنة ﴿مِنْ﴾ تبعيضية ﴿آياتِ رَبِّهِمْ﴾ التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بما فصل، من بدائع صنع الله، وسوابغ آلائه الموجبة للإقبال عليها، والإيمان بها ﴿إِلَّا كانُوا عَنْها﴾ متعلق بقوله: ﴿مُعْرِضِينَ﴾ والجملة حال من مفعول ﴿تأتي﴾، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال؛ أي (١): وما تأتيهم آية من آيات ربهم، في حال من الأحوال، إلا حال إعراضهم عنها، على وجه التكذيب والاستهزاء. ويجوز أن يراد بالآيات: ما يعم الآيات التنزيلية والتكوينية، فالمراد بإتيانهم: ما يعم نزول الوحي، وظهور تلك الأمور لهم. والمعنى: ما يظهر لهم آية من الآيات الشاهدة بوحدانيته تعالى، وتفرده بالألوهية، إلا كانوا تاركين النظر الصحيح فيها، المؤدي إلى الإيمان به تعالى. فكل ما في الكون فهو مركز صفة من صفاته تعالى، وسر من أسرار ذاته.
стр. 10787
ومعنى الآيتين (١): أي وإذا قيل لهؤلاء المكذبين بما نزل الله من الآيات: احذروا ما مضى بين أيديكم من نقم الله، ومثلاته التي حلت بمن قبلكم من الأمم، وخافوا أن يحل بكم مثلها من جراء شرككم وتكذيبكم لرسوله، وما خلفكم؛ أي: وما بعد هلاككم مما أنتم قادمون عليه إن متم على كفركم الذي أنتم عليه، لعل ربكم يرحمكم ويغفر لكم ما اجترحتم من السيئات .. أعرضوا ونكصوا على أعقابهم مستكبرين. ثم بين أن الإعراض ديدنهم، وليس ببدع منهم، فقال: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ ..﴾ إلخ؛ أي: وما تجيء هؤلاء المشركين حجة من حجج الله، الدالة على توحيده وتصديق رسوله، إلا بادروا بتكذيبها، وأعرضوا عنها، وتركوا النظر الصحيح المؤدي إلى الإيمان به ومعرفة صدق رسوله.
الخلاصة: أنه ما ظهرت لهم آية من الآيات الناطقة، ببدائع صنع الله، وسوابغ آلائه الموجبة للإقبال عليها والإيمان بها إلا أعرضوا عنها مكذبين مستهزئين، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة البحث في صدقها، والاستدلال بها على وحدانيته وصدق رسوله.
٤٧ - وبعد أن ذكر إعراضهم عن الخالق .. بيّن قسوتهم على المخلوقين، فقال: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: للكافرين بطريق النصيحة ﴿أَنْفِقُوا﴾ على المحتاجين ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ تعالى؛ أي: بعض ما أعطاكم بطريق التفضل والإنعام من أنواع الأموال. فإن ذلك مما يرد البلاء، ويدفع المكاره؛ أي (٢): تصدقوا على الفقراء مما أعطاكم الله، وأنعم به عليكم من الأموال. قال الحسن: يعني: اليهود أمروا بإطعام الفقراء. وقال مقاتل: إن المؤمنين قالوا لكفار قريش: أنفقوا على المساكين مما زعمتم أنه لله من أموالكم من الحرث والأنعام كما في قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا﴾، فكان جوابهم ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالصانع تعالى. قيل: هم زنادقة، كانوا بمكة. والزنديق: من لا يعتقد إلهًا، ولا بعثًا، ولا حرمة شيء من الأشياء
стр. 10788
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ استهزاء بهم، وتهكمًا بهم، وبما كانوا عليه من تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى، حيث كانوا يقولون: لو شاء الله لأغنى فلانًا، ولو شاء الله لأعزه، ولو شاء الله لكان كذا وكذا. وإنما حمل على التهكم، لأن المعطلة ينكرون الصانع، فلا يكون جوابهم المذكور عن اعتقاد وجد. ﴿أَنُطْعِمُ﴾ من أموالنا حسبما تعظوننا؛ أي: لا نطعم، فإن الهمزة للإنكار. ﴿مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ سبحانه إطعامه ﴿أَطْعَمَهُ﴾؛ أي: رزقه على زعمكم. وقد كانوا سمعوا المسلمين يقولون: إن الرازق هو الله، وأنه يغني من يشاء ويفقر من يشاء، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمسلمين، وقالوا: نحن نوافق مشيئة الله، فلا نطعم من لم يطعمه الله. وهذا غلط منهم، ومكابرة، ومجادلة بالباطل. فإن الله سبحانه أغنى بعض خلقه، وأفقر بعضا، وأمر الغني أن يطعم الفقير، وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة. وقوله: ﴿مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ هو وإن كان كلاما صحيحا في نفسه، ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة الله أو إنكار جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله، كان احتجاجهم من هذه الحيثية باطلًا.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون؛ أي: ما أنتم ﴿إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وخطأ بيّن واضح، ظاهر من تمام كلام الكفار. والمعنى: أنكم أيها المؤمنون في سؤال المال، وأمرنا بإطعام الفقراء، أو في اتباعكم محمدًا وترك ما نحن عليه، لفي ضلال وخطأ في غاية الوضوح والظهور. وقيل: هو مستأنف من كلام الله تعالى، جوابًا وردا لهذه المقالة، التي قالها الكفار. قال القشيري، والماوردي: إن الآية نزلت في قوم من الزنادقة، وقد كان في كفار قريش وغيرهم، من سائر العرب قوم يتزندقون، فلا يؤمنون بالصانع، فقالوا هذه المقالة استهزاء بالمسلمين، ومناقضة لهم. وحكى نحو هذا القرطبي عن ابن عباس ﵄.
والمعنى (١): أي وإذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج
стр. 10789
من المسلمين .. قالوا لمن طلب منهم ذلك: لو شاء الله لأغناهم، وأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله فيهم.
وفي قوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ترغيب في الإنفاق على نهج قوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، وتنبيه إلى عظيم جرمهم في ترك الامتثال للأمر، وذم لهم على ترك الشفقة على عباد الله. وإجمال ذلك: أنهم لم يعظموا الخالق، ولم يشفقوا على المخلوق.
ثم ذكر أنهم على شحهم وبخلهم عابوا الأمر بالإنفاق، ووصفوه بالضلال البين الذي لا شبهة فيه، فقال: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: ما أنتم أيها المؤمنون في قيلكم لنا: أنفقوا مما رزقكم الله على مساكينكم إلا في جور بيّن، وبعد عن سبيل الرشاد لمن تأمل وتدبر.
وهذا معذرة البخلاء في كل عصر ومصر، إذ تراهم دائمًا يقولون: لا نعطي من حرمه الله. وتلك قربة منهم؛ لأن الله أغنى بعض الخلق وأفقر بعضًا ابتلاء منه لعباده، ولأسباب وحكمة نحن لا نعلمها؛ لا بخلًا منه وشحًا. وأمره الأغنياء بالإنفاق على الفقراء، ليس لحاجة منه إلى مالهم بل ليبلوهم، ويرى أيمتثلون الأمر ويؤدون الواجب، أم ينكصون على أعقابهم ويولون مدبرين .. وفي الحديث «لو شاء الله لجعلكم أغنياء لا فقير فيكم، ولو شاء لجعلكم فقراء لا غني فيكم، ولكنه ابتلى بعضكم ببعض لينظر كيف عطف الغني، وكيف صبر الفقير». وهذه الآية ناطقة بترك شفقتهم على خلق الله. وجملة التكاليف ترجع إلى أمرين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله. وهم قد تركوا الأمرين جميعا. وقد تمسك البخلاء الآن بما تمسكوا به حيث يقولون: لا نعطي من حرم الله، ولو شاء لأغناه. نعم لو كان هذا الكلام صادرا عن يقين وشهود وعيان لكان مفيدًا، بل توحيدًا محضًا يدور عليه كمال الإيمان، ولكنهم سلكوا طريق التقليد والإنكار والعناد ومن لم يهد الله فما له من هاد.
وكان لقمان يقول إذا مر بالأغنياء: يا أهل النعيم لا تنسوا النعيم الأكبر وإذا مر بالفقراء يقول: إياكم أن تغبنوا مرتين. وعن علي ﵁ إن
стр. 10790
المال حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام، قال الفضيل ﵀: من أراد عز الآخرة، فليكن مجلسه مع المساكين. نسأل الله تعالى فضله الكثير، ولطفه الوفير. فإنه مسبب الأسباب، ومنه فتح الباب.
٤٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: أهل مكة لرسول الله ﷺ ، والمؤمنين إنكارًا واستبعادًا ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ بقيام الساعة والحساب والجزاء؛ أي: متى يقع هذا الموعود، الذي تعدوننا به من العذاب والقيامة، والمصير إلى الجنة أو النار. أقريب أم بعيد؟ أي: متى إنجاز هذا الوعد، وإلا فالوعد بالبعث كان واقعا لا منتظرا، أو أراد بالوعد الموعود. ومعنى طلب القرب في لفظة ﴿هذَا﴾ إما بطريق الاستهزاء والتهكم وإما باعتبار قرب العهد بالوعد. قال في «كشف الأسرار»: إنما ذكروا بلفظ الوعد الذي يكون في الخير غالبا، دون الوعيد، لأنهم زعموا أن لهم الحسنى عند الله، إن كان الوعد حقًا. يقول الفقير: هذا إنما يتمشى في المشركين دون المعطلة، وقد سبق أنهم زنادقة كانوا بمكة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فيما تعدوننا به وتقولونه، فبينوا لنا وقت وقوعه. وهذا (١) الاستعجال بهجوم الساعة، والاستبطاء لقيام القيامة إنما وقع تكذيبا للدعوة، وإنكارا للحشر والنشر؛ لأنهم قالوا ذلك استهزاءً منهم، وسخريةً بالمؤمنين، ولو كان تصديقًا وإقرارًا واستخلاصًا من هذا السجن، وشوقًا إلى الله تعالى، ولقائه .. لنفعهم جدًا، ولما قامت عليهم القيامة عند الموت، كما لا تقوم على المؤمنين، بل يكون الموت لهم عيدًا وسرورًا.
