والخلاصة (١): أي إن ما في السموات والأرض تحت قبضته، وفي ملكه، وله التصرف فيه إيجادًا وإعدامًا، وهو المتعالي فوقه، العظيم عن مماثلته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
٥ - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾؛ أي: تقرب السموات يتشققن من عظمة وخشية وهيبة الإله الذي ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾؛ أي: فوق السموات بالألوهية والقهر والعظمة والقدرة، والتفطر التشقق، قال (٢) الضحاك والسدي: يتشققن من عظمة الله وجلاله من فوقهن. وقيل: المعنى: تكاد كل واحدة تتفطر فوق التي تليها من قول المشركين: اتخذ الله ولدًا، وقيل: من فوقهن من فوق الأرضين، والأول أولى، ومن في قوله: من فوقهن لابتداء الغاية؛ أي: يبتدىء التفطر من جهتهن الفوقانية إلى جهتهن التحتانية.
ووجه تخصيص (٣) جهة الفوق، أنها أقرب إلى أعظم الآيات، وأدلها على القدرة الباهرة من العرش والكرسي وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله من آثار الملكوت العظمى، فكان المناسب أن يكون تفطر السموات مبتدأ من تلك الجهة، بأن يتفطر أولًا أعلى السموات ثم إلى أن ينتهي إلى أسفلها، بأن لا تبقى سماء إلا سقطت على الأخرى.
وقيل: تتشققن من ادعاء الولد له، كما قال تعالى في سورة مريم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾، فتخصيصها حينئذٍ للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق الأولى؛ لأن تلك الكلمة الشنعاء الواقعة في الأرض، إذا أثرت في جهة الفوق فلأن تؤثر في جهة التحت أولى، وقيل: لنزول العذاب منهن.
وقرأ الجمهور: ﴿تَكَادُ﴾ بالفوقية، وكذلك ﴿تتفطرن﴾ قرؤوه بالفوقية مع
стр. 11762
تشديد الطاء، وقرأ نافع والكسائي وابن وثاب ﴿يكاد﴾، ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ بالتحتية فيهما. وقرأ أبو عمرو والمفضل وأبو بكر وأبو عبيد: ﴿ينفطرن﴾ بالتحتية والنون من الانفطار كقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾.
وبعد أن بيّن كمال عظمته، باستيلاء هيبته على الجسمانيات، انتقل إلى ذكر الروحانيات فقال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ﴾ هذا كلام مستأنف، لا تعلق له بما قبله؛ أي: ينزهونه تعالى عما لا يليق به، من الشريك والولد، وسائر صفات الأجسام، حال كونهم متلبسين ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ، فقدم التسبيح على الحمد؛ لأنّ التخلية مقدمة على التحلية، وقيل: إن التسبيح موضوع موضع التعجب؛ أي: يتعجبون من جراءة المشركين على الله. وقيل: معنى ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ بأمر ربهم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: للمؤمنين بالشفاعة، لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالمطلق محمول على المقيد، أو يستغفرون للمؤمن والكافر والفاسق، بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم، من الشفاعة والإلهام، وترتيب الأسباب، المقوبة إلى الطاعة، واستدعاء تأخير العقوبة، جمعًا في إيمان الكافر، وتوبة الفاسق، وتكون الآية عامة، وهذا لا ينافي كون الملائكة لاعنين للكفار من وجه آخر، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وفي الحديث: "ما فيها موضع أربع أصابع، وفي رواية موضع راحة، إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، يسبّحون بحمد ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض". وهذا يدل على أن المراد بالملائكة في الآية: ملائكة السموات كلها، وقال مقاتل: حملة العرش، وإليه ذهب الكاشفى في تفسيره، ويدل عليه قوله تعالى، في أوائل سورة المؤمن: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
يقول الفقير: تخصيص ملائكة العرش، لا ينافي من عداهم، فلعله من باب الترقي؛ لأنّ آية سورة المؤمن - غافر - مقيّدة بحملة العرش، وباستغفار المؤمنين، وهذه الآية مطلقة في حق كل من الملائكة والاستغفار.
ثم بيّن سبحانه أن من شأنه المغفرة والرحمة لعباده، فقال: ﴿أَلَا﴾ للتنبيه؛
стр. 11763
أي: اعلموا ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿هُوَ الْغَفُورُ﴾؛ أي: كثير المغفرة لعباده، يغفر ذنوب المقبلين ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي: كثير الرحمة بهم، بأن يرزقهم جنته وقربه، وبرحمته يأمر الملائكة بالاستغفار لبني آدم، مع كثرة عصيانهم، والكفار الذين يرتكبون الشرك، والذنوب العظام، لا يقطع رزقهم ولا صحتهم، وتمتعاتهم من الدنيا، وإن كان يريد أن يعذّبهم في الآخرة.
يقول الفقير: إن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للمؤمنين، فالمؤمنون يسلّمون عليهم كما يقولون في التشهد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إذ لا يعصون ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فالمنة لله تعالى على كل حال.
وفي الآية: إشارة إلى أن قومًا من الجهلة يقولون على الله ما لا يعلمون، ومن عظم افترائهم تكاد السموات تنشق من فوقهم؛ لأنّ الله تعالى ألبسها أنوار قدرته، وأدخلها روح فعله، حتى عقلت عبودية صانعها؛ وعرفت قدسه وطهارته عن قول الزائغين، وإشارة الملحدين، والملائكة يقدسون الله، عما يقولون فيه من الزور والبهتان، والدعاوى الباطلة، ويستغفرون للمؤمنين، الذين لم يبلغوا حقيقة عبوديته، فإنهم هم القابلون للإصلاح، لاعترافهم بعجزهم، وقصورهم، دون المصرين المبتدعين.
وفي الآية: إيماء أيضًا إلى قبول استغفار الملائكة، وهو يزيد على ما طلبوه من المغفرة، الرحمة بهم، وتأخير عقوبة الكافرين والعصاة نوع من المغفرة والرحمة، لعلهم يرعوون عن غوايتهم، ويثوبون إلى رشدهم، وينيبون إلى ربهم،
٦ - ثم أبان وظيفة الرسل، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: أصنامًا وأندادًا وشركاء، أشركوهم معه تعالى، في العبادة ﴿اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿حَفِيظٌ﴾؛ أي: رقيب ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أحوالهم، ومطلع على أعمالهم، ليس بغافل عنهم، فيجازيهم، لا رقيب عليهم إلا هو وحده ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﷺ ﴿بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: بموكول إليه أمورهم، ولا بموكل بهم، حتى تسأل عنهم وتؤخذ بهم، وإنما وظيفتك الإنذار وتبليغ الأحكام، قيل: وهذه الآية منسوخة بآية السيف.
стр. 11764
وفيه إشارة، إلى أن كل من عمل بمتابعة هواه، وترك لله حدًّا، ونقض له عهدًا، فهو متخذ الشياطين أولياء؛ لأنه يعمل بأوامرهم، وأفعاله موافقة لطباعهم، الله حفيظ عليهم بأعمال سرهم وعلانيتهم، إن شاء عذّبهم، وإن شاء عفا عنهم، وما أنت عليهم بوكيل، لتمنعهم عن معاملتهم، فعلى العاقل أن لا يتخذ من دون الله أولياء، بل يتفرد بمحبة الله تعالى وولايته، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ حتى يتولاه في جميع أموره. وما أحوجه إلى أحد سواه.
حكاية: وقال الأستاذ أبو علي الدقاق - رحمه الله تعالى -: ظهرت علة بالملك يعقوب بن الليث، أعيت الأطباء، فقالوا له: في ولايتك رجل صالح، يسمى سهل بن عبد الله، لو دعا لك، لعل الله يستجيب له، فاستحضره فقال: ادع الله لي، فقال: كيف يستجاب دعائي فيك، وفي حبسك مظلومون، فأطلق كل من حبسه، فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية، فأره عز الطاعة، وفرج عنه، فعوفي، فعرض مالًا على سهل، فأبى أن يقبله، فقيل له: لو قبلته ودفعته إلى الفقراء، فنظر إلى الحصباء في الصحراء، فهذا هي جواهر فقال: من يُعطى مثل هذا، يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث؟ فالمعطي والمانع والضار والنافع هو الله، الولي، الوكيل، الذي لا إله غيره.
والمعنى: أي والمشركون الذين اتخذوا آلهة من الأصنام، والأوثان، يعبدونها، الله هو المراقب لأعمالهم، المحصي لأفعالهم، وأقوالهم، المجازي لهم يوم القيامة على ما كانوا يفعلون، ولست أنت أيها الرسول، بالحفيظ عليهم، إنما أنت نذير تبلغهم ما أرسلت به إليهم، إن عليك إلا البلاغ، وعلينا الحساب، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإنك لست بمدرك ما تريد من هدايتهم، إلا إذا شاء ربك.
٧ - والإشارة في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إلى مصدر أوحينا، ومحل الكاف النصب على المصدرية. وقرآنًا عربيًا مفعول به لأوحينا؛ أي: ومثل ذلك الإيحاء البديع، الواضح المفهم، أوحينا إليك إيحاء لا لبس به، عليك وعلى قومك.
стр. 11765
والمعنى (١): أي أنزلنا عليك قرآنًا عربيًا، بلسان قومك، كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾؛ أي (٢): لتخوف أهل مكة بعذاب الله، على تقدير إصرارهم على الكفر، والعرب تسمي أصل كل شيء بالأم، سميت أم القرى تشريفًا لها، وإجلالًا لاشتمالها على البيت المعظم، ومقام إبراهيم ﵇، ولما رُوي من أن الأرض دحيت من تحتها، فمنزلة القرى منها. البنات من الأمهات ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ أي: حول أم القرى من العرب، وتفسير من حولها بالعرب لا ينافي عموم رسالته ﷺ ؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا ينافي حكم ما عداه. وقيل: من أهل الأرض كلها شرقًا وغربًا، وبذلك فسره البغوي فقال: من قرى الأرض كلها، وكذا القشيري حيث قال: العلم محدق بالكعبة ومكة؛ لأنهما سرة الأرض.
والمعنى (٣): أي ومثل ذلك الإيحاء البديع البيّن، أوحينا إليك قرآنًا عربيًا بلسان قومك، لاخفاء فيه عليك، ولا عليهم، ليفهموا ما فيه من حجج الله وذكره، ولتنذر به أهل مكة، وما حولها من البلاد، إلى منقطع الأرض كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه.
وقصارى ذلك: أنا كما أوحينا إليك أنك لست بالحفيظ عليهم، ولا بالوكيل، أوحينا إليك قرآنًا عربيًا، لتنذر أهل مكة وما حولها، وخص هؤلاء بالذكر؛ لأنهم أول من أنذروا، ولأنهم أقرب الناس إليه، فلا دليل فيها على أنه أرسل إليهم خاصة، كيف وقد جاء في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾.
