← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 11726–11765 · переход к 11731.

стр. 11726

لما قبلها: أن الله سبحانه لما هدد (١) الكافرين، بأن جزاء كل عامل سيصل إليه يوم القيامة كاملًا غير منقوص، إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشرّ .. أردف ذلك ببيان، أنّ هذا اليوم، لا سبيل للخلق إلى معرفته، فلا يعلمه إلا هو، وأنّ علم الحوادث المقبلة في أوقاتها المعينة، مما استأثر الله به، فلا يعلم أحد متى تخرج الثمرات من الأكمام، ولا متى تحمل المرأة ولا متى تضع، ثم ذكر أنه سبحانه يوم القيامة، ينادي المشركين، تهكمًا وتقريعًا لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون فيجيبون الآن لا نشهد لأحد منهم بالشركة في الألوهية، وقد غابوا عنم، فلا يرجون منهم نفعًا ولا يفيدونهم خيرًا، وأيقنوا حينئذٍ أن لا مهرب لهم من العذاب. وعبارة أبي حيان هنا: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر (٢) ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا ...﴾ الآية .. كان في ذلك دلالة على الجزاء يوم القيامة وكأن سائلًا قال: ومتى ذلك؟ فقيل: لا يعلمها إلا الله، ومن سئل عنها فليس عنده علم بتعيين وقتها، وإنما يرد ذلك إلى الله، ثم ذكر سعة علمه، وتعلقه بما لا يعلمه إلا هو تعالى. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما بيّن حال الكافرين في الآخرة، وذكر أنهم حينئذٍ يتبرؤون من الشركاء بعد أن كانوا معترفين بهم في الدنيا .. أردف ذلك ببيان، أنَّ الإنسان متبدل الأحوال، متغير الأطوار، إن أحس بخير وقدرة، انتفخت أوداجه، وصعّر خدّيه، ومشى الخيلاء، وإن أصابته محنة وبلاء، تطامن واستكان ويئس من الفرج، وهذا دليل على شدة حرصه على الجمع، وشدة جزعه من الفقد، إلى ما فيه من طيش يتولد عنه إعجابه واستكباره حين النعمة، وتطامنه حين زوالها، وذلك مما يومىء بشغله بالنعمة عن المنعم، في حالي وجودها وفقدها، أما في حال وجودها فواضح، وأما في حال فقدها، فلأن التضرع جزعًا إنما كان على

стр. 11727

الفقد، الدال على الشغل عن المنعم بالنعمة. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أوعد (١) على الشرك وهدّد وحذر وأنذر، وذكر أن المشركين ينكرون الشرك يوم القيامة، ويتبرؤون من الشركاء، ويظهرون الذل والخضوع لاستيلاء الخوف عليهم، لما يرون من شديد الأهوال، وأردف ذكر طبيعة الإنسان، وأنه متبدل لا يثبت على حال واحد، فإن أحسّ القوة تكبر وتعظم، وإن شعر بالضعف أظهر المسكنة والمذلة .. أعقب ذلك بلفت أنظار الطاعنين في نبوة محمد ﷺ ، إلى التأمل والتفكر، فيما بين أيديهم من "الدلائل" ليرعووا عما هم فيه من الغي والضلال، ويقروا بها لتظاهر الأدلة عليها، وعلى أن القرآن منزل من عند الله تعالى حقًا، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما روي أن المشركين، قالوا: يا محمد، إن كنت نبينا، فأخبرنا متى تقوم الساعة؟ فنزلت هذه الآية ردًا عليهم. التفسير وأوجه القراءة ٤٧ - ﴿إِلَيْهِ﴾ سبحانه تعالى، لا إلى غيره ﴿يُرَدُّ﴾ ويرجع ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إذا سئل عن القيامة، يقال: الله يعلم، إذ لا يعلمها إلا الله، فإذا جاءت، يقضي بين المحسن والمسيء بالجنة والنار، يعني: إذا سئل عنها (٣) أحد، وجب على المسؤول أن يرد علمها إليه تعالى، لا إلى غيره، فإنه لا يعلم متى قيامها سواه تعالى، وقد جاء في الحديث الصحيح: أنّ جبرائيل ﵇، سأل

стр. 11728

رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل". ونحو الآية: قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. وبعد أن ذكر أنه استأثر بعلم الساعة، بيّن أنه اختص أيضًا بعلم الغيب، ومعرفة ما سيحدث في مستأنف الأزمنة، فقال: ﴿وَمَا﴾ نافية ﴿تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ ﴿مِنْ﴾: مزيدة (١) للتنصيص على الاستغراق، فإنه قبل دخولها، يحتمل نفي الجنس، ونفي الوحدة. والمعنى: ما تخرج أيّ ثمرة من الثمرات ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾؛ أي: من أوعيتها، يعني: الكفُرَّى قبل أن ينشق، وقيل: قشرها الأعلى من الجوز واللوز والفستق وغيرها، جمع كم بالكسر، وهو وعاء الثمرة وغلافها؛ أي: ما يغطّي الثمرة، كما أنّ الكم بالضم، ما يغطي اليد من القميص. قال أبو عبيدة (٢): أكمامها أوعيتها، وهي ما كانت فيه الثمرة، واحدها كم وكمة. قال الراغب: الكم ما يغطي اليد من القميص، وما يغطي الثمرة، وجمعه أكمام، وهذا يدل على أنّ الكم بضم الكاف؛ لأنه جعله مشتركًا بين كم القميص، وما يغطي الثمرة، ولا خلاف في كم القميص أنه بالضم، ويمكن أن يقال: إن في الكم الذي هو وعاء الثمر لغتين. وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة والحسن، بخلاف عنه، ونافع وابن عامر في غير رواية، والمفضل وحفص وابن مقسم (٣): ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ بالجمع، وقرأ باقي السبعة، والحسن في رواية طلحة والأعمش: ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ بالإفراد. ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ حملًا في بطنها، أيًا كان إنسانًا أو غيره ﴿وَلَا تَضَعُ﴾ أي: ولا تلد ذلك العمل، بمكان على وجه الأرض ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ (٤)، استثناء مفرغ من أعم الأحوال، ولم يذكر متعلق العلم للتعميم؛ أي: وما يحدث شيء من خروج ثمرة: ولا حمل حامل، ولا وضع واضع ملابسًا

стр. 11729

بشيء من الأشياء إلا ملابسًا بعلمه المحيط، واقعًا حسب تعلقه به، يعلم وقت خروج الثمرة من أكمامها وعددها وسائر ما يتعلق بها، من أنها تبلغ أوان النضج، أو تفسد قبله ونحوه ووقت العمل، وعدد أيامه وساعاته وأحواله من الخداج والتمام والذكورة. والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك، ووقت الوضع وما يتعلق به. وفي "حواشي ابن الشيخ"، المعنى: أنّ إليه يضاف علم الساعة؛ أي: علم وقت القيامة، فإذا سئلت عنه، فرد العلم إليه تعالى فقل: الله أعلم، كما يردّ إليه علم جميع الحوادث الآتية من الثمار والنبات وغيرهما، والمعنى: أي: وما تبرز الثمرة من وعائها الذي هي مغلّفة به، وما تحمل أنثى حملها ولا تضع ولدها إلا بعلم من الله، فهو لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ونحو الآية قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾. وفي هذا (١): دليل على أن المنجمين لا يمكنهم الجزم بشيء مما يقولون البتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف، قد يصيب وربما لا يصيب، وعلم الله هو المقطوع به، الذي لا يشركه فيه أحد. ولما كان (٢) ما يخرج من أكمام الشجرة، وما تحمل الإناث وتضعه، هو إيجاد أشياء بعد العدم، ناسب أن يذكر مع علم الساعة، إذ في ذلك دليل على البعث، إذ هو إعادة بعد إعدام، وناسب ذكر أحوال المشركين في ذلك اليوم، وسؤالهم سؤال التوبيخ، فقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ وفي ذلك تهكم بهم وتقريع، والضمير في يناديهم عام في كل من عبد غير الله، فيندرج فيه عباد الأوثان؛ أي: واذكر يا محمد لقومك، يوم ينادي الله المشركين وذلك يوم القيامة، فيقول لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ الذين كنتم تزعمون، أنهم شركائي في الدنيا، من الأصنام وغيرها، فادعوهم الآن فليشفعوا لكم، أو

стр. 11730

يدفعوا عنكم العذاب، وهذا على طريقة التهكم بهم. قرأ الجمهور (١): ﴿شُرَكَائِي﴾ بسكون الياء، وقرأ ابن كثير: بفتحها. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المشركون ﴿آذَنَّاكَ﴾؛ أي: أخبرناك وأعلمناك ﴿مَا مِنَّا﴾؛ أي: ليس منا ﴿مِنْ شَهِيدٍ﴾؛ أي: من أحد يشهد لهم اليوم بالشركة، إذ تبرأنا منهم، لما عاينا الحال، والشهيد من الشهادة، أو ما منا من أحد يشهدهم ويعاينهم، لأنهم ضلوا عنهم حينئذٍ، فهم لا يبصرونهم في ساعة التوبيخ، فالشهيد من الشهود. والمعنى (٢): أي واذكر أيها الرسول لقومك، يوم ينادي سبحانه عباده المشركين، على رؤوس الأشهاد، تهكمًا بهم، واستهزاء بأمرهم: أين شركائي الذين عبدتموهم معي؟ فيجيبون ويقولون: أعلمناك أنه ليس أحد منا يشهد اليوم، أن معك شريكًا، ونفي الشهادة يراد به التبرؤ منهم؛ لأنّ الكفار يوم القيامة ينكرون عبادة غير الله، كما حكى الله عنهم، أنهم قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. والخلاصة: أن قوله: ﴿آذَنَّاكَ﴾ إخبار بإعلام سابق علمه الله من أحوالهم يوم القيامة، وأنهم لم يبقوا على الشرك، وعلى تلك الشهادة، كأنهم يقولون: أنت أعلم به، ثم يأخذون في الجواب. ٤٨ - ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: غاب عن المشركين ﴿مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: الآلهة التي كانوا يعبدونها من قبل يوم القيامة، فأخذ بها بطريق غير طريقهم، فلم تنفعهم، ولم تدفع عنهم شيئًا من عذاب الله الذي حل بهم، وظهر عدم نفعهم، فكان حضورهم كغيبتهم ﴿وَظَنُّوا﴾؛ أي: أيقنوا ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: من مهرب؛ أي: وأيقنوا حينئذٍ أنه لا ملجأ لهم من عذاب الله تعالى. والمحيص (٣): المحيد والمعدل والمميل والمهرب، والظن معلق عنه بحرف النفي، والتعليق أن يوقع ما ينوب عن المفعولين جميعًا.