ومعنى الآية (٢): أي ويقولون استهزاءً وإنكارًا: متى يحصل هذا البعث، الذي تهددوننا به تارة تصريحًا، وأخرى تلويحًا، إن كنتم صادقين فيما تقولون وتعدون. والخطاب لرسول الله ﷺ والمؤمنين، من قبل أنهم كانوا يتلون عليهم الآيات الدالة عليه، الآمرة بالإيمان به.
стр. 10791
٤٩ - فأجابهم ربهم بقوله: ﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ والنظر هنا، بمعنى: الانتظار؛ أي: ما ينتظر كفار مكة ﴿إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ لا تحتاج إلى ثانية. هي النفخة الأولى، التي هي نفخة الصعق والموت، ينفخها إسرافيل في الصور. ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ مفاجأة، وتصل إلى جميع أهل الأرض والسموات. وجملة قوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ في محل النصب على الحال من مفعول ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾؛ أي: والحال أنهم يتخاصمون فيما بينهم، ويتنازعون في تجاراتهم ومعاملاتهم ويشتغلون بأمور دنياهم حتى تقوم الساعة وهم في غفلة عنها.
فإن قلت: هم (١) ما كانوا منتظرين، بل كانوا جازمين بعدم الساعة والصيحة؟
قلت: نعم إلا أنهم جعلوا منتظرين، نظرًا إلى ظاهر قولهم: متى يقع هذا الوعد؛ لأن من قال: متى يقع الشيء الفلاني، يفهم من كلامه أنه ينتظر وقوعه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: تهيج الساعة والرجلان يتبايعان قد نشرا أثوابهما فلا يطويانها، والرجل يلوط حوضه فلا يسقي منه، والرجل قد انصرف بلبن لقحته فلا يطعمه، والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يأكلها. ثم تلا: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾.
والمعنى: أي ما ينتظرون بحلول العذاب إلا نفخة واحدة في الصور، بها يموت أهل الأرض جميعا، تأخذهم بغتة وهم يتنازعون في أمور معايشهم، لا يخطر ببالهم مجيؤها. ونحو الآية قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾.
وقرأ أبي (٢): ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ على الأصل. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والأعرج، وشبل، وهشام، وابن فنطنطين بإدغام التاء في الصاد، ونقل حركتها إلى الخاء، وأبو عمرو أيضًا. وقالون بإخفاء فتحة الخاء وتشديد الصاد، وعنهما إسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصم الثلاثي، والمفعول محذوف؛
стр. 10792
أي: يخصم بعضهم بعضًا، وباقي السبعة بكسر الخاء، وشد الصاد. وفرقة بكسر الياء اتباعًا لكسرة الخاء وشد الصاد.
فإن قلت: الصيحة المذكورة هنا مكررة مع الصيحة التي سبقت في قوله: ﴿إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩)﴾.
قلت: لا تكرار؛ لأن السابقة هي صيحة جبرائيل، لا هلاك أهل أنطاكية مدينة الروم، والمذكورة هنا هي صيحة إسرافيل، حين ينفخ في الصور نفخة الصعق، النفخة الأولى.
٥٠ - ثم بين سبحانه سرعة حدوثها، وأنها كلمح البصر، أو هي أقرب فقال: ﴿فـ﴾ حينئذ ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أي: لا يقدرون ﴿تَوْصِيَةً﴾؛ أي: إيصاء في شيء من أمورهم إذ كانت فيما بين أيديهم؛ أي: لا يستطيع بعضهم أن يوصي إلى بعض بماله وما عليه، أو لا يستطيع أن يوصيه بالتوبة والإقلاع عن المعاصي، بل يموتون في أسواقهم ومزارعهم ومواضعهم. قال ابن الشيخ (١): لا يستطيعون توصية ما، ولو كانت بكلمة يسيرة، فإذا لم يقدروا عليها يكونون أعجز عما يحتاجون فيه إلى زمان طويل، من أداء الواجبات، ورد المظالم، ونحوها؛ لأن القول أيسر من الفعل، فإذا عجزوا عن أيسر ما يكون من القول، تبين أن الساعة لا تمهلهم بشيء ما. واختار الوصية من جنس الكلمات، لكونها أهم بالنسبة إلى المحتضر، فالعاجز عنها يكون أعجز عن غيرها. ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: لا يستطيعون توصية إلى أهليهم إن كانوا بين أهلهم، ولا يرجعون إلى أهلهم ومنازلهم إن كانوا في خارج أبوابهم، بل تبغتهم الصيحة، فيموتون حيث ما كانوا.
والمعنى (٢): أي فلا يستطيعون أن يوصوا في أموالهم أحدًا. إذ لا يمهلون بذلك، ولا يستطيع من كان منهم خارجًا من أهله أن يرجع إليهم، بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا، ويرجعون إلى ربهم. واعلم: أن الموت يدرك
стр. 10793
الإنسان سريعًا، والإنسان لا يدرك كل الأماني. فعلى العبد أن يتدارك الحال بقصر الآمال. وقرأ ابن محيصن ﴿يرجعون﴾ بضم الياء وفتح الجيم.
ومن السنة (١): حسن الوصية عند الموت، وإن كان الذي يوصي عند الموت كالذي يقسم ماله عند التشبع. ومن مات بغير وصية، لم يؤذن له في الكلام في البرزخ إلى يوم القيامة، ويتزاور الأموات، ويتحدثون وهو ساكت فيقولون: إنه مات بغير وصية، فيوصي بثلث ماله. وعن ابن عباس ﵄: الضرار في الوصية من الكبائر، جعلنا الله وإياكم من المتداركين لحالهم، والمتفكرين في مآلهم، والمكثرين من صالح الأعمال، والمنتقلين من الدنيا إلى الآخرة على أحسن الأقوال.
٥١ - ثم بين أنهم بعد أن يموتوا ينفخ في الصور النفخة الثانية نفخة البعث من القبور، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾؛ أي: ينفخ في الصور. وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع. والنفخ: نفخ الريح في الشيء. وقرأ الجمهور ﴿الصور﴾ بإسكان الواو. وفيه وجهان:
أحدهما: أنه القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، وفيه بعدد كل روح ثقبة هي مقامه. والمعنى حينئذٍ: ونفخ في القرن نفخًا، هو سبب لحياة الموتى.
وثانيهما: أنه جمع صورة كصوف جمع صوفة، ويؤيد هذا الوجه قراءة الأعرج ﴿ونفخ في الصوَر﴾ بفتح الواو. فالمعنى عليه: ونفخ في الصور الأرواح، وذلك أيضًا بنفخ القرن.
والمراد: النفخة الثانية، التي يحيي الله بها كل ميت، لا النفخة الأولى التي يميت الله بها كل حي. وبينهما أربعون سنة، تبقى الأرض على حالها مستريحة بعدما مر بها من الأهوال العظام والزلازل، وتمطر سماؤها، وتجري مياهها، وتطعم أشجارها، ولا حي على ظهرها من المخلوقات، فإذا مضى بين النفختين أربعون عامًا، أمطر الله من تحت العرش ماءً غليظًا، كمني الرجال، يقال له: ماء
стр. 10794
الحيوان، فتنبت أجسامهم كما ينبت البقل، وتأكل الأرض ابن آدم إلا عجب الذنب، فإنه يبقي مثل عين الجرادة، لا يدركه الطرف، فينشأ الخلق من ذلك، وتركب عليه أجزاؤه كالهباء في شعاع الشمس. فإذا تكاملت الأجساد، يحيي الله تعالى إسرافيل، فينفخ في الصور، فيطير كل روح إلى جسده، ثم ينشق عنه القبر.
﴿فَإِذا هُمْ﴾ بغتة من غير لبث؛ أي: الكفار، كما دل عليه ما بعد الآية ﴿مِنَ الْأَجْداثِ﴾؛ أي: من القبور. فإن قيل: أين يكون في ذلك الوقت الأجداث، وقد زلزلت الصيحة الجبال؟ أجيب: بأن الله تعالى، يجمع أجزاء كل ميت في الموضع الذي أقبر فيه، فيخرج من ذلك الموضع. وهو جدثه. وقرأ الجمهور ﴿الْأَجْداثِ﴾ بالثاء المثلثة. وقرىء ﴿من الأجداف﴾ بالفاء بدل الثاء، وهما لغتان، واللغة الفصيحة بالثاء المثلثة. ﴿إِلى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: دعوة ربهم، ومالك أمرهم على الإطلاق. وهي دعوة إسرافيل للنشور، أو إلى موقف ربهم الذي أعد للحساب والجزاء. وقد صح أن بيت المقدس هي أرض المحشر والمنشر. وكل من الجارين متعلق بقوله: ﴿يَنْسِلُونَ﴾ كما دل عليه قوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا﴾؛ أي: يسرعون بطريق الإجبار دون الاختيار، لقوله تعالى: ﴿لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾. وقرأ الجمهور: ﴿يَنْسِلُونَ﴾ بكسر السين، وابن أبي إسحاق وأبو عمرو بخلاف عنه بضمها. وإذا المفاجأة بعد قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ إشارة إلى كمال قدرته تعالى، وإلى أن مراده لا يتخلف عن إرادته زمانًا، حيث حكم بأن النسلان وهو سرعة المشي، وشدة العدو يتحقق في وقت النفخ، لا يتخلف عنه مع أن النسلان لا يكون إلا بعد مراتب. وهي جمع الأجزاء المتفرقة، والعظام المتفتتة، وتركيبها، وإحياؤها وقيام الحي ثم نسلانه.