وهذا الإنذار يعم شؤون الدنيا وشؤون الآخرة، ثم خصَّ من بينها أمور الآخرة، بيانًا لعظيم أهوالها، وشديد نكالها فقال: ﴿وَتُنْذِرَ﴾ أهل مكة ومن حولها ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾؛ أي (٤): بيوم القيامة وما فيه من العذاب، سمي يوم الجمع:
стр. 11766
لأنه يجمع فيه الخلائق من الأولين والآخرين، وأهل السموات وأهل الأرض، أو الأرواح والأشباح أو الأعمال والعمال، أو الظالم والمظلوم، فالباء محذوف من اليوم، كا قال: لتنذر بأسًا شديدًا؛ أي: ببأس شديد. كما قاله أبو الليث. فيكون مفعولًا به لا ظرفًا، كما في "كشف الأسرار". وقد سبق نظير ذلك في سورة المؤمن: عند قوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾.
وجملة قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شك في يوم الجمع، جملة معترضة، مقررة لما قبلها، لا محل لها من الإعراب، أو صفة ليوم الجمع، أو حال منه، أي: لا بدّ من مجيء ذلك اليوم، وليس بمرتاب فيه في نفسه وذاته، لأنه لا بدّ من جزاء العاملين من المنذرين وأهل الجنة والنار، وارتياب الكفار فيه لا يعتد به. أو لا شك في الجمع أنه كائن، ولا بد من تحققه.
والمعنى (١): أي ولتنذر الخلائق كافة، عقاب الله، يوم جمعهم للعرض والحساب، وهو يوم لا شك فيه، لتظاهر الأدلة على تحققه، عقلًا ونقلًا، فالحكمة قاضية بجزاء المحسن على إحسانه، ومعاقبة المسيء على إساءته، ولما فيه من نصوص قاطعة، على وجوده، لا تحتمل تأويلًا، ولا تفسيرًا.
ثم ذكر عاقبة العرض والحساب، فقال: ﴿فَرِيقٌ﴾ منهم، وهم المؤمنون ﴿فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ﴾ منهم وهم الكافرون ﴿فِي السَّعِيرِ﴾؛ أي: في النار سميت بها لالتهابها، وذلك بعد جمعهم في الموقف؛ لأنهم يجمعون فيه أولًا، ثم يفرّقون بعد الحساب، وقرأ الجمهور (٢): برفع ﴿فَرِيقٌ﴾: في الموضعين، إما على أنه مبتدأ، وخبره الجار والمجرور، وسوّغ الابتداء بالنكرة، كونه في معرض تفصيل، أو كونه موصوفًا بصفة محذوفة؛ أي: فريق منهم، كما قدّرناه أولًا في حلنا، أو على أن الخبر مقدّر قبله، أي: منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في السعير. وجاز حينئذٍ الابتداء بالنكرة لأمرين تقديم خبرها، وهو الجار والمجرور المحذوف، ووصفها بقوله في الجنة، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو ضمير
стр. 11767
عائد إلى المجموعين المدلول عليهم بذكر الجمع؛ أي: هم فريق في الجنة وفريق في السعير، وقرأ زيد بن عليّ ﴿فريقًا﴾ بالنصب في الموضعين على الحال، من جملة محذوفة؛ أي: افترقوا حال كونهم فريقًا كذا وفريقًا كذا. وجوّز الفراء والكسائي النصب على تقدير لتنذر فريقًا. والضمير المجرور في منهم للمجموعين، لدلالة لفظ الجمع عليه، فإن المعنى يوم يجمع الخلائق في موقف الحساب.
وفي "التأويلات النجمية" (١): وتنذر يوم الجمع بين الأرواح والأجساد، لا شك في كونه، وكما أنهم اليوم فريقان: فريق في جنة القلوب، وراحات الطاعات، وحلاوات العبادات، وتنعّمات القربات، وفريق في سعير النفوس، وظلمات المعاصي، وعقوبات الشرك، والجحود، فكذلك غدًا، فريق هم أهل اللقاء، وفريق هم أهل الشقاء والبلاء.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم، قابضًا على كفّه، ومعه كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان" قلنا: لا يا رسول الله، فقال: للذي في يده اليمنى "هذا كتاب من ربّ العالمين، بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وعشائرهم، وعدّتهم، قبل أن يستقرّوا نطفًا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفًا في الأرحام، إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم، إلى يوم القيامة"، ثم قال: للذي في يساره: "هذا كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وعشائرهم، وعدّتهم، قبل أن يستقروا نطفًا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا في الأرحام، إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا ناقص منهم إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة. فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل إذًا؟ قال: اعملوا وسددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيّ عمل، ثمّ قال: فريق في الجنة وفريق في السعير، عدل
стр. 11768
من الله تعالى، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده".
٨ - ثم سلى رسوله على ما كان يناله من الغم والهم، بتولي قومه عنه وعدم استجابة دعوته، وأعلمه أن أمور عباده بيده، وأنه الهادي إلى الحق من يشاء، والمضل من أراد، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ، جمع الناس على الهداية، أو على الضلالة ﴿لَجَعَلَهُمْ﴾ في الدنيا، والضمير لجميع الناس المشار إليهم بالفريقين ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مهتدين أو ضالين، وهو تفصيل لما أجمله ابن عباس ﵄ في قوله: على دين واحد. قال الضحاك: أهل دين واحد، إما على هدى وإما على ضلالة، ولكنهم افترقوا على أديان مختلفة بالمشيئة الأزلية، وهو معنى قوله: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ﴾ في الدين الحق ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ أن يدخله ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ وجنته ويدخل في الضلال من يشاء أن يدخله في عذابه ونقمته، ولا ريب في أن مشيئة الله تعالى، لكل من الإدخالين، تابعة لاستحقاق كل من الفريقين لدخول مدخله، ومن ضرورة اختلاف الرحمة اختلاف حال الداخلين فيهما قطعًا، فلم يشأ جعل الكل أمةً واحدة، بل جعلهم فريقين ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾؛ أي: المشركون ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ما يلي أمرهم ويغنيهم وينفعهم، فـ ﴿مِنْ﴾: مزيدة لاستغراق النفي ﴿وَلَا﴾ من ﴿نَصِيرٍ﴾ ما يدفع العذاب الواقع عنهم ويخلصهم منه، وفيه إيذان، بأن الإدخال في العذاب من جهة الداخلين بموجب سوء اختيارهم، لا من جهته تعالى، كما في الإدخال في الرحمة.
قال سعدي المفتي في "حواشيه" (١): لعل تغيير المقابل حيث لم يأت المقابل، ويدخل من يشاء في نقمته، بل عدل إلى ما في النظم، للمبالغة في الوعيد، فإن في نفي من يتولاهم وينصرهم في دفع العذاب عنهم، دلالة على أن كونهم في العذاب أمر معلوم مفروغ عنه، وأيضًا فيه سلوك طريق ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ وأيضًا ذكر السبب الأصلي في جانب الرحمة ليجتهدوا في الشكر، والسبب الظاهري في جانب النقمة ليرتدعوا عن الكفر.
стр. 11769
وفي "التأويلات النجمية": ولو شاء الله لجعلهم أمةً واحدة، كالملائكة المقربين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، الآية، أو جعلهم كالشياطين، المبعدين، المطرودين، المتمردين، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت، أن يجعلهم مركبين من الجوهر الملكي، والشيطاني، ليكونوا مختلفين، بعضهم الغالب عليه الوصف الملكي، مطيعًا لله تعالى، وبعضهم الغالب عليه الوصف الشيطاني، متمردًا على الله تعالى، ليكونوا مظاهر صفات لطفه وقهره، ويدل على هذا التأويل، قوله: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: ليكونوا مظاهر صفات لطفه، ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾؛ أي: ليكونوا مظاهر صفات قهره، انتهى.
وحاصل المعنى (١): أي ولو شاء الله لجعل الجميع مؤمنين، كما تريد وتحرص عليه، ولكن حكمته اقتضت أن يكون بعضهم مؤمنين وبعضهم كفارًا، وهم الذين اتخذوا من دون الله أولياء؛ لأنه سبحانه شاء أن يكون الإيمان مبنيًا على التكليف والاختيار، يدخل المرء فيه بمحض الرضا. والتأمل في الأدلة الموصلة إلى الهدى، وبذلك يتم الفوز والسعادة في الدارين، وينفر منه من دنس نفسه بأدران الشرك، وركب رأسه وأطاع هواه، فكان من الخاسرين، ولو شاء لجعل الإيمان بالقسر والإلجاء، فكان الناس جميعًا أمة واحدة، ولكن له الحجة البالغة والمثل الأعلى، ولم يشأ ذلك، فلا تأس على عدم إيمان قومك، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، كما قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾، وقد جاء هذا المعنى في غير آية سلف كثير منها، كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.
٩ - وجملة قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ مستأنفة مقررة لما قبلها من انتفاء كون الولي والنصير للظالمين. و ﴿أَمِ﴾ (٢) هذه هي المنقطعة المقدرة ببل المفيدة للانتقال من بيان ما قبلها إلى بيان ما بعدها، وبالهمزة المفيدة لإنكار الوقوع
стр. 11770
ونفيه على أبلغ وجه وآكده، لا لإنكار الواقع واستقباحه كما قيل، إذ المراد بيان أن ما فعلوا من اتخاذ الأولياء، ليس في شيء لأن ذلك فرع كون الأصنام أولياء، وهو أظهر الممتنعات؛ أي: بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام، التي يعبدونها ليس ذلك في شيء. والفاء (١) في قوله ﴿فَاللَّهُ﴾ ﴿هُوَ الْوَلِيُّ﴾؛ أي: هو الحقيق بأن يتخذوه وليًا، فإنه هو الخالق الرازق، الضار النافع - فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إن أرادوا أن يتخذوا وليًا في الحقيقة، فأقول لهم: الله سبحانه هو الولي، الذي يجب أن يتولى ويعتقد أنه المولى، لا ولي سواه، وهو متولي الأمور من الخير والشر، والنفع والضر.
قلت: ويحتمل أن تكون الفاء تعليلية، لكون ما بعدها علة لإنكار اتخاذ الأولياء من دون الله، كقولك: أتضرب زيدًا فهو أخوك، على معنى: لا ينبغي أن تضربه، لكونه أخاك، والمعنى هنا: لا ينبغي لهم أن يتخذوا أولياء من دون الله، لأنّ الله هو الولي الحقيقي.
﴿وَهُوَ﴾ سبحانه؛ أي: ومن شأنه أنه ﴿يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ليس في السماء والأرض معبود يحيي الموتى غيره ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه على كل شيء من الإحياء والإماتة ﴿قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ وليًا، فليَخصُّوه بالاتخاذ دون من لا يقدر على شيء.
