ومولانا، فاجعلنا في تقلبات أنواع نعمك، شاغلين بك فارغين عن غيرك، وأوصل إلينا من كل خيرك.
فإن قلت (١): لم جمع هنا ﴿الْمَشارِقِ﴾ وحذف مقابله، وثنّاه في الرحمن، وجمعه في المعارج، وأفرده في المزمل مع ذكر مقابله في الثلاثة؟.
قلت: لأن القرآن نزل على المعهود من أساليب كلام العرب وفنونه. ومنها: الإجمال والتفصيل، والذكر والحذف، والجمع والتثنية، والإفراد باعتبارات مختلفة. فأفرد وأجمل في المزمل بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، لأنه أراد بهما: الجهة، فالمشرق جهة والمغرب جهة. وجمع وفصّل في المعارج بقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾؛ لأنه أراد جميع مشارق السنة ومغاربها، وهي تزيد على سبع مئة. وثنّى وفصّل في الرحمن، لأنه أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربهما. وجمع وحذف هنا بقوله: ﴿وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾، لأنه أراد جميع مشارق السنة، واقتصر عليه لدلالته على المحذوف، وخص ما هنا بالجمع، موافقة للجموع أول السورة، وبالحذف مناسبة للزينة في قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦)﴾. إذ الزينة إنما تكون غالبًا بالضياء والنور، وهما ينشآن من المشرق لا من المغرب. وخص ما في الرحمن بالتثنية، موافقة للتثنية في ﴿يَسْجُدانِ﴾، وفي ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، وبذكر المتقابلين مقابلة، لبسط صفاته تعالى وإنعامه. ثم خص ما في المعارج بالجمع، موافقة للجمع قبله وبعده، وبذكر المتقابلين موافقةً لكثرة التأكيد في القسم وجوابه. وخص ما في المزمل بالإفراد موافقة لما قبله من إفراد ذكر النبي ﷺ ، وما بعده من إفراد ذكر الله تعالى، وبذكر المتقابلين موافقة للحصر في قوله: ﴿لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾، ولبسط أوامر الله تعالى لنبيه ﷺ .
وإجمال المعنى (٢): أنه سبحانه أقسم بملائكته الذين كملت أرواحهم،
стр. 10887
وتجردوا لعبادته، يسبحونه الليل والنهار لا يفترون، ويحضون الناس على فعل الخير، ويدفعون عنهم وسوسة الشيطان، ويتلون آياته على أنبيائه، حين نزولهم بالوحي إن ربكم لواحد، وهو رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق والمغارب.
٦ - ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾؛ أي: القربى منكم من الأرض، وأما بالنسبة إلى العرش فهي البعدى منه. والدنيا: تأنيث الأدنى بمعنى الأقرب ﴿بِزِينَةٍ﴾ عجيبة بديعة ﴿الْكَواكِبِ﴾ بالجر بدل من الزينة، على أن المراد بها: الاسم؛ أي: ما يزان به، لا المصدر. والتقدير: بعد طرح المبدل منه: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب، فإن الكواكب في أنفسها زينة عظيمة، فإنها في أعين الناظرين لها كالجواهر المتلألئة.
وقرأ الجمهور (١): ﴿بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ بإضافة زينة إلى الكواكب. والمعنى: زيناها بتزيين الكواكب؛ أي: بحسنها. وقرأ ابن مسعود، ومسروق بخلاف عنه. وأبو زرعة، وابن وثّاب، وطلحة، والأعمش، والنخعي، وحمزة بتنوين ﴿زينة﴾، وخفض ﴿الْكَواكِبِ﴾ على أنها بدل من الزينة، كما مر آنفًا. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه، وابن وثّاب، ومسروق بخلاف عنهما. والأعمش، وطلحة ﴿بزينةٍ﴾ منونًا ونصب ﴿الْكَواكِبِ﴾ على أن الزينة مصدر، وفاعله محذوف، والتقدير: بأن الله زيّن الكواكب، بكونها مضيئة حسنة في أنفسها، أو تكون الكواكب منصوبة بإضمار أعني، أو بدلا من السماء بدل اشتمال. وقرأ زيد بن علي، وابن عباس، وابن مسعود بتنوين ﴿زينة﴾، ورفع ﴿الكواكب﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: بزينة هي الكواكب. فإن قلت: لم خص سماء الدنيا بزينة الكواكب، مع أن بقية السموات مزينة بذلك.
قلت: لأنا إنما نرى سماء الدنيا دون غيرها.
وفي الآية (٢): إشارة إلى أن الزينة التي تدرك بالبصر يعرفها الخاصة
стр. 10888
والعامة، وإلى الزينة التي يختص بمعرفتها الخاصة، وذلك إحكامها وسيرها. والكواكب معلقة في السماء كالقناديل، أو مكوكبة عليها كالمسامير على الأبواب والصناديق. وكون الكواكب زينة للسماء الدنيا، لا يقتضي كونها مركوزة في السماء الدنيا، ولا ينافي كون بعضها مركوزة فيما فوقها من السموات؛ لأن السموات إذا كانت شفافة وأجرامًا صافية، فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو في سموات أخرى، فهي لا بد وأن تظهر في السماء الدنيا، وتلوح منها. فتكون سماء الدنيا مزينة بالكواكب.
والحاصل: أن المراد هو التزيين في رأي العين، سواء كانت أصول الزينة سماء الدنيا أو في غيرها. وهذا مبني على ما ذهب إليه أهل الهيئة، من أن الثوابت مركوزة في الفلك الثامن وما عدا القمر في الستة المتوسطة، وإن لم يثبت ذلك بنقل، فحقيقة ذلك عند الله تعالى.
٧ - وانتصاب (١) ﴿حفظًا﴾ على المصدرية بإضمار فعل؛ أي: حفظناها حفظًا أو على أنه مفعول لأجله؛ أي: زيناها بالكواكب للحفظ أو بالعطف على محل ﴿زينة﴾، كأنه قال: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء، وحفظًا لها ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ﴾ برمي الشهب المنقضة منها إليه ﴿مارِدٍ﴾؛ أي: عال على الله، خارج عن الطاعة، متعرّ عن الخير من قولهم: شجر أمرد إذا تعرى من الورق. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾.
والمعنى (٢): أي إنا جعلنا الكواكب والنجوم زينة في السماء القريبة منكم، بما لها من البهجة والجمال وتناسب الأشكال وحسن الأوضاع، ولا سيما لدى الدارسين لنظامها، المفكرين في حسابها، إذ يرون أن السيارات منها متناسبة المسافات، بحيث يكون كل سيار بعيدًا من الشمس، ضعف بعد الكواكب الذي قبله. ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧)﴾؛ أي: وحفظنا السماء أن يتطاول، لدرك جمالها، وفهم محاسن نظامها، الجهال والشياطين، المتمردون من الجن
стр. 10889
والإنس، لأنهم غافلون عن آياتنا، معرضون عن التفكر في عظمتها، فالعيون مفتحة ولكن لا تبصر الجمال، ولا تفكر فيه حتى تعتبر بما فيه.
وكانت الشياطين (١) أولًا لا يحجبون عن السموات كلها، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها فيلقونها على الكهنة. فلما ولد عيسى ﵇، منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها. فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب. وهو الشعلة من النار فلا يخطئه أبدًا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله فيصير غولًا يضل الناس في البراري.
٨ - وقوله: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾؛ أي: الشياطين، ولا يصغون ﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ كلام (٢) مستأنف، مسوق لبيان حال الشياطين، بعد بيان حفظ السماء منهم، مع التنبيه على كيفية الحفظ، وما يعتريهم في أثناء ذلك من العذاب. والملأ الأعلى: الملائكة أو أشرافهم أو الكتبة وصفوا بالعلو لسكونهم في السموات العلى، والجن والإنس هم الملأ الأسفل، لأنهم سكان الأرض.
والمعنى: لا يتطلبون السماء والإصغاء إلى الملائكة الملكوتية. وقيل: إن جملة ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ صفة لكل شيطان. وقيل: جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فما كان حالهم بعد حفظ السماء عنهم؟ فقال: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿يسْمَعون﴾ بسكون السين وتخفيف الميم، وعدّاه بإلى لتضمنه معنى الإصغاء. وقرأ ابن عباس بخلاف عنه. وابن وثّاب، وعبد الله بن مسلم، وطلحة، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص، وعاصم في رواية حفص ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ بتشديد السين والميم بمعنى لا يتسمعون. والقراءة الأولى تدل على انتفاء سماعهم دون استماعهم، والقراءة الثانية تدل على انتفائهما. وفي
стр. 10890
معنى القراءة الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾. قال مجاهد: كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون. واختار أبو عبيدة القراءة الثانية، قال: لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه، وتقول: تسمعت إليه. وظاهر (١) الأحاديث أنهم يتسمعون حتى الآن لكنهم لا يسمعون، وإن سمع أحد منهم شيئًا لم يفلت حرسا وشهبا من وقت بعثة رسول الله ﷺ .
﴿وَيُقْذَفُونَ﴾؛ أي: يُرجمون، ويُرمون ﴿مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ من جوانب السماء، ومن كل جهة يصعدون بالشهب، إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع. والمرجوم بها هي التي يراها الناس تنقض، وليست بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن تلك لا ترى حركتها، وهذه الراجمة نرى حركتها لقربها منا. وقرأ محبوب عن أبي عمرو ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ مبنيًا للفاعل، وهي قراءة غير مطابقة لما هو المراد من النظم القرآني.
٩ - وانتصاب ﴿دُحُورًا﴾ على أنه مفعول لأجله. والدحور: الطرد والإبعاد؛ أي: يقذفون لأجل الطرد والإبعاد عن السماء أو على الحال؛ أي: يقذفون حال كونهم مدحورين مطرودين أو مصدر ليقذفون؛ لأن متضمن معنى الطرد؛ أي: ويدحرون من كل جانب دحورًا، ويقذفون من كل جهة قذفًا. وقيل: هو جمع داحر، نحو: قاعد وقعود، فيكون حالًا أيضًا. وقرأ الجمهور: ﴿دُحُورًا﴾ بضم الدال. وقرأ علي، والسلمي، وابن أبي عبلة، ويعقوب الحضرمي، والطبراني عن رجاله عن أبي جعفر ﴿دحورا﴾ بنصب الدال أي: قذفًا دحورًا بنصب الدال. ويجوز أن يكون مصدرًا كالقبول والولوع إلا أن هذه ألفاظ ذكر أنها محصورة.
واختلف (٢)، هل كان هذا الرمي لهم بالشهب، قبل المبعث أو بعده؟ فقال بالأول طائفة، وبالآخر آخرون. وقالت طائفة، بالجمع بين القولين: إن الشياطين لم تكن ترمى قبل المبعث رميًا يقطعها عن السمع، ولكن كانت ترمى وقتًا ولا ترمى وقتًا آخر، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب آخر. ثم بعد المبعث،
стр. 10891
رميت في كل وقت ومن كل جانب حتى صارت لا تقدر على استراق شيء من السمع إلا من اختطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب.
فإن قلت: تقدم (١) أن الكواكب ثابتة في السماء أو في العرش زينة، ومقتضى كونها رجوما للشياطين أنها تنفصل وتزول، فكيف الجمع بين ذلك؟.
أجيب: بأنه ليس المراد: أن الشياطين بذات الكواكب ترمى، بل تنفصل منها شهب تنزل على الشياطين والكواكب باقية بحالها.
