← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

صفة ﴿طِينٍ﴾. وناهيك بهذا دليلًا على ضعفهم، وأن من كان شأنه هذا لا ينبغي له أن يتكبر ويتطاول. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب، ﴿عَجِبْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على مقدر دل عليه الاستفهام؛ أي: هم لا يقرون، ولا يثبتون المعاد بل عجبت أنت يا محمد ﷺ من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة، وأثبت المعاد. ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والواو حالية، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: وهم يسخرون. والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿عَجِبْتَ﴾. ﴿وَإِذا ذُكِّرُوا﴾: الواو عاطفة، ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿ذُكِّرُوا﴾ فعل ونائب فاعل والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَذْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل، جواب إذا، لا محل لها من الإعراب. وجملة إذا معطوفة على جملة ﴿يَسْخَرُونَ﴾. ﴿وَإِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿رَأَوْا آيَةً﴾: فعل وفاعل ومفعول به؛ لأن رأى بصرية. والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إِذا﴾، وجملة ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ جوابه، وجملة إذا معطوفة على جملة ﴿إِذا﴾: الأولى. ﴿وَقالُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على يستسخرون، ﴿إِنْ﴾ نافية، ﴿هذا﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿سِحْرٌ﴾: خبر المبتدأ، ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿سِحْرٌ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾. ﴿أَإِذا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على مقدر معلوم مما سيأتي تقديره: أنبعث. والجملة المقدرة في محل النصب مقول قالوا. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بالفعل المقدر، ﴿مِتْنا﴾: فعل، وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذا﴾؛ أي: أنبعث وقت موتنا وكوننا ترابًا. ﴿وَكُنَّا تُرابًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، معطوف على متنا، ﴿وَعِظامًا﴾: معطوف على ترابًا، ﴿أَإِنَّا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري مؤكدة للأولى، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿مبعوثون﴾:

стр. 10922

خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول قالوا. ﴿أَوَآباؤُنَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري مؤكدة للأولى، والواو: عاطفة ﴿آباؤُنَا﴾: مبتدأ، ﴿الْأَوَّلُونَ﴾ صفة، وخبر المبتدأ محذوف؛ أي: أو آباؤنا مبعوثون. والجملة الاسمية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ والجملة مستأنفة. ﴿نَعَمْ﴾ حرف جواب قائم مقام المجاب به؛ أي: نعم تبعثون. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿داخِرُونَ﴾: خبره. والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿مبعوثون﴾: المقدر. ﴿فَإِنَّما﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت إنكارهم للبعث، وأردت بيان حقيقة البعث .. فأقول لك إنما هي زجرة. ﴿إنما﴾: أداة حصر، ﴿هِيَ زَجْرَةٌ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿واحِدَةٌ﴾: صفة ﴿زَجْرَةٌ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿فَإِذا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿إذا﴾ فجائية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾. ﴿وَقالُوا﴾ الواو استئنافية، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿يا وَيْلَنا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾: على كونها جواب النداء. ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾: ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿يَوْمُ الْفَصْلِ﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول. ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ﴾: فعل أمر، وفاعل، ومفعول به. والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: ويقول الله سبحانه للملائكة: احشروا الذين ظلموا. والجملة المحذوفة مستأنفة. وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول، ومفعول ﴿ظَلَمُوا﴾ محذوف، تقديره:

стр. 10923

أنفسهم. ﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾: معطوف على الموصول أو مفعول معه، ﴿وَما﴾: اسم موصول معطوف على الموصول أو مفعول معه، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْبُدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كانُوا﴾: صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، حال من فاعل ﴿يَعْبُدُونَ﴾؛ أي: حال كونهم مجاوزين الله في عبادتهم. ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿اهدوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿احْشُرُوا﴾. ﴿إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اهدوهم﴾، ﴿وَقِفُوهُمْ﴾: فعل، وفاعل، ومفعول، معطوف على ﴿اهدوهم﴾. ﴿إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره. وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة، مسوقة لتعليل الأمر قبلها. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾: خبره. والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال لهم: ما لكم. ﴿لا﴾ نافية، ﴿تَناصَرُونَ﴾: فعل، وفاعل. والجملة في محل النصب حال من كاف المخاطبين. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب، ﴿هُمُ﴾: مبتدأ، ﴿الْيَوْمَ﴾: متعلق بما بعده، ﴿مُسْتَسْلِمُونَ﴾: خبرهم. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠)﴾. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾: فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿عَلى بَعْضٍ﴾: متعلق بأقبل، وجملة ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ في محل النصب حال من الفاعل والمجرور. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كُنْتُمْ﴾ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن في محل النصب مقول قالوا. ﴿تَأْتُونَنا﴾: فعل، وفاعل، وفعول به. والجملة الفعلية في

стр. 10924

محل النصب خبر كان ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿تَأْتُونَنا﴾: أي حالة كونكم أقوياء إن فسرنا اليمين بالقوة والقهر أو مقسمين حالفين إن فسرنا اليمين بالحلف. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب للإضراب الإبطالي، ﴿لَمْ﴾ حرف جزم ونفي، ﴿تَكُونُوا﴾: فعل مضارع ناقص واسمه، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبره. والجملة في محل النصب مقول قالوا. ﴿وَما﴾ الواو عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، ﴿لَنا﴾ خبرها مقدم، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ حال من سلطان، و ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿سُلْطانٍ﴾: اسم كان مؤخر، وجملة كان في محل النصب معطوفة على جملة الإضراب على كونها مقول قالوا. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب للإضراب الإبطالي، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿قَوْمًا﴾: خبره، ﴿طاغِينَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾. والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾. ﴿فَحَقَّ﴾ الفاء: عاطفة تفريعية، ﴿حق﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْنا﴾: متعلق به، ﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾: فاعل، ومضاف إليه. والجملة معطوفة على جملة الإضراب. ﴿إِنَّا لَذائِقُونَ﴾ ناصب واسمه، واللام: حرف ابتداء، ﴿ذائقون﴾: خبره. وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿أغويناكم﴾ فعل وفاعل ومفعول، معطوف على حق، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿غاوِينَ﴾: خبره. وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما جرى بين الأتباع والرؤساء من المخاصمة، وأردت بيان مصائرهم وعواقبهم فأقول لك: إنهم. ﴿إنهم﴾ ناصب واسمه، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يوم﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف حال من ضمير الغائبين، ﴿يوم﴾: مضاف، ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محل الجر مضاف إليه، مبني بسكون مقدر، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة؛ أي: يوم إذ يتساءلون ويتلاومون. ﴿فِي الْعَذابِ﴾: متعلق بـ ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ و ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾: خبر ﴿إنهم﴾. وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنَّا﴾ ناصب

стр. 10925

واسمه، ﴿كَذلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف مقدم على فعله، تقديره: إنا نفعل بالمجرمين فعلًا كائنًا كذلك. ﴿نَفْعَلُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿بِالْمُجْرِمِينَ﴾: متعلق به، وجملة ﴿نَفْعَلُ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كانُوا﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. إِذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق به، ونائب فاعله جملة محذوفة، تقديرها: إذا قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله. وجملة ﴿قِيلَ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وجملة ﴿لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ مقول قول محذوف تقديره: قولوا ﴿قولوا﴾: فعل أمر وفاعل. والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. وإن شئت قلت: ﴿قولوا﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل ﴿إن﴾، ﴿إِلهَ﴾: في محل النصب، اسمها، وخبر ﴿لَا﴾ محذوف، تقديره: لا إله موجود إلا الله، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿اللَّهُ﴾ بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾: في محل النصب مقول للقول المحذوف. وجملة ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾. ﴿أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿إنا﴾ ناصب واسمه، ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿تاركوا آلهتنا﴾: خبر ﴿إن﴾، ومضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿لِشاعِرٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تاركوا﴾، ﴿مجنون﴾: صفة لـ ﴿شاعر﴾، ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب وابتداء للإضراب الإبطالي، ﴿جاءَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿جاءَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿وَصَدَّقَ

стр. 10926

الْمُرْسَلِينَ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على جاء، ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَذائِقُوا الْعَذابِ﴾: خبر ﴿إن﴾، ومضاف إليه، واللام حرف ابتداء، ﴿الْأَلِيمِ﴾: صفة لـ ﴿الْعَذابِ﴾. وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿تُجْزَوْنَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل. والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: خبره. وجملة ﴿كان﴾: صلة ﴿ما﴾: الموصولة، والعائد محذوف تقديره: تعملونه. ويحتمل كون ﴿ما﴾ مصدرية، والكلام حينئذ على حذف مضاف، والتقدير: وما تجزون إلا جزاء عملكم. ﴿إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع بمعنى لكن، ﴿عِبادَ اللَّهِ﴾: مستثنى من الواو في ﴿تُجْزَوْنَ﴾، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾: صفة لعباد الله، ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ أول، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿رِزْقٌ﴾: مبتدأ ثان مؤخر، ﴿مَعْلُومٌ﴾: صفة ﴿رِزْقٌ﴾، وجملة المبتدأ الثاني في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة. ﴿فَواكِهُ﴾: بدل أو عطف بيان لـ ﴿رِزْقٌ﴾ بدل كل من كل، ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة أو حالية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿مُكْرَمُونَ﴾: خبره. والجملة إما معطوفة على جملة ﴿لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾: أو حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾. ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أو خبر ثان لهم أو في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿مُكْرَمُونَ﴾. ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ متعلق بـ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور قبله أعني: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾، وكذا ﴿مُتَقابِلِينَ﴾: حال من الضمير المستكن فيه، ﴿يُطافُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، ﴿بِكَأْسٍ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل. والجملة الفعلية صفة