ومعنى الآية (٢): أي إن هؤلاء المشركين من قومك، قد اتخذوا أولياء ينصرونهم من دون الله، وقد ضلوا ضلالًا بعيدًا، فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فإن أرادوا وليًا بحق يدفع عنهم الملمات ويجلب لهم الخيرات، فالله هو القادر على ذلك وهو محيي الموتى، ويحشرهم يوم القيامة، فجدير بمثله أن يتخذ وليًا، لا من لا يستطيع دفع الشر عن نفسه، ولا جلب الخير لها، ونحو الآية قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ
стр. 11771
يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾.
١٠ - وبعد أن منع رسوله أن يحمل الكفار على الإيمان قسرًا، منع الكافرين أن يتنازعوا معهم، في شأن من شؤون الدين فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ﴾ هذا (١) حكاية قول النبي ﷺ للمؤمنين؛ أي: ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين، فاختلفتم أنتم وهم فيه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: في أمر من أمور الدين ﴿فَحُكْمُهُ﴾؛ أي: حكم ذلك المختلف فيه مفوض ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ، وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين، ومعاقبة المبطلين، وهذا عام في كل ما اختلف فيه العباد من أمر الدين، فإن حكمه ومرجعه إلى الله، يحكم فيه يوم القيامة بحكمه، ويفصل خصومة المختصمين فيه، وعند ذلك يظهر المحق من المبطل، ويتميز فريق الجنة وفريق النار، وقال مقاتل: إن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن، وآمن به بعضهم فنزلت، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ويمكن (٢) أن يكون معنى قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أنه مردود إلى كتابه، فإنه قد اشتمل على الحكم بين عباده فيما يختلفون فيه، فتكون الآية عامة في كل اختلاف يتعلق بأمر الدين، أنه يرد إلى كتاب الله تعالى، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وقد حكم بأن الدين هو الإِسلام، وأن القرآن حق، وأن المؤمنين في الجنة والكافرين في النار، ولكن لما كان الكفار لا يذعنون لكون ذلك حقًا إلا في الدار الآخرة، وعدهم الله بذلك يوم القيامة.
ثم أمر رسوله ﷺ أن يقول لهم: ﴿ذَلِكُمْ﴾ الحاكم بهذا الحكم العظيم الشأن، وهو مبتدأ ﴿اللَّهُ﴾ خبر ﴿رَبِّي﴾ ومالكي لقب لله سبحانه، ﴿عَلَيْهِ﴾ خاصة لا على غيره ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ في كل أموري، التي من جملتها رد كيد أعداء الدين ﴿وَإِلَيْهِ﴾ لا إلى أحد سواه ﴿أُنِيبُ﴾؛ أي: أرجع في كل ما يعنّ لي، من معضلات الأمور، التي منها كفاية شرهم والنصر عليهم.
стр. 11772
ولما كان التوكل أمرًا واحدًا مستمرًا، والإنابة متعددة، متجددة بحسب تجدد موادها، أوثر في الأول صيغة الماضي، وفي الثاني صيغة المضارع، وفيه إشارة إلى أنه إذا اشتغلت قلوبكم بحديث نفوسكم لا تدرون، أبالسعادة جرى حكمكم، أم بالشقاوة مضى اسمكم، فَكِلوا الأمر فيه إلى الله، واشتغلوا في الوقت بأمر الله، دون التفكر فيما ليس لعقولكم سبيل إلى معرفته وعلمه من عواقبكم.
والمعنى: أي ذلكم الموصوف بهذه الصفات، من الإحياء والإماتة والحكم بين المختلفين، هو ربي وحده، لا آلهتكم التي تدعون من دونه، عليه توكلت في دفع كيد الأعداء. وفي جميع شؤوني، وإليه أرجع في كل المهمات، وإليه أتوب من الذنوب.
وفي هذا تعريض لهم، بأن ما هم عليه من اتخاذ غير الله وليًا لا يجديهم نفعًا، ولا يدفع عنهم ضرًا، فالأجدر بهم أن يقلعوا عنه، إذ من شأن العاقل أن لا يفعل إلا ما يفيده في دينه أو دنياه.
١١ - ثم بين الأسباب، التي تحمله على أن يلتجىء إليه، وتجعله الحقيق بذلك فقال: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والفاطر: هو الخالق المبدع، وقرأ الجمهور: ﴿فَاطِرُ﴾ بالرفع، على أنه خبر آخر لذلكم، أو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ وخبره ما بعده، أو نعت لربي؛ لأن الإضافة فيه محضة، ويكون ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ معترضًا بين الصفة والموصوف، وقرأ زيد بن علي ﴿فَاطِرُ﴾ بالجر على أنه نعت للاسم الشريف، في قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾، وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء، في عليه أو إليه، وأجاز الكسائي النصب على النداء، وأجازه غيره على المدح.
والمعنى: أي أنه الجدير بأن يعتمد عليه ويستعان به؛ لأنه خالق العوالم جميعها علويها وسفليها، على عظمتها التي ترونها، لاآلهتكم التي لا تستطيع أن تخلق شيئًا.
ثم بين بعض ما خلقه وأنعم به، فقال: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي:
стр. 11773
خلق لكم من جنسكم ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: نساء وحلائل، أو المراد: حواء لكونها خلقت من ضلع آدم. وقال مجاهد: نسلًا بعد نسل ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: خلق للأنعام من جنسها إناثًا، أو وخلق لكم من الأنعام أصنافًا من الذكور والإناث، وهي الثمانية التي ذكرها في سورة الأنعام ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ من الذرء، وهو البث، أو يخلقكم وينشئكم، والضمير في يذرؤكم للمخاطبين والأنعام، إلا أنه (١) غلب فيه العقلاء على غيرهم، حيث لم يقل يذرؤكم وإياهن، وغلب فيه المخاطبين على الغائبات، حيث لم يقل يذرؤها وإياكم؛ لأن الأنعام ذكرت بلفظ الغيبة، فإن ﴿كم﴾ مخصوص بالعقلاء، ففيه تغليبان ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في هذا الجعل والخلق أزواجًا المدلول عليه بالفعل؛ لأنه يكون بين ذكوره وإناثهم تناسل وتوالد، أو في هذا التدبير وهو جعل الناس والأنعام أزواجًا، ففيه بمعنى به، واختير فيه على لفظ به؛ لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع، والمعدن للبث والتكثير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾؛ أي: كذاته ﴿شَيْءٌ﴾ من الموجودات، قيل (٢): إِنّ كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التمثيل والتقدير: ليس مثله شيء، فتكون الكاف زائدة، وقيل: المثل زائدة، والتقدير: ليس كهو شيء كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: بما آمنتم به، وذلك لأن المراد نفي المثلية، وإذا لم تجعل الكاف أو المثل زائدة، لزم إثبات المثل له تعالى؛ لأن المنفي مثل المثل. وقيل: المعنى ليس كذاته شيء؛ لأنهم يقولون: مثلك لا يبخل، يريدون به نفي البخل عن ذاته، ويقصدون المبالغة في نفي ذلك البخل؛ لأنهم إذا نفوه عمن يقوم مقامه، فقد نفوه عنه، فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين ليس كمثله شيء، وبين ليس كالله شيء، وقال أبو البقاء (٣) مرجحًا لزيادة الكاف: إنها لو لم تكن زائدة لأفضى ذلك إلى إثبات المحال إذ يكون المعنى أن له تعالى مثلًا وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض، لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل، وهو مع أن إثبات المثل لله محال انتهى. ولكنه يندفع ما
стр. 11774
أورده بما ذكرنا، من كون الكلام خارجًا من مخرج الكناية.
وقال الإمام الراغب في "المفردات": المثل عبارة عن المشابه لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط، والشبه يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، والمثل عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله نفي التشبيه، من كل وجه، خصه بالذكر فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ انتهى.
والشيء عبارة عن الموجود، وهو اسم لجميع المكونات، عرضًا كان أو جوهرًا. وعند سيبويه الشيء ما يصح أن يعلم ويخبر عنه موجودًا أو معدومًا، ومن (١) فهم هذه الآية الكريمة حق فهمها، وتدبرها حق تدبرها .. مشى بها عند اختلاف المختلفين في الصفات، على طريقة بيضاء واضحة، ويزداد بصيرة إذا تأمل، معنى قوله: ﴿وَهُوَ﴾ : ﴿السَّمِيعُ﴾ لجميع المسموعات بلا أذن ﴿الْبَصِيرُ﴾ لجميع المرئيات بلا حدقة، وكأنه ذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له، كما لا مثل له.
وحاصل معنى الآية: أي ومن حكمته تعالى لبقاء العمران في هذه الحياة، إلى الأجل الذي حدده في علمه، أن خلق لكم من جنسكم زوجات، لتتوالدوا ويكثر النسل، ويستمر بقاء هذا النوع، وجعل للأنعام مثل هذا، وبهذا تنتظم شؤون الحياة لهذا الخليفة، الذي جعله الله في الأرض وتقضى مآربه الدنيوية، من مأكول ومشروب، وتستمر تغذيته على أتم النظم وأكمل الوجوه، فيشكر ربه على ما أولى، ويعبده على ما أنعم، فيفوز بالسعادة في الحياة الآخرة، كما فاز في الدنيا.
وبعد أن ذكر بعض صنعه، الدال على عظمته، أرشد إلى بعض صفاته العظيمة، فقال:
١ - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؛ أي: ليس كخالق الأزواج شيء؛ لأنه الفرد
стр. 11775
الصمد، وقد يكون المعنى: ليس مثله شيء في شؤونه التي يدبرها، بمقتضى قدرته، الشاملة، وعلمه الواسع، وحكمته الكاملة، ومن ثم، جعل هذا التدبير المحكم لإحاطة علمه بكل شيء.
٢ - ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي: وهو السميع لما ينطق به خلقه من قول البصير بأعمالهم لا يخفي عليه شيء مما كسبت أيديهم من خير وشر.
٣ - ١٢ ﴿لَهُ﴾ لا لغيره ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: جميع خزائن السموات والأرض، من الأرزاق والرحمة.
قال الجواليقي في كتابه "المعرب": المقليد: المفتاح، فارسي، معرب لغة في الأقليد، والجمع مقاليد، فالمقاليد: المفاتيح، وهي كناية عن الخزائن، وقدرته عليها، وحفظه لها، قال النحاس: والذي يملك المفاتيح، يملك الخزائن، انتهى. وفيه مزيد دلالة على الاختصاص؛ لأن الخزائن لا يدخلها، ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتيحها؛ أي: له تعالى مفاتيح خزائن السموات والأرض، فبيده مقاليد الخير والشر، فما يفتح من رحمة، فلا ممسك لها، وما يمسك منها، فلا مرسل له من بعده، وقد بين هذا بقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: يوسع رزقه وفضله على من يشاء من خلقه ﴿وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يضيق ويقتر على من يريد، بحسب السنن والنواميس، التي وضعها بين عباده في هذه الحياة.