إن قلت: إذا كان الشياطين خلقوا من النار فكيف يحترقون؟
أجيب: بأن الأقوى يحرق الأضعف، كالحديد يقطع بعضه بعضًا.
إن قلت: إذا كان الشيطان يعلم أنه لا يصل لمقصوده بل يصاب، فكيف يعود مرة أخرى؟.
أجيب: بأنه يرجو وصوله لمقصوده وسلامته، كراكب البحر، فإنه يشاهد الغرق المرة بعد المرة، ويعود طمعًا في السلامة.
وقيل معنى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾؛ أي (٢): إن كثيرًا من أولئك الجهّال، والشياطين محبوسون في هذه الأرض غائبة أبصارهم عن الملأ الأعلى، لا يفهمون رموز هذه الحياة وعجائبها، ولا ترقى نفوسهم إلى التطلع إلى تلك العوالم العليا، والتأمل في إدراك أسرارها، والبحث في سر عظمتها. ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾؛ أي: وقد قذفتهم شهواتهم وطردتهم من كل جانب، فهم تائهون في سكراتهم، تتخطفهم الأهواء والمطامع والعداوات. فلا يبصرون ذلك الجمال الذي يشرف للحكماء، ويبهر أنظار العلماء، ويتجلى للنفوس الصافية ويسحرها بعظمته. وهم ما زالوا يدأبون على معرفة هذا السر، حتى ذاقوا حلاوته، فخروا ركعًا سجدًا مذهولين من ذلك الجمال والجلال.
﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: وللشياطين في الآخرة غير ما في الدنيا، من عذاب الرمي بالشهب. ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾؛ أي: عذاب دائم غير منقطع، من وصب الأمر وصوبًا
стр. 10892
إذا دام. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن الواصب الدائم. وقال السدي، وأبو صالح، والكلبي: هو الموجع الذي يصل وجعه إلى القلب.
١٠ - وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ استثناء (١) من واو ﴿يسمعون﴾، و ﴿مَنْ﴾ بدل من الواو. والخطف: اختلاس كلام الملائكة مسارقة كما يعرب عنه تعريف الخطفة؛ أي: لا يسمع جماعة الشياطين إلى الملأ الأعلى، إلا الشيطان الذي خطف؛ أي: اختلس الخطفة؛ أي: المرة الواحدة. يعني: كلمة واحدة من كلام الملائكة. ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾؛ أي: أتبع ذلك المختلس، ولحقه ﴿شِهابٌ﴾؛ أي: شعلة نار ساطعة، والمراد هنا: ما يرى منقضا من السماء. ﴿ثاقِبٌ﴾؛ أي: مضيء غاية الإضاءة، يثقب بإضاءته ونوره ما يقع عليه؛ أي: كأنه يثقب الجو بضوئه يرجم به الشياطين إذا صعدوا لاستراق السمع.
والمعنى (٢): لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة الواحدة، من كلام الملائكة على وجه المسارقة، فلحقه شهاب
مضيء يحرقه، أو يخبله أو يجرحه. وعن ابن عباس ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ جالس في نفر من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال ﵊: «ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية»؟ فقالوا: يموت عظيم أو يولد عظيم، فقال: «إنه لا يرمى لموت أحد، ولا لحياته، ولكن الله إذا قضى أمرًا، يسبحه حملة العرش وأهل السماء السابعة يقولون؛ أي: - أهل السماء السابعة لحملة العرش -: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، فيستخبر أهل كل سماء أهل سماء، حتى ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا، فيتخطف الجن فيرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه ويكذبون، فما ظهر صدقه فهو من قسم ما سمع من الملائكة، وما ظهر كذبه فهو من قسم ما قالوه». قيل: كان ذلك في الجاهلية أيضًا، لكن غُلِّظ المنع، وشُدد حين بعث النبي ﷺ .
قيل: هيئة استراقهم، أن الشياطين يركب بعضهم بعضًا إلى السماء الدنيا،
стр. 10893
فيسمع من فوقهم الكلام، فيلقيه إلى من تحته ثم هو يلقيه إلى الآخر، حتى إلى الكاهن. فيرمون بالكوكب فلا يخطىء أبدًا، فمنهم من يحرق بعض أعضائه وأجزائه، ومنهم من يفسد عقله، ومنهم من يجرحه، كما مر. وربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيه، وربما ألقاه قبل أن يدركه. ولأجل أن يصيبهم مرة ويسلمون أخرى لا يرتدعون عن الاستراق بالكلية كراكب البحر للتجارة، فإنه قد يصيبه الموج وقد لا يصيبه، فلذا يعود إلى ركوب البحر رجاء السلامة. ولا يقال: إن الشيطان من النار فلا يحترق؛ لأنه ليس من النار الصرف، كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص، مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها، كما مر كل ذلك.
ثم إن المراد بالشهاب: شعلة نار تنفصل من النجم، لا أنه النجم نفسه، لأنه قار في الفلك على حاله. وقالت الفلاسفة: إن الشهب إنما هي أجزاء نارية، تحصل في الجو عند ارتفاع الأبخرة المتصاعدة، واتصالها بالنار التي دون الفلك، انتهى. وقال بعض كبار أهل المعرفة: لولا الأثير - الركن من النار - الذي هو بين السماء والأرض ما كان حيوان ولا نبات ولا معدن في الأرض، لشدة البرد الذي في السماء الدنيا. فهو؛ أي: الأثير يسخن العالم لتسري فيه الحياة، بتقدير العزيز العليم. وهذا الأثير الذي هو ركن النار متصل بالهواء، والهواء حار رطب، ولما في الهواء من الرطوبة، إذا اتصل بهذا الأثير أثّر فيه، لتحركه اشتعالًا في بعض أجزاء الهواء الرطبة، فبدت الكواكب ذوات الأذناب، لأنها هواء محترق لا مشتعل، وهي سريعة الاندفاع. وإن أردت تحقيق هذا، فانظر إلى شرر النار، إذا ضرب الهواء النار بالمروحة، يتطاير منها شرر مثل الخيوط في رأى العين، ثم تنطفىء كذلك هذه الكواكب المنقضة. وقد جعلها الله رجوما للشياطين الذين هم كفار الجن، كما قال الله تعالى. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
يقول الفقير (١): كلام هذا البعض، يفيد حدوث بعض الكواكب ذوات
стр. 10894
الأذناب، من التحريك المذكور، وهي الكواكب المنقضة، سواء كانت ذوات أذناب أو لا، وهذا لا ينافي ارتكاز الكواكب الغير الحادثة في أفلاكها أو تعليقها في السماء، أو بأيدي الملائكة كالقناديل المعلقة في المساجد، أو كونها ثقبًا في السماء، أو عروقًا نيرة من الشمس على ما ذهب إلى كل منها طائفة من أهل الظاهر والحقيقة. قال قتادة: جعل الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك، فقد تكلف ما لا علم به، اهـ من «روح البيان».
وقرأ الجمهور (١) ﴿خَطِفَ﴾ ثلاثيًا بكسر الطاء. وقرأ الحسن، وقتادة بكسر الخاء والطاء مشددة. قال أبو حاتم: ويقال: هي لغة بكر بن وائل، وتميم بن مرة. وقرىء ﴿خَطّف﴾ بفتح الخاء وكسر الطاء مشددة، ونسبها ابن خالويه إلى الحسن، وقتادة، وعيسى. وعن الحسن أيضًا التخفيف. وأصله في هاتين القراءتين اختطف، ففي الأولى لما سكنت التاء للإدغام والخاء ساكنة كسرت لالتقاء الساكنين، فذهبت ألف الوصل وكسرت الطاء اتباعا لحركة الخاء. وعن ابن عباس ﴿خِطِف﴾ بكسر الخاء والطاء مخففة، أتبع حركة الخاء لحركة الطاء، كما قالوا: نعم. وقرىء ﴿فأتبعه﴾ مخففًا ومشددًا.
وقيل في تفسير معنى الآية على نهج ما سبق: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾؛ أي (٢): وأولئك لهم عذاب دائم، لتقصيرهم عن البحث في سر عظمة هذا الكون، والوصول بذلك إلى عظمة خالقه وبديع قدرته. ثم بيّن من وفّقهم الله تعالى، وأنعم عليهم ممن ظفروا بالمعرفة فقال: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)﴾؛ أي: إلا من لاحت له بارقة من ذلك الجمال، وعنّت له سانحة منه، فتخطفت بصيرته كالشهاب الثاقب، فحن إلى مثلها وصبت نفسه إلى أختها، وهام بذلك الملكوت العظيم باحثًا عن سر عظمته ومعرفة كنه جماله. وهم من اصطفاهم الله تعالى من عباده، وآتاهم الحكمة من لدنه، وأيدهم بروح من عنده.
стр. 10895
وهم أنبياؤه، وأولياؤه الذين أنعم عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين.
والخلاصة: أن الدنيا بيت فرشه الأرض، وسقفه السماء، وسراجه الكواكب، والبيوت الرفيعة العماد العظيمة البناء، كما تزين بالأنوار تزين بالنقوش التي تكسبها لألاء وبهجة في عيون الناظرين، ولكن لن يصل إلى إدراك تلك المحاسن إلا الملائكة الصافون، والأنبياء، والعلماء المخلصون. أما الجهال، والشياطين المتمردون من الجن والإنس فأولئك عن معرفة محاسنها غافلون. فلقد يعيش المرء منهم، ويموت وهو لاه عن درك هذا الجمال. إذ لا ينال العلم إلا عاشقوه، وقد تبدو لهم أحيانًا بارقة من محاسن هذا الجمال، فتخطف بصائرهم كالشهاب الثاقب، فيخطفون منها خطفة يتبعها قبس من ذلك النور يضيء قلوبهم، وينير ألبابهم. فيكونون ممن كتب الله لهم السعادة، وقيّض لهم التوفيق والهداية، وممن اصطفاهم ربهم برضوانه والفوز بنعيمه. وقد نحونا بهذا التفسير نحوًا آخر يخالف ما في كثير من التفاسير، إذ أنهم قالوا: إن خطف الخطفة كان من الشيطان حين أراد أن يسترق السمع ويأخذ أخبار السماء، فأتبعه شهاب ثاقب فأحرقه ولم يستطع أخذ شيء منها، وعصم الله وحيه وكتابه، اهـ.
١١ - قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ خطاب للنبي ﷺ ، والضمير لمشركي مكة المنكرين للبعث. والمراد (١) بالاستفتاء هنا: الاستخبار كما في قوله تعالى في قصة أهل الكهف: ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، وليس المراد سؤال الاستفهام بل التوبيخ. والمعنى: فاستخبر يا محمد مشركي مكة، توبيخًا لهم، واسألهم سؤال محاجة ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ وأقوى أجسامًا، وأعظم أعضاء، وأحكم خلقة، وأمتن بنية، أو أصعب على الخالق خلقًا، أو أشق إيجادًا ﴿أَمْ مَنْ﴾؛ أي: أم الذي ﴿خلقنا﴾ هم من السموات والأرض وما بينهما من الملائكة، والمشارق، والمغارب، والكواكب، والشهب الثواقب، والشياطين المردة؛ أي: أأنتم أشد خلقًا من هؤلاء المذكورين، أم أشد منكم خلقًا. و ﴿مَنْ﴾ لتغليب العقلاء على
стр. 10896
غيرهم. قال الزجاج (١): المعنى: فاسألهم سؤال تقرير أهم أشد خلقًا؛ أي: أحكم صنعة أم من خلقنا قبلهم من الأمم السالفة، يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقًا من غيرهم من الأمم، وقد أهلكناهم بالتكذيب فما الذي يؤمنهم من العذاب.