стр. 11731

٤٩ - ثم ذكر سبحانه بعض أحوال الإنسان فقال: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: لا يمل ولا يضجر ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾؛ أي: من دعائه الخير، وطلبه السعة في النعمة وأسباب المعيشة، فحذف الفاعل، وأضيف إلى المفعول، والمعنى: أن الإنسان في حال إقبال الخير إليه، لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها، ولا يمل من طلبها أبدًا، وفيه إشارة إلى أن الإنسان مجبول على طلب الخير، بحيث لا يتطرق إليه السآمة فبهذه الخصلة بلغ من بلغ رتبة خير البرية، وبها بلغ من بلغ دركة شر البرية. والخير هنا (١): المال والصحة والسلطان والرفعة، قال السدي: والإنسان هنا، يراد به الكافر، وقيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف، والأولى حمل الآية على العموم، باعتبار الغالب، فلا ينافيه خروج خلص العباد، وقرأ عبد الله بن مسعود ﴿لا يسأم الإنسان من دعاء المال﴾ وفي "البحر المحيط": وقرأ عبد الله ﴿من دعاء بالخير﴾ بباء داخلة على الخير. والمعنى (٢): أي لا يمل الإنسان من دعائه ربه، ومسألته إياه، أن يؤتيه صحة وعافية، وسعة في الرزق، فهو مهما أوتي من المال، فهو لا يقنع، وقد جاء في الأثر: "منهومان لا يشبعان، طالب علم، وطالب مال"، وجاء أيضًا: "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنّى لهما ثالثًا". ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾؛ أي: وإن أصابه البلاء والشدة والفقر، والمرض الدي أنهك قواه، واضمحل به جسمه ﴿فَيَئُوسٌ﴾ من روح الله وفضله ﴿قَنُوطٌ﴾ من رحمته وإحسانه، وقيل: يؤوس من إجابة دعائه، قنوط بسوء الظن بربه، وقيل: يؤوس من زوال ما به عن لمكروه، قنوط بما يحصل له من ظن دوامه، وهما صيغتا مبالغة، يدلان على أنه شديد اليأس، عظيم القنوط، والفرق بين اليأس والقنوط، أن الياس من صفة القلب، وهو قطع الرجاء من رحمة الله تعالى، والقنوط من صفة البدن، بأن يظهر أثر اليأس في بدنه، فيتضاءل ويحزن وينكسر

стр. 11732

ويتذلل، وبدأ بصفة القلب؛ لأنها هي المؤثرة فيما يظهر على الصورة من الانكسار، وبهذا ظهر الفرق بينهما، وقال بعضهم: هما مترادفان وذكرهما معًا للتأكيد. والحاصل: أن اليأس من صفة القلب، والقنوط إظهار آثاره على ظاهر البدن، اهـ "كرخي"، وهذا صفة الكافر لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. وفي "فتح الرحمن" (١): ولا ينافي ما هنا من قوله: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ما سيأتي من قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ لأن المعنى قنوط من الصنم، دعّاء لله، أو قنوط بالقلب دعاء باللسان، أو الأولى في قوم والثانية في آخرين؛ انتهى. وخلاصة ذلك؛ أن الإنسان متبدل الأحوال، متغير الأطوار، إن أحسّ بخير بطر وتعظم، وإن شعر ببؤس ذل وخضع، فهو شديد الحرص على الجمع، شديد الجزع على الفقد. ٥٠ - ثم ذكر حال هذا اليؤوس القنوط ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لئن أذقنا الإنسان وأعطيناه ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾؛ أي: نعمة من عندنا ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ وأصابته، وذلك بتفريج تلك الضراء عنه، كالمرض والضيق، بالرحمة، كالصحة والسعة ﴿... لَيَقُولَنَّ﴾ ذلك الإنسان: ﴿هَذَا﴾ الخير ﴿لِي﴾؛ أي: مستحق لي، وصل إليّ؛ لأني استحقه، لما لي من الفضل وعمل البر، فاللام (٢): للاستحقاق، أو لي لا لغيري، فلا يزول عني أبدًا، فاللام للاختصاص، فيكون إخبارًا عن لازم الاستحقاق، لا عن نفسه، كما في الوجه الأول، ومعنى الدوام استفيد من لام الاختصاص؛ لأنّ ما يختص بأحدٍ، الظاهر أنه لا يزول عنه، فذلك المسكين لم ير فضل الله، وتوفيقه، فادّعى الاستحقاق في الصورة الأولى، واشتغل بالنعمة عن المنعم، وجهل أن الله تعالى أعطاه ليبلوه أيشكر أم يكفر،

стр. 11733

فلو أراد لقطعها منه، وذلك في الصورة الثانية. والمعنى (١): أي ولئن كشفنا ما أصابه من سقم في نفسه، أو شدة وجهد في معيشته فوهبنا له العافية بعد السقم، والغنى بعد الفقر، ليقولن هذا حقي قد وصل إلي؛ لأني استوجبه بما حصل لي من ضروب الفضائل، وأعمال البر والقرب من الله، لا تفضل منه عليّ، أو لا يعلم أن هذه الفضائل، لو وجدت فإنما هي بفضل الله وإحسانه، وهو لا يستحق على الله شيئًا. والخلاصة: أي ولئن آتيناه خيرًا وعافية وغنى، من بعد شدة ومرض وفقر .. ليقولن هذا الخير شيء أستحقه على الله، لرضاه بعملي، فظن أن تلك النعمة التي صار فيها، وصلت إليه باستحقاقه لها، ولم يعلم أنّ الله يبتلي عباده بالخير والشر ليتبين له الشاكر من الجاحد، والصابر من الجزع، قال مجاهد: معناه هذا بعملي وأنا محقوق به ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ﴾ أي: القيامة ﴿قَائِمَةً﴾؛ أي: ستقوم؛ أي: ما أظنها تقوم كما يخبرنا به الأنبياء، فلا رجعة ولا حساب ولا عقاب على شيء من الآثام، التي يقترفها الإنسان في دنياه، ويجترمها مدى حياته الدنيوية. أوْلست على يقين من البعث. وما نتج هذا إلا من شدة رغبته في الدنيا، وعظيم نفرته من الآخرة، فهو حين ينظر إلى أحوال الدنيا، يقول: إنها لي، وأنا جدير بها، لما لي من فضل به استحققتها، وحين ينظر إلى أحوال الآخرة يقول: وما أظن الساعة قائمة، وهذا خاص بالكافرين والمنافقين، فيكون المراد بالإنسان المذكور في صدر الآية: الجنس، باعتبار غالب أفراده؛ لأنّ اليأس من رحمة الله، والقنوط من خيره، والشك في البعث لا يكون إلا من الكافرين، أو المتزلزلين في الدين، المتظهّرين بالإِسلام، المبطنين للكفر. ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ﴾ ورددت ﴿إِلَى رَبِّي﴾ وبعثت على تقدير صدق ما يخبرنا به الأنبياء، من قيام الساعة، وحصول البعث والنشور ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ ...﴾؛ أي:

стр. 11734

عند ربي في الآخرة ﴿لَلْحُسْنَى﴾؛ أي: للحالة الحسنة من الكرامة، فظنّ أنه استحقّ خير الدنيا بما فيه من الفضل، واستحق خير الآخرة بذلك الفضل، الذي اعتقده في نفسه، وأثبته لها، فقاس أمر الآخرة على أمر الدنيا بالوهم المحض، والأمنية الكاذبة، وهو اعتقاد باطل، وظن فاسد. وبعد أن حكى عنهم هذه الأقوال، ذكر أنه سيظهر لهم، أنّ الأمر بعكس ما يظنون وبضد ما يعتقدون، فقال: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: فعزتي وجلالي، لنخبرن هؤلاء الكافرين يوم يرجعون فيه إلينا، وهو يوم القيامة ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ في الدنيا من المعاصي، واجترحوا من الآثام، وما دسوا به أنفسهم من الخطايا، ثمّ لنجازينهم عليها، فيستبين لهم أنهم جديرون بالإهانة والاحتقار، لا بالكرامة والإحسان ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، أي: من عذاب شديد، بسبب ذنوبهم، لا يعرف كنهه، ولا يمكنهم التفصي ولا الفكاك منه، لغلظته وإحاطته بجميع جهاتهم، وهو عذاب جهنم التي لا موت فيها، ولا يجدون عنها حولًا، واللام هذه والتي قبلها هي الموطئة للقسم. وفي "بحر العلوم" غليظ؛ أي؛ شديد أو عظيم، بدل ما اعتقدوه لأنفسهم من الإكرام والإعزاز من الله تعالى. ٥١ - وبعد أن حكى أقوال الذي أنعم عليه، بعد وقوعه في الجهد الجهيد، حكى أفعاله فقال: ﴿وَإِذَا﴾ نحن ﴿أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾؛ أي: على هذا الجنس باعتبار غالب أفراده، فكشفنا عنه المرض، ووهبنا له الصحة والعافية، ورزقناه سعة العيش ﴿أَعْرَضَ﴾ عمّا دعوناه إليه: من طاعتنا، وعن الشكر على نعمتنا، كأنه لم يلق شدة قط، فنسي المنعم، وكفر بنعمته بترك شكره وطاعته ﴿وَنَأَى﴾؛ أي: تباعد بنفسه عن الشكر والطاعة، واستكبر عن الانقياد لأمرنا بكليته، لا ﴿بِجَانِبِهِ﴾ وعطفه فقط، ولم يمل إلى الشكر والطاعة تكبرًا وتعظمًا فالجانب مجاز عن النفس، كما في قوله تعالى: ﴿فِي جَنبِ اللهِ﴾، ويجوز (١) أن يراد به عطفه، فيكون على حقيقته، وهو عبارة عن الانحراف والازورار؛ لأنّ نأى الجانب عن الشكر،

стр. 11735

يستلزم الانحراف عنه، كما قالوا: ثنى عطفه وتولى بركنه، فالباء للتعدية، والمعنى: حينئذٍ انحرف عن شكرنا. وقرأ يزيد بن القعقاع (١): ﴿وناء بجانبه﴾ بالألف قبل الهمزة. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ﴾؛ أي: وإذا مس هذا الإنسان المعرض المتكبر ﴿الشَّرُّ﴾؛ أي: جنس الشر كالبلاء والمحنة، وإنما جيء بلفظ الماضي، ﴿وإذا﴾ لأنّ المراد: الشر المطلق، الذي حصوله مقطوع به ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾؛ أي: فهو ذو دعاء كثير؛ أي: وإذا مسه البلاء والجهد والفقر والمرض، فذو دعاء كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة مجازًا، يقال: أطال فلان الكلام وأعرض الدعاء إذا أكثر، فهو مستعار مما له عرض متسع، للإشعار بكثرته، فإن العريض يكون ذا أجزاء كثيرة وامتداد فمعنى الاتساع يؤخذ من تنكير عريض، فإنه يدل على التعظيم ومعنى: الامتداد يؤخذ من معنى الطول اللازم للعرض. وإنما قال: ﴿عَرِيضٍ﴾ (٢) ولم يقل: طويل، مع أن كلًّا منهما كناية عن الكثرة؛ لأنّ قوله: عريض أبلغ من قوله: طويل إذ الطول أطول الامتدادين، فإذا كان عرضه كذلك؛ أي: متسعًا فما ظنك بطوله، وقد استعير (٣) العرض هنا لكثرة الدعاء ودوامه، وهو من صفة الأجرام كما استعير الغلظ لشدة العذاب، ولا منافاة بين قوله: فيؤوس قنوط، وبين قوله: فذو دعاء عريض؛ لأنّ الأول في قوم، والثاني في آخرين، أو قنوط في البر وذو دعاء عريض في البحر، أو قنوط بالقلب، وذو ودعاء عريض باللسان، أو قنوط من الصنم، ذو دعاء عريض لله تعالى كما مر. والمعنى: أنه إذا مسه الشر تضرع إلى الله، واستغاث به أن يكشف عنه ما نزل به واستكثر من ذلك فذكره في الشدة ونسيه في الرخاء، واستغاث به عند نزول النقمة، وتركه عند حصول النعمة، وهذا صنيع الكافرين، ومن كان غير

стр. 11736

ثابت القدم من المسلمين. ٥٢ - ثم رجع سبحانه إلى مخاطبة الكفار ومحاجتهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﷺ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني أيها المشركون؛ لأنّ الرؤية سبب للإخبار ﴿إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: كذّبتم به من غير نظر، واتباع دليل، ولم تقبلوه ولا عملتم بما فيه، مع تعاضد موجبات الإيمان به ﴿مَن﴾ استفهام ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ﴾ وخلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ عنه؛ أي: لا أحد أضلّ منكم لفرط شقاوتكم وشدة عداوتكم والأصل: من أضل منكم فوضع ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ﴾ موضع الضمير لبيان حالهم في المشاقة، وأنها السبب في ضلالهم، فإن (١) من كفر بما نزل من عند الله، بأن قال: أساطير الأولين ونحوه، فقد كان مشاقًا لله؛ أي: معاديًا ومخالفًا له تعالى خلافًا بعيدًا عن الوفاق، ومعاداة بعيدة عن الموالاة ولا شك أن من كان كذا، فهو في غاية الضلال، وفي الآية إشارة إلى أن كل بلاءً وعناء ونعمة ورحمة ومضرة ومسرة، ينزل بالعبد، فهو من عند الله تعالى فإن استقبله بالتسليم والرضى صابرًا شاكرًا للمولى في الشدة، والرخاء والسراء والضراء، فهو من المهتدين المقربين، وإن استقبله بالكفر والجزع، فهو من الأشقياء المبعدين المضلّين، وفي الحديث القدسي: "إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه، أو ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل .. استحييت منه يوم القيامة، أن أنصب له ميزانًا وأنشر له ديوانًا". قال بعض الكبار (٢): النعمة توجب الإعراض كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ ...﴾ إلخ، ومس الضر يوجب الإقبال على الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ ...﴾ إلخ، فالله تعالى رحيم على العبد بدفع النعمة والصحة عنه، لأنها مظنة الإعراض والبلاء للولاء كاللهب للذهب، فالبلاء كالنار، فكما أن النار لا تبقى من الحطب شيئًا إلا وأحرقته، فكذا البلاء لا يبقى من ضر الوجود شيئًا، فالطريق إلى الله على جادة المحنة أقرب من جادة المنحة إذ الأنبياء

стр. 11737

والأولياء جاؤوا وذهبوا من طريق البلاء، وقد ثبت أن النار لا ترتفع من الدنيا أبدًا، فكيف يؤمل العاقل الراحة في الدنيا، فهي دار محنة، وقد ورد: "الدنيا سجن المؤمن" فالمؤمن لا يستريح في الدنيا، ولا يخلو من قلة أو علة أو ذلة، وله راحة عظمى في الآخرة، والكافر خاسر في الدنيا والآخرة، فعلى العبد أن يمشي على الصراط السوي، ويخاف من الزلق، ومن مكر الله تعالى. وفي "فتح الرحمن": قال هنا (١): ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ﴾ عاطفًا بثم، وفي الأحقاف قال: ﴿وكَفَرْتُمْ﴾ عاطفًا بالواو، فما الفرق بين الموضعين قلتُ: عطف هنا بـ ﴿ثُمّ﴾ لأن المعنى: ثم كان عاقبة أمركم بعد الإمهال، للنظر والتدبر الكفر، فناسب ذكر ﴿ثُمَّ﴾ الدالة على الترتيب، وما في الأحقاف لم ينظر فيه إلى ترتيب كفرهم على ما ذكر، بل عطف على ﴿كَفَرْتُمْ﴾ و ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ بالواو، فناسب ذكرها لدلالتها على مطلق الجمع. والمعنى (٢): أي قل أيها الرسول لهؤلاء المكذبين بالقرآن، الذي جئتهم به من عند ربك: أخبروني أيها القوم: إن كان هذا الذي أنتم به تكذبون، من عند ربي، ثم كفرتم به .. أفلا تكونون مفارقين للحق، بعيدين من الصواب، وقد كانوا كلما سمعوا القرآن، أعرضوا عنه، وبالغوا في النفرة منه، حتى قالوا ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾، فلفت أنظارهم إلى أنه يجب عليهم النظر، والتأمل فيه، فإن دلّ دليل على صحته قبلوه، وإن أرشد إلى فساده تركوه، أما قبل ذلك، فالإصرار على الإعراض والإنكار، بعيدان عن الصواب وعما يحكم به العقل، فما أضلكم وأكثر عنادكم ومشاقتكم للحق واتباعكم للهوى. وخلاصة ذلك: قل لهم: من أشد ذهابًا عن قصد السبيل، وأسلك لغير طريق الصواب، ممن هو في فراق لأمر الله، وخلاف له، وبعد عنه. ٥٣ - وبعد أن ذكر أدلة التوحيد، والنبوة، أجاب عن شبهات المشركين، وتمويهات الضالين، فقال: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾؛ أي: سنري كفار قريش ﴿آيَاتِنَا﴾؛ أي:

стр. 11738

دلائلنا الدالة على قدرتنا. ووحدانيتنا المذكورة في القرآن، المبينة لهم فيما أوحى إلى محمد ﷺ ، من الحكمة الدالة على صدق القرآن وحقيقته، وكونه من عند الله تعالى حالة كون تلك الآيات ﴿فِي الْآفَاقِ﴾؛ أي: في آفاق الأرض ونواحيها والمراد (١) بالآيات الآفاقية: ما أخبرهم النبي ﷺ من الحوادث الآتية، كغلبة الروم على فارس في بضع سنين، وآثار النوازل الماضية، الموافقة لما هو المضبوط، المقرّر عند أصحاب التواريخ، والحال، أنه ﷺ أميّ لم يقرأ، ولم يكتب، ولم يخالط أحدًا، وما يسر الله له، ولخلفائه من الفتوح، والظهور على آفاق الدنيا، والاستيلاء على بلاد المشارق، والمغارب، على وجه خارق للعادة، إذا لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم ﴿و﴾ حالة كونها ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: في أنفس أهل مكة، والمراد بالآيات التي في أنفسهم، هو ما ظهر بين أهل مكة من القحط والخوف، وما حل بهم يوم بدر ويوم الفتح من القتل والمقهورية، ولم ينقل إلينا أن مكة فتحت على يد أحد، قبل رسول الله ﷺ ، وكذا قتل أهلها وأسرهم. وقيل (٢): المراد بالآفاق: أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم وما يترتب عليها من الليل والنهار والأضواء والظلال والظلمات ومن النبات والأشجار والأنهار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحكمة في تكوين الأجنة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتراكيب الغريبة، كقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾. واعتذر بأن معنى السين - مع أن اراءة تلك الآيات قد حصلت قبل ذلك - أنه تعالى سيطلعهم على تلك الآيات زمانًا فزمانًا، ويزيدهم وقوفًا على حقائقها يومًا فيومًا، قالوا: الآفاق هو العالم الكبير، والأنفس هو العالم الصغير ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ ويتضح ﴿لَهُم﴾؛ أي: لأهل مكة بما أريناهم من تلك الآيات. المذكورة في القرآن، أو في الحكمة ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: أنّ القرآن أو الرسول محمدًا ﷺ ،

стр. 11739

فالقصر المستفاد من تعريف المسند حقيقي ادعائي، أو الله أو التوحيد فالقصر إضافي تحقيقي؛ أي: لا الشركاء ولا التشريك، والأول أولى، والضمائر في ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ﴿وَلَهُمْ﴾ للمشارفين منهم على الاهتداء، أو للجميع، على أنه من وصف الكل بوصف البعض. والمعنى (١): أي سنري هؤلاء المشركين، وقائعنا بالبلاد المحيطة بمكة، وبمكة بما أجريناه على يدي نبينا، وعلى يدي خلفائه وأصحابه من الفتوح الدالة على قوة الإِسلام وأهله، ووهن الباطل وحزبه، حتى يعلموا حقيقة ما أوحينا به إليك، وأنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وأن وعده صادق، وأنه مظهر دينك على الأديان كلها. والخلاصة: سنيسر لهم من الفتوح، ما لم يتيسر لأحد ممن قبلهم، ونظهرهم على الجبابرة والأكاسرة، ونجري على أيديهم من الأمور الخارجة عن المعهود الخارقة للعادة، فيستبين لهم أنّ هذا القرآن هو الحق، ومن ثمّ نصر حامليه، وأظهرهم على أعدائهم في قليل من الزمان. ثمّ وبّخهم على إنكارهم تحقّق هذه الإراءة وحصولها فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ استئناف وارد (٢) لتوبيخهم على تردّدهم في شأن القرآن، وعنادهم المحوج إلى إراءة الآيات، وعدم اكتفائهم بإخباره تعالى والهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف يقتضيه السياق، والباء مزيدة للتأكيد؛ أي: ألم يغن، ولم يكف ربك ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بدل منه؛ أي: ألم يغنهم عن إراءة الآيات الموعودة، المبينة لحقّية القرآن، ولم يكفهم في ذلك أنه تعالى شهيد على جميع الأشياء، وقد أخبر بأنه من عنده، فعدم الكفاية معتبر بالنسبة إليهم، كما يصرحه قوله الآتي: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ وقرىء (إن) بكسر الهمزة على إضمار القول، أو على الاستئناف.

стр. 11740

والمعنى (١): أي كفى بالله شهيدًا على أفعال عباده، وأقوالهم، وهو يشهد بأن محمدًا ﷺ صادق، فيما أخبر به عنه، كما قال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآية، وقال أيضًا: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾. وقصارى ذلك: ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة، التي أوضحها سبحانه في هذه السورة، وفي كل سور القرآن، وفيها البيان الكافي لإثبات وحدانية الله، وتنزيهه عن كل نقص، وإثبات النبوة والبعث. ٥٤ - وبعد أن أقام الأدلة، وأوضح الحجج، حتى لم يبق بعدها مقال لمتعنت، ولا جاحد بيّن سبب عنادهم واستكبارهم، فقال: ﴿أَلَا﴾ كلمة استفتاح، تنبه السامع على ما يقال ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: كفار مكة ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾؛ أي: في شك عظيم وشبهة شديدة، وقرأ (٢) السلمي والحسن ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ بضم الميم، وهو لغة في مكسورة الميم ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث والجزاء، فإنهم استبعدوا إحياء الموتى بعدما تفرقت أجزاؤهم وتبددت أعضاؤهم، ومن ثمّ لا يلتفتون إلى النظر فيما ينفعهم، عند لقائه، كالتفكر في نبوة محمد ﷺ ، وأن القرآن حق لا شك فيه، وفيه إشارة (٣) إلى أن الشك أحاط بجميع جوانبهم، إحاطة الظرف بالمظروف، لا خلاص لهم منه، وهم مستمرون دائمون فيه ﴿أَلَا إِنَّهُ﴾ سبحانه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الموجودات؛ أي: بجميع الأشياء جملها وتفاصيلها، ظواهرها وبواطنها ﴿مُحِيطٌ﴾ أحاط علمه بجميع المعلومات، وأحاطت قدرته بجميع المقدورات، فلا تخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم ومريتهم، وفي هذا وعيد شديد؛ لأن من أحاط علمه بكل شيء بحيث لا يخفى عليه شيء جازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. والمعنى: أي إنه تعالى عليم بجمل الأشياء وتفاصيلها، مقتدر عليها لا يفوته شيء منها، فهو يعلم ما تفرق من أجزاء الأجسام، ويقدر على إعادتها إلى

стр. 11741

أمكنتها، ثم بعثها وحسابها، لتستوفي جزاءها على ما قدّمت من عمل، الإعراب ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يُرَدُّ﴾، ﴿يُرَدُّ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾ نافية، ﴿تَخْرُجُ﴾: فعل مضارع، ﴿مِن﴾: حرف جر زائد. ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ فاعل. ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ متعلق بـ ﴿تَخْرُجُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُرَدُّ﴾، وقيل: ﴿ما﴾: موصولة في محل جر، معطوف على الساعة؛ أي: علم الساعة، وعلم التي تخرج من ثمرات، ومن الأولى للاستغراق، ومن الثانية لابتداء الغاية. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾ نافية. ﴿تَحْمِلُ﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿أُنْثَى﴾: فاعل، ﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة. ﴿لا﴾ نافية، وفاعله ضمير يعود على أنثى، والجملة معطوفة على ما قبلها ﴿تَضَعُ﴾ فعل مضارع والفاعل يعود على ﴿أُنْثَى﴾، ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، من أعم الأحوال، ﴿بِعِلْمِهِ﴾ جار ومجرور، متعلق بمحذوف، وقع حالًا من أعم الأحوال، والتقدير: وما يحدث شيء من خروج ثمرة، أو حمل حامل، أو وضع واضع ملابسًا بحال من الأحوال، إلا حالة كونه ملابسًا بعلمه المحيط. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿يوم﴾: ظرف زمان، متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد لقومك، قصة يوم يناديهم، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿يُنَادِيهِمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾. ﴿أَيْنَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿شُرَكَائِي﴾: مبتدأ

стр. 11742

مؤخر، ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب، مفعول ثان لـ ﴿يُنَادِيهِمْ﴾، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿آذَنَّاكَ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قَالوا﴾، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿مِنَّا﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مِنْ﴾: حرف جر زائد، ﴿شَهِيدٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب، سادّة مسدّ المفعول الثاني والثالث لـ ﴿آذَنَّاكَ﴾ علق عنهما بما النافية؛ لأنه بمعنى أعلمناك، فيتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ﴿وَضَلَّ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ضل﴾: فعل ماض، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَدْعُونَ﴾: خبره، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، وجملة ﴿ضلَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَظَنُّوا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ظنوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على قالوا. ﴿مَا﴾: نافية، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿مِن﴾: زائدة ﴿مَحِيصٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية سادة مسد مفعولي ظنّ؛ لأنه علق عنهما بما النافية. ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾. ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَسْأَمُ﴾، ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: فعل ومفعول به، وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَيَئُوسٌ﴾: الفاء رابطة الجواب وجوبًا، ﴿يئوس﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره فهو يؤوس ﴿قَنُوطٌ﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿لَا يَسْأَمُ﴾. ﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، واللام موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿أَذَقْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها، ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿أَذَقْنَاهُ﴾. ﴿مِنَّا﴾ صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَذَقْنَاهُ﴾،

стр. 11743

﴿ضَرَّاءَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف لألف التأنيث الممدودة ﴿مَسَّتْهُ﴾: فعل ماض ومفعول به. وفاعل مستتر يعود على ضرّاء، والجملة الفعلية في محل الجر، صفة لـ ﴿ضَرَّاءَ﴾، وجواب الشرط محذوف، لسد جواب القسم مسده، تقديره: وإن أذقناه رحمة منا، يقول هذا لي، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة بين القسم وجوابه على القاعدة المشهورة، فيما إذا اجتمع شرط وقسم، يكون الجواب للسابق، وجواب الآخر محذوف ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ اللام: رابطة لجواب القسم، مؤكدة للأولى ﴿يقولن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، لتجرده عن الناصب والجازم. مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الإنسان، والجملة الفعلية جواب القسم. لا محل لها من الإعراب. وجملة القسم مع جوابه، معطوفة على جملة قوله: وإن مسه الشر ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿لي﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، واللام فيه للاستحقاق؛ أي: استحقه بعملي، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول ﴿ليقولن﴾. ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾ نافية. ﴿أَظُنُّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ﴿السَّاعَةَ﴾: مفعول أول لـ ﴿أَظُنُّ﴾، ﴿قَائِمَةً﴾: مفعول ثان له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: هذا لي، على كونها مفعولًا لـ ﴿يَقُولُ﴾، ﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، واللام: موطئة للقسم. ﴿إنْ﴾ حرف شرط جازم، ﴿رُجِعْتُ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿إِلَى رَبِّي﴾: متعلق بـ ﴿رُجِعْتُ﴾، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده، على القاعدة المذكورة في قوله: واحذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلَتَزَمْ والتقدير: وإن رجعت إلى ربي فإن لي عنده للحسنى، وجملة الشرط معترضة بين القسم وجوابه، لا محل لها من الإعراب. ﴿إنَّ﴾ حرف نصب. ﴿لي﴾: خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿عِنْدَهُ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال

стр. 11744

من الحسنى ﴿لَلْحُسْنَى﴾: اللام: حرف ابتداء. ﴿الحسنى﴾ اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخر. وجملة ﴿إنَّ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه، معطوفة على جملة قوله: هذا لي، على كونها مقولًا ليقولن ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حال الكافر المذكور، وأردت بيان عاقبته .. فأقول لك، ﴿لننبئن﴾ واللام: موطئة للقسم، ﴿ننبئن﴾: فعل مضارع مبني على الفتح، في محل الرفع، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: نحن، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب. مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿ننبئن﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له، وما موصولة أو مصدرية. ﴿عَمِلُوا﴾ فعل وفاعل، صلة لما الموصولة، والعائد محذوف تقديره: بما عملوه، أو صلة لما المصدرية؛ أي: بعملهم. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، واللام موطئة للقسم. ﴿نذيقن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، والهاء ضمير الغائبين في محل النصب مفعول أول، ﴿مِنْ عَذَابٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿نذيقن﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له ﴿غَلِيظٍ﴾ صفة لـ ﴿عَذَابٍ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾. ﴿وَإذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَنْعَمْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿أَعْرَضَ﴾ فعل وفاعل مستتر يعود على الإنسان، وجملة أعرض جواب ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب. وجملة إذا مستأنفة. ﴿وَنَأَى﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿نأى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر. معطوف على أعرض، ﴿بِجَانِبِهِ﴾

стр. 11745

متعلق بـ ﴿نَأَى﴾، ﴿وَإذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، ﴿فَذُو دُعَاءٍ﴾ الفاء: رابطة لجواب إذا وجوبًا ﴿ذو﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهو ذو دعاء. ﴿ذو﴾ مضاف ﴿دُعَاءٍ﴾: مضاف إليه، ﴿عَرِيضٍ﴾: صفة ﴿دُعَاءٍ﴾، والجملة الاسمية جواب ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ الأولى. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ومفعول ﴿رأى﴾ الأول: محذوف، وتقديره: أرأيتم أنفسكم. والثاني: هو الجملة الاستفهامية. ﴿إنْ﴾ حرف شرط. ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، في محل الجزم بإن على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير مستتر فيها، تقديره: هو يعود على القرآن. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كان﴾، ﴿ثُمّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿كَفَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم، معطوف على ﴿كان﴾. وجواب الشرط محذوف تقديره: فأنتم أضل من غيركم، أو ليس ثمة أضل منكم، وجملة الشرط جملة اعتراضية، لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين المفعولين الأول والثاني. ﴿بِهِ﴾ متعلقان به ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام، في محل الرفع مبتدأ، ﴿أَضَلُّ﴾: خبره. ﴿مِمَّنْ﴾ متعلق بـ ﴿أَضَلُّ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿فِي شِقَاقٍ﴾ خبر، ﴿بَعِيدٍ﴾ صفة ﴿شِقَاقٍ﴾، والجملة الاسمية صلة من الموصولة. ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ السين حرف استقبال. ﴿نريهم﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول أول ﴿آيَاتِنَا﴾ مفعول ثان. والرؤية هنا بصرية، فلذلك عدّيت إلى اثنين

стр. 11746

فقط، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿فِي الْآفَاقِ﴾ حال من آياتنا، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: معطوف على في الآفاق، ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية ﴿يَتَبَيَّنَ﴾: فعل مضارع منصوب، بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ناصب واسمه، وخبره، وجملة أنّ في تأويل مصدر، مرفوع على الفاعلية ليتبين، تقديره: حتى يتبين لهم كونه الحق من ربهم، وجملة يتبين صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى، تقديره: إلى تبين كونه الحق، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾، ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف يقتضيه السياق، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم يغنهم ولم يكفهم، والجملة المحذوفة جملة استفهامية، لا محل لها من الإعراب، ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَكْفِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ﴿بِرَبِّكَ﴾ الباء زائدة، ﴿رَبِّكَ﴾: فاعل مجرور لفظًا مرفوع محلًا، والمفعول محذوف تقديره: أو لم يكفك ربك، أو لم يكفهم ربك، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿أَنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾، و ﴿شَهِيدٌ﴾: خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر، مرفوع على كونه بدلًا من ربك، والتقدير: أو لم يكف ربك شهادته على كل شيء، ﴿أَلَا﴾ حرف استفتاح ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾: خبره، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿مِرْيَةٍ﴾، أو صفة له، ﴿أَلَا﴾: حرف استفتاح، ﴿إنَّه﴾ ناصب واسمه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿مُحِيطٌ﴾، و ﴿مُحِيطٌ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة أيضًا. التصريف ومفردات اللغة ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ﴾ وهو من المضاعف، أصله: يردد بوزن يفعل نقلت حركة الدال الأولى إلى الراء، فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية، فصار يرد بوزن يفل، ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ قال في "القاموس": الكم بضم الكاف، مدخل اليد ومخرجها من الثوب، والجمع أكمام وكممة، وبكسرها وعاء الطلع وغطاء النور كالكمامة،

стр. 11747

والكمة بالكسر فيهما، والجمع أكمّة وأكمام وكمام، ويؤخذ من "الأساس"، وغيرها من المعاجم الكبرى، الكم بضم الكاف مدخل اليد ومخرجها من الثوب، جمعه أكمام، وكممة بكسر الكاف، والكمة بضم الكاف، القلنسوة المدورة، وكل ظرف غطيت به شيئًا، وألبسته إياه فصار له، كالغلاف، والكم بكسر الكاف، الغلاف الذي يحيط بالزهر، أو الثمر، أو الطلع فيستره، ثم ينشق عنه جمعه أكمة، وأكمام وكمام وأكاميم، ومن ذلك أكمام الزرع؛ أي: غلفها التي يخرج منها، وأكمة الخيل مخاليها المعلقة على رؤوسها، الواحد منها كمام، والكمامة بكسر الكاف غطاء الزهر، ووعاء الطلع. والكمامة أيضًا بالكسر، والكمام ما يكم به فم الحيوان، لئلا يعضّ، أو يأكل إلى آخر هذه المادة المطولة. ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: مهرب، اسم مكان، من حاص كمبيع من باع، وأصله: محيص بكسر الياء، بوزن مفعل بكسر العين، نقلت حركة الياء إلى الحاء، فسكنت فصارت حرف مد، من حاص يحيى حيصًا ومحيصًا إذا هرب، وفي "المفردات": أصله من قولهم: وقع في حيص بيص؛ أي: في شدة، وحاص عن الحق، يحيص إذا حاد عنه إلى شدة ومكروه. وفي "القاموس": حاص عنه إذا عدل، وحاد، والمحيص المحيد والمعدل والمميل والمهرب. ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ وفي "المختار": اليأس القنوط، وقد يئس من الشيء من باب فهم، وفيه لغة أخرى، يئس ييئس بالكسر فيهما، وهي شاذة. ورجل يؤس وييئس، أيضًا، وبمعنى علم في لغة النخع، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وآيسه من كذا، فاستيأس منه، بمعنى أيس اهـ. وفيه أيضًا أيس منه، لغة في يئس، وبابهما فهم، وآيسه منه غيره بالمد، مثل أيأسه، وكذا أيسه بتشديد الياء تأييسًا اهـ، وفيه أيضًا لقنوط اليأس، وبابه جلس ودخل وطرب وسلم، فهو قنط وقنوط وقانط، فأما قنط يقنط بالفتح فيهما، وقنط يقنط بالكسر، فإنما هو على الجمع بين اللغتين اهـ، والفرق بين اليأس والقنوط، أن اليأس انقطاع الرجاء القلبي من حصول الخير، والقنوط ظهور أثر ذلك على البدن، من المذلة والانكسار والحزن.

стр. 11748

﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ﴾ أصله: أظنن بوزن أفعل، نقلت حركة النون الأولى إلى الظاء، فسكنت فأدغمت في النون الثانية، فصار أظن بوزن أفل ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ قرأه الجمهور ﴿نأى﴾، وفيه إعلال بالقلب أصله: نأي بوزن فعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، وقرأ ابن ذكوان وغيره عن ابن عامر ﴿وناء﴾ بتقديم الألف على الهمزة بوزن بآء إما لأنه من ناء ينوء، بمعنى نهض، وليس من النأي أو من نأى، ووقع في الكلمة قلب مكاني، حيث قدمت لام الفعل التي هي الياء، وجعلت مكان العين التي هي الهمزة، ثم أبدلت الياء المقدمة ألفًا، لتحركها بعد فتح، والله أعلم، وعلى أنه من ناء ينوء، فاصله: نوأ بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا، لتحركها بعد فتح، ومعناه: نهض، وفي "الفتوحات": ناء بتأخير الهمزة عن الألف بوزن قال، ونأى بتقديم الهمزة على الألف بوزن رمى، اهـ. ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ أصله: سنرئيهم، بوزن سنفعل نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم حذفت للتخفيف، ثم سكنت الياء لوقوعها بعد كسرة، لتكون حرف مد. والآفاق جمع أفق بضمتين، كأعناق وعنق أبدلت همزته ألفًا. وهي الناحية من نواحي الأرض، وكذا آفاق السماء نواحيها وأطرافها كذا قال أهل اللغة، ونقل الراغب: أنه يقال: أفق بفتحتين كجبل وأجبال، وأفق فلان؛ أي: ذهب في الآفاق، والآفاقي الذي بلغ نهاية الكرم تشبيهًا في ذلك بالذاهب في الآفاق، والنسبة إلى الأفق أفقي بفتحهما، قلت: ويحتمل أنه نسبة إلى المفتوح، واستغنوا بذلك عن النسبة إلى المضموم، وله نظائر اهـ "فتوحات". ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ لقاء فيه إعلال بالقلب أصله: لقاي أبدلت الياء همزة، لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ من الإحاطة، والإحاطة إدراك الشيء بكماله، وفيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: محوط بوزن مفعل، نقلت حركة الواو إلى الحاء، فسكنت إثر كسرة، فقبلت ياء حرف مد. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

стр. 11749

فمنها: الحصر المستفاد من تقديم المعمول على عامله، في قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ﴾؛ أي: لا إلى غيره. ومنها: الطباق بين ﴿رَحْمَةً﴾ و ﴿ضَرَّاءَ﴾. ومنها: وصف الجنس بوصف غالب أفراده، في قوله: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ﴾ لأن اليأس من رحمة الله، لا يتأتى إلا من الكافر. ومنها: المبالغات في قوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ وقد تضمن هذا الكلام مبالغات، حيث أكد بالقسم، وبإن، وبتقديم الظرفين، وبالعدول إلى صيغة التفضيل، إذ الحسنى تأنيث الأحسن، وإنما يقول ذلك، لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا، يستحقه، فيستحق مثله في الآخرة. اهـ "كرخي". ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾؛ لأن الجانب مجاز عن النفس، كالجنب في قوله تعالى: ﴿فِي جَنبِ اللهِ﴾ علاقته الكلية والجزئية. ومنها: الاستعارة المكنية، التخيلية في قوله: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ فقد شبه الدعاء بأمر يوصف بالامتداد، ثم أثبت له العرض، فاستعار العرض لكثرة الدعاء وديمومته، وهو من صفات الأجرام، ويستعار له الطول أيضًا، ولكن استعارة العرض أبلغ؛ لأنه إذا كان عرضه كذلك، فما ظنك بطوله، والطول أطول الامتدادين، فإذا كان عرضه بهذه المثابة .. فناهيك بطوله. ومنها: تنكير عريض للدلالة على العريض. ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 11750

مجمل ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة ١ - وصف الكتاب الكريم. ٢ - إعراض المشركين عن تدبره. ٣ - جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين. ٤ - إقامة الأدلة على الوحدانية. ٥ - إنذار المشركين بأنه سيحل بهم ما حل بالأمم قبلهم. ٦ - شهادة الأعضاء عند الحشر على أربابها. ٧ - ما يفعله قرناء السوء من التضليل والصد عن سبيل الله. ٨ - ما كان يفعله المشركون حين سماع القرآن. ٩ - طلب المشركين إهانة من أضلوهم انتقامًا منهم. ١٠ - ما يلقاه المؤمنون من الكرامة يوم العرض والحساب. ١١ - إعادة الأدلة على الوحدانية. ١٢ - القرآن هداية ورحمة. ١٣ - إحاطة علم الله وعظيم قدرته. ١٤ - من طبع الإنسان التكبر عند الرخاء والتضرع وقت الشدة. ١٥ - آيات الله في الآفاق والأنفس الدالة على وحدانيته وقدرته. ١٦ - شك المشركين في البعث والنشور ثم الرد عليهم (١). والله أعلم * * *

стр. 11751

سورة الشورى سورة الشورى، وتسمّى سورة حم عسق، وسورة حم عسق مكية في قول (١) ابن عباس والجمهور، وحكي عن ابن عباس: إلا أربع آيات، نزلت بالمدينة، أولها: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، وقيل: فيها من المدني: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾، إلى قوله ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وقوله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾. وآيها: ثلاث وخمسون آية، نزلت بعد فصّلت. وكلماتها: ثمان مئة وست وثمانون كلمة. وحروفها: ثلاثة آلاف، وخمس مئة، وثمانية وثمانون حرفًا، والله تعالى أعلم. ومناسبتها لما قبلها (٢): اشتمال كل منهما على ذكر القرآن، ودفع مطاعن الكفار فيه، وتسلية النبي ﷺ على ذلك. وقال أبو حيان (٣): مناسبة أول هذه السورة لأخر ما قبلها، أنه قال فيما قبلها: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...﴾ الآية، وكان في ذلك الحكم عليهم بالضلال، لما كفروا به، وقال هنا: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل الإيحاء السابق في القرآن، الذي كفر به هؤلاء ﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾؛ أي: إن وحيه تعالى إليك متصل غير منقطع، يتعهدك وقتًا بعد وقت. ومن فضائلها: ما روي عن النبي ﷺ : "من قرأ حم عسق، كان ممن يصلي عليه الملائكة، ويستغفرون له ويسترحمون له". الناسخ والمنسوخ فيها: وقال أبو عبد الله، محمد بن حزم: سورة الشورى كلها محكم، غير ثماني آيات:

стр. 11752

أولاهنّ: قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٥) نسخت بالآية التي في سورة المؤمن: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٧). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ نسخت بآية السيف. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١٥)، نسخت بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ الآية (٢٠)، نسخت بقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ﴾. الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ الآية (٢٣)، مختلف في نسخها، ناسخها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ الآية (٤٧) سبأ. الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ (٣٩). الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ (٤١) الآيتان، نسختا بقوله : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾. الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ الآية (٤٨) نسخت بآية السيف. والله أعلم * * *

стр. 11753

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾.

стр. 11754

المناسبة قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ...﴾ الآيات، مناسبة أول هذه السورة لآخر السابقة: أنه قال في آخر السابقة: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ...﴾ الآية، ولما كان في ذلك، الحكم عليهم بالضلال لما كفروا به، قال هنا كذلك؛ أي: مثل الإيحاء السابق في القرآن، الذي كفر به هؤلاء يوحي إليك؛ أي: إن وحيه تعالى إليك، متصل غير منقطع، يتعهّدك وقتًا بعد وقت. وبيّن سبحانه: أنّ ما جاء في هذه السورة، موافق لما في تضاعيف الكتب، المنزلة على سائر الرسل، من الدعوة إلى التوحيد، والإيمان باليوم الآخر، والتزهيد في جمع حطام الدنيا، والترغيب فيما عند الله، ثم ذكر أن ما في السموات والأرض فهو ملكه وتحت قبضته، وله التصرف فيه إيجادًا وإعدامًا، وتكوينًا وإبطالًا وأنّ السموات والأرض على عظمهما، تكاد تتشقّق فرقًا من هيبته، وجلاله سبحانه، وأن الملائكة ينزّهونه عما لا يليق به، من صفا النقص، ويطلبون المغفرة لعباده المؤمنين، ثم أردت هذا بتسلية رسول ﷺ ، بأنه ليس بالرقيب على عبدة الأصنام والأوثان، فيستطيع أن يردّهم إلى سواء السبيل، بل ليس عليه إلا البلاغ، وعلينا حسابهم، فلا يبخع نفسه عليهم حسرات، إن الله عليم بما يصنعون. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما (١) بيّن فيما سلف، أنه هو الرقيب على عباده، المحصي لأعمالهم، وأنه ﷺ نذير فحسسب، وليس عليه إلا البلاغ .. ذكر هنا أنه أنزل كتابه بلغة العرب، ليفهمه قومه من أهل مكة، وما حولها كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وينذرهم، بأن يوم القيامة آت لا شك فيه، وأن الناس إذ ذلك فريقان: فريق يدخل الجنة، بما قدّم من صالح

стр. 11755

الأعمال، وفريق يدخل النار بما دسّى به نفسه من سيِّء الأفعال، ثم ذكر أنّ حكمته اقتضت أن يكون الإيمان بالتكليف اختيارًا، ولم يشأ أن يكون قسرًا وجبرًا، ولو شاء أن يكون كذلك لفعل، فمن أخبت لله وأناب وعمل صالحًا أفلح، وفاز بالسعادة، ومن عاث في الأرض فسادًا، واتجهت همته إلى ارتكاب الثرور والآثام خسر، وباء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المهاد، ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر أنهم اتخذوا من دون الله أولياء، وأن الله وكيل عليهم، ولست أيها الرسول بالحفيظ عليهم .. طلب إليه هنا، أن يدع الاهتمام بأمرهم، ويقطع الطمع في إيمانهم، مبينًا أنهم اتخذوا من دون الله أولياء، وهو سبحانه الولي حقًا، القادر على كل شيء فقد عدلوا إلى ما لا نسبة بينه وبينهم بحال. قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه سبحانه لما عظم (١) وحيه إلى رسوله ﷺ ، وأبان ما له من كبير الخطر، حين نسبه إليه تعالى، وأنه صادر من عزيز حكيم، لا يوحي إلا بما فيه مصلحة البشر، ومنفعتهم في دينهم ودنياهم .. ذكر هنا تفصيل هذا الوحي، وأرشد إلى أنه هو الدين الذي وصّى به أكابر الأنبياء، وأصحاب الشرائع العظيمة، والأتباع الكثيرة، وأردف ذلك أن المشركين يشقّ عليهم دعوتهم إلى التوحيد، وترك الأنداد والأوثان، وأنّ الله يهدي من يشاء من عباده لهدي دينه، وأنهم ما خالفوا الحق إلا بعد إبلاغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وأنه ما حملهم على ذلك إلا البغي والعدوان والحسد، وأنه لولا الكلمة السابقة من الله، بإنظار المشركين بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد .. لعجّل لهم العقوبة في الدنيا، وأن من اعتنقوا الأديان من بعد الأجيال الأولى، ليسوا على يقين من أمرهم، وإيمانهم،

стр. 11756

وإنما هم مقلّدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرههم وشك مريب، وشقاق بعيد. قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه، لما (١) أمرهم بالوحدة في الدين وعدم التفرّق فيه، وذكر أنهم قد تفرّقوا فيه من بعد ما جاءهم العلم بغيًا وحسدًا وعنادًا واستكبارًا، أمر رسوله ﷺ ، بالدعوة إلى الاتفاق على الملة الحنيفية والثبات عليها، والدعوة إليها، وأن لا يتبع أهواءهم الباطلة. ثم أمره بالإيمان بجميع الكتب السماوية وبالعدل بين الناس والمساواة بينهم وبين نفسه، فلا يأمرهم بما لا يعمله، أو يخالفهم فيما نهاهم عنه، ثم أردف ذلك ببيان أن إلههم جميعًا واحد، وأنّ كل امرىء مسؤول عن عمله، وأن الله يجمع الناس يوم القيامة، ويجازيهم بأعمالهم. وقد اشتملت هذه الآية الكريمة، على عشرة أوامر ونواه، كل منها مستقل بذاته ودالّ على حكم برأسه، ولا نظير لها في ذلك إلا آية الكرسي، فهي عشرة فصول أيضًا. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله ، لما ذكر فيما سلف، أن لا محاجة بين المشركين والمؤمنين لوضوح الحجة، بيّن هنا أنّ الذين يخاصمون في دين الله، من بعد ما استجاب الناس له، ودخلوا فيه أفواجًا، حجتهم في الصرف عنه زائفة، لا ينبغي النظر إليها، وعليهم غضب من ربهم، لمكابرتهم للحقّ بعد ظهوره، ولهم عذاب شديد يوم القيامة. رُوي: أن اليهود قالوا للمؤمنين: إنكم تقولون: إن الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوّة موسى وتوراته مسلّمة بيننا وبينكم، ونبوّة محمد ﷺ ليست كذلك، وإذًا لأخذ باليهودية أولى فدحض الله هذه الحجة، بأنّ الإيمان بموسى إنما وجب لظهور المعجزات على يديه. دالة

стр. 11757

على صدقه، وقد ظهرت المعجزات على يدي محمد ﷺ ، واليهود قد شادوها، فوجب الاعتراف بنبوّته، ثم أردف ذلك تخويفهم يوم القيامة، حتى يستعدوا له ويتركوا المماراة بالباطل، ثم ذكر أن المشركين يستعجلون به استهزاء، وإنكارًا لوجوده، والمؤمنون خائفون منه لعلمهم بالجزاء حينئذٍ، ثم أعقب ذلك بذكر أن المماراة في الساعة ضلال بيّن، لتظاهر الأدلة على حصولها لا محالة. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن المنذر عن عكرمة، قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال المشركون بمكة، لمن بين أظهرهم من المؤمنين: قد دخل الناس في دين الله أفواجًا، فأخرجوا من بين أظهرنا، فعلام تقيمون بين أظهرنا، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ...﴾ الآية. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ ...﴾ الآية، قال: هم اليهود والنصارى، قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ اسمان (٢) للسورة، ولذلك فصل بينهما في الكتابة، وعدّا آيتين، بخلاف كهيعص والمص والمر، فإنها آية واحدة. وقيل: هما اسم واحد للسورة وآية واحدة، وفصلت لتطابق سائر الحواميم، فعلى الأول: يكونان خبرين لمبتدأ محذوف. وعلى الثاني: يكون خبرًا لذلك المبتدأ المحذوف، وقرأ ابن مسعود وابن عباس ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ وقال ابن عباس ﵄: الحاء حكم الله، والميم ملك الله، ٢ - والعين علوّ الله، والسين سناء الله، والقاف قدرة الله، أقسم الله بها، فكأنه يقول: فبحكمي وملكي وعلوي وسنائي وقدرتي،

стр. 11758

لا أعذب عبدًا قال: لا إله إلا الله مخلصًا فلقيني بها. ومعناه على ما قاله أبو الليث في تفسيره: لا يعذبه عذابًا دائمًا خالدًا. وفي الحديث: "افتتحوا صبيانكم بلا إله إلا الله، ولقنوا موتاكم بلا إله إلا الله" والحكمة في ذلك أنّ حال الصبيان حال حسن لا غلّ - غش - في قلوبهم، وحال الموتى حال الاضطرار، فإذا قلتم في أول ما يجري عليكم القلم، وآخر ما يجفّ عليكم القلم، فعسى الله أن يتجاوز ما بين ذلك. واختلفوا (١) في حم، فأخرجها بعضهم من حيّز الحروف، وجعلها فعلًا فقال: معناها حم الأمر؛ أي: قضي، وبقي عسق على أصله، وفي "المراغي": وقد تقدم قولنا: إن الحروف المقطعة التي جاءت في أوائل السور، حروف تنبيه، نحو: ألا ويا، ونحوها، يؤتى بها لإيقاظ السامع، وتنبيهه إلى ما سيلقى إليه من الأمور العظام، المشتملة عليها هذه السورة، وينطق بأسمائها هكذا ﴿حاميم عين سين قاف﴾. وقيل غير ذلك، مما هو متكلف متعسف، لم يدل عليه دليل، ولا جاء به حجة، ولا شبهة حجة، والأسلم تفويض علمه إلى الله تعالى، فيقال: الله أعلم بمراده بذلك. ٣ - ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه: ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، والكاف في حيز النصب على أنه مفعول ليوحي، والجلالة فاعله؛ أي: مثل ما في هذه السورة من المعاني، يوحي الله العزيز الحكيم إليك، في سائر السور، وإلى من قبلك من الرسل في كتبهم، على أن مناط المماثلة هو الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق، وما فيه صلاح العباد في المعاش والمعاد، ويجوز أن يكون الكاف في حيز النصب، على أنه نعت لمصدر مؤكد ليوحي؛ أي: مثل إيحاء هذه السورة؛ يوحي الله العزيز الحكيم إليك، عند إيحاء سائر السور، وإلى سائر الرسل عند إيحاء كتبهم إليهم لا إيحاء مغايرًا على أن مدار

стр. 11759

المثلية كونه بواسطة الملك. وإنما ذكر (١) بلفظ المضارع، مع أن مقتضى المقام، أن يذكر بلفظ الماضي، ضرورة أن الوحي إلى الذين من قبله قد مضى، دلالة على استمرار الوحي، تجدده وقتًا فوقتًا، وأن إيحاء مثله عادته تعالى، ويجوز أن يكون إيذانًا أن الماضي والمستقبل بالنسبة إليه تعالى واحد، كما في "الكواشي". وقيل (٢): إن المضارع استعمل في حقيقته، ومجازه مستعمل في المستقبل، بالنظر إلى ما لم ينزل عليه من القرآن إذ ذاك وفي الماضي بالنظر لما أنزل بالفعل، وبالنظر إلى ما أنزل على الرسل السابقين، ووجه الشبه أن الموحى به في الكل، يرجع لأمور ثلاثة: التوحيد والنبوة والبعث. فهذا القدر موجود في القرآن وغيره من الكتب، اهـ شيخنا. وفي "زاده": ووجه المشابهة الاشتراك في الدعوة إلى التوحيد، والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في أمور الآخرة اهـ. وقال الشوكاني: والمعنى: أي (٣) مثل ذاك الإيحاء الذي أوحي إلى سائر الأنبياء من كتب الله، المنزلة عليهم، المشتملة على الدعوة إلى التوحيد، والبعث يوحي الله إليك يا محمد في هذه السورة، وقيل: إن حم عسق أوحيت إلى من قبله من الأنبياء، فتكون الإشارة بقوله: كذلك إليها اهـ. وقرأ الجمهور (٤): ﴿يُوحِي﴾ بكسر الحاء مبنيًا للفاعل، والفاعل الله، وهي واضحة اللفظ والمعنى: وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان ﴿نوحي﴾ بنون العظمة مع كسر الحاء، وقرأ مجاهد، وابن كثير وابن محيصن وعباس ومحبوب كلاهما عن أبي عمرو ﴿يوحى﴾ بفتح الحاء مبنيًا للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير مستتر يعود على ذلك، والتقدير: مثل ذلك الإيحاء يوحى هو إليك، أو القائم مقام الفاعل إليك، أو الجملة المذكورة؛ أي: يوحى إليك هذا اللفظ أو القرآن، أو مصدر يوحي وارتفاع اسم الجلالة، على أنه فاعل لفعل محذوف، كأنه قيل:

стр. 11760

من يوحي فقيل: يوحي الله العزيز الحكيم، أو على الابتداء، والتقدير: الله العزيز الحكيم هو الموحي. وعلى قراءة النون يكون قوله: الله العزيز الحكيم، في محل النصب، والمعنى عليه: نوحي إليك هذا اللفظ. والمعنى (١): أي بمثل ما في هذه السورة من الدعوة إلى التوحيد، والنبوة والإيمان باليوم الآخر، وتجميل النفس بفاضل الأخلاق، وتبعيدها عن رذائل الأخلاق، والعمل على سعادة المرء والمجتمع، يوحي إليك الله العزيز في ملكه الغالب بقهره، الحكيم بصنعه المصيب في قوله وفعله، كما أوحي إلى الأنبياء بمثله من قبلك. وسيأتي تفصيل هذا في سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، فقد ذكر في أولها التوحيد، وفي وسطها النبوة، وفي آخرها المعاد، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾. أي: إن المقصود من إنزال جميع الكتب الإلهية، ليس إلا هذه المطالب الثلاثة العالية، التي لا تتم السعادة إلا بها، ولا الفوز بالنعيم في الدارين إلا بسلوكها. ٤ - ثم بيّن سبحانه عظمته وكبرياءه وحكمته فقال: ﴿لَهُ﴾ سبحانه لا لغيره ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: إن الله يختص به جميع ما في العوالم العلوية والسفلية، خلقًا وملكًا وعلمًا، ذكر سبحانه هذا الوصف لنفسه، وهو ملك جميع ما في السموات والأرض لدلالته على كمال قدرته، ونفوذ تصرفه في جميع مخلوقاته ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْعَلِيُّ﴾؛ أي: الرفيع الشأن ﴿الْعَظِيمُ﴾ الملك والقدرة والحكمة، أو هو العلي؛ أي: المرتفع عن مدارك العقول، إذ ليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، وهو العظيم الذي يصغر عند ذكره وصف كل شيء سواه، والعظيم من العباد، الأنبياء والعلماء الوارثون لهم، فالنبي عظيم في حق أمته، والأستاذ عظيم في حق تلميذه، وإنما العظيم المطلق، هو الله .

стр. 11761

والخلاصة (١): أي إن ما في السموات والأرض تحت قبضته، وفي ملكه، وله التصرف فيه إيجادًا وإعدامًا، وهو المتعالي فوقه، العظيم عن مماثلته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ٥ - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾؛ أي: تقرب السموات يتشققن من عظمة وخشية وهيبة الإله الذي ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾؛ أي: فوق السموات بالألوهية والقهر والعظمة والقدرة، والتفطر التشقق، قال (٢) الضحاك والسدي: يتشققن من عظمة الله وجلاله من فوقهن. وقيل: المعنى: تكاد كل واحدة تتفطر فوق التي تليها من قول المشركين: اتخذ الله ولدًا، وقيل: من فوقهن من فوق الأرضين، والأول أولى، ومن في قوله: من فوقهن لابتداء الغاية؛ أي: يبتدىء التفطر من جهتهن الفوقانية إلى جهتهن التحتانية. ووجه تخصيص (٣) جهة الفوق، أنها أقرب إلى أعظم الآيات، وأدلها على القدرة الباهرة من العرش والكرسي وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله من آثار الملكوت العظمى، فكان المناسب أن يكون تفطر السموات مبتدأ من تلك الجهة، بأن يتفطر أولًا أعلى السموات ثم إلى أن ينتهي إلى أسفلها، بأن لا تبقى سماء إلا سقطت على الأخرى. وقيل: تتشققن من ادعاء الولد له، كما قال تعالى في سورة مريم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾، فتخصيصها حينئذٍ للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق الأولى؛ لأن تلك الكلمة الشنعاء الواقعة في الأرض، إذا أثرت في جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت أولى، وقيل: لنزول العذاب منهن. وقرأ الجمهور: ﴿تَكَادُ﴾ بالفوقية، وكذلك ﴿تتفطرن﴾ قرؤوه بالفوقية مع

стр. 11762

تشديد الطاء، وقرأ نافع والكسائي وابن وثاب ﴿يكاد﴾، ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ بالتحتية فيهما. وقرأ أبو عمرو والمفضل وأبو بكر وأبو عبيد: ﴿ينفطرن﴾ بالتحتية والنون من الانفطار كقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾. وبعد أن بيّن كمال عظمته، باستيلاء هيبته على الجسمانيات، انتقل إلى ذكر الروحانيات فقال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ﴾ هذا كلام مستأنف، لا تعلق له بما قبله؛ أي: ينزهونه تعالى عما لا يليق به، من الشريك والولد، وسائر صفات الأجسام، حال كونهم متلبسين ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ، فقدم التسبيح على الحمد؛ لأنّ التخلية مقدمة على التحلية، وقيل: إن التسبيح موضوع موضع التعجب؛ أي: يتعجبون من جراءة المشركين على الله. وقيل: معنى ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ بأمر ربهم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: للمؤمنين بالشفاعة، لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالمطلق محمول على المقيد، أو يستغفرون للمؤمن والكافر والفاسق، بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم، من الشفاعة والإلهام، وترتيب الأسباب، المقوبة إلى الطاعة، واستدعاء تأخير العقوبة، جمعًا في إيمان الكافر، وتوبة الفاسق، وتكون الآية عامة، وهذا لا ينافي كون الملائكة لاعنين للكفار من وجه آخر، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وفي الحديث: "ما فيها موضع أربع أصابع، وفي رواية موضع راحة، إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، يسبّحون بحمد ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض". وهذا يدل على أن المراد بالملائكة في الآية: ملائكة السموات كلها، وقال مقاتل: حملة العرش، وإليه ذهب الكاشفى في تفسيره، ويدل عليه قوله تعالى، في أوائل سورة المؤمن: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقول الفقير: تخصيص ملائكة العرش، لا ينافي من عداهم، فلعله من باب الترقي؛ لأنّ آية سورة المؤمن - غافر - مقيّدة بحملة العرش، وباستغفار المؤمنين، وهذه الآية مطلقة في حق كل من الملائكة والاستغفار. ثم بيّن سبحانه أن من شأنه المغفرة والرحمة لعباده، فقال: ﴿أَلَا﴾ للتنبيه؛

стр. 11763

أي: اعلموا ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿هُوَ الْغَفُورُ﴾؛ أي: كثير المغفرة لعباده، يغفر ذنوب المقبلين ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي: كثير الرحمة بهم، بأن يرزقهم جنته وقربه، وبرحمته يأمر الملائكة بالاستغفار لبني آدم، مع كثرة عصيانهم، والكفار الذين يرتكبون الشرك، والذنوب العظام، لا يقطع رزقهم ولا صحتهم، وتمتعاتهم من الدنيا، وإن كان يريد أن يعذّبهم في الآخرة. يقول الفقير: إن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للمؤمنين، فالمؤمنون يسلّمون عليهم كما يقولون في التشهد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إذ لا يعصون ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فالمنة لله تعالى على كل حال. وفي الآية: إشارة إلى أن قومًا من الجهلة يقولون على الله ما لا يعلمون، ومن عظم افترائهم تكاد السموات تنشق من فوقهم؛ لأنّ الله تعالى ألبسها أنوار قدرته، وأدخلها روح فعله، حتى عقلت عبودية صانعها؛ وعرفت قدسه وطهارته عن قول الزائغين، وإشارة الملحدين، والملائكة يقدسون الله، عما يقولون فيه من الزور والبهتان، والدعاوى الباطلة، ويستغفرون للمؤمنين، الذين لم يبلغوا حقيقة عبوديته، فإنهم هم القابلون للإصلاح، لاعترافهم بعجزهم، وقصورهم، دون المصرين المبتدعين. وفي الآية: إيماء أيضًا إلى قبول استغفار الملائكة، وهو يزيد على ما طلبوه من المغفرة، الرحمة بهم، وتأخير عقوبة الكافرين والعصاة نوع من المغفرة والرحمة، لعلهم يرعوون عن غوايتهم، ويثوبون إلى رشدهم، وينيبون إلى ربهم، ٦ - ثم أبان وظيفة الرسل، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: أصنامًا وأندادًا وشركاء، أشركوهم معه تعالى، في العبادة ﴿اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿حَفِيظٌ﴾؛ أي: رقيب ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أحوالهم، ومطلع على أعمالهم، ليس بغافل عنهم، فيجازيهم، لا رقيب عليهم إلا هو وحده ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﷺ ﴿بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: بموكول إليه أمورهم، ولا بموكل بهم، حتى تسأل عنهم وتؤخذ بهم، وإنما وظيفتك الإنذار وتبليغ الأحكام، قيل: وهذه الآية منسوخة بآية السيف.

стр. 11764

وفيه إشارة، إلى أن كل من عمل بمتابعة هواه، وترك لله حدًّا، ونقض له عهدًا، فهو متخذ الشياطين أولياء؛ لأنه يعمل بأوامرهم، وأفعاله موافقة لطباعهم، الله حفيظ عليهم بأعمال سرهم وعلانيتهم، إن شاء عذّبهم، وإن شاء عفا عنهم، وما أنت عليهم بوكيل، لتمنعهم عن معاملتهم، فعلى العاقل أن لا يتخذ من دون الله أولياء، بل يتفرد بمحبة الله تعالى وولايته، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ حتى يتولاه في جميع أموره. وما أحوجه إلى أحد سواه. حكاية: وقال الأستاذ أبو علي الدقاق - رحمه الله تعالى -: ظهرت علة بالملك يعقوب بن الليث، أعيت الأطباء، فقالوا له: في ولايتك رجل صالح، يسمى سهل بن عبد الله، لو دعا لك، لعل الله يستجيب له، فاستحضره فقال: ادع الله لي، فقال: كيف يستجاب دعائي فيك، وفي حبسك مظلومون، فأطلق كل من حبسه، فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية، فأره عز الطاعة، وفرج عنه، فعوفي، فعرض مالًا على سهل، فأبى أن يقبله، فقيل له: لو قبلته ودفعته إلى الفقراء، فنظر إلى الحصباء في الصحراء، فهذا هي جواهر فقال: من يُعطى مثل هذا، يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث؟ فالمعطي والمانع والضار والنافع هو الله، الولي، الوكيل، الذي لا إله غيره. والمعنى: أي والمشركون الذين اتخذوا آلهة من الأصنام، والأوثان، يعبدونها، الله هو المراقب لأعمالهم، المحصي لأفعالهم، وأقوالهم، المجازي لهم يوم القيامة على ما كانوا يفعلون، ولست أنت أيها الرسول، بالحفيظ عليهم، إنما أنت نذير تبلغهم ما أرسلت به إليهم، إن عليك إلا البلاغ، وعلينا الحساب، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإنك لست بمدرك ما تريد من هدايتهم، إلا إذا شاء ربك. ٧ - والإشارة في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إلى مصدر أوحينا، ومحل الكاف النصب على المصدرية. وقرآنًا عربيًا مفعول به لأوحينا؛ أي: ومثل ذلك الإيحاء البديع، الواضح المفهم، أوحينا إليك إيحاء لا لبس به، عليك وعلى قومك.

стр. 11765

والمعنى (١): أي أنزلنا عليك قرآنًا عربيًا، بلسان قومك، كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾؛ أي (٢): لتخوف أهل مكة بعذاب الله، على تقدير إصرارهم على الكفر، والعرب تسمي أصل كل شيء بالأم، سميت أم القرى تشريفًا لها، وإجلالًا لاشتمالها على البيت المعظم، ومقام إبراهيم ﵇، ولما رُوي من أن الأرض دحيت من تحتها، فمنزلة القرى منها. البنات من الأمهات ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ أي: حول أم القرى من العرب، وتفسير من حولها بالعرب لا ينافي عموم رسالته ﷺ ؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا ينافي حكم ما عداه. وقيل: من أهل الأرض كلها شرقًا وغربًا، وبذلك فسره البغوي فقال: من قرى الأرض كلها، وكذا القشيري حيث قال: العلم محدق بالكعبة ومكة؛ لأنهما سرة الأرض. والمعنى (٣): أي ومثل ذلك الإيحاء البديع البيّن، أوحينا إليك قرآنًا عربيًا بلسان قومك، لاخفاء فيه عليك، ولا عليهم، ليفهموا ما فيه من حجج الله وذكره، ولتنذر به أهل مكة، وما حولها من البلاد، إلى منقطع الأرض كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه. وقصارى ذلك: أنا كما أوحينا إليك أنك لست بالحفيظ عليهم، ولا بالوكيل، أوحينا إليك قرآنًا عربيًا، لتنذر أهل مكة وما حولها، وخص هؤلاء بالذكر؛ لأنهم أول من أنذروا، ولأنهم أقرب الناس إليه، فلا دليل فيها على أنه أرسل إليهم خاصة، كيف وقد جاء في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾. وهذا الإنذار يعم شؤون الدنيا وشؤون الآخرة، ثم خصَّ من بينها أمور الآخرة، بيانًا لعظيم أهوالها، وشديد نكالها فقال: ﴿وَتُنْذِرَ﴾ أهل مكة ومن حولها ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾؛ أي (٤): بيوم القيامة وما فيه من العذاب، سمي يوم الجمع:
следующие страницы →