والولد، والقول بأنه لا يقدر على إحياء الموتى، وأنه لا يبعث البشر رسلًا.
والثاني: إثبات الشركاء والأنداد له تعالى، فالكفر المذكور أولًا مغاير لإثبات الأنداد له؛ ضرورة عطف أحدهما على الآخر.
﴿ذَلِكَ﴾ العظيم الشأن، الذي فعل ما ذكر من خلق الأرض في يومين، وهو مبتدأ، خبره: قوله: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: خالق جميع الموجودات ومربيها دون الأرض خاصة، فكيف يتصور أن يكون أخس مخلوقاته ندًا له تعالى؟ وعبارة المراغي هنا: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي (١) خلق الأرض في نوبتين - نوبةً جعلها جامدةً بعد أن كانت كرةً غازيةً، ومرةً جعلها ستًا وعشرين طبقةً في ستة أطوار، كما بين ذلك علماء طبقات الأرض الجيولوجيا - هو ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لا ربها وحدها، فهو مربي المخلوقات جميعًا، فإن رباها في نوبتين .. فقد ربى غيرها في نوبات، يعلم سبحانه عددها، فكيف يكون شيء منها ندًا له، وضريبًا؟
١٠ - ثم بين أحكام ذلك الخلق وحسن تدبيره، فقال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾؛ أي: من فوق الأرض، وهو معطوف على ﴿خَلَقَ﴾: داخل في حكم الصلة؛ أي: كيف تكفرون بالذي خلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، والجعل (٢): إبداعي، والمراد: تقدير الجعل، لا الجعل بالفعل، والمراد بالرواسي: الجبال الثابتة المستقرة، و ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ متعلق بجعل أو بمضمر، هو صفة لـ ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: كائنةً (٣) من فوقها، مرتفعة عليها، لتكون منافعها ظاهرةً للطلاب، وليظهر للناظر ما فيها من وجوه الاستدلال، وإلا فالجبال التي أثبتت فوق الأرض لا تمنعها عن الميدان، ولو كانت تحتها كأساطين الغرف، أو مركوزة فيها كالمسامير. لمنعتها عنه.
والمعنى (٤): أي كائنةً من فوق الأرض، ليرى الإنسان بعينه، وليتفكر بقلبه أن الجبال أثقال على أثقال، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ، وما ذاك الحافظ المدبر إلا الله تعالى، ولو جعل في الأرض رواسي من تحتها .. لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، وقيل: جملة
стр. 11622
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: مستأنفة غير معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ لوقوع الفصل بينهما بالأجنبي، والأول أولى لأن الجملة الفاصلة هي مقررة لمضمون ما قبلها، فكانت بمنزلة التأكيد، ومعنى ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾: أنها مرتفعة عليها، لأنها من أجزاء الأرض، وإنما خالفتها باعتبار الارتفاع، فكانت من هذه الحيثية كالمغايرة لها.
وعبارة المراغي: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾؛ أي (١): وجعل في الأرض جبالًا ثوابت مرتفعةً عليها، أسسها في الأرض وهي الطبقة الصوانية، وهذه الطبقة هي التي برزت منها الجبال، فالجبال أساسها بعيدة الغور، ضاربة في جميع الطبقات، واصلة إلى أول طبقة وهي الطبقة الصوانية، التي لولاها لم تكن الأرض أرضًا، ولم نستقر عليها، فأرضنا كرة من النار، غطيت بطبقة صوانية فوقها طبقات، ألطف منها تكون فيها الحيوان والنبات على مدى الزمان، والجبال نتوءات نتأت من تلك الطبقة، وارتفعت فوقها عشرات آلاف الكيلومترات، وصارت مخازن المياه والمعادن، وهداية للطرق، وحافظة للهواء والسحاب. انتهى.
﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض؛ أي: أنزل البركة والخير فيها، بشق الأنهار وخلق الأشجار والثمار، وأصناف الحيوانات، وكل ما يحتاج إليه من الخيرات؛ أي: وجعلها مباركةً كثيرة الخيرات، بما خلق فيها من المنافع، فجعل جبالها مبدأ لجريان الأنهار، ومخازن للمعادن، كالذهب والفضة والحديد والنحاس ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا﴾؛ أي: وأوجد في الأرض ﴿أَقْوَاتَهَا﴾؛ أي: أقوات أهلها وأرزاقهم، من الأنواع المختلفة المناسبة لها على مقدار معين، تقتضيه الحكمة البالغة؛ أي: قدر لأهلها من الأقوات ما يناسب حال كل إقليم، من مطاعم وملابس ونبات، ليكون بعض الناس محتاجًا إلى بعض، فتروج المتاجر بينهم، وتنتقل المحصولات والمنتوجات من بلد إلى آخر، ومن قطر إلى قطر، وفي هذا عمار للأرض، وانتظام أمور العالم.
وأضاف (٢) الأقوات إلى الأرض من حيث هي فيها وعنها برزت. قاله السدي.
стр. 11623
وقُرِىء (١): ﴿وقسم فيها أقواتا﴾؛ أي (٢): قسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم. وقيل: قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى، ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة، وقيل: قدر البر لأهل قطر من الأرض، والتمر لأهل قطر آخر، والذرة لأهل قطر، والسمك لأهل قطر، وكذلك سائر الأقوات، وقيل: إن الزراعة أكثر الحرف بركةً، لأن الله تعالى وضع الأقوات في الأرض، قال تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: مع اليومين الأولين من أيام الآخرة (٣)، أو من أيام الدنيا، فخلق الأرض في يومين، وقدر الأقوات في يومين، وهما يوم الثلاثاء والأربعاء، فصارت أربعة أيام، رد الآخر على الأول في الذكر؛ أي: أن خلق الأرض وجعل الرواسي فيها في يومين، وإكثار خيراتها وتقدير أقواتها في يومين، فيكون ذلك في أربعة أيام. كما يقول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يومًا؛ أي: في تتمة خمسة عشر يومًا.
وقصارى ذلك: أن حصول جميع ما تقدم من خلق الأرض وخلق الجبال الرواسي فيها، وتقدير الأقوات في أربعة أيام، حالة كون تلك الأيام الأربعة ﴿سَوَاءً﴾؛ أي: مستويةً كاملة تامة بلا زيادة ولا نقصان.
وقرأ الجمهور: ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب على الحال من ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ لتخصصه بالإضافة، أو من الأرض، أو من الضمائر الراجعة إليها، أو على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف هو صفة لـ ﴿الأَيَّامٍ﴾؛ أي: استوت تلك الأيام وتمت سواءً؛ أي: استواءً وتمامًا، وقرأ أبو جعفر؛ برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي سواء؛ أي: تلك الأربعة مستوية تامة، وقرأ زيد بن علي والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب وعمرو بن عبيد: بخفضه، على أنه صفة لـ ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: في أربعة أيام مستوية تامة كاملة.
وقوله: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾: متعلق بمحذوف، تقديره: هذا الحصر في الأربعة للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، القائلين: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ فالسؤال استفتائي، و ﴿اللام﴾: للبيان أو متعلق بقدر. قال في "بحر العلوم" وهذا هو الظاهر؛ أي: قدر فيها أقواتها لأجل السائلين؛ أي: لأجل الطالبين لها،
стр. 11624
المحتاجين إليها من المقتاتين، فإن أهل الأرض كلها طالبون للقوت، محتاجون إليه، فالسؤال استعطافي، واللام للأجل.
قال الفراء (١): في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وقدر فيها أقواتها سواءً كاملةً للمحتاجين في أربعة أيام، واختار هذا ابن جرير.
١١ - ولما انتهى من الكلام في الأرض .. أخذ يذكر السماء، فالترتيب في الذكر فحسب؛ أي: لما ذكر سبحانه خلق الأرض وما فيها .. ذكر كيفية خلقه للسموات، فقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ ؛ أي: وجه قصده وإرادته ﴿إِلَى﴾ خلق ﴿السَّمَاءِ﴾ وتكوينها، قال الرازي: هو من قولهم: استوى إلى مكان كذا: إذا توجه إليه توجهًا لا يلتفت معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونظيره قولهم: استقام إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾.
والمعنى: ثم دعاه سبحانه داعي الحكمة البالغة، والقدرة الباهرة، والإرادة التامة إلى خلق السموات وسمكها بعد خلق الأرض وما فيها ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؛ أي: والحال أن السماء أمر ظلماني مثل الدخان المرتفع من النار، الذي لا تماسك فيه؛ أي: مثل السحاب الغير المتماسك. و ﴿الواو﴾ (٢): للحال، والضمير للسماء، لأنها من المؤنثات السماعية، والدخان أجزاء أرضية لطيفة؛ أي: غير متماسكة، ترتفع في الهواء مع الحرارة. وفي "المفردات": الدخان: العثان المسْتَصْحِب لِلَهب، والبخار: أجزاء مائية رطبة ترتفع في الهواء مع الشعاعات الراجفة من سطوح المياه.
والمعنى: والحال أن السماء دخان؛ أي: أمر ظلماني يشبه الدخان، وهو المرتفع من النار وهو من قبيل التشبيه البليغ ولما كانت أول حدوثها مظلمة صحت تسميتها بالدخان تشبيهًا لها به، من حيث إنها أجزاء متفرقة غير متواصلة، عديمة النور كالدخان، فإنه ليس له صورة تحفظ تركيبه. كما في "حواشي ابن الشيخ". وقال بعضهم: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؛ أي: دخان مرتفع من الماء؛ يعني: السماء، بخار الماء كهيئة الدخان.
стр. 11625
وكان عرش الرحمن قبل خلق السموات والأرض على الماء، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، فلما أراد الله أن يخلق السموات والأرض .. أمر الريح فضربت الماء فاضطرب الحاء اضطرابًا شديدًا فأزبد وارتفع، فخرج منه دخان، فأما الزبد: فبقي على وجه الماء، فخلق فيه اليبوسة، وأحدث منه الأرض، وأما الدخان: فارتفع وعلا، فخلق منه السموات.
فإن قلت: هذه (١) الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل السماء، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماء، فكيف الجمع بينهما؟
قلت: الجواب المشهور: أنه تعالى خلق الأرض أولًا، ثم خلق السماء بعدها، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض ومدّها، وفيه جواب آخر، وهو أن يقال: إن خلق السماء مقدم على خلق الأرض، فعلى هذا يكون معنى الآية خلق الأرض في يومين، وليس الخلق عبارةً عن الإيجاد والتكوين فقط، بل هو عبارة عن التقدير أيضًا، فيكون المعنى: قضى أن يحدث الأرض في يومين بعد إحداث السماء، فعلى هذا يزول الإشكال. والله أعلم بالحقيقة.
ولعل تقديم (٢) بيان ما يتعلق بالأرض وأهلها، لما أن بيان اعتنائه تعالى بأمر المخاطبين، وترتب مبادي معايشهم قبل خلقهم، مما يحملهم على الإيمان، ويزجرهم عن الكفر والطغيان.
﴿فَقَالَ لَهَا﴾؛ أي: للسماء ﴿وَلِلْأَرْضِ﴾ التي قدر وجودها، ووجود ما فيها: ﴿ائْتِيَا﴾؛ أي: كُونا واحدُثَا على وجه معين، وفي وقت مقدر لكل منكما، وهو عبارة عن تعلق إرادته تعالى بوجودهما تعلقًا فعليًا، بطريق التمثيل، بعد تقدير أمرهما، من غير أن يكون هناك آمر ومأمور، كما في قوله: ﴿كُن﴾ بأن شبه تأثير قدرته فيهما، وتأثرهما عنها بأمر آمر نافذ الحكم يتوجه نحو المأمور المطيع، فيتمثل أمره، فعبر عن الحالة المشبهة بما يعبر به عن الحالة المشبهة بها.
ومعنى ﴿ائْتِيَا﴾ (٣): افعلا ما آمركما به، وجيئا به، كما يقال: ائت ما هو
стр. 11626
الأحسن؛ أي: افعله. قال الواحدي: قال المفسرون: إن الله سبحانه قال: أما أنت يا سماء .. فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأما أنت يا أرض .. فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك.
وقرأ الجمهور: ﴿ائْتِيَا﴾ أمرًا من الإتيان، وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد: ﴿آتيا﴾ ﴿قالتا آتينا﴾ بالمد فيهما، وهو إما من المؤاتاة وهي الموافقة؛ أي: لتوافق كل منكما الأخرى، أو من الإيتاء وهو الإعطاء، فوزنه على الأول فاعلا كقاتلا، وعلى الثاني أفعلا كأكرما، وجمع الأمر لهما في الإخبار عنه لا يدل على جمعه في الزمان، بل يكون القول لهما متعاقبًا.
وقوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾: مصدران (١) واقعان في موقع الحال، والطوع الانقياد والاختيار والإرادة، ويضاده الكره؛ أي: كونا أو افعلا ما أمرتكما به حالة كونكما طائعتين منقادتين مختارتين أو كارهتين؛ أي: افعلا سواء شئتما ذلك أو أبيتما، وهو تمثيل لتحتم تأثير قدرته تعالى فيهما، واستحالة امتناعهما من ذلك، لا إثبات الطوع والكره لهما، لأنهما من أوصاف العقلاء ذوي الإرادة والاختيار، والأرض والسماء من قبيل الجمادات العديمة الإرادة والاختيار.
وقرأ الأعمش: ﴿كرها﴾ بضم الكاف وهو بمعنى الفتح.
﴿قَالَتَا﴾؛ أي: السماء والأرض ﴿أَتَيْنَا﴾ وفعلنا أمرك حالة كوننا ﴿طَائِعِينَ﴾؛ أي: منقادين وطائعين أمرك، وهو تمثيل لكمال تأثرهما بالذات عن القدرة الربانية، وحصولهما كما أمرتا به، وتصوير لكون وجودهما كما هما عليه جاريًا على مقتضى الحكمة البالغة، فإن الطوع منبىء عن ذلك، والكره موهم لخلافه.
فإن قلت: لِمَ قال (٢): ﴿طَائِعِينَ﴾ على وزن جمع العقلاء المذكور، لا طائعتين حملًا على اللفظ أو طائعات حملًا على المعنى، لأنها سماوات وأرضون؟
قلت: جمعهما جمع العقلاء لخطابهما بما يخاطب به العقلاء، ونظيره: ﴿سَاجِدِينَ﴾ في قوله تعالى حكايةً عن يوسف ﵇: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾؛ أي: لما وصفتا بأوصاف العقلاء ..
стр. 11627
عوملتا معاملة العقلاء، وجمعتا لتعدد مدلولهما.
والمعنى (١): أي فقال لتلك العوالم السماوية، وللأرض التي دارت حولها: ائتيا كيف شئتما، طائعتين أو كارهتين، فأجابتا فقالتا: أتينا طائعين. قال ابن عباس ﵄ قال الله تعالى للسموات: أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك، وقال للأرض: شقي أنهارك، وأخرجي شجرك وثمارك، طائعتين أو كارهتين، قالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
وفي هذا دلالة على الحركة المستمرة المعبّر عن سببها بالجاذبية، فهي حركة تجري جري طاعة، لا جري قسر، فإنا نشاهد أنا نرمي الحجر إلى أعلى قسرًا، فيأبى إلا أن ينزل إلى الأرض بطريق الجاذبية إلى جسم أكبر منه وهي الأرض، وهكذا الأرض مجذوبة إلى الشمس التي هي أصلها بحركة دورية دائمة، طوعًا لا قسرًا، لأن القسرية كرمي الحجر إلى أعلى سريعة الزوال، أما حركة الطاعة .. فهي دائمة ما دام المطيع متخلقًا بخلقه الذي هو فيه.
١٢ - وقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ تفسير (٢) وتفصيل لتكوين السماء المجمل المعبر عنه بالأمر، وجوابه لا أنه فعل مرتب على تكوينها، والضمير لـ ﴿السَّمَاءِ﴾ على المعنى، فإنه في معنى الجمع لتعدد مدلوله، فـ ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ حال، أو هو؛ أي: الضمير مبهم يفسره ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ كضمير ربه رجلًا فـ ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: تمييز.
والمعنى: خلقهن وأحكمهن وفرغ منهن، حال كونهن سبع سموات، أو خلقهن من جهة كونهن سبع سموات، خلقًا إبداعيًا؛ أي: على طريق الاختراع لا على مثال، وأتقن أمرهن بأن لا يكون فيهن خلل ونقصان، حسبما تقتضيه الحكمة، أو مفعول ثان لـ ﴿قَضَاهُنَّ﴾ لتضمنه معنى التصيِير؛ أي: صيرهن سبع سموات ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ أي: في وقت مقدر بيومين، وهما يوم الخميس ويوم الجمعة، خلق السموات يوم الخميس، وما فيها من الشمس والقمر والنجوم في يوم الجمعة، وقد بين مقدار زمان خلق الأرض وخلق ما فيها عند بيان تقديرهما، فكان خلق الكل في ستة أيام حسبما نص عليه في مواضع من التنزيل.
стр. 11628
والمعنى (١): فأتم خلقهن خلقًا إبداعيًا، وأتقن أمرهن في يومين سوى الأربعة الأيام التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق السموات والأرض في ستة أيام، كما قال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ على ما اقتضته الحكمة وحسن النظام.
وفي "فتح الرحمن": إن قلت (٢): الكلام هنا يدل على أن السموات والأرض وما بينهما خلقت في ثمانية أيام، وهو مخالف لما ذكره في سورة الفرقان وغيرها، أنها خلقت في ستة أيام.
قلت: يومًا خلق الأرض من جملة الأربعة بعدهما، والمعنى في تتمة أربعة أيام، وهي مع يومي خلق السموات ستة أيام، يوم الأحد والاثنين لخلق الأرض، ويوم الثلاثاء والأربعاء للجعل المذكور في الآية وما بعده، ويوم الخميس والجمعة لخلق السموات.
فإن قلت: السموات وما فيها أعظم من الأرض وما فيها بأضعاف، فما الحكمة في أنه تعالى خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام، والسموات وما فيها في يومين؟
قلت: لأن السموات وما فيها من عالم الغيب والملكوت والأمر، والأرض وما فيها من عالم الشهادة والملك والخلق، والأول أسرع من الثاني، أو أنه تعالى فعل ذلك في الثاني مع قدرته على فعله ذلك دفعةً واحدة؛ ليعرفنا أن الخلق على سبيل التدريج لنتأنى في أفعالنا، فخلق ذلك في أربعة أيام لمصالح وحكم اقتضت ذلك، ولهذا خلق العالم الأكبر في ستة أيام، والعالم الأصغر وهو الإنسان في ستة أشهر، وهي أقل مدة الحمل.
﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾: عطف على ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾؛ أي: وخلق في كل سماء منهن أمرها؛ أي: مخلوقها وسكانها، والإيحاء: عبارة: عن التكوين، والخلق مقيد بما قيد به المعطوف عليه من الوقت؛ أي: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها وما فيها من الملائكة والبحار والبرد والثلوج وغيرها، مما لا يعلمه إلا الله سبحانه. قاله قتادة والسدي؛ قال الراغب: يقال للإبداع: أمر، وقد
стр. 11629
حمل على ذلك في هذه الآية. اهـ.
أو المعنى (١): ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ﴾؛ أي: ألقى إلى أهل كل سماء أوامره وكلفهم بما يليق بهم من التكاليف، فمنهم قيام لا يقعدون إلى قيام الساعة، ومنهم سجود لا يرفعون رؤوسهم أبدًا إلى غير ذلك، والإيحاء حينئذ على معناه، ومطلق عن القيد المذكور، والآمر هو الله تعالى، والمأمور أهل كل سماء، وأضيف الأمر إلى نفس السماء؛ للملابسة، لأنه إذا كان مختصًا بالسماء .. فهو أيضًا بواسطة أهلها.
﴿وَزَيَّنَّا﴾ التفات إلى نون العظمة، لإبراز مزيد العناية بالأمر ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: القريبة إلى أهل الأرض ﴿بِمَصَابِيحَ﴾؛ أي: بكواكب تضيء في الليل كالمصابيح، فإنها ترى كلها متلألئة على السماء الدنيا، كأنها فيها، فالمراد بالمصابيح: جميع الكواكب النيرة التي خلقت في السموات من الثوابت والسيارات، وليس كلها في السماء الدنيا، وهي التي تدنو وتقرب من أهل الأرض، فإن كل واحد من السيارات السبع في فلك مستقل، والثوابت مركوزة في الفلك الثامن، المعبر عنه بالكرسي، إلا أن كونها مركوزة فيما فوق السماء الدنيا، لا ينافي كونها زينة لها؛ لأنَّا نرى جميع الكواكب كالسرج الموقدة فيها، وقيل: إن في كل سماء كواكب تضيء، وقيل: بل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا، وقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾: مصدر مؤكد لفعل محذوف معطوف على ﴿زَيَّنَّا﴾؛ أي (٢): وحفظنا السماء الدنيا من الآفات ومن المسترقة ﴿حِفْظًا﴾، وهي الشياطين الذين يصعدون السماء لاستراق السمع، فيرمون بشهب صادرة من نار الكواكب، منفصلة عنها، ولا يرجمون بالكواكب أنفسها، لأنها قارة في الفلك على حالها، وما ذلك إلا كقبس يؤخذ من النار، والنار باقية بحالها، لا ينتقص منها شيء، والشهاب: شعلة نار ساقطة.
وقيل المعنى (٣): أي وحفظنا تلك المصابيح حفظًا من الاضطراب في سيرها، ومن اصطدام بعضها ببعض، وجعلناها تسير على نهج واحد، ما دام هذا النظام باقيًا حتى يأتي اليوم الموعود، فهناك تختل نظمها، كما قال سبحانه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾.
стр. 11630
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من خلق الأرض في يومين وما بعده إلى هنا ﴿تَقْدِيرُ﴾ وتدبير الإله القدير ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي قد عز كل شيء فغلبه وقهره ﴿الْعَلِيمِ﴾ بحركات مخلوقاته وسكناتها، سرها ونجواها، ظاهرها وباطنها.
١٣ - وقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾: متصل بقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ ...﴾ إلخ؛ أي: فإن أعرض كفار قريش عن الإيمان بعد هذا البيان، وهو بيان خلق الأجرام العلوية والسفلية وما بينهما .. ﴿فَقُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾؛ أي: أنذركم وأخوفكم، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق المنذر به؛ أي: أنذركم وأخوفكم ﴿صَاعِقَةً﴾؛ أي: عذابًا هائلًا شديد الوقع، كأنه صاعقة؛ يعني أن الصاعقة في الأصل قطعة من النار، تنزل من المساء فتحرق ما أصابته، استعيرت هنا للعذاب الشديد، تشبيهًا له بها في الشدة والهول؛ أي: أنذركم عذابًا شديدًا ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾؛ أي: مثل عذاب شديد نزل بعاد قوم هود وبثمود قوم صالح.
أي (١): لم يبق في حقكم علاج إلا إنزال العذاب الذي نزل على من قبلكم من المعاندين المتمردين، المعرضين عن الله تعالى وطلبه وطلب رضاه، فهم سلف لكم في التكذيب والجحود والعناد، وقد سلكتم طريقهم، فتكونون كأمثالهم في الهلاك، قال مقاتل: كان عاد وثمود ابني عم، وموسى وقارون ابني عم، وإلياس واليسع ابني عم، وعيسى ويحيى ابني خالة.
وإنما خص (٢) هاتين القبيلتين؛ لأن قريشًا كانوا يمرون على بلادهم في أسفارهم إلى الشام، فيرون آثارهم في الحجر.
وقرأ الجمهور: ﴿صَاعِقَةِ﴾ في الموضعين بالألف، وقرأ ابن الزبير والنخعي والسلمي وابن محيصن: ﴿صعقة﴾ بغير ألف في الموضعين، والصعقة: المرة من الصعق، أو الصعق، يقال: صعقته الصاعقة صعقًا؛ أي: أهلكته إهلاكًا فصعق صعقًا، والصاعقة: المهلكة من كل شيء،
١٤ - والظرف في قوله: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾: متعلق بمحذوف حال من صاعقة عاد وثمود؛ أي: حال كون تلك الصاعقة نازلةً بهم وقت مجيء الرسل إليهم؛ أي: إلى عاد وثمود ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي (٣): من
стр. 11631
قبلهم، يعني الرسل الذي أرسلوا إلى آبائهم، فالضمير عائد إلى عاد وثمود ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: ومن بعد الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم، وهم الرسل الذين أرسلوا إليهم، وهما هود وصالح، والضمير عائد إلى الرسل.
قوله: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ الظاهر (١): أنه من إطلاق الجمع على المثنى، فإن الجائي إلى عاد هود، وإلى ثمود صالح ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿جَاءَتْهُمُ﴾؛ أي: جاءتهم من جميع جوانبهم، واجتهدوا بهم من كل جهة من جهات الإرشاد وطرق النصيحة، تارةً بالرفق، وتارةً بالعنف، وتارةً بالتشويق، وأخرى بالترهيب، فليس المراد الجهات الحسية والأماكن المحيطة بهم، أو من جهة الزمان الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار من الوقائع، ومن جهة الزمان المستقبل بالتحذير عما أعد لهم في الآخرة، ويحتمل أن يكون عبارة عن الكثرة كقوله تعالى: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ فيراد بالرسل ما يعم المتقدمين منهم والمتأخرين، أو ما يعم رسل الرسل أيضًا، وإلا فالجائي رسولان كما سبق، وليس في الاثنين كثرة؛ أي: إذ جاءتهم الرسل وخاطبوهم بـ ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ أيها القوم ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ ؛ أي: يأمرونهم بعبادة الله وحده، فـ ﴿أنْ﴾: مصدرية ناصبة للفعل وصلت بالنهي، كما توصل بالأمر في مثل قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾، ويجوز (٢) أن تكون تفسيرية، أو مخففةً من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن محذوف.
ثم ذكر سبحانه ما أجابوا به على الرسل، فقال: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قوم عاد وثمود استخفافًا برسلهم: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا﴾؛ أي: إرسال الرسل، فإنه ليس هنا في أن تقدر المفعول مضمون جواب الشرط كثير معنى .. ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾؛ أي: لأرسل الملائكة بدلكم، ولم يتخالجنا شك في أمرهم فآمنا بهم، لكن لما كان إرسالهم بطريق الإنزال .. قيل: لأنزل ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ على زعمكم، فهو ليس إقرارًا منهم بالإرسال ﴿كَافِرُونَ﴾؛ أي: كافرون بما تزعمونه من أن الله أرسلكم إلينا، لأنكم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا، فكيف اختصكم برسالته دوننا؟.
ومعنى الآية (٣): أي قل أيها الرسول لمشركي قومك، المكذبين لما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله تعالى .. فإني أنذركم بحلول
стр. 11632
نقمته بكم، كما حلت بالأمم الماضية التي كذبت رسلها، كعاد وثمود ومن على شاكلتهما، ممن فعل فعلهما حين جاءتهم الرسل في القرى المجاورة لبلادكم، وأمروا أهلها بعبادة الله وحده، فكذبوهم واستكبروا عن إجابة دعوتهم، واعتذروا بشتى المعاذير، كما ذكر الله ذلك سبحانه بقوله: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا﴾ إلخ؛ أي: قالوا: إنا لا نصدق برسالتكم، فما أرسل الله بشرًا، ولو أرسل رسلًا .. لأنزل ملائكة، وإذًا فلا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا، وقد تقدم في غير ما موضع دفع هذه الشبهة الداحضة التي جاؤوا بها، وقوله: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾: ليس إقرارًا منكم بكونهم رسلًا بل ذكروه استهزاءً بهم، كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.
أخرج البيهقي في "الدلائل" وابن عساكر عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلًا عالمًا بالسحر والكهانة والشعر فكلمه، ثم أتانا ببيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت السحر، وعلمت من ذلك علمًا، وما يخفى علي إن كان كذلك، فأتاه فقال: يا محمد، أنت خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطلب، أنت خير أم عبد الله، فلم يجبه ﷺ ، قال: لم تشتم آلهتنا وتضللنا، إن كنت تريد الرياسة؟ عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن تكن بك الباءة - الميل إلى قربان النساء - .. زوجناك عشر نسوة تختارهن أي بنات شئت من قريش، وإن كان المال مرادك .. جمعنا لك ما تستغني به، ورسول الله ساكت، فلما فرغ .. قال ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فأمسك عتبة على فيه، وناشده الرحم، فرجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم .. قالوا: لا نرى عتبة إلا قد صبأ، فانطلقوا إليه وقالوا: يا عتبة، ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت، فغضب وأقسم لا يكلم محمدًا أبدًا، ثم قال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء ما هو بشعر ولا بسحر ولا كهانة، ولما بلغ: ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ .. أمسكت بفيه وناشدته الرحم، ولقد علمت أن محمدًا إذا قال شيئًا .. لا يكذب؛ فخفت أن ينزل بكم العذاب.
وأخرج أبو نعيم والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عمر قال: لما قرأ النبي ﷺ -
стр. 11633
على عتبة بن ربيعة: ﴿حم (١)﴾ أتى أصحابه فقال: يا قوم، أطيعوني في هذا اليوم، واعصوني بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلامًا ما سمعت أذني قط كلامًا مثله، وما دريت ما أرد عليه.
وقد ذكرنا هذا القصص قبل برواية أخرى، وهذه الرواية أتم من سابقتها، فأعدناها تكميلًا للفائدة، وفي هذا الباب روايات كثيرة تدل على اجتماع قريش وإرسالهم عتبة بن ربيعة، وتلاوته ﷺ أول هذه السورة عليه.
١٥ - ولما بين سبحانه كفر قوم عاد وثمود إجمالًا، وبين معاذيرهما .. أردف ذلك بذكر ما لكل منهما من الجناية، وما حل به من العذاب، فقال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ﴾ ولما (١) كان التفصيل مسببًا عن الإجمال السابق .. أدخل عليه ﴿الفاء﴾ السببية، هكذا ذكره صاحب "روح البيان" والأولى جعلها فصيحية كما سيأتي في مبحث الإعراب، والتقدير: إذا عرفت أن كلًّا من القبيلتين كفروا برسلهم، فأخذتهم الصاعقة، وأردت بيان ما لكل منهما من الجريمة والعقوبة .. فأقول لك: أما عاد قوم هود ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: تكبروا عن الإيمان بالله وتصديق رسله، وتعظموا فيها على أهلها ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بغير استحقاق ذلك الذي وقع منهم من التكبر والتعظم، بل ركنوا إلى قوة نفوسهم.
ثم ذكر سبحانه بعض ما صدر منهم من الأقوال الدالة على الاستكبار، فقال: ﴿وَقَالُوا﴾ اغترارًا بتلك القوة الموقوفة على عظم الأجسام: ﴿مَنْ﴾ للاستفهام الإنكاري؛ أي: لا أحد ﴿أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾؛ أي: قدرةً وكان طول كل واحد منهم ثمانية عشر ذراعًا، وبلغ من قوتهم أن الرجل منهم كان يقتلع الصخرة من الجبل، ويجعلها حيث شاء، وكانوا يظنون أنهم يقدرون على دفع العذاب بفضل قوتهم، فخانتهم قواهم لما استمكن منهم بلواهم، وقد رد الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ و ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أغفلوا عن قدرة الله القاهرة، ولم يعلموا علمًا جليًا شبيهًا بالمشاهدة والعيان ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ وخلق الأشياء كلها خصوصًا الأجرام العظيمة كالسموات والجبال ونحوها؟، وإنما (٢) أورد
стр. 11634
في حيز الصلة خلقهم دون خلق السموات والأرض؛ لادعائهم الشدة في القوة ﴿هُوَ﴾ سبحانه ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾؛ أي: قدرة، لأن قدرة الخالق لابد وأن تكون أشد من قدرة المخلوق، إذ قدرة المخلوق مستفادة من قدرة الخالق، والقوة: عبارة عن شدة البنية وصلابتها المضادة للضعف.
ولما كانت (١) صيغة التفضيل تستلزم اشتراك المفضل والمفضل عليه في الوصف الذي هو مبدأ اشتقاق أفعل، ولا اشتراك بينه تعالى وبين الإنسان في هذه القوة لكونه منزهًا عنها .. أريد بها القدرة مجازًا لكونها مسببة عن القوة بمعنى صلابة البنية ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ المنزلة على الرسل ﴿يَجْحَدُونَ﴾ والجحود: الإنكار مع العلم؛ أي: ينكرونها وهم يعرفون حقيقتها، كما يجحد المودع الوديعة وينكرها، وهو عطف على ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ وما بينهما اعتراض للرد على كلمتهم الشنعاء.
والمعنى: أنهم جمعوا بين الاستكبار وطلب العلوّ في الأرض، وهو فسق وخروج عن الطاعة بترك الإحسان إلى الخلق، وبين الجحود بالآيات وهو كفر وترك لتعظيم الحق، فكانوا فسقةً كفرةً، وهذان الوصفان لما كانا أصلي جميع الصفات الذميمة .. لا جرم سلّط الله عليهم العذاب، كما قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ إلخ.
ومعنى الآية (٢): أي فأما عاد فبغوا وعصوا ربّهم، ولم يقبلوا كلام الرسول الذي جاء لهم، وقالوا: من أشد منا قوة حتى يستطيع قهرنا وإذلالنا؟ وقد كانوا قومًا طوال القامة، شديدي الأسر، فاغترّوا بأجسامهم حين تهدّدهم رسولهم بالعذاب، فردّ الله عليهم موبّخًا لهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ إلخ؛ أي: أما يفكّرون فيمن يبارزون بالعداوة، إنه العظيم الذي خلق الأشياء كلها، وركّب فيها قواها الحاملة لها، وأنّ بطشه لشديد، وأنه لقادر على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء، فيقول: كن فيكون، وكانوا يعرفون أنّ آياتنا التي أنزلناها على رسلنا حقّ لا مرية فيها، ولكنهم جحدوها وعصوا رسله، وقد يكون المعنى: إنهم جحدوا الأدلّة التكوينية التي نصبناها لهم، وجعلناها حجة عليهم، أو بجميع ذلك.
стр. 11635
١٦ - ثمّ ذكر سبحانه ما أنزل عليهم من عذابه فقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على عاد ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ لتقلعهم من أصولهم؛ أي: ريحًا باردة تهلك وتحرق بشدّة بردها، كإِحراق النار بحرّها من الصرّ وهو البرد الذي يصرّ أي: يجمع ويقبض؛ أي: ريحًا عاصفةً تصرصر؛ أي: تصوّت في هبوبها، قيل: إنها الدبور مقابل القبول؛ أي: الصبا التي تهبّ من مطلع الشمس، فيكون الدبور ما تهبّ من مغربها ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ جمع (١) نحسة من نحس على وزن علم؛ أي: في أيام منحوسات مشؤومات ليس فيها شيء من الخير، فنحوستها أن الله تعالى أدام تلك الرياح فيها على وتيرة وحالة واحدة بلا فتور، وأهلك القوم بها، لا كما يزعم المنجّمون من أنّ بعض الأيام قد يكون في حدّ ذاته نحسًا، وبعضها سعدًا، استدلالًا بهذه الآية، لأنّ أجزاء الزمان متساوية في حدّ ذاتها، ولا تمايز بينها إلا بحسب تمايز ما وقع فيها من الطاعات والمعاصي، فيوم الجمعة مثلًا سعد بالنسبة إلى المطيع، نحس بالنسبة إلى العاصي، وإن كان سعدًا في حدّ نفسه، قال رجل عند الأصمعيّ: فسد الزمان، فقال الأصمعي:
إِنَّ الْجَدِيْدَيَنِ فِيْ طُوْلِ اخْتِلَافِهِمَا ... لَا يَفْسَدَانِ وَلَكِنْ يَفْسُدُ الْنَّاسُ
وقيل:
نَذُمُّ زَمَانَنَا وَالْعَيْبُ فِيْنَا ... وَلَوْ نَطَقَ الزَّمَانُ إِذًا هَجَانَا
يعني: كانت (٢) الريح من صبيحة الأربعاء لثمان بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر، وهو آخر الشهر، ويقال لها: أيام الحسوم، وسيأتي تفصيلها في سورة الحاقة إن شاء الله تعالى، وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء، وقال الضحّاك: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت الرياح عليهم من غير مطر، وعن جابر بن عبد الله ﵁: إذا أراد الله بقوم خيرًا .. أرسل عليهم المطر، وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد بقوم شرًّا. حبس عنهم المطر، وسلّط عليهم كثرة الرياح، وقيل: معنى ﴿نَحِسَاتٍ﴾: باردات، وقيل: متتابعات، وقيل: شداد، وقيل: ذوات غبار.
стр. 11636
وقرأ الحرميان (١) - نافع وابن كثير - وأبو عمرو والنخعي وعيسى والأعرج: ﴿نحسات﴾ بسكون الحاء، جمع نحس بسكون الحاء، فاحتمل أن يكون مصدرًا وصف به، وتارةً يضاف إليه، واحتمل أن يكون مخفّفًا من فعل، وقرأ قتادة وأبو رجاء والجحدري وشيبة وأبو جعفر والأعمش وباقي السبعة: بكسر الحاء وهو القياس، واختار أبو حاتم القراءة الأولى لقوله: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾، واختار أبو عبيد القراءة الثانية.
والمعنى (٢): فأرسلنا عليهم ريحًا باردة تهلك بشدة بردها، وإذا هبّت .. سمع لها صوت قويّ لتكون عقوبة لهم من جنس ما اغترُّوا به أيام مشؤومات نكدات متتابعات، كما قال في آية أخرى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
ثم بين الغاية التي من أجلها نزل العذاب فقال: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾؛ أي: لكي نذيقهم بسبب ذلك الاستكبار عذاب الذل والهوان ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وقرىء: ﴿لتذيقهم﴾ بالتاء، وقال الزمخشري: أسنادًا للإذاقة إلى الريح، أو للأيام النحسات، وإضافة (٣) العذاب إلى الخزي: من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة على طريق التوصيف بالمصدر للمبالغة؛ أي: العذاب الخزي؛ أي: الذليل المهان على أنّ الذليل المهان في الحقيقة أهل العذاب لا العذاب نفسه ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لعذاب الآخرة ﴿أَخْزَى﴾؛ أي: أذل وأزيد خزيًا، وأشد إهانةً من عذاب الدنيا، وهو في الحقيقة أيضًا وصف للمعذّب، وقد وصف به العذاب على الإسناد المجازي لحصول الخزي بسببه ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ أي: لا يمنعون من العذاب النازل بهم، ولا يدفعه عنهم دافع، لأنهم لم ينصروا الله ودينه، وأما المؤمنون فإنهم وإن كانوا ضعفاء .. فقد نصرهم الله تعالى، لأنهم نصروا الله ودينه، فعجبًا من القوة في جانب الضعف، وعجبًا من الضعف في جانب القوة، وفي الحديث: "إنكم تنصرون بضعفائكم"؛ أي: الضعفاء الداعين لكم بالنصرة، وقال خالد بن برمك: اتقوا مجانيق الضعفاء؛ أي: دعواتهم.
стр. 11637
يقول الفقير (١): إنما عذّبت بريح صرصر، لأنهم اغتروا بطول قاماتهم، وعظم أجسادهم، وزيادة قوّتهم، فظنّوا أنّ الجسم إذا كان في القوة والثقل بهذه المرتبة .. فهو يثبت في مكانه. ويستمسك، ولا يزيله عن مقرّه شيء من البلاء، فسلّط الله عليهم الريح، فصارت أجسامهم كريشة في الهواء.
وكان ﷺ يجثو على ركبتيه عند هبوب الرياح، ويقول: "اللهم اجعلها رحمةً ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها لنا رياحًا"؛ أي: رحمةً "ولا تجعلها ريحًا"؛ أي: عذابًا، وأراد به أن أكثر ما ورد في القرآن من الريح بلفظ المفرد فهو عذاب، نحو: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ وإن جاء في الرحمة أيضًا نحو: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ وكل ما جاء بلفظ الجمع على الرياح فهو رحمة لا غير، ويقول ﷺ ؛ أي: عند هبوب الرياح، وعند سماع الصوت والرعد والصواعق أيضًا: "اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك".
١٧ - وبعد أن ذكر قصص عاد، أتبعه بقصص ثمود فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾؛ أي: قبيلة ثمود، فهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، ومن نوّنه وصرفه جعله اسم رجل، وهو الجدّ الأعلى للقبيلة.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾ بالرفع ومنع الصرف، وقرأ الأعمش وابن وثاب بالرفع والصرف، وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق وعاصم في رواية: بالنصب والصرف، وقرأ الحسن وابن هرمز وعاصم في رواية: بالنصب والمنع، فأما الرفع فعلى الابتداء، والجملة بعده: الخبر، وأما النصب. فعلى الاشتغال، وأما الصرف فعلى تفسير الاسم بالأب أو الحيّ، وأما المنع فعلى تأويله بالقبيلة، كما مرّ آنفًا.
﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: فدللناهم على الحق بنصب الآيات التكوينية، وبيّنا لهم طريق النجاة بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الآيات الشريفة، ورحمنا عليهم بالكلية، فإنها توجب على كل عاقل أن يؤمن بالله ويصدّق رسله، قال الفرّاء: معنى الآية: دللناهم على مذهب الخير والنجاة بإرسال الرسل. والمراد بالهداية، الدلالة على ما
стр. 11638
يوصل إلى المطلوب، سواء ترتّب عليها الاهتداء أم لا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وليس المراد الدلالة المقيدة بكونها موصلة إلى البغية، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾؛ أي: اختاروا الضلالة من عمى البصيرة، وافتقادَها على الهداية، والكفر على الإيمان، والمعصيةَ على الطاعة.
وقيل (١): إن ثمود في الابتداء آمنوا وصدّقوا، ثمّ ارتدُّوا وكذّبوا، فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستئصال، فتكون الهداية حينئذ بمعنى الدلالة المقيدة، قال ابن عطاء: ألبسوا لباس الهداية ظاهرًا وهم عواري، فيتحقق عليهم لباس الحقيقة، فاستحبُّوا العمى على الهدى، فردُّوا إلى الذي سبق لهم في الأزل.
والمعنى (٢): أي وأما ثمود فبيّنا لهم الحقّ على لسان نبيهم صالح، ودللناهم على سبيل النجاة، بنصب الأدلة التكوينية، وإنزال الآيات التشريعيّة، فكذبوا واستحبوا العمى على الهدى، والكفر على الإيمان.
ثمّ ذكر جزاءَهم على ما اختاروه لأنفسهم، فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ﴾؛ أي: أهلكتهم ﴿صَاعِقَةُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: نار من العذاب ﴿الْهُونِ﴾؛ أي: نار نازلة من السماء هي من العذاب المهين؛ أي: نزلت صاعقة من السماء، فأهلكتهم وأحرقتهم، فيكون من إضافة النوع إلى الجنس بتقدير من؛ أي: من جنس العذاب المهين الذي بلغ في إفادة الهوان للمعذّب إلى حيث كان عين الهون وصِف به العذاب للمبالغة، كأنه عين الهوان. والهون: مصدر بمعنى الهوان والذلة، كما سيأتي.
وقرأ ابن مقسم: ﴿عذاب الهوان﴾ بفتح الهاء وألفٍ بعد الواو. و ﴿الباء﴾ في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ للسببية؛ أي: بسبب الذي كانوا يكسبونه من اختيار الضلالة والكفر والمعصية، أو بسبب كسبهم.
يقول الفقير: أما حكمة الابتلاء بالصيحة .. فلعدم استماعهم الحق من لسان صالح ﵇، مع أن الاستحباب المذكور صفة الباطن، وبالصيحة تنشقُّ المرارة، فيفسد الداخل والخارج، وأما بالنار فلإحراقهم باطن ولد الناقة بعقر أمّه،
стр. 11639
فابتلوا بالإحراق الظاهر، ألا ترى أنَّ يعقوب ﵇ ذبح جديًا بين يدي أمه، فابتلي بفراق يوسف واحتراقه على ما قاله البعض؛ أي: فأرسلنا عليهم صيحةً ورجفةً وذلًا وهوانًا بما كانوا يكسبون من الآثام بكفرهم بالله، وتكذيبهم رسله
١٨ - ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسله من تلك الصاعقة، وكانوا مئةً وعشرة أنفس ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشرك، أو عقر الناقة.
أي: ونجينا صالحًا ومن آمن معه من المؤمنين من ذلك العذاب، فلم يمسسهم سوء، ولا نزل بهم مكروه بإيمانهم وتقواهم وصالح أعمالهم،
١٩ - والظرف في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾: متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد لقومك المعاندين لك، حال الكفار يوم يحشر ويجمع أعداء الله المذكورون، من عاد وثمود وهو يوم القيامة، لا الأعداء من الأولين والآخرين لما سيأتي من قوله تعالى: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ والتعبير بالأعداء للذم والإيذان بعلة ما يحيق بهم من فنون العذاب، بمعنى أنهم يجمعون ﴿إِلَى النَّارِ﴾؛ أي: إلى موقف الحساب؛ إذ هناك تتحقق الشهادة الآتية لا بعد تمام السؤال والجواب وسوقهم إلى النار، والتعبير عنه بالنار إما للإيذان بأنها عاقبة حشرهم وأنهم على شرف دخولها، وإما لأنّ حسابهم يكون على شفيرها، وفي الآية إشارة إلى أنّ من لم يمتثل أوامر الله، ولم يجتنب عن نواهيه، ولم يتابع رسوله .. فهو عدو الله، وإن كان مؤمنًا بالله، مقرًّا بوحدانيته، وأنّ وليّ الله من كان يؤمن بالله ورسله، ويمتثل أوامر الله بمتابعة الرسول، ويحشر الأولياء إلى الله وجنته، كما يحشر الأعداء إلى نار البعد وجحيمه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يُحْشَرُ﴾ مبنيًا للمفعول، و ﴿أَعْدَاءُ﴾ رفعًا على النيابة، وقرأ زيد بن علي ونافع والأعرج وأهل المدينة: ﴿نحشر﴾ بالنون وضمّ الشين ﴿أعداء﴾ نصبًا على المفعولية، وقرىء (٢): ﴿يحشر﴾ بالبناء للفاعل، ونصب ﴿أَعْدَاء﴾ وقرىء: بكسر الشين مع البناء للفاعل في الحالين ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا، وهو كناية عن كثرة أهل النار، وفيه إشارة إلى أنّ في الوزع عقوبة لهم.
стр. 11640
٢٠ - وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ غاية (١) لـ ﴿يُحْشَرُ﴾ ولـ ﴿يُوزَعُونَ﴾ و ﴿ما﴾: مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور؛ يعني: أنّ وقت مجيئهم النار لابدّ أن يكون وقت الشهادة عليهم؛ أي: حتى إذا حضروا النار جميعًا، وسئلوا عما أجرموا فأنكروا .. ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾؛ أي: آذانهم بما سمعت من المعاصي، لأنهم كانوا استعملوها في الدنيا في معاصي الله بغير اختيارها، فشهدت عليهم بما سمعت من شرّ، وأفرد السمع لكونه مصدرًا في الأصل، ﴿و﴾ شهدت عليهم ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ بما نظرت إلى حرام ﴿و﴾ شهدت عليهم ﴿جُلُودُهُمْ﴾؛ أي: ظواهر أبدانهم وبشراتها بما لامست محظورًا، والجلد: قشر البدن، وقيل: المراد بالجلود الجوارح والأعضاء، وقال السدّي وعبيد الله بن أبي جعفر والفرّاء: أراد بالجلود الفروج، والأول أولى ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا، ويقال: تخبر كل جارحة بما صدر من أفاعيل صاحبها، لا أنّ كلًّا منها تخبر بجناياتها المعهودة فقط، فالموصول عبارة عن جميع أعمالهم السيئة، وفنون كفرهم ومعاصيهم، وتلك الشهادة بأن ينطقها الله تعالى كما أنطق اللسان، إذ ليس نطقها بأغرب من نطق اللسان عقلًا، وكما أنطق الشجرة والشاة المشوية المسمومة، بأن يخلق فيها كلامًا، كما عند أهل السنة.
ووجه تخصيص الثلاثة من الحواس الخمس بالشهادة (٢)، وهي السمع والبصر والجلد التي هي آلة اللمس دون غيرها، وهو الذوق والشمّ؛ لأنّ الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه؛ لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسةً لجرم الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى تصير جلدة الحنك مماسةً لجرم المشموم، فكانا داخلين في جنس اللمس، وإذا عرفت وجه تخصيص الثلاثة بالذكر عرفت منه وجه تخصيص الجلود بالسؤال؛ لأنها قد اشتملت على ثلاث حواس، فكأن تأتي المعصية من جهتها أكثر، وأما على قول من فسّر الجلود بالفروج، فوجه تخصيصها بالسؤال: ظاهر، لأن ما يشهد به الفرج من الزنا أعظم قبحًا، وأجلب للخزي والعقوبة مما يشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بواسطتهما.
ومعنى الآية (٣): أي واذكر يا محمد لقريش المعاندين لك، حال الكفار يوم القيامة، لعلهم يرتدعون ويزدجرون حين يساقون إلى النار، فيحبس أولهم على
стр. 11641
آخرهم، ليتلاحقوا ويجتمعوا، حتى إذا وقفوا على النار .. شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجوارحهم بما كانوا يعملون في الدنيا من المعاصي، بعلامات متمايزة، تدلّ على الأخلاق المختلفة، لكل خلق منها علامة خاصة، نحن لا نعرف الآن كنهها، وربما كانت سوائل روحيةً، كل سائل يدل على خلق من الأخلاق، كما يكون في أنواع النبات والشجر روائح مختلفة، فالعلم والحلم والنشاط وحب الناس لها سوائل جميلة، والجهل والطيش والكسل وبغض الناس لها سوائل رديئة، وتلك السوائل تلازمهم، فتكون مشقيةً لهم، ومضايقةً أو مفرحةً لهم ومنعمةً، وهكذا الأجسام بعد الموت لا تشبه نفس نفسًا أخرى في أوصافها، فهذه هي الشهادة التي تشهد بها أسماعهم وأبصارهم وجلودهم، هكذا قيل في تفسير الشهادة، والراجح أنها بإنطاق الله إياها.
٢١ - ثم ذكر سبحانه أنهم لاموا جوارحهم على أداء الشهادة التي تلزمهم الحجة، فحكى عنهم قولهم لها ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: الكفرة ﴿لِجُلُودِهِمْ﴾ توبيخًا لها: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾؛ أي: وقالوا على جهة اللوم والمؤاخذة لجلودهم حين شهدوا عليهم: لم شهدتم علينا، وقد كانوا في الدنيا مساعدين لهم على المعاصي، فكيف يشهدون عليهم الآن. وقرأ زيد بن علي ﴿لم شهدتنّ﴾ بضمير المؤنثات.
وصيغة (١) جمع العقلاء في خطاب الجلود، وكذا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ إلخ، لوقوعها في موقع السؤال والجواب المختصين بالعقلاء، ولعلّ تخصيص الجلود لأنها بمرأى منهم، بخلاف غيرها، أو لأنّ الشهادة منها أعجب وأبعد، إذ ليس شأنها الإدراك بخلاف السمع والبصر.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: الجلود ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ناطق، وأقدرنا على بيان الواقع، فشهدنا عليكم بما عملتم بواسطتنا من القبائح وما كتمناها، وفي الآية إشارة إلى أن الأرواح والأجسام متساوية في قدرة الله تعالى، إن شاء .. جعل الأرواح بوصف الأجسام صُمًّا بُكْمًا عميًّا فهم لا يعقلون، وإن شاء. جعل الأجسام بوصف الأرواح تنطق وتسمع وتبصر وتعقل.
стр. 11642
أي (١): قالت الجلود: إن الله جعل فينا من الدلالات الفعلية ما يقوم مقام النطق؛ بل ما هو أفصح منها، فشهدنا عليكم بما فعلتم من القبائح، وفي "صحيح مسلم": عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك فقال: "هل تدرون ممّ أضحك؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "من مخاطبة العبد ربه، يقول: ألم تجِرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أُجير على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: يقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله، قال: ثمّ يخلَّى بينه وبين الكلام، قال: فيقول بعدًا لكن، وسحقًا. فعنكن كنت أناضل".
﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ﴾؛ أي: والحال أنه خلقكم وأوجدكم أيها الكفرة ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ من العدم المحض ﴿وَإِلَيْهِ﴾ تعالى ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: تردون فإن من قدر على خلقكم وإنشائكم أولًا، وعلى إعادتكم ورجعكم؛ أي: ردّكم إلى جزائه ثانيًا، لا يتعجّب من إنطاقه لجوارحكم، فهو لا يخالف ولا يمانع، وقد جعل فيكم دلائل واضحةً كخطوط اليد والإبهام والأصوات وألوان الوجوه وأشكالها، ولكن قليلًا من الناس من يفطن إلى ذلك، فمن قدر على خلقكم وإنشائكم ابتداءً .. قدر على إعادتكم ورجعكم إليه، ومن ثمّ قال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: وإليه مصيركم بعد مماتكم، فيجازي كل نفس بما كسبت، لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب، قيل: هذا من تمام كلام الجلود، وقيل: مستأنف من كلام الله تعالى
٢٢ - ﴿وَمَا كُنْتُمْ﴾ أيها الكفرة ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾ في الدنيا بنحو الحيطان عند الإقدام على الأفعال القبيحة مَخافة ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ في الآخرة، وقوله (٢): ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ في موضع الجر على تقدير المضاف؛ أي: مخافة أن يشهد، أو في موضع النصب بإسقاط الخافض؛ أي: من أن يشهد لأنّ استتر لا يتعدّى بنفسه، و ﴿لا﴾: في الموضعين زائدة لتأكيد النفي.
وهذه حكاية لما سيقال للأعداء يومئذ من جهته تعالى بطريق التوبيخ والتقريع، تقريرًا لجواب الجلود.
والمعنى: وما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش، مخافة أن
стр. 11643
تشهد عليكم جوارحكم بذلك، لأنها كانت أجسامًا صامتة غير ناطقة، ولم يكن في حسابكم ما استقبلكم، كما كنتم تستترون من الناس بالحيطان والحجب وظلمة الليل، مخافة الافتضاح عندهم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء رأسًا، فضلًا عن شهادة الأعضاء، وفيه تنبيه على أنّ المؤمن ينبغي أن يتحقق أن لا يمرّ عليه حال إلا وعليه رقيب، وأن الله معه أينما كان. وفي الحديث: "أفضل إيمان المرء: أن يعلم أن الله معه حيث كان".
وقيل: هذا من كلام الجلود، وبختهم على ما كانوا يفعلون في الدنيا، فقالت لهم: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلخ؛ أي (١): وما كنتم تستخفون حين تفعلون قبيح الأعمال، وترتكبون عظيم الفواحش بالحيطان والحجب، حذرًا من شهادة الجوارح عليكم، بل كنتم تجاهرون بالكفر والمعاصي، وتجحدون البعث والجزاء، قال عبد الأعلي بن عبد الله الشاميّ فأحسن:
الْعُمْرُ يَنْقُصُ وَالذُّنُوْبُ تَزِيْدُ ... وَتُقَالُ عَثْرَاتُ الْفَتَى فَيَزِيْدُ
هَلْ يَسْتَطِيْعُ جُحُوْدَ ذَنْبٍ وَاحِدٍ ... رَجُلٌ جَوَارِحُهُ عَلَيْهِ شُهُوْدُ
وَالْمَرْءُ يُسْأَلُ عَنْ سِنِيْهِ فَيَشْتَهِيْ ... تَقْلِيْلَهَا وَعَنِ الْمَمَاتِ يَحِيْدُ
ولما كان (٢) الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية .. كان معنى الاستخفاء هنا ترك المعصية، وقيل: معنى الاستتار: الاتقاء؛ أي: ما كنتم تتقون في الدنيا، أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة، فتتركوا المعاصي خوفًا من هذه الشهادة ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استتاركم من الناس مع عدم استتاركم من أعضائكم ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي فاجترأتم على فعلها، قيل: كان الكفار يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكن يعلم ما تظهر دون ما نسرُّ.
والخلاصة: أنكم كنتم في الدنيا تستترون عن الناس خوف الفضيحة والعار حين ارتكاب الذنوب، وما ظننتم أنَّ أعضاءَكم وجسمكم الأثيريّ الذي هو على صورة الجسم الظاهريّ قد سطّرت فيه جميع أعمالكم، كأنه لوح محفوظ، فلذلك ما
стр. 11644
كنتم تستترون عنها بترك الذنوب، وفي الآية إيماء إلى أنه لا ينبغي للمؤمن أن تمرّ عليه حال إلا وهو يفكر في أنّ الله رقيب عليه، كما قال أبو نوّاس:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفَلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيْبُ
فائدة: وفي "فتح الرحمن" قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ الآية، قاله (١) هنا بزيادة ﴿مَا﴾ بعد ﴿جاء﴾، وقال بحذفها في قوله في النمل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾، وفي الزمر: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ مرتين، وفي الزخرف: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ لأنّ الكلام هنا في أعداء الله أبسط وآكد منه في البقية، فناسب ذكر ﴿مَا﴾ للتأكيد هنا دون البقية.
٢٣ - ﴿وَذَلِكُمْ﴾ الظن أيها الأعداء، وهو مبتدأ (٢) خبره قوله: ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو أنَّ الله لا يعلم كثيرًا مما يعملون، وإلا فالله تعالى عالم بجميع الكليات والجزئيات، وهو خالق الأعمال وسائر الأعراض، والجواهر والمطلع على البواطن والسرائر، كما هو مطلع على الظواهر، والتغاير بين العنوانين أمر جليّ، لظهور أنَّ ظنَّ عدم علم الله غير الظن بالرب، فيصح أن يكون خبرًا له ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر آخر له؛ أي: أهلككم وطرحكم في النار ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾؛ أي: صرتم بسبب ذلك الظن السوء الذي أهلككم ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: من الكاملين في الخسران حيث ظننتم بالله ظنّ السوء، وسوء الظن بالله من أكبر الكبائر كحب الدنيا، وقيل (٣): إنّ ﴿أَرْدَاكُمْ﴾: في محل نصب على الحال المقدرة، وقيل: إن ﴿ظَنُّكُمُ﴾: بدل من ﴿ذَلِكُمْ﴾ و ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾: خبره و ﴿أَرْدَاكُمْ﴾: خبر آخر أو حال، وقيل: إن ﴿ظَنُّكُمُ﴾: خبر أول، والموصول وصلته خبر ثان، و ﴿أَرْدَاكُمْ﴾: خبر ثالث، والمعنى: أنّ ظنكم بأنّ الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون، أهلككم وطرحكم في النار، فصرتم من الكاملين في الخسران.
وحاصل معنى الآية (٤): أي وهذا الظن الفاسد الذي قد كان منكم في الدنيا،
стр. 11645
وهو أنّ الله لا يعلم كثيرًا من قبائح أعمالكم ومساويها، هو الذي أوقعكم في مواقع التلف والردى، فصرتم اليوم من الهالكين، إذ صرفتم ما منحتم من أسباب السعادة من القوّة العاقلة، والأعضاء الكاملة إلى الشقاء، فكفرتم نعم الخالق والرازق، وانهمكتم في الشهوات والمعاصي.
أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد والطيالسي وعبد بن حميد وابن مردويه عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله تعالى، فإن قومًا قد أرداهم سوءُ ظنهم بالله، فقال الله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ ".
قال العلماء (١): الظنّ قسمان:
١ - حسن، وهو أن يظن بالله الرحمة والفضل والإحسان، قال ﷺ حكاية عن الله : "أنا عند ظنّ عبدي بِي".
٢ - قبيح، وهو أن يظن أن الله يعزب عن علمه بعض الأعمال، وقال قتادة: الظن نوعان: منجٍ ومردٍ.
فالمنجي: قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.
والمردي: هو قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ في هذه الآية: هؤلاء قوم كانوا يدمنون على المعاصي، ولا يتوبون منها، ولا يتكلمون على المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا مفاليس، ثمّ قرأ: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ الآية، وقال الحسن البصري: إن قومًا ألهتهم الأماني، حتى خرجوا من الدنيا ومالهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وقد كذب، ولو أحسن الظن .. لأحسن العمل، وتلا قول الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ الآية.
٢٤ - ثمّ أخبر عن حالهم فقال: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ في النار على العذاب، وأمسكوا عن الاستغاثة والجزع مما هم فيه، انتظارًا للفرج، زاعمين أنّ الصبر مفتاح الفرج
стр. 11646
﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾؛ أي: محل ثواءٍ وإقامة أبّدت لهم بحيث لا خلاص لهم منها، فلا ينفعهم صبرهم.
وقيل المعنى (١): فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار .. فالنار مثوًى لهم. والالتفات (٢) فيه عن الخطاب إلى الغيبة؛ للإشعار بإبعادهم عن حيّز الخطاب، والإبقاء في غاية دركات النار ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾؛ أي: يسألوا العتبى، وهو الرجوع إلى ما يُحبّونه جزءًا مما هم فيه .. ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؛ أي: من المجابين إلى العتبى لأنهم لا يستحقون ذلك، فيكون صبرهم وجزعهم سواءً في أنّ شيئًا منهما لا يؤدّي إلى الخلاص، ونظيره قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: وإن يبدوا معاذير .. فلن تقبل منهم، ولا تقال لهم العثرات.
والمعنى (٣): وإن يطلبوا الرضى .. لم يقع الرضى عنهم، بل لابدّ لهم من النار.
وقرأ الجمهور: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ بفتح التحتية وكسر الفوقية الثانية مبنيًا للفاعل، وقرؤُوا: ﴿مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ بفتح الفوقية اسم مفعول، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وموسى الأسواري وأبو العالية: ﴿وإن يُستعتبوا﴾ بضم التحتية مبنيًا للمفعول ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ اسم فاعل؛ أي: وإن طلب منهم أن يرضوا ربهم .. فما هم بفاعلين، ولا يكون ذلك منهم، لأنهم فارقوا الدنيا دار الأعمال، كما قال ﷺ : "ليس بعد الموت مستعتب" وقال أبو ذؤيب:
أَمِنَ الْمَنُوْنِ وَرَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ ... وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
وقيل المعنى: أنهم إن أقالهم الله، وردهم إلى الدنيا .. لم يعملوا بطاعته كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. وبعدما ختمت تفسير هذه الآية في اليوم السادس والعشرين من رمضان .. نمت وقت الضحوة قبيل الظهر، ورأيت النبي ﷺ في تلك النومة، كأني من مقدمة جيشه من فرسانهم، وأردت إدراك واحد من العدو شرد منا، وأجريت فرسي وراءَهُ، والنبي ﷺ يجري فرسه معي، وقربت
стр. 11647
عمامتي إلى السقوط من رأسي لذلك الجري، فأصلحها لي النبي ﷺ على رأسي، فالحمد لله والشكر له على هذه البشارة العظيمة.
الإعراب
﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾.
﴿حم (١)﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه السورة حم؛ أي: مُسمّاة بحم، أو مبتدأ خبره: محذوف؛ أي: سورة حم هذا محلها، أو مفعول به لفعل محذوف؛ أي: اقرأ حم، والجملة على كل التقادير: مستأنفة، ويجري فيه من أوجه الإعراب ما يجري في أسماء التراجم إن قلنا: إنها اسم للسورة، وإن قلنا: إنها رمز أو مما استؤثر الله سبحانه بعلمه .. فلا محل لها من الإعراب؛ لأنّ الإعراب فرع عن إدراك المعنى. ﴿تَنْزِيلٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذا القرآن منزّل من الرحمن الرحيم، و ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: متعلق بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ و ﴿الرَّحِيمِ﴾ صفة لـ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، وأجاز الزجاج أن يكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾: مبتدأ، وقوله: ﴿كِتَابٌ﴾ الآتي: خبره وسوّغ الابتداء بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾: تخصُّصه بالصفة، وعليه درج الجلال وشرّاحه، وما ذكرناه أولًا أولى. ﴿كِتَابٌ﴾: بدل من ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أو خبر بعد خبر ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: فعل مغيّر ونائب فاعله، والجملة الفعلية: في محل الرفع صفة لـ ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿قُرْآنًا﴾: حال مقصودة من ﴿كِتَابٌ﴾ لتخصصه بالصفة و ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة له أو حال منه أو حال أخرى من ﴿كِتَابٌ﴾ أو هو حال موطئة و ﴿عَرَبِيًّا﴾: هي الحال المقصودة، ذكره في "الفتوحات". ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿فُصِّلَتْ﴾ وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾. ﴿بَشِيرًا﴾ إما صفة ثانية لـ ﴿قُرْآنًا﴾ أو حال ثانية من ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿وَنَذِيرًا﴾: معطوف على ﴿بَشِيرًا﴾، ﴿فَأَعْرَضَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿فُصِّلَتْ﴾: على كونها صفة لـ ﴿كِتَابٌ﴾ والرابط: محذوف، تقديره: فأعرض عنه أكثرهم ﴿فُصِّلَتْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَعْرَضَ﴾.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ
стр. 11648
فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية أو عاطفة. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة أو معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَعْرَضَ﴾. ﴿قُلُوبُنَا﴾: مبتدأ، ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿أَكِنَّةٍ﴾؛ أي: في أكنة تمنعنا مما تدعونا إليه، وقال أبو البقاء: هو محمول على المعنى، إذ معنى ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾: أنها مَحْجُوبة عن سماع ما تدعونا إليه ﴿تَدْعُونَا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد ومفعول به، والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَدْعُونَا﴾ وهو العائد على ﴿ما﴾ الموصولة ﴿وَفِي آذَانِنَا﴾: خبر مقدم. ﴿وَقْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿قُلُوبُنَا﴾، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ خبر مقدم ﴿وَبَيْنِكَ﴾: معطوف عليه ﴿حِجَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: معطوفة على جملة ﴿قُلُوبُنَا﴾. ﴿فَاعْمَلْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت، ما قلنا لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فنقول ﴿اعمل ...﴾: إلخ. ﴿اعمل﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿إِنَّنَا﴾: ناصب واسمه. ﴿عَامِلُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿إِن﴾: في محل النصب مسوقة لتعليل الأمر قبلها؛ أي: فاستمرّ على دعوتك، فإننا مستمرون على ديننا، وهو الإشراك.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر؛ أو ﴿إِنَّمَا﴾: مكفوفة وكافة. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ. ﴿بَشَرٌ﴾: خبر ﴿مِثْلُكُمْ﴾: صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾ والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾، ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿إِلَيَّ﴾: متعلق بـ ﴿يُوحَى﴾، ﴿أَنَّمَا﴾ مكفوفة وكافة. ﴿إِلَهُكُمْ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَهٌ﴾: خبر. ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة لـ ﴿إِلَهٌ﴾، والجملة الاسمية: صلة لـ ﴿أَن﴾ المكفوفة، و ﴿أَن﴾ المكفوفة مع صلتها: في تأويل مصدر مرفوع على كونه نائب فاعل لـ ﴿يُوحَى﴾ والتقدير: يوحى إليّ كون إلهكم إلهًا واحدًا، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ أو في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿أَنَا﴾.
стр. 11649
﴿فَاسْتَقِيمُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنه يوحى إلى التوحيد، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: ﴿اسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾. ﴿اسْتَقِيمُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة. مستأنفة. ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿اسْتَقِيمُوا﴾، ﴿وَوَيْلٌ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ويل﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة: قصد الدعاء ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: خبر، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾، وجملة ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: صلة ﴿الَّذِينَ﴾ ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾. ﴿هُمْ﴾ الثانية تأكيد للأولى، ﴿كَافِرُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا يُؤْتُونَ﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿أَجْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: صفة ﴿أجر﴾، والجملة الاسمية: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة أو في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة. ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري المضمن للتوبيخ. ﴿إنكم﴾: ناصب واسمه. ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿تكفرون﴾: فعل وفاعل. ﴿بِالَّذِي﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: صلة الموصول، ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿وَتَجْعَلُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على
стр. 11650
﴿تكفرون﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿تَجْعَلُونَ﴾ على أنه مفعول ثان له. ﴿أَنْدَادًا﴾: مفعول أول له، ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾.
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾.
﴿وَجَعَلَ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿خَلَقَ﴾ وما بينهما اعتراض. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جعل﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له. ﴿رَوَاسِيَ﴾: مفعول أول لـ ﴿جعل﴾ ولم ينون لأنه على زنة مفاعل، ولك أن تعلق الجار والمجرور بـ ﴿جعل﴾ على أنه بمعنى خلق، و ﴿رَوَاسِيَ﴾: مفعول به لـ ﴿جعل﴾ لأنه يتعدى إلى مفعول واحد. ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ صفة لـ ﴿رَوَاسِيَ﴾ وما أجمل وقع هذا النعت؛ لئلا يتوهم أنها من تحتها، فتكون ممسكة لها ومانعة من الميدان. ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾: معطوف على ﴿جَعَلَ فِيهَا﴾. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا﴾: معطوف على ﴿جعل﴾ أيضًا. ﴿أَقْوَاتَهَا﴾: مفعول به لـ ﴿قدر﴾. ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾: متعلق بـ ﴿قدر﴾ ﴿سَوَاءً﴾: بالنصب منصوب على المصدرية بفعل محذوف وجوبًا؛ أي: استوت الأيام الأربعة استواءً لا تزيد ولا تنقص، أو حال من ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ لتخصصه بالإضافة؛ أي: حال كونها مستوية كاملة تامةً بلا زيادة ولا نقصان، كما مر بسطه في مبحث التفسير، وقرىء: بالرفع، على أنه خبر لمبتدأ محذوف هي؛ أي: تلك الأيام الأربعة مستوية تامة، وبالجر على أنه صفة لـ ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: في أربعة أيام مستوية تامة كاملة. ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾: متعلق بـ ﴿قَدَّرَ﴾؛ أي: قدر فيها أقواتها للسائلين؛ أي: لأجل الطالبين للأقوات، المحتاجين إليها من المقتاتين بها، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا الحصر في الأربعة كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، وجواب لسؤالهم في كم مدة خلقت الأرض وما فيها، كما مر بسطه أيضًا فراجعه.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب للترتيب الذكري لا الزماني، ﴿اسْتَوَى﴾: فعل ماض وفاعل يعود على الله، والجملة: معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ﴾، ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾:
стр. 11651
متعلق بـ ﴿اسْتَوَى﴾. ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب حال من ﴿السَّمَاءِ﴾. ﴿فَقَالَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قال﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿اسْتَوَى﴾، ﴿لَهَا﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلِلْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿لَهَا﴾، ﴿ائْتِيَا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والاْلف: فاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾: مصدران في موضع الحال من فاعل ﴿ائْتِيَا﴾؛ أي: حالة كونكما طائعتين أو كارهتين، ﴿قَالَتَا﴾: فعل وفاعل. التاء علامة تأنيث الفاعل. والجملة مستأنفة ﴿أَتَيْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿طَائِعِينَ﴾: حال من فاعل: ﴿أَتَيْنَا﴾، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَتَا﴾.
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾.
﴿فَقَضَاهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قَضَاهُنَّ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول أول. ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: مفعول ثان؛ لأن ﴿قضى﴾ هنا: بمعنى صير، ويجوز أن يكون ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: حالًا من مفعول ﴿قَضَاهُنَّ﴾ إذا كان ﴿قضى﴾ بمعنى صنع؛ أي: صنعهن حالة كونهن معدودة بالسبع، ويجوز أن يكون بدلًا من الضمير، والجملة الفعلية: معطوفة على جملة قوله: ﴿اسْتَوَى﴾، ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾: متعلق بـ ﴿قضى﴾. ﴿وَأَوْحَى﴾ فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الله. ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ ﴿أوحى﴾. ﴿أَمْرَهَا﴾ مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَزَيَّنَّا﴾: فعل وفاعل ﴿السَّمَاءَ﴾: مفعول به. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة للسماء، ﴿بِمَصَابِيحَ﴾: متعلق بـ ﴿زَيَّنَّا﴾ وهو غير منصرف؛ لكونه على زنة مفاعيل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿قَضَاهُنَّ﴾. ﴿وَحِفْظًا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿حِفْظًا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: وحفظناها حفظًا من استراق الشياطين السمع بالشهب، والجملة المحذوفة: معطوفة على جملة ﴿زَيَّنَّا﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، والإشارة إلى ما ذكر كله بتفاصيله، وأفرد الكاف لأنه ليس المراد تعين المخاطبين. ﴿تَقْدِيرُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿الْعَزِيزِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْعَلِيمِ﴾: صفة لـ ﴿الْعَزِيزِ﴾ والجملة الاسمية: مستأنفة.
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾.
﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر،
стр. 11652
تقديره: إذا قلت لهم ما ذكر من دلائل التوحيد، ولم يقبلوا التوحيد، وأردت بيان ما تقول لهم في حالة إعراضهم .. فأقول لك: إن أعرضوا ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿أَعْرَضُوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَقُلْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿صَاعِقَةً﴾: مفعول ثان. ﴿مِثْلَ﴾: صفة لـ ﴿صَاعِقَةً﴾. ﴿صَاعِقَةً﴾: مضاف إليه، وهو مضاف ﴿عَادٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَثَمُودَ﴾: معطوف على ﴿عَادٍ﴾، ولم يصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، كما مر في مبحث التفسير، وجملة ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان. ﴿جَاءَتْهُمُ﴾: فعل ومفعول به، و ﴿التاء﴾: تاء التأنيث. ﴿الرُّسُلُ﴾: فاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، والظرف: متعلق بمحذوف حال من ﴿صَاعِقَةِ عَادٍ﴾، والتقدير: حالة كونها نازلةً بهم وقت مجيء الرسل إياهم. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جَاءَتْهُمُ﴾ ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ معطوف على ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، وجعل بعضهم الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الرُّسُلُ﴾؛ أي: حال كون الرسل كائنين من بين أيدي عاد وثمود ومن خلفهم. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾: يجوز في ﴿أن﴾ ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون مخففةً من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن. ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَعْبُدُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، و ﴿الواو﴾: فاعل. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، والتقدير: إذ جاءتهم الرسل بعدم عبادتهم إلا الله، والجار والمجرور: متعلق بمحذوف حال من ﴿الرُّسُلُ﴾؛ أي: حالة كونهم قائلين: بأن لا تعبدوا إلا الله.
стр. 11653
والوجه الثاني: أن تكون مصدرية تنصب الفعل المضارع. و ﴿لا﴾: نافية؛ ﴿لأن﴾ ﴿لا﴾ النافية لا تمنع عمل العامل فيما بعدها.
والوجه الثالث: أن تكون مفسرةً؛ لأن مجيء الرسل يحتمل القول، وتكون الجملة: لا محل لها من الإعراب. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل. والجملة: مستأنفة. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿شَاءَ رَبُّنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة: فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَأَنْزَلَ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية. ﴿أنْزَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الرب. ﴿مَلَائِكَةً﴾: مفعول به، والجملة: جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَإِنَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلنا لكم، وأردتم بيان حالنا .. فنقول لكم: إنا بما أرسلتم ... إلخ، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾. ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾: فعل مغير ونائب فاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾ والجملة: صلة الموصول. ﴿كَافِرُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة.
﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾.
﴿فَأَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت قصة عاد وثمود إجمالًا، وأردت بيان قصتها تفصيلًا .. فأقول لك: ﴿أما عاد﴾ ﴿أما﴾: حرف شرط وتفصيل. ﴿عَادٌ﴾: مبتدأ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾، واقعة في غير موضعها؛ لأن موضعها موضع ﴿أما﴾، ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: فعل ماض وفاعل، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: حال من فاعل ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: غير محقين في استكبارهم، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: جواب ﴿أما﴾ الشرطية؛ وجملة ﴿أما﴾ الشرطية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة؛ وجملة إذا المقدرة: مستأنفة، ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿أَشَدُّ﴾: خبره، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مِنَّا﴾: متعلق بـ ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿قُوَّةً﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل.
стр. 11654
﴿أَوَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف يقتضيه السياق، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أغفلوا وضلوا ولم يروا، والجملة المحذوفة: جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَرَوْا﴾: فعل مضارع وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿خَلَقَهُمْ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة: صلة ﴿الَّذِي﴾. ﴿هُوَ﴾ مبتدأ. ﴿أَشَدُّ﴾: خبره، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَشَدُّ﴾، ﴿قُوَّةً﴾: منصوب على التمييز، وجملة المبتدأ: في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿أَنَّ﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿يَرَوْا﴾؛ لأنها علمية تتعدى إلى مفعولين. ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ وجملة ﴿يَجْحَدُونَ﴾ خبر ﴿كَانُوا﴾ وجملة ﴿كَانُوا﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ وجملة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ مع المعطوفة عليها المقدرة معترضة.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾.
﴿فَأَرْسَلْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كَانُوا﴾. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿رِيحًا﴾: مفعول به، ﴿صَرْصَرًا﴾: صفة لـ ﴿رِيحًا﴾. ﴿فِي أَيَّامٍ﴾: صفة ثانية لـ ﴿رِيحًا﴾ أو حال منها. ﴿نَحِسَاتٍ﴾: صفة لـ ﴿أَيَّامٍ﴾، ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿نُذِيقَهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول منصوب بأن مضمرة. ﴿عَذَابَ الْخِزْيِ﴾: مفعول ثان. ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ متعلق بـ نذيق. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾ وجملة ﴿نذيقهم﴾: صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾؛ أي: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ لإِذاقتنا إياهم ﴿عَذَابَ الْخِزْيِ﴾. ﴿وَلَعَذَابُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿عَذَابُ الْآخِرَةِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿أَخْزَى﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾: خبره، والجملة: معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا
стр. 11655
كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾.
﴿وَأَمَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أما﴾: حرف شرط. ﴿ثَمُودُ﴾: مبتدأ. ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾، ﴿هَدَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: جواب ﴿أَمَّا﴾: لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَمَّا عَادٌ﴾. ﴿فَاسْتَحَبُّوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿اسْتَحَبُّوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿هديناهم﴾: ﴿الْعَمَى﴾: مفعول به. ﴿عَلَى الْهُدَى﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَحَبُّوا﴾؛ لأنه متضمن معنى آثروا ﴿فَأَخَذَتْهُمْ﴾. ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أَخَذَتْهُمْ﴾: فعل ومفعول به. ﴿صَاعِقَةُ الْعَذَابِ﴾: فاعل. ﴿الْهُونِ﴾: صفة لـ ﴿الْعَذَابِ﴾ والجملة الفعلية: معطوفة على جملة ﴿اسْتَحَبُّوا﴾. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَخَذَتْهُمْ﴾ ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أخذتهم﴾، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانُوا﴾: معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾.
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد لقومك قصة ويوم يحشر أعداء الله والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿إِلَى النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿يُحْشَرُ﴾ والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة: ﴿يُوزَعُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿يُحْشَرُ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان في محل النصب على الظرفية. ﴿مَا﴾ زائدة زيدت لتأكيد معنى الظرفية. ﴿جَاءُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف: متعلق بالجواب الآتي. ﴿شَهِدَ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿سَمْعُهُمْ﴾: فاعل. ﴿وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾: معطوفان على ﴿سَمْعُهُمْ﴾ والجملة الفعلية: جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿إِذَا﴾:
стр. 11656
في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ والجار والمجرور: متعلق بـ ﴿يُوزَعُونَ﴾ والتقدير: فهم يوزعون إلى شهادة سمعهم وأبصارهم عليهم وقت مجيئهم النار، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَهِدَ﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانُوا﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿شَهِدَ﴾، ﴿لِجُلُودِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿قَالُوا﴾ ﴿لِمَ﴾ (اللام): حرف جر، (مَ): اسم استفهام للاستفهام التوبيخي التعجبي، في محل الجر بـ ﴿اللام﴾ مبني بسكون على الألف المحذوفة؛ فرقًا بينها وبين ﴿ما﴾ الموصولة. الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿شَهِدْتُمْ﴾، و ﴿شَهِدْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق بـ ﴿شَهِدْتُمْ﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿أَنْطَقَنَا﴾: فعل ومفعول. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿أَنْطَقَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول به، والجملة: صلة الموصول. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿خَلَقَكُمْ﴾: فعل ماض ومفعول به، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿أَنْطَقَ﴾، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿خَلَقَكُمْ﴾. ﴿وَإِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾. ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية. ﴿ما﴾: نافية، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾: معطوفة على جملة ﴿أَنْطَقَنَا﴾: إن كان من كلام الجلود، أو مستأنفة إن كان من كلام الله تعالى، ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر. ﴿يَشْهَدَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، ﴿سَمْعُكُمْ﴾: فاعل. ﴿وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾: معطوفان على ﴿سَمْعُكُمْ﴾،
стр. 11657
و ﴿لا﴾: في الموضعين: زائدة لتأكيد نفي ما قبلها، وجملة ﴿يَشْهَدَ﴾ مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وما كنتم تستترون من شهادة سمعكم إلخ. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿ظَنَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُ كَثِيرًا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿مِمَّا﴾: صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾ وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُ﴾: خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿أَنَّ﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿ظَنَنْتُمْ﴾؛ أي: ولكن ظننتم عدم علم الله سبحانه كثيرًا مما تعملون.
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾.
﴿وَذَلِكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ذَلِكُمْ﴾: مبتدأ. ﴿ظَنُّكُمُ﴾: خبره، والجملة: معطوفة على جملة الاستدراك. ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ أو بدل منها. ﴿ظَنَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، وهو بمعنى الاعتقاد يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك المفعول محذوف، تقديره: ظننتموه، وهو العائد على الموصول. ﴿بِرَبِّكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ وجملة ﴿ظَنَنْتُمْ﴾: صلة الموصول. ﴿أَرْدَاكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الظن ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ثان لاسم الإشارة، أو حال من ﴿ظَنُّكُمُ﴾، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أَصْبَحْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿أصبح﴾: معطوفة على جملة ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَصْبِرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿فَالنَّارُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿النَّارُ﴾: مبتدأ. ﴿مَثْوًى﴾: خبر. ﴿لَهُمْ﴾: صفة لـ ﴿مَثْوًى﴾ والجملة الاسمية: في محل الجزم ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ ﴿ما﴾ النافية. ﴿ما﴾: حجازية: أو تميمية. ﴿هُمْ﴾: اسمها، أو مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾: خبرها، أو خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها،
стр. 11658
وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: ميزت آياته لفظًا باعتبار فواصل الآيات ومقاطعها ومبادىء السور، ومعنًى بكونها وعدًا ووعيدًا وقصصًا وأحكامًا، وخبرًا وإنشاءً كما في "الشهاب". ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: لا يقبلون ولا يطيعون، من قولهم: تشفّعت إلى فلان فلم يسمع قولي؛ أي: لم يقبله ولم يعمل به، فكأنه لم يسمعه. ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾ جمع كنان، كأغطية جمع غطاء، وهي خريطة السهام، والمراد: أنها في أغطية متكاثقة، والكنان في الأصل: الغطاء الذي يكنّ فيه الشيء؛ أي: يحفظ ويستر، وأصل أكنة: أكننة بوزن أفعلة، نقلت حركة النون الأولى إلى الكاف فسكّنت فأدغمت في النون الثانية، فصار أكنة بوزن أفلة. ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ قال في "القاموس": الوقر: ثقل في الأذن، أو ذهاب السمع بالكلية، فهو بمعنى الصمم.
﴿فَاعْمَلْ﴾؛ أي: فاستمر على دينك الذي هو التوحيد. ﴿إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾؛ أي: مستمرون على ديننا الذي هو الإشراك. ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ أصله: يوحى بضم الياء، فيقال: تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فصار يوحى بالألف في آخره، ولكن كتبت بصورة الياء إشارةً إلى أن أصله ياء. ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: أخلصوا له العبادة، وفيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: فاستقوموا، نقلت حركة الواو إلى القاف فسكنت إثر كسرة فقلبت ياءً حرف مدّ، مأخوذ من الاستقامة، والاستقامة: الاستمرار على جهة واحدة ولزومها، بحيث لا يلتفت عنها إلى غيرها. ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: هلاك لهم جملة خبرية اللفظ، إنشائية المعنى، قصد بها الدعاء. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غير مقطوع من قولهم: مَنَنْتُ الحبل: إذا قطعته، ومنه قول ذي الإِصبع:
إِنِّيْ لَعَمْرُكَ مَا بابِيْ بِذِيْ غَلَقٍ ... عَلَى الصَّدِيْقِ وَلَا خَيْرِيْ بِمَمْنُوْنِ
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت لا تتحرّك ولا تميل، جمع راسيةٍ، من رسا الشيء يرسو رسوًّا: نظير سما يسمو سموًا إذا ثبت، وأرساه: غيره إذا أثبته، ومنه المرساة وهو أنجر السفينة إذا وقفت على الأنجر، وفي ﴿رَوَاسِيَ﴾: إعلال بالقلب، أصله: رواسو من الرسو، قلبت الواو ياءً لتطرفها إثر كسرة. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا
стр. 11659
أَقْوَاتَهَا﴾ جمع قوت، والقوت من الرزق: ما يمسك الرمق، ويقوم به بدن الإنسان، يقال: قاته يقوته: إذا أطعمه قوته، والمقيت المقتدر الذي يعطي كل أحد قوته، ومن بلاغات الزمخشري:
إِذَا حَصَّلْتُكَ يَا قُوْتُ ... هَانَ عَلَيَّ الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ
﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ جمع يوم، أصله: أيوام بوزن أفعال، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما ساكنةً فقلبت الواو ياءً وأدغمت فيها الياء. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ والاستواء: ضدّ الاعوجاج، من قولهم: استوى العود: إذا اعتدل واستقام، وحمل في هذا المقام على معنى القصد والتوجه، يقال: استوى إلى مكانه، كذا كالسهم المرسل إذا توجه إليه توجهًا مستويًا من غير أن يلوي على غيره، والمعنى: وجّه سبحانه قصده وإرادته إلى خلق السماء. ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؛ أي: كالدخان، وفي "المفردات": الدخان: العثان المستصحب للهب، والبخار: أجزاء مائية رطبة ترتفع في الهواء مع الشعاعات الراجعة من سطوح المياه، قال الراغب: قوله تعالى: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؛ أي: هي مثل الدخان، إشارة إلى أنها لا تماسك بها. انتهى.
وعبارة "السمين": قوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الدخان: ما ارتفع من لهب النار، ويستعار لما يرى من بخار الأرض عند جدبها، وقياس جمعه في القلة: أدخنة، وفي الكثرة دخيان، مثل: غراب وأغربة وغربان، وقوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ في باب التشبيه الصوريّ؛ لأنَّ صورتها صورة الدخان في رأي العين. اهـ، وقال بعضهم: وهي دخان؛ أي: دخان مرتفع من الماء، يعني السماء بخار الماء كهيئة الدخان. انتهى. ﴿قَالَتَا﴾ الأصل في تاء التأنيث المتصلة بالفعل الماضي: السكون، ولكنها هنا لما التقت بالألف ساكنةً .. حركت بالفتح لمناسبة الألف. وقوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ فيه، إعلال بالإبدال، أصله: طاوعين، أبدلت الواو همزةً في الوصف، حملًا له في الإعلال على فعله. ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ جمع مصباح، والياء فيه: مبدلة من الألف، حيث كسر ما قبلها في صيغة منتهى المجموع. ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ من الصر، وهو: البرد أو من الصرير، وفي "القاموس": الصرّة بالكسر، شدّة البرد، أو البرد. كالصر فيهما، وأشدّ الصياح وبالفتح: الشدّة من الكرب والحرب والحرّ، وصرّ يصر: من باب ضرب صرًّا وصريرًا: إذا صوّت وصاح شديدًا كصرصر، وفي "السمين": قوله:
стр. 11660
﴿صَرْصَرًا﴾ والصرصر: الريح الشديدة، وقيل: هي الباردة من الصرّ وهو البرد، وقيل: هي الشديدة السموم، وقيل: هي المصوّتة، من صرّ الباب؛ أي: سمع صريره، والصرة: الصيحة، ومنه: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ وهي الصيحة، قال الراغب: صرصر لفظه من الصرّ، وذلك يرجع إلى الشدة لما في البرودة من التعقد اهـ. ﴿نَحِسَاتٍ﴾ بكسر الحاء جمع نحسة بكسرها، فهو وصفٌ على فعل، وفعله فعل بكسر العين أيضًا، يقال: نحِسَ فهو نَحِسٌ، كفَرِحَ فهو فَرِحٌ، وأشِرَ فهو أَشِرٌ. ﴿عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: العذاب الخزي ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ فلو لم يكن من إضافة الموصوف إلى صفته لم يأت بلفظ ﴿أَخْزَى﴾ الذي يقتضي المشاركة. و ﴿أَخْزَى﴾ أصله: أخزي بوزن أفعل، قلبت ياؤه ألفًا؛ لتحركها بعد فتح.
﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ حقيقة الاستحباب: أن يتحرّى الإنسان في الشيء أن يحبّه، واقتضى تعديته بـ ﴿عَلَى﴾ تضمُّنه معنى الإيثار والاختيار، كما في "المفردات"؛ أي: اختاروا الضلالة على الهدى، وأصله: استحببوا بوزن استفعلوا، نقلت حركة الباء الأولى إلى الحاء فسكنت، فأدغمت في الباء الثانية. ﴿الْعَمَى﴾ أصله: العمي، بوزن فعل، فقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ الهون: مصدر بمعنى الهوان والذلة، يقال: هان هونًا وهوانًا: إذا ذلّ. ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ جمع عدوٍ، وأصله: أعداو، أبدلت الواو همزة لتطرفها بعد ألف أفعال الزائدة ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ من وزع الثلاثي لا من أوزع الرباعي، كما وهمه بعضهم، يقال: وزعته عن كذا كوضع كففته، وفي معاجم اللغة: وزع يزع من باب فتح، ووزع يزع من باب ضرب، وزع فلان بفلان: كفّه ومنعه، وزع الجيش حبس أولهم على آخرهم، فمعنى ﴿يُوزَعُونَ﴾: يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم. ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ جمع جلد، والجلد: قشر البدن. ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أرداكم فيه إعلال بالقلب، أصله: أرديكم بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ وفي "القاموس": العتبى: الرضا، واستعتبه أعطاه العتبى، كأعتبه وطلب إليه العتبى، وفي "المفردات": أعتبته: أزلت عنه عتبة، نحو: أشكيته، ومنه ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ والاستعتاب: أن يطلب من الإنسان أن يذكر عتبه فيعتب، والعتب: الشدة والأمر الكريه، والغلظة التي يجدها