ثم ذكر خلق الإنسان، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْناهُمْ﴾؛ أي: خلقنا أصلهم، وهو آدم، وهم من نسله ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾؛ أي: لاصق يلصق ويعلق باليد، لا رمل فيه. والباء في ﴿لازِبٍ﴾ بدل من الميم، والأصل: لازم مثل: بكة ومكة، كما في كشف الأسرار. واللازب: الثابت كما يقال: صار الشيء ضربة لازب، ومنه:
قول النابغة:
لا تَحسبُونَ الْخَيْر لا شَرَّ بَعْدهُ ... وَلا تَحْسَبونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ
والمراد من الآية (٢): إثبات المعاد، ورد استحالتهم إياه. وتقريره: إن استحالة المعاد، إما لعدم قابلية المادة، ومادتهم الأصلية هي الطين اللازب، الحاصل من ضم الجزء المائي إلى الجزء الأرضي، وهما باقيان قابلان الانضمام بعد. وإما لعدم قدرة الفاعل، وهو باطل. فإن من قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة .. قادر على ما لا يعتد به، بالإضافة إليها، وهو خلق الإنسان وإعادته سيما، ومن الطين اللازب بدأهم، وقدرته ذاتية لا تتغير. فهي بالنسبة إلى جميع المخلوقات على السواء.
والمعنى في الآية: أن هؤلاء كيف يستبعدون المعاد، وهم مخلوقون من هذا الخلق الضعيف، ولم ينكره من هو مخلوق خلقا أقوى منهم. وأعظم وأكمل وأتم.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ بتشديد الميم، وهي أم المتصلة. وقرأ الأعمش ﴿أمن﴾ بتخفيف الميم دون ﴿أم﴾ استفهامًا ثانيًا تقريريًا أيضًا، فهما جملتان مستقلتان في التقرير على قراءته. و ﴿من﴾: مبتدأ، والخبر محذوف،
стр. 10897
تقديره: أشد، فعلى أم من هو تقرير واحد، ونظيره: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ﴾. قيل: وقرىء ﴿لازم﴾ و ﴿لاتب﴾، ولا أدري من قرأ بذلك. واللاتب: الثابت. قال الأصمعي: واللاتب: اللاصق مثل: اللازب. وفي مصحف عبد الله: ﴿أم من عددنا﴾، وهو تفسير لمن خلقنا؛ أي: من عددنا من الصافات وما بعدها من المخلوقين.
ومعنى الآية (١): أي سل يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث؛ أي أصعب إيجادًا أهم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والمخلوقات العظيمة؟. والسؤال للتوبيخ والتبكيت، فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد منهم خلقًا؛ أي: وإذًا فكيف ينكرون البعث وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا؟ فأين هم بالنسبة لهذه العوالم التي خلقناها؟. ثم زاد الأمر بيانًا، وأوضح هذا التفاوت، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾؛ أي: إنا خلقنا أباهم آدم من طين رخو ملتصق بعضه ببعض. وفي هذا شهادة عليهم بالضعف، والرخاوة دون الصلابة والقوة، فأين هم من كواكب السماء وعالم الملائكة، وتلك العوالم المشرقة، وإذا قدرنا أن نخلق تلك العوالم العظيمة، فهل يعجزنا أن نعيد ما هو مخلوق من طين، لا يصلح للحياة إلا بإشراق الأنوار عليه، ووصول الآثار من العوالم الأخرى إليه.
١٢ - ثم أضرب سبحانه عن الكلام السابق، إلى خطاب الرسول ﷺ بقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ يا محمد من قدرة الله سبحانه ﴿وَ﴾ هم ﴿يَسْخَرُونَ﴾ منك بسبب تعجبك، أو ويسخرون منك بما تقوله، من إثبات المعاد. وفي «المفردات»: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ من إنكارهم البعث لشدة تحققك بمعرفته، ويسخرون بجهلهم. قال سعدي المفتي: وهذا إضراب عن الأمر بالاستفتاء؛ أي: لا تستفتهم فإنهم معاندون ومكابرون لا ينفع فيهم الاستفتاء، وانظر إلى تفاوت حالك وحالهم، أنت تعجب من قدرة الله تعالى، على خلق هذه الخلائق العظيمة، ومن قدرته
стр. 10898
على الإعادة، وإنكارهم للبعث، وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث. وقال قتادة: عجب نبي الله ﷺ من هذا القرآن، حين أنزل، وضلال بني آدم. وذلك أن النبي ﷺ كان يظن، أن كل من يسمع القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن، فسخروا منه، ولم يؤمنوا، عجب من ذلك النبي ﷺ . فقال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾. والسخرية: الاستهزاء، والعجب والتعجب: حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء.
والخلاصة: إن قلوبهم غلف، فلا تنظر فيما حولها من البراهين، والآيات الدالة على البعث، ولا تقدر أن تنفذ إلى الإيقان به. فحالهم عجب، ويحق لك أن تكثر التعجب منها، فلقد بلغ من عنادهم وإصرارهم على إنكارهم أن يسخروا من مقالك ومن اهتمامك بإقناعهم في وجوب تسليمهم بالبعث والاعتقاد بحصوله.
وقرأ الجمهور (١): ﴿عَجِبْتَ﴾ بفتح التاء على الخطاب للنبي ﷺ ؛ أي: بل عجبت يا محمد، من قدرة الله، على هذه الخلائق العظيمة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك، ومما تريهم من آثار قدرة الله، أو عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث، أو عجبت من إعراضهم عن الحق وعماهم من الهدى، وأن يكونوا كافرين مع ما جئتهم به من عند الله تعالى. وقرأ حمزة، والكسائي، وابن سعدان، وابن مقسم بتاء المتكلم. ورويت عن علي وعبد الله، وابن عباس، والنخعي، وابن وثاب، وطلحة، وشقيق، والأعمش، وأنكر شريح القاضي هذه القراءة، وقال: الله لا يعجب. فقال إبراهيم: كان شريح معجبًا بعلمه، وعبد الله أعلم منه يعني: عبد الله بن مسعود. والظاهر: أن ضمير المتكلم هو لله تعالى، والعجب لا يجوز على الله تعالى؛ لأنه روعة تعتري المتعجب من الشيء. قال الحسن بن الفضل (٢): التعجب من الله إنكار الشيء، وتعظيمه. ومعنى ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾؛ أي: استعظمت كفرهم وإنكارهم البعث، وسخطت منه. وقال علي بن
стр. 10899
سليمان: معنى القراءتين واحد، والتقدير: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بل عجبت من إنكاركم البعث، مع قيام البراهين الدالة عليه؛ لأن النبي ﷺ مخاطب بالقرآن. قال النحاس: وهذا قول حسن، وإضمار القول كثير. قال القاضي زكريا (١) قوله: ﴿بل عجبتُ ويسخرون﴾ بضم التاء على قراءة حمزة والكسائي. فإن قلت: ما وجهه، مع أن التعجب، روعة تعتري الإنسان عن استعظام الشيء، والله منزه عنها؟
قلت: أراد بالتعجب: الاستعظام، وهو جائز على الله تعالى، أو معناه: قل يا محمد: بل عجبت. وفي الذي تعجب قولان:
أحدهما: كفرهم بالقرآن.
والثاني: إنكارهم البعث، انتهى.
١٣ - ﴿وَإِذا ذُكِّرُوا﴾؛ أي: ودأبهم المستمر، أنهم إذا وعظوا بشيء من المواعظ ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾؛ أي: لا يتعظون. قال سعيد بن المسيب؛ أي: إذا ذكر لهم ما حل بالمكذبين ممن كان قبلهم أعرضوا عنه، ولم يتدبروا، انتهى. وفيه إشارة إلى أنهم نسوا الله غاية النسيان، بحيث لا يذكرونه إذا ذكروا. يعني: بالله تعالى لا يتذكرون.
١٤ - ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً﴾ أي: معجزة تدل على صدق القائل بالبعث. والسين، والتاء في قوله: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ للمبالغة والتأكيد؛ أي: يبالغون في السخرية والاستهزاء. أو للطلب على أصله؛ أي: يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها.
١٥ - ﴿وَقالُوا إِنْ هذا﴾؛ أي: ما هذا الخارق الذي تأتينا به ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: إلا سحر واضح، ظاهر سحريته. وفيه إشارة إلى أن أهل الإنكار إذا رأوا رجلًا يكون آية من آيات الله سبحانه يسخرون منه، ويعرضون عن الإيمان به، ويقولون لما يأتي به: إن هذا إلا سحر مبين، لانسداد بصائرهم عن رؤية حقيقة الحال، بغطاء الإنكار ونسبة أهل الهدى إلى الضلال.
стр. 10900
وحاصل معنى الآيات (١): ﴿وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾؛ أي: وهم لقسوة قلوبهم إذا وعظوا لا تنفعهم العظة؛ لأنه قد ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، فماذا تفيد العبر أو تجدي الذكرى مع قوم هذه حالهم. ثم بالغ في ذمهم وشديد غفلتهم عن النظر في دلائل الحق فقال: ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾؛ أي: وإذا أقيمت لهم الأدلة والمعجزات التي ترشد إلى صدق من يعظهم، ويذكرهم بأيام الله، نادى بعضهم بعضًا، متضاحكين مستهزئين: هلموا وانظروا إلى ما يفعله هذا الساحر، الذي يخلب ألبابنا، ويسلب عقولنا، ويريد أن يصدنا عما كان يعبد آباؤنا. وهذا ما أشار إليه حاكيا قولهم: ﴿وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾؛ أي: وقالوا: ما هذا الذي يأتينا به الفينة بعد الفينة، مما يدعي أنه أدلة ظاهرة على صدق ما يدعيه، إلا ألاعيب ساحر، وخدعة أريب ماهر يريد أن يلفتنا عما كان يعبد آباؤنا، وما هي من دلائل الحق في شيء، فإياكم أن تخدعوا بها، وترجعوا عن الدين الحق، الذي عليه آباؤكم، وقد مرت عليه القرون ونحن له متبعون.
١٦ - ثم خصصوا بعض ما ينكرون مما يدعيه من الحشر والبعث، فقالوا: ﴿أَإِذا﴾؛ أي: أنبعث إذا ﴿مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا﴾؛ أي: وكان بعض أجزائنا ترابًا وبعضها عظامًا. وتقديم (٢) التراب لأنه منقلب عن الأجزاء البالية، فالعامل في إِذا هو ما دل عليه قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو أنبعث لا نفس مبعوثون لتوسط ما يمنع من عمله فيه؛ أي: لا نبعث، فإن الهمزة فيه للإنكار الذي يراد به: النفي. وتقديم الظرف لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إلى حالة منافية له غاية المنافاة. وهذا (٣) الإنكار منهم للبعث هو السبب الذي لأجله كذبوا الرسل وما نزل عليهم، واستهزؤوا بما جاؤوا به من المعجزات.
١٧ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري أيضًا، والواو للعطف، و ﴿آباؤُنَا﴾ مبتدأ، خبره محذوف عند سيبويه؛ أي: و ﴿آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾؛ أي: الأقدمون أيضًا مبعوثون؛ أي:
стр. 10901
لا يبعثون. ومرادهم زيادة الاستبعاد، بناء على أنهم أقدم، فبعثهم أبعد على زعمهم.