فإن قلت: قال تعالى في آية أخرى: ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾، وقال هاهنا: ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ والقيام غير النسلان، وقد صدر كل واحد منهما في موضعه بـ ﴿إذا﴾ الفجائية، فيلزم أن يكونا معًا؟
والجواب من وجهين:
стр. 10795
الأول: أن القيام لا ينافي المشي السريع، لأن الماشي قائم، ولا ينافي النظر أيضًا.
والثاني: أن الأمور المتعاقبة التي لا يتخلل بينها زمان ومهلة تجعل كأنها واقعة في زمان واحد، كما إذا قيل: مقبل مدبر.
والمعنى: أي ونفخ في الصور نفخة ثانية للبعث، والنشور، والخروج. فإذا هم جميعًا يسرعون للقاء ربهم للحساب والجزاء. ونحو الآية قوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾.
٥٢ - ثم ذكر، أنهم يعجبون حين يرون أنفسهم قد خرجوا من قبورهم للبعث، كما حكي عنهم بقوله: ﴿قالُوا﴾؛ أي: الكفار في ابتداء بعثهم من القبور، منادين لويلهم، وهلاكهم من شدة ما غشيهم من أمر القيامة ﴿يا وَيْلَنا﴾ ويا هلاكنا، احضر إلينا لنتعجب منك، فهذا أوانك ووقت مجيئك. فويل: منادى مضاف إلى ضمير المتكلمين، وهو كلمة عذاب وبلاء، كما أن كلمة ويح كلمة رحمة. ويحتمل كون المنادى محذوفا؛ أي: قالوا: يا قومنا انظروا هلاكنا وتعجبوا منه. قال ابن الأنباري. الوقف على ﴿يا وَيْلَنا﴾ وقف حسن. ثم يبتدىء الكلام بقوله: ﴿مَنْ﴾ استفهام استخباري وتعجب ﴿بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ كان حفص يقف على ﴿مَرْقَدِنا﴾ وقفة لطيفة دون قطع نفس، لئلا يتوهم أن اسم الإشارة صفة لـ ﴿مَرْقَدِنا﴾، ثم يبتدىء ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ على أنها جملة مستأنفة. ويقال لهذه الوقفة: وقفة السكت. وهي قطع الصوت مقدارًا أخصر من زمان النفس.
أي: من أقامنا، وأيقظنا من رقادنا ونومنا إن قلنا: إن المرقد مصدر، أو من مكاننا الذي كنا فيه راقدين إن قلنا. إنه اسم مكان. ظنوا لاختلاط عقولهم بما شاهدوا من الهول، وما داخلهم من الفزع أنهم كانوا نياما. قال في «الأسئلة المقحمة»: إن قيل: أخبر الكفار، بأنهم كانوا في القبر قبل البعث، في حال الرقاد، وهذا يرد عذاب القبر؟
قلت: إنهم لاختلاط عقولهم يظنون أنهم كانوا نيامًا، أو أن الله تعالى يرفع
стр. 10796
عنهم العذاب بين النفختين، فكأنهم يرقدون في قبورهم كالمريض يجد خفة ما، فينسلخ عن الحس بالمنام. فإذا بعثوا بعد النفخة الآخرة، وعاينوا القيامة دعوا بالويل. ويؤيد هذا الجواب قوله ﷺ : «بين النفختين أربعون سنة، وليس بينهما قضاء، ولا رحمة ولا عذاب إلا ما شاء ربك». أو أن الكفار إذا عاينوا جهنم، وأنواع عذابها، وافتضحوا على رؤوس الأشهاد، وصار عذاب القبر في جنبها كالنوم قالوا: من بعثنا من مرقدنا. وذلك أن عذاب القبر روحاني فقط. وأما عذاب يوم القيامة، فجثماني وروحاني، وهو أشد من الروحاني فقط.
قرأ الجمهور: ﴿يا وَيْلَنا﴾. وقرأ ابن أبي ليلى ﴿يا ويلتنا﴾ بتاء التأنيث وعنه أيضًا ﴿يا ويلتي﴾ بالتاء بعدها ألف بدل من ياء الإضافة. وقرأ الجمهور: ﴿مَنْ بَعَثَنا﴾ بفتح ميم ﴿مَنْ﴾ على الاستفهام. وقرأ ابن عباس، والضحاك، وأبو نهيك بكسر الميم على أنها حرف جر. ورويت هذه القراءة عن علي بن أبي طالب، وعلى هذه القراءة تكون ﴿مَنْ﴾ متعلقة بالويل. وقرأ الجمهور: ﴿مَنْ بَعَثَنا﴾. وفي قراءة أبي ﴿من أهبنا﴾ من هب من نومه إذا انتبه. وأنشد ثعلب على هذه القراءة:
وَعَاذلةٍ هَبَّت بليلٍ تلومني ... وَلَمْ يعتمدني قبل ذاك عَذولُ
وقوله: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿ما﴾ موصولة، والعائد محذوف؛ أي: هذا البعث هو الذي وعدكموه الرحمن في الدنيا وأنتم قلتم: متى هذا الوعد إنكارًا. ﴿وَصَدَقَ﴾ في أخباره ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ فقد حق عليكم، ونزل بكم. وهو جواب من جهة الملائكة أو من جهة المؤمنين. عدل به عن سنن سؤال الكفار تذكيرًا لكفرهم وتقريعا لهم عليه، وتنبيهًا على أن الذي يهمهم هو السؤال عن نفس البعث، ماذا هو؟ دون الباعث، كأنهم قالوا: بعثكم الرحمن الذي وعدكم ذلك في كتبه، وأرسل إليكم الرسل، فصدقوكم فيه، وليس بالبعث الذي تتوهمونه. وهو بعث النائم من مرقده، حتى تسألوا عن الباعث. وإنما هذا هو البعث الأكبر ذو الأفزاع والأهوال. وفي «فتح الرحمن»، قوله: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا ...﴾ إلخ، إذا قلت: قولهم ذلك، سؤال عن الباعث، فكيف طابقه الجواب بقوله: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ ...﴾ إلخ؟
стр. 10797
قلت: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم بالبعث، وأخبركم به الرسول، وإنما جيء به على هذه الطريقة، تبكيتًا لهم وتوبيخًا. وقيل: هو من كلام الكفرة، يجيب به بعضهم على بعض. قال بالأول الفرّاء، وبالثاني مجاهد. وقال قتادة: هي من قول الله سبحانه. قال الزجاج: ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى المرقد صفة له، ثم استأنف ﴿ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾، ويضمر الخبر حق؛ أي: ما وعد الرحمن حق عليكم.
٥٣ - ﴿إِنْ كانَتْ﴾؛ أي: ما كانت تلك النفخة الثانية المذكورة ﴿إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ لا ثانية لها، صاحها إسرافيل بنفخه في الصور. وقيل: صيحة البعث هو قول إسرافيل على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، والأعضاء المتمزقة، والشعور المنتشرة، إن الله المصور الخالق، يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، فاجتمعوا وهلموا إلى العرض، وإلى جبار الجبابرة. قال بعضهم: إن هذا القول، ليس غير النفخ في الحقيقة، فيجوز أن يكون المراد من أحدهما هو المراد من الآخر، أو بأن يقال ذلك أثناء النفخ، بحيث يحصل هو والنفخ معا، إذ ليس من ضرورة التكلم على الوجه المعتاد، حتى يحصل التنافي بينهما.
﴿فَإِذا هُمْ﴾ بغتة من غير لبث ما طرفة عين. و ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، خبره قوله: ﴿جَمِيعٌ﴾؛ أي: مجموعون. وقوله: ﴿لَدَيْنا﴾؛ أي: عندنا، متعلق بقوله: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ للفصل والحساب؛ أي: فإذا هم مفاجأة مجموعون في المحشر، محضرون لدينا بسرعة للحساب والجزاء. وفيه من تهوين أمر البعث والحشر، والإيذان باستغنائهما عن الأسباب ما لا يخفى، كما هو عسير على الخلق يسير على الله تعالى، لعدم احتياجه إلى مزاولة الأسباب، ومعالجة الآلات كالخلق، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون.
والمعنى: أي ما كانت إعادتهم إحياء بعد مماتهم إلا نفخة واحدة، فإذا هم مجتمعون لدينا، قد أُحضروا للعرض والحساب لم يتخلف منهم أحد. ونحو الآية: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾، وقوله: ﴿وَما أَمْرُ السَّاعَةِ
стр. 10798
إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾.
٥٤ - ثم بين ما يكون في ذلك اليوم من الحساب بالعدل والقسطاس، فقال: ﴿فَالْيَوْمَ﴾؛ أي: فيقال للكفار حين يرون العذاب المعد لهم: اليوم؛ أي: يوم القيامة، وهو منصوب بقوله: ﴿لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ من النفوس برة كانت أو فاجرة ﴿شَيْئًا﴾ نصب على المصدرية؛ أي: شيئًا من الظلم بنقص الثواب أو زيادة العقاب، أو على أنه مفعول به ثان؛ أي: لا تظلم شيئًا مما تستحقه ﴿وَلا تُجْزَوْنَ﴾ أيها الكفار ﴿إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: إلا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار من الكفر، والمعاصي، والأوزار. فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه للتنبيه على قوة التلازم والارتباط بينهما، كأنهما شيء واحد، أو إلا بما كنتم تعملونه؛ أي: بسببه أو في مقابلته.
فقوله: ﴿لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ ليأمن المؤمن. وقوله: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ﴾ إلخ لييأس الكافر. فإن قلت: ما الفائدة في إيثار طريق الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم، والعدول عن الخطاب عند الإشارة إلى أمان المؤمن؟
فالجواب: أن قوله: ﴿لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ يفيد العموم. وهو المقصود في هذا المقام، فإنه تعالى لا يظلم أحدًا مؤمنًا كان أو مجرمًا. وأما قوله: ﴿لا تُجْزَوْنَ﴾ فإنه يختص بالكافر، فإنه تعالى يجزي المؤمن بما لم يعمله من جهة الوراثة، ومن جهة الاختصاص الإلهي، فإنه تعالى، يختص برحمته من يشاء من المؤمنين، بعد جزاء أعمالهم فيوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله أضعافًا مضاعفة.
أي: ففي هذا اليوم الرهيب، يوم القيامة، لا تبخس نفس جزاء ما عملت من خير أو شر، ولا يحمل عليها وزر غيرها، بل توفى كل نفس أجر ما عملت من صالح، ولا تعاقب إلا بما اكتسبت من طالح جزاءً وفاقًا لما عملت في الدنيا.
وهذا حكاية لما سيقال لهم حين يرون العذاب، المعد لهم تحقيقًا للحق، وتقريعًا لهم، وتوبيخًا عليهم.
стр. 10799
الإعراب
﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩)﴾.
﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَنْزَلْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنا﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿قَوْمِهِ﴾، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿جُنْدٍ﴾: مفعول به، ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: صفة لـ ﴿جُنْدٍ﴾ أو متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنا﴾. والجملة الفعلية مستأنفة، مسوقة لاحتقار أمرهم. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مُنْزِلِينَ﴾: خبره. والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلْنا﴾: معللة لها؛ أي: لأن عادتنا المستمرة في الأزمنة الماضية، قبل زمن محمد ﷺ ، أنا لم ننزل ملائكة لإهلاك الكفار، بل نهلكهم بغير الملائكة. ﴿إِنْ﴾ نافية، ﴿كَانَتْ﴾ فعل ناقص، واسمها ضمير يعود على العقوبة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿صَيْحَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، ﴿واحِدَةً﴾: صفة ﴿صَيْحَةً﴾؛ أي: ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة. وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿فَإِذا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿إذا﴾: حرف فجأة، ﴿هُمْ خامِدُونَ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿كان﴾.
﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾.
﴿يا حَسْرَةً﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿حَسْرَةً﴾: منادى شبيه بالمضاف؛ لأنه اتصل به شيء من تمام معناه، منصوب، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة، ﴿عَلَى الْعِبادِ﴾ متعلق بـ ﴿حَسْرَةً﴾. وجواب النداء محذوف، تقديره: احضري فهذا أوانك. ويحتمل كون المنادى محذوفًا، و ﴿حسرة﴾ منصوب على المصدرية بفعل محذوف؛ أي: يا هؤلاء تحسروا حسرة على العباد. جملة النداء مستأنفة. ﴿مَا﴾: نافية، ﴿يَأْتِيهِمْ﴾: فعل، ومفعول به، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿رَسُولٍ﴾: فاعل يأتي. والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل التحسر عليهم. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء من أعم
стр. 10800
الأحوال، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾ متعلق بما بعده، وجملة ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب على الحال، من الهاء في ﴿يَأْتِيهِمْ﴾؛ أي: ما يأتيهم رسول في حال من الأحوال؛ إلا حال كونهم مستهزئين إياه. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام التقريري، ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وجزم، ﴿يَرَوْا﴾ فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. والجملة مستأنفة. ﴿كَمْ﴾ خبرية بمعنى عدد كثير، في محل النصب، مفعول مقدم لـ ﴿أَهْلَكْنا﴾؛ لأنها مما يلزم الصدارة، ﴿أَهْلَكْنا﴾ فعل وفاعل، ﴿قَبْلَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَهْلَكْنا﴾. والجملة الفعلية في محل النصب، سادة مسد مفعولي ﴿يَرَوْا﴾؛ لأنها قلبية معلقة بكم عن العمل فيما بعدها. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ حال من ﴿كَمْ﴾، ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَرْجِعُونَ﴾، وجملة ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر منصوب، على كونه بدلًا من معنى ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ والتقدير: ألم يروا إهلاكنا كثيرًا من القرون، كونهم غير راجعين إليهم أو على كونه معمولًا لفعل محذوف، دل عليه السياق؛ أي: وقضينا وحكمنا عدم رجوعهم إليهم. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، ﴿لَمَّا﴾ حرف بمعنى: إلا التي للحصر، ﴿جَمِيعٌ﴾ خبر أول لكل، ﴿لَدَيْنا﴾ متعلق به؛ لأنه بمعنى مجموعون أو بمحضرون، و ﴿مُحْضَرُونَ﴾ خبر ثان للمبتدأ؛ أي: وما كل الخلائق إلا مجموعون عندنا، محضرون لدينا للحساب والجزاء. والجملة معطوفة على جملة ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ أو مستأنفة.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾.
﴿وَآيَةٌ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿آيَةٌ﴾ خبر مقدم، ﴿لَهُمُ﴾ صفة لـ ﴿آيَةٌ﴾، ﴿الْأَرْضُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿الْمَيْتَةُ﴾ صفة لـ ﴿الْأَرْضُ﴾ وجملة ﴿أَحْيَيْناها﴾ حال من الضمير المستكن في الميتة، أو صفة ثانية لـ ﴿الْأَرْضُ﴾، لأن أل فيها جنسية فهي بمنزلة النكرات. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَأَخْرَجْنا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿أحيينا﴾، ﴿مِنْها﴾: متعلق بـ ﴿أَخْرَجْنا﴾، ﴿حَبًّا﴾ مفعول به، ﴿فَمِنْهُ﴾ الفاء: استئنافية، ﴿منه﴾ متعلق بـ ﴿يَأْكُلُونَ﴾، و ﴿يَأْكُلُونَ﴾ فعل وفاعل. والجملة
стр. 10801
مستأنفة. ﴿وَجَعَلْنا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿أحيينا﴾، ﴿فِيها﴾ متعلق بـ ﴿جَعَلْنا﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له إن قلنا: إن ﴿جَعَلْنا﴾ من أفعال التصيير، ﴿جَنَّاتٍ﴾ مفعول به أول على التقدير المذكور، ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ﴿وَأَعْنابٍ﴾ معطوف على ﴿نَخِيلٍ﴾، ﴿وَفَجَّرْنا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿أحيينا﴾، ﴿فِيها﴾ متعلق بـ ﴿فَجَّرْنا﴾، ﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾ صفة لمفعول ﴿فَجَّرْنا﴾ المحذوف، تقديره: وفجرنا فيها ينابيع كائنات من العيون. ﴿لِيَأْكُلُوا﴾ اللام، حرف جر وتعليل، ﴿يأكلوا﴾ فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يأكلوا﴾. والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنا﴾؛ أي: وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب لأكلهم من ثمره؛ أي: من ثمر المذكور من النخيل والأعناب. ﴿وَما﴾ موصولة أو موصوفة، معطوفة على ثمره، ﴿عَمِلَتْهُ﴾ فعل ومفعول، ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ فاعل. والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ويصح كونها مصدرية؛ أي: ومن عمل أيديهم كالدبس والعصير. قال الزمخشري: ويصح أن تكون ﴿ما﴾: نافية، وتكون الجملة الفعلية حينئذ حالًا من الثمر. ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ الهمزة: للاستفهام التوبيخي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيرون تلك النعم، فلا يشكرون الله عليها؟! ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَشْكُرُونَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ذلك المقدر.
﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾.
﴿سُبْحانَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: سبحوا الله سبحانًا، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿سُبْحانَ﴾: مضاف، ﴿الَّذِي﴾: مضاف إليه، ﴿خَلَقَ الْأَزْواجَ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة صلة الموصول. ﴿كُلَّها﴾ توكيد للأزواج، ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور، حال من الأزواج، ﴿تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ فعل، وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: مما تنبته الأرض. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ جار ومجرور، معطوف
стр. 10802
على الجار والمجرور في قوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾، وكذا قوله: ﴿وَمِمَّا﴾ معطوف عليه، وجملة ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾.
﴿وَآيَةٌ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿آيَةٌ﴾ خبر مقدم، ﴿لَهُمُ﴾ صفة لآية، ﴿اللَّيْلُ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ ﴿نَسْلَخُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿نَسْلَخُ﴾، ﴿النَّهارَ﴾ مفعول به. والجملة الفعلية مستأنفة في محل النصب، حال من الضمير المستكن في الخبر العائد إلى الليل، ولكنها حالة سببية. ﴿فَإِذا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿إذا﴾ فجائية، ﴿هُمْ مُظْلِمُونَ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة معطوفة على جملة ﴿نَسْلَخُ﴾: عطف اسمية على فعلية. ﴿وَالشَّمْسُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿تَجْرِي﴾: خبره، ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، ﴿لَهَا﴾ صفة لـ ﴿مستقر﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ﴾. ويجوز أن يكون ﴿الشَّمْسُ﴾ معطوفًا على الأرض، وجملة ﴿تَجْرِي﴾ حال من الشمس. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، ﴿تَقْدِيرُ﴾ خبره، ﴿الْعَزِيزِ﴾ مضاف إليه، ﴿الْعَلِيمِ﴾ صفة لـ ﴿الْعَزِيزِ﴾. والجملة مستأنفة. ﴿وَالْقَمَرَ﴾ بالنصب منصوب على الاشتغال بفعل مضمر، يفسره المذكور بعده، تقديره: وقدرنا القمر، وجملة ﴿قَدَّرْناهُ﴾ جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب. ﴿مَنازِلَ﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿قدرنا﴾ المقدر؛ أي: قدرنا سير القمر في منازل من الأبراج، أو حال من القمر، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: حال كونه ذا منازل، أو مفعول ثان لقدرنا؛ أي: صيّرناه منازل، وبالرفع معطوف على المبتدأ المذكور قبله على أنه مبتدأ، خبره جملة ﴿قَدَّرْناهُ﴾ ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، ﴿عَادَ﴾: فعل ناقص واسمه ضمير يعود على القمر، ﴿كَالْعُرْجُونِ﴾ ﴿الكاف﴾ اسم بمعنى مثل، في محل النصب خبر عاد، ﴿كَالْعُرْجُونِ﴾:
стр. 10803
مضاف إليه للكاف، ﴿الْقَدِيمِ﴾ صفة لـ ﴿العرجون﴾؛ أي: حتى صار مثل العرجون القديم. والجملة الفعلية في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى؛ أي: إلى عوده مثل العرجون القديم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿قدرنا﴾، ﴿لَا﴾ نافية ﴿الشَّمْسُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَنْبَغِي﴾ خبره. والجملة مستأنفة. ﴿لَهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَنْبَغِي﴾، ﴿أَنْ﴾ حرف نصب، ﴿تُدْرِكَ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الشمس، منصوب بأن المصدرية ﴿الْقَمَرَ﴾ مفعول به. والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر، مرفوع على الفاعلية لينبغي؛ أي: لا ينبغي لها إدراكها القمر. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿اللَّيْلُ﴾: مبتدأ، ﴿سابِقُ﴾: خبره، ﴿النَّهارِ﴾ مضاف إليه. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ﴾. ﴿وَكُلٌّ﴾ مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة قصد العموم؛ ولأن التنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف؛ أي: كل واحد من الشمس والقمر والنجوم والكواكب ﴿فِي فَلَكٍ﴾ متعلق بما بعده، وجملة ﴿يَسْبَحُونَ﴾ خبر المبتدأ، وعبّر عنها بالواو التي للعقلاء، تنزيلًا لها منزلتهم. والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤)﴾.
﴿وَآيَةٌ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿آيَةٌ﴾ خبر مقدم، ﴿لَهُمْ﴾ صفة له، ﴿أَنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول، ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ متعلق بـ ﴿حَمَلْنا﴾، ﴿الْمَشْحُونِ﴾: صفة لـ ﴿الْفُلْكِ﴾، وجملة ﴿حَمَلْنا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء؛ أي: وحملنا ذريتهم في الفلك المشحون آية لهم. والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ﴾. ﴿وَخَلَقْنا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿حَمَلْنا﴾، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَلَقْنا﴾، ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ حال من المفعول المؤخر، وهو ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿خَلَقْنا﴾، وجملة ﴿يَرْكَبُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما يركبونه. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِنْ﴾ حرف شرط، ﴿نَشَأْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، مجزوم
стр. 10804
بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فَلا صَرِيخَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية للجنس تعمل عمل ﴿إِنْ﴾، ﴿صَرِيخَ﴾ في محل النصب اسمها، ﴿لَهُمْ﴾ خبرها. وجملة ﴿لا﴾ معطوفة على جملة الجواب. واختار ابن عطية كون الفاء: استئنافية، ففيه قطع الكلام عما قبله. ﴿وَلا هُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾، نافية مهملة، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿يُنْقَذُونَ﴾ فعل مغير، ونائب فاعل في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ من أعم العلل، ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله، منصوب بـ ﴿يُنْقَذُونَ﴾، ﴿مِنَّا﴾ صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾، ﴿وَمَتاعًا﴾ معطوف على رحمة، ﴿إِلى حِينٍ﴾ متعلق بـ ﴿مَتاعًا﴾ أو صفة له، وتقدير الكلام؛ أي: لا يغاثون، ولا ينقذون لشيء من الأشياء إلا لرحمة منا، وتمتيع منا لهم. وسبق بسط الكلام على هذا في مبحث التفسير فراجعه.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾.
﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمُ﴾ متعلق بـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ...﴾ إلى آخر الآية نائب فاعل، محكي لـ ﴿قِيلَ﴾. وجملة ﴿قِيلَ﴾ في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونه فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، وجوابه محذوف دل عليه ما سيأتي تقديره: أعرضوا عنه. وجملة ﴿إِذا﴾ مستأنفة. وإن شئت قلت: ﴿اتَّقُوا﴾ فعل أمر، وفاعل، ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول به، وجملة ﴿اتَّقُوا﴾ في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ ظرف، ومضاف إليه صلة لما الموصولة، ﴿وَما خَلْفَكُمْ﴾ معطوف على ما بين أيديكم، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿لعل﴾ حرف نصب وتعليل أو ترجّ، والكاف اسمها، وجملة ﴿تُرْحَمُونَ﴾ خبرها. وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب حال من واو اتقوا؛ أي: اتقوا حالة كونكم راجين أن ترحموا، أو تعليل للأمر بالتقوى؛ أي: اتقوا كي ترحموا فتنجوا من ذلك، كما سبق هناك ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية،
стр. 10805
﴿تَأْتِيهِمْ﴾: فعل، ومفعول به، ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿آيَةٍ﴾: فاعل، ﴿مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه صفة لـ ﴿آيَةٍ﴾. والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿إذا﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ من أعم الأحوال، ﴿كانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿عَنْها﴾ متعلق بما بعده، ﴿مُعْرِضِينَ﴾: خبر. ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب، حال من مفعول تأتي، والتقدير: وما تأتيهم آية من آيات ربهم، في حال من الأحوال إلا حالة كونهم معرضين عنها.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨)﴾.
﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به، ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾. والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. وإن شئت قلت: ﴿أَنْفِقُوا﴾ فعل أمر، وفاعل، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لقيل، ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أَنْفِقُوا﴾. ﴿رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فعل، ومفعول أول، وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: مما رزقكم الله إياه. ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ فعل، وفاعل. والجملة جواب ﴿إِذا﴾، وجملة ﴿إِذا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل، وفاعل، صلة الموصول، ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلق بـ ﴿قالَ﴾. ﴿آمَنُوا﴾ فعل، وفاعل، صلة الموصول، ﴿أَنُطْعِمُ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿نُطْعِمُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على المتكلمين من الكفار، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿نُطْعِمُ﴾، وجملة ﴿نُطْعِمُ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قالَ﴾ الذين كفروا، ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿يَشاءُ اللَّهُ﴾ فعل مضارع، وفاعل، فعل لـ ﴿لو﴾، ﴿أَطْعَمَهُ﴾ فعل، ومفعول، وفاعل مستتر يعود على الله جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿إِنْ﴾ نافية، ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿فِي ضَلالٍ﴾ خبر المبتدأ، ﴿مُبِينٍ﴾ صفة ضلال، الجار والمجرور خبر
стр. 10806
المبتدأ. والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿يَقُولُونَ﴾ فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿مَتى﴾ اسم استفهام عن الزمان، في محل النصب على الظرفية، متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿هذَا﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْوَعْدُ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له. والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿صادِقِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن كنتم صادقين فيما تدّعون، فبيّنوا لنا وقت وقوعه ومجيئه. وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾.
﴿ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾.
﴿ما﴾: نافية، ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿صَيْحَةً﴾: مفعول به، ﴿واحِدَةً﴾: صفة له، ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة الفعلية في محل النصب. صفة ثانية لصيحة، أو حال منها لوصفها بواحدة. ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَخِصِّمُونَ﴾: خبره. والجملة الاسمية في محل النصب. حال من مفعول ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾، ﴿فَلا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة معطوفة مفرعة على جملة ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾. ﴿ولا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿إِلى أَهْلِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَرْجِعُونَ﴾، و ﴿يَرْجِعُونَ﴾: معطوفة على جملة ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾.
﴿وَنُفِخَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿نُفِخَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿فِي الصُّورِ﴾: جار ومجرور نائب فاعل. والجملة مستأنفة. ﴿فَإِذا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾ فجائية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿مِنَ الْأَجْداثِ﴾ متعلق بـ ﴿يَنْسِلُونَ﴾، و ﴿إِلى رَبِّهِمْ﴾
стр. 10807
متعلق بـ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ أيضًا، وجملة ﴿يَنْسِلُونَ﴾: في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوف على جملة ﴿نُفِخَ﴾. ﴿قالُوا﴾ فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يا وَيْلَنا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿وَيْلَنا﴾: منادى مضاف. وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿بَعَثَنا﴾: فعل، ومفعول، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿مَنْ﴾: الاستفهامية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الاستفهامية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿مِنْ مَرْقَدِنا﴾: متعلق بـ ﴿بعثنا﴾، هذا: مبتدأ، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لقول محذوف، تقديره: قالت الملائكة أو المؤمنون: هذا البعث ما وعد الرحمن، وجملة القول المحذوف، مستأنفة. ﴿وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾: فعل، وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: هذا ما وعده الرحمن إياكم. ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾، والعائد محذوف؛ أي: وصدق المرسلون في إخباره إياكم.
﴿إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾.
﴿إِنْ﴾ نافية ﴿كانَتْ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على النفخة؛ أي: ما كانت النفخة المذكورة سابقا، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿صَيْحَةً﴾ خبر ﴿كان﴾، ﴿واحِدَةً﴾: صفة لـ ﴿صَيْحَةً﴾، وجملة كانت مستأنفة. ﴿فَإِذا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾: فجائية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿جَمِيعٌ﴾ خبر أول، ﴿لَدَيْنا﴾ متعلق بـ ﴿مُحْضَرُونَ﴾، و ﴿مُحْضَرُونَ﴾: خبر ثان. والجملة معطوفة على جملة ﴿كان﴾. ﴿فَالْيَوْمَ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿اليوم﴾ ظرف متعلق بـ ﴿تُظْلَمُ﴾، ﴿لا﴾ نافية، ﴿تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ فعل، ونائب فاعل. والجملة مستأنفة. ﴿شَيْئًا﴾ مفعول مطلق، ﴿وَلا تُجْزَوْنَ﴾ فعل، ونائب فاعل، معطوف على ﴿لا تُظْلَمُ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب. مفعول ثان لـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبره. وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول.
стр. 10808
التصريف ومفردات اللغة
﴿مِنْ جُنْدٍ﴾ الجند: العسكر، واحده جندي، والمراد بهم هنا: الجند من الملائكة؛ لأنهم جند الله الأكبر. ﴿خامِدُونَ﴾ والخمود: انطفاء النار، والمقصود به هنا: الموت. ﴿يا حَسْرَةً﴾ والحسرة على ما قال الراغب: الغم على ما فات، والندم عليه، كأن المتحسر انحسرت عنه قواه من فرط الإعياء. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ جمع قرن، والقرن: القوم المقترنون في زمن واحد.
﴿وَفَجَّرْنا﴾ الفجر: شق الشيء شقًا واسعًا، كما في «المفردات». قال بعضهم: التفجير كالتفتيح لفظًا ومعنًى، وبناء التفعيل للتكثير. ﴿فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ جمع عين، وهي في الأصل: الجارحة. ويقال لمنبع الماء: عين، تشبيهًا بها في الهيئة، وفي سيلان الماء منها، ومن عين الماء اشتق ماء معين؛ أي: ظاهر للعيون. ومعنى ﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾: من ماء العيون، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
﴿سُبْحانَ الَّذِي﴾ سبحان: علم للتسبيح، الذي هو التبعيد عن السوء اعتقادًا وقولًا؛ أي: اعتقاد البعد عنه، والحكم به. فإن العلم كما يكون علمًا للأشخاص، كزيد وعمرو، وللأجناس كأسامة .. يكون للمعاني أيضًا. لكن علم الأعيان لا يضاف، وهذا لا يجوز بغير إضافة كما في الآية، أقيم مقام المصدر، وبيّن مفعوله بإضافته إليه. ﴿الْأَزْواجَ﴾: جمع زوج، وهو ضد الفرد، ويقال للأنواع: أزواج؛ لأن كل نوع زوج بقسيمه. وفي ﴿سُبْحانَ﴾ استعظام ما في حيِّز الصلة، من بدائع آثار قدرته، وروائع نعمائه الموجبة للشكر، وتخصيص العبادة به. والتعجب من إخلال الكفرة بذلك، والحالة هذه، فإن التنزيه لا ينافي التعجب. والمعنى: أسبح الذي أوجد الأصناف والأنواع سبحانه؛ أي: أنزهه عما لا يليق به عقدًا وعملًا تنزيهًا خاصًا به، حقيقًا بشأنه. فهو حكم منه تعالى بتنزهه، وبراءته عن كل ما لا يليق به، كما فعله الكفار من الشرك وما تركوه من الشكر، وتلقين للمؤمنين أن يقولوه، ويعتقدوا مضمونه، ولا يخلّوا به ولا يغفلوا عنه. وقال بعضهم: ﴿سُبْحانَ﴾ مصدر كغفران أريد به: التنزه التام، والتباعد
стр. 10809
الكلي عن السوء على أن تكون الجملة إخبارًا من الله بالتنزه. والمعنى: تنزه تعالى بذاته عن كل ما لا يليق به تنزهًا خاصًا. ومن هو خالق الأصناف والأنواع كيف يجوز أن يشرك به ما لا يخلق شيئًا؟، بل هو مخلوق عاجز. اهـ من «الروح».
﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ أصل السلخ: كشط الجلد عن الشاة ونحوها، واستعمل هنا في كشف الضوء من مكان الليل، وملقى ظله. ومعنى ﴿نَسْلَخُ﴾: نفصل، يقال: سلخ جلد الشاة إذا كشطه عنها، وأزاله. وفي معاجم اللغة: سلخ يسلخ من باب نصر وفتح سلخًا، وسلخ الخروف كشط جلده، وسلخت المرأة درعها نزعته، وسلخت الحية انكشفت عن سلختها، وسلخها قشرها. فاستعير السلخ هنا لإزالة الضوء، وكشفه عن مكان الليل وملقى ظله.
﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾؛ أي: حول مستقر لها، وهو مركز مدارها. تقدير العزيز والتقدير: تبيين كمية الشيء. وتقدير الله الأشياء على وجهين:
أحدهما: بإعطاء القدرة.
والثاني: أن يجعلها على مقدار مخصوص، ووجه مخصوص حسبما اقتضته الحكمة.
﴿مَنازِلَ﴾: جمع منزل، وهو المسافة التي يقطعها القمر في يوم وليلة. ﴿حَتَّى عادَ﴾؛ أي: صار في أواخر سيره، وقربه من الشمس. ﴿كَالْعُرْجُونِ﴾ في رأي العين. والعرجون: هو العود الذي عليه الشماريخ، فإذا أتي عليه الحول تقوّس، ودقّ، واصفرّ. قال أعشى بني قيس:
شرق المسك والعبير بها ... فهي صفراء كعرجون القمر
والعرجون: بضم العين، ويقال له أيضًا: العرجد، والعرجد بتشديد الدال، أصل العذق الذي يعوج ويبقى على النخل يابسًا بعد أن تقطع عنه الشماريخ، والجمع عراجين. وقال الزجاج: هو فعلون من الانعراج، وهو الانعطاف، والاعوجاج. والشماريخ جمع شمراخ، والشمراخ كالشمروخ بالضم: عيدان
стр. 10810
العنقود، الذي عليه الرطب، وما يجمعه مما فوقه يسمى العذق بكسر العين، كذا في «المصباح». وفيه العذق بكسر العين الكباسة، والكباسة: عنقود النخل، اهـ.
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها﴾؛ أي: لا يتيسر لها ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾؛ أي: أن تجتمع معه في وقت واحد، فتداخله وتطمس نوره؛ لأن لكل منهما دورة خاصة في فلكه. وقوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها﴾ هو أبلغ من (لا ينبغي للشمس)، كما أن، أنت لا تكذب، بتقديم المسند إليه، آكد من، لا تكذب أنت لاشتمال الأول على تكرر الإسناد. ففي ذكر حرف النفي مع الشمس دون الفعل، دلالة على أن الشمس مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها، وقدّر لها. وينبغي من الانفعال، وثلاثية بغي يبغي بمعنى طلب، وأما استعمال انبغي ماضيًا فقليل. قال في «كشف الأسرار»: يقال: بغيت الشيء فانبغى لي، أي: استسهلته فتسهل لي، وطلبته فتيسر لي. والمعنى: لا الشمس يصح لها ويتسهل ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾؛ أي: تجتمع معه في وقت واحد، فتداخله وتطمس نوره؛ لأن لكل منهما دورة خاصة في فلكه. كما مر آنفًا.
﴿فِي فَلَكٍ﴾؛ أي: في جنس فلك، كقولهم: كساهم الأمير حلة يريدون: كساهم هذا الجنس. والفلك: مجرى الكواكب ومسيرها، وتسميته بذلك لكونه كالفلك، كما في «المفردات».
﴿يَسْبَحُونَ﴾ السبح: المر السريع في الماء أو في الهواء، واستعير لمر النجوم في الفلك، كما في «المفردات». وقال في «كشف الأسرار»: السبح: الانبساط في السير، كالسباحة في الماء، وكل من انبسط في شيء فقد سبح فيه. قال الحسن: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يدورون. وقال ابن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل.
﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الذرية أصلها: صغار الأولاد، ثم استعملت في الصغار والكبار، ويقع على الواحد والجمع، وأصله الجمع. وهي من ذرأ الله الخلق، فتركت همزته نحو: برية من برأ. قال في «القاموس»: ذرأ كجعل: خلق، وذرأ الشيء: كثر، ومنه الذرية - مثلثة - لنسل الثقلين، انتهى.
﴿فِي الْفُلْكِ﴾؛ أي: السفينة ﴿الْمَشْحُونِ﴾؛ أي: المملوء. ومع ذلك نجّاه الله
стр. 10811
من الغرق، فهذا الوصف له دخل في الامتنان. وكانت السفينة مملوءة بالحيوان؛ لأنه جعلها ثلاث طبقات. السفلي: وضع فيها السباع والهوام، والوسطي: وضع فيها الدواب والأنعام، والعليا: وضع فيها الآدميين والطير، اهـ شيخنا. والشحناء: عداوة امتلأت منها النفوس، كما في «المفردات» وهو اسم مفعول من شحن السفينة إذا ملأها، وأتم جهازها كله. ويقال: بينهما شحناء؛ أي: عداوة، وهو مشاحن لأخيه، ويقال للشيء الشديد الحموضة: إنه ليشحن الذباب؛ أي: يطرده، وبابه فتح إذا كان بمعنى الملء، وإذا كان بمعنى الطرد فهو من باب فتح ونصر، يقال: شحنت الكلاب؛ أي: أبعدت الطرد ولم تصد شيئًا، وإذا كان بمعنى الحقد فهو من باب تعب.
﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ الغرق: الرسوب في الماء. ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ الصريخ فعيل بمعنى: مفعل؛ أي: مصرخ، وهو المغيث، ويطلق أيضًا على الصارخ؛ أي: المستغيث، فهو من الأضداد، ويكون مصدرًا بمعنى الإغاثة. وكل منهما مراد هنا. وفي «الأساس»: وصرخ يصرخ صراخًا وصريخًا وهو صارخ وصريخ. والصراخ: صوت المستغيث، وصوت المغيث إذا صرخ بقومه للإغاثة.
﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾؛ أي: متى يتحقق ويجيىء ما وعدنا به. والوعد يستعمل في الخير والشر والنفع والضر، والوعيد في الشر خاصة. والوعد هنا يتضمن الأمرين؛ لأنه وعد بالقيامة. وجزاء العباد إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ من النظر بمعنى الانتظار، كما سبق. ﴿إِلَّا صَيْحَةً﴾ والصيحة: رفع الصوت. ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ والأخذ: حوز الشيء، وتحصيله. وذلك تارة بالتناول نحو: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾، وتارة بالقهر نحو: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾. ويقال: أخذته الحمّى، ويعبر عن الأسير بالمأخوذ والأخيذ.
﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بفتح الياء وكسر الخاء وكسر الصاد المشددة. أصله: يختصمون، فقلبت التاء صادًا، ثم أسكنت وأدغمت في الصاد الثانية، ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين، فصار ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، وماضيه خصّم، أصله: اختصم، فنقلت حركة التاء إلى الخاء ثم قلبت؛ أي: التاء صادًا وأدغمت في الصاد،
стр. 10812
وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها بتحريك الخاء، فوقع الإعلال في الماضي كما وقع في مضارعه.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الاستطاعة: استفعال من الطوع، وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتيًا. ﴿تَوْصِيَةً﴾ مصدر وصّى توصية كزكّى تزكية، لأن فعله من المضعف المعتل. والوصية اسم مصدر من الإيصاء، يقال: وصّيت الشيء بالشيء إذا وصلته به، ويسمى إلزام شيء من مال أو نفقة بعد الموت بالوصية؛ لأنه لما أوصى به؛ أي: أوجب وألزم وصل ما كان من أمر حياته بما بعده من أمر مماته.
﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ﴾ الأهل: يفسر بالأزواج والأولاد، وبالعبيد والإماء. والأقارب، وبالأصحاب، وبالمجموع، كما في شرح المشارق لابن الملك. قال الراغب: أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب، وعبّر بأهل الرجل عن امرأته.
﴿مِنَ الْأَجْداثِ﴾؛ أي: القبور، جمع جدث كفرس وأفراس، محركة وهو القبر، كما في «القاموس». وقرىء شاذًا ﴿من الأجداف﴾ بالفاء، وهي لغة في الأجداث يقال: جدث وجدف بمعنى.
﴿فِي الصُّورِ﴾ هو القرن أو ما يسمى اليوم البوق، وهو شيء مجوّف مستطيل، ينفخ فيه ويزمر ويجمع على أبواق وبيقان وبوقان. قال أبو الفتح بن جنيّ: عاب على أبي الطيب من لا خبرة له بكلام العرب، جمع بوق على بوقات في قوله:
إذا كان بعض النَّاسِ سيفًا لدولةٍ ... ففي النَّاسِ بوقاتٌ لها وطبول
والقياس يعضده، إذ له نظائر كثيرة مثل: حمام وحمامات، وسرادق وسرادقات وجواب وجوابات، وهو كثير في جمع ما لا يعقل من المذكر.
﴿يَنْسِلُونَ﴾؛ أي: يعدون بكسر السين وضمها، يقال: نسل الذئب ينسل من باب ضرب يضرب، وقيل: ينسل بالضم أيضًا، وهو الإسراع في المشي. وفي القاموس: نسل ينسل وينسل بكسر السين وضمها نسلًا ونسلًا ونسلانًا في مشيه أسرع. ومنه: قول امرىء القيس:
стр. 10813
فإن تك قد ساءتك منِّي خليقةٌ ... فسلِّي ثيابي من ثيابك تنسل
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس الاشتقاق بين ﴿أَنْزَلْنا﴾ و ﴿مُنْزِلِينَ﴾.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ شبههم بالنار الخامدة، التي صارت رمادًا على حد قول لبيد:
وما المرء إلّا كالشِّهاب وضوئهِ ... يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع
شبهوا بالنار الخامدة رمزًا إلى أن الحي كالنار الساطعة في الحركة والالتهاب، والميت كالرماد.
ومنها: حكاية حال ماضية مستمرة في قوله: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾؛ أي: كانوا في الدنيا على الاستمرار يستهزئون بمن يأتيهم من الرسول من غاية الكبر.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا﴾.
ومنها: التنكير للتفخيم والتعظيم في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾؛ أي: آية عظيمة باهرة على قدرة الله.
ومنها: الطباق بين الموت والإحياء في قوله: ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن الأيدي كناية عن القوة؛ لأن أقوى جوارح الإنسان في العمل يده، فصار ذكر اليد غالبًا في الكناية. ومثله قوله: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
ومنها: فن التناسب في قوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ الآية، وهو أن يأتي المتكلم في أول كلامه بمعنى لا يستقل الفهم بمعرفة فحواه، لكونه مجملًا يحتاج إلى التفصيل. فقد أجمل الأزواج أولًا، ثم فصله بما بعده، فأحسن التفصيل والترتيب. فقد قدم سبحانه النبات، وانتقل على طريق
стр. 10814
البلاغة إلى الأعلى، فثنى بأشرف الحيوان، وهو الإنسان، ليستلزم ذكره بقية الحيوان، ثم ثلّث بقوله: ﴿وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ فانتقل من الخصوص إلى العموم، ليندرج تحت العموم. فسبحان منزل القرآن على ما فيه من بديع البيان.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ شبّه إزالة ضوء النهار، وانكشاف ظلمة الليل بسلخ الجلد عن الشاة، بجامع الإزالة والتعرية في كل. فكما أن الشاة تتعرى حين يسلخ إهابها كذلك الليل إذا انسلخ عنه النهار زال ضوء، وبدت ظلمته الحالكة. واستعار اسم السلخ للإزالة والإخراج، واشتق منه ﴿نَسْلَخُ﴾ بمعنى نخرج منه النهار على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
وفيه من المحسنات أيضًا الطبقات بين الليل والنهار في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾.
ومنها: في هذه الآية أيضًا التوشيح، وهو أن يكون في أول الكلام، معنى إذا علم علمت منه القافية، إن كان شعرًا، أو السجع إن كان نثرًا، أو الفاصلة إن كان آية. فإن من كان حافظًا للسورة، متفطنًا إلى أن مقاطع آيها النون المردفة، وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل، علم أن الفاصلة تكون مظلمون؛ لأن من انسلخ النهار عن ليله أظلم؛ أي: دخل في الظلمات ما دامت تلك الحال.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ فإنه شبه الهلال بالعرجون في الدقة، والتقوس والاصفرار؛ أي: في رأي العين لا في المقدار. ووجه الشبه مركب من ثلاثة أشياء، ولما لم يذكر سمي مجملًا.
ومنها: تقديم المسند إليه لتقوية الحكم المنفي في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ فإنه أبلغ من أن يقال: لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر، وآكد في إفادة أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها. فإن قولك: أنت لا تكذب، بتقديم المسند إليه، أبلغ من قولك: لا تكذب، فإنه أشد في نفي الكذب من العبارة الثانية. كما مر.
стр. 10815
ومنها: تنزيل غير العقلاء منزلتهم في قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ بدل يسبح. فقد عبر عن الشمس، والقمر، والكواكب، بضمير جمع المذكر تنزيلًا لها منزلة العقلاء. والذي سوّغ ذلك وصفهم بالسباحة؛ لأنها من صفات العقلاء.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ فإنه استعار المر السريع في الماء، لمر النجوم في الفلك، المعبر عنه عرفًا بالدوران.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ فقد استعار الرقاد للموت، والجامع بينهما عدم ظهور الفعل في كل؛ لأن كلا من النائم والميت لا يظهر فيه فعل. والمراد: الفعل الاختياري المعتد به، فلا يرد أن النائم يصدر منه فعل. وإنما قلنا: إنها أصلية؛ لأن المرقد مصدر ميمي، كما تقدم. وأما إذا جعلناه اسم مكان فتكون الاستعارة تبعية.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾؛ أي: تقول لهم الملائكة أو المؤمنون: هذا ما وعدكم به الرحمن.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري الذي يراد به التهكم في قوله: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿تَوْصِيَةً﴾ لغرض التعميم؛ أي: في شيء من أمورهم.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ للدلالة على تحقق الوقوع.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
محالة، وأنه سيأتي بغتةً من حيث لا يشعر به أحد، فما هو إلا صيحة واحدة، فإذا الناس خارجون من قبورهم ينسلون .. أردف ذلك ببيان ما أعده للمحسن والمسيء في هذا اليوم، من ثواب وعقاب، ليكون في ذلك ترغيب في صالح الأعمال، وترهيب من فعل الفجور، واجتراح السيئات.
قوله تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر ما للمحسنين من نعيم، واجتماع بالمحبين والإخوان والأزواج في الجنات .. أعقبه بذكر حال المجرمين، وأنهم في ذلك اليوم يطلب منهم التفرق، وابتعاد بعضهم من بعض. فيكون لهم عذابان: عذاب النار، وعذاب الوحدة. ولا عذاب فوق هذا.
ثم أردف هذا، بأنه قد كان لهم مندوحة من كل هذا، بما أرسل إليهم من الرسل، الذين بلّغوهم أوامر ربهم ونواهيه. ومنها: نهيهم عن اتباع خطوات الشيطان، وعن اتباعه فيما يوسوس به. ثم ذكر: أنه كان لهم فيمن قبلهم من العظات، ما فيه مزدجر لهم لو تذكروا، لكنهم اتبعوا وساوسه، فحل بهم من النكال والوبال ما رأوا آثاره بأعينهم في الدنيا. وفيه دليل على ما سيكون لهم في العقبى. ثم ذكر مآل أمرهم، وأنهم سيصلون نار جهنم، خالدين فيها أبدًا بما اكتسبت أيديهم. وهم في هذا اليوم، لا ينطقون ببنت شفة، ولا تقبل منهم معذرة، بل تتكلم أيديهم بما عملت، وتشهد أرجلهم بما اكتسبت. ثم ذكر: أنه رحمة منه بعباده، لم يشأ أن يعاقبهم في الدنيا شديد العقوبات، فلم يشأ أن يذهب أبصارهم حتى لو أرادوا الاستباق، وسلوك الطريق الذي اعتادوا سلوكه، ما قدروا ولا أبصروا، ولم يشأ أن يمسخ صورهم، ويجعلهم كالقردة والخنازير، حتى لو أرادوا الذهاب إلى مقاصدهم ما استطاعوا، ولو أرادوا الرجوع ما قدروا. ثم دفع معذرة أخرى ربما احتجوا بها. وهي أن ما عمروه قليل، ولو طال عمرهم لأحسنوا العمل، واهتدوا إلى الحق. فرد ذلك عليهم بأنهم كلما عمروا في السن ضعفوا عن العمل، وقد عمروا مقدار ما يتمكنون به من البحث والإدراك، كما قال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، ولكن ذلك ما
стр. 10818
كفاهم. فهم مهما طالت أعمارهم لا يجديهم ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ...﴾ الآيتين، مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما: أن الله سبحانه، لما ذكر أمر الوحدانية في قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾، وذكر أمر البعث في قوله: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ .. ذكر هنا الأصل الثالث، وهو الرسالة في هاتين الآيتين.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما (١) ذكر الأدلة على الأصول الثلاثة الوحدانية، والحشر، والرسالة .. أعاد الكلام في الوحدانية، وذكر بعض دلائلها.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر أنهم كفروا بأنعم الله عليهم، وأنكروها .. أردف ذلك ببيان أنهم زادوا في ضلالهم، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع، وتوقعوا منه النصرة مع أنهم هم الناصرون لهم، كما قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾. وفي الحقيقة أنها لا هي ناصرة ولا منصورة.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سلف الدلائل على عظيم قدرته، ووجوب عبادته، وبطلان إشراكهم به، بعد أن عاينوا فيما بين أيديهم، ما يوجب التوحيد والإقرار بالبعث .. أردف ذلك ذكر حجة من أنفسهم، دالة على قدرته تعالى، ومبطلة لإنكارهم له. ثم ذكر أن بعض خلقه استبعدوا البعث، ونسوا بدء أمرهم وكيف خلقوا، وقالوا: كيف ترجع الحياة إلى هذه العظام النخرة. فأجابهم عن شبهتهم: بأن الذي أنشأها أول مرة من العدم، هو الذي يحييها، وهو العليم بتفاصيل أجزائها، مهما وزّعت وتفرّقت. ثم ذكر لهم دليلًا آخر يرفع هذا الاستبعاد، وهو: أن من قدر على
стр. 10819
إحداث النار من الشجر الأخضر، مع ما فيه من الماء .. قادر على إعادة الحياة إلى ما كان غضا طريا، ثم يبس وبلي، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان، وفيه الدليل على قدرته، وهو خلق السموات والأرض، ثم أعقب ذلك بما هو كالنتيجة لما سلف، وفيه بطلان لإنكارهم. فأبان أن كل شيء هين عليه، فما هو إلا بقول: ﴿كُنْ﴾ ﴿فَيَكُونُ﴾. تنزه ربنا ذو الملك والملكوت عن كل ما يقول المشركون. فإليه يرجع جميع الخلق للحساب والجزاء.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات: ما أخرجه مجاهد، وعكرمة، وعروة بن الزبير، وقتادة أن أبي بن خلف، جاء إلى رسول الله ﷺ في يده عظم رميم، وهو يفتّته بيده ويذروه في الهواء، ويقول: أتزعم يا محمد، أن الله يبعث هذا؟ قال ﷺ : «نعم يميتك الله ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار». ثم نزلت هذه الآيات من سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ ...﴾ إلى آخرهن.
التفسير وأوجه القراءة
٥٥ - ولما ذكر الله سبحانه حال الكافرين .. أتبعه بحكاية حال عباده الصالحين، وجعله من جملة ما يقال للكفار يومئذ، ويخاطبون به زيادة لحسرتهم، وتكميلًا لجزعهم، وتتميما لما نزل بهم من البلاء، وما شاهدوه من الشقاء. فإذا رأوا ما أعده الله لهم من أنواع العذاب، وما أعده لأوليائه من أنواع النعيم .. بلغ ذلك من قلوبهم مبلغًا عظيمًا، وزاد في ضيق صدورهم زيادة لا يقادر قدرها، فقال: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾؛ أي: يوم القيامة مستقرون ﴿فِي شُغُلٍ﴾ عظيم الشأن، خبر أول لـ ﴿إِنَّ﴾، والمراد بالشغل هنا: الشأن الذي يصد المرء عما سواه من شؤونه، لإيجابه كمال المسرة والبهجة؛ أي: لكائنون في شغل عظيم بما هم فيه من اللذات، التي هي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، عن الاهتمام بأمر الكفار، ومصيرهم إلى النار، وإن كانوا من أقربائهم.
стр. 10820
وقوله: ﴿فاكِهُونَ﴾ خبر ثان لـ ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: متنعمون بنعيم مقيم، فائزون بملك كبير دائم. ويجوز أن يكون ﴿إِنَّ﴾ هو الخبر، ﴿وفِي شُغُلٍ﴾ متعلق به، في محل النصب على الحال؛ أي: متلذذون في شغل، فشغلهم شغل التلذذ لا شغل فيه تعب كشغل أهل الدنيا.
والتعبير عن حالهم هذه، بالجملة الاسمية قبل تحققها، تنزيل للمترقب المتوقع منزلة الواقع، للإيذان بغاية سرعة تحققها ووقوعها، وزيادة مساءة المخاطبين بذلك. وهم الكفار. والأولى عدم تخصيص الشغل بشيء معين. ثم إن الشغل فسّر على وجوه بحسب اقتضاء مقام البيان ذلك، منها افتضاض الأبكار. وفي الحديث: «إن الرجل ليعطى قوة مئة رجل، في الأكل والشرب والجماع»، فقال رجل من أهل الكتاب: إن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة، فقال النبي ﷺ : «يفيض من جسد أحدهم، عرق مثل المسك الأذفر، فيضمر بذلك بطنه». وفي الحديث: «إن أحدهم ليفتض في الغداة الواحدة مئة عذراء». قال عكرمة: فتكون الشهوة في أخراهن كالشهوة في أولاهن، وكلما افتضها رجعت على حالها عذراء، ولا تجد وجع الافتضاض أصلًا كما في الدنيا. وجاء رجل فقال: يا رسول الله، أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما نفضي إليهن في الدنيا؟ قال: «والذي نفسي بيده، إن المؤمن ليفضي في اليوم الواحد، إلى ألف عذراء».
وفي «الفتوحات المكية»: ولذة الجماع هناك، تضاعف على لذة جماع أهل الدنيا أضعافًا مضاعفةً، فيجد كل من الرجل والمرأة لذة لا يقدر قدرها، لو وجداها في الدنيا غشي عليهما من شدة حلاوتها، لكن تلك اللذة إنما تكون بخروج ريح إذ لا مني هناك كالدنيا، كما صرحت به الأحاديث، فيخرج من كل من الزوجين ريح، كرائحة المسك، وليس لأهل الجنة أدبار مطلقًا، لأن الدبر إنما خلق في الدنيا مخرجًا للغائط ولا غائط هناك. ولولا أن ذكر الرجل أو فرج المرأة يحتاج إليه في جماعهم، لما كان وجد في الجنة فرج لعدم البول فيها. ونعيم أهل الجنة، والراحة فيها مطلقة إلا راحة النوم، فليس عندهم من نعيم راحته شيء؛ لأنهم لا ينامون.