стр. 10927

لـ ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أو حال من الضمير في ﴿مُتَقابِلِينَ﴾: أو جملة مستأنفة. ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾: جار ومجرور صفة لكأس، ﴿بَيْضاءَ﴾: صفة ثانية لكأس، ﴿لَذَّةٍ﴾ صفة ثالثة له، وصفت بالمصدر مبالغة أو على حذف مضاف؛ أي: ذات لذة. ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ متعلقان بـ ﴿لَذَّةٍ﴾ ﴿لا﴾: نافية ملغاة لتكررها، ﴿فِيها﴾: خبر مقدم، ﴿غَوْلٌ﴾: مبتدأ مؤخر. والجملة في محل الجر صفة رابعة لكأس. ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها، ﴿هُمْ عَنْها﴾: متعلق بـ ﴿يُنْزَفُونَ﴾، وجملة ﴿يُنْزَفُونَ﴾: من الفعل المغير، ونائب فاعله في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿عِنْدَهُمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿الطَّرْفِ﴾: مضاف إليه مرفوع المحل، على أن ﴿قاصِراتُ﴾: صفة مشبهة، أو منصوب المحل على أن ﴿قاصِراتُ﴾ اسم فاعل. و ﴿عِينٌ﴾: صفة لـ ﴿قاصِراتُ﴾. والجملة الاسمية في محل الرفع، معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾. ﴿كَأَنَّهُنَّ﴾: ناصب واسمه، ﴿بَيْضٌ﴾: خبره، ﴿مَكْنُونٌ﴾ صفة ﴿بَيْضٌ﴾، وجملة ﴿كأن﴾: في محل الرفع ثانية لـ ﴿قاصِراتُ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾: هم جماعة الملائكة، يقفون صفوفًا لكل واحد منهم، مرتبة معينة في الشرف والفضيلة. ﴿صَفًّا﴾: والصف: أن يجعل الشيء على خط مستقيم، كالناس والأشجار. تقول: صففت القوم، من باب رد، فاصطفوا إذا أقمتهم على خط مستقيم، لأداء الصلاة أو لأجل الحرب. ﴿فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (٢)﴾: أصل الزجر: الدفع عن الشيء بتسلط وصياح، ثم استعمل في السوق والحث على الشيء، وفي المنع والنهي. والمراد بها هنا: الملائكة؛ لأن لهم تأثيرًا في قلوب بني آدم بزجرهم عن المعاصي وإلهامهم فعل الخير. يقال: زجرت البعير إذا حثثته ليمضي، وزجرت فلانًا عن سوء فانزجر؛ أي: نهيته فانتهى فزجر البعير كالحث له، وزجر الإنسان كالنهي. وفي «كشف الأسرار»: الزجر: الصرف عن الشيء بتخويف. وفي «المفردات»: الزجر: الطرد بصوت، ثم يستعمل في الطرد

стр. 10928

تارةً، وفي الصوت أخرى. ﴿لَواحِدٌ﴾؛ أي: لا ثاني له سبحانه. وفي «المفردات» الوحدة: الانفراد. والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود، حتى إنه ما من عدد إلا ويصح وصفه، فيقال: عشرة واحدة، ومئة واحدة. فالواحد لفظ مشترك، يُستعمل في خمسة أوجه: الأول: ما كان واحدًا في الجنس أو في النوع كقولنا: الإنسان والفرس واحد في الجنس، وزيد وعمرو واحد في النوع. والثاني: ما كان واحدًا بالاتصال، إما من حيث الخلقة كقولك: شخص واحد، وإما من حيث الصناعة كقولك: حرفة واحدة. والثالث: ما كان واحدًا لعدم نظيره. إما في الخلقة كقولك: الشمس واحدة، وإما في دعوى الفضيلة كقولك: فلان واحد دهره، وكقولك: هو نسيج وحده. والرابع: ما كان واحدًا لامتناع التجزي فيه، إما لصغره كالهباء، وإما لصلابته كالماس. والخامس: للمبتدأ إما لمبدأ العدد، كقولك: واحد اثنين، وإما لمبدأ الخط كقولك: النقطة الواحدة. والوحدة في كلها عارضة، فإذا وصف الله بالواحد فمعناه: هو الذي لا يصح التجزي، ولا التكثر. ولصعوبة هذه الوحدة قال الله تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾، انتهى. ﴿الدُّنْيا﴾ مؤنث الأدنى؛ أي: قرب السموات من أهل الأرض. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾؛ أي: متعر عن الخير، متجرد عنه من قولهم: شجر أمرد إذا تعرى من الورق، ومنه: الأمرد لتجرده عن الشعر، والمارد والمريد بمعنى واحد، وهو المتعري عن كل خير. وفي «المختار»: مرد من باب ظرف، فهو مارد ومريد، وهو العاتي.

стр. 10929

﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ أصل ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾: يتسمعون، فأدغمت التاء في السين بعد تسكينها وقلبها سينًا من التسمع، وتعديته بإلى لتضمنه معنى الإصغاء. ﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾ والملأ: جماعة يجتمعون على رأي واحد، فيملؤون العيون رواءً، والنفوس جلالة وبهاء. والملأ الأعلى هم الملائكة أو أشرافهم، كما مر. ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ القذف: الرمي البعيد، لاعتبار البعد فيه قيل: منزل قذف وقذيف، وقذفته بحجر رميت إليه حجرًا، ومنه: قذفوه بالفجور؛ أي: رموه. ﴿دُحُورًا﴾ مصدر دحره إذا طرده وأبعده، وبابه خضع، يقال: دحره دحرًا ودحورًا إذا طرده. ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾؛ أي: دائم غير منقطع، من وصب الأمر وصوبا إذا دام. وفي «المختار»: وصب الشيء يصب بالكسر وصوبًا دام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾، انتهى. قال في «المفردات» الوصب: السقم اللازم. ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ والخطف: الاختلاس بسرعة. والمراد هنا: اختلاس الكلام؛ أي: كلام الملائكة مسارقة. ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ في «المختار»: تبعه من باب طرب إذا مشى خلفه أو مر به فمضى معه، وكذا اتبعه وهو افتعل، وأتبعه على أفعل. وقال الأخفش: تبعه وأتبعه بمعنى مثل: ردفه وأردفه، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾. قال ابن الكمال: الفرق بين أتبعه وتبعه أنه يقال: أتبعه إتباعًا إذا طلب الثاني اللحوق بالأول، وتبعه تبعًا إذا مر به ومضى معه. ﴿شِهابٌ﴾ والشهاب: الشعلة الساطعة من النار الموقدة. وفي «القاموس»: الشهاب ككتاب شعلة من نار ساطعة، انتهى. والمراد هنا: ما يُرى منقضًّا من السماء. ﴿ثاقِبٌ﴾ قال في «المفردات»: الثاقب: النيِّر المضيء، يثقب بنوره وإضاءته ما يقع عليه، انتهى؛ أي: مضيء في الغاية، كأنه يثقب الجو بضوئه، يرجم به الشياطين إذا صعدوا لاستراق السمع. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ والفتيا والفتوى: الجواب عما يشكل من الأحكام. يقال: استفتيته فأفتاني بكذا. قال بعضهم: الفتوى من الفتي، وهو الشاب القوي، وسمي الفتوى فتوى؛ لأن المفتي يقوي السائل في جواب الحادثة، وجمعه

стр. 10930

فتاوى، بالفتح والكسر، والمراد بالاستفتاء هنا: الاستخبار، يقال: استفتى فلانًا إذا استخبره، وسأله من أمر يريد علمه. ﴿أَشَدُّ خَلْقًا﴾؛ أي: أصعب خلقًا، وأشد إيجادًا. ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ قال في «المفردات»؛ اللازب: الثابت الشديد الثبوت، ويعبر باللازب عن الواجب، فيقال: ضربة لازب، اهـ. والباء بدل من الميم، والأصل لازم مثل: بكة ومكة، يقال: لزب يلزب لزوبا من باب دخل اشتد وثبت، ولزب به لصق، ولزب يلزب لزبًا من باب تعب، ولزب يلزب لزبًا ولزوبًا من باب كرم الطين لزق وصلب، ولزب الشيء دخل بعضه في بعض. واللازب اسم فاعل: الثابت، يقال: صار الأمر ضربة لازب؛ أي: صار لازمًا ثابتًا. ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ والسخرية: الاستهزاء والعجب والتعجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ولهذا قال بعض الحكماء: العجب: ما يعرف سببه، ولهذا قيل: لا يصح على الله التعجب. إذ هو علام الغيوب لا تخفى عليه خافية. ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ والسين والتاء للمبالغة والتأكيد؛ أي: يبالغون في السخرية والاستهزاء أو للطلب على أصله؛ أي: يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها. قوله: ﴿أَإِذا مِتْنا﴾ إلخ، أصله: أنبعث إذا متنا. فبدّلوا الفعلية بالاسمية وقدّموا الظرف، وكرّروا الهمزة مبالغة في الإنكار وإشعارًا بأن البعث مستنكر في نفسه، وفي هذه الحالة أشد استنكارًا، اهـ «بيضاوي». ﴿نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾؛ أي: صاغرون. وكلمة ﴿نَعَمْ﴾ بفتحتين: تقع في جواب الاستخبار المجرد من النفي، ورد الكلام الذي بعد حرف الاستفهام. والخطاب لهم ولآبائهم على التغليب. والدخور: أشد الصغار والذلة، يقال: دخر يدخر من باب فتح، ودخر يدخر من باب تعب دخرًا ودخورًا؛ أي: ذل وصغر، ويقال: أدخرته فدخر؛ أي: أذللته فذل. ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ والزجرة: الصيحة، من زجر الراعي غنمه، أو إبله إذا صاح عليها. وهي النفخة الثانية. ﴿يا وَيْلَنا﴾ قال الزجاج: الويل: كلمة يقولها

стр. 10931

القائل وقت الهلكة. ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ والدين: الجزاء كما جاء في قولهم: كما تدين تدان. ﴿يَوْمُ الْفَصْلِ﴾؛ أي: الفرق بين المحسن والمسيء، وتمييز كل منهما عن الآخر. ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: اجمعوا، الحشر يأتي بمعنى البعث، وبمعنى الجمع والسوق، وهو المراد هاهنا دون الأول، كما لا يخفى. ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ أمر من وقفه وقفًا بمعنى حبسه، لا من وقف وقوفًا بمعنى دام قائمًا. فالأول متعد، والثاني لازم. والمعنى: احبسوا المشركين أيها الملائكة عند الصراط. ﴿مُسْتَسْلِمُونَ﴾ من الاستسلام، يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع، وأصله: طلب السلامة، ويلزمه الانقياد عرفا. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ يقال: أقبل عليه بوجهه، وهو ضد الإدبار. ﴿مِنْ سُلْطانٍ﴾؛ أي: قهر وتسلط. والسلاطة: التمكن من القهر، يقال: سلطه فتسلط، ومنه: سمي السلطان بمعنى الغالب والقاهر، كما مر. ﴿رزق﴾ والرزق اسم لما يسوقه الله تعالى، إلى الحيوان، فيأكله. قال أحمد بن رسلان في زبده: يرزقُ مَن يَشاءُ ومنْ شَاءَ أَحْرَمَا ... والرِّزقُ مَا ينفعُ ولو مُحَرَّمَا ﴿فَواكِهُ﴾ جمع فاكهة، وهي كل ما يتفكه به؛ أي: يتنعم بأكله من الثمار كلها رطبها ويابسها. ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ جمع سرير، وهو الذي يجلس عليه من السرور، إذ كان كذلك لأولي النعمة. وسرير الميت يشبه به في الصورة، وللتفاؤل بالسرور الذي يلحق بالميت برجوعه إلى الله، وخلاصه من السجن المشار إليه بقوله ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن». ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ من التقابل، وهو أن ينظر بعضهم وجه بعض. ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والطواف: الدوران حول الشيء، وكذا الإطافة كما قال في «التهذيب». ﴿بِكَأْسٍ﴾ والكأس يطلق على الزجاجة، ما دام فيها خمر، وإلا فهو قدح وإناء، وتسمى الخمر نفسها كأسا. قال الأعشى: وكأسٍ شَربتُ عَلى لَذَّةٍ ... وَأُخْرى تَدَاويتُ مِنهَا بِهَا لِكَيْ يَعْلَمَ النَّاسُ أنِّي امْرُؤٌ ... أَتَيْتُ المَعِيشَةَ مِنْ بَابِهَا

стр. 10932

والكأس مؤنثة بدليل ضميرها وصفتها، وتجمع على كؤوس وأكؤس وكاسات وكئاس. ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ قال أبو حيان: اسم فاعل من معن بضم العين كشريف من شرف؛ أي: من شراب معين، أو نهر معين ظاهر للعيون، أو خارج من العيون. وهو صفة للماء، من عان الماء، إذا نبع وصف به خمر الجنة؛ لأنها تجري كالماء. ومعنى ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾؛ أي: بخمر من نهر جار على وجه الأرض. ﴿بَيْضاءَ﴾؛ أي: ذات بياض. ﴿لَذَّةٍ﴾؛ أي: ذات لذة أو هي تأنيث اللذ، يقال: لذ الشيء فهو لذ ولذيذ كقولك: رجل طب؛ أي: طبيب. فاللذ وصف، واللذة مؤنثة. وهي اسم للكيفية القائمة بالنفس، واسم للشيء اللذيذ. ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ والغول اسم بمعنى الغائلة، يُطلق على كل أذية ومضرة. والغول أيضًا ما يغتال العقول، يقال: غاله يغوله غولًا إذا أفسده، ويقال: غالته الخمر شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنه. والغول مصدر، وهو الصداع، والسكر، وبُعد المسافة، والمشقة، وما انهبط من الأرض، والتراب الكثير. ويقال: غاله الشيء إذا أخذه من حيث لم يدر، وأهلكه من حيث لا يحس به. ومنه سمي السعلاة غولا بالضم. والسعلاة: سحرة الجن، كما سبق في سورة الحجر. وفي «بحر العلوم»؛ ومنه الغول الذي يراه بعض الناس في البوادي ولا يكذبه ولا ينكره إلا المعتزلة من جميع أصناف الناس، حتى جعلوه من كذبات العرب، مع أنه يشهد بصحته قوله ﷺ : «إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان»، انتهى. ﴿يُنْزَفُونَ﴾ بالبناء للمجهول، من نزف الشارب إذا ذهب عقله، ويقال للسكران: نزيف ومنزوف، ويقال للمطعون: نزف فمات إذا خرج دمه كله. وفي «المفردات»: نزف الماء، نزحه كله من البئر شيئًا بعد شيء، ونزف دمه ودمعه؛ أي: نزح كله، ومنه قيل: سكران نزف؛ أي: نزف فمه بسكره. وقرىء ﴿ينزفون﴾ بالسكر من قولهم: أنزف القوم إذا نزف ماء بئرهم، انتهى. ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾؛ أي: حابسات الأعين على أزواجهن لا ينظرن إلى

стр. 10933

غيرهم، من القصر بمعنى الحبس والمنع. وطرف العين: جفنه. والطرف: تحريك الجفن، وعُبر به عن النظر؛ لأن تحريك الجفن يلازمه النظر. ﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء بمعنى واسعة العين، وهي التي اتسع شقها سعةً غير مفرطة. وأصل ﴿عِينٌ﴾ فعل بالضم نظير حمر، كسرت الفاء لتسلم الياء كما في بيض جمع بيضاء وأبيض. قال في «المفردات»: يقال للبقر الوحشي: عيناء وأعين لحسن عينه، وشُبّه بها الإنسان. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإتيان بأسلوب القسم في قوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ إلخ، إظهارًا لشرف المقسم به، وتأكيدًا للمقسم عليه، على ما هو المألوف في كلامهم. وقد أنزل القرآن على لغتهم، وعلى أسلوبهم في محاوراتهم. ومنها: التأكيد بأن، واللام في قوله: ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)﴾ ومقتضى الكلام يقتضيه لإنكار المخاطبين الوحدانية. ومنها: إعادة لفظ الرب في قوله: ﴿وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾ لما فيها من غاية ظهور آثار الربوبية، وتجددها كل يوم، فإنها ثلاث مئة وستون مشرقًا. ومنها: الاكتفاء بالمشارق عن ذكر المغارب، على حد قوله تعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. واقتصر على المشارق ولم يعكس؛ لأن شروق الشمس سابق على غروبها، وأيضا فالشروق أبلغ في النعمة، وأكثر نفعًا من الغروب. ومنها: جمع المشارق موافقةً للجموع أول السورة. منها: تخصيص المشارق بالذّكر مناسبة للزينة في قوله: ﴿بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ إذ هي إنما تكون غالبًا بالضياء والنور، وهما ينشآن من المشرق لا من المغرب.

стр. 10934

ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿زينا، وزينة﴾. ومنها: مراعاة الفواصل في قوله: ﴿شهاب ثاقب، وعذاب واصب، وطين لازب﴾؛ لأنها من المحسنات البديعية. ومنها: الجناس بين ﴿خَطِفَ﴾ و ﴿الْخَطْفَةَ﴾، وبين ﴿أغويناكم﴾ و ﴿غاوِينَ﴾. ومنها: الأسلوب التهكمي في قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ وردت الهداية بطريق التهكم؛ لأن الهداية تكون إلى طريق النعيم لا الجحيم. ومنها: الطباق في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾؛ لأن السخرية في مقابلة التعجب. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ لأن الأصل فيه: إذا قيل لهم قولوا لا إله إلا الله، فحذف لدلالة السياق عليه. ومنها: التغليب في قوله: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ فإن فيه تغليب العقلاء على غيرهم، حيث عبّر بمن التي للعاقل. ومنها: الجناس المماثل بين ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ و ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾. ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا﴾ للدلالة على تحقق وقوعه. وفيه أيضًا نداء غير العاقل لشدة الدهشة والحيرة. ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: إنهم لذائقوا العذاب، فقد التفت من الغيبة إلى الخطاب لمجابهتهم بالغضب، لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم؛ لأن الغضب عليهم بلغ أقصى الغاية. ومنها: الكناية في قوله: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ كني بذلك عن الحور العين، لأنهن عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. ومنها: القصر في قوله: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ فهو من قصر المسند إليه على المسند يعني: عدم الغول مقصور على الاتصاف بفي، إذ خمور الجنة لا تتجاوز

стр. 10935

الاتصاف بفي كخمور الدنيا، اهـ من «الروح». ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ حذف منه وجه الشبه فأصبح مجملًا، وذكر الأداة فصار مرسلًا، والمراد بالبيض: بيض النعام، وأول من شبه المرأة بالبيضة امرؤ القيس بقوله: وبيضةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِبَاؤهَا ... تَمتَّعْتُ مِنَ لَهْوٍ بها غَيْر مُعْجِلِ والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه: أحدها: بالصحة والسلامة عن الطمث، ومنه: قول الفرزدق: خَرَجْنَ إِلَيَّ لَمْ يطمثهُنَّ قَبلِي ... وَهُنَّ أَصحُّ مِن بَيْضِ الْحَمَامِ والثاني: في الصيانة والستر، لأن الطائر يصون بيضه ويحصنه. والثالث: في صفاء اللون ونقائه؛ لأن البيض يكون صافي اللون نقيّه إذا كان تحت الطائر. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 10936

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١) أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) حال أهل الجنة وما يتمتعون

стр. 10937

به من النعيم المقيم، ثم ذكر سرورهم وحبورهم في المآكل، والمشارب، وجميل المساكن، والأزواج الحسان .. بيّن هنا أنهم لخلوّ بالهم من المشاغل وطيب نفوسهم، يسمر بعضهم مع بعض، ويتحادثون فيما كانوا فيه في الدنيا مع أخلائهم، من شتى الشؤون مع اختلاف الأهواء، حتى ليقص بعضهم على بعض أن خليله كاد يوقعه في الهلاك، لولا لطف ربه به، وقد كان مآله أن صار في سواء الجحيم، ثم ذكر نعمة ربه عليه، بسبب ما كان يدين به في الدنيا. قوله تعالى: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما وصف (١) ثواب أهل الجنة، وذكر ما يتمتعون به من مآكل، ووصف الجنة، ورغّب فيها بقوله: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)﴾ أتبع ذلك بذكر جزاء أهل النار، وما يلاقون فيها من العذاب اللازب، الذي لا يجدون عنه محيصا، وهو عذاب في مآكلهم ومشاربهم وأماكنهم، جزاء ما دسوا به أنفسهم من سيء الأعمال، وما قلدوا فيه آباءهم بلا حجة ولا برهان، من الكفر بالله. وعبادة الأصنام والأوثان. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن المشركين يهرعون على آثار آبائهم الأولين، دون نظر ولا تدبر .. أردفه ما يوجب التسلية لرسوله ﷺ ، على كفرهم وتكذيبهم، بأن كثيرا من الأمم قبلهم، قد أرسل إليهم الرسل فكذبوا بهم، وكانت عاقبتهم الدمار والهلاك، ونجّى الله المؤمنين ونصرهم، فليكن لك فيهم أسوة، ولا تبخع نفسك عليهم حسرات، إن عليك إلا البلاغ. التفسير وأوجه القراءة ٥٠ - قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠)﴾ معطوف (٢) على ﴿يُطافُ﴾؛ أي: يطاف على عباد الله المخلصين في الجنة بشراب، فيشربون فيتحدثون على الشراب، كما هو عادة الشربة في الدنيا، فيقبل بعضهم على بعض حال كونهم

стр. 10938

يتساءلون عن الفضائل، والمعارف، وعما جرى عليهم ولهم في الدنيا. فالتعبير عنهم بصيغة الماضي للتأكيد، والدلالة على تحقق الوقوع حتمًا. وفي الآية، إشارة إلى أن أهل الجنة، هم الذين كانوا ممن لم يقبلوا على الله بالكلية، وإن كانوا مؤمنين موحدين، وإلا كانوا في مقعد صدق مع المقربين. ولا تكرار في هذه والجملة مع ما سبق من نظيرها؛ لأن تلك في بيان حال الكفرة. وهذه في بيان حال أصحاب الجنة. والمعنى (١): أي يطاف عليهم بكأس من معين، فيشربون ويتحادثون على الشراب، وما ألذ الحديث لدى الأخلاء، إذ ذاك كما أفصح عن ذلك شاعرهم: وَمَا بَقيَتْ مِنَ اللَّذَّاتِ إِلّا ... مُحَادثةُ الْكِرام عَلَى الشَّرَابِ وَلَثمُكَ وَجنَتَي قَمَرٍ مُنِيرٍ ... يَجُولُ بِوَجْهِهِ مَاءَ الشَّبَابِ والحديث ذو شجون، فهم يتحادثون في شتى الفضائل والمعارف، وفيما سلف لهم من شؤون الدنيا، وأحلى تذكرًا، ما فات حين رفاهية الحال، وفراغ البال واطمئنان النفس وخلوها من المخاوف العاجلة والآجلة. ٥١ - ثم فصّل هذا التساؤل وبيّنه، فقال: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من العباد المخلصين في تضاعيف محاوراتهم، وأثناء مكالماتهم ﴿إِنِّي كانَ لِي﴾ في الدنيا ﴿قَرِينٌ﴾؛ أي: مصاحب وجليس، كافر بالبعث، منكر له، ٥٢ - كما يدل عليه قوله: ﴿يَقُولُ﴾ لي على طريقة التوبيخ بما كنت عليه من الإيمان والتصديق بالبعث ﴿أَإِنَّكَ﴾ أيها المؤمن ﴿لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾؛ أي: لمن المعتقدين بالبعث والمقرين الجزاء. وهذا (٢) الاستفهام من القرين، لتوبيخ ذلك المؤمن، وتبكيته بإيمانه، وتصديقه بما وعد الله به من البعث، وكان هذا القول منه في الدنيا. ٥٣ - ثم ذكر ما يدل على الاستبعاد للبعث عنده، وفي زعمه. فقال: ﴿أَ﴾ ندان ونجازى ﴿إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾؛ أي: هل نحن مجزيون

стр. 10939

بأعمالنا، ومحاسبون بعد أن صرنا ترابًا وعظامًا. والاستفهام للإنكار. جمع مدين، من الدين بمعنى: الجزاء، ومنه: كما تدين تدان؛ أي: أئنا نحن لمبعوثون ومجزيون؛ أي: لا نبعث ولا نجازى. قرأ الجمهور (١): ﴿لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بتخفيف الصاد من التصديق؛ أي: لمن المصدقين بالبعث. وقرىء بتشديدها، ولا أدري من قرأ بها، وهو بعيد؛ لأنها من التصدق لا من التصديق. ويمكن تأويلها: بأنه أنكر عليه التصدق بماله لطلب الثواب، وعلل ذلك باستبعاد البعث. وقد اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة، فقرأ نافع الأولى، والثانية بالاستفهام بهمزة، والثالثة بكسر الألف من غير استفهام. ووافقه الكسائي؛ إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين، وابن عامر الأولى والثالثة بهمزتين، والثانية بكسر الألف من غير استفهام، والباقون بالاستفهام في جميعها، ثم اختلفوا، فابن كثير يستفهم بهمزة واحدةٍ غير مطولة، وبعده ساكنة خفيفة، وأبو عمرو مطولة، وعاصم وحمزة بهمزتين. وقد مضت قصتهما في سورة الكهف، والاختلاف في اسميهما. قال قرة بن ثعلبة النهراني (٢): كانا شريكين في بني إسرائيل بثمانية آلاف درهم، أحدهما يعبد الله، واسمه يهوذا، ويقصر في التجارة والنظر، والآخر وهو كافر اسمه نطروس، كان مقبلا على ماله، فانفصل من شريكه لتقصيره، فكلما اشترى دارا أو جارية أو بستانا ونحوه، عرضه على المؤمن وفخر عليه، فيتصدق المؤمن بنحو من ذلك ليشتري به في الجنة، فكان من أمرهما في الآخرة، ما قصه الله في كتابه في سورة الكهف. وقال الزمخشري (٣): نزلت في رجل، تصدق بماله لوجه الله تعالى، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه، فقال: وأين مالك؟ فقال: تصدقت به ليعوّضني الله تعالى في الآخرة خيرًا منه. فقال: أإنك لمن المصدقين بيوم الدين، أو لمن المتصدقين لطلب ثواب الله تعالى، والله لا أعطيك شيئًا.

стр. 10940

٥٤ - ﴿قالَ﴾ ذلك الرجل، الذي هو من أهل الجنة لجلسائه فيها، بعد ما حكى لهم، ما قال له قرينه في الدنيا: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين، الذي قال لي تلك المقالة، كيف منزلته في النار؟. ولما كان قرينه ينكر البعث علم أنه في النار. قال ابن الأعرابي: والاستفهام هنا هو بمعنى الأمر؛ أي: اطلعوا، وقيل: القائل هو الله سبحانه، وقيل: الملائكة. والأول أولى، فقال له جلساؤه: أنت أعرف به منا، فاطلع أنت، فذهب ذلك المؤمن إلى بعض أطراف الجنة، فاطلع، عندها إلى النار، فرآه؛ أي: فرأى ذلك الرجل المؤمن قرينه، في سواء الجحيم؛ أي: في وسط النار. قال الزجاج: سواء كل شيء وسطه، وسمي وسط الشيء سواء لاستواء المسافة منه إلى جميع الجوانب. وقال ابن عباس: في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى أهل النار، ويناظرونهم؛ لأن لهم في توبيخ أهل النار لذةً وسرورًا. وقرأ الجمهور (١): ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ بتشديد الطاء المفتوحة، وفتح النون، ﴿فَاطَّلَعَ﴾ فعلًا ماضيًا، وقرأ أبو عمرو في رواية حسين الجعفي: ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ بإسكان الطاء وفتح النون، ﴿فَاطَّلَعَ﴾ بضم الهمزة وسكون الطاء وكسر اللام، فعلًا ماضيًا مبنيًا للمفعول، وهي قراءة ابن عباس، وابن محيصن، وعمار بن أبي عمار، وأبي سراج، وقرىء ﴿فاطلع﴾ مشددًا مضارعًا، منصوبًا على جواب الاستفهام. وقرىء ﴿مطلعون﴾ بالتخفيف، ﴿فأطلع﴾ مخففًا فعلًا ماضيًا. وقرىء ﴿فأطلع﴾ مخففًا مضارعًا منصوبًا. وقرأ أبو البرهشيم، وعمار بن أبي عمار، فيما ذكره خلف عن عمار: ﴿مطلعون﴾ بتخفيف الطاء وكسر النون، ﴿فَاطَّلَعَ﴾ ماضيًا مبنيًا للمفعول. وأورد هذه القراءة أبو حاتم وغيره لجمعها بين نون الجمع وياء المتكلم، والوجه ﴿مطلعي﴾ كما قال: أو مخرجي هم. وقال الزمخشري: يريد مطلعون إياي، فوضع المتصل موضع المنفصل كقوله: هم الفاعلون للخير والآمرونه. أو يقال: إن كسر النون في الجمع لغة، وإن كان لا يقع إلا في الشعر. وحاصل معنى الآيات (٢): أي قال قائل من أهل الجنة: إني كان لي قرين

стр. 10941

في الدنيا، يوبخني على التصديق بالبعث والقيامة، ويستنكره أشد الاستنكار، ويقول متعجبًا: أئذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا، أئنا لمحاسبون، بعد ذلك على أعمالنا وما قدمته أيدينا، ألا إن ذلك لا يدخل في باب الإمكان، ولا يقبله عاقل فأجدر بمن يصدق بمثل هذا أن يعد من البله والمجانين الذين لا ينبغي مخاطبتهم ولا الدخول معهم في باب الجدل والخصام. فهم ساقطون من درجة الاعتبار لدى العقلاء والمنصفين .. ٥٥ - وبعد أن ذكر مقالته لأهل الجنة، أراد أن يؤكد لهم صدق ما قال، ويريهم ما آل إليه أمره من دخول النار فـ ﴿قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾؛ أي: قال لجلسائه من أهل الجنة ليزيدهم سرورًا على أن عصمهم الله تعالى من مثل حاله، ووفقّهم إلى العمل بما أرشد إليه أنبياءه، هل تودون أن تروا عاقبة ذلك القرين، وكيف خذله الله تعالى، وأوقعه في الهلكة؟. واعلم: أنه لا ينبغي لنا أن نخوض في بيان كيفية الاطلاع، إذ ذاك مع شاسع المسافات واختلاف مراتب أهل الجنة وأهل النار، فإن ذلك من أمور الغيب، التي يجب أن نؤمن بها دون بحث في شأنها، ولا نقص ولا زيادة فيها. ٥٦ - فاطلع ذلك المؤمن إلى أهل النار، فرأى قرينه في وسطها، يتلظى بحرها وشديد لهبها، ﴿قالَ﴾ ذلك القائل المؤمن، مخاطبًا لقرينه، متشمتًا به حين رآه على صورة قبيحة، وقال خليل العصري: رآه تبدلت حالته، فلولا ما عرّفه الله به، لم يعرفه، فقال له عند ذلك: ﴿تَاللَّهِ﴾؛ أي: أقسمت لك بالله المنتقم ﴿إِنْ﴾؛ أي: إن الشأن ﴿كِدْتَ﴾؛ أي: قاربت ﴿لَتُرْدِينِ﴾؛ أي: لتهلكني بالإغواء. والردى: الهلاك، والإرداء: الإهلاك، أصله: ترديني بياء المتكلم، فحذفت اكتفاء بالكسرة، كما سيأتي؛ أي: إن الشأن، قاربت لتهلكني بدعائك إياي، إلى إنكار البعث والقيامة، وقرىء (١): ﴿لتغوين﴾؛ أي: لتضلني عن الدين، ٥٧ - ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ علي بهدايتي إلى الحق، وعصمتي من الباطل ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾؛ أي: من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك، وفي «التأويلات

стр. 10942

النجمية»: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾؛ أي: حفظه وعصمته وهدايته ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ معكم فيما كنتم فيه من الضلالة في البداية، وفيما أنتم فيه من العذاب والبعد في النهاية. وإنما أخبر الله تعالى عن هذه الحالة قبل وقوعها، ليعلم أن غيبة الأشياء وحضورها عند الله سبحانه سواء، لا يزيد حضورها في علم الله تعالى شيئًا، ولا ينقص غيبتها من علمه شيئًا، سواء في علمه وجودها وعدمها، بل كانت المعدومات في علمه موجودة. ٥٨ - وقوله: ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾ رجوع إلى محاورة جلسائه في الجنة، بعد إتمام الكلام مع قرينه، سرورًا بفضل الله العظيم، والنعيم المقيم، فإن تذكر الخلود في الجنة لذة عظيمة، والهمزة فيه للاستفهام التقريري، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، وفيها معنى التعجب، والفاء عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير: أنحن مخلدون، منعمون في الجنة، فما نحن بميتين؛ أي: بمن شأنه الموت ٥٩ - ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ التي كانت في الدنيا، وهي متناولة لما في القبر بعد الإحياء للسؤال؛ أي: لا نموت في الجنة أبدًا، سوى موتتنا الأولى في الدنيا، ونصبها على المصدر من اسم الفاعل يعني: إنه مستثنى مفرّغ معرب، على حسب العوامل، منصوب بميتين، كما ينصب المصدر بالفعل المذكور قبله في مثل قولك: ما ضربت زيدًا إلا ضربة واحدة، فكأنه قيل: وما نحن نموت موتة إلى موتتنا الأولى. وقيل: نصبها على الاستثناء المنقطع، بمعنى؛ لكن الموتة الأولى قد كانت في الدنيا. وقيل: ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى بعد وسوى، وقرأ زيد بن علي ﴿وما نحن بمائتين﴾، ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾ كالكفار، فإن النجاة من العذاب أيضًا نعمة جليلة، مستوجبة للتحدث بها، كما أن العذاب محنة عظيمة، مستدعية لتمني الموت كل ساعة. وعن أبي بكر الصديق ﵁: «الموت أشد مما قبله، وأهون مما بعده». والمعنى (١): أي يقول لهم: أنحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين ولا

стр. 10943

بمعذبين إلا موتتنا الأولى بخلاف الكفار، فإنهم يموتون مثلنا، ثم في جهنم يتمنون الموت كل ساعة، ولا يخفى ما في ذلك من سوء الحال، وقيل لحكيم: ما شر من الموت؟ قال: الذي يتمنى معه الموت. والخلاصة: أن المؤمن غبط نفسه، بما أعطاه الله من الخلد في الجنة، والإقامة في دار الكرامة، بلا موت فيها ولا عذاب. وعلم أهل الجنة أنهم لا يموتون فيها، حصل لهم من إخبار الأنبياء لهم في الدنيا بذلك، وبما ذكر في كتابه، نحو قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾، وفي نفي العذاب عنهم إيماء إلى استمرار النعيم، وعدم خوف زواله، فإن خوف الزوال نوع من العذاب، كما قال: إِذَا شِئتَ أَنْ تَحيَا حَيَاةً هَنيَّه ... فَلا تتَّخِذ شَيئًا تَخَافُ لَهُ فَقْدَا وإلى نفي الهرم واختلال القوى، لأنه ضرب من العذاب أيضًا. ٦٠ - ثم زاد في تأنيب قرينه وزيادة حسرته، فقال: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الأمر العظيم، الذي نحن فيه من النعمة والخلود والأمن من العذاب ﴿لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والظفر الجسيم، والسعادة الأبدية، والسلامة السرمدية؛ أي: لهو السعادة والظفر بكل المراد، إذ الدنيا وما فيها تحتقر دونه، كما تحتقر القطرة من البحر المحيط، والحبة من البيدر الكبير، وقرىء ﴿أإن هذا لهو الفوز﴾ بزيادة همزة الاستفهام، قاله في المراح. والمعنى (١): أي إن هذا الأمر العظيم، والنعيم المقيم، والخلود الدائم الذي نحن فيه، لهو الفوز العظيم، الذي لا يقادر قدره، ولا يمكن الإحاطة بوصفه. ٦١ - وقوله: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)﴾؛ أي: لنيل هذا المرام الجليل من تمام كلامه؛ أي: لنيل مثل هذا العطاء، يجب أن يعمل العاملون، ويجتهد

стр. 10944

المجتهدون، فإن هذه هي التجارة الرابحة، لا للحظوظ الدنيوية السريعة الانقطاع، المشوبة بفنون الآلام والبلايا والصداع، فإنها صفقة خاسرة نعيمها منقطع، وخيرها زائل، وصاحبها عن قريب منها راحل، وقيل (١): إن هذا من كلامه ، فهو ترغيب في طلب ثواب الله بطاعته، ويقال: المعنى حينئذ: فليحتمل المحتملون الأذى؛ لأنه قد حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات، كما قال بعضهم: حُفَّتِ الجَنَّةُ بِمَكْرُوهَاتِنَا ... وَحُفَّت النِّيْرَانُ مِن شَهَواتِنَا يعني: جُعلت الجنة مخفوفة بالأشياء التي كانت مكروهة لنا، وجعلت النار محاطة بالأشياء التي هي محبوبة لنا، فما بين المرء وبين الجنة حجاب إلا المكاره، وهو حجاب عظيم صعب خرقه، وما بين النار وبينه حجاب إلا الشهوات، وهو حجاب حقير سهل لأهله، والعياذ بالله سبحانه، من الإقبال على الشهوات، والإدبار عن الكرامات في الجنات، وقيل: من قول الملائكة، والأول أولى. ٦٢ - والهمزة في قوله: ﴿أَذلِكَ﴾ للاستفهام التقريري. والمراد (٢): حمل الكفار على إقرار مدخولها، وذلك إشارة إلى نعيم الجنة، وهو مبتدأ، خبره ﴿خَيْرٌ﴾ وهو وارد على سبيل التهكم والاستهزاء بهم، وانتصاب ﴿نُزُلًا﴾ على التمييز أو على الحالية، وهو ما يهيأ من الطعام النفيس للقادم؛ أي: الضيف ومنه: إنزال الأجناد لأرزاقهم؛ أي: أنعيم الجنة، ورزقها المعلوم للمؤمنين خير طعامًا ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾؛ أي: ثمرها الذي كان طعام أهل النار، فأيهما خير في كونهما نزلا، والزقوم اسم شجرة صغيرة الورق، مرة كريهة الرائحة، تكون بتهامة يعرفها المشركون، سميت بها الشجرة الموصوفة بقوله: ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ ...﴾ إلخ، والإضافة فيها من إضافة المسمى إلى الاسم، واختلف (٣) فيها، هل هي من شجر الدنيا، التي يعرفها العرب، أم لا؟ على قولين:

стр. 10945

أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا، فقال قطرب: إنها شجرة مرة، تكون بتهامة، من أخبث الشجر، وقال غيره: هو كل نبات قاتل، فعلى هذا، ففي الكلام استعارة. والقول الثاني: أنها عبارة عن أطعمة كريهة في النار، وفي ذكره ﴿نُزُلًا﴾ دلالة على أن ما ذكره من النعيم لأهل الجنة، بمنزلة ما يُعد ويرفع للنازل، ولهم وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. والمعنى: أهذا الرزق المعلوم الذي أعطيته لأهل الجنة، كرامة مني لهم خير، أم ما أوعدت به أهل النار، من الزقوم المر البشع. والحاصل: أن الله سبحانه، أمر رسوله أن يورد ذلك على كفار قومه، ليصير ذلك زاجرًا لهم عن الكفر والمعاصي، وهذا ضرب من التهكم والسخرية بهم، وهو أسلوب كثير الورود في القرآن الكريم. ٦٣ - قال قتادة: لما ذكر الله سبحانه هذه الشجرة، افتتن بها الكفار، فقالوا: كيف تكون في النار شجرة؟، فأنزل الله سبحانه ﴿إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾؛ أي: إنا جعلنا تلك الشجرة ابتلاء، واختبارًا للكافرين. فهم حين سمعوا أنها في النار قالوا: كيف يكون ذلك، والنار تحرق الشجر، مع أن هذا ليس بالعجيب ولا بالمستحيل، فإن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار وينعم فيها كحيات جهنم مثلا فهو أقدر على خلق الشجر فيها، وحفظه من الاحتراق. وقيل المعنى (١): أنا جعلناها فتنة؛ أي: عذابًا لهم في الآخرة، فإن الفتن تأتي بمعنى الإحراق، وابتلاءً لهم في الدنيا حيث فتنوا وضلوا عن الحق بسببها، فإن الفاتن قد يطلق على المضل عن الحق، فإن الكفار لما سمعوا كون هذه الشجرة في النار، فتنوا به في دينهم، وتوسلوا به إلى الطعن في القرآن، والنبوة والتمادي في الكفر.

стр. 10946

٦٤ - ثم بيّن سبحانه أوصاف هذه الشجرة، ردًا على منكريها، فقال: ﴿إِنَّها﴾؛ أي: إن هذه الشجرة الموسومة بالزقوم ﴿شَجَرَةٌ تَخْرُجُ﴾؛ أي: تنبت ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: في قعر جهنم وأسفلها، فمنبعها في قعرها، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، ولما كان أصل عنصرها النار لم تحرق بها كسائر الأشجار، ألا ترى، أن السمك لما تولد في الماء لم يغرق، بخلاف ما لم يتولد فيه. ولعل (١) هذا رد على ابن الزبعرى وصناديد قريش، وتجهيل لهم حيث قال ابن الزبعرى لهم: إن محمدًا يخوفنا بالزقوم، والزقوم بلسان البربر، الزبد والتمر، فأدخلهم أبو جهل بيته وقال: يا جارية زقمينا، فأتتهم بالزبد والتمر، فقال استهزاءً: تزقموا فهذا ما توعدكم به محمد، فقال: ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾؛ أي: فليس الزقوم ما فهم هؤلاء الجهلة الضلال. ٦٥ - ﴿طَلْعُها﴾؛ أي: حملها وثمرها الذي يخرج منها ويطلع، مستعار من طلع النخلة، لمشاركته له في الشكل والطلع كما سيأتي: شيء يخرج من النخل، كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود، قالوا أول الثمر: طلع ثم خلال، ثم بلح، ثم بسر، ثم رطب، ثم تمر، اهـ أبو السعود. ﴿كَأَنَّهُ﴾؛ أي: كأن ذلك الطلع وثمره في تناهي قبحه وشناعة منظره ﴿رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾؛ لأن صورة الشيطان أقبح الصور، وأكرهها في طباع الناس وعقائدهم، ومن ثمة إذا وصفوا شيئًا بغاية القبح والكراهة قالوا: كأنه شيطان وإن لم يروه، فتشبيه الطلع برؤوس الشياطين، تشبيه بالمخيّل كتشبيه الفائق في الحسن بالملك، قال تعالى حكاية: ﴿ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وفيه إشارة، إلى أن من كان هاهنا معلوماته في قبح صفات الشياطين، يكون هناك مكافأته في قبح صورة الشياطين. والمعنى (٢): أي إن ثمرها في قبح منظره، وكراهة رؤيته، كأنه رؤوس الشياطين، والعرب تتخيل رأس الشيطان صورة بشعة، لا تعدلها صورة أخرى، فيقولون لمن يسمونه بالقبح المتناهي: كأن وجهه وجه شيطان، وكأن رأسه رأس

стр. 10947

شيطان، ألا ترى إلى امرىء القيس، وقد سلك هذا السبيل، ونهج هذا النهج، فقال: أَيَقتُلُنِي والمَشْرفِيُّ مُضَاجِعيْ ... وَمسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أَغْوَالِ فشبه سنان الرمح بأنياب الغول، ولم يرها، فشبه المحسوس بالمتخيل وإن كان غير مرئي، للدلالة على أنه غاية في القبح، وعلى العكس من هذا، تراهم يشبهون الصورة الحسنة بالملك، من قبل أنهم اعتقدوا فيه، أنه خير محض لا شر فيه، فارتسم في خيالهم بأبهى صورة، وعلى هذا جاء قوله تعالى حكاية عن صواحبات يوسف ﵇: ﴿ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. وقال الزجاج والفراء (١): الشياطين حيات هائلة، قبيحة المنظر، لها رؤوس وأعراف، جمع عرف بضم العين، وهو شعر تحت الرأس، وهي من أقبح الحيات وأخبثها، وأخفها جسمًا. وقيل: إن رؤوس الشياطين اسم لنبت قبيح، معروف باليمن، بناحية يقال لها: الأستن، ويقال له: الشيطان، قال النحاس: وليس ذلك معروفًا عند العرب، وقيل: هو شجر خشن منتن، مر، منكر الصورة، يسمى ثمره رؤوس الشيطان، يوجد بين مكة واليمن. ٦٦ - ﴿فَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: الكفار ﴿لَآكِلُونَ مِنْها﴾؛ أي: من شجرة الزقوم، أو من طلعها، والتأنيث لاكتساب الطلع التأنيث من إضافته إلى الشجرة، ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا﴾؛ أي: من شجرة الزقوم ﴿الْبُطُونَ﴾؛ أي: بطونهم، والمالىء اسم فاعل، من ملأ الإناء ماء كما سيأتي، والبطون: جمع بطن، وهو خلاف الظهر، وذلك لغلبة الجوع عليهم، أو أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلىء بطونهم، فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة وفاكهتهم، ٦٧ - ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ﴾ بعد الأكل منها ﴿عَلَيْها﴾؛ أي (٢): على الشجرة التي ملؤوا منها بطونهم بعد ما شبعوا منها، وغلبهم العطش، وطال استسقاؤهم كما ينبىء عنه كلمة ﴿ثُمَّ﴾ فتكون للتراخي الزماني، ويجوز أن تكون للرتبي، من حيث إن كراهة شرابهم وبشاعته، لما كانت أشد

стр. 10948

وأقوى بالنسبة إلى كراهة طعامهم، كان شرابهم أبعد من طعامهم من حيث الرتبة، فيكونون جامعين بين أكل الطعام الكريه البشع، وشرب الشراب الأكره الأبشع، ﴿لَشَوْبًا﴾؛ أي: لشرابًا مخلوطًا ممزوجًا ﴿مِنْ﴾ دم وصديد بماء ﴿حَمِيمٍ﴾؛ أي: متناه في الحرارة، والشوب: الخلط، قال الفراء: يقال: شاب طعامه وشرابه، إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبًا وشبابة، والحميم: الحار الذي قد انتهى حره؛ أي: إن لهم شرابًا من دم أو قيح أسود، أو صديد ممزوجًا مشوبًا بماء حار، غاية الحرارة يقطع أمعاءهم. وقرأ الجمهور (١): ﴿شوبا﴾ بفتح الشين، وقرأ شيبان النحوي: بالضم، قال الزجاج: الفتح للمصدر، والضم للاسم، يعني: أنه فعل بمعنى مفعول كالنقض بمعنى المنقوض. ٦٨ - ﴿ثُمَّ﴾ بعد ما ملؤوا بطونهم منها، وشربوا عليها شوبًا من حميم ﴿إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾؛ أي: مصيرهم ومنقلبهم ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾؛ أي: إلى (٢) دركاتها أو إلى نفسها، فإن الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولها، وقيل: الجحيم خارج عنها لقوله تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾، يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم من الجحيم إلى شجرة الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يمتلئوا، ثم يسقون من الحميم، ثم يردون إلى الجحيم، كما يرد الإبل عن موارد الماء، ويؤيده قراءة ابن مسعود ﴿ثم إن مقيلهم﴾، وفي الحديث: «يا أيها الناس اتقوا الله، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت، لأمرت على أهل الدنيا معيشتها، فكيف بمن هو طعامه وشرابه، وليس له طعام غيره»، وقرأ ابن مسعود ﴿ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم﴾. وقال أبو حيان (٣): ولما كان الأكل يعقبه ملء البطن، كان العطف بالفاء في قوله: ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، ولما كان الشرب يكثر تراخيه عن الأكل، أتى

стр. 10949

بثم، المفيدة للتراخي والمهلة، في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾، ولما ذهب بهم من منازلهم، التي أسكنوها في النار، إلى شجرة الزقوم للأكل والتملؤ منها، والسقي من الحميم، وتراخي رجوعهم إلى منازلهم، أتى بـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ للدلالة على ذلك؛ لأن الرجوع يدل على الانتقال في وقت الأكل والشرب إلى مكان غير مكانهما. وحاصل معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها﴾ إلى آخر الآيات الثلاث؛ أي: فإنهم (١) ليأكلون من ثمرها، فيملؤون بطونهم منه، وإن كانوا يعرفون مرارة طعمه، ونهاية نتنه، وبشاعة رائحته، ولكن ماذا يعملون، وقد غلب عليهم الجوع، والمضطر يركب الصعب والذلول، ويستروح من الضر بما يقاربه فيه، وبعد أن وصف طعامهم وبيّن شناعته، أردفه ذكر شرابهم ووصفه بما هو أبشع وأشنع، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾؛ أي: ثم إنهم بعد أن يشبعوا ويغلبهم العطش، يستغيثون منه، فيغاثون بماء كالمهل، قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم، شوى لحوم وجوههم، وإذا شربوه قطع أمعاءهم، ثم ذكر أنهم بعد هذا وذاك، لا مأوى لهم إلا نار جهنم، وبئس المصير، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾؛ أي: ثم إن مصيرهم بعد المأكل والمشرب لإلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، فهم تارة في هذه، وتارة في تلك. والخلاصة: أنهم يؤخذون من منازلهم في الجحيم، وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون إلى أن تمتلىء بطونهم، ثم يسقون الحميم، ثم يرجعون إلى تلك الدركات. ٦٩ - ثم علل استحاققهم للوقوع، في تلك الشدائد، بتقليد الآباء في الدين بلا دليل يستمسكون به، فقال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩)﴾؛ أي: وإنما استحقوا هذا العذاب الشديد؛ أي: لأنهم أي: لأن أصحاب الزقوم وجدوا آباءهم ضالين،

стр. 10950

مخطئين في نفس الأمر، عن الهدى وطلب الحق، ليس لهم ما يصلح شبهة، فضلا عن صلاحية الدليل، فقلدوهم في ضلالاتهم وجهالاتهم، ٧٠ - ﴿فَهُمْ﴾؛ أي: الكافرون الظالمون بسبب تقليدهم آباءهم ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾؛ أي: على آثار الآباء وأعقابهم ﴿يُهْرَعُونَ﴾؛ أي: يسرعون من غير أن يتدبروا أنهم على الحق، أو لا، مع ظهور كونهم على الباطل بأدنى تأمل، والإهراع: الإسراع الشديد، كأنهم يزعجون ويحثون حثا على الإسراع على آثارهم. والمعنى: يتبعون آباءهم في سرعة، كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم، وفي هذا دليل، على أن التقليد شؤم على المقلد، وعلى من يتبعه، فالإنسان لا سعادة له إلا بالنظر، والبحث في الحقائق الدنيوية والأخروية، ولو لم يكن في القرآن آية، غير هذه في ذم التقليد، لكفت. ٧١ - ﴿وَلَقَدْ﴾ جواب قسم محذوف؛ أي: وعزتي وجلالي لقد ﴿ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾؛ أي: قبل قومك قريش ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ من الأمم السابقة، أضلهم إبليس، ولم يذكر لأن في الكلام دليلًا، فاكتفي بالإشارة. والمعنى: أي ولقد ضل قبل قريش كثير من الأمم الماضية، فعبدوا مع الله تعالى آلهة أخرى، كما فعل قوم إبراهيم، وقوم هود، وقوم صالح. ٧٢ - ثم ذكر رحمته بعباده، وأنه لا يؤاخذهم إلا بعد إنذار، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد أرسلنا في أولئك الأولين رسلًا أولي عدد كثير، ذوي شأن خطير، بيَّنوا لهم بطلان ما هم عليه، وأنذروهم عاقبته الوخيمة، وأوضحوا لهم الحق. فلم ينجح ذلك فيهم، ٧٣ - ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد، أو أيها المخاطب ﴿كَيْفَ كانَ﴾؛ أي: أي حالة كانت ﴿عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ أي: آخر أمر الذين أنذروا من عذاب الله تعالى، فلم يلتفتوا إلى الإنذار، ولم يرفعوا له رأسًا من الدمار والهلاك، فقد دمرهم الله تعالى، ونجى المؤمنين ونصرهم. والخطاب (١): إما للرسول، أو لكل أحد ممن يتمكن من مشاهدة آثارهم،

стр. 10951

وسماع أخبارهم، وحيث كان المعنى: أنهم أهلكوا إهلاكًا فظيعًا، ٧٤ - استثني منهم المخلصين بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾؛ أي: الذين أخلصهم الله تعالى بتوفيقهم للإيمان، والعمل بموجب الإنذار، واصطفاهم بالقرب والرضا. يعني: أنهم نجوا مما أهلك به كفار الأمم الماضية. وقرىء (١) ﴿المخلصين﴾ بكسر اللام؛ أي: الذين أخلصوا لله طاعاتهم، ولم يشوبوها بشيء مما بغيرها؛ أي: لكن عباد الله الذين أخلصهم الله بتوفيقهم للإيمان والعمل بأوامر دينه أنجاهم من عذابه. ففازوا بالنعيم المقيم، في جنات عرضها السموات والأرض. وفي الآية (٢): تسلية لرسول الله ﷺ ببيان أنه تعالى، أرسل قبله رسلًا إلى الأمم الماضية، فأنذروهم بسوء عاقبة الكفر والضلال، فكذبهم قومهم ولم ينتهوا بالإنذار، وأصروا على الكفر والضلال، فصبر الرسل على أذاهم، واستمروا على دعوتهم إلى الله تعالى، فاقتد بهم، وما عليك إلا البلاغ، ثم إن عاقبة الإصرار الهلاك، وغاية الصبر النجاة والفوز بالمراد، فعلى العاقل تصحيح العمل بالإخلاص، وتصحيح القلب بالتصفية. قال الواسطي: مدار العبودية على ستة أشياء: التعظيم، والحياء، والخوف، والرجاء، والمحبة، والهيبة، فمن ذكر التعظيم يهيج الإخلاص، ومن ذكر الحياء يكون العبد على خطرات قلبه حافظًا، ومن ذكر الخوف يتوب العبد من الذنوب ويأمن من المهالك، ومن ذكر الرجاء يسارع إلى الطاعات، ومن ذكر المحبة يصفو له الأعمال، ومن ذكر الهيبة يدع التملك والاختيار، ويكون في إرادته تابعًا لإرادة الله تعالى، ولا يقول إلا سمعنا وأطعنا، ومن الله سبحانه التوفيق، بطريق التحقيق، وقد ذكر الله سبحانه، في هذه السورة ست قصص من قصص الأنبياء:

стр. 10952

الأولى منها: قصص نوح ﵇ ٧٥ - ولما ذكر سبحانه، أنه أرسل في الأمم الماضية منذرين، وحسن عاقبة المنذرين بالكسر، وسوء خاتمة المنذرين، بالفتح ذكر تفصيل ما أجمله، فقال: ﴿وَلَقَدْ﴾ جواب قسم محذوف؛ أي: وعزتي وجلالي لقد ﴿نادانا نُوحٌ﴾ ﵇، ودعا واستنصر بنا على كفار قومه، لما بالغوا في إيذائه وهموا بقتله، حين دعاهم إلى الدين الحق. ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ له نحن إذ لبينا نداءه، وأهلكنا من كذب به من قومه، والنداء: الدعاء بقرينة ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. والمعنى (١): وبالله لقد دعانا نوح، وهو أول المرسلين حين يئس من إيمان قومه، بعدما دعاهم إليه أحقابا ودهورا، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا ونفورًا، فأجبناه أحسن الإجابة، حيث أوصلناه إلى مراده من نصرته على أعدائه، والانتقام منهم بأبلغ ما يكون، فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف ما حذف ثقة بدلالة ما ذكر عليه، والجمع دليل العظمة والكبرياء. أخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى في بيتي فمر بهذه الآية: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ قال: «صدقت ربنا أنت أقرب من دُعي، وأقرب من بُغي، فنعم المدعو، ونعم المُعطي، ونعم المسؤول، ونعم المولى، أنت ربنا، ونعم النصير». ٧٦ - ثم بيّن سبحانه، أن الإنعام حصل في الإجابة من وجوه: ١ - ﴿وَنَجَّيْناهُ﴾، أي: ونجينا نوحًا ﴿وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: وأهل دينه، وهم من آمن معه، وكانوا ثمانين، ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ والغرق العميم، وقيل: من أذى قومه دهرًا طويلًا، ومن كل ما يكربه ويسوؤه، والكرب: الغم الشديد كما سيأتي في مبحث اللغة. ٢ - ٧٧ ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ﴾ ونسله ﴿هُمُ﴾ فحسب ﴿الْباقِينَ﴾ في الدنيا دون غيرهم،

стр. 10953

كما يُشعر به ضمير الفصل، وذلك لأن الله سبحانه، أهلك الكفرة بدعائه، ولم يبق منهم باقية، ومن كان معه في السفينة من المؤمنين، ماتوا كما قيل، ولم يبق إلا أولاده، وقد روي: أنه مات كل من كان معه في السفينة، غير أبنائه وأزواجهم، وهم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة، قال قتادة: إنهم كلهم من ذرية نوح، وكان له ثلاثة أولاد: سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، وفارس، والروم، واليهود، والنصارى، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب، وكنعان، والسند، والهند، والنوبة، والزنج، والحبشة، والقبط، والبربر، وغيرهم. ويافث أبو الترك، والخزر، والصقالب، ويأجوج ومأجوج، وما هنا لك. وهذا هو المشهور على ألسنة المؤرخين (١)، وليس في القرآن ولا في السنة نص قاطع على شيء من هذا، كما أنه ليس في القرآن ما يشير إلى عموم دعوته لأهل الأرض قاطبةً، ولا أن الغرق عم الأرض جميعًا، وأن ما تفيده الآية من جعل ذريته هم الباقون، إنما هو بالنسبة لذرية من معه في السفينة، وذلك لا يستلزم عدم بقاء ذرية من لم يكن معه، وقد كان في بعض الأقطار الشاسعة، من لم تبلغهم الدعوة، فلم يستوجبوا الغرق، كأهل الصين وغيرهم من البلاد النائية. ٣ - ٧٨ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أي: على نوح، وأبقينا له ثناء حسنًا وذكرًا جميلًا، ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾؛ أي: فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، ٧٩ - ثم ذكر سبحانه، أنه سلم عليه ليقتدى به، فلا يذكره أحد بسوء، فقال: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)﴾؛ أي: وقلنا له: عليك السلام في الملائكة، والإنس، والجن، وعلى هذا التفسير المتروك محذوف، كما قدرنا: والسلام من الله تعالى، وقيل: المتروك نفس قوله: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾؛ أي: تركنا هذا الكلام بعينه في الآخرين، وارتفاعه على الحكاية كقولك: قرأت سورة أنزلناها، فلم ينتصب السلام، لأن الحكاية لا تغير عن وجهها. والمعنى: يسلمون عليه تسليمًا، ويدعون له على الدوام أمةً بعد أمة. وقوله: ﴿فِي الْعالَمِينَ﴾ على هذا المعنى بدل من قوله: ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ لكونه

стр. 10954

أدل منه على الشمول والاستغراق، لدخول الملائكة والثقلين فيه. والمراد (١): الدعاء بثبات هذه التحية واستمرارها أبدًا في العالمين، من الملائكة والثقلين جميعًا. وفي «تفسير القرطبي»: جاءت الحية والعقرب لدخول السفينة، فقال نوح: لا أحملكما لأنكما سبب الضر والبلاء، فقالا: احملنا، فنحن نضمن لك أن لا نضر أحدًا ذكرك، فمن قرأ حين يخاف مضرتهما ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)﴾ لم يضراه، ذكره القشيري. وفي «التأويلات النجمية»: يشير بهذا إلى أن المستحق لسلام الله، هو نوح روح الإنسان؛ لأنه ما جاء أن الله سلم على شيء من العالمين غير الإنسان، كما قال تعالى ليلة المعراج: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال ﵇: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، وما قال: وعلى ملائكتك المقربين. وإنما كان اختصاص الإنسان بسلام من بين العالمين؛ لأنه حامل الأمانة الثقيلة التي أعرض عنها غيره، فكان أحوج شيءٍ إلى سلام الله، ليعبر بالأمانة على الصراط المستقيم، الذي هو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، ولهذا قال النبي ﷺ : «تكون دعوة الرسل حينئذٍ، رب سلم سلم». وهل سمعت أن يكون لغير الإنسان العبور على الصراط، وإنما اختصوا بالعبور على الصراط؛ لأنهم يؤدون الأمانة إلى أهلها. وهو الله تعالى، فلا بد من العبور على صراط الله، الموصل إليه لأداء الأمانة، وقرأ ابن مسعود (٢) ﴿سَلامًا﴾ منصوبًا بتركنا. ٨٠ - ثم علل ما فعله به، بأنه جزاء على إحسانه فقال: ﴿إِنَّا كَذلِكَ﴾ الكاف متعلق بما بعدها؛ أي: مثل ذلك الجزاء الكامل، من إجابة الدعاء، وإبقاء الذرية، والذكر الجميل، وتسليم العالمين أبدًا، ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: الكاملين في الإحسان والإخلاص، لا جزاءً أدنى منه، فهو تعليل لما فعل بنوح، من الكرامات السنية، بأنه مجازاة على إحسانه، ٨١ - وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ تعليل لكونه من المحسنين، بخلوص عبوديته وكمال إيمانه، وفيه إظهار لجلالة قدر الإيمان وأصالة أمره، وترغيب في تحصيله والثبات عليه، وفي «كشف

стр. 10955

الأسرار» خص (١) الإيمان بالذكر، والنبوة أشرف منه، بيانًا لشرف المؤمنين، لا لشرف نوح، كما يقال: إن محمدًا ﷺ من بني هاشم. قال عباس بن عطاء: أدنى منازل المرسلين أعلى مراتب النبيين، وأدنى مراتب النبيين أعلى مراتب الصديقين، وأدنى مراتب الصديقين أعلى مراتب المؤمنين. ٨٢ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا﴾ بالطوفان ﴿الْآخَرِينَ﴾؛ أي: المغايرين لنوح وأهله، وهم كفار قومه أجمعين، ولم نُبق لهم عينًا ولا أثرًا، وهو معطوف على ﴿نَجَّيْناهُ﴾، وأتى بـ ﴿ثُمَّ﴾ لما بين الإنجاء والإغراق من التفاوت الرتبي، وكذا إذا كان عطفًا على ﴿تَرَكْنا﴾، وليس للتراخي؛ لأن كلًا من الإنجاء والإبقاء إنما هو بعد الإغراق دون العكس، كما يقتضيه التراخي. والثانية منها: قصص إبراهيم ﵇ ٨٣ - ثم ذكر سبحانه قصة إبراهيم، وبيّن أنه ممن شايع نوحًا فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛ أي: وإن ممن شايع نوحًا وتابعه ووافقه في أصول الدين والدعوة إلى الله سبحانه، وإلى توحيده والإيمان به ﴿لَإِبْراهِيمَ﴾ وإن اختلفت فروع شريعتهما، ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق كلي أو أكثري. وقال ابن عباس ﵄ أي: وإن من أهل دينه وعلى سننه أو ممن شايعه ووافقه على التصلب في دين الله، ومصابرة المكذبين، وما كان بينهما إلا نبيان هود وصالح فقط، والذين قبل نوح ثلاثة: إدريس، وشيث، وآدم، فجملة ﴿مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ﴾ من الأنبياء ستة، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وست مئة وأربعون سنة، قال الأصمعي: الشيعة: الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد، وفي بعض التفاسير أن الهاء في ﴿شِيعَتِهِ﴾ عائد على محمد ﷺ ، وإن كان غير مذكور. والمعنى عليه: وإن من شيعة محمد ﷺ لإبراهيم، فإبراهيم وإن كان سابقًا في الصورة، لكنه متابع لرسول الله ﷺ في الحقيقة، ولذا اعترف بفضله، ومدح

стр. 10956

دينه، ودعا فيه حيث قال: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ كذا قال الفراء والكلبي وغيرهما، ولا يخفى ما في هذا من الضعف والمخالفة للسياق. ٨٤ - والظرف في قوله: ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ منصوب بفعل محذوف، تقديره: اذكر يا محمد لقومك قصةً إذ أقبل إبراهيم إلى طاعة ربه بقلب خالص من الشرك والشك. وقيل: من الغل، والغش، والحقد، والحسد يحب للناس ما يحب لنفسه، وقيل: خالص من جميع آفات القلوب، وقيل: سليم من العلائق بما في الكونين، ومعنى مجيئه به ربه: إخلاصه له، كأنه جاء به متحضنًا إياه بطريق التمثيل، وإلا فليس القلب مما ينقل من مكان إلى مكان حتى يجاء به، وفي الشوكاني: ومعنى مجيئه إلى ربه يحتمل وجهين: أحدهما: عند دعائه إلى توحيده وطاعته. والثاني: عند إلقائه في النار. وقيل: الظرف متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة؛ أي: تابعه إذ جاء ربه بقلب سليم، واعترضه أبو حيان بلزوم الفصل بينه وبين معموله بأجنبي، وهو قوله: ﴿لَإِبْراهِيمَ﴾ وبلزوم عمل ما قبل اللام الابتدائية فيما بعدها، وأجيب: بأنه يتوسع في الظروف ما لا يُتوسع في غيرها. ومعنى قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ ...﴾ إلخ؛ أي (١): وإنّ ممن سار على نهج نوح، وسلك طريقه في اعتقاد التوحيد والبعث، والتصلب في دين الله، ومصابرة المكذبين، إبراهيم الخليل، صلوات الله وسلامه عليه، ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ ...﴾ إلخ؛ أي: إذا أخلص قلبه لربه، وجعله خاليا من كل شؤون الحياة الدنيا، فلا غش لديه، ولا حقد، ولا شيء مما يشينه من العقائد الزائفة، والصفات القبيحة. ٨٥ - ثم فصّل ما سلف، فقال: ﴿إِذْ قالَ﴾ والظرف بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، أو متعلق بـ ﴿سَلِيمٍ﴾؛ أي: اذكر إذ قال، أو جاء ربه بقلب سليم حين قال: ﴿لِأَبِيهِ﴾ آزر بن باعر بن ناحور بن فالغ بن صالح بن أرفخشد بن سام بن نوح ﴿وَقَوْمِهِ﴾ وكانوا عبدة الأصنام ﴿ماذا تَعْبُدُونَ﴾ استفهام إنكار وتوبيخ؛ أي: أي شيء

стр. 10957

تعبدون؛ أي: حين قال لأبيه آزر وقومه الكفار، منكرًا عليهم عبادة الأصنام والأوثان؛ أي: شيء تعبدون، إذ لا ينبغي لعاقل، أن يركن إلى مثل هذه المعبودات، التي لا تضر ولا تنفع. ٨٦ - ثم بيّن الإنكار وفسّره بقوله: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري. والإفك (١): أسوأ الكذب، وهو لا يثبت ويضطرب، ومنه: ائتفكت بهم الأرض. وانتصاب ﴿إِفْكًا﴾ على أنه مفعول لأجله، و ﴿آلِهَةً﴾ مفعول به لـ ﴿تُرِيدُونَ﴾. فقدم المفعول على الفعل للعناية، ثم المفعول له على المفعول به؛ لأن الأهم مكافحتهم بأنهم على إفك آلهتهم، وباطل شركهم؛ أي: أتريدون آلهة من دون الله، تعبدونها إفكًا وكذبًا، دون أن تركنوا في ذلك إلى دليل، من نص ولا تأييد من نقل، إن هذا منكم إلا خبال وخطل في الرأي، وقيل: انتصاب ﴿إِفْكًا﴾ على أنه مفعول به لـ ﴿تُرِيدُونَ﴾، و ﴿آلِهَةً﴾ بدل منه جعلها نفس الإفك مبالغة. وهذه أولى من الوجه الأول. وقيل: انتصابه على الحال من فاعل ﴿تُرِيدُونَ﴾؛ أي: أتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك. ٨٧ - ﴿فَما﴾ مبتدأ، خبره ﴿ظَنُّكُمْ﴾؛ أي: فأي شيء ظنكم واعتقادكم ﴿بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؛ أي: أتظنون أن يغفل عنكم أو لا يؤاخذكم بما كسبت أيديكم؛ أي: لا ظن فكيف القطع. فالاستفهام للإنكار، وهو تحذير مثل: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. أو المعنى (٢): أتظنون أنه من جنس هذه الأجسام، حتى جعلتموها مساوية له في المعبودية، أو أنه جوّز جعل هذه الجمادات مشاركة له في المعبودية، ٨٨ - ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً﴾ واحدة ﴿فِي النُّجُومِ﴾ جمع نجم، وهو الكوكب الطالع؛ أي: في علمها وحسابها، إذ لو نظر إلى النجوم أنفسها لقال: إلى النجوم، وكان القوم يتعاطون علم النجوم، فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه، واعتذر عن التخلف عن عيدهم؛ أي: عن الخروج إلى معبدهم ٨٩ - ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾؛ أي: سقيم القلب مما تفعلون أو سقيم فيما مضى أو سقيم في المستقبل سقمًا أموت به أو سقيم سقمًا خفيًا مما هو موجود في

стр. 10958

الحال، إذ كان الإنسان لا ينفك من خلل يعتريه، وإن كان لا يحس به، كما ذكره في «المفردات». ففي كلامه تعريض وتورية. وقال ابن عطاء (١): إني سقيم من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام أو بصدد الموت. فإن من في عنقه الموت سقيم. وقد فوجىء رجل فاجتمع عليه الناس وقالوا: مات، وهو صحيح فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه؟. وأيًا ما كان فلم يقل إبراهيم إلا عن تأول. فإن العارف لا يقع في انتهاك الحرمة أبدًا. وكان ذلك من إبراهيم لذب عن دينه، وتوسل إلى إلزام قومه. أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة: أن العرب تقول للشخص إذا تفكر وأطال الفكر: نظر في النجوم. والمعنى هنا: فأطال إبراهيم الفكر فيما هو فيه ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾؛ أي (٢): أحس بخروج مزاجي عن حال الاعتدال، ولا أرى في نفسي خفة ونشاطا، وكان مقصده من قولته هذه، أن لا يخرج معهم في يوم عيدهم، حين طلبوا منه الخروج، لينفذ ما عزم عليه من كسر أصنامهم، وإعلان الحرب عليهم، في عبادتهم للأوثان والأصنام، ولم يكن لهم علم بما بيّت عليه النية، ولا دليل على أنه لم يكن صادقًا فيما يقول، إذ من يعزم على تنفيذ أمر ذي بال، يخاف منه الخطر على نفسه، أن يكون مهمومًا مغمومًا مفكرًا في عاقبة ما يعمل. ٩٠ - وكان القوم يتطيرون من المريض (٣)، فلما سمعوا من إبراهيم ذلك، هربوا منه إلى معبدهم، وتركوه في بيت الأصنام فريدا ليس معه أحد، وذلك قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ﴾؛ أي: فتول قومه، وأعرضوا وتفرقوا عن إبراهيم ﴿مُدْبِرِينَ﴾؛ أي: هاربين مخافة العدوى؛ أي: السراية، وتركوه في مكانه. فائدة: قال عز الدين بن عبد السلام: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا. فالكذب فيه حرام فإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل

стр. 10959

ذلك المقصود مباحًا وواجب إن كان ذلك المقصود واجبًا، فهذا ضابطه، انتهى. وفي «الأسئلة المقحمة»: ومن الناس من يجوّز الكذب في الحروب لأجل المكيدة والخداع، وإرضاء الزوجة، والإصلاح بين المتهاجرين، والصحيح: أنه لا يجوز الكذب أيضًا في هذه المواضع؛ لأن الكذب في نفسه قبيح، والقبيح في نفسه لا يصير حسنًا باختلاف الصور والأحوال، وإنما يجوز في هذه المواضع بتأويل وتعريض لا بطريق التصريح، مثاله نحو قول الرجل لزوجته إذا كان لا يحبها: كيف لا أحبك وأنت حلالي وزوجتي وقد صحبتك. فأما إذا قال صريحا: بأني أحبك وهو يبغضها، فيكون كذبًا محضًا، ولا رخصة فيه. وفي «فتح الرحمن» قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾ لم يقل: إلى النجوم مع أن النظر إنما يتعدى بإلى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾؛ لأن ﴿فِي﴾ بمعنى إلى كما في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾، أو أن النظر هنا بمعنى الفكر، وهو يتعدى بفي، كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ﴾. فصار المعنى هنا: ففكر في علم النجوم. فإن قلت: لم لم يجز النظر في علم النجوم كما جاز لإبراهيم؟. قلت: إذا كان الناظر فيه كإبراهيم في أن الله أراه ملكوت السموات والأرض، جاز له النظر فيه. ٩١ - ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾؛ أي: ذهب إبراهيم إلى آلهتهم وأصنامهم في خفية، وأصله: الميل بحيلة من روغة الثعلب، وهو ذهابه في خفية وحيلة ﴿فَقالَ﴾ إبراهيم للأصنام استهزاء وسخرية: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ أيتها الأصنام من الطعام الذي يصنعونه لكم، وخاطبا كما يخاطب من يعقل، لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة، وكانوا يضعون الطعام عند الأصنام لتحصل لهم البركة بسببها، ويأكلوه إذا رجعوا من عيدهم، وقيل: تركوه للسدنة، وقيل: إن إبراهيم هو الذي قرب إليها الطعام مستهزئًا بها، ٩٢ - والاستفهام في قوله: ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾ للتهكم بهم؛ أي: أي مانع ثبت لكم غير ناطقين بجوابي ٩٣ - ﴿فَراغَ﴾ إبراهيم؛ أي: مال مستعليًا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ حال كونه يضربهم ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾؛ أي: ضربًا حاصلًا باليد اليمنى. فانتصابه على أنه مصدر مؤكد، لفعل محذوف، أو مصدر لراغ؛ لأنه بمعنى ضرب أو على

стр. 10960

الحالية؛ أي: أقبل عليهم مستخفيًا حال كونه ضاربًا باليمين. فالمصدر بمعنى الفاعل؛ أي: ضربًا شديدًا قويًا. وذلك لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما، وقوة الآلة تقتضي قوة الفعل وشدته. وقيل: ضربًا بالقوة والمتانة. وعلى ذلك مدار تسمية الحلف باليمين؛ لأنه يقوّي الكلام ويؤكده. وقيل: ضربًا بسبب الحلف، وهو قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾. ومعنى الآيات: ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ إلخ؛ أي: فذهب مستخفيًا إلى أصنامهم التي يعبدونها، وقال لها استهزاءً: ألا تأكلون من الطعام الذي يقدم إليكم، وكانوا يصنعون في أيام أعيادهم طعامًا لدى هذه الأصنام لتبارك فيه. وقال أيضًا: ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾؛ أي: أي شيء منعكم الإجابة عن سؤالي، ومراده بذلك: التهكم بهم، واحتقار شأنهم، ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾؛ أي: فاتجه إليهم يضربهم بقوة وشدة، حتى تركهم جذاذًا إلا كبيرهم، كما تقدم في سورة الأنبياء، ٩٤ - فلما رجعوا من عيدهم إلى بيت الأصنام، وجدوها مكسورة، فسألوا عن الفاعل، فظنوا أن إبراهيم ﵇، فعله، فقيل: فائتوا به. ﴿فَأَقْبَلُوا﴾؛ أي: توجه المأمورون بإحضاره ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى إبراهيم، قال ابن الشيخ: قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ يجوز أن يتعلق بما قبله وبما بعده، وقوله: ﴿يَزِفُّونَ﴾ حال من واو ﴿أقبلوا﴾؛ أي: حال كونهم يسرعون من زفيف النعام، وهو ابتداء عدوها، فقالوا له: نحن نعبدها وأنت تكسرها. وقرأ الجمهور (١): ﴿يَزِفُّونَ﴾ بفتح الياء من زف إذا أسرع، أو من زفاف العروس، وهو التمهل في المشية، إذ كانوا في طمأنينة أن ينال أصنامهم شيء لعزتهم، وقرأ مجاهد، وعبد الله بن يزيد، والضحاك، ويحيى بن عبد الرحمن المقري، وابن أبي عبلة ﴿يزفون﴾ مضارع زف بمعنى أسرع. وقال الكسائي والفراء: لا نعرفها بمعنى زف. وقرأ حمزة، ومجاهد أيضًا، وابن وثّاب، والأعمش ﴿يزفون﴾ بضم الياء من أزف الرباعي، دخل في الزفيف؛ أي: الإسراع، فهي للتعدي، قاله الأصمعي، وقرىء ﴿يزفون﴾ مبنيًا للمفعول. وقرىء
следующие страницы →