وقرأ الجمهور: ﴿أَوَآباؤُنَا﴾ بفتح الواو على أن الواو حرف عطف، دخلت عليه همزة الاستفهام. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وابن عامر، ونافع في رواية قالون بسكون الواو على أن ﴿أو﴾ هي العاطفة. وفي «فتح الرحمن»: ختم الآية هنا بقوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، وختم التي بعدها بقوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾؛ أي: لمجزيون ومحاسبون، لأن الأولى في حق المنكرين للبعث، والثانية في حق المنكرين للجزاء، وإن كان كل منهما مستلزمًا للآخر، انتهى.
ومعنى الآية: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ...﴾ إلخ؛ أي (١): إنا لو تقبلنا منه بعض ما يقول، وإن كان فيه ما يدهش العقول، لا نتقبل منه تلك المقالة. وهي إحياء العظام النخرة، والأجسام التي صارت ترابا إن هذا إلا إحدى الكبر، فلا ينبغي أن نوجه النظر إلى مثل هذه الآراء التي لا يقبلها العقل، ولا يصل إلى مثلها الفكر. ثم زادوا في استبعادهم وتعظيم تعجبهم، فقالوا: ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾؛ أي: أيبعث آباؤنا الأولون أيضًا. وهذا أغرب؛ لأن أباءهم أقدم منهم، فبعثهم أشد غرابة وأكثر استبعادًا.
١٨ - وبعد أن حكى عنهم هذه الشبهة .. أجاب عنها بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول تبكيتًا لهم ﴿نَعَمْ﴾ تبعثون يوم القيامة، بعدما تصيرون ترابًا وعظامًا ﴿وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أي: والحال أنكم صاغرون أذلاء أمام القدرة البالغة. ونحو الآية قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾. و ﴿نَعَمْ﴾ (٢) بفتحتين، يقع في جواب الاستخبار، المجرد من النفي، ورد الكلام الذي بعد حرف الاستفهام. والخطاب لهم ولآبائهم على التغليب. والدخور: أشد الصغار، والذلة. والجملة حال من فاعل ما دل عليه نعم؛ أي: كلكم مبعوثون، والحال أنكم صاغرون، ذليلون على زعم منكم.
стр. 10902
١٩ - ثم ذكر سبحانه، أن بعثهم يقع بزجرة واحدة، فقال: ﴿فَإِنَّما هِيَ﴾ الضمير للقصة، أو البعثة المفهومة مما قبلها؛ أي: إنما قصة البعث أو البعثة ﴿زَجْرَةٌ﴾؛ أي: صيحة ﴿واحِدَةٌ﴾ من إسرافيل بنفخه في الصور عند البعث، لا تحتاج إلى الأخرى. و ﴿هِيَ﴾ إما ضمير مبهم، يفسره خبره، أو ضمير البعثة المذكورة في ضمن ﴿نَعَمْ﴾؛ لأن المعنى: نعم مبعوثون. والجملة جواب شرط مضمر، أو تعليل لنهي مقدر؛ أي: إذا أمر الله بالبعث، فإنما هي إلخ، أو لا تستصعبوه فإنما هي إلخ. والزجرة: الصيحة، كما سيأتي. وهي النفخة الثانية. ﴿فَإِذا هُمْ﴾ إذا للمفاجأة، والضمير للمشركين. وفي بعض التفاسير للخلائق كلهم؛ أي: فإذا هم قائمون من مراقدهم أحياء ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حيارى إلى ما كانوا يوعدون به من قيام الساعة، أو يبصرون كما كانوا، أو ينتظرون ما يفعل بهم من الحساب والجزاء.
٢٠ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال أولئك المبعوثون، لما عاينوا البعث الذي كانوا يكذبون به في الدنيا: ﴿يا وَيْلَنا﴾؛ أي: يا هلاكنا احضر إلينا لنتعجب منك، فهذا أوان حضورك. وصيغة الماضي في ﴿قالُوا﴾ للدلالة على التحقق والتقرر. وقوله: ﴿هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تعليل لدعائهم بالويل على أنفسهم، بطريق الاستئناف؛ أي: هذا اليوم، هو اليوم الذي نجازى فيه بأعمالنا، من الكفر والتكذيب للرسل. وإنما علموا ذلك، لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا أنهم يبعثون ويحاسبون ويجازون بأعمالهم، فلما شاهدوا البعث، أيقنوا بما بعده أيضًا.
٢١ - فتقول الملائكة لهم بطريق التوبيخ والتقريع: ﴿هذا﴾ اليوم الحاضر هو ﴿يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ والقضاء بين الخلائق، أو يوم الفرق بين فريقي الهدي والضلال. ﴿الَّذِي كُنْتُمْ﴾ على الاستمرار ﴿بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾؛ أي: تكذبون به، وتقولون: إنه كذب ليس له أصل أبدًا. وتقديم الجار لرعاية الفاصلة.
والمعنى (١): أي وقال المنكرون للبعث في الدنيا، حين رأوا العذاب لنا: الويل والهلاك، فقد حل ميعاد الجزاء، وسنجازى بما قدمنا من عمل، كما وعدنا
стр. 10903
بذلك على ألسنة الرسل، فكذبناهم، وسخرنا منهم، وأنكرنا صدق ما قالوا. ثم أقبل بعضهم على بعض يتناجون، ويقولون: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ ...﴾ إلخ؛ أي: هذا اليوم، هو اليوم الذي يمتاز فيه المحسن، بما قدم من عمل، عن المسيء الذي دسّى نفسه، بما ران على قلبه من الفسوق والعصيان، ومخالفة أوامر الملك الديّان، وينال كل منهما جزاء ما عمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فيدخل الأول جنات النعيم على فرش بطائنها من استبرق، ويدخل الثاني في سقر ﴿وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨)﴾.
٢٢ - فيقول الله تعالى للملائكة: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك، واجمعوهم. والمراد بالظالمين: المشركين من بني آدم. ﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾؛ أي: أشباههم من أهل الشرك، والكفر، والنفاق، والعصيان عابد الصنم مع عبدته، وعابد الكواكب مع عبدتها، واليهود مع اليهود، والنصارى مع النصارى، والمجوس مع المجوس، وغيرهم من أهل الملل المختلفة. ويجوز أن يكون المراد بالأزواج: نساءهم اللاتي على دينهم، أو قرناءهم من الشياطين، كل كافر مع شيطانه في سلسلة. ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ
٢٣ - مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، من الأصنام والشياطين ونحوها، زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم.
وهذا (١) العموم المستفاد من ﴿مَا﴾ الموصولة، فإنها عبارة عن المعبودين لا عن العابدين، كما قيل مخصوص لأن من طوائف الكفار من عبد المسيح، ومنهم من عبد الملائكة، فيخرجون بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾. ووجه حشر الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل، هو زيادة التبكيت لعابديها، وتخجيلهم، وإظهار أنها لا تنفع ولا تضر. ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾؛ أي: فاهدوا أيها الملائكة الظالمين وأزواجهم ومعبوديهم، وسوقوهم إِلى ﴿صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ ودلوهم عليها؛ أي: عرّفوهم طريق جهنم، ووجهوهم إليها. وفي هذا تهكم بهم. ويقال: الظالم في الآية عام على من ظلم نفسه وغيره، فيحشر كل
стр. 10904
ظالم، مع من كان معينًا له، أهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل الزنا مع أهل الزنا، وأهل الربا مع أهل الربا، وغيرهم كل مع مصاحبه.
ومعنى الآية (١): أي ويقال للملائكة: احشروا الظالمين من كل مكان إلى موقف الحساب، مع أشباههم وأمثالهم، فاجعلوا ذوي المعاصي المتشابهة بعضهم مع بعض، فاجعلوا الزناة معًا، والآكلين لحوم الناس والناهشين لأعراضهم كذلك، واجعلوا عابدي الأصنام ومعبوديهم من الأوثان والأصنام معًا، ليكون في ذلك زيادة لهم في الحسرة، وعظيم التخجيل على ما أتوه من عظيم الشرك، وكبير المعصية. ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم ودلوهم عليها. وفي هذا زيادة في النكاية بهم. والازدراء بشأنهم. إذ كانوا في الدنيا يزدرون المؤمنين ويتقحمونهم.
٢٤ - ﴿وَقِفُوهُمْ﴾؛ أي: قفوا أيها الملائكة المشركين، واحبسوهم للحساب، ثم سوقوهم إلى النار بعد ذلك. وجملة قوله: ﴿إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ عن أعمالهم، وأقوالهم، وأفعالهم تعليل للجملة الأولى. وقال الضحاك: عن خطاياهم. وقيل: عن لا إله إلا الله. وقيل: عن ظلم العباد. وقرأ الجمهور: بكسر همزة ﴿إن﴾. وقرأ عيسى بن عمر بفتحها. قال الكسائي: أي: لأنهم أو بأنهم؛ أي: واحبسوهم أيها الملائكة في الموقف، حتى يسألوا عما كسبت أيديهم، واجترحوا من المعاصي والآثام، وعن تلك العقائد الزائغة التي زينها لهم الشيطان، فأضلهم عن سواء السبيل.
٢٥ - وقولوا أيها الملائكة للمشركين عند ذلك: ﴿مَا لَكُمْ﴾؛ أي: أي شيء ثبت لكم أيها المشركون حالة كونكم ﴿لا تَناصَرُونَ﴾؛ أي: لا ينصر بعضكم بعضا بالتخليص من العذاب، كما كنتم تزعمون في الدنيا، كما قال أبو جهل يوم بدر: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾. وجملة ﴿لا تَناصَرُونَ﴾ حال من معنى الفعل في ﴿ما لَكُمْ﴾؛ أي: ما تصنعون حال كونكم غير متناصرين، ومعناه: ما سبب عدم تناصركم، ولأي شيء لا ينصر بعضكم بعضًا، وقد كنتم في الدنيا تزعمون أنكم تتناصرون.
стр. 10905
وقرىء ﴿لا تَناصَرُونَ﴾ بتاء واحدة، وبتاءين، وبإدغام إحداهما في الأخرى. وتأخير هذا السؤال إلى ذلك الوقت، لأنه وقت تنجّز العذاب وشدة الحاجة إلى النصرة، وحالة انقطاع الرجاء منها بالكلية. فالتوبيخ والتقريع حينئذ أشد وقعا وتأثيرا وفي الأثر: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن خمس: عن شبابه فيم أبلاه، وعن عمره فيم أفناه، وعن ماله مم كسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به». وقد جاء في الآثار: «إن مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء الليلة». خصوصا إذا كان مما يتعلق بالله ويقل أهله في هذا الزمان، وانقطعت مذاكرته عن اللسان، لانقطاع ذوق الجنان وانسداد البصيرة. والعياذ بالله من الخذلان والحرمان.
والخلاصة: إن الأمر بهدايتهم إلى الجحيم، إنما يكون بعد إقامة الحجج عليهم، وقطع أعذارهم بعد حسابهم.
٢٦ - ثم أضرب سبحانه، عما تقدم إلى بيان الحالة التي هم عليها هنا لك، فقال: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ﴾؛ أي: فيقول الله سبحانه: بل هم في هذا اليوم الرهيب ﴿مُسْتَسْلِمُونَ﴾؛ أي: منقادون لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه، ذليلون خاضعون بالاضطرار لظهور عجزهم. إذ قد سدت أمامهم وجوه الحيل، وعجزوا عن الوصول إلى السلام من أي طريق يلتمسونها، فلا فائدة في المنازعة، ولا سبيل إلى الجدل والمخاصمة. فأسلم بعضهم بعضًا إلى الهلكة وخذله عن عجز، فكل مستسلم صاحبه غير منتصر له، كقوم متحابين انكسرت سفينتهم، فوقعوا في البحر، فأسلم كل واحد منهم صاحبه إلى الهلكة لعجزه عن تنجية نفسه فضلًا عن غيره، بخلاف حال المتحابين في الله سبحانه.
