← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.

стр. 10816

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (١) لما بيّن أنّ ذلك اليوم كائن لا

стр. 10817

محالة، وأنه سيأتي بغتةً من حيث لا يشعر به أحد، فما هو إلا صيحة واحدة، فإذا الناس خارجون من قبورهم ينسلون .. أردف ذلك ببيان ما أعده للمحسن والمسيء في هذا اليوم، من ثواب وعقاب، ليكون في ذلك ترغيب في صالح الأعمال، وترهيب من فعل الفجور، واجتراح السيئات. قوله تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر ما للمحسنين من نعيم، واجتماع بالمحبين والإخوان والأزواج في الجنات .. أعقبه بذكر حال المجرمين، وأنهم في ذلك اليوم يطلب منهم التفرق، وابتعاد بعضهم من بعض. فيكون لهم عذابان: عذاب النار، وعذاب الوحدة. ولا عذاب فوق هذا. ثم أردف هذا، بأنه قد كان لهم مندوحة من كل هذا، بما أرسل إليهم من الرسل، الذين بلّغوهم أوامر ربهم ونواهيه. ومنها: نهيهم عن اتباع خطوات الشيطان، وعن اتباعه فيما يوسوس به. ثم ذكر: أنه كان لهم فيمن قبلهم من العظات، ما فيه مزدجر لهم لو تذكروا، لكنهم اتبعوا وساوسه، فحل بهم من النكال والوبال ما رأوا آثاره بأعينهم في الدنيا. وفيه دليل على ما سيكون لهم في العقبى. ثم ذكر مآل أمرهم، وأنهم سيصلون نار جهنم، خالدين فيها أبدًا بما اكتسبت أيديهم. وهم في هذا اليوم، لا ينطقون ببنت شفة، ولا تقبل منهم معذرة، بل تتكلم أيديهم بما عملت، وتشهد أرجلهم بما اكتسبت. ثم ذكر: أنه رحمة منه بعباده، لم يشأ أن يعاقبهم في الدنيا شديد العقوبات، فلم يشأ أن يذهب أبصارهم حتى لو أرادوا الاستباق، وسلوك الطريق الذي اعتادوا سلوكه، ما قدروا ولا أبصروا، ولم يشأ أن يمسخ صورهم، ويجعلهم كالقردة والخنازير، حتى لو أرادوا الذهاب إلى مقاصدهم ما استطاعوا، ولو أرادوا الرجوع ما قدروا. ثم دفع معذرة أخرى ربما احتجوا بها. وهي أن ما عمروه قليل، ولو طال عمرهم لأحسنوا العمل، واهتدوا إلى الحق. فرد ذلك عليهم بأنهم كلما عمروا في السن ضعفوا عن العمل، وقد عمروا مقدار ما يتمكنون به من البحث والإدراك، كما قال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، ولكن ذلك ما

стр. 10818

كفاهم. فهم مهما طالت أعمارهم لا يجديهم ذلك. قوله تعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ...﴾ الآيتين، مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما: أن الله سبحانه، لما ذكر أمر الوحدانية في قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾، وذكر أمر البعث في قوله: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ .. ذكر هنا الأصل الثالث، وهو الرسالة في هاتين الآيتين. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما (١) ذكر الأدلة على الأصول الثلاثة الوحدانية، والحشر، والرسالة .. أعاد الكلام في الوحدانية، وذكر بعض دلائلها. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر أنهم كفروا بأنعم الله عليهم، وأنكروها .. أردف ذلك ببيان أنهم زادوا في ضلالهم، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع، وتوقعوا منه النصرة مع أنهم هم الناصرون لهم، كما قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾. وفي الحقيقة أنها لا هي ناصرة ولا منصورة. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سلف الدلائل على عظيم قدرته، ووجوب عبادته، وبطلان إشراكهم به، بعد أن عاينوا فيما بين أيديهم، ما يوجب التوحيد والإقرار بالبعث .. أردف ذلك ذكر حجة من أنفسهم، دالة على قدرته تعالى، ومبطلة لإنكارهم له. ثم ذكر أن بعض خلقه استبعدوا البعث، ونسوا بدء أمرهم وكيف خلقوا، وقالوا: كيف ترجع الحياة إلى هذه العظام النخرة. فأجابهم عن شبهتهم: بأن الذي أنشأها أول مرة من العدم، هو الذي يحييها، وهو العليم بتفاصيل أجزائها، مهما وزّعت وتفرّقت. ثم ذكر لهم دليلًا آخر يرفع هذا الاستبعاد، وهو: أن من قدر على

стр. 10819

إحداث النار من الشجر الأخضر، مع ما فيه من الماء .. قادر على إعادة الحياة إلى ما كان غضا طريا، ثم يبس وبلي، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان، وفيه الدليل على قدرته، وهو خلق السموات والأرض، ثم أعقب ذلك بما هو كالنتيجة لما سلف، وفيه بطلان لإنكارهم. فأبان أن كل شيء هين عليه، فما هو إلا بقول: ﴿كُنْ﴾ ﴿فَيَكُونُ﴾. تنزه ربنا ذو الملك والملكوت عن كل ما يقول المشركون. فإليه يرجع جميع الخلق للحساب والجزاء. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات: ما أخرجه مجاهد، وعكرمة، وعروة بن الزبير، وقتادة أن أبي بن خلف، جاء إلى رسول الله ﷺ في يده عظم رميم، وهو يفتّته بيده ويذروه في الهواء، ويقول: أتزعم يا محمد، أن الله يبعث هذا؟ قال ﷺ : «نعم يميتك الله ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار». ثم نزلت هذه الآيات من سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ ...﴾ إلى آخرهن. التفسير وأوجه القراءة ٥٥ - ولما ذكر الله سبحانه حال الكافرين .. أتبعه بحكاية حال عباده الصالحين، وجعله من جملة ما يقال للكفار يومئذ، ويخاطبون به زيادة لحسرتهم، وتكميلًا لجزعهم، وتتميما لما نزل بهم من البلاء، وما شاهدوه من الشقاء. فإذا رأوا ما أعده الله لهم من أنواع العذاب، وما أعده لأوليائه من أنواع النعيم .. بلغ ذلك من قلوبهم مبلغًا عظيمًا، وزاد في ضيق صدورهم زيادة لا يقادر قدرها، فقال: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾؛ أي: يوم القيامة مستقرون ﴿فِي شُغُلٍ﴾ عظيم الشأن، خبر أول لـ ﴿إِنَّ﴾، والمراد بالشغل هنا: الشأن الذي يصد المرء عما سواه من شؤونه، لإيجابه كمال المسرة والبهجة؛ أي: لكائنون في شغل عظيم بما هم فيه من اللذات، التي هي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، عن الاهتمام بأمر الكفار، ومصيرهم إلى النار، وإن كانوا من أقربائهم.

стр. 10820

وقوله: ﴿فاكِهُونَ﴾ خبر ثان لـ ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: متنعمون بنعيم مقيم، فائزون بملك كبير دائم. ويجوز أن يكون ﴿إِنَّ﴾ هو الخبر، ﴿وفِي شُغُلٍ﴾ متعلق به، في محل النصب على الحال؛ أي: متلذذون في شغل، فشغلهم شغل التلذذ لا شغل فيه تعب كشغل أهل الدنيا. والتعبير عن حالهم هذه، بالجملة الاسمية قبل تحققها، تنزيل للمترقب المتوقع منزلة الواقع، للإيذان بغاية سرعة تحققها ووقوعها، وزيادة مساءة المخاطبين بذلك. وهم الكفار. والأولى عدم تخصيص الشغل بشيء معين. ثم إن الشغل فسّر على وجوه بحسب اقتضاء مقام البيان ذلك، منها افتضاض الأبكار. وفي الحديث: «إن الرجل ليعطى قوة مئة رجل، في الأكل والشرب والجماع»، فقال رجل من أهل الكتاب: إن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة، فقال النبي ﷺ : «يفيض من جسد أحدهم، عرق مثل المسك الأذفر، فيضمر بذلك بطنه». وفي الحديث: «إن أحدهم ليفتض في الغداة الواحدة مئة عذراء». قال عكرمة: فتكون الشهوة في أخراهن كالشهوة في أولاهن، وكلما افتضها رجعت على حالها عذراء، ولا تجد وجع الافتضاض أصلًا كما في الدنيا. وجاء رجل فقال: يا رسول الله، أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما نفضي إليهن في الدنيا؟ قال: «والذي نفسي بيده، إن المؤمن ليفضي في اليوم الواحد، إلى ألف عذراء». وفي «الفتوحات المكية»: ولذة الجماع هناك، تضاعف على لذة جماع أهل الدنيا أضعافًا مضاعفةً، فيجد كل من الرجل والمرأة لذة لا يقدر قدرها، لو وجداها في الدنيا غشي عليهما من شدة حلاوتها، لكن تلك اللذة إنما تكون بخروج ريح إذ لا مني هناك كالدنيا، كما صرحت به الأحاديث، فيخرج من كل من الزوجين ريح، كرائحة المسك، وليس لأهل الجنة أدبار مطلقًا، لأن الدبر إنما خلق في الدنيا مخرجًا للغائط ولا غائط هناك. ولولا أن ذكر الرجل أو فرج المرأة يحتاج إليه في جماعهم، لما كان وجد في الجنة فرج لعدم البول فيها. ونعيم أهل الجنة، والراحة فيها مطلقة إلا راحة النوم، فليس عندهم من نعيم راحته شيء؛ لأنهم لا ينامون.

стр. 10821

ومنها: سماع الأصوات الطيبة، والنغمات اللذيذة. ثم إنه ليس في الجنة سماع المزامير والأوتار، بل سماع القرآن، وسماع أصوات الأبكار المغنية، والأوراق، والأشجار، ونحو ذلك. وروي: أن في الجنة أشجارًا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع، يهب الله ريحًا من تحت العرش، فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات، لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربًا. ومنها: التزاور، وفي الحديث: «إن أهل الجنة يزورون ربهم في كل يوم جمعة، في رحال الكافور، وأقربهم منه مجلسًا، أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكرهم غدوا». وروي: «أنهم إذا نظروا إلى الله، نسوا نعيم الجنة». ومنها: شغلهم عما فيه أهل النار على الإطلاق، وشغلهم عن أهاليهم في النار لا يهمهم، ولا يبالون بهم، ولا يذكرونهم كي لا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم. وقيل: ضيافة الله، وأفرد الشغل ملحوظًا فيه النعيم. وهو واحد من حيث هو نعيم، ذكره أبو حيان. والظاهر (١): أن المراد بالشغل ما هم فيه من فنون الملاذ، التي تلهيهم عما عداها بالكلية؛ أي: شغل كان كما مر. وفي الآية إشارة إلى أن أهل النار، لا نعيم لهم من الطعام، والشراب، والنكاح، وغيرها. وفي «تذكرة القرطبي»: أن بعض العصاة، ينامون في النار إلى وقت خروجهم منها، ويكون عذابهم نفس دخولهم في النار. فإنه عار عظيم وذل كبير، ألا ترى: أن من حبس في السجن، كان هو عذابًا له بالنسبة إلى مرتبته، وإن لم يعذب بالضرب والقيد ونحوهما. ثم إنا نقول: والعلم عند الله؛ لأنه ليس له مستند، ولا أصل أثر فيه. وقرأ الكوفيون، وابن عامر (٢): ﴿شُغُلٍ﴾ بضمتين. وقرأ الحرميان: ابن كثير ونافع، وأبو عمرو: بضم الشين وسكون الغين. وهما لغتان، كما قال الفرّاء. وقرأ مجاهد، وأبو السمّال، وابن هبيرة، فيما نقل ابن خالويه عنه: بفتحتين.

стр. 10822

وقرأ يزيد النحوي، وابن هبيرة فيما نقل أبو الفضل الرازي: بفتح الشين وإسكان الغين. وقرأ الجمهور (١): ﴿فاكِهُونَ﴾ بالألف بالرفع على أنه خبر ﴿إِنَّ﴾. وقرأ الحسن، وأبو جعفر، وأبو حيوة، وأبو رجاء، وشيبة، وقتادة، ومجاهد، ويحيى بن صبيح، ونافع في رواية: بغير ألف. قال الفراء: هما لغتان كالفاره والفره، والحاذر والحذر. وقال الكسائي، وأبو عبيدة: الفاكه ذو الفاكهة مثل: تامر ولابن، والفكه المتفكه والمتنعم. وقال قتادة: الفكهون: المعجبون. وقال أبو زيد: يقال: رجل فكه إذا كان طيب النفس ضحوكًا. وقال مجاهد، والضحاك كما قال قتادة. وقال السدي: كما قال الكسائي. وفي «البحر»: ﴿فاكِهُونَ﴾ بغير ألف، معناه: فرحون طربون، انتهى. وقرأ طلحة، والأعمش: فاكهين بالألف وبالياء، نصبا على الحال، و ﴿فِي شُغُلٍ﴾ هو الخبر. وقرىء فكهين بغير ألف وبالياء. وقرىء فكهون بضم الكاف يقال: رجل فكه وفكه. ومعنى الآية: أي إن من يدخل الجنة يتمتع بنعيمها ولذاتها، ويكون بذلك في شغل عما سواه، إذ يرى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فأنى له أن يفكر فيما سواه؟. وهو بذلك، فرح مستبشر، ضحوك السن هادىء النفس، لا يرى شيئًا يغمه، أو ينغص عليه حبوره وسروره. ٥٦ - ثم ذكر ما يكمل به تفكههم، ويزيد في سرورهم فقال: ﴿هُمْ ...﴾ الخ، استئناف، مسوق لبيان كيفية شغلهم، وتفكههم، وتكميلها بما يزيدهم بهجة وسرورًا من شركة أزواجهم لهم، فيما هم فيه من الشغل والفكاهة. و ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، والضمير لأصحاب الجنة. ﴿وَأَزْواجُهُمْ﴾ عطف عليه. والمراد: نساؤهم اللاتي كن لهم في الدنيا، أو الحور العين أو أخلاؤهم، كما في قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾. ويجوز أن يكون الكل مرادًا. فقوله: ﴿وَأَزْواجُهُمْ﴾ إشارة (٢) إلى عدم الوحشة؛ لأن المنفرد يتوحش إذا لم يكن له جليس من معارفه، وإن كان في أقصى المراتب. والجاران في قوله: ﴿فِي

стр. 10823

ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ﴾ متعلق بقوله: ﴿مُتَّكِؤُنَ﴾ وهو خبر المبتدأ قُدّما عليه لرعاية الفواصل. ويجوز أن يكون ﴿فِي ظِلالٍ﴾ خبرًا، ومتكئون على الأرائك خبرًا ثانيًا. والظلال: جمع ظل أو ظلة، وهو الستر الذي يسترك من الشمس. والأرائك: السرر في الحجال، كما سيأتي بسطه. والاتكاء: الاعتماد على الشيء؛ أي: معتمدون في ظلال على السرر في الحجال. والاتكاء على السرر دليل التنعيم والفراغ. فإن قلت: كيف يكون أهل الجنة في ظلال، والظل إنما يكون حيث تكون الشمس، وهم لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرًا؟. قلت: المراد بالظل هناك: ظل أشجار الجنة من نور العرش، لئلا يبهر أبصار أهل الجنة. فإنه أعظم وأقوى من نور الشمس، وقيل: من نور قناديل العرش. كذا في حواشي ابن الشيخ. وقرأ الجمهور (١): ﴿فِي ظِلالٍ﴾ بكسر الظاء وبالألف، جمع ظل كذئب، وذئاب. وقرأ ابن مسعود، وعبيد بن عمير، والأعمش، ويحيى بن وثاب، وحمزة، والكسائي، وخلف: ﴿في ظلل﴾ بضم الظاء من غير ألف، جمع ظلة. وعلى القراءتين فالمراد: الفرش والستور، التي تظلل كالخيام والحجال. وقرأ عبد الله ﴿متكئين﴾ بالنصب على الحال. ومعنى الآية (٢): أي هم وأزواجهم في ظل لا يضحون لشمس، لأنه لا شمس فيها. وألذ شيء لدى العربي أن يرى مكانًا فيه ظل ظليل وأنهار جارية، وأشجار مورقة وهم فيها متكئون على السرر التي عليها الحجال (الناموسيات). وهذا منتهى ما تسمو إليه النفوس من لذة، لدى من نزل عليه التنزيل. وقال الإمام في سورة النساء: إن بلاد العرب كانت في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة. وهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة. قال النبي ﷺ : «السلطان ظل الله في الأرض».

стр. 10824

٥٧ - وبعد أن ذكر ما لهم فيها من مجالس الأنس، ذكر ما يتمتعون به من مآكل، ومشارب، ولذات جسمانية وروحية. فقال: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لأصحاب الجنة ﴿فِيها﴾؛ أي: في الجنة ﴿فاكِهَةٌ﴾ كثيرة من كل نوع من أنواع الفواكه. وهذه (١) الجملة، مسوقة لبيان ما يتمتعون به في الجنة، من المآكل والمشارب، ويتلذذون به من الملاذ الجسمانية والروحية، بعد بيان ما لهم فيها من مجالس الأنس، ومحافل القدس تكميلًا لبيان كيفية ما هم فيه من الشغل والبهجة. والفاكهة: الثمار كلها. والمعنى: لهم في الجنة غاية مناهم فاكهة كثيرة، من كل نوع من أنواع الفواكه، عظيمة لا توصف جمالًا وبهجة، وكمالًا ولذةً، كما روي: أن الرمانة منها تشبع السكن، وهو أهل الدار. والتفاحة تنفتق عن حوراء عيناء. وكل ما هو من نعيم الجنة، فإنما يشارك نعيم الدنيا في الاسم دون الصفة. وفيه إشارة إلى أن لا جوع في الجنة؛ لأن التفكه لا يكون لدفع ألم الجوع. وجملة قوله: ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾؛ أي: يطلبون. معطوفة على الجملة السابقة، وعدم الاكتفاء بعطف ﴿ما يَدَّعُونَ﴾ على ﴿فاكِهَةٌ﴾ لئلا يتوهم كون ﴿ما﴾ عبارة عن توابع الفاكهة وتتماتها. و ﴿ما﴾ عبارة عن مدعو عظيم الشأن، معين، أو مبهم. و ﴿يَدَّعُونَ﴾ أصله: يدتعيون على وزن يفتعلون، من الدعاء بمعنى الإتيان بالدعوى، لا من الادعاء بمعنى التمني، كما سيأتي. والمعنى: ولهم ما يدعون الله سبحانه به، لأنفسهم من مدعو عظيم الشأن، أو كل ما يدعون به كائنًا ما كان، من أسباب البهجة وموجبات السرور. قال ابن الشيخ؛ أي: ما يصح أن يطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب، كما قال الإمام: ليس معناه: أنهم يدعون لأنفسهم شيئًا، فيستجاب لهم بعد الطلب بل معناه: لهم ذلك، فلا حاجة إلى الدعاء، كما إذا سألك أحد شيئًا، فقلت: لك ذلك، وإن لم تطلبه. ويجيء الادعاء بمعنى: التمني من قولهم: ادع علي ما شئت، بمعنى: تمنه علي. فالمعنى عليه: ولهم ما يتمنونه. وقرىء (٢) ﴿يدعون﴾ بالتخفيف،

стр. 10825

وم ﴿عناها واض﴾ ح. ومعنى الآية: أي لهم في ﴿ها من الفواكه ما لذ وطاب، مما تقربه أعينهم وتسر به نفوسهم، كما هو شأن المترفين المنعمين في الدنيا. ولهم فوق ذلك كل ما يتمنون، وتشتاق﴾ إليه نفوسهم. ٥٨ - ثم فسر ذلك الذي يدعون بقوله: ﴿سَلامٌ﴾ بدل من ﴿ما يَدَّعُونَ﴾ كأنه قيل: ولهم سلام وتحية. يقال لهم: ﴿قَوْلًا﴾ كائنًا ﴿مِنْ﴾ جهة ﴿رَبٍّ رَحِيمٍ﴾؛ أي (١): يسلم عليهم من جهته تعالى، بواسطة الملك أو بدونها، مبالغة في تعظيمهم. فـ ﴿قَوْلًا﴾ مصدر مؤكد لفعل هو صفة لـ ﴿سَلامٌ﴾، وما بعده من الجار متعلق بمضمر هو صفة له. والأوجه: أن ينتصب ﴿قَوْلًا﴾ على الاختصاص؛ أي: بتقدير أعني، فإن المقام مقام المدح، من حيث إن هذا القول صادر من رب رحيم، فكان جديرا بأن يعظم أمره. والمعنى: أي ذلك الذي يتمنونه هو التسليم من الله عليهم تعظيمًا لهم. وهذا السلام يكون بوساطة الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾، أو بدونها، مبالغة في تعظيمهم وفي الحديث: «بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾، فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم، ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» رواه البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁. والسلام أمان من كل مكروه، ونيل لكل محبوب. وذلك منتهى درجات النعيم الروحي والجسماني، الذي تصبو إليه النفوس في دنياها وآخرتها. فكأن هذا إجمال لما تقدم من اللذات، التي فصلت فيما سلف. وفي «التأويلات النجمية»: يشير إلى أن سلامه ﵎ كان قولًا

стр. 10826

منه بلا واسطة، وأكده بقوله: ﴿رَبٍّ﴾ ليعلم أنه ليس بسلام على لسان سفير، وقوله: ﴿رَحِيمٍ﴾. فالرحمة في تلك الحالة، أن يرزقهم الرؤية حال ما يسلم عليهم، ليكمل لهم النعمة. وفي «حقائق البقلي»: سلام الله أزلي إلى الأبد، غير منقطع عن عباده الصادقين في الدنيا والآخرة، لكن في الجنة يرفع عن آذانهم جميع الحجب، فيسمعون سلامه، وينظرون إلى وجهه كفاحًا. وقرأ الجمهور (١): ﴿سَلامٌ﴾ بالرفع على أنه بدل من ﴿ما﴾ وخبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو سلام، كما سيأتي في مبحثه. وقرأ أبي، وعبد الله، وعيسى والقنوي ﴿سلامًا﴾ بالنصب على المصدر. وقال الزمخشري: نصب على الحال؛ أي: لهم مرادهم خالصًا. وقرأ محمد بن كعب القرظي (سِلْم) بكسر السين وسكون اللام، ومعناه: سلام. وقال أبو الفضل الرازي: مسالم لهم؛ أي: ذلك مسالم. ٥٩ - ﴿وَامْتازُوا﴾؛ أي: اعتزلوا، وانفردوا، وتميزوا ﴿الْيَوْمَ﴾؛ أي: في هذا اليوم. وهو يوم القيامة، والفصل والجزاء من المؤمنين الصالحين. وكونوا على حدة ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: أيها المشركون؛ أي (٢): ويقال للمشركين: انفردوا اليوم أيها المجرمون عن المؤمنين، حين يسار بهم إلى الجنة. إذ لا دواء لألمكم، ولا شفاء لسقمكم. وقال داود بن الجراح: يمتاز المسلمون من المجرمين، إلا أصحاب الأهواء، فإنهم يكونون مع المجرمين. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. وقيل: إن لكل كافر في النار بيتًا، فيدخل ذلك البيت، ويردم بابه، فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى. وهو على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع

стр. 10827

بالإخوان، وعذاب الفرقة عن القرناء، والأصحاب من أسوأ العذاب وأشد العقاب، قاله قتادة. فعلى هذا القول يمتاز بعضهم عن بعض. ودل التعبير (١) بالامتياز، على أنه حين يحشر الناس يختلط المؤمن والكافر، والمخلص والمنافق. ثم يمتاز أحد الفريقين عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾. وهو عطف قصة سوء حال هؤلاء وكيفية عقابهم على قصة حسن أولئك ووصف ثوابهم. وكان تغيير الأسلوب لتخييل كمال التباين بين الفريقين، وحاليهما. ويجوز أن يكون معطوفًا على مضمر، ينساق إليه حكاية حال أهل الجنة، كأنه قيل بعد بيان كونهم في شغل عظيم الشأن، وفوزهم بنعيم مقيم، يقصر عنه البيان، فليقروا بذلك عينا، وامتازوا عنهم اليوم أيها المجرمون إلى مصيركم، فكونوا في السعير، وفنون عذابها ولهبها بدل الجنة لهم، وألوان نعمها وطربها. والمعنى (٢): فارقوا المؤمنين أيها المجرمون، وادخلوا مساكنكم من النار. فلم يبق لكم اجتماع بالمؤمنين أبدًا. ونحو الآية قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾، وقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾. ٦٠ - ولما أمروا بالامتياز، وشخصت منهم الأبصار، وكلحت الوجوه، وتنكست الرؤوس، قال سبحانه موبخًا لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: ألم أوصكم ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ بما نصبت من الأدلة، ومنحت من العقول، وبعثت من الرسل، وأنزلت من الكتب، بيانًا للطريق الموصل إلى النجاة بـ ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾؛ أي: بأن تتركوا طاعة الشيطان، فيما يوسوس به إليكم من معصيتي، ومخالفة أمري. وهذا من جملة (٣) ما يقال لهم يوم القيامة، بطريق التقريع والتوبيخ، والإلزام والتبكيت،

стр. 10828

بين الأمر بالامتياز، وبين الأمر بدخول جهنم بقوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ الخ. والعهد: الوصية، والتقديم بأمر فيه خير ومنفعة. والمراد هاهنا: ما كلفهم الله تعالى به، على ألسنة الرسل، من الأوامر والنواهي، التي من جملتها، قوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، وغيرها من الآيات الكريمة، الواردة في هذا المعنى. والمراد ببني آدم: المجرمون. وقيل: المراد بالعهد: الميثاق المأخوذ عليهم، حين أخرجوا من ظهر أخرجوا من ظهر آدم ﵇. و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ إما مفسرة للعهد (١)، الذي فيه معنى القول بالأمر والنهي، أو مصدرية حذف منها الجار؛ أي: ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان. والمراد بعبادة الشيطان. عبادة غير الله؛ لأن الشيطان لا يعبده أحد، ولم يرد عن أحد أنه عبد الشيطان، إلا أنه عبر عن عبادة غير الله بعبادة الشيطان، لوقوعها بأمر الشيطان، وتزيينه، والانقياد فيما سوله، ودعا إليه بوسوسته. فسمي إطاعة الشيطان، والانقياد له عبادة له، تشبيهًا لها بالعبادة، من حيث إن كل واحد منهما ينبىء عن التعظيم والإجلال، ولزيادة التحذير والتنفير عنها، ولوقوعها في مقابلة عبادته تعالى، قال ابن عباس: من أطاع شيئًا فقد عبده. دل عليه قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾. وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَعْهَدْ﴾ بفتح الهمزة والهاء. وقرأ طلحة، والهذيل بن شرحبيل الكوفي بكسر الهمزة، قاله «صاحب اللوامح»، وقال: لغة تميم، وهذا الكسر في النون والتاء أكثر من بين حروف المضارعة، يعني: نعهد وتعهد. وقال ابن عطية: وقرأ الهذيل بن وثاب ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾ بكسر الميم والهمزة، وفتح الهاء. وهي على لغة من كسر أول المضارع، سوى الياء. وروي عن ابن وثاب ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾ بكسر الهاء، يقال: عهد يعهد، انتهى. ثم علل النهي عن عبادة الشيطان، وقبول وسوسته بقوله: ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي:

стр. 10829

لأن الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: عدو ظاهر العداوة لكم، يريد أن يصدكم عما جبلتم عليه من الفطرة، وكلفتم به من الخدمة. ووجه عداوة إبليس لبني آدم: أنه تعالى، لما أكرم آدم ﵇ .. عاداه إبليس حسدًا. والعاقل لا يقبل من عدوه، وإن كان ما يلقيه إليه خيرًا إذ لا أمن من مكره. فإن ضربة الناصح، خير من تحية العدو. قال بعضهم (١): اعلم أن عداوة إبليس لبني آدم، أشد من معاداته لأبيهم آدم ﵇. وذلك أن بني آدم، خلقوا من ماء والماء منافر للنار، وأما آدم فجمع بينه وبين إبليس اليبس الذي في التراب، فبين التراب والنار جامع، ولهذا صدّقه، لما أقسم له بالله أنه لناصح، وما صدقه الأبناء، لكونه لهم ضدا من جميع الوجوه. فبهذا كانت عداوة الأبناء، أشد من عداوة الأب. ولما كان العدو محجوبا عن إدراك الأبصار، جعل الله لنا علامات في القلب، من طريق الشرع، نعرفه بها، تقوم لنا مقام البصر، فنتحفظ بتلك العلامة من إلقائه ووسوسته، وإعانة الله لنا عليه بكلمة الاستعاذة. وفي «التأويلات النجمية»: في الآية (٢) إشارة إلى كمال رأفته تعالى، وغاية مكرمته في حق بني آدم. إذ يعاتبهم معاتبة الحبيب للحبيب، ومناصحة الصديق للصديق، وأنه تعالى يكرمهم ويجلهم عن أن يعبدوا الشيطان لكمال رتبتهم، واختصاص قربتهم بالحضرة، وغاية ذلة الشيطان، وطرده ولعنه من الحضرة. وسماه عدوًا لهم وله، وسمى بني آدم الأولياء والأحباب. وخاطب المجرمين منهم كالمعتذر الناصح لهم بقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ ألم أنصح لكم، ألم أخبركم عن خيانة الشيطان وعداوته لكم، وأنكم أعز من أن تعبدوا مثله ملعونًا مهينًا. ٦١ - ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وحدي، وأطيعوني فيما أمرتكم به، وانتهوا عما نهيتكم عنه؛ لأن مثلكم يستحق لعبادة مثلي، فإني أنا العزيز الغفور، وإني خلقتكم

стр. 10830

لعبادتي، وخلقت المخلوقات لمنافعكم، وعززتكم وأكرمتكم، بأن أسجدت لكم ملائكتي المقربين، وعبادي المكرمين، وهو عطف على ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا﴾ و ﴿أَنْ﴾ فيه كما هي فيه؛ أي: وحدوني بالعبادة، ولا تشركوا بها أحدًا. وتقديم النهي على الأمر، لما أن حق التخلية التقدم على التحلية، وليتصل به قوله تعالى: ﴿هَذَا﴾ التوحيد الذي أمرتكم به. فإنه إشارة إلى عبادته تعالى، التي هي عبارة عن التوحيد والإسلام. ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ أي: قويم لا اعوجاج فيه، موصل إلى النجاة والجنة، لكنكم سلكتم غيره، فوقعتم في مزالق الضلال، وترديتم في مهاوي الردى. والتنكير فيه للتفخيم، كما سيأتي. وفي قوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ إشارة إلى أن الإنسان مار في الدنيا لا مقيم فيها. ٦٢ - وبعد أن نبههم إلى أنهم نقضوا العهد، وبّخهم على عدم اتعاظهم بغيرهم، ممن أوقعهم الشيطان في المهالك، وكانت عاقبتهم، ما يرون من سوء المتقلب في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ﴾ جواب قسم محذوف، والخطاب لبني آدم. وفي «الإرشاد»: الجملة مستأنفة، مسوقة لتشديد التوبيخ وتأكيد التقريع، ببيان أن جناياتهم ليست بنقض العهد فقط، بل بعدم الاتعاظ بما شاهدوا من العقوبات، النازلة على الأمم الخالية، بسبب طاعتهم للشيطان. والخطاب لمتأخريهم الذين من جملتهم كفار مكة، خصوا بزيادة التوبيخ والتقريع لتضاعف جناياتهم. أي: وعزتي وجلالي لقد صد الشيطان منكم يا بني آدم ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾؛ أي: خلقًا كثيرًا عن طاعتي، وإفرادي بالألوهية، فاتخذوا من دوني آلهة يعبدونها. وقرأ نافع، وعاصم (١): ﴿جِبِلًّا﴾ بكسر الجيم والباء وتشديد اللام. وهي قراءة أبي حيوة، وسهيل، وأبي جعفر، وشيبة، وأبي رجاء، والحسن بخلاف عنه. وقرأ العربيان - أبو عمرو وابن عامر - والهذيل بن شرحبيل: بضم الجيم وإسكان الباء. وباقي السبعة: بضمها وتخفيف اللام. والحسن بن أبي

стр. 10831

إسحاق، والزهري، وابن هرمز، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وحفص بن حميد بضمتين وتشديد. والأشهب العقيلي، واليماني وحماد بن مسلمة عن عاصم: بكسر الجيم وسكون الباء. والأعمش ﴿جِبِلًّا﴾ بكسرتين وتخفيف اللام. وقرىء ﴿جِبِلًّا﴾ بكسر الجيم وفتح الباء وتخفيف اللام، جمع جبلة نحو: فطرة وفطر. فهذه سبع لغات قرىء بها. وأبينها القراءة الأولى، والدليل على ذلك، أنهم قد قرؤوا جميعًا ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، فيكون جبلًا جمع جبلة، واشتقاق الكل من جبل الله الخلق؛ أي: خلقهم. وقرأ علي بن أبي طالب، وبعض الخراسانيين: ﴿جيلًا﴾ بكسر الجيم بعدها ياء آخر الحروف، واحد الأجيال. والجبل بالباء الموحدة: الأمة العظيمة، وقال الضحاك: أقله عشرة آلاف. ولما تصور (١) من الجبل العظم، قيل للجماعة العظيمة، جبل تشبيها لها بالجبل في العظم. وإسناد الإضلال إلى الشيطان مجاز عقلي، علاقته السببية. والمعنى: والله لقد أضل الشيطان منكم خلقًا كثيرًا، يعني: صار سببًا لضلالهم عن ذلك الصراط المستقيم، الذي أمرتكم بالثبات عليه. فأصابهم لأجل ذلك، ما أصابهم من العقوبات الهائلة، التي ملأت الآفاق أخبارها، وبقيت مدى الدهر آثارها. وقال بعضهم: وكيف تعبدون الشيطان، وتنقادون لأمره، مع أنه قد أضل منكم يا بني آدم، جماعة متعددة من بني نوعكم، فانحرفوا بإضلاله عن سواء السبيل، فحرموا من الجنة الموعودة لهم. فائدة (٢): واعلم: أنه إذا جاءك شخص، يأمرك بشيء .. فانظر، إما أن يكون ذلك موافقًا لأمر الله أو لا، فإن لم يكن موافقًا له فذلك الشخص معه الشيطان يأمرك بما يأمرك به. فإن أطعته فقد عبدت الشيطان. وإن دعتك نفسك إلى فعل شيء، فانظر أهو مأذون فيه من جهة الشرع أولًا، فإن لم يكن مأذونًا فيه، فنفسك هي الشيطان، أو معها الشيطان يدعوك، فإن اتبعته فقد عبدته. ثم إن

стр. 10832

الشيطان يأمر أولًا بمخالفة الله ظاهرًا، فمن أطاعه فقد عبده، ومن لم يطعه فيقول له: اعبد الله كي لا تهان، وليرتفع شأنك عند الناس، وينتفع بك إخوانك. فإن أجاب إليه فقد عبده. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا﴾ للاستفهام التوبيخي (١)، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والفاء عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير: أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم، فلم تكونوا تعقلون، أنها لضلالهم وطاعتهم إبليس، أو فلم تكونوا تعقلون شيئًا أصلا، حتى ترتدعوا عما كانوا عليه، كيلا يحيق بكم العقاب. وقرأ الجمهور: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ بتاء الخطاب. وقرأ طلحة، وعيسى بياء الغيبة عائدًا على جبل. وفي «كشف الأسرار»: هو استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل، مع أنه نور يستضاء به. ثم اعلم (٢): أن الجاهل الأحمق، والضال المطلق في يد الشيطان، يقوده حيث يشاء، ولو علم حقيقة الحال، وعقل أن الله الملك المتعال، واهتدى إلى طريق التوحيد، الطاعة، ولحفظه الله من تلك الساعة. فإن التوحيد حصنه الحصين، ومن دخل فيه أمن من مكر العدو المهين، ومن خرج عنه طالبا للنجاة، أدركه الهلاك ومات في يد الآفات، ومن أهمل نفسه فلم يتحرك لشيء، كان كمجنون لا يعرف شمسًا من فيء. فنسأل الله الاشتغال بطاعته واستيعاب الأوقات بعبادته، وطرد الشيطان بأنوار الخدمة وقهر النفس بأنواع الهمة. ٦٣ - وبعد أن أنبوا ووبخوا بما سلف، خوطبوا بما يزيدهم حسرةً وألمًا، فقيل لهم من جهة الملائكة: ﴿هذِهِ﴾ النار المسعرة هي ﴿جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تُوعَدُونَ﴾ بها على ألسنة الرسل والمبلغين عنهم. إذ أنتم اتبعتم وساوس الشيطان، وعصيتم الرحمن، وعبدتم من دونه الأصنام والأوثان، واجترحتم الفسوق والعصيان. ٦٤ - ثم أمرهم أمر إهانة، وتحقير لهم، بقوله: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾؛ أي: ادخلوا في

стр. 10833

هذا اليوم، الحاضر نار جهنم، وقاسوا حرها وفنون عذابها ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بسبب كفركم المستمر في الدنيا، وجحودكم بها، وتكذيبكم إياها، بعد أن نبهتم فلم تتنبهوا، وأوقظتم فلم تستيقظوا. وفي ذكر اليوم، ما يوجب شدة ندامتهم وحسرتهم. يعني: أن أيام لذاتكم قد مضت، ومن هذا الوقت واليوم وقت عذابكم. وخلاصة ذلك (١): أنه قد ذكر ما يوجب الحزن والأسى من وجوه ثلاثة: ١ - أنه أمرهم أمر تنكيل وإهانة بقوله: ﴿اصْلَوْهَا﴾ نحو قوله لفرعون: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾. ٢ - أنه ذكر لفظ اليوم، الذي يدل على أن العذاب حاضر، وأن لذاتهم قد مضت، وبقي العذاب اليوم. ٣ - أن قوله: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ يومىء إلى أن هناك نعمة، قد كانت، فكفروا بها، وحياء الكفور من المنعم أشد ألمًا، وأعظم مضاضةً، كما قيل: أَلَيْسَ بِكَافٍ لذِيْ همَّةٍ ... حياءُ الْمُسِيْءِ مِنَ الْمُحَسِنِ ٦٥ - ثم بين أنهم في هذا اليوم، لا يستطيعون دفاعًا عن أنفسهم، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم. فقال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ﴾؛ أي: ففي هذا اليوم يعني: يوم القيامة نمنع أفواههم من النطق، ونفعل بها ما لا يمكنهم معه أن يتكلموا، فتصير أفواههم كأنها مختومة، فتعترف جوارحهم بما صدر منها من الذنوب، كما قال: ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ باستنطاقنا ﴿بِما كانُوا﴾ في الدنيا ﴿يَكْسِبُونَ﴾ من الذنوب والمعاصي والمراد (٢): جميع الجوارح، لا أن كل عضو يعترف بما صدر منه فقط. قال بعضهم: لما قيل لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ جحدوا، وقالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، وما عبدنا من دونك من شيء، وما أطعنا الشيطان في شيء من المنكرات. فيُختم على أفواههم وتعترف جوارحهم بمعاصيهم.

стр. 10834

والختم لازم للكفار أبدًا. أما في الدنيا فعلى قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، وأما في الآخرة، فعلى أفواههم، في الوقت الذي كان الختم على قلوبهم، كان قولهم بأفواههم كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ فلما خُتم على أفواههم أيضًا، لزم أن يكون قولهم بأعضائهم لأن الإنسان لا يملك غير القلب واللسان والأعضاء، فإذا لم يبق القلب واللسان تعين الجوارح والأركان. وفي الكلام، التفات من الخطاب إلى الغيبة للإيذان بأن أفعالهم القبيحة مستدعية للإعراض عن خطابهم. وقرىء (١) ﴿اليوم يُختم على قلوبهم﴾ مبنيًا للمفعول، والنائب الجار والمجرور بعده. وقُرىء ﴿وتتكلم أيديهم﴾ بتاءين. وقرأ الجمهور ﴿تكلمنا﴾ و ﴿تشهد﴾. وقرأ طلحة بن مصرف ﴿ولِتكلمنا ولِتشهد﴾ بلام كي. وقُرىء ﴿ولْتكلمنا أيديهم ولتشهد أرجلهم﴾ بلام الأمر، والجزم على أن الله يأمر الأعضاء بالكلام والشهادة. وقيل: سبب الختم على أفواههم، ليعرفهم أهل الموقف. وقيل: خُتم على أفواههم، لأجل أن يكون الإقرار من جوارحهم؛ لأن شهادة غير الناطق أبلغ في الحجة من شهادة الناطق، لخروجه مخرج الإعجاز. وقيل: ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعوانًا لهم في معاصي الله، صارت شهودًا عليهم، فلا ينبغي لأحد أن يلتفت إلى ما سوى الله تعالى، ويصحب أحدًا غير الله لئلا يفتضح ثمة بسبب صحبته. ولقد أجاد من قال: كُنْ مِنَ الْخَلْقِ جَانِبًا ... وارْضَ بِاللهِ صَاحِبَا قَلِّبِ الْخَلْقَ كَيْفَ شِئْـ ... ـتَ تَجِدْهُ عَقَارِبَا وجعل (٢) ما تنطق به الأيدي كلامًا وإقرارًا، لأنها كانت المباشرة لغالب المعاصي. وجعل نطق الأرجل شهادة؛ لأنها حاضرة عند كل معصية، وكلام الفاعل إقرار، وكلام الحاضر شهادة. وهذا باعتبار الغالب، وإلا فالأرجل قد

стр. 10835

تكون مباشرة للمعصية، كما تكون الأيدي مباشرةً لها. وفي «التأويلات النجمية»: يشير إلى أن الغالب على الأفواه الكذب، كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. والغالب على الأعضاء الصدق. ويوم القيامة، يوم يسأل الصادقين عن صدقهم، فلا يسأل الأفواه، فإنها كثيرة الكذب، ويسأل الأعضاء، فإنها كثيرة الصدق، فتشهد بالحق. أما الكفار فشهادة أعضائهم عليهم مبيدة لهم، وأما العصاة من المؤمنين الموحدين، فقد تشهد عليهم أعضاؤهم بالعصيان، ولكن تشهد لهم بعض أعضائهم أيضًا بالإحسان. قيل (١): أول عظم من الإنسان، ينطق يوم يختم على الأفواه، فخذه من رجله اليسرى وكفها، كما جاء في الحديث. ومعنى الآية: أي ففي هذا اليوم، يُنكر الكافرون ما اجترحوا في الدنيا من الشرور والآثام، ويحلفون أنهم ما فعلوا. كما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فيختم على أفواههم، فلا تنطق ببنت شفة، ويستنطق جوارحهم، بما اجترحت من الفسوق والعصيان، الذي لم يتوبوا عنه. ٦٦ - ثم بين سبحانه، أنه قادر على إذهاب الأبصار، كما أنه قادر على إذهاب البصائر، فقال: ﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ أن نطمس على أعينهم، ونمحو نور أبصارهم. و ﴿لَوْ﴾ للمضي إن دخل على المضارع، ولذا لا يجزمه؛ أي: ولو أردنا عقوبة المشركين من أهل مكة في الدنيا .. ﴿لَطَمَسْنا﴾؛ أي: لجعلنا الطمس والمحو ﴿عَلى﴾ مواضع ﴿أَعْيُنِهِمْ﴾ ولضربنا عليهم، وأزلنا أثرها، بحيث لا يبقى لها أثر، ولا يبدو لها شق ولا جفن، وتصير مطموسة ممسوحة، كسائر أعضاهم ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ معطوف على ﴿طمسنا﴾؛ أي: فبادروا إلى الطريق الواسع الذي اعتادوا سلوكه فرارًا من الطمس والعقوبة ليجوزوه، ويمضوا فيه. ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾؛ أي: فكيف يبصرون الطريق، ويحسنون سلوكه ولا أبصار لهم؟! أي: لا يُبصرون لأن ﴿أنى﴾ بمعنى كيف، وكيف هنا إنكار فتفيد النفي. والمراد (٢): إن في قدرتنا

стр. 10836

إزالة نعمة البصر عنهم، فيصيروا عميًا، لا يقدرون الى التردد في الطريق لمصالحهم، ولكن أبقينا عليهم نعمة البصر، فضلًا وكرمًا، فحقهم أن يشكروا عليها، ولا يكفروا. وهذا تهديد لأهل مكة بالطمس، فإن الله قادر على ذلك، كما فعل بقوم لوط حين كذبوه، وراودوه عن ضيفه. وإجمال المراد (١): ولو شئنا لأذهبنا أحداقهم، فلو أرادوا الاستباق وسلوك الطريق، الذي اعتادوا سلوكه .. لم يستطيعوا ذلك. وفي «الخازن»: والمعنى (٢): ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى، وتركناهم عميا يترددون، فكيف يبصرون الطريق حينئذ. وقال ابن عباس ﵄: يعني: لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم، فأعميناهم عن غيّهم، وحوّلنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فأبصروا رشدهم، فأنى يبصرون، ولم نفعل ذلك بهم، انتهى. وقرأ الجمهور: ﴿فَاسْتَبَقُوا﴾ فعلًا ماضيًا، معطوفًا على ﴿لَطَمَسْنا﴾. وهو على الفرض والتقدير. وقرأ عيسى بن عمر ﴿فَاسْتَبَقُوا﴾ على الأمر. وهو على إضمار القول؛ أي: فيقال لهم: استبقوا الصراط. وهذا على سبيل التعجيز. إذ لا يمكنهم الاستباق مع طمس الأعين. ٦٧ - ثم زاد في تهديدهم وتوبيخهم، وبيان أنه قادر على منعهم من الحركة، فقال: ﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾؛ أي: ولو أردنا أن نمسخهم، ونحول صورهم الأصلية، ونسقطهم (٣) عن رتبة التكليف ودرجة الاعتبار ﴿لَمَسَخْناهُمْ﴾ لغيرنا وحولنا صورهم، بأن جعلناها قردةً وخنازير، كما فعلنا بقوم داود ﵇، أو بأن جعلناهم حجارة ومدرة. وهذا أشد من الأول وأقبح، لأن الأول خروج عن رتبة الإنسانية إلى الحيوانية، وهذا عن الحيوانية إلى الجمادية، التي ليس لها شعور أصلًا وقطعًا ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾؛ أي: في مكانهم ومنزلهم الذي هم فيه قعود. وقال بعضهم: معنى ﴿لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ﴾؛ أي: لأقعدناهم على أرجلهم

стр. 10837

وأزمناهم، انتهى. ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا﴾؛ أي: فلم يقدروا ﴿مُضِيًّا﴾؛ أي: ذهابًا وإقبالًا إلى جانب أمامهم ﴿وَلا يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: ولم يقدروا رجوعًا وإدبارًا إلى جهة خلفهم. فوضع الفعل موضع المصدر لمراعاة الفاصلة. قال الحسن: ﴿فلا يستطيعون﴾ أن يمضوا أمامهم، ولا يرجعوا وراءهم وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر. وقيل: المعنى: لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم. وقيل: لمسخناهم في المكان، الذي فعلوا فيه المعصية. والمعنى (١): أي ولو نشاء لمسخناهم مسخًا يحل بهم في منازلهم، لا يقدرون أن يفروا منه بإقبال ولا إدبار. وحاصل معنى الآيتين (٢): ولو نشاء عقوبتهم، بما ذكر من الطمس والمسخ، جريا على موجب جناياتهم، المستدعية لها لفعلنا، ولكنا لم نشأها جريًا على سنن الرحمة، والحكمة، الداعيتين إلى إمهالهم زمانًا إلى أن يتوبوا، ويؤمنوا، ويشكروا النعمة، أو إلى أن يتولد منهم من يتصف بذلك. وقرأ الجمهور (٣): ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ بالإفراد. وقرأ الحسن، والسلمي، وزر بن حبيش، وأبو بكر عن عاصم ﴿مكاناتهم﴾ بالجمع. وقرأ الجمهور: ﴿مُضِيًّا﴾ بضم الميم. وقرأ أبو حيوة، وأحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي: بكسرها إتباعًا لحركة الضاد. وقُرىء ﴿مضيًا﴾ بفتحها، فيكون من المصادر التي جاءت على فعيل، كالرسيم والوجيف. ٦٨ - ثم شرع يقطع معذرةً لهم، ربما احتجوا بها. وهي قولهم: أنهم لو عمروا لأحسنوا العمل. فقال: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾؛ أي: ومن نطل عمره في الدنيا ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ ونقلبه ﴿فِي الْخَلْقِ﴾ والشكل والصورة؛ أي: نغير خلقه، ونجعله على عكس ما كان عليه أولًا، من القوة والطراوة، ونرده إلى أرذل العمر، شبه الصبي في أول الخلق. والمعنى: نقلبه في شكله، ونجعله على عكس ما خلقناه أولًا،

стр. 10838

فلا يزال يتزايد ضعفه، وتتناقص قوته، وتنتقض بنيته، ويتغير شكله وصورته، حتى يعود على حالة شبيهة بحال الصبي، في ضعف الجسد، وقلة العقل، والخلو عن الفهم والإدراك. وفي الحديث: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك». وفي هذا كله، دليل على أن من فعل هذه الأفاعيل، قادر على أن بطمس، ويفعل بهم ما أراد. وقرأ الجمهور: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ مشددًا؛ أي: بضم النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الكاف مشددة. وقرأ عاصم، وحمزة مخففا؛ أي: بفتح النون الأولى، وسكون الثانية، وضم الكاف مخففة. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والفاء عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير: أيرون ذلك التنكيس، فلا يعقلون أن من قدر على ذلك يقدر على ما ذكر من الطمس والمسخ فإنه مشتمل عليهما وزيادة، غير أنه على تدرج، وأن عدم إيقاعهما لعدم تعلق مشيئته تعالى بهما. وقرأ نافع، وابن ذكوان، وأبو عمرو في رواية عباس (١): ﴿تعقلون﴾ بتاء الخطاب. وباقي السبعة بياء الغيبة؛ أي: أفلا يعقلون، أنهم كلما تقدمت بهم السن، ضعفوا، وعجزوا عن العمل، فلو عمروا أكثر مما عمروا، ما ازدادوا إلا ضعفًا، فلا يستطيعون أن يصلحوا ما أفسدوا في شبابهم. وقد عمرناهم مقدار ما يتمكنون من البحث، والتفكير، والتروي في عواقب الأمور ومصايرها، فلم يفعلوا وجاءتهم النذر فلم يهتدوا فمهما، طالت أعمارهم فلن يفيدهم ذلك، ولن يصلح من حالهم قليلًا ولا كثيرًا. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥)﴾. ٦٩ - ولما قال كفار مكة: إن القرآن شعر، وإن محمدًا شاعر .. رد الله سبحانه

стр. 10839

عليهم، بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْناهُ﴾؛ أي: وما علمنا محمدًا ﷺ ﴿الشِّعْرَ﴾ وليس القرآن بشعر. وهذا رد وإبطال لما كانوا يقولونه في حقه ﷺ ، من أنه شاعر، وما يقوله شعر. والظاهر في الرد أن يقال (١): إنه ليس بشاعر، وأن ما يتلوه عليهم ليس بشعر، إلا أن عدم كونه شاعرًا، لما كان ملزومًا لعدم كون معلمه، علمه الشعر، نفي اللازم وأريد نفي الملزوم بطريق الكناية، التي هي أبلغ من التصريح. والشعر لغة: العلم الدقيق، واصطلاحًا: كلام مقفى، موزون على سبيل القصد والاختيار بأجزاء تفاعيل بحور العروضيين الستة عشر، فخرج بالقصد والاختيار ما كان وزنه اتفاقيًا، كآيات شريفة، اتفق جريان الوزن فيها، نحو قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا﴾، وقوله: ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾، وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾. وكلمات نبوية، جاء الوزن فيها اتفاقًا، من غير قصد إليه وعزم عليه، نحو قوله ﷺ حين عثر في بعض الغزوات، فأصاب إصبعه حجر فدميت: هل أنتِ إلّا إِصبعٌ دُميت ... وفي سبيلِ اللهِ مَا لقيت وقوله يوم حنين حين نزل، ودعا، واستنصر أو يوم فتح مكة: أَنَا النَّبيُّ لا كذب ... أَنَا ابْنُ عَبْد المُطَّلِبْ وقوله يوم الخندق: بِاسْم الإِلهِ وَبِهِ بَدَيْنَا ... وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرهُ شَقَينا ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾؛ أي: وما كان الشعر يليق به ﷺ ولا يصلح له. وذلك لأن الشعر يدعو إلى تغيير المعنى، لمراعاة اللفظ والوزن. فالشارع يكون اللفظ منه تبعًا للمعنى، والشاعر يكون المعنى منه تبعًا للفظ. لأنه يقصد لفظًا يستقيم به وزن الشعر أو قافيته، فيحتاج إلى التحيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ. ولو صدر من النبي ﷺ كلام موزون مقفى، كما ذكر آنفًا لا يكون شعرًا لعدم قصده اللفظ، وإنما قصد المعنى، فجاء على تلك الألفاظ.

стр. 10840

ومعنى قوله: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾؛ أي: وما علمنا محمدًا ﷺ الشعر، بتعليم القرآن على معنى: أن القرآن ليس بشعر. فإن الشعر كلام متكلف موضوع، ومقال مزخرف مصنوع، منسوج على منوال الوزن والقافية، مبني على خيالات وأوهام واهية. فأين ذلك من التنزيل الجليل، الخطر، المنزه عن مماثلة كلام البشر، المشحون بفنون الحكم والأحكام الباهرة، الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة. ومن أين اشتبه عليهم الشؤون، واختلط بهم الظنون، قاتلهم الله أنى يؤفكون. وفي الآية إشارة إلى أن النبي ﷺ معلم من عند الله تعالى؛ لأنه سبحانه علمه علوم الأولين والآخرين، وما علمه الشعر؛ لأن الشعر قرآن إبليس وكلامه؛ لأنه قال: رب اجعل لي قرآنًا، قال تعالى قرأنك الشعر. واعلم: أن الشعر محل للإجمال واللغز والتورية؛ أي: وما رمزنا لمحمد ﷺ شيئًا، ولا ألغزنا، ولا خاطبناه بشيءٍ، ونحن نريد شيئًا، ولا أجملنا له الخطاب، حيث لم يفهم، انتهى. وفي «التأويلات النجمية»: يشير قوله: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ إلى أن كل أقوال، وأعمال، وأحوال تجري على العباد في الظاهر والباطن، كلها تجري بتعليم الحق تعالى، حتى الحرف والصنائع. وذلك سر قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾. وتعليمه الصنائع لعباده على ضربين: بواسطة وبغير واسطة. وأما بالواسطة: فبتعليم بعضهم بعضا، وأما بغير الواسطة، فكما علم داود ﵇، صنعة اللبوس. وكل حرفة وصنعة يعلمها الإنسان، من قريحته، بغير تعليم أحد، فهي من هذا القبيل، انتهى. ومعنى قوله: ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾؛ أي: وما يصح لمحمد الشعر، ولا يتسهل ولا يتسخر، ولا يتأتى له لو طلبه؛ أي: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر، لم يتأت له، ولم يكن لسانه يجري به إلا منكسرًا عن وزنه، بتقديم وتأخير أو نحو ذلك، كما جعلناه أميا لا يهتدي للخط، ولا يحسنه، ولا يحسن قراءة ما كتبه غيره، لتكون الحجة أثبت، وشبهة المرتابين في حقية رسالته أدحض. فإنه لو كان

стр. 10841

شاعرًا لدخلت الشبهة على كثير من الناس، في أن ما جاء به بقوله من عند نفسه؛ لأنه شاعر صناعته نظم الكلام. ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾؛ أي: إلا تذكير، وعظة، وإرشاد من الله ، للإنس والجن. كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾. ﴿وَقُرْآنٌ﴾؛ أي: كتاب سماوي، جامع للأحكام ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: بين كونه كذلك، وأنه ليس من كلام البشر، أو فارق بين الحق والباطل، يقرأ في المحاريب، ويتلى في المعابد، وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين. فكم بينه وبين ما قالوا. فعطف (١) القرآن على الذكر من عطف الشيء على أحد أوصافه. فإن القرآن ليس مجرد الوعظ، بل هو مشتمل على المواعظ والأحكام ونحوها، فلا تكرار. ٧٠ - ﴿لِيُنْذِرَ﴾؛ أي: القرآن أو محمد ﷺ ، كما يدل عليه قراءة من قرأ بتاء الخطاب. وهو متعلق بقوله: ﴿وَقُرْآنٌ﴾ أو بمحذوف دل عليه قوله: ﴿إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: إلا ذكر أنزل لينذر، ويخوف القرآن أو محمد به ﴿مَنْ كانَ حَيًّا﴾ من الثقلين؛ أي: عاقلًا فهيمًا يميز المصلحة من المفسدة، ويستخدم قلبه فيما خلق له، ولا يضيعه فيما لا يعنيه. فإن الغافل بمنزلة الميت. وجعل العقل والفهم للقلب، بمنزلة الحياة للبدن، من حيث إن منافع القلب منوطة بالعقل، كما أن منافع البدن منوطة بالحياة. وفيه إشارة، إلى أن كل قلب، تكون حياته بنور الله وروح منه، يفيده الإنذار، ويتأثر به. وأمارة تأثره الإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة والمولى. وقال بعضهم: ﴿مَنْ كانَ حَيًّا﴾؛ أي: مؤمنًا في علم الله. فإن الحياة الأبدية بالإيمان، يعني: أن إيمان من كان مؤمنًا في علم الله، بمنزلة الحياة للبدن. لكونه سببًا للحياة الأبدية. وتخصيص الإنذار بمن كان حي القلب، مع أنه عام له، ولمن كان ميت

стр. 10842

القلب؛ لأنه المنتفع به. ثم الإنذار صفة النبي ﷺ في الحقيقة. وقرأ (١) نافع، وابن عامر ﴿لتنذر﴾ بتاء الخطاب للرسول ﷺ . وقرأ باقي السبعة: بياء الغيبة، فاحتمل أن يعود على الرسول، واحتمل أن يعود على القرآن. والمعنى (٢): أي وما القرآن إلا مواعظ من ربنا، يُرشد بها عباده إلى ما فيه نفعهم وهدايتهم في معاشهم ومعادهم، نزل من الملأ الأعلى وليس من كلام البشر. فقد تحدى المخالفين أن يأتوا بمثله؛ فما استطاعوا، فلجؤوا إلى السيف والسنان، وتركوا المقاولة بالحجة والبرهان. ثم ذكر من ينتفع به فقال: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا﴾؛ أي: لينتفع بنذارته من كان حي القلب، مستنير البصيرة، يعرف مواقع الهدى والرشاد، فيسترشد بهديه، وليس له من صوارف الهوى ما يصده عن اتباع الحق، ولا من نوازع الاستكبار والإعراض، ما يكون حائلًا بينه وبين الهدى. فهو يتواثب على الإقرار بالحق، إذا لاح له بريق من نوره، فتمتلىء جوانبه إشراقًا وضياءً، ويخر له مذعنًا مستسلمًا. وكأن طائفًا من السماء نزل عليه فأثلج صدره، وألان قلبه، فاطمأن له وركن إليه. وذلك من رزقه الله التوفيق والهداية، وكتب له الفوز والسعادة. وبعدئذ بيّن عاقبة من أعرض عنه، فقال: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾؛ أي: ويجب القضاء من الله تعالى، وتجب كلمة العذاب. وهي ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ؛﴾ أي: على المصرين على الكفر به تعالى، الذين هم كأنهم أموات، لخلوهم من النفوس الحساسة اليقظة، التي دأبها اتباع الحق ومخالفة الهوى؛ لأنه إذا انتفت الريبة إلا المعاندة فيحق القول عليهم. وفي إيرادهم في مقابلة ﴿مَنْ كانَ حَيًّا﴾ إشعار بأنهم لخلوهم عن آثار الحياة، وأحكامها، التي هي المعرفة، أموات في الحقيقة، كالجنين ما لم ينفخ فيه الروح. فالمعرفة تؤدي إلى الإيمان والإسلام والإحسان التي لا يموت أهلها، بل ينتقل من مكان إلى مكان. ٧١ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ للاستفهام التقريري للتعجيب خلافًا لما قاله

стр. 10843

بعضهم هنا، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والواو عاطفة على ذلك المقدر، والضمير للمشركين من أهل مكة، والتقدير: ألم يتفكر أهل مكة ولم يعلموا علما يقينيًا هو في حكم المعاينة؛ أي: قد رأوا وعلموا (أنا) نحن بمقتضى جودنا وكرمنا ﴿خَلَقْنا﴾ وأوجدنا ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لأجلهم وانتفاعهم ﴿مِمَّا عَمِلَتْـ﴾ ـه ﴿أَيْدِينا﴾؛ أي: مما تولينا إحداثه بيدنا، لم يشاركنا فيه غيرنا، بمعاونة وتسبب؛ أي: مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا شركة. وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص والتفرد بالخلق، كما يقول الواحد منا: عملته بيدي للدلالة على تفرده بعمله. وقال في «الأسئلة المقحمة»: الأيدي هنا صلة، وهو كقوله: ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، ومذهب العرب الكناية باليد، والوجه عن الجملة، انتهى. والجمع في الأيدي للتعظيم، كأنه قال: مما عملته يدنا. واليد صفة ثابتة لله ، نثبته ونعتقده، لا نمثله ولا نكيفه. و ﴿ما﴾ موصولة بمعنى الذي، وحذف العائد لطول الصلة. ويجوز أن تكون مصدرية. ﴿أَنْعامًا﴾ مفعول ﴿خَلَقْنا﴾، أخّره جمعًا بينه وبين أحكامه، المتفرعة عليه بقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَهَا﴾ إلخ. جمع نعم. وهي الماشية الراعية. وهي: الإبل والبقر والغنم؛ أي: الضأن والمعز مما في سيره نعومة؛ أي: لين، ولا يدخل فيها الخيل، والبغال، والحمر لشدة وطئها الأرض. وخص بالذكر من بين سائر ما خلق الله من المعادن، والنبات، والحيوان غير الأنعام لما فيها من بدائع الفطرة، كما في الإبل، وكثرة المنافع كما في البقر والغنم. والفاء في قوله: ﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ للتفريع، و ﴿الفاء﴾ التفريعية هي التي كان ما قبلها علة لما بعدها، عكس التعليلية، أي: فلأجل خلقنا إياها لمنافعهم، هم لتلك الأنعام مالكون ملك التصرف بتمليكنا إياهم، وهم متصرفون فيها بالاستقلال، يختصون بالانتفاع بها، لا يزاحمهم في ذلك غيرهم. ومعنى الآية (١): أي أولم يشاهد هؤلاء المشركون بالله الأصنام والأوثان أنا

стр. 10844

خلقنا لهم بقدرتنا وإرادتنا بلا معين ولا ظهير أنعامًا من الإبل والبقر والغنم، يصرفونها كما شاؤوا بالقهر والغلبة. فهي ذليلة منقادة لهم. فالجارية الصغيرة إن شاءت أناخت البازل الكبير، وإن شاءت ساقته وصرفته كما تريد. قال العباس بن مرداس: وَتَضْربُهُ الوَليْدةُ بالهَراوي ... فَلا غَيرٌ لَديْه وَلا نَكِيرُ ٧٢ - ثم ذكر منافعها، فقال: ﴿وَذَلَّلْناها﴾؛ أي (١): وصيرنا تلك الأنعام ذليلة منقادة ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المشركين وغيرهم، بحيث لا تستعصي عليهم في شيء مما يريدون بها، من الركوب والسوق إلى ما شاؤوا، والذبح مع كمال قوتها وقدرتها. فهو نعمة من النعم الظاهرة، ولهذا ألزم الله الراكب أن يشكر هذه النعمة، ويسبح بقوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. والفاء في قوله: ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ﴾ لتفريع أحكام التذليل عليه، و ﴿من﴾ تبعيضية، والركوب - بفتح الراء - بمعنى: المركوب كالحلوب بمعنى: المحلوب؛ أي: فلأجل تذليلنا إياها لهم، كان بعض منها مركوبهم؛ أي: معظم منافعها الركوب، وقطع المسافات، وعدم التعرض للحمل لكونه من تتمات الركوب. وقرأ الجمهور (٢): ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ بفتح الراء، وهو فعول بمعنى مفعول. وقرأ أبي، وعائشة ﴿ركوبتهم﴾ بالتاء، وهي فعولة بمعنى: مفعولة. والركوب والركوبة واحد، مثل الحلوب والحلوبة، والحمول والحمولة. وقال أبو عبيدة: الركوبة للواحد والجماعة، والركوب لا يكون إلا للجماعة. وقرأ الحسن، والأعمش، وابن السميفع، وأبو الرهسم: ﴿فمنها رُكوبهم﴾ بضم الراء وبغير تاء، فيقدّر مضاف؛ أي: فمنها ذو ركوبهم، أو فمن منافعها ركوبهم. وزعم أبو حاتم: أنه لا يجوز ﴿فمنها رُكوبهم﴾ بضم الراء؛ لأنه مصدر بمعنى: كون الإنسان على ظهر حيوان أو غيره، والمقصود هنا: المركوب. وأجاز ذلك الفرّاء، كما يقال: فمنها أكلهم، ومنها شربهم.

стр. 10845

﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾؛ أي: وبعض منها يأكلون لحمه وشحمه، كالغنم يعني: لا تصلح للركوب، بل للأكل فقط. وليس المراد: أن المركوبة منها كالإبل، لا تؤكل فإنها كما تركب تؤكل. والمعنى: أي وسخرنا لهم هذه الأنعام، فمنها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليها الأثقال إلى سائر الجهات والأقطار، ومنها: ما ينحرون فيأكلون لحومها وينتفعون بدهنها. ٧٣ - ﴿وَلَهُمْ فِيها﴾؛ أي: في الأنعام المركوبة والمأكولة ﴿مَنافِعُ﴾ أخر غير الركوب والأكل كالجلود، والأصواف، والأوبار، والأشعار، والنسائل؛ أي: النتائج، والحراثة بالثيران. وأجمل المنافع هنا، وفصلها في سورة النحل في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ﴾ الآية، ﴿وَمَشارِبُ﴾ من اللبن، جمع مشروب، جمعه باعتبار أنواع النعم، أو باعتبار هيآت اللبن؛ لأن منه الحليب، والحامض، والخاثر، والجبن، والأقط، والزبد، والسمن. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والفاء: عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير: أيشاهدون هذه النعم التي يتنعمون بها، فلا يشكرون المنعم بها، بأن يوحدوه، ولا يشركوا به في العبادة، فقد تولى المنعم إحداث تلك النعم، ليكون إحداثها ذريعة إلى أن يشكروها، فجعلوها وسيلة إلى الكفران. والمعنى: أي ولهم فيها منافع أخرى، غير الركوب والأكل منها، كالجلود والأصواف والأوبار والأشعار والحراثة وإدارة المنجنون (الساقية)، ولهم منها مشارب من ألبانها. ثم حثهم على الشكر على هذه النعم وتوحيد صانعها، فقال: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ نعمتي عليهم، وإحساني إليهم بطاعتي، وإفرادي بالألوهية والعبادة، وترك وساوس الشيطان بعبادة الأصنام، والأوثان. ٧٤ - ثم ذكر سبحانه جهلهم واغترارهم، ووضعهم كفران النعمة مكان شكرها. فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾؛ أي: واتخذ هؤلاء المشركون مع هذه الوجوه من الإحسان ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: متجاوزين الله، المتفرد بالقدرة المتفضل بالنعمة

стр. 10846

﴿آلِهَةً﴾؛ أي: معبودات من الأصنام، وأشركوها به تعالى في العبادة ﴿لَعَلَّهُمْ﴾؛ أي: لعل المشركين ﴿يُنْصَرُونَ﴾؛ أي: رجاء أن ينصروا من جهة آلهتهم، فيما أصابهم من الأمور، أو ليشفعوا لهم في الآخرة. ٧٥ - وجملة قوله: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ مستأنفة، مسوقة لبيان بطلان ما رجوه منها، وأملوه من نفعها. وجمعهم بالواو والنون جمع العقلاء، بناء على زعم المشركين أنهم ينفعون ويضرون ويعقلون؛ أي: لا تستطيع تلك الآلهة على نصر المشركين، ولا تقدر على نفعهم في أمر ما. ﴿وَهُمْ﴾ المشركون ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لآلهتهم ﴿جُنْدٌ﴾؛ أي: عسكر ﴿مُحْضَرُونَ﴾ إثرهم في النار؛ أي: يشيعون عند مساقهم إلى النار، ليجعلوا وقودًا لها. قال الكواشي: روي: أنه يؤتى بكل معبود من دون الله، ومعه أتباعه كأنهم جنده فيحضرون في النار، هذا لمن أمر بعبادة نفسه، أو كان جمادًا، انتهى. وقيل المعنى: ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: المشركون لآلهتهم بمنزلة الجند، فهم قائمون بين أيديهم كالعبيد، ويخدمونها، ويغضبون لها في الدنيا. قال الحسن: يمنعون منهم، ويدفعون عنهم. وقال الزجاج: ينتصرون للأصنام، وهي لا تستطيع نصرهم. وقيل المعنى: يعبدون الآلهة، ويقومون بها. فهم لهم بمنزلة الجند. هذه (١) الأقوال على جعل ضميرهم للمشركين، وضمير ﴿لَهُمْ﴾ للآلهة. وقيل: و ﴿هُمْ﴾؛ أي: الآلهة ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للمشركين جند محضرون معهم في النار، ليكونوا وقودًا لهم، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وقيل: معناه: وهذه الأصنام لهؤلاء المشركين، جند الله عليهم في جهنم؛ لأنهم يلعنونهم، ويتبرؤون منهم. وقيل المعنى: إن الكفار يعتقدون أن الأصنام جند لهم، يحضرون يوم القيامة لإعانتهم. والمعنى (٢): أي واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة، يعبدونهم طمعًا في نصرتهم، ودفع العذاب عنهم، وتقريبهم إلى الله زلفى. ثم بيّن بطلان آرائهم،

стр. 10847

وخيبة رجائهم، وانعكاس تدبيرهم. فقال: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ إلخ؛ أي: لا تقدر هذه الآلهة على نصر عابديها. فهي أضعف من ذلك، وأحقر، ولا تقدر على الاستنصار لأنفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء؛ لأنها جماد لا تسمع، ولا تعقل. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ﴾؛ أي: والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهم لا يسوقون إليهم خيرًا ولا يدفعون عنهم ضرًا. والخلاصة: أنّ العابدين وهم المشركون، كالجند لحمايتهم والذب عنهم في الدنيا، والمعبودون يوم القيامة، لا يستطيعون أن يقدموا لهم معونة، ولا يدفعون عنهم مضرة. ٧٦ - ثم سلّى رسوله على ما يلقاه من قومه من الأذى، بنحو قولهم: هو شاعر، وهو كاهن، وهو ساحر إلى نحو ذلك، من مقالاتهم التي كانوا يجابهون بها الرسول إرادة تحقيره وإهانته. فقال: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ والفاء: فيه فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا سمعت قولهم في الله: أن له شريكًا وولدًا، وفيك: إنك كاذب شاعر، وتألمت من إيذائهم وجفائهم وأردت بيان ما هو الأصلح لك، والأكثر أجرًا .. فأقول لك: لا يحزنك قولهم؛ أي: لا يهمنك قولهم في الله بالإلحاد والشرك، وفيك بالتكذيب والتهجين، وتسل بإحاطة علمي بجميع أحوالهم. فـ ﴿إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾؛ أي: جميع ما يضمرون في صدورهم من العقائد الفاسدة، ومن العداوة لك، والبغضاء ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: وجميع ما يظهرون بألسنتهم من كلمات الشرك، والكفر بالله، والإنكار للرسالة. فنجازيهم على جميع جناياتهم الخافية والبادية. قال ابن الشيخ (١): والفاء في قوله: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ﴾ جزائية؛ أي: إذا سمعت قولهم في الله: أن له شريكًا وولدًا، وفيك: أنك كاذب شاعر، وتألمت من إيذائهم وجفائهم، فتسل بإحاطة علمي بجميع أحوالهم، وبأني أجازيهم على تكذيبهم إياك وإشراكهم بي. وقرأ الجمهور: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ﴾ بفتح الياء وضم

стр. 10848

الزاي، وهي لغة قريش. وقرأ نافع: بضم الياء وكسر الزاي. وهي لغة بني تميم. وهما لغتان، يقال: حزنه وأحزنه. والمعنى (١): أي فلا يحزنك أيها الرسول، قول هؤلاء المشركين من قومك: إنك شاعر، وما جئتنا به شعر، ولا تكذيبهم بآيات الله وجحودهم نبوتك. ثم ذكر أنه، سيجازيهم على ما يضمرون في أنفسهم، ويتفوهون بألسنتهم. فقال: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: إنا نعلم أن الذي يدعوهم إلى قول ذلك، إنما هو الحسد، وأنهم يعقدون أن الذي جئتهم به ليس بشعر، ولا يشبه الشعر، وأنك لست بكذاب. والخلاصة: أنّا نعلم ما يسرون من معرفتهم، حقيقة ما تدعوهم إليه، وما يعلنون من جحود ذلك بألسنتهم علانية، وسنجزيهم وصفهم، ونعاملهم بما يستحقون، يوم يجدون جليل أعمالهم وحقيرها حاضرًا لديهم. وجملة قوله: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ تعليل لما قبله من النهي عن الحزن. فإن علمه سبحانه بما يسرون وما يعلنون، مستلزم للمجازاة لهم بذلك، وأن جميع ما صدر منهم، لا يعزب عنه، سواء كان خافيًا أو باديًا سرًا أو جهرًا مظهرًا أو مضمرًا وتقديم (٢) السر على العلن، إما للمبالغة في بيان شمول علمه تعالى، لجميع المعلومات، كأن علمه تعالى، بما يسرون، أقدم منه بما يعلنون، مع استوائهما في الحقيقة. فإن علمه تعالى، بمعلوماته، ليس بطريق حصول صورها، بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى. وفي هذا المعنى، لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة والكامنة. وإما لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن، إذ ما من شيء يعلن إلا وهو. أو مبادية مضمر في القلب قبل ذلك، فتعلق علمه بحالته الأولى، متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقةً. وفي الآية: إشارة إلى أن كلام الأعداء، الصادر من العداوة والحسد، جدير بأن يحزن قلوب الأنبياء، مع كمال قوتهم، وأنهم ومتابعيهم مأمورون بعدم

стр. 10849

الالتفات، وتطييب القلوب في مقاساة الشدائد في الله، بأن لها ثمرات كريمة عند الله تعالى. وإذا علم العبد، أن ألمه آت من الحق، هان عليه ما يقاسه، لا سيما إذا كان في الله، كما في «التأويلات النجمية». قال بعضهم: ليخفف ألم البلاء، علمك بأن الله هو المبتلي. قال في «برهان القرآن» قوله: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ﴾ هنا، وفي يونس: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ تشابها (١) في الوقف على لفظة ﴿قَوْلُهُمْ﴾ في السورتين؛ لأن الوقف عليه لازم. و ﴿إن﴾ فيهما مكسورةً في الابتداء لا في الحكاية، ومحكي القول فيهما محذوف. ولا يجوز الوصل؛ لأن النبي ﷺ منزه عن أن يخاطب بذلك، انتهى. ٧٧ - وجملة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مستأنفة (٢) مسوقة لبيان إقامة الحجة، على من أنكر البعث، وللتعجيب من جهله. فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم، على هذه الصفة من البداية إلى النهاية .. مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم، على ما هو دون ذلك من بعث الأجسام، وردها كما كانت، والإنسان المذكور في الآية، المراد به جنس الإنسان، كما في قوله: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ ولا وجه لتخصيصه بإنسان معين، كما قيل: إنه عبد الله بن أبي، وأنه قيل له ذلك لما أنكر البعث. وقال الحسن: هو أمية بن خلف. وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وائل السهمي. وقال قتادة، ومجاهد: هو أبي بن خلف الجمحي، فإن أحد هؤلاء وإن كان سببًا للنزول، فمعنى الآية: خطاب الإنسان من حيث هو لا إنسان معين، ويدخل من كان سببًا للنزول تحت جنس الإنسان دخولًا أوليًا. والنطفة هي اليسير من الماء. وقيل: هي الماء الصافي، ويعبر بها عن ماء الرجل. والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ للاستفهام التقريري المضمن للتعجب، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والواو: عاطفة على ذلك المقدر، والرؤية قلبية،

стр. 10850

والتقدير: ألم يتفكر الإنسان، المنكر للبعث، أيًا كان، ولم يعلم علمًا يقينيًا، أنا خلقناه من نطفة. وفي «الإرشاد»: وإيراد الإنسان موضع المضمر؛ لأن مدار الاستفهام متعلق بأحواله، من حيث هو إنسان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾. ﴿فَإِذا هُوَ﴾؛ أي: الإنسان ﴿خَصِيمٌ﴾؛ أي: شديد الخصومة والجدال بالباطل. ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: مظهر الجدال في خصومته أو مظهر للحجة. والجملة الاسمية (١) معطوفة على الجملة المنفية، داخلة في حيز الاستفهام والتعجيب كأنه قيل: أولم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء، وأمهنها ففاجأ خصومتنا في أمر، يشهد بصحته، وتحققه مبدأ فطرته شهادةً بينة. فهذا حال الإنسان الجاهل الغافل. ونعم ما قيل: أُعلِّمه الرِّمَاية كُلَّ يومٍ ... فَلمَّا اشْتَدَّ سَاعِدُه رَمَانِي أُعلِّمه الْقَوافِي كُلَّ حِينٍ ... فَلمَّا قَالَ قَافيةً هَجَانِي وما قيل: لقَدْ رَبَّيت جَروًا طُولَ عُمرِي ... فَلمَّا صَارَ كلَبًا عَضَّ رِجْلِي قال السمرقندي: العامل في ﴿إذا﴾ المفاجأة معنى المفاجأة، وهو عامل لا يظهر، استغني عن إظهاره بقوة ما فيها من الدلالة، عليه، ولا يقع بعدها إلا الجملة المركبة من المبتدأ والخبر. وهو في المعنى فاعل؛ لأن معنى ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾: فاجأه خصومة بينة، كما أن معنى قوله: ﴿إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فاجأهم قنوطهم أو مفعول؛ أي: فاجأ الخصومة، وفاجؤوا القنوط. يعني: خاصم خالقه مخاصمة ظاهرة، وقنطوا من الرحمة. والمعنى (٢): أي أو لا يستدل من أنكر البعث بسهولة المبدأ، على سهولة الإعادة. فإن من بدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، ثم جعله بشرًا سويًا يخاصم ربه، فيما قال إني فاعل، فيقول: من يحيي العظام وهي رميم إنكارًا منه