ثم ذكر سبب هذا البسط والتقتير فقال: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: إنه تعالى عليم بكل ما يفعله من توسعة على من يوسع عليه، وتقتير على من يقتر عليه، ومن الذي يصلحه البسط في الرزق، ومن الذي يفسده، ومن الذي يصلحه التقتير، ومن الذي يفسده لا يخفى عليه شيء من ذلك، فيفعل كل ذلك على مقتضى حكمته الكاملة، وقدرته الواسعة وعلمه المحيط، فلا يوسع الرزق، إلا إذا علم سعته خير للعبد، وكذا التضييق.
ثم إن الرزق قسمان: رزق صوري: وهي المأكولات والمشروبات الحسية، ورزق معنوي: وهي العلوم الحقيقية والمعارف الإلهية، فالأول داخل في الآية
стр. 11776
بطريق العبارة، والثاني بطريق الإشارة.
١٣ - ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ شروع في تفصيل ما أجمله، أولًا بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ اهـ "خطيب". والخطاب في ﴿لَكُمْ﴾ لأمة محمد ﷺ ؛ أي: بين وأوضح وسن لكم من التوحيد، ودين الإسلام، وأصول الشرائع والأحكام، سنةً وطريقًا واضحًا؛ أي: سن الله سبحانه لكم، يا أمة محمد ﷺ ، ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ﵇؛ أي (١): أمر به نوحًا من التوحيد الذي لم يختلف فيه الرسل، وتوافقت عليه الكتب، أمرًا مؤكدًا، فإن التوصية معربة عن تأكيد الأمر، والاعتناء بشأن المأمور به؛ لأن الوصية التقديم إلى الغير بما يعمل به، مقترنًا بوعظه، وقدم نوحًا لأنه أول أنبياء الشريعة، فإنه أول من أُوحي إليه الحلال والحرام، وأول من أوحي إليه تحريم الأمهات والأخوات والبنات وسائر ذوات المحارم، فبقيت تلك الحرمة إلى الآن ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﷺ ؛ أي: وشرع لكم يا أمة محمد ﷺ الذي أوحينا إلى نبيكم ﷺ من القرآن، وشرائع الإسلام، والبراءة من الشرك، والتعبير عنه بالموصول، لتفخيم شأنه.
وتغيير التوصية إلى الإيحاء في جانب النبي ﷺ ، للتصريح برسالته قطعًا لإنكار الكفرة، والالتفات إلى نون العظمة لإظهار كمال الاعتناء بإيحائه، وهو السر في تقديمه على ما بعده، مع تقدمه عليه زمانًا، وتقديم توصية نوح، للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينًا قديمًا، والتعبير بالأصل في الموصولات، وهو الذي في جانب نبينا محمد ﷺ للتعظيم، وتوجيه الخطاب إليه ﷺ بطريق التلوين للتشريف، والتنبيه على أنه تعالى، شرعه لهم على لسانه ﴿وَ﴾ شرع الله لكم أيضًا ﴿مَا وَصَّيْنَا﴾؛ أي: أمرنا ﴿بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ ابن مريم - على نبينا، وعليهم الصلاة والسلام - أمرًا أكيدًا.
وحكمة تخصيص هؤلاء الخمسة بالذكر هنا، أنهم أكابر الأنبياء، ومشاهيرهم، من أولى العزم، وأصحاب الشرائع العظيمة، والأتباع الكثيرة.
стр. 11777
وحاصل المعنى (١): أي شرع لكم من الدين، ما شرع لنوح ومن بعده، من أرباب الشرائع، وأولي العزم من الرسل، وأمرهم به أمرًا أكيدًا، وتخصيص هؤلاء الأنبياء بالذكر، كما تقدم آنفًا، لعلو شأنهم، وعظيم شهرتهم، ولاستمالة قلوب الكفار إلى اتباعه، لاتفاق كلمة أكثرهم على نبوتهم، واختصاص اليهود بموسى ﵇، والنصارى بعيسى ﵇، وإلا فكل نبي مأمور بما أمروا به، من إقامة دين الإِسلام، وهو التوحيد وأصول الشرائع والأحكام، مما لا يختلف باختلاف الأعصار، كالإيمان بالله واليوم الآخر، والملائكة واكتساب مكارم الأخلاق وفاضل الصفات.
وفي الآية: إيماء إلى أن ما شرعه لهم، صادر عن كامل العلم والحكمة، وأنه دين قويم أجمع عليه الرسل، وما أوحاه إليه، هو إما ما ذكر في صدر السورة، وفي قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا﴾ الآية، وإما ما يعمهما وغيرهما مما وقع في سائر المواضع، التي من جملتها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
ثم فصل ما شرعه بقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ المراد (٢) بإقامته تعديل أركانه، وحفظه من أن يقع فيه زيغ، أو المواظبة والتشمر له و ﴿أَنْ﴾ تفسيرية بمعنى أي؛ أي: أقيموا الدين لأنه قد تقدمها ما في معنى القول. ويجوز أن تكون مصدرية في محل رفع خبر مبتدأ مقدر، تقديره: هو أن أقيموا إلخ، أو في محل نصب، بدلًا من الموصول، أو في محل جر، بدلًا من الدين، اهـ "سمين".
وعبارة "أبي السعود": ومحل ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ إما النصب على أنه بدل من مفعول ﴿شَرَعَ﴾ والمعطوفين، أو الرفع على أنه جواب سؤال، نشأ من إبهام المشروع، كأنه قيل: وما ذاك، فقيل، هو إقامة الدين؛ أي: أقيموا دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان بكتبه ورسله وباليوم الآخر، وسائر ما يكون الرجل به مؤمنًا، ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾؛ أي: في الدين، الذي هو عبارة عن
стр. 11778
الأصول، والخطاب فيه متوجه إلى أمته ﷺ ، فهذه وصية لجميع العباد؛ أي (١): لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله، وطاعة رسله وقبول شرائعه، فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع، وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها، وليس من هذا فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة، وتتعارض فيها الأمارات، وتتباين فيها الأفهام، فإنها من مطارح الاجتهاد، ومواطن الخلاف.
واعلم (٢): أن الأنبياء ﵈ مشتركون، ومتفقون في أصل الدين، وجميعهم أقاموا الدين، وقاموا بخدمته، وداموا بالدعوة إليه، ولم يختلفوا في ذلك، وباعتبار هذا الاتفاق، والاتحاد في الأصول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ من غير تفرقة بين نبي ونبي، ومختلفون في الفروع والأحكام، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ وهذا الاختلاف الناشىء من اختلاف الأمم، وتفاوت طبائعهم لا يقدح في ذلك الاتفاق، ثم أمر عباده بإقامة الدين والاجتماع عليه، ونهاهم عن التفرق فيه، فإن يد الله ونصرته مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب الشاة البعيدة، النافرة، والمنفردة عن الجماعة.
أوصى حكيم أولاده عند موته، وكانوا جماعة، فقال: ائتوني بعصي، فجمعها، فقال لهم: اكسروها وهي مجموعة، فلم يقدروا على ذلك، ثم فرقها فقال: خذوا واحدة واحدة فاكسروها فكسروها، فقال لهم: هكذا أنتم بعدي بن تغلبوا ما اجتمعتم، فإذا تفرقتم تمكن منكم عدوكم فأهلككم، وكذا القائمون بالدين، إذا اجتمعوا على إقامته، ولم يتفرقوا فيه لم يقهرهم عدوهم، وكذا الإنسان في نفسه، إذا اجتمع في نفسه على إقامة الدين، لم يغلبه شيطان من الإنس والجن بما يوسوس به إليه، مع مساعدة الإيمان، والملك بإقامته له. وقال علي ﵁: لا تتفرقوا فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، وكونوا عباد الله إخوانًا.
стр. 11779
وكان (١) ﷺ قبل نبوته يعبد ربه، بشريعة إبراهيم ﵇، حتى جاءه الوحي، وجاءته الرسالة. ولم يكن على ما كان عليه قومه، باتفاق الأمة وإجماع الأئمة.
والخلاصة (٢): أننا شرعنا لكم، ما شرعنا للأنبياء قبلكم، دينًا واحدًا في الأصول، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج والتقرب بصالح الأعمال، كالصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحرمنا عليكم الزنا، وإيذاء الخلق، والاعتداء على الحيوان، فكل هذا قد اتحد فيه الرسل، وإن اختلفوا في تفاصيله.
ثم ذكر ، أن ما شرعه لعباده شق على المشركين، فقال: ﴿كَبُرَ﴾؛ أي: عظم وشق ﴿عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ يا محمد من التوحيد، ورفض عبادة الأصنام، واستبعدوه حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ وقال قتادة: شهادة أن لا إله إلا الله وحده، ضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يظهرها على من ناوأها؛ أي: عاداها.
والمعنى: أي شق على المشركين دعوتهم إلى التوحيد، وترك عبادة الأصنام والأوثان، وتقريعهم على ذلك، لأنهم توارثوا ذلك كابرًا عن كابر، ونقلوه عن الآباء والأجداد، كما حكى سبحانه عنهم بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
وبعد أن أرشد المؤمنين إلى التمسك بالدين، ذكر أنه إنما هداهم إلى ذلك لأنه اصطفاهم من بين خلقه فقال: ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى دينه الحق؛ أي: يختار لتوحيده والدخول في دينه ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ اجتباءه من عباده، والاجتباء (٣): الجمع على طريق الاصطفاء، وهو هنا مأخوذ من الجباية، وهي جلب الخراج، وجمعه لمناسبة النهي عن التفرق في الدين، ولأن الاجتباء
стр. 11780
بمعنى الاصطفاء لا يتعدى بإلى إلا باعتبار تضمين معنى الضم والصرف.
والمعنى: الله سبحانه يجتلب إلى ما تدعوهم إليه من يشاء أن يجتلبه إليه، وهو من صرف اختياره إلى ما دعي إليه ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى الدين بالإرشاد والتوفيق، وإمداد الألطاف ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ ويقبل إليه؛ أي: يوفق لدينه ويستخلص لعبادته من يرجع إلى طاعته، ويقبل إلى عبادته. ويجوز (١) أن يكون الضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ لله في كلا الموضعين، فالمعنى: الله يجمع إلى جنابه على طريق الاصطفاء من يشاء من عباده، بحسب استعداده، ويهدي إليه بالعناية من ينيب، واجتباء الله تعالى العبد، تخصيصه إياه بفيض إلهي يتحصل منه أنواع من النعم بلا سعي من العبد، وذلك للأنبياء ﵈، ولبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء.
فعليك أيها المؤمن الإتيان بجميع القرب بقدر الاستطاعة في كل زمان وحال، فإن المؤمن بن تخلص له معصية أبدًا، من غير أن تخالطها طاعة، لأنه مؤمن بها أنها معصية، فإن أضات إلى هذا الخليط استغفارًا وتوبة، فطاعة على طاعة، وقربة على قربة، فيقوى جزاء الطاعة التي خالطها العمل السيء، وهو الإيمان بأنها معصية، والإيمان من أقوى القرب وأعظمها عند الله تعالى، فإنه الأساس الذي ابتنى عليه جميع القرب، وفي الخبر الصحيح: "وإن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا وإن تقرب إلى ذراعًا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" وكان قربه تعالى من العبد، ضعف قرب العبد منه، وعلى كل حال، لا يخلو المؤمن من الطاعة والقرب، والعمل الصالح يمحو الخطايا، فإن العبد إذا رجع عن السيئة وأناب إلى الله وأصلح عمله، أصلح الله شأنه وأعاد عليه نعمه الفائتة.
وعن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: بلغني أن رجلًا من بني إسرائيل، ذبح عجلًا بين يدي أمه، فيبست يده، فبينما هو جالس إذ سقط فرخ من وكره،
стр. 11781
وهو يتبصبص؛ أي: يضطرب ويحرك الذنب، فأخذه ورده إلى وكره، فرحمه الله تعالى لذلك، ورد عليه يده بما صنع، والوكر: بفتح الواو، عش الطائر.
والمعنى (١): أي الله يصطفي من يشاء من عباده، ويقربهم إليه تقريب الكرامة، ويوفق للعمل بطاعته، واتباع ما بعث به نبيه ﷺ من الحق، من راجع التوبة من معاصيه.
١٤ - ثم أجاب عن سؤال قد يخطر بالبال، لماذا صار الناس متفرقين في الدين، مع أنهم أمروا بالأخذ به، وعدم التفرق فيه، فقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾؛ أي (٢): وما تفرقت اليهود والنصارى في الدين الذي دعوا إليه، ولم يؤمنوا كما آمن بعضهم في حال من الأحوال، أو في وقت من الأوقات ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بحقيقته؛ أي: إلا حال مجيء العلم. أو إلا وقت مجيء العلم بحقية ما شاهدوا في رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، والقرآن من دلائل الحقية، حسبما وجدوه في كتابهم، أو العلم بمبعثه ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: ما تفرقوا إلا لأجل البغي والعدوان، على محمد ﷺ والحسد له، فيما بينهم لابتغاء طلب الدنيا، وطلب ملكها وسياستها وجاهها وشهرتها، وللحمية الجاهلية؛ لأن لهم في ذلك شبهة، كما يدل عليه قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ وقيل: المراد بهم: كفار قريش، تفرقوا بعدما جاءهم العلم، وهو محمد ﷺ بغيًا منهم عليه، وحسدًا له فيما بينهم، وكانوا يقولون فيما حكاه الله عنهم، بقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ الآية، وقيل: المراد بهم: كفار الأمم الماضية، وأنهم فيما ﴿بَيْنَهُمْ﴾ اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم وكفر قوم.
والمعنى (٣): أي وما تفرقت الأمم إلا من بعدما علموا، أن الفرقة ضلالة، وقد فعلوا ذلك بغيًا وطلبًا للرياسة، وللحمية حمية الجاهلية، التي جعلت كل طائفة تذهب مذهبًا وتدعو إليه، وتقبح ما سواه طلبًا للأحدوثة بين الناس،
стр. 11782
والسيطرة عليهم.
والخلاصة: أن الأمم قديمها وحديثها، أمروا باتفاق الكلمة، وإقامة الدين، وبلغهم أنبياؤهم ذلك، وما اختلفوا إلا من بعدما جاءهم العلم بذلك، بغيًا وحسدًا وعنادًا وحبًا للرياسة، فدعت كل طائفة إلى مذهب، وأنكرت ما عداه.
ثم ذكر أن هؤلاء كانوا يستحقون العذاب المعجل على سوء أفعالهم، ولكن حكمته تعالى اقتضت تأخيره عنهم إلى وقت معلوم، فقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ ووجبت ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وهي العِدَة بتأخير العقوبة عن هذه الأمة، وتلك الكلمة، كقوله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى وقت معين، معلوم عند الله تعالى، وهو يوم القيامة، أو آخر أعمارهم المقدرة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لأوقع القضاء بينهم، باستئصالهم لاستيجاب جنايتهم لذلك قطعًا، وقيل: لقضي بين من آمن منهم، ومن كفر، بنزول العذاب بالكافرين، ونجاة المؤمنين.
والمعنى: أي ولولا الكلمة السابقة من ربك، بإنظار حسابهم، وتأخيره إلى يوم المعاد، لعجل لهم العقوبة في الدنيا سريعًا، بما دسَّوا به أنفسهم، من كبير الآثام وقبيح المعاصي.
ثم ذكر أن تفرقهم في الدين باق في أعقابم، مضافًا إليه الشك في كتابهم، مع انتسابهم إليه فقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا﴾ وأعطوا ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة والإنجيل، من اليهود والنصارى المعاصرين لمحمد ﷺ : ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد (١) من قبلهم: من سلف اليهود والنصارى ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾؛ أي: من القرآن، أو من محمد ﷺ ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: مقلق مدخل في الريبة؛ أي: موقع في الريب، ولذلك لم يؤمنوا. وقال مجاهد: معنى من بعدهم: من قبلهم، يعني: من قبل مشركي مكة، وهم اليهود والنصارى، والمعنى عليه؛ أي: وإن المشركين الذين أورثوا الكتاب؛ أي: القرآن من بعدما أوتي أهل الكتاب كتابهم، لفي
стр. 11783
شك منه؛ أي: من القرآن، والإيراث في الأصل: تملك قهري، يثبت لقريب الميت بموته، والشك (١): اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: موقع ذلك الشك في القلق، أي: الاضطراب، ولذلك لا يؤمنون لمحض البغي، والمكابرة، بعدما علموا بحقيته، كدأب أهل الكتابين. والريب: قلق النفس واضطرابها، ويسمى الشك بالريب؛ لأنه يقلق النفس، ويزيل طمأنينتها، كما سيأتي في مبحث اللغة، قرأ الجمهور: ﴿أُورِثُوا﴾، وقرأ زيد بن علي: ﴿ورّثوا﴾ مشدد الراء، مبنيًا للمفعول، وقرىء ﴿ورثوا﴾ بتخفيف الراء، مبنيًا للفاعل.
والمعنى (٢): أي وإن أهل الكتاب الذين كانوا في عهده ﷺ وورثوا التوراة، والإنجيل عن السابقين لهم، لفي شك من كتابهم، إذ لم يؤمنوا به حق الإيمان، فهم مقلدون أسلافهم بلا حجة ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، وشك أقض مضاجعهم، وأوقعهم في اضطراب وقلق.
وقصارى ذلك: أنهم تفرقوا بعد العلم الذي حصل من النبي المبعوث إليهم المصدق لكتابهم؛ لأنهم شكوا في كتابهم فلم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه من أمر ونهي.
١٥ - ﴿فَلِذَلِكَ﴾؛ أي: فلأجل ما ذكر من التفرق والشك المريب، أو فلأجل أنه شرع لهم الدين القويم، القديم الحقيق، بأن يتنافس فيه المتنافسون ﴿فَادْعُ﴾ يا محمد الناس كافة إلى إقامة ذلك الدين، والعمل بموجبه، فإن كلا من تفرقهم وكونهم في شك مريب، ومن شرع ذلك الدين لهم على لسان رسوله ﷺ ، سبب للدعوة إليه، والأمر بها، وليس المشار إليه ما ذكر من التوصية، والأمر بالاتفاق، والنهي عن التفرق حتى يتوهم شائبة التكرار؛ أي: فلأجل ذلك التفرق، ولما حدث بسببه من تشعب الكفر في الأمم السالفة شعبًا، ادع إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية ملة إبراهيم ﴿وَاسْتَقِمْ﴾ عليه وعلى الدعوة
стр. 11784
إليه ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ وأوحي إليك من عند الله تعالى، والمراد: الثبات والدوام عليهما؛ لأنه كان مستقيمًا في هذا المعنى؛ أي: واثبت أنت ومن اتبعك على عبادة الله كما أمركم ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: ولا تتبع أيها الرسول أهواءهم المختلفة الباطلة، والضمير للمشركين، وكانوا يهوون أن يعظم ﵇ آلهتهم وغير ذلك، أو للذين شكوا في الحق الذي شرعه الله لكم، من الذين أورثوا الكتاب من قبلكم، فتشكوا فيه كما شكوا؛ أي (١): فلأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين، فادع الناس كافة إلى الاتفاق على الملة الإسلامية، واستقم عليها وعلى الدعوة إليها، كما أمرك الله تعالى، ولا تتبع أهواءهم المختلفة.
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي كتاب كان من الكتب المنزلة، لا كالذين آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض، وذلك لأن كلمة ﴿ما﴾ من ألفاظ العموم؛ أي: وقل لهم يا محمد: صدقت بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء، من التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، لا أكذب بشيء منها، وفي هذا (٢) تعريض بأهل الكتاب، إذ صدقوا ببعض وكفروا ببعض، وتأليف لقلوبهم إذ آمن بما آمنوا به.
والمعنى: وقيل لهم يا محمد: آمنت بما أنزل الله على الأنبياء، من كتاب صح أن الله أنزله، وهو الإيمان بجميع الكتب المنزلة؛ لأنّ المتفرقين آمنوا ببعض منها، وكفروا ببعض ﴿وَأُمِرْتُ﴾ بذلك الذي أمرت به ﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾؛ أي: لكي أعدل وأسوي بينكم؛ أي: بين شريفكم ووضيعكم في تبليغ الشرائع، وفي الحكم، وفصل القضايا بينكم، عند المحاكمة والمرافعة إليّ، فاللام لام كي، والمأمور به محذوف، كما قدرناه. وقيل: اللام بمعنى الباء؛ أي: وأمرت بأن أعدل بينكم في الحكم، إذا تخاصمتم فتحاكمتم إليّ، وأسوي بين أكابركم وأصاغركم، فيما يتعلق بحكم الله تعالى، فلا أخصّ البعض بأمر أو نهي، وقيل: اللام زائدة.
стр. 11785
والمعني: أمرت أن أعدل بينكم، والأول أولى. والظاهر (١): أن الآية عامة في كل شيء، المعنى: أمرت لأعدل بينكم في كل شيء ﴿اللَّهُ﴾ ﴿رَبُّنَا﴾؛ أي: معبودنا وخالقنا ومتولي أمورنا ﴿وَرَبُّكُمْ﴾؛ أي: ومعبودكم وخالقكم ومتولي أموركم أيضًا، لا الأصنام والهوى، فنحن نقر بذلك اختيارًا، وأنتم وإن لم تفعلوه، فله يسجد من في السموات والأرض، طوعًا وكرهًا ﴿لَنَا﴾ لا لكم ﴿أَعْمَالُنَا﴾ لا يتخطانا جزاؤها، ثوابًا كان أو عقابًا ﴿وَلَكُمْ﴾ لا لنا ﴿أَعْمَالُكُمْ﴾ لا يجاوزكم آثارها لا ننتفع بحسناتكم، ولا تضرنا سيئاتكم، ونحو الآية قوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾؛ أي: لا حجاج ولا خصومة بيننا وبينكم، لأن الحق قد ظهر ووضح وليس للمحاجة مجال في المخالف إلا معاند أو مكابر، وسيأتي الوقت الذي يستبين فيه الحق، ويتضح فيه سبيل الرشاد، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ وبينكم يوم القيامة في المحشر، فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه، ومثل الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾. ﴿وَإِلَيْهِ﴾ ، لا إلى غيره ﴿الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجع والمعاد بعد مماتنا يوم الحساب، فيجازي كل نفس بما كسبت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، قيل: الخطاب لليهود، وقيل: للكفار على العموم.
وهذه الأوامر والنواهي (٢)، وإن وجهت في الظاهر إلى الرسول ﷺ ، فهي له ولأمته، كما هي القاعدة من أن أمر النبي ﷺ أمر لأمته، إلا إذا ورد دليل على التخصيص، قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل (٣): ليس في الآية إلا ما يدل على المتاركة في المقاولة، لا مطلقًا، حتى لا تكون منسوخة بآية القتال، يعني: هذه الآية إنما تدل على المتاركة القولية، لحصول الاستغناء عن المحاجة القولية معهم؛ لأنهم قد عرفوا صدقه من الحجج، وإنما كفروا عنادًا، وبعدما ظهر الحق وصاروا محجوجين كيف يحتاج إلى المحاجة القولية، فلا يبقى بعد
стр. 11786
هذا إلا السيف، أو الإسلام، فقد قوتلوا بعد ذلك.
فعلى العبد قبول الحق بعد ظهوره، والمشي خلف النصح بعد إضاءة نوره، فإن المصير إلى الله تعالى، والدنيا دار عبور، وإن الحضور في الآخرة، والدنيا دار التفرق والفتور، فلا بد من التهيُّؤ للموت، قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى لرجل في الطواف: اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين، حتى تجوز ست عقبات:
أولاها: تغلق باب النعمة، وتفتح باب الشدة.
والثانية: تغلق باب العز، وتفتح باب الذل.
والثالثة: تغلق باب الراحة، وتفتح باب الجهد.
والرابعة: تغلق باب النوم، وتفتح باب السهر.
والخامسة: تغلق باب الغنى، وتفتح باب الفقر.
والسادسة: تغلق باب الأمل، وتفتح باب الاستعداد للموت، وأنشدوا:
إِنَّ للهِ عِبَادًا فُطُنَا ... طَلَّقُوْا الدُّنْيَا وَخَافُوْا الْفِتَنَا
نَظَرُوْا فِيْهَا فَلَمَّا عَلِمُوْا ... أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا
جَعَلُوْهَا لُجَّةً وَاتَّخَذُوْا ... صَالِحَ الأَعْمَالِ فِيْهَا سُفُنَا
١٦ - ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ﴾ ويخاصمون ويجادلون ﴿فِي اللَّهِ﴾ وينازعون نبيه ﷺ ، في دين الله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾؛ أي: من بعد ما استجاب الناس له، ودخلوا فيه لظهور حجته، ووضوح محجته، والتعبير (١) عن ذلك بالاستجابة باعتبار دعوتهم إليه والضمير في ﴿لَهُ﴾ راجع إلى الله، وقيل: راجع إلى محمد ﷺ ، والأول أولى كما عرفت.
وفيه إشارة إلى أنهم استجابوا له تعالى يوم الميثاق بقولهم: بلى حين قال
стр. 11787
لهم المولى: ألست بربكم، ثم لما نزلوا من عالم الأرواح إلى عالم الأشباح، نسوا الإقرار والعهد، فأخذوا في المحاجة والإنكار، بخلاف المؤمنين، فإنهم ثبنوا على التصديق والإقرار، قال مجاهد: وهؤلاء قوم توهموا أن الجاهلية تعود، وقال قتادة: هم اليهود والنصارى ومحاجتهم قولهم: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة، بأنهم أهل كتاب، وأنهم أولاد الأنبياء، وكان المشركون يقولون: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ فنزلت هذه الآية.
والموصول مبتدأ أول ﴿حُجَّتُهُمْ﴾ مبتدأ ثان ﴿دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خبر الثاني، والجملة خبر الأول؛ أي: زائلة باطلة بل لا حجة لهم أصلًا، وإنما عبّر عن أباطيلهم بالحجة، مجاراة على زعمهم الباطل ﴿وَعَلَيْهِمْ﴾؛ أي: وعلى أولئك المحاجين ﴿غَضَبٌ﴾ عظيم من الله تعالى، لمكابرتهم الحق بعد ظهوره، ومجادلتهم بالباطل ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة على كفرهم الشديد، وضلالهم البعيد، لا يعرف كنهه، وهو عذاب النار.
والمعنى (١): أي والذين يجادلون المؤمنين، المستجيبين لله ورسوله، ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى، حجتهم زائفة لا تقبل عند ربهم وعليهم غضب منه؛ لأنهم ماروا في الحق بعدما تبين، ولهم عذاب شديد يوم القيامة، لتركهم الحق، بعد أن وضحت محجته عنادًا واستكبارًا
١٧ - ﴿اللَّهُ﴾ الذي يستحق منكم العبادة، أيها الناس هو ﴿الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: جنس الكتاب حال كونه متلبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾ في أحكامه وأخباره، بعيدًا من الباطل، أو بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام ﴿وَالْمِيزَانَ﴾؛ أي: وأنزل الشرع الذي (٢) يوزن به الحقوق، ويسوى به بين الناس على أن يكون لفظ الميزان، مستعارًا للشرع، تشبيهًا له بالميزان العرفي، من حيث إنه يوزن به الحقوق الواجبة الأداء، سواء كان من حقوق الله، أو من حقوق العباد، أو نفس العدل والتسوية، بأن أنزل الأمر به في الكتب الإلهية، فيكون تسمية العدل بالميزان، تسمية المسمى باسم آلته، فإن
стр. 11788
الميزان آلة العدل، أو أنزل آلة الوزن، والوزن معرفة قدر الشيء، فيكون المراد بالميزان معناه الأصلي وإنزاله إما حقيقة لما رُويَ أن جبرائيل ﵇ نزل بالميزان, فدفعه إلى نوح ﵇، فقال له: مر قومك يزنوا به، وقيل: نزل آدم ﵇، بجميع آلات الصنائع، وإما مجاز عن إنزال الأمر به، واستعماله في الإيفاء والاستيفاء.
والمعنى (١): الله أنزل كتبه على أنبيائه حاوية للحق، الذي لا شبهة فيه، بعيدة من الباطل، الذي لا خير فيه، وأنزل العدل ليقضي بين الناس بالإنصاف، ويحكم بينهم بحكمه، الذي أمر به في كتابه، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
ثم رغب في الآخرة، وزهد في الدنيا، فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ ويعلمك يا محمد، بحال القيامة من (٢) الإدراك بمعنى الإعلام؛ أي شيء يجعلك داريًا؛ أي: عالمًا بحال الساعة، التي هي من العظم والشدة والخفاء، بحيث لا تبلغها دراية أحد، وإنما يُدرى ذلك بوحي منا. قال الراغب: كل موضع ذكر في القرآن، وما أدراك فقد عقب ببيانه نحو: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾، وكل موضِع ذكر فيه وما يدريك لم يعقبه بذلك، نحو: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ التي يخبر بمجيئها الكتاب الناطق بالحق ﴿قَرِيبٌ﴾؛ أي: شيء قريب، أو قريب مجيئها، وإلا فالفعيل بمعنى الفاعل، لا يستوي فيه المذكر والمؤنث عند سيبويه، فكان الظاهر أن يقال: قريبة، لكونه مسندًا إلى ضمير الساعة، إلا أنه قد ذكر لكونه صفة جارية على غير من هي له، وقيل: القريب بمعنى ذات قرب، على معنى النسب، وإن كان على صورة اسم الفاعل، كلابنٍ وتامرَ بمعنى ذي لبن، وذي تمر؛ أي: لبني وتمريّ لا على معنى الحدث كالفعل، فلما لم يكن في معنى الفعل حقيقة لم يلحقه تاء التأنيث، أو الساعة بمعنى البعث، تسمية باسم ما حل فيه، وقال الزمخشري: لعل مجيء الساعة، قريب بتقدير المضاف.
стр. 11789
والمعنى: أن القيامة على جناح الإتيان، فاتبع الكتاب يا محمد، واعمل به، وواظب على العدل، قبل أن يفاجئك اليوم، الذي يوزن فيه الأعمال، ويُوفَّى جزاؤها، وفيه زجرهم عن طول الأمل، وتنبيههم على انتظار الأجل وهجومه، نبهنا الله تعالى وإياكم أجمعين آمين.
والمراد بذلك (١): حث المؤمنين على اتباع نهج الشرع وترك مخالفته.
١٨ - روي أن النبي ﷺ ذكر الساعة، وعنده قوم من المشركين، فقالوا: متى الساعة: استهزاء بها، وتكذيبًا لمجيئها، فأنزل الله الآية. ويدل على ذلك قوله ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا﴾؛ أي: بمجيئها ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ استعجال إنكار، واستهزاء، وتكذيب بمجيئها، ولا يشفقون منها، ويقولون متى هي، ليتها قامت حتى يظهر لنا الحق، أهو الذي نحن عليه، فنفوز بالنجاة، أم الذي عليه محمد ﷺ وأصحابه. فنكون من الخاسرين، فإنهم لما لم يؤمنوا بها، لم يخافوا ما فيها، فهم يطلبون وقوعها استبعادًا لقيامها، والعجلة (٢): طلب الشيء وتحريه قبل أوانه.
وبعد أن بين حال المشركين في شأنها، ذكر حال المؤمنين بها، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بمجيئها ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾؛ أي: خائفون منها، وجلون من مجيئها؛ لأنهم لا يدرون ما الله فاعل بهم، وهم موقنون أنهم محاسبون، ومجزيون على أعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾ علم اليقين ﴿أَنَّهَا﴾؛ أي: أن مجيئها ﴿الْحَقُّ﴾ لا ريب فيه، فهم يستعدون له ويعملون من أجله، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾.
رُوي أن رجلًا، سأل رسول الله ﷺ بصوت جهوري، وهو في بعض أسفاره، فقال: يا محمد، فقال رسول الله ﷺ ، بنحو من صوته: "هاؤم" فقال له: متى الساعة؟ فقال له: "إنها كائنة، فما أعددت لها"؟ فقال: حب الله، ورسوله، فقال ﷺ : "أنت مع من أحببت".
ثم بين ضلال الممارين فيها فقال: ﴿أَلَا﴾ انتبهوا واعلموا ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾
стр. 11790
يُمَارُونَ﴾ ويجادلون ﴿فِي السَّاعَةِ﴾؛ أي: القيامة، وينكرون مجيئها، عنادًا، ويخاصمون فيها مخاصمة شك وريبة، من (١) المماراة، وهي المخاصمة والمجادلة، أو من المرية، وهي الشك والريبة، فمعناه في الأصل: تداخلهم المرية والشك فيها، فيؤدي ذلك إلى المجادلة، ففسر المماراة بلازمها ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق، لأنهم لم يتفكرون في الموجبات للإيمان بها، من الدلائل التي هي مشاهدة لهم، منصوبة لأعينهم، مفهومة لعقولهم، ولو تفكروا لعلموا أن الذي خلقهم ابتداء، قادر على الإعادة، فإن البعث أشبه الغائبات بالمحسوسات؛ لأنه كإحياء الأرض بعد موتها، فمن لم يهتد إلى تجويزه، فهو من الاهتداء إلى ما وراءه أبعد وأبعد.
ووصف (٢) الضلال بالبعد، من المجاز العقلي؛ لأن البعد في الحقيقة للضال، لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، ويحتمل أن يكون المعنى: في ضلال ذي بعد، أو فيه بعد، لأن الضال قد يضل عن الطريق مكانًا قريبًا وبعيدًا.
والمعنى (٣): أي ألا إن الذين يجادلون في وجودها، ويدفعون وقوعها، لفي جور عن طريق الهدى، وزيغ عن سبيل الرشاد، وبعد من الصواب؛ لأن الذي خلق السموات والأرض، قادر على إحياء الموتى، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
وفي الآية أمور (٤):
الأول: ذم الاستعجال، ولذا قيل: العجلة من الشيطان، إلا في ستة مواضع: أداء الصلاة إذا دخل الوقت، ودفن الميت إذا حضر، وتزويج البكر إذا أدركت. وقضاء الدين إذا وجب، وإطعام الضيف إذا نزل، وتعجيل التوبة إذا أذنب.
стр. 11791
والثاني: الإيمان والتصديق، فإنه الأصل، وذلك بجميع ما يكون به المرء مؤمنًا، خصوصًا الساعة، وكذا الاستعداد لها بالأعمال الصالحة.
والثالث: مدح العلم، لكن إذا قرن بالخوف والخشية والعمل الصالح، كان أمدح، فإن العلم ليس جالبًا للسؤدد إلا من حيث طرده الجهل فلا تعجب بعلمك، فإن فرعون علم بنبوة موسى وإبليس علم بحال آدم، واليهود علموا بنبوة محمد ﷺ ، وحرموا التوفيق للإيمان.
والرابع: ذم الشك والتردد، فلا بد من اليقين الصريح، بل من العيان الصحيح.
والخامس: أن الشقاوة والسعادة أزليتان، وإنما يشقى السعيد لكون سعادته عارضة، وإنما يسعد الشقي لكون شقاوته عارضة، فكل يرجع إلى أصله، فنسأل الله سبحانه الهدى، نعوذ به تعالى من الهوى.
الإعراب
﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾.
﴿حم (١) عسق (٢)﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه سورة حم عسق، إن قلنا إنه اسم للسورة، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الأخير، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، والجملة مستأنفة، ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف ﴿يُوحِي﴾ فعل مضارع مرفوع ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿يُوحِي﴾، ﴿وَإِلَى الَّذِينَ﴾: معطوف على إليك، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: صلة الذين، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ نعتان للجلالة، والجملة الفعلية مستأنفة، والتقدير: يوحي الله العزيز الحكيم إليك، وإلى الذين من قبلك من الرسل: إيحاء مثل إيحاء هذه السورة، وقرىء ﴿يُوحِي﴾ بالبناء للمجهول، فنائب الفاعل هو الجار والمجرور، ولفظ الجلالة فاعل لفعل محذوف دل عليه ﴿يُوحِي﴾، كأنّ سائلًا سأل، فقال: من الموحي، فأجاب يوحي الله العزيز الحكيم، والجملة المحذوفة، مستأنفة استئنافًا
стр. 11792
بيانيًا ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿مَا﴾ مبتدأ مؤخر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل الإيحاء ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ما في السموات، ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾: خبران له، والجملة مستأنفة.
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾.
﴿تَكَادُ﴾: فعل مضارع من أفعال المقاربة ﴿السَّمَاوَاتُ﴾: اسمها ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ فعل وفاعل، ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿تَكَادُ﴾ وجملة ﴿تَكَادُ﴾ مستأنفة، ومعنى ﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ الابتداء؛ أي: يبتدىء انفطارهن من جهتهن الفوقانية، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ مبتدأ. وجملة ﴿يُسَبِّحُونَ﴾: خبره، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: حال من فاعل ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، ﴿لِمَنْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صلة ﴿لِمَنْ﴾ الموصولة ﴿أَلَا﴾ حرف استفتاح وتنبيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خبران؛ لـ ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ ﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل من أخوات ظنّ ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول أول لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ثان، ﴿حَفِيظٌ﴾ خبره ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿حَفِيظٌ﴾، وجملة المبتدأ الثاني خبر الأول، وجملة الأول مستأنفة ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿مَا﴾: نافية حجازبة ﴿أَنْتَ﴾: اسمها، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿وَكِيلٍ﴾: و ﴿بِوَكِيلٍ﴾ خبرها، والباء زائدة، وجملة ﴿مَا﴾ الحجازية معطوفة على جملة قوله: الله حفيظ عليهم، على كونها خبرًا لقوله: والذين اتخذوا من دونه.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف تقديره:
стр. 11793
إيحاء مثل إيحاء هذه السورة، أوحينا إليك قرآنًا عربيًا، ﴿أَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق له، والجملة مستأنفة ﴿قُرْآنًا﴾: مفعول ﴿أَوْحَيْنَا﴾، ﴿عَرَبِيًّا﴾ صفة ﴿قُرْآنًا﴾، ﴿لِتُنْذِرَ﴾ اللام: حرف جر وتعليل ﴿تُنْذِر﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا، بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مفعول به، ﴿وَمَنْ﴾ معطوف على أم القرى، ﴿حَوْلَهَا﴾: ظرف مكان، متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإنذارك أم القرى ومن حولها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾، ﴿وَتُنْذِرَ﴾ معطوف على ﴿لِتُنْذِرَ﴾. ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ مفعول به ثان لـ ﴿تُنْذِر﴾، والمفعول الأول محذوف؛ أي: وتنذر الناس يوم الجمع، أي: عذابه، فحذف المفعول الأول من الإنذار الثاني، كما حذف المفعول الثاني من الإنذار الأول. تقديره: لتنذر أم القرى عذاب الله، إن لم يؤمنوا، ﴿لَا﴾ نافية للجنس ﴿رَيْبَ﴾: اسمها، و ﴿فِيهِ﴾: خبرها، والجملة في محل النصب حال من ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ واختار الزمخشري أن تكون معترضة ﴿فَرِيقٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التفصيل ﴿فِي الْجَنَّةِ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، ﴿وَفَرِيقٌ﴾: مبتدأ، ﴿فِي السَّعِيرِ﴾ خبره، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾.
﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿لَوْ﴾: حرف شرط ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، لا محل لها من الإعراب ﴿لَجَعَلَهُمْ﴾: اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية ﴿جَعَلَهُمْ أُمَّةً﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعولان ﴿وَاحِدَةً﴾: صفة أمة، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَكِنْ﴾: حرف استدراك ﴿يُدْخِلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب، مفعول به، ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُدْخِلُ﴾ والجملة الاستدراكية
стр. 11794
معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاء إدخاله في رحمته ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ ﴿مَا﴾ نافية، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: معطوف عليه وجملة النفي خبر الظالمون، وجملة الظالمون معطوفة على جملة الاستدراك، ﴿أَمِ﴾ منقطعة تقدر ببل الإضرابية، وبهمزة الاستفهام الإنكاري ﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: في محل المفعول الثاني و ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مفعول ﴿اتَّخَذُوا﴾ الأول، والجملة الفعلية مستأنفة. منقطعة عما قبلها ﴿فَاللَّهُ﴾: الفاء: عاطفة ما بعدها على ما قبلها، أو الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت إنكار ولي سواه تعالى، وأردت بيان ما هو الولي حقًا، فأقول لك ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْوَلِيُّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية، أو مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُحْيِ الْمَوْتَى﴾: خبره، والجملة معطوفة على ما قبلها ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، و ﴿قَدِيرٌ﴾ خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على ما قبلها.
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿مَا﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله ﴿اخْتَلَفْتُمْ﴾ فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿اخْتَلَفْتُمْ﴾، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: حال من ﴿مَا﴾ الشرطية، أو من الضمير في فيه ﴿فَحُكْمُهُ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿مَا﴾ الشرطية وجوبًا ﴿حُكْمُهُ﴾: مبتدأ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: خبره؛ أي: راجع إلى الله، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطية مستأنفة ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ ﴿اللَّهُ﴾: خبره ﴿رَبِّي﴾ خبر ثان ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾، وجملة ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: في محل الرفع خبر ثالث ﴿وَإِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿أُنِيبُ﴾،
стр. 11795
وجملة ﴿أُنِيبُ﴾: خبر رابع.
﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾.
﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بالرفع خبر خامس لـ ﴿ذَلِكُمُ﴾، وقرىء بالجر، قال أبو البقاء: هو بدل من الهاء في ﴿عَلَيْهِ﴾ وقال الزمحشري: نعت لقوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، فتكون جملة ﴿لَكُمْ﴾: معترضة بين الموصوف وصفته، ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به على أنه مفعول ثان له، إن كان بمعنى التصيير، ومتعلق به إن كان بمعنى الخلق ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ حال من أزواجًا؛ لأنه كان صفة لأزواجًا، و ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾ إن كان بمعنى التصيير، ومفعول به إن كان بمعنى الخلق، والجملة الفعلية خبر سادس لـ ﴿ذَلِكُمُ﴾. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾: حال من أزواجًا المذكور بعده، و ﴿أَزْوَاجًا﴾ معطوف على أزواجًا الأول، ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل جعل، أو في محل الرفع خبر سابع ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾: فعل ماض ناقص، والكاف زائدة، ﴿مِثْلِهِ﴾ خبر ليس مقدم على اسمها، ﴿شَيْءٌ﴾: اسمها مؤخر، والجملة مستأنفة، أو حال من فاعل جعل، أو خبر ثامن، ﴿وَهُو﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿هُو﴾: مبتدأ، ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ خبران له، والجملة مستأنفة، أو حال، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم، ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة خبر تاسع، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة خبر عاشر ﴿لِمَنْ﴾: متعلق بـ ﴿يَبْسُطُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿وَيَقْدِرُ﴾: معطوف على ﴿يَبْسُطُ﴾، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، و ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ
стр. 11796
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾.
﴿شَرَعَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به، ﴿مِنَ الدِّينِ﴾: حال من المفعول الآتي، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول شرع، وجملة شرع مستأنفة، مسوقة لتفصيل ما أجمله أولًا، ولك أن تجعله الخبر الحادي عشر، ﴿وَصَّى﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿وَصَّى﴾، ﴿نُوحًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿وَصَّى﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة ﴿وَالَّذِي﴾: معطوف على ﴿مَا﴾ وجملة ﴿أَوْحَيْنَا﴾ صلة له، والعائد محذوف تقديره: والذي أوحيناه، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾، ﴿وَمَا﴾: معطوف على ﴿مَا﴾ الأولى أيضًا، ﴿وَصَّيْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾: متعلق به ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ مفعول به، ﴿وَمُوسَى وَعِيسَى﴾: معطوفان على إبراهيم، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿أَنْ﴾ تفسيرية بمعنى أي، لأنها سبقت بما فيه معنى القول دون حروفه، وهو ﴿وَصَّى﴾، ويجوز أن تكون مصدرية مؤولة، مع ما بعدها بمصدر، في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو أن أقيموا أو في محل نصب بدلًا من الموصول، وهو ما، و ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية ﴿تَتَفَرَّقُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، و ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على ﴿أَقِيمُوا﴾، ﴿كَبُرَ﴾: فعل ماض، ﴿عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾: متعلق به، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، وجملة ﴿تَدْعُوهُمْ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَدْعُوهُمْ﴾، و ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَجْتَبِي﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْتَبِي﴾، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب، مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة له، ﴿وَيَهْدِي﴾: معطوف على ﴿يَجْتَبِي﴾، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يُنِيبُ﴾: صلته.
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿ما﴾ نافية، ﴿تَفَرَّقُوا﴾ فعل وفاعل والجملة
стр. 11797
مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلق بـ ﴿تَفَرَّقُوا﴾، ﴿مَا﴾ مصدرية، ﴿جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ فعل ومفعول به وفاعل، والجملة الفعلية مع ﴿مَا﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، والتقدير: من بعد مجيء العلم إياهم. والاستثناء من أعم الأحوال؛ أي: ما تفرقوا في حال من الأحوال إلا في حال مجيء العلم إياهم، ﴿بَغْيًا﴾ مفعول لأجله أو منصوب على الحال بتأويله بمشتق؛ أي: باغين، ﴿بَيْنَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿بَغْيًا﴾؛ أي: لم يكن تفرقهم لقصور في البيان والحجج ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود ﴿كَلِمَةٌ﴾ مبتدأ، محذوف الخبر وجوبًا، وجملة ﴿سَبَقَتْ﴾ صفة للكلمة، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿سَبَقَتْ﴾، ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ متعلق بـ ﴿سَبَقَتْ﴾ أيضًا، ﴿مُسَمًّى﴾ صفة لـ ﴿أَجَلٍ﴾، ﴿لَقُضِيَ﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لولا﴾، ﴿قضي﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف اعتباري في محل الرفع، نائب فاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿لولا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ مستأنفة، ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿أُورِثُوا﴾: فعل ماض ونائب فاعل، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أُورِثُوا﴾، ﴿لَفِى﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿في شك﴾: جار ومجرور خبر ﴿إنَّ﴾. ﴿مِنْهُ﴾: صفة أولى لـ ﴿شَكٍّ﴾، ﴿مُرِيبٍ﴾: صفة ثانية له، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿لولا﴾. ﴿فَلِذَلِكَ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما شرعنا لكم، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: لذلك فادع ﴿لذلك﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ادع﴾، واللام: فيه بمعنى إلى ﴿فَادْعُ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والفاء: الثانية تأكيد للأولى، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا
стр. 11798
المقدرة ﴿وَاسْتَقِمْ﴾: معطوف على ادع، ﴿كَمَا﴾: الكاف نعت لمصدر محذوف، و ﴿مَا﴾: موصولة. ﴿أُمِرْتَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: واستقم استقامة، كالاستقامة التي أمرت بها، من قبل، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية، ﴿تَتَّبِعْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بلا ناهية، ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَقِمْ﴾.
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَقُلْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على قوله ﴿فَادْعُ﴾، ﴿آمَنْتُ﴾: فعل وفاعل ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿آمَنْتُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، وجملة ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: أنزله الله، ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾: حال من العائد المحذوف ﴿وَأُمِرْتُ﴾: فعل ماض ونائب فاعل معطوف على ﴿آمَنْتُ﴾، ﴿لِأَعْدِلَ﴾ اللام: لام الصيرورة ﴿أَعْدِلَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الصيرورة، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنا ﴿بَيْنَكُمُ﴾: متعلق به، والتقدير: وأمرت للعدل بينكم؛ أي: بالعدل بينكم ﴿اللَّهُ رَبُّنَا﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿وَرَبُّكُمْ﴾: معطوف على ربنا ﴿رَبُّنَا﴾: خبر مقدم ﴿أَعْمَالُنَا﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: مبتدأ وخبر معطوف على ما قبله ﴿لَا﴾: نافية للجنس ﴿حُجَّةَ﴾: اسمها، ﴿بَيْنَنَا﴾: ظرف متعلق بمحذوف، هو خبر ﴿لَا﴾ والجملة في محل النصب، مقول ﴿قل﴾ ﴿وَبَيْنَكُمُ﴾ معطوف على ﴿بَيْنَنَا﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَجْمَعُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قل﴾، ﴿بَيْنَنَا﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَجْمَعُ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ﴾: خبر مقدم، ﴿الْمَصِيرُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل للنصب مقول ﴿قل﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ
стр. 11799
غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول، وجملة ﴿يُحَاجُّونَ﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿فِي اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُحَاجُّونَ﴾، وهو على حذف مضاف؛ أي: في دين الله ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلق بـ ﴿يُحَاجُّونَ﴾، أو حال من الجلالة، و ﴿مَا﴾ مصدرية ﴿اسْتُجِيبَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور في محل الرفع، نائب فاعل لـ ﴿اسْتُجِيبَ﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر، ومجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد الاستجابة له. ﴿حُجَّتُهُمْ﴾: مبتدأ ثان ﴿دَاحِضَةٌ﴾: خبره ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظرف متعلق بداحضة. والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة ﴿وَعَلَيْهِمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿عَلَيْهِمْ﴾: خبر مقدم. ﴿غَضَبٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله: حجتهم داحضة على كونها خبرا للمبتدأ الأول، ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿شَدِيدٌ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾ والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿الَّذِي﴾: خبره، والجملة مستأنفة، ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. والجملة صلة الموصول، ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أو حال من فاعله، أو من الكتاب، ﴿وَالْمِيزَانَ﴾: معطوف على الكتاب ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. أو استئنافية ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع، مبتدأ ﴿يُدْرِيكَ﴾: فعل مضارع ومفعول أول. وفاعله ضمير يعود على ما. والجملة خبر المبتدأ، والجملة معطوفة أو مستأنفة، ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. وجملة ﴿لَعَلَّ﴾ في محل النصب، مفعول ثان لـ (يُدري)؛ لأنها عاقت عن العمل في لفظه بالترجي، ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: لعل مجيء الساعة قريب.
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾.
﴿يَسْتَعْجِلُ﴾: فعل مضارع ﴿بِهَا﴾: متعلق به، ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والجملة
стр. 11800
مستأنفة. وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾: صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿مُشْفِقُونَ﴾: خبره. والجملة معطوفة على جملة ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾، ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿مُشْفِقُونَ﴾، ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿مُشْفِقُونَ﴾، ﴿أَنَّهَا الْحَقُّ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها، سادة مسد مفعولي ﴿يَعْلَمُونَ﴾، ﴿أَلَا﴾: أداة استفتاح، ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يُمَارُونَ﴾: صلة الموصول. ﴿فِي السَّاعَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُمَارُونَ﴾، ﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾: اللام: حرف ابتداء. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿بَعِيدٍ﴾: صفة لـ ﴿ضَلَالٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ قرأ ابن كثير: ﴿يُوحِي﴾ بالبناء للمجهول. وفيه إعلال بالقلب، أصله: يوحي، قلبت الياء ألفا، لتحركها بعد فتح، وحذفت منه همزة أفعل في صورة ابتداء المضارع بهمزة المتكلم، فرارا من توالي الأمثال، وفي غيرها، حملا عليها، كما هو مقرر في محله.
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾: مضارع كاد من باب خاف، بمعنى قرب، فيه إعلال بالنقل والتسكين، والقلب أصله: تكود بوزن تفعل مضارع كود بكسر العين، يكود بفتحها، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الكاف فسكنت، لكنها أبدلت ألفا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها في الحال. ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾؛ أي يتشققن، وأصل الفطر: الشق طولا؛ أي يتشققن من عظمة الله تعالى، وخشيته وإجلاله، كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. ﴿يُسَبِّحُونَ﴾؛ أي ينزهون الله تعالى عما لا يليق به. ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ﴾ والأولياء الشركاء والأنداد. ﴿حَفِيظٌ﴾؛ أي: رقيب على أحوالهم وأعمالهم. ﴿بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: بموكول إليك أمورهم حتى تؤاخذهم بها، ولا وكل إليك هدايتهم، وإنما عليك البلاغ فحسب.
﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾؛ أي: لتخوف أهل مكة بعذاب الله، إن أصروا على الكفر: والعرب تسمي أصل كل شيء بالأم. كأم النحل، وهو يعسوبها، سميت مكة بأم القرى، تشريفا لها. وإجلالا لاشتمالها على الكعبة المشرفة، شرفنا الله