٢٧ - ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾؛ أي: بعض الكفار بوجهه. وهم الأتباع أو الكفرة. والإقبال ضد الإدبار عَلى بَعْضٍ هم الرؤساء أو القرناء حال كونهم ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ويتخاصمون؛ أي: يسأل بعضهم بعضًا سؤال توبيخ، بطريق الخصومة والجدال، كأنه قيل: كيف يتساءلون؟
٢٨ - فقيل: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الأتباع للرؤساء أو الكفرة للقرناء ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها الرؤساء أو القرناء ﴿كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾؛ أي: بالقوة والإجبار. فـ ﴿عَنِ﴾ بمعنى الباء، واليمين بمعنى القوة كقوله تعالى: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾؛ أي: بالقوة،
стр. 10906
فتجبروننا على الغي والضلال فاتبعناكم خوفًا منكم بسبب القهر والقوة. وعبر (١) عن القوة باليمين بمعنى الجارحة؛ لأن أكثر الأعمال تزاول بها، أو كنتم تأتوننا عن اليمين؛ أي: عن الناحية التي كان منها الحق، فتصرفوننا عنها، كما في «المفردات». أو تأتوننا عن الجهة التي كنا نأمنكم منها، لحلفكم أنكم على الحق، فصدقناكم فأنتم أضللتمونا، كما في «فتح الرحمن» فاليمين إذا بمعنى الحلف؛ أي: تأتوننا بالأيمان التي كنتم تحلفونها فوثقنا بها. والأول أوفق للجواب الآتي، كما في «الإرشاد». أو كنتم تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك عن جهة النصح، والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين، وتسميه السانح.
والمعنى (٢): أي وأقبل التابعون من الكفار على رؤسائهم المضلين لهم، يسأل بعضهم بعضا سؤال تقريع وتعنيف، على طريق الجدل والخصومة، إذ أيقنوا أنهم هالكون لا محالة، وأنهم صائرون إلى عذاب دائم في النار. فألقى الأتباع مسؤولية ما هم فيه على رؤسائهم في الكفر والضلال، ورد الرؤساء عليهم حجتهم بما جاء في الآية بعد.
ثم فصل طريق التساؤل، وكيف يحدث. فقال: ﴿قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا﴾؛ أي: قال الأتباع لرؤساء الضلال والكفر: إنكم كنتم تمنعوننا عن فعل الخير، وتصدوننا عن سلوك طريقه، وترغّبوننا فيما تديّنون به وتعتقدونه. ومن ثم أضللتمونا، وأوقعتمونا في الهلاك الذي نحن صائرون إليه لا محالة.
٢٩ - فرد الرؤساء عليهم، وأجابوهم بجوابين:
﴿قالُوا﴾ استئناف بياني، كأنه قيل: فماذا قال الرؤساء أو القرناء؟ فقيل: قالوا: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: لم نمنعكم نحن من الإيمان بالقوة والقهر أو بغير ذلك، بل لم تؤمنوا باختياركم، وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه، وآثرتم الكفر عليه؛ أي: فردوا عليهم منكرين إضلالهم إياهم، قالوا: إننا ما أضللناكم بل أنتم
стр. 10907
كنتم بطبيعة أنفسكم مستعدين للكفر، بما دسيتم به أنفسكم، من أفعال الشرك والمعاصي. إذ كنتم تشركون بالله سواه من الأوثان والأصنام، وترتكبون من أنواع الفجور وما كان سببا في الطبع على القلوب والأفئدة حتى لم تعرفوا للحق سبيلا ولا للخير طريقًا.
٣٠ - ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾؛ أي: من قهر وتسلط نسلب به اختياركم. والسلاطة: التمكن من القهر، ومنه: السلطان: بمعنى الغالب والقاهر. والسلطان يطلق على السلاطة أيضًا، ومنه: ما في هذه الآية ونظائرها ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾؛ أي: مختارين للطغيان مصرين عليه. والطغيان: مجاوزة الحد في العصيان.
والمعنى (١): أي إننا على فرض إضلالكم وتزيين الكفر لكم، لم نجبركم عليه، ولم نسلبكم اختياركم. فقلوبكم كانت محبة لما تفعلون، مسرورة مما تأتون وما تذرون، مائلة إلى الكفر والعصيان، تواقة للسير على سننه واتباع طريقته. فما كان منا إلا أن دعوناكم لتؤمنوا بما اخترناه لأنفسنا، وزيّنه الشيطان لنا، ووسوس به إلينا، فلبيتم دعوتنا سراعا، وسرتم فيما نحن فيه سائرون، إذ كنتم لذلك مستعدين ولمثله محبين، فما كان منا إلا الدعوة، وكانت منكم الإجابة باختياركم لا جبرًا لكم.
٣١ - ثم ذكروا نتيجة لما تقدم، فقالوا: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا﴾؛ أي: لزم وثبت علينا ﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾ وقضاؤه بتعذيبنا، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾. ﴿إِنَّا لَذائِقُونَ﴾؛ أي: العذاب الذي ورد به الوعيد.
والمعنى: أي ولأجل أنا بطبعنا، كنا قومًا طاغين، وللكفر وتدسية أنفسنا مستعدين، وعن الإيمان بربنا معرضين، ثبت علينا وعيده، بأنا ذائقوا العذاب لا محالة، إذ كان من عدله أن يجازي كل نفس بما كسبت، ويثيبها بما عملت. وهو الخبير بها، وبما اجترحت. وهذا جزاء لا محيص عنه، وهو نتيجة حتمية لما
стр. 10908
فعلنا باختيارنا، واقتضاه استعدادنا، فلا يلومنَّ كل منا إلا نفسه، ولا يلم بعضنا بعضا، ولا داعي إلى الجدل والخصام وشد النكير، فلا يجنى من الشوك العنب، ولا يعقب الضلال إلا النار عدلًا من ربنا، كما وعد بذلك على ألسنة رسله، وكنا بذلك عالمين، ولكنا كنا عن الخير معرضين، وعن اتباعه مستكبرين
٣٢ - ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ﴾؛ أي: فدعوناكم إلى الغي والضلال، دعوة غير ملجئة، فاستجبتم لنا باختياركم الغي على الرشد ﴿إِنَّا كُنَّا غاوِينَ﴾؛ أي: ثابتين على الغواية، فلا عتب علينا في تعرضنا لإغوائكم بتلك المرتبة من الدعوة، لتكونوا أمثالنا في الغواية؛ أي: إنه لم يكن منا في شأنكم إلا حبنا أن تكونوا مثلنا. وهو غير ملزم لكم، وإنما أضركم سوء اختياركم، وقبح استعدادكم. وهو الذي جعل مصيركم ما تشاهدون من العذاب، الذي وعدتم به على ألسنة الرسل.
٣٣ - وبعد أن ذكر حالهم .. أعقبه بذكر العذاب الذي سيحل بهم جميعًا، رؤساء ومرؤوسين. فقال: ﴿فَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: فإن الأتباع والمتبوعين ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يتساءلون، وهو يوم القيامة ﴿فِي الْعَذابِ﴾ متعلق بقوله: ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ حسبما كانوا مشتركين في الغواية؛ أي: فإن الفريقين المتسائلين حينئذ مشتركون في العذاب لا محالة، كما اشتركوا في الضلال والغواية وإن كان المغوون أشد عذابًا، لأنهم تحملوا أوزارهم وأوزارًا مثل أوزار من أضلوهم، كما ثبت في الحديث. وقد تقدم ذكره مرارًا.
٣٤ - ثم ذكر سبحانه، أن هذا عدل منه على مقتضى سننه، فقال: ﴿إِنَّا كَذلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الفعل البديع الذي تقتضيه الحكمة التشريعية. وهو الجمع بين الضالين والمضلين في العذاب. ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ المتناهين في الإجرام. وهم المشركون،
٣٥ - كما يعرب عنه التعليل بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ بطريق الدعوة والتلقين بأن يقال لهم: قولوا: ﴿لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: يتكبرون، ويتعظمون عن القول بهذه الكلمة المشرّفة. ومحل ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ النصب على أنه خبر كان، أو الرفع على أنه خبر إن، وكان ملغاة.
والمعنى: أي إن مثل ذلك الجزاء العظيم نفعل بالمشركين، وفاقًا لما
стр. 10909
تقتضيه الحكمة، ويوجبه العدل بين العباد. فيعطي كل عامل جزاء ما قدمت يداه إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ثم فصل بعض ما استحقوا لأجله العذاب، فقال: إنهم كانوا إذا لقنوا كلمة التوحيد نفروا منها، وأعرضوا عن قبولها، وصعروا خدودهم أنفة وكبرا أن يسمعوا مثلها.
واعلم: أنه وقع ذكر ﴿لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ في القرآن في موضعين:
أحدهما: في هذه السورة.
والثاني: في سورة القتال في قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وليس في القرآن لهما ثالث.
٣٦ - ثم ذكروا السبب الذي لأجله امتنعوا من استجابة دعوته، فيما حكاه عنهم بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: المشركون بعضهم لبعض. والهمزة في قوله: ﴿أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا﴾ للاستفهام الإنكاري؛ أي: ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا وهي الأصنام. ﴿لِشاعِرٍ﴾؛ أي: لأجل قول شاعر ﴿مَجْنُونٍ﴾؛ أي: مغلوب على عقله، يعنون محمدًا ﷺ ؛ أي: أنترك عبادة الآلهة التي ورثناها عن آبائنا كابرا عن كابر، ونستمع لقول شاعر يخلط ويهذي. فمثله لا يستمع لكلامه، ولا يصغي إلى قوله.
ولقد كذبوا في ذلك حيث جنّنوه وشعّروه، وقد علموا أنه أرجح الناس عقلًا، وأحسنهم رأيًا، وأشدهم قولًا، وأعلاهم كعبًا في المآثر والفضائل كلها، وأطولهم باعا في العلوم والمعارف بأسرها. ويشهد بذلك خطبة أبي طالب في تزويج خديجة الكبرى في محضر بني هاشم، ورؤساء مضر على ما سبق في سورة آل عمران عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ...﴾ الآية.
وقد جمعوا في كلامهم هنا بين إنكار الوحدانية وإنكار الرسالة. فإنكار الأولى في استكبارهم حين سماع كلمة التوحيد، وإنكار الثانية في قولهم: ﴿أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾.
٣٧ - ثم كذبهم سبحانه، فيما قالوا، فقال: ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ليس الأمر على ما قالوه من الشعر والجنون، بل جاء محمد ﷺ بالحق. وهو التوحيد.
стр. 10910
﴿وَصَدَّقَ﴾؛ أي: محمد ﷺ ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ قبله جميعًا في مجيئهم بذلك. فما جاء به هو الذي أجمع عليه كافة الرسل، فأين الشعر والجنون من ساحته الرفيعة؟.
والمعنى: أي أنه ﷺ جاء بالحق الذي لا شك فيه، وهو التوحيد الذي يثبته العقل، ويؤيده البرهان، وبمثله جاء الأنبياء السابقون. فهو لم يكن بدعًا من بين الرسل، بل سار على شاكلتهم، واتبع نهجهم. فكيف يكون من هذه حاله شاعرًا أو مجنونًا؟!.