стр. 10851

لقدرته على إحيائها، قادر على إعادته بعد موته وحسابه وجزائه على أعماله. والخلاصة: أنه تعالى خلق للإنسان ما خلق من النعم ليشكر، فكفر وجحد المنعم والنعم. وخلقه من نطفة قذرة، ليكون متذللا فطغى وبغى وتجبر وخاصم ربه، واستبعد البعث والإعادة. ٧٨ - وقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا﴾ معطوف (١) على الجملة الفجائية؛ أي: ففاجأ خصومتنا وضرب لنا مثلًا؛ أي: أورد في شأننا قصة عجيبة في نفس الأمر. وهي في الغرابة والبعد عن العقول كالمثل، وهي إنكار إحيائنا العظام ونفي قدرتنا عليه. قال ابن الشيخ: المثل يستعار للأمر العجيب تشبيهًا له في الغرابة بالمثل العرفي، الذي هو القول السائر، ولا شك أن نفي قدرة الله سبحانه على البعث، مع أنه من جملة الممكنات، وأنه تعالى على كل شيء قدير، من أعجب العجائب. ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ عطف على ﴿ضَرَبَ﴾، داخل في حيز الاستفهام والتعجيب أو حال بتقدير ﴿قد﴾. وهو مضاف إلى المفعول؛ أي: نسي خلقنا إياه من النطفة القذرة؛ أي: ترك التفكر في بدء خلقه ليدله ذلك على قدرته على البعث. فإنه لا فرق بينهما من حيث إن كلًا منهما إحياء مواتٍ وجماد. وقرأ زيد بن علي ﴿ونسي خالقه﴾ اسم فاعل، والجمهور ﴿خَلْقَهُ﴾؛ أي: نشأته، مصدرًا. وقوله: ﴿قالَ﴾؛ أي: الإنسان، كلام مستأنف، واقع في جواب سؤال مقدر، نشأ عن حكاية ضرب المثل، كأنه قيل: أي مثل ضرب أو ماذا قال؟ فقيل: ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ﴾ منكرًا له أشد النكير، مؤكدًا له بقوله: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾؛ أي: بالية أشد البلى بعيدة من الحياة غاية البعد حيث لا جلد عليها، ولا لحم، ولا عروق، ولا أعصاب. وهذا (٢) الاستفهام للإنكار؛ لأنه قاس قدرة الله سبحانه على قدرة العبد فأنكر أن الله تعالى، يحيي العظام البالية، حيث لم يكن ذلك في مقدور البشر،

стр. 10852

وعدم تأنيث الرميم، مع وقوعه خبرًا للمؤنثة، حيث لم يقل: وهي رميمة، لأنه اسم لما بلي من العظام، غير صفة كالرفات والرمة. والأولى: أن يقال: إنه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث، كما قيل في جريح وقتيل. ومعنى الآية: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾؛ أي: وذكر أمرًا عجيبًا ينفي به قدرتنا على إحياء الخلق، فـ ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ونسي خلقنا له، أفلم يكن نطفة فجعلناه خلقًا سويًا ناطقًا. ولا شك أن من فعل ذلك، لا يعجزه أن يعيد الأموات أحياءً، والعظام الرميم بشرًا كهيئتهم التي كانوا عليها قبل الفناء. وإجمال ذلك: أن بعض المشركين استبعدوا إعادة الله، ذي القدرة العظيمة، التي خلقت السموات والأرض، للأجساد والعظام الرميم، ونسوا أنفسهم، وأنه تعالى خلقهم من العدم، فكيف هم بعد هذا، يستبعدون أو يجحدون. ونحو الآية، حكايةً عن المشركين قوله: ﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وقوله أيضًا، على طريق الحكاية: ﴿قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾. ٧٩ - ثم أمر الله سبحانه، نبيه ﷺ ، أن يجيبهم عن استبعادهم ويبكتهم بتذكيرهم بما نسوه من حقيقة أمرهم، وخلقهم من العدم، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، تبكيتًا لذلك الإنسان، المنكر للبعث، بتذكير ما نسيه من الفطرة، الدالة على حقيقة الحال. ﴿يُحْيِيهَا﴾؛ أي: يحيي تلك العظام الخالق ﴿الَّذِي أَنْشَأَها﴾؛ أي: خلقها وأوجدها ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: في أول مرة ولم تكن شيئًا، ومن قدر على النشأة الأولى، قدر على النشأة الثانية. فإن قدرته كما هي لاستحالة التغير فيها، والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها. وهو من النصوص القاطعة، الناطقة بحشر الأجساد، استدلالًا بالابتداء على الإعادة. وفيه رد على من لم يقل به، وتكذيب له.

стр. 10853

﴿وَهُوَ﴾؛ أي: الله المنشىء سبحانه ﴿بِكُلِّ خَلْقٍ﴾؛ أي: مخلوق ﴿عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه خافية، ولا يخرج عن علمه خارج كائنًا ما كان، يعلم تفاصيل المخلوقات بعلمه وكيفية خلقها. فيعلم أجزاء الأشخاص المتفتتة المتفرقة في المشارق والمغارب، والتي بعضها في أبدان السباع، وبعضها في جدران الرباع، أصولها وفروعها وأوضاع بعضها من بعض، من الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق، فيعيد كلا من ذلك، على النمط السابق، مع القوى التي كانت قبل. وقد استدل أبو حنيفة (١)، وبعض أصحاب الشافعي، بهذه الآية، على أن العظام، مما تحله الحياة. وقال الشافعي: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ﴾؛ أي: من يحيي أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف، ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر. وعبارة الروح هنا: وقد تمسك (٢) بظاهر الآية الكريمة من أثبت للعظم حياة، وبنى عليه الحكم بنجاسة عظم الميت. وهو الشافعي، ومالك، وأحمد. وأما أصحابنا الحنفية، فلا يقولون بنجاسته كالشعر، ويقولون: المراد بإحياء العظام: ردها إلى ما كانت عليه من الغضاضة والرطوبة في بدن حي حساس. واختلفوا في الآدمي هل يتنجس بالموت؟. فقال أبو حنيفة: يتنجس؛ لأنه دموي، إلا أنه يطهر بالغسل كرامة له، وتكره الصلاة عليه في المسجد. وقال الشافعي، وأحمد: لا يتنجس به، ولا تكره الصلاة عليه فيه. وعن مالك خلاف، والأظهر عنه: الطهارة، وأما الصلاة عليه في المسجد فالمشهور من مذهبه كراهتها، كقول أبي حنيفة، انتهى. انظر ما بين عبارة الشوكاني، وعبارة البروسوي من التناقض فيما قاله الشافعي. والصواب ما في البروسوي. والمعنى (٣): أي قل أيها الرسول لهذا المشرك القائل لك: من يحيي العظام وهي رميم: يحييها الذي ابتدع خلقها أول مرة ولم تكن شيئًا، وهو العليم

стр. 10854

بالعظام، وأين تفرقت في سائر أقطار الأرض، وأين ذهبت؟، لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه، فهو يعيده على النمط السابق والأوضاع التي كان عليها مع قواه السالفة. ٨٠ - ثم ذكر دليلًا ثانيًا يرفع استبعادهم، ويبطل إنكارهم. فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وخلق ﴿لَكُمْ﴾؛ أي: لمنفعتكم ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾؛ أي: الرطب ﴿نارًا﴾ محرقة، بدل من الموصول الأول، وعدم الاكتفاء بعطف الصلة للتأكيد، ولتفاوتهما في كيفية الدلالة؛ أي: الذي خلق لأجلكم ومنفعتكم من الشجر الرطب الندي، كالمرخ والعفار نارًا محرقة. فنبه (١) سبحانه، على وحدانيته، ودل على قدرته على إحياء الموات بما يشاهدونه، من إخراج النار المحرقة، من العود الندي الرطب. وذلك أن الشجر المعروف بالمرخ، والشجر المعروف بالعفار، إذا قطع عودان وضرب أحدهما على الآخر، انقدحت منهما النار، وهما أخضران. قيل: المرخ هو الذكر، والعفار هو الأنثى. ويسمى الأول الزند، والثاني الزندة. والمرخ (٢) بالخاء المعجمة: شجر سريع الورى. والعفار بالعين المهملة كسحاب: شجر معروف تقدح منه النار. قال الحكماء: لكل شجر نار إلا العناب. فمن ذلك يدق القصار الثوب عليه، ويتخذ منه المطرقة، والعرب تتخذ زنودها من المرخ والعفار، وهما موجودان في أغلب المواضع من بوادي العرب، يقطع الرجل منهما غصنين كالمسواكين، وهما أخضران يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثى فتنقدح النار بإذن الله تعالى. وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذا أَنْتُمْ﴾ أيها المشركون ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من الشجر الأخضر، متعلق بـ ﴿تُوقِدُونَ﴾. و ﴿إذا﴾ للمفاجأة؛ أي: تشتعلون النار وتقدحونها من ذلك الشجر، لا تشكون في أنها نار تخرج منه، كذلك لا تشكون في أن الله يحيي الموتى، ويخرجهم من القبور للسؤال والجزاء من الثواب والعقاب. فإن من قدر على إحداث النار، وإخراجها من الشجر الأخضر، مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفية، كان أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضًا فطرأ عليه اليبوسة

стр. 10855

والبلى. وعلم منه أن الله تعالى، جامع الأضداد، ألا ترى: أنه جمع الماء والنار في الشجر، فلا الماء يطفىء النار، ولا النار تحرق الشجر. وقرأ الجمهور: ﴿الْأَخْضَرِ﴾ اعتبارًا باللفظ. وقرىء ﴿الخضراء﴾ اعتبارًا بالمعنى. وقد تقرر، أنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه كما في قوله تعالى: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ وقوله: ﴿نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾. فبنو تميم ونجد يذكرونه، وأهل الحجاز يؤنثونه إلا نادرًا. والمعنى (١): أي وهو الذي بدأ خلق الشجر من ماء، حتى صار أخضر ناضرًا، ثم أعاده إلى أن صار حطبًا يابسًا توقد به النار، ومن فعل ذلك، فهو قادر على ما يريد، لا يمنعه شيء. إذ من أحدث النار في الشجر الأخضر على ما فيه من المائية المضادة للاحتراق، فهو أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضا، فيبس وبلي. ٨١ - ثم ذكر بعد ذلك بدليل ثالث على قدرته، أعجب من سابقيه، فقال: ﴿أَوَلَيْسَ﴾ الهمزة (٢) فيه للإنكار، وإنكار النفي إيجاب، فصار الاستفهام تقريريًا، كما هو القاعدة عندهم، خلافًا لمن تغافل عنها، فجعل الاستفهام في أمثال هذه المواضع إنكاريًا. داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والواو عاطفة على ذلك المقدر. فهمزة الاستفهام، وإن دخلت على حرف العطف ظاهرًا، لكنها في التحقيق، داخلة على كلمة النفي قصدًا، إلى إثبات القدرة له وتقريرها. والمعنى: أليس القادر المقتدر، الذي أنشأ الأناسي أول مرة، وأليس الذي جعل لهم من الشجر الأخضر نارا، وأليس ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾؛ أي: الأجرام العلوية وما فيها ﴿وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: الأجرام السفلية وما عليها مع كبر جرمهما وعظيم شأنهما ﴿بِقادِرٍ﴾ في تقدير النصب؛ لأنه خبر ليس؛ أي: قادرًا ﴿عَلى أَنْ يَخْلُقَ﴾ في الآخرة ﴿مِثْلَهُمْ﴾؛ أي: مثل الأناسي في الصغر والحقارة بالنسبة إليهما، ويعيدهم أحياء كما كانوا. فإن بدهية العقل قاضية بأن من قدر على
следующие страницы →