في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿يُوزَعُونَ﴾ والتقدير: فهم يوزعون إلى شهادة سمعهم وأبصارهم عليهم وقت مجيئهم النار، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَهِدَ﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانُوا﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿شَهِدَ﴾، ﴿لِجُلُودِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿قَالُوا﴾ ﴿لِمَ﴾ (اللام): حرف جر، (مَ): اسم استفهام للاستفهام التوبيخي التعجبي، في محل الجر بـ ﴿اللام﴾ مبني بسكون على الألف المحذوفة؛ فرقًا بينها وبين ﴿ما﴾ الموصولة. الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿شَهِدْتُمْ﴾، و ﴿شَهِدْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق بـ ﴿شَهِدْتُمْ﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿أَنْطَقَنَا﴾: فعل ومفعول. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿أَنْطَقَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول به، والجملة: صلة الموصول. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿خَلَقَكُمْ﴾: فعل ماض ومفعول به، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿أَنْطَقَ﴾، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿خَلَقَكُمْ﴾. ﴿وَإِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾. ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية. ﴿ما﴾: نافية، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾: معطوفة على جملة ﴿أَنْطَقَنَا﴾: إن كان من كلام الجلود، أو مستأنفة إن كان من كلام الله تعالى، ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر. ﴿يَشْهَدَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، ﴿سَمْعُكُمْ﴾: فاعل. ﴿وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾: معطوفان على ﴿سَمْعُكُمْ﴾،
стр. 11657
و ﴿لا﴾: في الموضعين: زائدة لتأكيد نفي ما قبلها، وجملة ﴿يَشْهَدَ﴾ مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وما كنتم تستترون من شهادة سمعكم إلخ. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿ظَنَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُ كَثِيرًا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿مِمَّا﴾: صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾ وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُ﴾: خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿أَنَّ﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿ظَنَنْتُمْ﴾؛ أي: ولكن ظننتم عدم علم الله سبحانه كثيرًا مما تعملون.
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾.
﴿وَذَلِكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ذَلِكُمْ﴾: مبتدأ. ﴿ظَنُّكُمُ﴾: خبره، والجملة: معطوفة على جملة الاستدراك. ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ أو بدل منها. ﴿ظَنَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وهو بمعنى الاعتقاد يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك المفعول محذوف، تقديره: ظننتموه، وهو العائد على الموصول. ﴿بِرَبِّكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ وجملة ﴿ظَنَنْتُمْ﴾: صلة الموصول. ﴿أَرْدَاكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الظن ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ثان لاسم الإشارة، أو حال من ﴿ظَنُّكُمُ﴾، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أَصْبَحْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿أصبح﴾: معطوفة على جملة ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَصْبِرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿فَالنَّارُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿النَّارُ﴾: مبتدأ. ﴿مَثْوًى﴾: خبر. ﴿لَهُمْ﴾: صفة لـ ﴿مَثْوًى﴾ والجملة الاسمية: في محل الجزم ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ ﴿ما﴾ النافية. ﴿ما﴾: حجازية: أو تميمية. ﴿هُمْ﴾: اسمها، أو مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾: خبرها، أو خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها،
стр. 11658
وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: ميزت آياته لفظًا باعتبار فواصل الآيات ومقاطعها ومبادىء السور، ومعنًى بكونها وعدًا ووعيدًا وقصصًا وأحكامًا، وخبرًا وإنشاءً كما في "الشهاب". ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: لا يقبلون ولا يطيعون، من قولهم: تشفّعت إلى فلان فلم يسمع قولي؛ أي: لم يقبله ولم يعمل به، فكأنه لم يسمعه. ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾ جمع كنان، كأغطية جمع غطاء، وهي خريطة السهام، والمراد: أنها في أغطية متكاثقة، والكنان في الأصل: الغطاء الذي يكنّ فيه الشيء؛ أي: يحفظ ويستر، وأصل أكنة: أكننة بوزن أفعلة، نقلت حركة النون الأولى إلى الكاف فسكّنت فأدغمت في النون الثانية، فصار أكنة بوزن أفلة. ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ قال في "القاموس": الوقر: ثقل في الأذن، أو ذهاب السمع بالكلية، فهو بمعنى الصمم.
﴿فَاعْمَلْ﴾؛ أي: فاستمر على دينك الذي هو التوحيد. ﴿إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾؛ أي: مستمرون على ديننا الذي هو الإشراك. ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ أصله: يوحى بضم الياء، فيقال: تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فصار يوحى بالألف في آخره، ولكن كتبت بصورة الياء إشارةً إلى أن أصله ياء. ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: أخلصوا له العبادة، وفيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: فاستقوموا، نقلت حركة الواو إلى القاف فسكنت إثر كسرة فقلبت ياءً حرف مدّ، مأخوذ من الاستقامة، والاستقامة: الاستمرار على جهة واحدة ولزومها، بحيث لا يلتفت عنها إلى غيرها. ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: هلاك لهم جملة خبرية اللفظ، إنشائية المعنى، قصد بها الدعاء. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غير مقطوع من قولهم: مَنَنْتُ الحبل: إذا قطعته، ومنه قول ذي الإِصبع:
إِنِّيْ لَعَمْرُكَ مَا بابِيْ بِذِيْ غَلَقٍ ... عَلَى الصَّدِيْقِ وَلَا خَيْرِيْ بِمَمْنُوْنِ
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت لا تتحرّك ولا تميل، جمع راسيةٍ، من رسا الشيء يرسو رسوًّا: نظير سما يسمو سموًا إذا ثبت، وأرساه: غيره إذا أثبته، ومنه المرساة وهو أنجر السفينة إذا وقفت على الأنجر، وفي ﴿رَوَاسِيَ﴾: إعلال بالقلب، أصله: رواسو من الرسو، قلبت الواو ياءً لتطرفها إثر كسرة. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا
стр. 11659
أَقْوَاتَهَا﴾ جمع قوت، والقوت من الرزق: ما يمسك الرمق، ويقوم به بدن الإنسان، يقال: قاته يقوته: إذا أطعمه قوته، والمقيت المقتدر الذي يعطي كل أحد قوته، ومن بلاغات الزمخشري:
إِذَا حَصَّلْتُكَ يَا قُوْتُ ... هَانَ عَلَيَّ الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ
﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ جمع يوم، أصله: أيوام بوزن أفعال، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما ساكنةً فقلبت الواو ياءً وأدغمت فيها الياء. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ والاستواء: ضدّ الاعوجاج، من قولهم: استوى العود: إذا اعتدل واستقام، وحمل في هذا المقام على معنى القصد والتوجه، يقال: استوى إلى مكانه، كذا كالسهم المرسل إذا توجه إليه توجهًا مستويًا من غير أن يلوي على غيره، والمعنى: وجّه سبحانه قصده وإرادته إلى خلق السماء. ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؛ أي: كالدخان، وفي "المفردات": الدخان: العثان المستصحب للهب، والبخار: أجزاء مائية رطبة ترتفع في الهواء مع الشعاعات الراجعة من سطوح المياه، قال الراغب: قوله تعالى: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؛ أي: هي مثل الدخان، إشارة إلى أنها لا تماسك بها. انتهى.
وعبارة "السمين": قوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الدخان: ما ارتفع من لهب النار، ويستعار لما يرى من بخار الأرض عند جدبها، وقياس جمعه في القلة: أدخنة، وفي الكثرة دخيان، مثل: غراب وأغربة وغربان، وقوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ في باب التشبيه الصوريّ؛ لأنَّ صورتها صورة الدخان في رأي العين. اهـ، وقال بعضهم: وهي دخان؛ أي: دخان مرتفع من الماء، يعني السماء بخار الماء كهيئة الدخان. انتهى. ﴿قَالَتَا﴾ الأصل في تاء التأنيث المتصلة بالفعل الماضي: السكون، ولكنها هنا لما التقت بالألف ساكنةً .. حركت بالفتح لمناسبة الألف. وقوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ فيه، إعلال بالإبدال، أصله: طاوعين، أبدلت الواو همزةً في الوصف، حملًا له في الإعلال على فعله. ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ جمع مصباح، والياء فيه: مبدلة من الألف، حيث كسر ما قبلها في صيغة منتهى المجموع. ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ من الصر، وهو: البرد أو من الصرير، وفي "القاموس": الصرّة بالكسر، شدّة البرد، أو البرد. كالصر فيهما، وأشدّ الصياح وبالفتح: الشدّة من الكرب والحرب والحرّ، وصرّ يصر: من باب ضرب صرًّا وصريرًا: إذا صوّت وصاح شديدًا كصرصر، وفي "السمين": قوله:
стр. 11660
﴿صَرْصَرًا﴾ والصرصر: الريح الشديدة، وقيل: هي الباردة من الصرّ وهو البرد، وقيل: هي الشديدة السموم، وقيل: هي المصوّتة، من صرّ الباب؛ أي: سمع صريره، والصرة: الصيحة، ومنه: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ وهي الصيحة، قال الراغب: صرصر لفظه من الصرّ، وذلك يرجع إلى الشدة لما في البرودة من التعقد اهـ. ﴿نَحِسَاتٍ﴾ بكسر الحاء جمع نحسة بكسرها، فهو وصفٌ على فعل، وفعله فعل بكسر العين أيضًا، يقال: نحِسَ فهو نَحِسٌ، كفَرِحَ فهو فَرِحٌ، وأشِرَ فهو أَشِرٌ. ﴿عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: العذاب الخزي ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ فلو لم يكن من إضافة الموصوف إلى صفته لم يأت بلفظ ﴿أَخْزَى﴾ الذي يقتضي المشاركة. و ﴿أَخْزَى﴾ أصله: أخزي بوزن أفعل، قلبت ياؤه ألفًا؛ لتحركها بعد فتح.
﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ حقيقة الاستحباب: أن يتحرّى الإنسان في الشيء أن يحبّه، واقتضى تعديته بـ ﴿عَلَى﴾ تضمُّنه معنى الإيثار والاختيار، كما في "المفردات"؛ أي: اختاروا الضلالة على الهدى، وأصله: استحببوا بوزن استفعلوا، نقلت حركة الباء الأولى إلى الحاء فسكنت، فأدغمت في الباء الثانية. ﴿الْعَمَى﴾ أصله: العمي، بوزن فعل، فقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ الهون: مصدر بمعنى الهوان والذلة، يقال: هان هونًا وهوانًا: إذا ذلّ. ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ جمع عدوٍ، وأصله: أعداو، أبدلت الواو همزة لتطرفها بعد ألف أفعال الزائدة ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ من وزع الثلاثي لا من أوزع الرباعي، كما وهمه بعضهم، يقال: وزعته عن كذا كوضع كففته، وفي معاجم اللغة: وزع يزع من باب فتح، ووزع يزع من باب ضرب، وزع فلان بفلان: كفّه ومنعه، وزع الجيش حبس أولهم على آخرهم، فمعنى ﴿يُوزَعُونَ﴾: يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم. ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ جمع جلد، والجلد: قشر البدن. ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أرداكم فيه إعلال بالقلب، أصله: أرديكم بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ وفي "القاموس": العتبى: الرضا، واستعتبه أعطاه العتبى، كأعتبه وطلب إليه العتبى، وفي "المفردات": أعتبته: أزلت عنه عتبة، نحو: أشكيته، ومنه ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ والاستعتاب: أن يطلب من الإنسان أن يذكر عتبه فيعتب، والعتب: الشدة والأمر الكريه، والغلظة التي يجدها
стр. 11661
الإنسان في نفسه على غيره، فمعنى ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾؛ أي: يطلبوا العتبى؛ أي: الرضا والرجوع لهم إلى ما يحبّون جزعًا مما هم فيه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، وبين ﴿طَوْعًا﴾ و ﴿كَرْهًا﴾، وبين ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ لأن التعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور، كقولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير؛ أي: مضروبه.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ حيث شبّهوا قلوبهم بالشيء المحوي المحاط بالغطاء، المحيط له بحيث لا يصيبه شيء، من حيث تباعدها عن إدراك الحق واعتقاده.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ حيث شبّهوا أسماعهم بآذان بها صمم، من حيث إنها تمجّ الحق ولا تميل إلى استماعه.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ حيث شبّهوا حال أنفسهم مع رسول الله ﷺ بحال شيئين بينهما حجاب عظيم، يمنع من أن يصل أحدهما إلى الآخر ويراه ويوافقه.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.
ومنها: الترهيب والتنفير من الشرك في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إثر ترغيبهم في التوحيد.
ومنها: التحذير والتخويف من منعِ الزكاة حيث جعله من أوصاف المشركين.
ومنها: اختلاف جملتي الصلة بالفعلية والاسمية في قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ لما أنّ عدم إيتائها متجدد والكفر أمر
стр. 11662
مستمر، فالأولى تفيد التجدّد، والثانية تفيد الاستمرار.
ومنها: الاستفهام في قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ للإنكار والتشنيع لكفرهم، وفيه أيضًا جمع المؤكدات الهمزة وإن واللام لتأكيد الإنكار، وتقديم الهمزة لاقتضائها الصدارة.
ومنها: التشبيه البليغ الصوري في قوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؛ أي: كدخان، ففيه تشبيه بليغ صُوري؛ لأنّ صورتها صورة الدخان في رأي العين، والمراد بالدخان البخار الذي تتشكّل منه الطبقات الهوائية، فتسميتها دخانًا تشبيهًا لها به من حيث إنها أجزاء متفرقة غير متواصلة، عديمة النور كالدخان، فإنه ليس له صورة تحفظ تركيبه.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا﴾ فقد شبه تأثير قدرته تعالى فيهما، وتأثرهما عنها بأمر آمر نافذ الحكم يتوجّه نحو المأمور المطيع فيمتثل أمره، فعبّر عن الحالة المشبّهة بما يعبر به عن الحالة المشبّه بها ذكره في "الروح".
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ حيث أسند القول للأرض والسماء مع كونهما غير عاقلين تنزيلًا لهما منزلة العقلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب الاستعارة المكنية، فقد شبّههما بمخلوقين حيّين عاقلين، ثمّ حذف المشبه به وأثبت شيئًا من لوازمه لتمثيلهما بأمر المطاع وإجابة الطائع، كما تقول: نطقت الحال بكذا بدل دلّت، فيجعل الحال كالإنسان الذي يتكلّم في الدلالة والبرهان، ثم يتخيل له النطق الذي هو من لوازم المشبّه به، وينسب إليه.
ومنها: تنزيل غير العقلاء، منزلة العقلاء الذكور في قوله: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ حيث جمعه جمع المذكر السالم.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ التفت فيه من الغيبة في قوله: ﴿خَلَقَ﴾ و ﴿قَدَّرَ﴾ إلى التكلم، فقد أسند التزيين إلى ذاته سبحانه لإبراز مزيد العناية بالتزيين المذكور.
ومنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ فقد خاطبهم أولًا بقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ فلما لم يأبهوا لخطابه، ولم يستوعبوا نصحه .. التفت من
стр. 11663
الخطاب إلى الغيبة؛ لأنهم فعلوا الإعراض فليس له إلا أن يعرض عن خطابهم، ليصح التلاؤم ويناسب اللفظ المعنى، وهذا من أرفع أنواع البلاغة وأرقاها، وكم للالتفات من أسرار ذكروها في محلها.
ومنها: العدول عن صيغة المضارع المستقبل، إلى الماضي في قوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ للدلالة على أن ما ينذرهم به أمر متحقّق لا مندوحة عنه، وعبارة "الروح": وصيغة الماضي فيه الدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق المنذر به.
ومنها: الإسناد المجازيّ في قوله: ﴿عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ فإنه أضاف العذاب إلى الخزي الذي هو الذلّ والاستكانة، وهو في الأصل صفة المعذّب، ولكنّه جنح إلى وصف العذاب به للمبالغة.
ومنها: المشاركة في قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ وجعل الخزي هذه المرّة خبرًا للمشاكلة، على حدّ قول الشاعر:
قَالُوْا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ... قُلْتُ: اطْبُخُوْا لِيْ جُبَّةً وَقَمِيْصَا
أي: خيطوا لي، فأطلق الخياطة بلفظ الطبخ، لمشاكلة ما قبله.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ فقد شبّه الكفر بالعمى؛ لأنّ الكافر ضال عن القصد، متعسف الطريق كالأعمى، وشبّه الإيمان بالهدى؛ لأن المؤمن مهتد إلى محجّة القصد وسواء السبيل، ثم حذف المشبّه في كليهما وأثبت المشبّه به الذي هو العمى والهدى.
ومنها: الطباق بين ﴿الْعَمَى﴾ و ﴿الْهُدَى﴾.
ومنها: صيغة جمع العقلاء في خطاب الجلود في قوله: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ وكذا في قوله: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ ...﴾ إلخ. لوقوعهما في موقع السؤال والجواب المختصين بالعقلاء كما مرّ.
ومنها: تخصيص الجلود، لكون شهادتها أعجب من شهادة السمع والبصر، إذ ليس شأنها الإدراك.
ومنها: الالتفات من الخطاب في قوله: ﴿أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا ...﴾ إلخ. للإشعار بإبعادهم عن حيّز الخطاب،
стр. 11664
والإبقاء في غاية دركات النار.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ مع أنّ هذه المحاورة بعد البعث والرجوع إلى الله، لما أنّ المراد بالرجوع ليس مجرد الردّ إلى الحياة بالبعث، بل ما يعمه ويعمّ ما يترتّب عليه من العذاب الخالد المترقّب عند المخاطبة، فغاب المتوقع على الواقع. اهـ "أبو السعود".
ومنها: عطف العامّ على الخاص في قوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾ إذ المراد بالجلود: الجوارح. مطلقًا، فعطفها على ما قبلها من عطف العام على الخاصّ.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
فائدة: قال الشيخ النيسابوري: خلق الله السماء قبل خلق الأرض؛ ليعلم أنّ فعله خلاف أفعال الخلق؛ لأنه خلق أولًا السقف ثم الأساس، ورفعها على غير عمد؛ دلالةً على قدرته وكمال صنعه، وروي أنه تعالى خلق جرم الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين، ودحاها وخلق ما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق السموات وما فيهن يوم الخميس ويوم الجمعة، وخلق آدم في آخر ساعةٍ منه، وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة، وسمي الجمعة لاجتماع المخلوقات لها وتكاملها، ولمَّا لم يخلق الله في يوم السبت شيئًا .. امتنع بنو إسرائيل من الشغل فيه، كما في "فتح الرحمن".
والظاهر: أنه ينبغي أن يكون المراد به أنه تعالى خلق العالم في مُدّة لو حصل فيها فلك وشمس وقمر .. لكانَ مبدأ تلك المدة أول يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، كما في "حواشي ابن الشيخ". وفي كلام بعضهم أولى الأسبوع الأحد لغةً، وأوله السبت عرفًا؛ أي: في عرف الفقهاء.
واستشكل: هل تسمية الأيام بهذه الأسماء، هي من الله تعالى أو من النبي ﷺ أو من العرب؟ وروي: "أن الله تعالى خلق يومًا فسمّاه الأحد، ثم خلق ثانيًا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثًا فسماه الثلاثاء، بضم الثاء المثلثة وفتحها، ثم خلق رابعًا فسماه الأربعاء، بتثليث الباء الموحّدة، ثم خلق خامسًا فسماه الخميس"، وعلى هذا
стр. 11665
فالتسمية من الله تعالى، إلا السبت فلم يذكره، وبهذا يندفع ما قال السهيلي: تسمية هذه الأيام طارئة، ولم يذكر الله منها في القرآن إلا يوم الجمعة والسبت، والعرب أخذوا معاني الأسماء من أهل الكتاب، فألقوا عليها هذه الأسماء اتباعًا لهم، فلم يسمها رسول الله ﷺ بالأحد والاثنين إلى غير ذلك، إلا حاكيًا للغة قومه، لا مبتدِئًا بتسميتها. هذا كلام السهيليّ، وعلى هذا فالتسمية من العرب.
والله أعلم
* * *
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لما ذكر (١) الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على الكفر والمعاصي .. أردف ذلك بذكر السبب الذي من أجله وقعوا في الكفر، ثم حكى عنهم جنايةً أخرى، وهي أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن .. أعملوا الحيلة في عدم اسماع الناس له، حتى لا يتدبرّوا معناه، فتشاغلوا حين قراءَته يرفع الأصوات، وإنشاء الأشعار حتى يهوّشوا على القارىء، ويغلبوا على قراءَته، ثم ذكر أنهم حين يقعون في العذاب الشديد، يطلبون أن يروا من كانوا السبب في وقوعهم في الضلال من الجنّ والإنس، ليدوسوهم تحت أقدامهم، انتقامًا منهم على أن صيروهم في هذه الهاوية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما أسلف القول في وعيد الكفار بما لم يبق بعده في القوس منزع .. أعقبه بهذا الوعد الشريف للمؤمنين، كما هي سنة القرآن من اتباع أحدهما بالآخر، كما جاء في قوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾. قال عطاء عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أنّ قرناء السوء يدعون إلى المعاصي .. أردف ذلك بذكر حال أضدادهم، الذين يدعون الناس إلى توحيد الله تعالى وطاعته، ثم أعقب هذا بأن الحسنة والسيئة لا يستويان ثوابًا عند الله تعالى، ثمّ أمر رسوله بدفع سفاهات المشركين وجهالاتهم بطريق الحسنى، لما في ذلك من تألّف القلوب وارعواء النفوس عن غيّها وثوبها إلى رشدها، وأرشد إلى أن هذه فعلة لا يتقبّلها إلا الصابرون على احتمال المكاره، ومن لهم حظ عظيم من الثواب عند الله، ثمّ ختم ذلك بتلك النصيحة الذهبية، وهي أنه إذا صرف الشيطان المرء عن شيء مما شرعه الله تعالى .. فليتعوّذ من شرّه، ولا يطعه في أمره، والله سميع لما يقول،
стр. 11668
عليم بكل ما يفعل، وهو المجازي له على ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمَّا ذكر في الآيات السابقة. أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى .. (١) أردفه بذكر الدلائل على وجوده تعالى وقدرته وحكمته؛ تنبيهًا إلى أنَّ الدعوة إلى الله تقرير الدلائل على ذاته وصفاته، ثمّ ذكر منها الدلائل الفلكية، وهي الليل والنهار والشمس والقمر، ثمّ أتبعها بآيات أرضية تشاهد رأْي العين في كل حين؛ وهي حال الأرض حين خلوِّها من المطر والنبات، ثم حالها بعد نزول المطر، فهي تنتعش بعد أن كانت ميتةً، وتهتزّ بعد أن كانت ساكنةً، والذي أحياها هو الذي يحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه (٢) لما بيّن أنّ الدعوة إلى دين الله أسمى المقاصد، وأنها إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد وصحة البعث يوم القيامة .. أعقب هذا بتهديد من ينازع في تلك الدلائل بإلقاء الشبهات، ثم هدّدهم بضروب من التهديد، فهدّدهم بقوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ وبقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وبقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ...﴾ إلخ.
قوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما هدَّد الملحدين في آياته .. سلّى رسوله على ما يصيبه من أذى المشركين وطعنهم في كتابه، وحثّه على الصبر، وأن لا يضيق صدره بما حكاه عنهم من نحو قولهم: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾. وقولهم: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ فما قاله أولئك الكفار في شأنه وشأن ما أنزل إليه من القرآن .. لا يعدو شأن ما قاله أمثالهم من الأمم السابقة، ثم أجاب عن شبهة قالوها، وهي: هلا نزل القرآن بلغة العجم، بأنه لو نزل كما يريدون .. لأنكروا أيضًا، وقالوا: ما لنا ولهذا، ثمَّ ذكر أنَّ القرآن هدايةٌ وشفاء للمؤمنين، والذين لا يؤمنون به في آذانهم صمم عن سماعه، ثم ذكر أنَّ الاختلاف في شأن الكتب عادة قديمة للأمم، فقومك ليسوا ببدع فيها بيت الأمم، ثم أبان أن المرء وما عمل، فمن أحسن فلنفسه، ومن
стр. 11669
أساء .. فعليها، ولا يظلم ربك أحدًا.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن المنذر عن بشير بن تميم: أنها نزلت في أبي جهل وعمَّار بن ياسر.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: قالت قريش: لو أنزل هذا القرآن أعجميًا وعربيًا، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ الآية، وأنزل الله بعد هذه الآية فيه بكل لسان، قال ابن جرير: والقراءة على هذا أعجميّ بلا استفهام.
التفسير وأوجه القراءة
٢٥ - ﴿وَقَيَّضْنَا﴾؛ أي: قدّرنا وهيّأنا وسبّبنا وقرنّا ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لكفار مكة وسلّطنا عليهم في الدنيا ﴿قُرَنَاءَ﴾ جمع قرين؛ أي: أخدانًا وأصحابًا من شياطين الإنس والجن، وأصدقاء يستولون عليهم استيلاء القيض على البيض، وهو القشر الأعلى، وهو حجة على القدرية، فإن هذا يدل على التخلية بينهم وبين التوفيق، لأجله صاروا قرناءهم، وهم لا يقولون بموجب الآية ﴿فَزَيَّنُوا﴾؛ أي زيّن القرناء وحسّن ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لكفار مكة، أو لجميع الكفرة ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمور الدنيا وشهواتها، وحملوهم على الوقوع في معاصي الله بانهماكهم فيها ﴿وَ﴾ زيّنوا لهم ﴿مَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمور الآخرة، فقالوا: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا مكروه عوض، وقال الزجاج: ما بين أيديهم ما عملوه، وما خلفهم ما عزموا على أن يعملوه، وروي عن الزجاج أيضًا أنه قال: ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا، وعلى القول الأول جعل أمر الدنيا بين أيديهم، كما يقال: قدَّمت المائدة بين أيديهم، والآخرة لما
стр. 11670
كانت تأتيهم بعد هذا جعلت خلفهم، كما يقال لمن يجيء بعد الشخص: أنه خلفه، وهذا هو الذي تقتضيه ملاحظة الترتيب الوجوديّ، وقيل: ما بين أيديهم: الآخرة؛ لأنها قدّامهم وهم متوجّهون إليها، وما خلفهم الدنيا لأنهم يتركونها خلفهم، وفي "عرائس البيان": زيَّنت النفس الشهوات، والشياطين التسويف والإمهال، وهذا ما بين أيديهم وما خلفهم.
وقال الجنيد: لا تألف النفس الحق أبدًا، وقال ابن عطاء: النفس قرين الشيطان وإلفه، ومتبعه فيما يشير إليه مفارق للحق مخالف له، لا يألف الحق ولا يتبعه، قال الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من طول الأمل، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من نسيان الذنوب. انتهى.
﴿وَحَقَّ﴾؛ أي: وجب وثبت ﴿عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: على كفار مكة ﴿الْقَوْلُ﴾؛ أي: قول العذاب وقضاؤه وكلمته؛ أي: تقرّر عليهم كلمة العذاب، وتحقق موجبها ومصداقها، وهي قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾، وقوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: حالة كونهم كائنين في جملة أمم، وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى مع، وهذا كما ترى صريح في أنّ المراد بأعداء الله فيما سبق المعهودون من عاد وثمود، لا الكفار من الأولين والآخرين، كما قيل. وقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ صفة لـ ﴿أُمَمٍ﴾؛ أي: مع أمم من الأمم الكافرة التي قد خلت ومضت ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ على الكفر والعصيان، كدأب هؤلاء الكفار، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب، والضمير للأولين والآخرين، وأصل الخسارة: إفساد الاستعداد الفطري، كإفساد بعض الأسباب البيضة، فإنها إذا فسدت .. لم ينتفع بها.
وفي "كشف الأسرار": إذا أراد الله بعبد خيرًا .. قيّض له قرناء خير يعينونه على الطاعة ويدعونه إليها، وإذا أراد الله بعبد سوءًا .. قيض له أخدان سوء يحملونه على المخالفات ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، فإنه مسلّط على الإنسان بالوسوسة، وشر من ذلك النفس الأمارة بالسوء، تدعو اليوم إلى ما فيه هلاكها وهلاك العبد، وتشهد غدًا عليه بما دعته إليه.
نسأل الله أن يجعلنا من الرابحين لا من الخاسرين، وأن يكون
стр. 11671
عونًا لنا على النفس وإبليس وسائر الشياطين، ويجعلنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
ومعنى الآية (١): أي وسلَّطنا عليهم أخدانًا وأعوانًا من شياطين الجنّ والأنس، فزيَّنوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا، من الضلالة والكفر واتباع الشهوات، وما خلفهم من أمر الآخرة، فألقوا إليهم أن لا جنّة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر، فسهل عليهم فعل ما يشتهون، وركوب كل ما يتلذذون به من الفواحش، ووجب عليهم من العذاب ما وجب على الذين كفروا من قبلهم، ممن فعلوا فعلهم، ثمّ علّل استحقاقهم للعذاب، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾؛ أي: لأنَّهم استووا جميعًا في الخسار والدمار، واستحقوا اللعن والخزي في الحياة الدنيا والآخرة.
٢٦ - وبعد أن أخبر عن كفر قوم هود وصالح وغيرهم .. أخبر عن مشركي قريش، وأنهم كذبوا بالقرآن، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله من رؤساء المشركين كأبي جهل وأضرابه لأعقابهم وأشقيائهم، أو قال بعضهم لبعض: ﴿لَا تَسْمَعُوا﴾؛ أي: لا تستمعوا ﴿لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ ولا تنصتوا له، وقيل: معنى لا تسمعوا لا تطيعوا، يقال: سمعت لك؛ أي: أطعتك ﴿والْغَوْا﴾؛ أي: ائتوا باللغو والباطل من الكلام الذي لا طائل تحته ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في حال قراءة القارىء له، وعارضوه (٢) بالخرافات، وهي الهذيان والأحاديث التي لا أصل لها، مثل: قصة رستم وإسفنديار، وبإنشاء الأرجاز والأشعار، وبالتصدية والمكاء؛ أي: بالتصفيق والصفير، وارفعوا أصواتكم بها لتشوشوا على القارىء، فيختلط عليه ما يقرؤُه ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾؛ أي: تغلبونه على قراءته، فيترك القراءة، ولا يتمكن السامع أيضًا من سماعه، أرادوا بذلك التلبيس والتشويش والأذية، وأيضًا خافوا من أنه لو سمعه الناس .. لآمنوا به، وكان ذلك غالبًا شأن أبي جهل وأصحابه وقال أبو العالية وقَعُوا فيه وعَيّبوه، وقال الضحاك: أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول:
وقرأ الجمهور والفراء (٣): بفتح الغين مضارع لَغِي بكسرها، أو من لغَى بالفتح يلغَى بالفتح أيضًا، كما حكاه الأخفش.
стр. 11672
وقرأ عيسى بن عمر وقتادة وأبو حيوة وابن أبي إسحاق والزعفراني بخلاف عنهما، والجحدري وبكر بن حبيب السهمي كذا في "كتاب ابن عطية" وفي "كتاب اللوامح": وأما في "كتاب ابن خالويه" فعبد الله بن بكر السهمي؛ أي: قرؤُوا: بضم الغين، مضارع لغَى بفتحها وهما لغتان، وقال الأخفش: يقال لَغَى يَلْغَى بفتح الغين، وقياسه الضم، لكنه فتح لأجل حرف الحلق، فالقراءة الأولى من يَلْغَى، والثانية من يَلْغُو، وقال صاحب "اللوامح": ويجوز أن يكون الفتح من لغى الشيء يلغى به: إذا رمى به، فيكون ﴿فِيهِ﴾ بمعنى: به؛ أي: ارموا به وانبذوه، وأما معنى الضم؛ أي: أدخلوا فيه اللّغو، واللّغْوُ (١) من الكلام، ما لا يعتد به، وهو الذي لا عن روية وفكر، فيجري مجرى اللغاء، وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور.
والمعنى: أي وقال الذين كفروا بالله ورسوله: لا تنصتوا لسماع هذا القرآن وعارضوه باللغو والباطل، وبإنشاد الشعر والأراجيز، حتى تهوشوا على القارىء، لعلكم تغلبون على قراءَته وتميتون ذكره، وقد كان النبي ﷺ وهو بمكة، إذا قرأ القرآن .. يرفع صوته، فكان المشركون يطردون الناس عنه، ويقولون: الغوا فيه بالمكاء والصفير وإنشاد الشعر، قال ابن عباس: قال أبو جهل: إذا قرأ محمد .. فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول.
٢٧ - ثم أوعد الكفار بالعذاب الشديد، فقال: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: فوعزتي وجلالي لنذيقن هؤلاء القائلين واللاغين، أو جميع الكفرة، وهم داخلون فيه دخولًا أوليًا ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ في الدنيا، لا يقادر قدره، كما دل عليه التنكير الوصف، وهذا تهديد شديد؛ لأن لفظ الذوق إنما يذكر في القدر القليل، يؤتى به لأجل التجربة، وإذا كان ذلك الذوق، وهو قدر قليل عذابًا شديدًا .. فقس عليه ما يعده ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ في الآخرة ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي (٢): جزاء سيئات أعمالهم التي هي في أنفسها أسوأ، فإذا كانت أعمالهم أسوأ .. كان جزاؤها كذلك، فالأسوأ قصد به الزيادة المطلقة، وإنما أضيف إلى ما عملوا؛ للبيان والتخصيص، أو المعنى (٣): ولنجزينهم سيئات أعمالهم التي بعضها أسوأ من بعض، بحسب تفاوت مراتبها في الإثم، وأفعل التفضيل ليس على بابه.
стр. 11673
وفي "فتح الرحمن": المراد به سيئة، إذ لا يختص جزاؤهم بأسوأ عملهم، فلا يجازيهم على محاسن أعمالهم، كإغاثة الملهوفين وصلة الأرحام، وقرى الأضياف؛ لأنها محبطة بالكفر. أو المعنى (١): ولنجزينهم أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم، وهو الكفر، وعلى غيره بحسب ما يليق به. وعن ابن عباس ﵄: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أبا جهل وأصحابه ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ في الدنيا يوم بدر ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرة.
والمعنى: أي فلنذيقن الكافرين عذابًا لا يحاط بوصفه، ولنجازينهم بأسوأ أعمالهم؛ لأن أعمالهم الحسنة كصلة الأرحام وإكرام الضيف قد أحبطها الكفر، ولم يبق لهم إلا القبيح، ومن ثم لم يجازوا إلا على السيئات، وفي هذا تعريض بمن لا يخشع ولا يتدبر حين سماع القرآن، وتهديد ووعيد لمن يصدر منه حين سماع القرآن ما يهوش على القارىء، ويخلط عليه في القراءة.
٢٨ - ثم بين العذاب الشديد الذي يحيق بهم، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الجزاء، وهو مبتدأ، خبره: قوله: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾؛ أي: جزاء معد لأعدائه ﴿النَّارُ﴾ عطف بيان لـ ﴿الجزاء﴾ أو بدل منه، أو ذلك (٢) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك على أنه عبارة عن مضمون الجملة، لا عن الجزاء، وما بعده: جملة مستقلة مبينة لما قبلها؛ يعني: أن ﴿الجزاء﴾ مبتدأ و ﴿النَّارُ﴾: خبره، أو ﴿النَّارُ﴾: مبتدأ، خبره: قوله: ﴿لَهُمْ﴾، وجملة قوله: ﴿فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾: حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور؛ أي: النار كائنة لهم حالة كونها موصوفة يكون دار الخلد والإقامة المؤبدة فيها؛ أي: هي بعينها دار إقامتهم، لا انتقال لهم منها، على أن ﴿فِي﴾ للتجريد لا للظرفية، وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله؛ مبالغةٌ لكماله فيها، كما يقال: في البيضة عشرون منًا من حديد، وقيل: هي على معناها؛ أي: للظرفية، والمراد: أن لهم في النار المشتملة على الدور دارًا مخصوصةً هم فيها خالدون، ومعنى دار الخلد: دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: منصوب (٣) بفعل مقدر؛ أي: يجزون جزاءً، و ﴿الباء﴾ الأولى: متعلقة بي ﴿جَزَاءً﴾ والثانية: بـ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ وقدمت عليه؛ لمراعاة الفواصل؛ أي: بسبب
стр. 11674
ما كانوا يجحدون بآياتنا الحقة، أو يلغون فيها، وذكر الجحود؛ لكونه سببًا للغو، إقامةً للسبب مقام المسبب؛ أي: يجزون جزاءً بسبب جحدهم بآيات الله، قال مقاتل: يعني القرآن، يجحدون أنه من عند الله.
والمعنى: أنهم مخلّدون فيها أبدًا، لا انقطاع لعذابها ولا انتقال منها، فهي جزاء لهم على جحودهم لآياتنا، واستكبارهم عن سماعها.
٢٩ - ثم بين أنهم حين وقوعهم في العذاب الشديد يطلبون الانتقام ممن أضلوهم من شياطين الإنس والجن، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: قالوا وهم متقلبون فيما ذكر من العذاب، وذكره بلفظ الماضي؛ تنبيهًا على تخقق وقوعه؛ أي: يقولون: يا ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿أَرِنَا﴾؛ أي: أبصرنا الشيطانين ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؛ أي: حملانا على الضلال بالتسويل والتزيين ﴿مِنَ﴾ نوعي ﴿الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ لأن الشيطان بين جني وإنسي، بدليل قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ويقال: أحدهما قابيل بن آدم؛ لأنه أول من سن القتل بغير حق، والذي من الجن إبليس؛ لأنه أول من سن الكفر والشرك، فيكون معنى: ﴿أَضَلَّانَا﴾: سنا لنا الكفر والمعصية، كما في "عين المعاني" ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع: "ما من مسلم يقتل ظلمًا .. إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمه؛ لأنه أول من سن القتل" أخرجه الترمذي وغيره، ويروى: أن قابيل شدت ساقاه بفخذيه، يدور مع الشمس حيث دارت، يكون في الشتاء في حظيرة ثلج، وفي الصيف في حظيرة نار. وقيل: المراد: أنهم طلبوا من الله سبحانه أن يريهم من أضلهم من فريق الجن والإنس، من الشياطين الذين كانوا يسولون لهم ويحملونهم على المعاصي، ومن الرؤساء الذين كانوا يزينون لهم الكفر والمعاصي.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَرِنَا﴾ بكسر الراء، بمعنى: أبصرنا، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وأبو بكر السوسي عن أبي عمرو والمفضل: ﴿أرنا﴾ بسكون الراء تخفيفًا، كفَخْذٍ في فَخِذَ بمعنى أعطِنا هُما، وقرأ الدوري: باختلاس كسرة الراء. وقال الخليل: إذا قلت: أرني ثوبك بكسر الراء .. فمعناه: أبصرنِيهِ، وبالسكون: أعطنيه، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد، وشدد ابن كثير النون من ﴿اللذين﴾
стр. 11675
﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾؛ أي: ندسُّهما بأقدامنا لنتشفى وننتقم منهما، أو نجعلهما. تحت أقدامنا في النار ﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ فيها مكانًا، وأشد عذابًا منا، أو ليكونا من الأذلين المهانين.
وخلاصة المعنى: ويقول الكافرون يوم القيامة، وهم يتقلبون في العذاب: ربنا أرنا شياطين الإنس والجن الذين أوقعونا في الضلال، نَدُسُّهم تحت أقدامنا، انتقامًا منهم ومهانةً لهم، أو ليكونا مباشرين للنار، ويكونا وقايةً بيننا وبينها، فتخفَّف عنا حرارتها نوعَ خِفةٍ.
٣٠ - ثم لما ذكر سبحانه عقاب الكافرين وما أعده لهم .. ذكر حال المؤمنين وما أنعم عليهم به، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له، اعترافًا بربوبيته، وإقرارًا بوحدانيته، فربُّنا الله من باب: صديقي زيد، يفيدُ الحصرَ ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾؛ أي: ثبتوا على الإقرار بقولهم: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ومقتضياته بأن لا تزل قدمهم عن طريق العبودية قلبًا وقالبًا ولا تتخطاه، وفيه يندرج كل العبادات والاعتقادات بصفة الدوام إلى وقت الوفاة، فـ ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الزمان، أو في الرتبة، فإن الاستقامة لها الشأن كله؛ يعني: أن المنتهى وهي الاستقامة، لكونه مقصودًا أعلى حالًا من المبدأ، وهو الإقرار واستقامة الإنسان: لزومه للمنهج المستقيم.
وفي قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: تعريض لليهود والنصارى؛ لأنهم لم يستقيموا على دينهم، حتى قالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ و ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ونحو ذلك، وكفر بنبوة محمد ﷺ . ومن الاستقامة: أن لا يرى المرء النفع والضر إلا من الله، ولا يرجو من أحد دون الله، ولا يخاف أحدًا غيره.
وفي "التأويلات النجمية": تشير الآية إلى يوم الميثاق، لما خوطبوا بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىَ﴾؛ أي: ربنا الله، وهم الذريات المستخرجة من ظهر آدم ﵇، أقروا بربوبيته ثم استقاموا على إقرارهم بالربوبية، ثابتين على أقدام العبودية لما أخرجوا إلى عالم الصورة، ولهذا ذكر بلفظ ﴿ثُمَّ﴾؛ لأنه للتراخي، فأقروا في عالم الأرواح، ثم استقاموا في عالم الأشباح، وهم المؤمنون، بخلاف المنافقين والكافرين، فإنهم أقروا ولم يستقيموا على ذلك.
стр. 11676
وقال جماعة من الصحابة والتابعين: معنى الاستقامة: إخلاص العمل لله، وقال قتادة وابن زيد: ثم استقاموا على طاعة الله. وقال الحسن: استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته، وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا. وقال الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا. وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن عياض: زهدوا في الفانية، ورغبوا في الباقية.
﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ من جهته تعالى، يمدونهم فيما يعرض لهم من الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم الخوف والحزن بطريق الإلهام، كما أن الكفرة يمدّهم ما قيّض لهم من قرناء السوء بتزيين القبائح، وكذا تتنزل عند الموت بالبشرى، وفي القبر وعند البعث إذا قاموا من قبورهم، ﴿أنْ﴾ مفسرة، بمعنى؛ أي: أو مخففة من الثقيلة، والأصل: بأنه، و ﴿الهاء﴾: ضمير الشأن أو المصدرية، ولا على الوجهين الأولين: ناهية، وعلى الثالث: نافية؛ أي: يتنزلون متلبسين بهذه البشارة، وهي ﴿لا تخافوا﴾، ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، فلا ترون مكروهًا فإن الخوف غم يلحق الإنسان لتوقع المكروه ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلفتم من أهل وولد، فإن الله تعالى يخلفكم عليهم بخير، ويعطيكم في الجنة أكثر من ذلك وأحسن، ويجمع بينكم وبين أهليكم وأولادكم المسلمين في الجنة، فإن الحزن غم يلحق من فوات نافع أو حصول ضار. وفي قراءة عبد الله: ﴿لا تخافوا﴾ بإسقاط ﴿أنْ﴾؛ أي: تتنزل عليهم الملائكة قائلين: ﴿لا تخافوا ولا تحزنوا﴾. وفي "التأويلات النجمية": الخوف (١) إنما يكون في المستقبل من الوقت، وهو بحلول مكروه أو فوات محبوب، والملائكة يبشرونهم بأن كل مطلوب لهم سيكون، وكل محذور لهم لا يكون، والحزن من حزونة الوقت، والذي هو راض بجميع ما يجري مستسلم للأحكام الأزلية، فلا حزونة في عيشه، بل من يكون قائمًا بالله، وهائمًا في الله، دائمًا على الله، لا يدركه الخوف والحزن، والملائكة يبشرونهم أن لا تخافوا ولا تحزنوا على فوات العناية في السابقة. انتهى.
وقال مجاهد (٢): لا تخافوا الموت ولا تحزنوا على أولادكم، فإن الله
стр. 11677
خليفتكم عليهم. وقال عطاء: لا تخافوا رد ثوابكم، فإنه مقبول، ولا تحزنوا على ذنوبكم، فإنّي أغفرها لكم، والظاهر: عدم تخصيص تنزل الملائكة عليهم بوقت معين، وعدم تقييد نفي الخوف والحزن بحالة مخصوصة، كما يشعر به حذف المتعلق في الجميع ﴿وَأَبْشِرُوا﴾؛ أي: سروا وافرحوا ﴿بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا على ألسنة الرسل، فإنكم واصلون إليها، مستقرون بها، خالدون في نعيمها.
٣١ - وهذا من بشارتهم في أحد المواطن الثلاثة، وعن ثابت: بلغنا إذا انشقت الأرض يوم القيامة .. ينظر المؤمن إلى حافظيه قائمين على رأسه، يقولان له: لا تخف ولا تحزن، وأبشر بالجنة الموعودة، وأنك سترى اليوم أمورًا لم تر مثلها، فلا تهولنك، فإنما يراد بها غيرك ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وهذا من بشارتهم (١) في الدنيا؛ أي: نحن أعوانكم في أموركم، نلهمكم الحق ونرشدكم إلى ما فيه خيركم وصلاحكم، بدل ما كانت الشياطين تفعل بالكفرة، ولعل ذلك عبارة عما يخطر ببال المؤمنين المستمرين على الطاعات، من أن ذلك بتوفيق الله وتأييده لهم بواسطة الملائكة، قال جعفر - رحمه الله تعالى -: من لاحظ في أعماله الثواب والأغراض .. كانت الملائكة أولياءه، ومن عملها على مشاهدته تعالى .. فهو وليه؛ لأَنه يقول: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ نمدكم بالشفاعة، ونتلقاكم بالكرامة حين يقع بين الكفرة وقرنائهم ما يقع من التعادي والتخاصم. وقيل: هذا من قول الله تعالى؛ أي: نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة، ومن كان الله وليه .. فاز بكل مطلب، ونجا من كل مكروه. وقال مجاهد: تقول الملائكة لهم: نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة .. قالوا لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. وقال السدي: نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة.
والمعنى (٢): أي نحن أعوانكم في أمور دنياكم، نلهمكم الحق ونرشدكم إلى ما فيه خيركم وصلاحكم في دنياكم، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نؤمنكم من الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ويوم البعث والنشور، ونجاوز بكم
стр. 11678
الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم.
﴿وَلَكُمْ﴾ أيها المؤمنون لا لغيركم من الأعداء ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الآخرة ﴿مَا تَشْتَهِي﴾ وتحب ﴿أَنْفُسُكُمْ﴾ من صنوف اللذات وفنون النعم ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾؛ أي: ما تتمنون وتطلبون، افتعال من الدعاء بمعنى الطلب، والفرق بين الجملتين: أن الأولى باعتبار شهوات أنفسهم، والثانية باعتبار ما يطلبونه، أعم من أن يكون مما تشتهيه أنفسهم أو لا، إذ لا يلزم أن يكون كل مطلوب مشتهًى للنفس، كالفضائل العلمية ونحوها، وعدم الاكتفاء بعطف ﴿مَا تَدَّعُونَ﴾ على ﴿مَا تَشْتَهِي﴾ للإشباع في البشارة، والإيذان باستقلال كل منهما،
٣٢ - وقوله: ﴿نُزُلًاُ﴾ حال من ﴿مَا تَدَّعُونَ﴾؛ أي: من الموصول، أو من ضميره المحذوف، تقديره: ما تدعونه مفيدة لكون ما يدعونه ويتمنونه بالنسبة إلى ما يعطون من عظائم الأمور، كالنزل، وهو: ما يهيأ للنزيل؛ أي: الضيف من الرزق، كأنه قيل: وثبت لكم فيها الذي تدعونه حال كونه كالنزل للضيف، وأما أصل كرامتكم فمما لا يخطر ببالكم، فضلًا عن الاشتهاء أو التمني.
وقرأ الجمهور: ﴿نُزُلًا﴾، بضمتين، وقرأ أبو حيوة بإسكان الزاي؛ أي: حالة كون ما تدعونه نزلًا؛ أي: رزقًا كائنًا ﴿مِنْ﴾ رب ﴿غَفُورٍ﴾ للذنوب العظام، مبدل للسيئات بالحسنات ﴿رَحِيمٍ﴾ بالمؤمنين من أهل الطاعات بزيادة الدرجات والقربات.
وفي "التأويلات النجمية": ﴿نُزُلًا﴾؛ أي: فضلًا وعطاءً وتقدمةً لما سيديم إلى الأبد من فنون الأعطاف وأصناف الألطاف، وذلك لأن عطاء الله تعالى يتجدد في كل آن، خصوصًا لأهل الاستقامة من أكامل الإنسان، ويظهر في كل وقت وموطن، ما لم يظهر قبله وفي غيره، ويكون ما في الماضي كالنزل لما يظهر في الحال، ومن هنا قالوا: ما ازداد القوم شربًا إلا ازدادوا عطشًا، وذلك لأنه لا نهاية للسير إلى الله تعالى في الدنيا والآخرة. انتهى.
حكي: أن يحيى بن معاذ الرازي ﵀ كتب إلى أبي يزيد البسطامي ﵀: سكرت من كثرة ما شربت من كأس حبه، فكتب إليه أبو يزيد:
شَرِبْتُ الْحُبَّ كَاسًا بَعْدَ كَأْسٍ ... فَمَا نَفِدَ الشَّرَابُ وَلَا رُويْتُ
٣٣ - ﴿وَمِن﴾ للاستفهام الإنكاري، وهو مبتدأ، خبره: ﴿أَحسَنُ﴾. و ﴿قَولَا﴾ تمييز
стр. 11679
محول عن المبتدأ؛ أي: وقول من أحسن ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: من قول من دعا غيره إلى توحيده وطاعته ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فيما بينه وبين ربه ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ابتهاجًا وسرورًا بأنه منهم، واتخاذًا للإسلام دينًا ونحلةً، إذ لا يقبل طاعةً بغير دين الإِسلام، من قولهم: هذا قول فلان؛ أي: مذهبه، لا أنه تكلم بذلك فحسب.
وقرأ ابن أبي عبلة وإبراهيم بن نوح عن قتيبة الميال: ﴿إنى﴾ بنون واحدة مشددة، والجمهور: ﴿إنَّنِى﴾ بها وبنون الوقاية. وفيه رد على من يقول: أنا مسلم - إن شاء الله - فإنه تعالى قال مطلقًا غير مقيد بشرط إن شاء الله. وقال علماء العقائد: إن قاله للشك .. فهو كفر لا محالة، وإن كان للتأدب مع الله، وإحالةً للأمور إلى مشيئة الله تعالى أو للشك في العاقبة والمآل، لا في الآن والحال، أو للتبرك بذكر الله، أو للتبرُّؤ من تزكية نفسه، والإعجاب بحاله .. فجائز، لكن الأولى تركه لما أنه يوهم الشك.
والمعنى: لا أحد أحسن قولًا ممن جمع بين هذه الخصال الثلاث، وحكم الآية عام لكل من جمع ما فيها من الخصال الحميدة، التي هي الدعوة إلى الله والعمل الصالح، وهو تأدية ما فرضه الله عليه مع اجتناب ما حرمه عليه، والقول المذكور؛ أي: كونه من المسلمين دينًا لا من غيرهم، فلا شيء أحسن منه، ولا أوضح من طريقه، ولا أكثر ثوابًا من عمله، وإن نزلت في رسول الله ﷺ ، أو في أصحابه ﵃ أو في المؤذنين، فإنهم يدعون الناس إلى الصلاة، فالأولى حمل الآية على العموم، كما يقتضيه اللفظ، ويدخل فيها من كان سببًا في نزولها دخولًا أوليًا.
فإن قلت: السورة بكاملها مكية بلا خلاف، والأذان إنما شرع بالمدينة.
قلت: يجعل هذا من باب ما تأخر حكمه عن نزوله، وكم في القرآن من هذا النوع، وإليه ذهب بعض الحفاظ كابن حجر وغيره.
فائدة: وأول من أذن في السماء جبرائيل (١)، ثمَّ ميكائيل ﵉ عند
стр. 11680
البيت المعمور، وأول من أذن في الإِسلام بلال الحبشي ﵁ وكان أول مشروعيته في أذان الصبح، قالت النوار أم زيد بن ثابت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن، إلى أن بني رسول الله ﷺ مسجده، فكان يؤذن بعده على ظهر المسجد، وقد رفع له شيء فوق ظهره، وأول من أقام عبد الله بن زيد الأنصاري صاحب رؤيا الأذان، وزاد بل الذي أذان الصبح بعد الحَيَّعَلات: الصلاة خير من النوم مرتين، فأقرها النبي ﷺ ؛ أي: اليقظة الحاصلة للصلاة، خير من الراحة الحاصلة بالنوم، ويقول المجيب عنده: صدقت وبالخير نطقت، وأول من زاد الأذان الأول في الجمعة عثمان ﵁ زاده ليؤذن أهل السوق فيأتون إلى المسجد، وكان في زمانه ﷺ وزمان أبي بكر وعمر ﵄ أذان واحد حين يجلس الإِمام على المنبر، وأول من رزق المؤذنين عثمان ﵁ والجهر في الأذان واجب لإعلام الناس، ولذا سن أن يكون في موضع عال، ولو أذن لنفسه .. خافت، وأما التكبيرات في الصلاة .. فالمؤذن يرفع صوته لتبليغ التكبير لمن بَعُدَ عن الإِمام من المقتدين، فإن كان في صوت الإِمام كفاية .. فالتبليغ مكروه، كما في "إنسان العيون".
يقول الفقير: أما سر عدد المنارات في الحرم النبوي وهي اليوم خمس .. فإشارة إلى الأوقات الخمسة، فهو صورة الدعوات الخمس في الساعات الأربع والعشرين المشتمل عليها الليل والنهار، وأول من قدر الساعات الاثنتي عشرة نوح ﵇ في السفينة، ليعرف بها مواقيت الصلوات.
٣٤ - وبعد أن ذكر (١) محاسن الأعمال التي بين العبد وربه، ذكر محاسن الأعمال التي بين العباد بعضهم مع بعض، ترغيبًا لرسول الله ﷺ في الصبر على أذى المشركين، ومقابلة إساءتهم بالإحسان، فقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ﴾ التي يرضي الله بها ويثيب عليها ﴿وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ التي يكرهها الله ويعاقب عليها، ﴿لا﴾ الثانية: مزيدة لتأكيد النفي؛ أي: لا تستوي الخصلة الحسنة والسيئة في الجزاء وحسن العاقبة، وقد يكون المعنى: ولا تستوي دعوة الرسول إلى الدين الحق بالطرق المثلى، والصبر على سفاهة الكفار وإذايتهم وترك الانتقام منهم، وما أظهروه من
стр. 11681
الغلظة والفظاظة في قولهم: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾. وقولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾.
والخلاصة (١): أن فعلك أيها الرسول حسنة، وأن فعلهم سيئة، فإنك إذا صبرت على أذيتهم وجهالتهم، وتركت الانتقام منهم ولم تلتفت إلى سفاهتهم .. فقد استوجبْتَ التعظيم في الدنيا، والثواب في الآخرة، وهم بالضد من ذلك، فلا يكن إقدامهم على تلك السيئة مانعًا لك من الاشتغال بهذه الحسنة.
وإذا فسرت (٢) ﴿الْحَسَنَةُ﴾ و ﴿السَّيِّئَةُ﴾ بالجنس، على أن يكون المعنى: لا تستوي الحسنات، إذ هي متفاوتة في أنفسها كشعب الإيمان التي أدناها إماطة الأذى، ولا السيئات لتفاوتها أيضًا، من حيث إنها كبائر وصغائر .. لم تكن زيادة ﴿لَا﴾ الثانية لتأكيد النفي على ما أشار إليه في "الكشاف".
ولا وجه لتخصيص ﴿الْحَسَنَةُ﴾ بنوع من أنواع الطاعات (٣)، وبتخصيص ﴿السَّيِّئَةُ﴾ بنوع من أنواع المعاصي، فإن اللفظ أوسع من ذلك. وقيل: الحسنة: التوحيد، والسيئة: الشرك. وقيل: الحسنة: المداراة، والسيئة: الغلظة. وقيل: الحسنة: العفو، والسيئة: الانتصار. وقيل: الحسنة: العلم، والسيئة: الفحش.
ثم ذكر بعض الحسنات، ووضحها بذكر بعض ضروبها، فقال: ﴿ادْفَعْ﴾ أيها الرسول السيئة حين اعترضتك من بعض أعاديك ﴿بـ﴾ الخصلة ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ما يمكن دفعها به من الحسنات، كالإحسان إلى من أساء، فإنه أحسن من العفو.
والمعنى: أي ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق التي هي أحسن الطرق، فقابل إساءتهم بالإحسان إليهم، والذنوب بالعفو، والغضب بالصبر والإغضاء عن الهفوات واحتمال المكاره، فإنك إن صبرت على سوء أخلاقهم مرةً بعد أخرى، ولم يقابل سفههم بالغضب، ولا أذاهم بمثله .. استحيوا من ذميم أخلاقهم، وتركوا قبيح أفعالهم.
وكان ﷺ يقول: "صِلْ من قطعك، واعفُ عمن ظلمك، وأحسنْ إلى من أساء
стр. 11682
إليك"، وما أمر ﷺ غيره بشيء إلا بعد التخلق به وإخراجه (١) مخرج الجواب عن سؤال من قال: كيف أصنع مع أن الظاهر أن يقول: ﴿فادفع﴾ بـ ﴿الفاء﴾ السببية للمبالغة؟ ولذلك وضع ﴿أَحْسَنُ﴾ موضع الحسنة؛ لأنه أبلغ في الدفع بالحسنة، فإن من دفع بالحسنى .. هان عليه الدفع بما دونها.
ثم بين نتائج الدفع بالحسنى، فقال: ﴿فَإِذَا﴾ فعلت الدفع المأمور به .. صار ﴿الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ وشحناء؛ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾؛ أي: صديق قريب. قال مقاتل: نزلت هذه في أبي سفيان بن حرب، وذلك أنه لان للمسلمين بعد الشدة؛ أي: شدة عداوته للنبي ﷺ بالمصاهرة التي جعلت بينه وبين النبي ﷺ ، ثم أسلم فصار وليا بالإِسلام، حميمًا بالمصاهرة، والأولى حمل الآية على العموم؛ أي: فإذا فعلت ذلك .. صار الذي بينك وبينه عداوة في الدين، كأنه ولي في الدين حميم؛ أي: قريب في النسب؛ أي: صار العدو كالصديق، والبعيد عنك كالقريب منك.
والمعنى (٢): أي إنك إن فعلت ذلك .. انقلبوا من العداوة إلى المحبة، ومن البغض إلى المودة، قال عمر ﵁ ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وقال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك .. عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم.
وروي: أن رجلًا شتم قنبرًا مولى علي بن أبي طالب، فناداه علي: يا قنبر، دع شاتمك والْهُ عنه، ترضِ الرحمن، وتسخط الشيطان، وقالوا: ما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه، ولله در القائل:
وَلَلْكَفُّ عن شَتْمِ اللَّئِيْمِ تَكَرُّمًا ... أَضَرُّ لَهُ مِنْ شَتْمِهِ حِيْنِ يُشْتُمُ
وقال آخر:
وَمَا شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَى سَفِيْهٍ ... إِذَا سَبَّ الْكَرِيْمَ مِنَ الْجَوَابِ
مُتَارَكَةُ السَّفِيْهِ بِلَا جَوَابٍ ... أَشَدُّ عَلَى السَّفِيْهِ مِنَ السُّبَابِ
стр. 11683
وقال محمود الورّاق:
سَأُلْزِمُ نَفْسِيْ الصَّفْحَ عَنْ كُلِّ مُذْنِبٍ ... وَإِنْ كَثُرَتْ مِنْهُ لَدَيَّ الْجَرَائِمُ
فَمَا النَّاسُ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ ثَلاَثَة ... شَرِيْفٌ وَمَشْرُوْفٌ وَمِثْلٌ مُقَاوِمُ
فَأمَا الَّذِيْ فَوْقِيْ فَأَعْرِفُ قَدْرَهُ ... أتَبِّعُ فِيْهِ الْحَقَّ وَالْحَقُّ لَازِمُ
وَأمَّا الَّذِيْ دُوْنِيْ فَإِنْ قَالَ صُنْتُ عَنْ ... إِجَابَتِهِ عِرْضِيْ وَإنْ لَامَ لاَئِمُ
وَأمَّا الَّذِيْ مِثْلِيَ فَإِنْ زَلَّ أَوْ هَفَا ... تَفَضَّلْتُ إِنَّ الْفَضْلَ بِالْحِلْمِ حَاكِمُ
وقال آخر:
إِنَّ الْعَدَاوَةً تَسْتَحِيْلُ مَوَدَّةً ... بِتَدَارُكِ الْهَفَوَاتِ بِالْحَسَنَاتِ
و ﴿إذا﴾ في (١) قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾: للمفاجأة، ظرف مكان لمعنى التشبيه، وهذا مبني على القول باسميتها، وجاز تقدم هذا الظرف على عامله المعنوي، مع أنه لا يجوز تقديم معموله عليه؛ لأنه يغتفر في الظروف ما لا يغتفر في غيرها، والموصول: مبتدأ، وجملة التشبيه: خبره، والتقدير: فالذي بينك وبينه عداوة، مشبهه في المحبة بالصديق الحميم وقت فعلك ما ذكر.
والمعنى: فإذا فعلت مع عدوك ما ذكر .. فاجأك في الحضرة انقلابه وصيرورته مشابهًا في المحبة بالصديق الذي لم تسبق منه عداوة. اهـ شيخنا.
٣٥ - ثم نبه إلى عظيم فضل هذه الطريقة بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾؛ أي: وما يلقى هذه الخصلة الحميدة والفعلة الجميلة، وهي دفع السيئة بالحسنة.
وقرأ طلحة بن مصرف وابن كثير (٢): ﴿وما يلاقاها﴾ من الملاقاة من باب فاعل المعتل، وقرأ الجمهور ﴿وما يلقى﴾ من التلقية من فعل المضعف كزكى، كأن هذه الخصلة الشريفة غائبة؛ أي: ما يصادفها وما يوافقها وما يعطاها ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على تحمل المكاره، وتجرع الشدائد، وكظم الغيظ، وترك الانتقام؛ أي: إلا الذين شأنهم الصبر، فإنه يحبس النفس عن الانتقام؛ أي: وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا الصابرون على تحمل المكاره، وتجرع الشدائد، وكظم الغيظ، وترك
стр. 11684
الانتقام، فإن ذلك يشق على النفوس، ويصعب احتماله في مجرى العادة، إلا على من عصمه الله تعالى ووفقه.
وقال أنس بن مالك ﵁ في تفسير ذلك: الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنت صادقًا .. غفر الله لي، وإن كنت كاذبًا .. غفر الله لك ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾؛ أي: وما يوفّقها ﴿إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾؛ أي: إلا صاحب نصيب وافر، وحظ كامل من السعادة في الدنيا والاخرة، ومن الفضائل النفسانية (١)، والقوة الروحانية، فإن الاشتغال بالانتقام لا يكون إلا لضعف النفس وتأثرها من الواردات الخارجية، فإن النفس إذا كانت قوية الجوهر .. لم تتأثر من الواردات الخارجية، وإذا لم تتأثر منها .. لم يصعب عليها تحمّل المكاره، ولم تشتغل بالانتقام.
والحاصل: أنه يلزم تزكية النفس حتى يستوي عندها الحلو والمرّ، ويكون حضور المكروه كغيبته، ففي الآية مدح لهم بفعل الصبر، وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة؛ أي: وما يلقاها إلا من وجبت له الجنة، وقال الجنيد: وما يوفق لهذا المقام، إلا ذو حظ عظيم من عناية الحق فيه، وقال ابن عطاء الله: إلا ذو معرفة بالله وأيامه، والحظ: النصيب المقدّر.
٣٦ - ثم ذكر طريقًا لمنع تهييج الشر، ودفع الغضب إذا بدت بوادره، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ أصله: إن ما، على أن ﴿إن﴾: شرطية، و ﴿ما﴾: مزيدة لتأكيد معنى الشرط، والنزغ: شبه النخس كما في "الإرشاد" شبه به وسوسة الشيطان لأنها تبعث على الشر، وجعل نازغًا على حدّ جدّ جدّه فـ ﴿مِنْ﴾ ابتدائية؛ أي: نزغ صادر من جهته، أو المراد: وإما ينزغنك نازغ وصفًا للشيطان بالمصدر، فكلمة ﴿من﴾: تجريدية جرّد من الشيطان شيطانًا آخر، وسمّاه نازغًا.
والمعنى: وإن يوسوس إليك الشيطان، ويصرفك عما وصيتك به من الدفع بالتي هي أحسن، ودعاك إلى خلافه .. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ من شرّه، ولا تطعه ﴿إنَّهُ﴾ ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ باستعاذتك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنتتك، وفي جعل ترك الدفع بالأحسن من آثار نزغات الشيطان مزيد تحذير وتنفير، قال الدميري في "حياة
стр. 11685
الحيوان": أجمعت الأمة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان، وإنما المراد: تحذير غيره من فتنة القرين، ووسوسته له وإغوائه، فأعلمنا أنه معنا لنحترز عنه حسب الإمكان انتهى.
وحاصل المعنى (١): أي وإن وسوس إليك الشيطان ليحملك على مجازاة المسيء .. فاستعذ بالله من كيده وشرّه، واعتصم من خطراته، إنه هو السميع لاستعاذتك منه، واستجارتك به من نزغاته، ولغير ذلك من كلامك وكلام غيرك، العلم بما ألقى في روعك من نزغاته، وحدّثتك به نفسك، وما قصدت من صلاح، ونويت من إحسان.
ومن شياطين الإنس من يفعل مثل هذا، فيصرف عن الدفع بالتي هي أحسن، فيقول لك: إن فلانًا عدوّك الذي فعل بك كيت وكيت، فانتهز الفرصة وخذ ثأرك منه، لتعظم في عينه وأعين الناس، ولا يظنن فيك العجز وقلة الهمة وعدم المبالاة، إلى نحو أولئك من العبارات المثيرة للغضب، التي ربما لا يخطر ببال شياطين الجن، نعوذ بالله من شر كل شيطان.
والخلاصة: إنّ صرفك الشيطان عما شرعت فيه من الدفع بالحسنى .. فاستعذ بالله من شره، وامض لشأنك ولا تطعه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا غضبت وكنت قائمًا .. فاقعد، وان كنت قاعدًا .. فقم، فاستعذ بالله من الشيطان" عصمنا الله وإياكم من كيده وشره، ورد مكره إليه، فلا نتوكَّل ولا نعتمد إلا عليه.
فإن قلت (٢): قال هنا: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ بزيادة ﴿هُوَ﴾ و ﴿أل﴾ وفي الأعراف قال: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بدونهما، فما الفرق بين الموضعين؟.
قلت: بينهما فرق فارق؛ لأنّ ﴿ما﴾ هنا: متصل بمؤكدين: بالتكرار وبالحصر، فناسب التأكيد بما ذكر، و ﴿ما﴾ في الأعراف خال عن ذلك، فجرى على القياس من كون المسند إليه معرفةً والمسند نكرةً.
٣٧ - ثمّ شرع سبحانه في بيان بعض آياته البديعة، الدالة على كمال قدرته وقوة
стр. 11686
تصرفه، للاستدلال بها على توحيده، فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: ومن دلائل قدرته وحكمته الدالة على وحدانيته ﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾؛ أي: تعاقبهما واختلافهما بالزيادة والنقصان، قال الإمام المرزوقي: الليل بإزاء النهار، والليلة بإزاء اليوم. ﴿وَالشَّمْسُ﴾ المشتمل عليه النهار ﴿وَالْقَمَرُ﴾ المشتمل عليه الليل؛ أي: تذلُّلهما لما يراد منهما، وقدّم الليل على النهار لسابقيته في الوجود، والشمس على القمر لشرفها عليه بأصالة نورها؛ يعني: تعاقب الليل والنهار على الوجه الذي يتفرّع عليه منافع الخلق، ومصالحهم، وتذلُّل الشمس والقمر لما يراد منهما من أظهر العلامات الدالة على وجوده تعالى ووحدانيته، وكمال علمه وحكمته.
والمعنى (١): أي ومن حجج الله تعالى على خلقه، ودلائله على وحدانيته وعظيم سلطانه الليل والنهار، ومعاقبة كل منهما صاحبه، والشمس ونورها، والقمر وضياؤه، وتقدير منازلهما في فلكيهما، واختلاف سيرهما في السماء، ليعرف بذلك مقادير الليل والنهار، والأسابيع والشهور والأعوام، وبذلك تضبط المعاملات وأوقات العبادات.
ولما كانت الشمس والقمر من أجلّ الأجرام المشاهدة في العالم العلويّ والسفليّ .. نبّه إلى أنهما مخلوقان مسخّران له تعالى، وهما تحت قهره وسلطانه، فلا تعظّموهما وعظّموا خالقهما، فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا﴾ أيها الناس ﴿لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ لأنهما من جملة مخلوقاته المسخرة لأوامره، يجريان لمنافعكم بإجراء الله إياهما طائعين له في جريهما، وهما لا يستطيعان لكم نفعًا ولا ضرًّا ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الضمير للأربعة (٢)، لأنّ حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى، وإن كان المناسب تغليب المذكر، وهو ما عدا الشمس على المؤنث وهو الشمس، أو لأنها عبارة عن الآيات وتعليق الفعل بالكل مع كفاية بيان مخلوقية الشمس والقمر؛ للإيذان بكمال سقوطهما عن رتبة المسجودية، بنظمهما في سلك الأعراض التي لا قيام لها بذاتها، وهو السر في نظم الكل في آياته تعالى؛ أي: فله تعالى فاسجدوا، وإياه فاعبدوا دونهما، لأنهما لا فضيلة لهما في أنفسهما، فيستحقا بها العبادة من دون الله، ولو شاء الله .. لأعدمهما أو طمس نورهما، وفي هذا ردّ على الصابئين،
стр. 11687
وغيرهم من الناس الذين عبدوا الكواكب والنجوم، وزعموا أنهم بعبادتهم إياها يقصدون الله، فنهوا عن تلك الواسطة، فهذا وجه تخصيص ذكر السجود بالنهي عنه. وقيل: وجه تخصيصه أنه أقصى مراتب العبادة ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ﴾ تعالى لا غيره ﴿تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: إن كنتم تعبدون إياه .. لا تسجدوا لغيره، فإن السجود أقصى مراتب العبادة، فلا بدّ من تخصيصه به تعالى.
فإن قيل (١): لِمَ لَمْ يجز أن تكون الشمس قبلةً للناس عند سجودهم؟.
قلنا: لأنها جوهر مشرق عظيم الرفعة، لها منافع في صلاح أحوال الخلق، فلو أذن في جعلها قبلةً في الصلاة، بأن يتوجّه إليها، ويرجع ويسجد نحوها .. لربما غلب على بعض الأوهام أن ذلك الركوع والسجود للشمس لا لله، بخلاف الأحجار المعيّنة، فإنها ليس في جعلها قبلةً ما يوهم الإلهية.
٣٨ - ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: تعظموا عن امتثال أمرك في ترك السجود لغير الله تعالى، وأبوا إلا اتخاذ الواسطة، فذلك لا يققل عدد من يخلص عبادته لله تعالى، وقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ علة للجزاء المحذوف؛ أي: فإن الملائكة المقربين عند الله ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾؛ أي: ينزهونه عن الأنداد وسائر ما لا يليق به ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: دائمًا وفي جميع الأوقات، وظهر من هذا التقرير أن تخصيص الملائكة مع وجود غيرهم من العبّاد المخلصين؛ لكثرتهم، وأيضًا الشمس والقمر عندهم، فيردّون العبادة عنهما غيرةً بتخصيصها بالله تعالى ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾؛ أي: والحال أن الذين عند ربك لا يملُّون عن عبادته وتسبيحه، ولا يفترون عنهما، فإن التسبيح منهم كالتنفس منا.
ومعنى الآية (٢): فإن استكبر هؤلاء المشركون الذين يعبدون هذه الكواكب، وأبوا إلا أن يسجدوا لها وحدها دون الله .. فالله لا يعبأ بهم، فالملائكة الذين في حضرة قدسه، وهم خير منهم لا يستكبرون عن عبادته، بل يسبِّحون له ويصلّون ليلًا ونهارًا وهم لا يَفْتَرون عن ذلك ولا يملُّون.
стр. 11688
فصل
وهذه السجدة (١) من عزائم سجود التلاوة، وفي موضع السجود فيها قولان للعلماء: وهما وجهان لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنه عند قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وهو قول ابن مسعود والحسن، وحكاه الرافعي عن أبي حنيفة وأحمد؛ لأنَّ ذكر السجدة قُبيله.
والثاني: وهو الأصح عند أصحاب الشافعي، وكذلك نقله الرافعي أنه عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيِّب وقتادة، وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة؛ لأنَّ عنده يتمّ الكلام.
٣٩ - ولما ذكر الدلائل الفلكية .. أتبعها بذكر الدلائل الأرضية، فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على قدرته تعالى ووحدانيته ﴿أَنَّكَ﴾ يا محمد أو أيها الناظر، فالخطاب هنا لكل من يصلح له أو لرسول الله ﷺ ﴿تَرَى الْأَرْضَ﴾ وتبصرها حال كونها ﴿خَاشِعَةً﴾؛ أي: يابسةً جدبةً فارغةً من النبات، مستعار من الخشوع بمعنى التذلل ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ والمطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحركت بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي: انتفخت وعلت قبل أن تنبت لأنّ النبت إذا دنا أن يظهر .. ارتفعت له الأرض وانتفخت، ثم تصدّعت عن النبات؛ أي: انشقّت.
وعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير (٢)، والتقدير: فإذا أنزلنا عليها الماء .. ربت واهتزّت؛ أي: انتفخت وتحركت بالنبات، وقيل: الاهتزاز والربو قد يكونان قبل خروج النبات، وقد يكوننان بعده. وقيل: اهتزّت: استبشرت بالمطر، وربت انتفخت بالنبات.
وقرأ أبو جعفر وخالد ﴿وربأت﴾ بالهمزة ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ بما ذكر بعد موتها. والاحياء في الحقيقة: إعطاء الحياة، وهي صفة تقتضي الحسّ والحركة، فالمراد بإحياء الأرض: تهييج القوى النامية فيها، وإحداث نضارتها بأنواع النباتات؛ أي: إن الإِله الذي أحيا الأرض بالنبات بعد يبسها وجدبها ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ بالبعث والنشور ﴿إِنَّهُ﴾ سبحانه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها الإحياء
стр. 11689
﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر لا يعجزه شيء كائنًا ما كان، وقد وعد بذلك، فلا بد من أن يفي به، والحكمة في إحياء الموتى هي المجازاة والمكافأة.
ومعنى الآية (١): ومن الدلائل على قدرته تعالى على البعث وإحياء الموتى بعد بلائها، وإعادتها لهيئتها كما كانت من بعد فنائها: أنك ترى الأرض يابسةً غبراء لا نبات بها ولا زرع، فإذا نزل عليها الغيث من السماء .. تحركت بالنبات، وانتفخت وأخرجت ألوان الزرع والثمار، ما يشاهد من ارتفاع الأرض وانتفاخها، ثمَّ تصدّعها وتشقُّقها إذا حان ظهور النبات منها، وتراه يسمو في الجوّ ويغطّي قشرتها، ثم تتشعّب عروقه، وتغلظ سوقه، إن الذي أحيا هذه الأرض الدارسة، وأخرج منها النبات وجعلها تهتز بالزرع، قادر على أن يحيي أموات بني آدم بعد مماتهم، وهو القدير على كل شيء، لا يعجزه شيء كائنًا ما كان.
٤٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾؛ أي: يميلون عن الاستقامة ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ والعدل فيها بالطعن فيها، بأنها كذب أو سحر أو شعر، ويتحريفها بحملها على المحامل الباطلة.
وقرأ حمزة: ﴿يلحدون﴾ بفتح الياء والحاء من لحد الثلاثي، وهو بمعنى ألحد. ففي الآية قراءَتان سبعيتان. وهما: ضم الياء وكسر الحاء. من ألحد الرباعي، وهي قراءة الجمهور، وفتح الياء والحاء من لحد الثلاثي، وهي قراءة حمزة، وهما لغتان، لحد بمعنى: جار عن الحق، وألحد بمعنى: جادل ومارى ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ في وقت من الأوقات، بل نحن نعلمهم فنجازيهم بإلحادهم.
والمعنى: أي إن الذين يميلون عن الحق في حججنا تكذيبًا بها، وجحودًا لها، نحن بهم عالمون، لا يخفون علينا، ونحن لهم بالمرصاد إذا وردوا علينا، وسنجازيهم بما يستحقون، ولا يخفى ما في ذلك من شديد الوعيد، كان يقول الملك المعنيب: إن الذين ينازعونني في ملكي أعرفهم ولا شك فهو يريد تهديدهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، ثم بيّن كيفية الجزاء والتفاوت بين المؤمن والكافر، فقال ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، داخلة على محذوف
стр. 11690
يقتضيه السياق، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أمن يلحد في آياتنا خير أم من يؤمن بها خير؟ فمن يلقي بإلحاده في النار على وجهه وهم الكفرة بأنواعهم خير، ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا﴾ بإيمانه من النار ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهو المؤمنون على طبقاتهم؛ يعني: أن الثاني في المعطوف والمعطوف عليه خير من الأولى. وقابل الإلقاء (١) في النار بالاتيان ﴿آمِنًا﴾ مبالغة في مدح حال المؤمنين بالتنصيص على أنهم آمنون يوم القيامة من جميع المخاوف، فلو قال: أم من يدخل الجنة .. لجاز من طريق الاحتمال أن يبدلهم الله من بعد خوفهم أمنًا. ولك أن تقول: في الآية احتباك، حذف من الأول مقابل الثاني، ومن الثاني مقابل الأول، والتقدير: أفمن يأتي خائفًا ويلقى في النار خير أم من يأتي آمنًا ويدخل الجنة؛ يعني: أن الثاني خير من الأول.
والغرض من هذا الاستفهام (٢): التنبيه على أن الملحدين في الآيات يلقون في النار، وأن المؤمنين بالآيات يأتون آمنين يوم القيامة، حين يجمع الله تعالى عباده للعرض عليه للحكم بينهم بالعدل. اهـ "خطيب". وترسم ﴿أَمْ﴾ مفصولةً مِنْ مَنْ اتباعًا لمصحف الإِمام، كما ذكره شيخ الإِسلام في "شرح الجزرية".
ومعنى الآية: أفمن يلقى في النار لإلحاده بالآيات وتكذيبه للرسل، خير أم من آمن بها وجاء يوم القيامة من الآمنين، حين يجمع الله العباد للمجازاة، لا شكّ أنهما لا يستويان.
وظاهر الآية: العموم، وتمثيل حال المؤمن والكافر. وقيل: المراد بـ ﴿مَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾: أبو جهل، وبـ ﴿مَنْ يَأْتِي آمِنًا﴾: النبي ﷺ ، وقيل: حمزة، وقيل: عمر بن الخطاب، وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وحملها على العموم أولى، اعتبارًا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وبعد أن أبان لهم عاقبة الملحدين بالآيات والمؤمنين بها .. هدَّدهم بقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ من الأعمال المؤدّية إلى ما ذكر من الإلقاء في النار، والاتيان آمنًا، وآثروا ما شئتم، فقد علمتم مصير المسيء والمحسن، ولا تضرّون إلا
стр. 11691
أنفسكم، فمن أراد الجزاء .. فليعمل له، فإنه لامقيه، وفيه تهديد شديد؛ لظهور أن ليس المقصود الأمر بكل عمل شاؤوا. قال في "الأسئلة المقحمة": هو أمر وعيد، ومعناه: أن المهلة ما هي لعجز ولا لغفلةٍ، وإنما يعجل من يخاف الفوت، وهو أبلغ أسباب الوعيد ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم بحسب أعمالكم؛ أي: إنه بأعمالكم ذو خبرة وعلم لا تخفى عليه خافية منها ولا من غيرها، وهو مجازيكم بحسب أعمالكم خيرًا أو شرًّا.
٤١ - ثمّ بيّن أولئك الملحدين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾؛ أي: بالقرآن، فيكون (١) من وضع الظاهر موضع ضمير الآيات؛ أي: إن الذين بادهوا القرآن بالكفر والإنكار عليه ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: حين جاءهم، وأول ما سمعوه من غير إجالة فكر وإعادة نظر، وكذّبوا به على البديهة قبل التدبّر ومعرفة التأويل، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بدل من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ إلخ. بدل الكل بتكرير العامل، وخير ﴿إِنَّ﴾ هو الخبر السابق، وهو ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾؛ لأنّ إلحادهم في الآيات كفر بالقرآن، فلهذا اكتفي بخبر الأول عن الثاني، إلا أنه غير معهود إلا في الجار والمجرور لشدة الاتصال. قال الرضي: ولا تكرر في اللفظ في البدل من العوامل إلا حرف الجر؛ لكونه كبعض حروف المجرور، وقيل: مستأنف، وخبرها محذوف، مثل: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ وذلك بعد قوله: ﴿حَمِيدٍ﴾. وقال الكسائي: سدّ مسدّه الخبر السابق، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن الذكر إلخ. جملة حالية من ﴿الذكر﴾ مفيدة لغاية شناعة الكفر به؛ أي: إن الذين كفروا بالذكر، والحال أن الذكر ﴿لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾؛ أي: كثير المنافع، عدم النظير لا يخفون علينا، أو سوف نصليهم نارًا، فهو (٢) من العز الذي هو خلاف الذل، أو منيع لا تتأتى معارضته وإبطاله وتحريفه، فهو من العزة بمعنى الغلبة، فالقرآن وإن كان لا يخلو عن طعنٍ باطلٍ من الطاعنين، وتأويل فاسد من المبطلين، إلا أنه يؤتى بحفظةٍ، ويقدّر له في كل عصر منعة يحرسونه بإبطال شبه أهل الزيغ والأهواء، وردّ تأويلاتهم الفاسدة، فهو غالب بحفظ الله إياه، وكثرة منعته على كل من يتعرض له بالسوء.
٤٢ - وقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾؛ أي: التكذيب ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾؛ أي: من الكتب
стр. 11692
السابقة عليه، كالتوراة والإنجيل والزبور ﴿وَلَا﴾ وَلَا يأتي ﴿مِنْ خَلْفِهِ﴾؛ أي: من بعده كتاب يكذّبه وينسخه. قاله سعيد بن جبير والكلبي، صفة أخرى لـ ﴿كِتَابٌ﴾ أو المعنى: لا يتطرّق إليه الباطل، ولا يجد إليه سبيلًا من جة من الجهات الست، حتى يصل إليه ويتعلق به؛ أي: متى راموا إبطالًا له لم يصلوا إليه، ذكر أظهر الجهات وأكثرها في الاعتبار وهو جهة القدّام والخاف، وأريد الجهات بأسرها، فيكون قوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ ...﴾ إلخ، استعارةً تمثلية، شُبّه الكتاب في عدم تطرّق الباطل إليه بوجه من الوجوه، بمن هو محمي بحماية غالب قاهر يمنع جاره من أن يتعرض له العدو من جهة من جهاته، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، بأن عبّر عن المشبّه بما عبّر به عن المشبّه به، فقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ ...﴾ إلخ. أو المعنى: لا يأتيه الباطلُ فيما أخبر عما مضي، ولا فيما أخبر عن الأمور الآتية، أو الباطل هو الشيطان؛ أي: لا يستطيع أن يزيد فيه ولا ينقص منه. وقال الزجاج: معناه: إنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه، فيأتيه الباطل من خلفه. وبه قال قتادة والسدّي.
قصارى ذلك: أَنَّ الباطل لا يتطرّق إليه، ولا يجد إليه سبيلًا من جهة من الجهات حتى يصل إليه، فكل ما فيه حق وصدق، وليس فيه ما لا يطابق الواقع، ﴿تَنْزِيلٌ﴾؛ أي: هو تنزيل، أو (١) صفة أخرى لـ ﴿كِتَابٌ﴾ مفيدة لفخامته الإضافية بعد إفادة فخامته الذاتيه، وكل ذلك لتأكيد بطلان الكفر بالقرآن ﴿مِنْ حَكِيمٍ﴾؛ أي: حكيم مانع عن تبديل معانيه بإحكام مبانيه ﴿حَمِيدٍ﴾؛ أي: حميد مستحق للتحميد بإلهام معانيه، أو يحمده كل خلق في كل مكان بلسان الحال والمقال بما وصل إليه من نعمه، أو المعنى: هو تنزيل من عند ذي الحكمة بتدبير شؤون عباده، المحمود على ما أسدى إليهم من النعم التي منها تنزيل هذا الكاتب، بل هو أجلّها.
٤٣ - ثم سلّى سبحانه رسوله ﷺ عن ما كان يتأثر له، من أذيّة الكفار، فقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾؛ أي: ما يقال في شأنك وفي شأن ما أنزل إليك من القرآن من جهة كفّار قومك ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من جهة قومهم؛ أي: إلا مثل ما قد قيل في حقهم وفي حق الكتاب السماوية المنزّلة عليهم، مما لا خير فيه، من الساحر
стр. 11693
والكاهن والمجنون والأساطين ونحوها؛ أي (١): ما يقول لك هؤلاء المشركون المكذبون ما جئتهم به من عند ربّك، إلا مثل ما قالته الأمم التي كذبت رسلها من قبلهم، فاصبر على ما نالك منهم من أذًى كما صبر أولو العزم من الرسل. وقد يكون المعنى: ما يقال لك من التوحيد، وإخلاص العبادة له إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، فإن الشرائع كلها متفقة على ذلك التوحيد، وإن اختلفت في غيره تبعًا للزمان والمكان. وقيل (٢): هو استفهام؛ أي: أيُّ شيء يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك؟ ونحو الآية على المعنى الأول قوله: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ وعلى المعنى الثاني قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
ثمَّ ذكر علة أمره بالصبر فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لأنبيائه ومن آمن بهم ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ لأعدائهم الذين لم يؤمنوا بهم. وبما أنزل إليهم، والتزموا الأذيّة بهم، وقد نصر من قبلك من الرسل، وانتقم من أعدائهم، وسيفعل مثل ذلك بك وبأعدائك أيضًا، أو المعنى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لمن يستحق مغفرته من الموحّدين، الذين بايعوك وبايعوا من قبلك من الأنبياء ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ للكفار المكذّبين، المعادين لرسل الله تعالى. أو المعنى (٣): إن ربك لذو مغفرة للتائبين إليه من ذنوبهم، بالصفح عنهم، وذو عقاب مؤلم لمن أصرّ على كفره، ومات على ذلك قبل التوبة.
وفي الآية (٤): إشارة إلى حال العلماء والدعاة، فإنهم ورثة الأنبياء، فلهم أعداء وحسّاد يطلقون ألسنتهم في حقهم باللوم والطعن بالجنون والجهل ونحو ذلك، ولكنهم يصبرون على الجفاء والأذى، فيظفرون بمراداتهم كما صبر الأنبياء فظفروا وفي آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾؛ أي: ظاهرًا بهلاك قومهم، أو بإجابة الدعوة وباطنا بالتخلق بالأخلاق الإلهية مثل الصبر، فإنه نصر أيُّ نصر، إذ به يحصل المرام، وبالصبر ينقلب الإنسان
стр. 11694
من حال إلى حال أخرى أحسن من الأولى، كما ينقلب النحاس بالإكسير فضةً أو ذهبًا.
ودلّت الآية أيضًا (١): على أنه ليس من الحكمة أن يقطع لسان الخلق بعضهم عن بعض، ألا ترى أنه تعالى لم يقطع لسان الخلق عن ذاته الكريمة، حتى قالوا في حقه تعالى: إن له صاحبةً وولدًا ونحو ذلك، فكيف غيره تعالى من الأنبياء والمرسلين والعلماء والمقرّبين، فالنار لا ترتفع من الدنيا إلا يوم القيامة، وإنما يرتفع الاحتراق بها، كما وقع لإبراهيم ﵇ وغيره من الخواض، فكل البلايا كالنار، فبطون العلماء والأولياء وقلوب الصديقين في سلامة من الاحتراق بها، فإنه لا يجري إلا ما قضاه الله تعالى، ومن آمن بقضاء الله .. سَلِمَ من الاعتراض والانقباض، وهكذا شأن الكبار، نسأل الله الغفَّار السلامة من عذاب النار.
٤٤ - ثمَّ أجاب عن شبهةٍ قالوها: وهي هلا نزل القرآن بلغة العجم، فقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: ولو جعلنا هذا الذكر والقرآن الذي تقرؤهُ على الناس ﴿قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾؛ أي: قرآنا منتظمًا على لغة العجم مؤلفًا عليها. والأعجمي في الأصل يقال لذات من لا يفصح عن مراده بلغة لسانه، وان كان من العرب، ولكلامه الملتبس الذي لا يوضّح المعنى المقصود، أطلق ما هنا على كلام مؤلّف على لغة العجم بطريق الاستعارة، تشبيهًا له بكلام من لا يفصح، من حيث إنه لا يفهم معناه بالنسبة إلى العرب، وهذا جواب لقول قريش تعنّتًا: هلّا أنزل القران بلغة العجم .. ﴿لَقَالُوا﴾: جواب ﴿لو﴾ الشرطية؛ أي: لقال كفار قريش: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: هلّا بيّنت آياته، وفصلت دلائله بلسان نفقهه من غير ترجمان عجمي، وهو من كان منسوبًا إلى أمة العجم فصيحًا كان أو غير فصيح، و ﴿لَوْلَا﴾ هنا: حرف تحضيض بمعنى: هلّا، وحرف التحضيض إذا دخل على الماضي .. كان معناه: اللوم والتوبيخ على ترك الفعل، فهو في الماضي بمعنى الإنكار.
والاستفهام في قوله: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ للإنكار، وهو من جملة كلام المشركين، مقرر للإنكار المفهوم من التحضيض، والأعجمي: كلام لا يفهم معناه،
стр. 11695
ولغة العجم كذلك بالنسبة إلى العرب. و ﴿الهمزة﴾ الأولى فيه: للاستفهام الإنكاري، والثانية: جزء كلمة، و ﴿الياء﴾: فيه ليست للنسبة، بل للمبالغة في الوصف كالأحمري.
والمعنى: ولو جعلناه قرآنًا أعجميًا .. لأنكروا وقالوا؛ لولا فصلت آياته بلسان نفهمه، إن كان من عند الله أهو؛ أي: القران أعجميٌّ وهو؛ أي: المرسل به أو المرسل إله عربي، فكيف يرسل الكلام العجمي مع الرسول العرب؟ أو كيف يرسل الكلام العجميّ إلى القوم العربي؟ لحصول التنافي بين الكلام وبين الآتي به، أو بين الكلام وبين المخاطب به، مع كون المرسل إليه أمةً جمةً.
وحاصل المعنى: أي (١) ولو جعلنا هذا القرآن الذي أنزل إليك بلغة العجم .. لقال قومك من قريش: هلا بينت أدلته وما فيه من حكم وأحكام بلغة العرب، حتى نفقهه ونعلم ما هو وما فيه وكانوا يقولون منكرين: أقرآن أعجمي ولسان المرسل إليهم عربي.
وخلاصة ذلك: لو نزل بلسان أعجمي .. لقالوا: هلّا بيّنت آياته باللسان الذي نفهمه، ولقالوا: أكلام أعجمي، والمرسل إليهم عرب خلص.
قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش وحفص (٢): بهمزتين محققتين، وقرأ الجمهور: ﴿أعجمي﴾ بهمزة الاستفهام بعدها مدة هي حمزة أعجمي، وقياسها في التخفيف: التسهيل بين بين، أي: وقالوا منكرين: أهو قرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟ وتأوله ابن جبير أن معنى قوله: أعجمي وعربي؛ أي: أهو قرانٌ أعجمي ونحن عرب؟ مالنا وللعجمة؟ وقرأ الحسن وأبو الأسود والجحدري وسلّام والضحاك وابن عباس وابن عامر: بخلاف عنهما، وأبو العالية ونصر بن عاصم وهشام: بهمزة واحدة هي أصل الكلمة وسكون العين بدون استفهام ولا إنشاء، والكلام حينئذ على الإخبار، والتفصيل في قوله: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ﴾ بمعنى: التفريق والتمييز، لا بمعنى التبيين، كما في القراءة الأولى، والمعنى حينئذ: ولو جعلنا المنزّل كله أعجميًّا .. لقالوا: لولا فصلت آياته وميّزت، بأن جعل بعضها