وقرأ عبد الله (١): ﴿وصدق﴾ بالتخفيف، ﴿المرسلون﴾ بالواو رفعا؛ أي: وصدق المرسلون في التبشير به، وفي أنه يأتي آخرهم.
٣٨ - ﴿إِنَّكُمْ﴾ بما فعلتم من الإشراك وتكذيب الرسول والاستكبار ﴿لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ والالتفات إلى الخطاب لإظهار كمال الغضب عليهم.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لذائقو العذاب﴾ بحذف النون للإضافة، وأبو السمال وأبان عن ثعلبة عن عاصم بحذفها لالتقاء لام التعريف ونصب العذاب، كما حذف بعضهم التنوين لذلك في قراءة من قرأ ﴿أَحَدٌ اللَّهُ﴾. ونقل ابن عطية عن أبي السمال: أنه قرأ ﴿لذائق﴾ منوّنًا، ﴿العذاب﴾ بالنصب. ويخرّج على أن التقدير: جمع، وإلا لم يتطابق المفرد وضمير الجمع في ﴿إِنَّكُمْ﴾. وأنشد سيبويه في مثل هذه القراءة بالحذف للنون، والنصب للعذاب قول الشاعر:
فَأَلْفيْتُه غَيْرَ مُسْتَعتبٍ ... وَلا ذَاكِر اللهَ إِلّا قَلِيْلا
وقرىء ﴿لذائقون﴾ بالنون ﴿العذاب﴾ بالنصب. والمعنى؛ أي: إنكم أيها الكفار المجرمون لتذوقون العذاب الأليم، الذي لا تنفك أو جاعه عنكم، وما هو أبدًا بمزايلكم.
٣٩ - ثم بيّن العلة في لحوقه بهم، فقال: ﴿وَما تُجْزَوْنَ﴾ أيها الكفرة ﴿إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: إلا جزاء ما كنتم تعملونه من السيئات، أو إلا بما كنتم تعملونه
стр. 10911
منها؛ أي: وما ينالكم من العذاب إنما هو نتيجة ما قدمتم من عمل وأسلفتم من معصية ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
قال ابن الشيخ (١): ولما كان المقام مظنة أن يقال: كيف يليق بالكريم الرحيم المتعالي، عن النفع والضر أن يعذب عباده؟ أجاب عنه بقوله: ﴿وَما تُجْزَوْنَ ...﴾ إلخ. وتقريره: أن الحكمة تقتضي الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، ولا يكمل المقصود من الأمر والنهي إلا بالترغيب في الثواب والترهيب بالعقاب. ولما وقع الإخبار بذلك، وجب تحقيقه صونا للكلام عن الكذب. فلهذا السبب وقعوا في العذاب، انتهى. فعلى العاقل: أن يحذر من يوم القيامة وجزائه، فينتقل من الإنكار إلى الإقرار، ومن الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن الباطل إلى الحق، ومن الفاني إلى الباقي، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الرياء إلى الإخلاص.
وسئل علي بن أبي طالب ﵁ ما علامة المؤمن؟ قال: أربع: أن يطهر قلبه من الكبر والعداوة، وأن يطهر لسانه من الكذب والغيبة، وأن يطهر قلبه من الرياء والسمعة، وأن يطهر جوفه من الحرام والشبهة. وأعظم الكبر أن يتكبر عن قول: لا إله إلا الله الذي هو أساس الإيمان، وخير الأذكار.
٤٠ - وبعد أن أبان حال المجرمين، ذكر حال عباد الله المؤمنين العاملين، وما يلاقونه من الجزاء والنعيم. فقال: ﴿إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ استثناء منقطع من ضمير ﴿ذائقون﴾، وما بينهما اعتراض، جيء به مسارعة إلى تحقيق الحق، ببيان أن ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم، لا من جهة غيرهم أصلًا، ولكون الاستثناء منقطعا و «إلا» بمعنى لكن.
قال في «كشف الأسرار»: تم الكلام هاهنا؛ أي: عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. والمعنى: إنكم لذائقوا العذاب الأليم، لكن عباد الله المخلصين لا يذوقونه.
стр. 10912
قرأ أهل المدينة والكوفة (١): ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح اللام، جمع مخلص بصيغة اسم المفعول، وهو من أخلصه الله واصطفاه لدينه وعبادته، واختاره لجناب حضرته كقوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾؛ أي: اصطفاهم الله تعالى، فلهم سلامة من الأزل إلى الأبد. وقرأ الباقون: بكسر اللام جمع مخلص على صيغة اسم الفاعل، وهو من أخلص عبادته لله تعالى، ولم يشرك بعبادته أحدًا كقوله تعالى: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾. وحقيقة (٢) الفرق بينهما على ما قال بعضهم: إن الصادق والمخلص بالكسر من باب واحد، وهو من تخلص من شوائب الصفات النفسانية مطلقًا. والصديق والمخلص بالفتح من باب واحد، وهو من تخلص من شوائب الغيرية أيضًا. والثاني أوسع فلكًا، وأكثر إحاطة. فكل صديق ومخلص بالفتح صادق ومخلص بالكسر من غير عكس. فرحم الله حفصا حيث قرأ بالفتح حيثما وقع في القرآن.
٤١ - وقوله: ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى المخلصين، وهو كلام مستأنف. فكأن (٣) سائلًا سأل ما لهؤلاء المخلصين من الأجر والثواب؟ فقيل: أولئك الممتازون عمن عداهم بالإضافة والإخلاص ﴿لَهُمْ﴾ بمقابلة إخلاصهم في العبودية ﴿رِزْقٌ﴾ لا يدانيه رزق، ولا يحيط به وصف على ما يفيده التنكير. والرزق اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فيأكله، كما سيأتي. ﴿مَعْلُومٌ﴾ الخصائص من حسن المنظر، ولذة الطعم، وطيب الرائحة، ونحوها من نعوت الكمال.
والظاهر: أن معناه: معلوم وجودًا وقدرًا وحسنًا ولذة وطيبًا ووقتًا بكرة وعشيًا، أو دوامًا كل وقت اشتهوه. فإن فيه فراغ الخاطر. وإنما يضطرب أهل الدنيا في حق الرزق، لكون أرزاقهم غير معلومة لهم كما في الجنة.
٤٢ - ﴿فَواكِهُ﴾ بدل من ﴿رِزْقٌ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو فواكه، وهو الظاهر، جمع فاكهة. وهي الثمار كلها رطبها ويابسها. وتخصيصها بالذكر لأن أرزاق أهل الجنة كلها فواكه؛ أي: ما يؤكل بمجرد التلذذ دون الاقتيات؛ لأنهم مستغنون عن القوت
стр. 10913
لكون خلقتهم على حالة تقتضي البقاء، فهي محكمة محفوظة من التحلل المحوج إلى البدل، بخلاف خلقة أهل الدنيا فإنها على حالة تقتضي الفناء، فهي ضعيفة محتاجة إلى ما يحصل به القوام. وقال بعضهم: خصها بالذكر؛ لأن الفواكه من أتباع سائر الأطعمة، فذكرها مغن عن ذكر غيرها.
يقول الفقير (١): والظاهر أن الاقتصار على الفواكه للترغيب والتشويق من حيث إنه لا يوجد في أغلب ديار العرب خصوصا في الحجاز أنواع الفواكه. وجملة قوله: ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ في محل نصب على الحال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: معظمون عنده تعالى، برفع درجاتهم عنده، وسماع كلامه ولقائه في الجنة، لا يلحقهم هوان. وذلك أعظم المثوبات وأليقها بأولي الهمم. وقال بعضهم: لما فصل خصائص رزقهم بيّن أن ذلك الرزق، يصل إليهم بالتعظيم والإكرام. لأن مجرد المطعوم من غير إعزاز وإكرام يليق بالبهائم. وقرأ الجمهور (٢) ﴿مُكْرَمُونَ﴾ بتخفيف الراء. وقرأ ابن مقسم ﴿مكرمون﴾ بفتح الراء مشددًا.
ومعنى الآية: أي لكن عباد الله، الذين أخلصوا له العمل، وأنابوا إليه أولئك لهم جنات يتمتعون فيها بكل ما لذ وطاب، فيتمتعون بلذيذ الفواكه ذات الطعم الجميل، والرائحة الشذية، وتأتيهم وهم مكرمون. كما تقدم للملوك المترفين وذوي اليسار في الدنيا. وفي ذلك إيماء إلى أن ما يأكلونه في الجنة، إنما هو للتفكه والتلذذ لا للتقوّت، كما مر، لأنهم في غنى عنه لعدم تحلل شيء من أجسامهم بالحرارة الغريزية، حتى يحتاجوا إلى بدل منه. وما جاء في قوله: ﴿وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ فهو بيان لأنواع ما يأكلون.
٤٣ - ثم بيّن المكان الذي يأتيهم فيه الرزق، وذكر حالهم إذ ذاك. فقال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ يجوز أن يتعلق بـ ﴿مُكْرَمُونَ﴾، وأن يكون خبرًا ثانيًا، وأن يكون حالا. والنعيم: النعمة؛ أي: في جنات ليس فيها إلا النعيم. فالإضافة للاختصاص، والظرف يقرر محل الرزق والإكرام.
٤٤ - وقوله: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ يحتمل أن
стр. 10914
يكون حالًا، وأن يكون خبرًا ثالثًا، جمع سرير. وهو الذي يجلس عليه من السرور إذ كان كذلك لأولي النعمة. ويجوز أن يتعلق ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بقوله: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾؛ أي: حال كونهم متقابلين على سرر. وهو حال من الضمير في قوله: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾. والتقابل وهو أن ينظر بعضهم وجه بعض أتم للسرور والأنس. وقيل: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرّة بهم. ثم أن استئناس بعضهم برؤية بعض صفة الأبرار، فإن من صفة الأحرار أن لا يستأنسوا إلا بمولاهم. وقرأ الجمهور ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ بضم الراء. وقرأ أبو السمال بفتحها. وهي لغة بعض تميم وكلب، يفتحون ما كان جمعًا على فعل من المضعف إذا كان اسمًا.
والمعنى: أي إنهم يأتيهم ذلك الرزق وهم في جنات النعيم جالسين على سرر متقابلين ليأنس بعضهم ببعض، ويتمتعوا بطيب الحديث. وفي ذلك لذة روحية لا يدركها إلا ذوو النهى وأرباب الحجا.
٤٥ - وبعد أن ذكر صفة مأكل المخلصين ومسكنهم ذكر صفة شربهم، فقال: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ استئناف مبني على ما نشأ عن حكاية تكامل مجالس أنسهم؛ أي: يدار عليهم وهم على سرر ﴿بِكَأْسٍ﴾؛ أي: بإناء فيه خمر (١). فإن الكأس يطلق على الزجاجة ما دام فيها خمر، وإلا فهو قدح وإناء. ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ صفة كأس؛ أي: كائنة من شراب معين؛ أي: ظاهر للعين أو من نهر معين؛ أي: جار على وجه أرض الجنة. فإن في الجنة أنهارا جارية من خمر، كأنها جارية من ماء.
وفي الآية إشارة إلى أن قومًا شربوا، ومشربهم الشراب بالكأس، والشراب معين محسوس، وقومًا شربوا، ومشربهم الحب، والحب مغيب مستور، وقومًا شربوا، ومشربهم المحبوب هو سر مكنون.
نَسِيْم الحُبِّ يُحْييْكُمْ ... رَحِيقُ الْحُبِّ يُلْهِيْكُمْ
مِنَ الْمَحْبُوبِ يَأْتِيْكُم ... إِلَى الْمَحْبُوْب يُنْهِيْكُمْ
والمعنى (٢): أي وكما يتمتعون بطيب المأكل، يتمتعون بجيد الشراب،
стр. 10915
تتميمًا للنعمة، كما هو حال العظماء في الدنيا، فيؤتى لهم بصنوف الخمور على سبيل السعة والكثرة، كأنها تؤخذ من نهر جار، فلا تقتير ولا بخل، بل كلما طلبوا وجدوا. وفي ذلك إشارة إلى أنها رقيقة لطيفة، وأنها ليست كخمر الدنيا تداس بالأقدام، كما قال شاعرهم:
وَشَمُولَةٍ مِنْ عَهْدِ عَادٍ قَدْ غَدَتْ ... صَرْعَى تُدَاسُ بِأَرجُلِ العُصَّارِ
لانَتْ لَهُم حَتَّى انْتَشَوا فَتمَكَّنَتْ ... مِنْهُمْ فَصَاحَتْ فِيْهِمُ بِالثَّارِ
٤٦ - وقوله: ﴿بَيْضاءَ﴾ ممنوع من الصرف لألف التأنيث؛ أي: يطاف عليهم بكأس بيضاء لونًا أشد من لون اللبن، والخمر البيضاء لم تر في الدنيا، ولن ترى. وهذا من جملة: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وبيضاء تأنيث أبيض، صفة ثانية أيضًا لكأس، وكذا قوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ صفة ثالثة له؛ أي: لذيذة لكل من يشرب منها. ووصفها (١) بلذة - الذي هو مصدر - إما للمبالغة؛ أي: كأس لذيذة عذبة شهية طيبة، صارت في لذتها كأنها نفس اللذة، أو لأنها تأنيث اللذ بمعنى اللذيذ. وصفها باللذة بيانًا لمخالفتها لخمور الدنيا لانقطاع اللذة من خمور الدنيا كلها رأسًا بالكلية.
والمعنى (٢): أي يطاف عليهم بكأس لونها مشرق حسن بهي، لا كخمر الدنيا ذات المنظر البشع واللون الأسود أو الأصفر أو الذي فيه كدورة إلى نحو ذلك مما ينفّر الطبع السليم. وهي لذيذة الطعم كما هي طيبة اللون وطيبة الريح. وقد وصفوا خمر الدنيا بالصفرة، كما قال أبو نواس:
صَفْرَاءُ لا تَنْزلُ الأَحْزَانُ سَاحَتَهَا ... لَوْ مَسَّهَا حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرَّاءُ
وجاء وصفها بالحمرة قبل المزج والصفرة بعده، كما قال الآخر:
وَحَمْراءُ قَبْلَ الْمَزْجِ صَفْرَاءُ بَعْدَهُ ... أَتَتْ فِيْ ثِيَابِيْ نَرْجِسٍ وَشَقَائِقِ
حَكَتْ وَجْنَةً المَحْبُوبِ صِرفًا فَسُلِّطُّوا ... عَليْهَا مَزاجًا فَاكتسبت لَوْن عَاشِق
стр. 10916
٤٧ - ثم زاد في مدحها، وامتيازها عن خمر الدنيا فقال: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾؛ أي: ليس في تلك الكأس غول. قال ابن عباس، وقتادة: هو صداع في الرأس. وقال ابن عباس أيضًا، ومجاهد، وابن زيد: وجع في البطن، انتهى. ولكن لفظ الغول يشمل جميع أنواع المفاسد الناشئة من شرب الخمر، فينتفي جميعها من صداع وسكر ومغص وخمار؛ أي (١): هي لا تؤثر في الأجسام كما تؤثر خمور الدنيا، فلا تصدع الرأس ولا تفسد العقل بالسكر، كما يكون في خمر الدنيا، كما قال:
فَمَا زَالتِ الْكَأسُ تَغتَالُنَا ... وَتَذْهَبُ بالأوَّلِ الأوَّلِ
والخلاصة: أنه ليس فيها شيء من أنواع المفاسد التي تكون حين شرب الخمر في الدنيا. فهي لا تحدث صداعًا، ولا خمارًا، ولا سكرًا، ولا عربدةً، ولا نحو ذلك، مما هو لازم لخمور الدنيا. وجملة ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ من المبتدأ والخبر صفة رابعة لكأس أيضًا، وبطل عمل لا، وتكررت لتقدم خبرها.
﴿وَلا هُمْ﴾؛ أي: المخلصون ﴿عَنْها﴾؛ أي: عن خمر الجنة ﴿يُنْزَفُونَ﴾؛ أي: يسكرون، من نزف الشارب فهو نزيف إذا ذهب عقله من السكر.
قرأ الحرميان (٢): نافع وابن كثير، والعربيان: أبو عمر وابن عامر ﴿ينزفون﴾ بضم الياء وفتح الزاي هنا، وفي الواقعة مبنيًا للمفعول، من نزف الثلاثي، يقال: نزف الشارب فهو نزيف ومنزوف إذا ذهب عقله من السكر. وقرأ حمزة، والكسائي بضم الياء وكسر الزاي فيهما، من أنزف الرباعي، يقال: أنزف الرجل إذا سكر وذهب عقله أو نفد شرابه. وقرأ عاصم: بفتحها هنا، وكسرها في الواقعة. وقرأ ابن أبي إسحاق بفتح الياء وكسر الزاي. وقرأ طلحة بفتح الياء وضم الزاي.
ثم إنه (٣) أفرد هذا بالنفي مع اندراجه فيما قبله من نفي الغول عنها لما أنه من معظم مفاسد الخمر، كأنه جنس برأسه.
стр. 10917
والمعنى: لا فيها نوع من أنواع الفساد من مغص؛ أي: وجع في البطن أو صداع أو حمى أو عربدة؛ أي: سوء خلق. والمعربد مؤذ نديمه في سكره، اه «قاموس»، أي: لا لغو فيها ولا تأثيم ولا هم يسكرون. وفي «بحر العلوم»: وبالجملة ففي خمر الدنيا أنواع من الفساد من السكر، وذهاب العقل، ووقوع العداوة والبغضاء والصداع والخسارة في الدين والدنيا، حتى جُعل شاربها كعابد الوثن ومن القيء والبول، وكثيرًا ما تكون سببًا للقتال والضراب والزنى، وقتل النفس، بغير حق، كما شُوهد من أهلها، ولا شيء من ذلك كله في خمر الجنة. قال بعضهم: جميع البلاء والارتكابات ليس إلا لكثافتنا. فلولا هذه الكثافة، لما عرض لنا الأمراض، والأوجاع، ولم يصدر منا ما يقبح في العقول والأوضاع. ألا ترى: أنه لا مرض في عالم الآخرة، ولا شيء مما يتعلق بالكثافة، ولكن معرفة الله تعالى لا تحصل لو لم تكن تلك الكثافة، فهي مدار الترقي والتنزل. ولذلك لا يكون للملائكة ترقّ وتدل، فهم على خلقتهم وجبلتهم الأصلية.
٤٨ - ثم ذكر محاسن زوجاتهم، ليكون في ذلك تتميم لبيان ما آتاهم ربهم من النعم. فقال: ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾؛ أي: عند المخلصين ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾؛ أي: حور قصرن أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن طرفًا إلى غيرهم، ولا يبغين بهم بدلًا لحسنهم عندهنَّ ولعفتهنَّ. ﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء بمعنى واسعة الأعين. وهو صفة بعد صفة لموصول، ترك ذكره للعلم به؛ أي: حور قاصرات الطرف حسان الأعين وعظامها واسعات العيون في جمال.
٤٩ - ثم زاد بيانًا في وصف جمالهن بما شبههن به، فقال: ﴿كَأَنَّهُنَّ﴾؛ أي: تلك القاصرات ﴿بَيْضٌ﴾ بفتح الباء وسكون الياء، جمع بيضة، سمي البيض لبياضه والمراد به هنا: بيض النعام. ﴿مَكْنُونٌ﴾؛ أي: مصون مستور تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فيكون لونها أبيض في صفرة؛ أي: لم تنله الأيدي، فإن ما مسته الأيدي يكون متدنسا ويقال: هذا من أحسن ألوان النساء. وهو أن تكون المرأة بيضاء مشوبة بصفرة، والعرب تشبه المرأة ببيض النعامة، وتسميهن بيضات الخدور. وهذا عند العرب، وإلا فأحسنها عند العجم والروم الأبيض المشرب
стр. 10918
بحمرة، اهـ «قارى». قال المبرد: وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة: كأنه بيض النعام المغطى بالريش. وقيل: ﴿الْمَكْنُونِ﴾ المصون عن الكسر؛ أي: إنهن عذارى. وقيل: المراد بالبيض: اللؤلؤ كما في قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾. والأول أولى. وإنما قال: ﴿مَكْنُونٌ﴾ ولم يقل مكنونات؛ لأنه وصف البيض باعتبار اللفظ. وقال الطبري: أولى الأقاويل: أن يقال: إن البيض هي الجلدة التي في داخل القشرة قبل أن يمسها شيء؛ لأنه مكنون. يعني: هو البيض أول ما ينحى عنه قشره.
والمعنى: أي إنهن في بياض يشوبه قليل من الصفرة كالبيض المستور في الأعشاش الذي لم تمسه الأيدي، ولم يعله الغبار. وهذا اللون مما تهيم به العرب. فقد شبهت النساء ببيضات الخدور، كما قال امرء القيس:
وَبيضَةِ خِدْرٍ لا يُرام خِبَاؤها ... تَمتَّعْتُ مِن لهوٍ بِها غَير مُعجِلِ
يقول الفقير: ذكر الله تعالى في هذه الآيات ما كان لذة الجسم ولذة الروح. أما لذة الجسم التنعم بالفواكه، وأنواع النعم، والخمر التي لم يكن عند العرب أحب منها، والتمتع بالأزواج الحسان. وأما لذة الروح فالسرور الحاصل من الإكرام والأنس الحاصل من صحبة الإخوان، والانبساط الحاصل من النظر إلى وجوه الحسان. وفي الحديث: «ثلاث يجلين البصر: النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن». قال ابن عباس ﵄: والإثمد عند النوم. نسأل الله سبحانه أن يجلي أبصارنا وبصائرنا، ويبارك لنا في أعمارنا، وأن يجعل خير أعمالنا خواتمها، آمين.
الإعراب
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧)﴾.
﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم، ﴿الصَّافَّاتِ﴾ مقسم به، مجرور
стр. 10919
بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: أقسم بالصافات. والجملة المحذوفة مستأنفة و ﴿الصَّافَّاتِ﴾ اسم فاعل يعمل عمل الفعل، وفاعله ضمير مستتر يعود على الملائكة، والمفعول محذوف تقديره: والصافات نفوسهن. ﴿صَفًّا﴾ مفعول مطلق مؤكد لما قبله. ﴿فَالزَّاجِراتِ﴾ الفاء عاطفة، ﴿الزاجرات﴾: معطوف على الصافات، ﴿زَجْرًا﴾: مفعول مطلق مؤكد لما قبله، ﴿فَالتَّالِياتِ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿التاليات﴾: معطوف على الصافات، ﴿ذِكْرًا﴾ مفعول به للتاليات، ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَواحِدٌ﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿واحد﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾: بدل من واحد أو خبر ثان لـ ﴿إن﴾، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على المسوات، ﴿وَما﴾ اسم موصول، معطوف على السموات، ﴿بَيْنَهُما﴾ ظرف مضاف متعلق بمحذوف صلة لما، ﴿وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾: معطوف على رب السموات، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿زَيَّنَّا﴾ فعل، وفاعل، ﴿السَّماءَ﴾ مفعول به، ﴿الدُّنْيا﴾: صفة للسماء، ﴿بِزِينَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿زَيَّنَّا﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿الْكَواكِبِ﴾ بدل من زينة أو عطف بيان له. ﴿وَحِفْظًا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة لفعل محذوف معطوف على ﴿زَيَّنَّا﴾، ﴿حِفْظًا﴾ مفعول مطلق لذلك المحذوف مؤكد له، والتقدير: وحفظناها حفظًا، والفعل المحذوف معطوف على ﴿زَيَّنَّا﴾، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿حفظنا﴾، ﴿مارِدٍ﴾ صفة لـ ﴿شَيْطانٍ﴾.
﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)﴾.
﴿لا﴾ نافية، ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾، ﴿الْأَعْلى﴾: صفة لـ ﴿الْمَلَإِ﴾. والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَيَقْذِفُونَ﴾: فعل، ونائب فاعل، معطوف على ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾، ﴿مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُقْذَفُونَ﴾، ﴿دُحُورًا﴾: مفعول لأجله منصوب بـ ﴿يُقْذَفُونَ﴾؛ أي: يقذفون للدحور والطرد أو على الحال؛ أي: يقذفون مدحورين أو مفعول مطلق
стр. 10920
معنوي. ﴿وَلَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿عَذابٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿واصِبٌ﴾ صفة لـ ﴿عَذابٌ﴾. والجملة معطوفة على جملة ﴿يُقْذَفُونَ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر واستثناء، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع، بدل من واو ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾، أو في محل النصب على الاستثناء، ﴿خَطِفَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، صلة ﴿مَنْ﴾: الموصولة، ﴿الْخَطْفَةَ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿أتبعه﴾: فعل، ومفعول به مقدم، ﴿شِهابٌ﴾ فاعل مؤخر، ﴿ثاقِبٌ﴾ صفة شهاب. والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿خَطِفَ﴾.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم وإنكارهم للمعاد، وأردت أن تبكتهم وترد عليهم في أمر إثبات المعاد فأقول لك: استفتهم. ﴿استفت﴾: فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على محمد، والهاء مفعول به. والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿أَهُمْ﴾: الهمزة حرف استفهام لطلب تعيين أحد الأمرين، و ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿أَشَدُّ﴾ خبر، ﴿خَلْقًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل. والجملة الاسمية جملة إنشائية، مسوقة لبيان الاستفتاء وتفسيره، لا محل لها من الإعراب. ﴿أَمْ﴾ حرف عطف، وهي هنا متصلة لمعادلتها بهمزة الاستفهام، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على هم، ﴿خَلَقْنا﴾ فعل، وفاعل، صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: أم من خلقناهم. وفي قراءة تخفيف ﴿أمن﴾ الهمزة للاستفهام، ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، ﴿خَلَقْنا﴾: صلة من الموصولة، والخبر محذوف، تقديره: أمن خلقناهم أشد. فهما جملتان مستقلتان. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿خَلَقْناهُمْ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿مِنْ طِينٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بخلقناهم، ﴿لازِبٍ﴾:
стр. 10921
صفة ﴿طِينٍ﴾. وناهيك بهذا دليلًا على ضعفهم، وأن من كان شأنه هذا لا ينبغي له أن يتكبر ويتطاول. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب، ﴿عَجِبْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على مقدر دل عليه الاستفهام؛ أي: هم لا يقرون، ولا يثبتون المعاد بل عجبت أنت يا محمد ﷺ من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة، وأثبت المعاد. ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والواو حالية، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: وهم يسخرون. والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿عَجِبْتَ﴾. ﴿وَإِذا ذُكِّرُوا﴾: الواو عاطفة، ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿ذُكِّرُوا﴾ فعل ونائب فاعل والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَذْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل، جواب إذا، لا محل لها من الإعراب. وجملة إذا معطوفة على جملة ﴿يَسْخَرُونَ﴾. ﴿وَإِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿رَأَوْا آيَةً﴾: فعل وفاعل ومفعول به؛ لأن رأى بصرية. والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إِذا﴾، وجملة ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ جوابه، وجملة إذا معطوفة على جملة ﴿إِذا﴾: الأولى. ﴿وَقالُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على يستسخرون، ﴿إِنْ﴾ نافية، ﴿هذا﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿سِحْرٌ﴾: خبر المبتدأ، ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿سِحْرٌ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾.
﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾.
﴿أَإِذا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على مقدر معلوم مما سيأتي تقديره: أنبعث. والجملة المقدرة في محل النصب مقول قالوا. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بالفعل المقدر، ﴿مِتْنا﴾: فعل، وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذا﴾؛ أي: أنبعث وقت موتنا وكوننا ترابًا. ﴿وَكُنَّا تُرابًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، معطوف على متنا، ﴿وَعِظامًا﴾: معطوف على ترابًا، ﴿أَإِنَّا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري مؤكدة للأولى، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿مبعوثون﴾:
стр. 10922
خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول قالوا. ﴿أَوَآباؤُنَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري مؤكدة للأولى، والواو: عاطفة ﴿آباؤُنَا﴾: مبتدأ، ﴿الْأَوَّلُونَ﴾ صفة، وخبر المبتدأ محذوف؛ أي: أو آباؤنا مبعوثون. والجملة الاسمية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ والجملة مستأنفة. ﴿نَعَمْ﴾ حرف جواب قائم مقام المجاب به؛ أي: نعم تبعثون. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿داخِرُونَ﴾: خبره. والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿مبعوثون﴾: المقدر. ﴿فَإِنَّما﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت إنكارهم للبعث، وأردت بيان حقيقة البعث .. فأقول لك إنما هي زجرة. ﴿إنما﴾: أداة حصر، ﴿هِيَ زَجْرَةٌ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿واحِدَةٌ﴾: صفة ﴿زَجْرَةٌ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿فَإِذا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿إذا﴾ فجائية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾.
﴿وَقالُوا﴾ الواو استئنافية، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿يا وَيْلَنا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾: على كونها جواب النداء. ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾: ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿يَوْمُ الْفَصْلِ﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول. ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ﴾: فعل أمر، وفاعل، ومفعول به. والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: ويقول الله سبحانه للملائكة: احشروا الذين ظلموا. والجملة المحذوفة مستأنفة. وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول، ومفعول ﴿ظَلَمُوا﴾ محذوف، تقديره:
стр. 10923
أنفسهم. ﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾: معطوف على الموصول أو مفعول معه، ﴿وَما﴾: اسم موصول معطوف على الموصول أو مفعول معه، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْبُدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كانُوا﴾: صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، حال من فاعل ﴿يَعْبُدُونَ﴾؛ أي: حال كونهم مجاوزين الله في عبادتهم. ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿اهدوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿احْشُرُوا﴾. ﴿إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اهدوهم﴾، ﴿وَقِفُوهُمْ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول، معطوف على ﴿اهدوهم﴾. ﴿إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره. وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة، مسوقة لتعليل الأمر قبلها. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾: خبره. والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال لهم: ما لكم. ﴿لا﴾ نافية، ﴿تَناصَرُونَ﴾: فعل، وفاعل. والجملة في محل النصب حال من كاف المخاطبين. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب، ﴿هُمُ﴾: مبتدأ، ﴿الْيَوْمَ﴾: متعلق بما بعده، ﴿مُسْتَسْلِمُونَ﴾: خبرهم. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠)﴾.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾: فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿عَلى بَعْضٍ﴾: متعلق بأقبل، وجملة ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ في محل النصب حال من الفاعل والمجرور. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كُنْتُمْ﴾ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن في محل النصب مقول قالوا. ﴿تَأْتُونَنا﴾: فعل، وفاعل، وفعول به. والجملة الفعلية في
стр. 10924
محل النصب خبر كان ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿تَأْتُونَنا﴾: أي حالة كونكم أقوياء إن فسرنا اليمين بالقوة والقهر أو مقسمين حالفين إن فسرنا اليمين بالحلف. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب للإضراب الإبطالي، ﴿لَمْ﴾ حرف جزم ونفي، ﴿تَكُونُوا﴾: فعل مضارع ناقص واسمه، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبره. والجملة في محل النصب مقول قالوا. ﴿وَما﴾ الواو عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، ﴿لَنا﴾ خبرها مقدم، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ حال من سلطان، و ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿سُلْطانٍ﴾: اسم كان مؤخر، وجملة كان في محل النصب معطوفة على جملة الإضراب على كونها مقول قالوا. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب للإضراب الإبطالي، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿قَوْمًا﴾: خبره، ﴿طاغِينَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾. والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾.
﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾.
﴿فَحَقَّ﴾ الفاء: عاطفة تفريعية، ﴿حق﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْنا﴾: متعلق به، ﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾: فاعل، ومضاف إليه. والجملة معطوفة على جملة الإضراب. ﴿إِنَّا لَذائِقُونَ﴾ ناصب واسمه، واللام: حرف ابتداء، ﴿ذائقون﴾: خبره. وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿أغويناكم﴾ فعل وفاعل ومفعول، معطوف على حق، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿غاوِينَ﴾: خبره. وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما جرى بين الأتباع والرؤساء من المخاصمة، وأردت بيان مصائرهم وعواقبهم فأقول لك: إنهم. ﴿إنهم﴾ ناصب واسمه، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يوم﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف حال من ضمير الغائبين، ﴿يوم﴾: مضاف، ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محل الجر مضاف إليه، مبني بسكون مقدر، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة؛ أي: يوم إذ يتساءلون ويتلاومون. ﴿فِي الْعَذابِ﴾: متعلق بـ ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ و ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾: خبر ﴿إنهم﴾. وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنَّا﴾ ناصب
стр. 10925
واسمه، ﴿كَذلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف مقدم على فعله، تقديره: إنا نفعل بالمجرمين فعلًا كائنًا كذلك. ﴿نَفْعَلُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿بِالْمُجْرِمِينَ﴾: متعلق به، وجملة ﴿نَفْعَلُ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾.
﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كانُوا﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. إِذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق به، ونائب فاعله جملة محذوفة، تقديرها: إذا قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله. وجملة ﴿قِيلَ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وجملة ﴿لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ مقول قول محذوف تقديره: قولوا ﴿قولوا﴾: فعل أمر وفاعل. والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. وإن شئت قلت: ﴿قولوا﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل ﴿إن﴾، ﴿إِلهَ﴾: في محل النصب، اسمها، وخبر ﴿لَا﴾ محذوف، تقديره: لا إله موجود إلا الله، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿اللَّهُ﴾ بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾: في محل النصب مقول للقول المحذوف. وجملة ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾. ﴿أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿إنا﴾ ناصب واسمه، ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿تاركوا آلهتنا﴾: خبر ﴿إن﴾، ومضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿لِشاعِرٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تاركوا﴾، ﴿مجنون﴾: صفة لـ ﴿شاعر﴾، ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب وابتداء للإضراب الإبطالي، ﴿جاءَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿جاءَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿وَصَدَّقَ