جعله صلبًا مصمتًا، يمنع الغوص فيه، لم يمكن تحصيل المنافع المترتبة على الغصرص ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بإذنه وتيسيره وأنتم راكبوها ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة والغوص على اللؤلؤ والمرجان، ونحوها من منافع البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: ولكي تشكروا النعم المترتبة على ذلك بالإقرار بوحدانية المنعم بها، والحكمة (١) في هذا التسخير مختصة بالإنسان لا بالفلك، سخر البحر والفلك له، وسخره لنفسه ليكون خليفته، ومظهرًا لذاته وصفاته نعمةً منه، وفضلًا لإظهار الكتز المخفي، فبحسب كل مسخر من الجزئيات والكليات، يجب على العبد شكره، وشكره أن يستعمله في طلب الله بأمره، ولا يستعمله في هوى نفسه، وله أن يعتبر من البحر الصوري، والذين يركبون البحر فربما تسلم سفينتهم، وربما تغرق كذلك العبد في فلك الاعتصام، في بحار التقدير، يمشي به في رياح المشيئة، مرفوع له شراع التوكل، مرسى في بحر اليقين، فإن هبت رياح العناية، نجت السفينة إلى ساحل السعادة، وإن هبت نكباء الفتنة، لم يبق بيد الملاح شيء؛ وغرقت في لجة الشقاوة، فعلى العبد أن يبتغي فضل الله، ويسعى في الطلب بأداء شكر النعم، كما في "التأويلات النجمية".
والمعنى (٢): أي إن ذلك الخالق الواحد، الذي أقمت لكم الأدلة على وجوده، هو الذي يسَّر لكم استخدام البحر، لتجري فيه السفن بإذنه وقدرته، حاملةً أقواتكم ومتاجركم، لتقوم بشؤونكم المعيشية، ولتطلبوا رزق ربكم منه يالغوص للدر تارةً، والصيد تارةً أخرى، ولتشكروه على ما أفاض عليكم من هذه النعم, التي تحصلِ لكم بسبب هذا التسخير للبحر، فتعبدوه وتطيعوه فيما يأمركم وينهاكم عنه
١٣ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الموجودات، بأن جعلها مدارًا لمنافعكم؛ أي: سخر لكم أيها العباد جميع ما خلقه في سمواته وأرضه؛ مما تتعلق به مصالحكم، وتقوم به معايشكم، ومما سخره لكم من مخلوقات السموات الشمس، والقمر والنجوم النيرات والمطر والسحاب والرياح، ومن مخلوقات الأرض الدواب والأشجار والجبال مثلًا ﴿جَمِيعًا﴾ إما حال من ﴿مَا فِي
стр. 12147
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، أو تأكيد له ﴿مِنْهُ﴾ صفة لـ ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: كائنًا منه تعالى، أو حال من ﴿ما﴾؛ أي: سخر لكم هذه الأشياء كائنةً منه مخلوقة له، أو خبر لمحذوف؛ أي: هي جميعًا منه تعالى. وفي "فتح الرحمن": جميعًا منه؛ أي: كل إنعام فهو من فضله؛ لأنه لا يستحق عليه أحد شيئًا، بل هو ويوجب على نفسه تكرمًا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من التسخير ﴿لَآيَاتٍ﴾ عظيمة الشأن، كبيرة القدر، دالةً على وجود الصانع وصفاته ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في بدائع صنع الله تعالى، فإنهم يقفون بذلك على جلائل نعمه تعالى ودقائقها، ويوفقون لشكرها.
والمعنى: أي وسخر لكم جميع ما خلقه في سمواته وأرضه، مما تتعلق به مصالحكم، وتقوم به معايشكم، فمما سخر لكم من المخلوقات السماوية الشمس والقمر والنجوم والمطر والسحاب والرياح، ومن المخلوقات الأرضية الدواب والأشجار والجبال والسفن رحمةً منه وفضلًا، وكل هذه أدلة على أنه الله، الذي لا إله غيره، لمن تأمل فيها واعتبر بها، وتدبرها حق التدببر.
والخلاصة: أن العالم كله، كأنه جسم واحد، يحتاج كل جزء منه إلى الأجزاء الباقية، فلا يستقيم مطر بلا حرارة شمس، ولا تسير سفن، إلا بهواء أو فحم أو كهرباء وما شاكل ذلك، فالعالم كله كساعة منتظمة، لا يستقيم سيرها إلا إذا استكملت آلاتها وعددها، وخص المتفكرين لأنه لا يتفع بها إلا من تفكر فيها.
وعن طاووس قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فسأله: مم خلق الخلق؟ فقال: من الماء والنور والظلمة والهواء والتراب، قال: فمم خلق هؤلاء؟ قال: لا أدري، ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله, فقال: مثل قول عبد الله بن عمرو، فأتى ابن عباس، فسأله: مم خلق الخلق؟ فقال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب، قال: مم خلق هؤلاء؟ فقرأ ابن عباس ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبوة.
стр. 12148
وفي الآية (١): إشارة إلى أن السموات والأرض وما فيهن خلقت للإنسان، فإن وجودها تبع لوجوده، وناهيك من هذا المعنى، أن الله تعالى أسجد ملائكته لآدم ﵇، وهذا غاية التسخير، وهم أكرم مما في السموات والأرض، ومثال هذا: أن الله تعالى لما أراد أن يخلق ثمرةً خلق شجرة، وسخرها للثمرة لتحملها، فالعالم بما فيه شجرة، وثمرتها الإنسان، ولعظم هذا المعنى قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: في هذا المعنى دلالات على شرف الإنسان، وكماليته لقوم لهم قلوب منورة بنور الإيمان والعرفان، إذ يتفكرون بفكر سليم، كما في "التأويلات النجمية".
وقرأ الجمهور (٢): ﴿مِنْهُ﴾، وقرأ ابن عباس ﴿منة﴾ بكسر الميم وشد النون، ونصب التاء على المصدر، قال أبو حاتم: نسبة هذه القراءة إلى ابن عباس ظلم، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وعبد الله بن عمر والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير، وحكاها أيضًا عن هؤلاء الأربعة صاحب "اللوامح"، وحكاها ابن خالويه عن ابن عباس وعبيد بن عمير، وقرأ سلمة بن محارب كذلك؛ إلا أنه ضم التاء؛ أي: هو منة، وعنه أيضًا فتح الميم وشد النون، وهاء الكناية عائدة على الله، وهو فاعل ﴿سَخَّرَ﴾ على الإسناد المجازي، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك، أو هو منة.
١٤ - ولما علم سبحانه عباده دلائل التوحيد والقدرة والحكمة أردفه تعليمهم فضائل الأخلاق، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله اغفروا واصفحوا وسامحوا عما يصدر من الكفار من الكلمات المؤذية، والأفعال الموحشة، ولا تقابلوهم بالمؤاخذة عليها إن أمرتهم بذلك ﴿يَغْفِرُوا﴾؛ أي: يغفر الذين آمنوا، ويعفوا، ويصفحوا ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ ولا يخافون ﴿أَيَّامَ اللَّهِ﴾ وعذابه، وانتقامه من أعدائه، ولا يرجون ثوابه، ولا يخشون مثل عقاب الأمم الخالية، ومعنى الرجاء هنا: الخوف، وأيام الله: وقائعه تعالى لأعدائه في الأمم
стр. 12149
الماضية، لقولهم أيام العرب، لوقائعها كيوم بعاث بوزن غراب، موضع بقرب المدينة، ويومه معروف؛ أي: قل لهم: اغفروا، يغفروا ويصفحوا ويعفوا، وقيل: مجزوم بلام مقدرة تقديره: ليغفروا، فهو أمر مستأنف، وإنما جاز حذف اللام؛ لأن الأمر الذي هو ﴿قُلْ﴾ عوض عنه، وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز به فيها وإضافتها إلى الله كبيت الله، وناقة الله والأول أولى، والأيام يعبر بها عن الوقائع، كما تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، قال مقاتل: لا يخشون مثل عذاب الله للأمم الخالية، وذلك أنهم لا يؤمنون، فلا يخافون عقابه. وقيل: المعنى لا يأملون نصر الله لأوليائه، وإيقاعه بأعدائه، وقيل: لا يخافون البعث.
والمعنى (١): قل يا محمد، للذين صدقوا الله ورسوله: اعفوا واصفحوا عن هؤلاء المشركين، الذي لا يخافون بأس الله ونقمته، إذا نالكم منهم أذى ومكروه، قاله مجاهد. روى الواحدي، والقشيري عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب مع عبد الله بن أبي، في غزوة بني المصطلق، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها: المريسيع، فأرسل عبد الله غلامه ليستقي، فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك؟ فقال: غلام عمر قعد على فم البئر، فما ترك أحدًا يستقي حتى ملأ قرب النبي ﷺ ، وقرب أبي بكر، وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مثلنا ومئل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ عمر قوله، فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله، فأنزل الله هذه الآية.
وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس سببًا آخر، قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال يهودي بالمدينة يسمى فنحاصًا: احتاج رب محمد ﷺ ، قال: فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه، وخرج في طلبه، فجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: إن ربك يقول لك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ فبعث رسول الله ﷺ في طلب عمر، فلما جاء
стр. 12150
قال: يا عمر ضع سيفك، قال: يا رسول الله صدقت، أشهد أنك أرسلت بالحق، ثم تلا رسول الله ﷺ الآية، فقال عمر: لا جرم والذي بعثك بالحق، لا ترى الغضب في وجهي.
ثم علل بالمغفرة، فقال: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ ﴿قَوْمًا﴾ كاملين كاظمين غيظهم على إذاية الكفار، جزاءًا كاملًا وافرًا ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: على ما يكسبونه من الأعمال الصالحة، التي منها كظم الغيظ. والمراد (١) بالقوم: المؤمنون. والتنكير لمدحهم، والثناء عليهم؛ أي: أمروا بذلك ليجزي الله سبحانه يوم القيامة قومًا أي قوم، لا قومًا مخصوصين، بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة، التي من جملتها الصبر على أذية الكفار والمنافقين، والإغضاء عنهم بكظم الغيظ، واحتمال المكروه ما يقصر عنه البيان من الثواب العظيم.
وقد جوز أن يراد بالقوم: الكفرة، و ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: سيئاتهم التي من جملتها ما حكي من الكلمة الخبيثة، والتنكير حينئذ للتحقير، فإن قلت: مطلق الجزاء لا يصلح تعليلًا للأمر بالمغفرة، لتحققه على تقديري المغفرة وعدمها، قلت: لعل المعنى: قل للمؤمنين: يتجاوزوا عن إساءة المشركين والمنافقين، ولا يباشروا بأنفسهم لمجازاتهم، ليجزيهم الله تعالى؛ أي: ليجزي أولئك الكفرة يوم القيامة جزاءً كاملًا، يكافىء سيئاتهم، كأنه قيل: لا تكافؤوهم أنتم حتى نكافئهم نحن، ويدل على هذا المعنى الآية الآتية، والأول أولى، وأيضًا إن الكسب في أكثر ما ورد في القرآن كسب الكفار، ويجوز (٢) أن يكون المعنى: ليجزيهم الله وقت الجزاء كيوم بدر، ونحوه. وفي الآية إشارة، إلى أن المؤمن إذا غفر لأهل الجرائم، وإن لم يكونوا أهل المغفرة لإصرارهم على الكفر، والأذى .. يصير متخلقًا بأخلاق الحق.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مبنيًا للفاعل؛ أي: ليجزي الله، وقرأ زيد بن
стр. 12151
علي، وأبو عبد الرحمن والأعمش وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بالنون مبنيًا للفاعل. وقرأ أبو جعفر وشيبة، وعاصم: ﴿ليجزى﴾ بالياء التحتية مبنيًا للمفعول مع نصب ﴿قَوْمًا﴾، وفيه حجة لمن أجاز بناء الفعل للمفعول، على أن يقام الجار والمجرور وهو ﴿بما﴾ مقام الفاعل، وينصب المفعول به الصريح وهو ﴿قَوْمًا﴾، ونظيره: ضرب بسوط زيدًا، ولا يجيز ذلك الجمهور، وخرجت هذه القراءة على أن يكون الفعل بني للمصدر؛ أي: ليجزى الجزاء قومًا، وهذا أيضًا لا يجوز عند الجمهور، لكن يتأول على أن ينصب بفعل محذوف، تقديره: يجزي قومًا، فيكون الكلام جملتين إحداهما: ليجزى الجزاء، والأخرى: يجزيه قومًا. وعبارة البيضاوي هنا: وقرىء ﴿ليجزى قوم﴾، ﴿وليجزى قوما﴾؛ أي: ليجزى الخير أو الشر، أو الجزاء بمعنى: ما يجزى به لا المصدر. فإن الإسناد إليه سيما مع المفعول به ضعيف.
والمعنى (١): أي ليجزي الله تعالى يوم القيامة قومًا بما كسبوا في الدنيا من أعمال طيبة، من جملتها الصبر على أذى الكفار، والإغضاء عنهم بكظم الغيظ، واحتمال المكروه، ما لا يحيط به الوصف من الثواب العظيم في جنات النعيم.
١٥ - ولما رغب سبحانه، ورهب، وقرر أنه لا بد من الجزاء .. أبان أن النفع والضر لا يعدو المحسن والمسيء فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ﴾ عملا ﴿صَالِحًا﴾ وهو ما طلب به رضي الله تعالى ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أي: فنفع ذلك العمل الصالح وثوابه لنفسه عائد إليها ﴿وَمَنْ أَسَاءَ﴾؛ أي: عمل عملًا سيئًا، وهو كل ما يوجب سخط الله تعالى ﴿فَعَلَيْهَا﴾؛ أي: فضرر إساءته وعقابها على نفسه لا يكاد يسرى عمل إلى غير عامله ﴿ثُمَّ﴾ بعد انقضاء آجالكم ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾؛ أي: إلى مالك أموركم لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: تردون بالموت، فيجازيكم على أعمالكم خيرًا كان أو شرًا، فاستعدوا للقائه، ففيه ترغيب على اكتساب العمل الصالح، وترهيب عن ارتكاب العمل السيء.
стр. 12152
فمن الأول العفو، والمغفرة للمجرم، وصاحبه متصف بصفات الله تعالى.
ومن الثاني المعصية، والظلم، وصاحبه متصف بصفات الشيطان، فمن كان من الأبرار فإن الأبرار لفي نعيم، ومن كان من الفجار فإن الفجار لفي جحيم.
والمعنى: أي من عمل من عباد الله بطاعته فانتهى إلى أمره وازدجر عن نهيه فلنفسه عمل، ولها طلب الخلاص من عذابه، والله غني عن كل عامل، ومن أساء عمله في الدنيا بمعصية ربه فعلى نفسه جنى، ولها اكتسب الضر.
ثم بين وقت الجزاء فقال: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: ثم تصيرون إلى ربكم حين العرض للحساب، فيجازي المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته.
١٦ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أعطينا بني إسرائيل ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة. قال سعدي المفتي: ولعل الأولى (١) أن يحمل الكتاب على الجنس حتى يشمل الزبور، والإنجيل أيضًا انتهى. وذلك لأن موسى، وداود، وعيسى ﵈. كانوا في بني إسرائيل ﴿وَالْحُكْمَ﴾؛ أي: الحكمة النظرية، والعملية، والفقه في الدين، أو فصل الخصومات بين الناس، إذ كان الملك فيهم ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ حيث كثر فيهم الأنبياء ما لم تكثر في غيرهم ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: من اللذائذ، كالمن والسلوى ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ كلهم أولهم وآخرهم حيث آتيناهم ما لم نؤت أحدًا من العالمين، من كثرة الأنبياء فيهم، وفلق البحر، وإنجائهم، وغرق عدوهم، وإنزال المن والسلوى لهم، وانفجار اثنتي عشرة عينًا لهم من حجر صغير في مدة التيه، وتظليل الغمام عليهم، وليس المراد تفضيلهم على العالمين بحسب الدين والثواب، اهـ "زاده". وقيل: على عالمي زمانهم، فإنه لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله، ولا أحب إليه منهم
١٧ - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: وأعطينا بني إسرائيل ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: دلائل ظاهرة، ومعجزات قاهرة ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾؛ أي: في أمر الدين، فـ ﴿من﴾ بمعنى: في، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾؛ أي: شرائع
стр. 12153
واضحات في الحلال والحرام، أو معجزات ظاهرات، وقال ابن عباس ﵄: هو العلم بمبعث النبي ﷺ ، وما بين لهم من أمره، وأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، ويكون أنصاره أهل يثرب ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾؛ أي: فما وقع الاختلاف بينهم في ذلك الأمر الذي بين لهم ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ واليقين فيه؛ أي: إلا من بعد مجيء العلم بحقيقته، وحقيته إليهم ببيانه وإيضاحه، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجبًا لثبوته، ورسوخه، وقيل: المراد بالعلم: يوشع بن نون، فإنه آمن به بعضهم، وكفر به بعضهم، وقيل: نبوة محمد ﷺ ، فاختلفوا فيها ﴿بَغْيًا﴾ واعتداء من بعضهم على بعض بطلب الرئاسة، وحسدا حدث ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لا شكًا فيها، فقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق، واجتماع الكلمة، فلما جاءهم العلم، والشرع في كتابهم كان مقتضاه أن يدوموا على الاتفاق، بل كان ينبغي أن يزدادوا اتفاقًا، لكنهم لم يكونوا كذلك، بل صار ما هو مقتضٍ للاتفاق مقتضيًا للاختلاف لسوء حالهم، اهـ من "الخطيب".
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿يَقْضِي﴾ ويحكم ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين المختلفين من بني إسرائيل ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، فيجازي المحسن بحسانه، والمسيء بإساءته.
والمعنى (١): أي إن ربك سبحانه، يقضي يوم القيامة بين المختلفين من بني إسرائيل بغيًا وحسدًا، فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، بعد العلم الذي أتاهم، والبيان الذي جاءهم منه، ويجعل الفلج للمحق على المبطل، والمقصد من هذا: أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل بنعم الدنيا، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها، فهو سيرى في الآخرة ما يسوءه.
وفي هذا: تحذير لهذه الأمة المحمدية أن تسلك مسلكهم، وأن تسير على نهجهم.
стр. 12154
١٨ - ولما ذكر إنعامه علي بني إسرائيل، واختلافهم بعد ذلك، وإعراضهم عن الحق بغيًا وحسدًا، ذكر حال نبيه ﷺ ، وما منّ به عليه من اصطفائه، وأمره أن يعدل عن هذه الطريقة، وأن يستمسك بالحق، فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ هنا (١) للاستئناف، والكاف مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، و ﴿عَلَى شَرِيعَةٍ﴾ هو المفعول الثاني؛ أي: و (٢) جعلناك يا محمد على شريعة؛ أي: طريقة عظيمة الشأن، وسنة رفيعة القدر ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾؛ أي: من أمر الدين ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾؛ أي: فاتبع يا محمد تلك الشريعة أنت وقومك وسائر أهل الأرض، بإجراء أحكامها في نفسك، وفي غيرك من غير إخلال بشيء منها.
وفي "التأويلات النجمية": إنا أفردناك من جملة الأنبياء بلطائف فاعرفها، وخصصناك بحقائق فأدركها، وسننّا لك طرائق فاسلكها، وأثبتنا لك الشرائع فاتبعها، ولا تجاوز عنها، ولا تحتج إلى متابعة غيرك، ولو كان موسى وعيسى حيين، لما وسعهما إلا اتباعك، قال جعفر الصادق رحمه الله تعالى: الشريعة في الأمور محافظة الحدود فيها، ومن الله الإعانة، والمراد بالشريعة هنا: ما شرعه الله سبحانه لعباده من الدين، والجمع شرائع؛ أي: جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين، يوصلك إلى فاتبعها، واعمل بأحكامها في أمتك ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيد الله، وشرانعه لعباده؛ أي (٣): لا تتبع آراء الجهلة، واعتقاداتهم الزائفة التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش، ومن وافقهم كانوا يقولون له ﷺ : ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا أفضل منك وأسن،
١٩ - ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن الجهلة المذكورين ﴿لَنْ يُغْنُوا﴾؛ أي: لن يدفعوا ﴿عَنْكَ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: مما أراد الله بك من العذاب ﴿شَيْئًا﴾ إن اتبعتهم. قال بعضهم: يعني إن أراد بك نعمة فلا يقدر أحد على منعها، وإن أراد بك فتنة فلا يقدر أحد يصرفها عنك، فلا تعلق بمخلوق فكرك، ولا تتوجه بضميرك إلى غيرنا، وثق بنا، وتوكل علينا ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾؛ أي: أنصار
стр. 12155
بعض؛ أي: بعضم ينصر بعضًا، فلا يواليهم، ولا يتبع أهواءهم إلا من كان ظالمًا مثلهم؛ لأن الجنسية علة الانضمام والانتصار ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: ناصر المتقين الذين أنت قدوتهم، فدم على ما أنت عليه من تولية خاصة بالتقوى، والشريعة، والإعراض عما سواه بالكلية، وفي "التأويلات النجمية": سماهم الظالمين؛ لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، وسمّى المؤمنين المتقين لأنهم اتقوا عن هذا المعنى، واتخذوا الله الولي في الأمور كلها.
ومعنى الآيتين (١): أي ثم جعلناك بعد بني إسرائيل، الذين وصفت لك صفتهم على نهج خاص من أمر الدين، فاتبع ما أوحى إليك، ولا تتبع ما دعاك إليه الجاهلون الذين لا يعلمون توحيد الله، ولا شرائعه لعباده، وهم كفار قريش، ومن وافقهم فتهلك، ثم علل النهي عن اتباع أهوائهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن هؤلاء الجاهلين بربهم لا يدفعون عنك شيئًا مما أراد بك، إن اتبعت أهواءهم وخالفت شريعته، ثم بين أولياء الكافرين وأولياء المؤمنين، فقال: وإن الكافرين ليتولى بعضهم شؤون بعض في الدنيا، أما في الآخرة فلا ولي ولا شفيع، ولا نصير يجلب لهم ثوابًا، ولا يدفع عنهم عقابًا، والله ولي المتقين؛ أي: والمتقون المهتدون وليهم الله، وهو ناصرهم ومخرجهم من الظلمات إلى النور، والكافرون أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، فما أبعد الفرق بين الولايتين.
وقصارى ما سلف: دم على ما أنت عليه من اعتمادك على ولاية ربك ونصرته، وأعرض عما سواه.
٢٠ - ثم بين فضل القرآن، وذكر ما يجلبه التمسك بحبله المتين، فقال: ﴿هَذَا﴾ القرآن، وهو مبتدأ، خبره ﴿بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: براهين، ودلائل لهم فيما يحتاجهون إليه من أحكام الدين، أو إن اتباع الشريعة بصائر، وأنوار لقلوب من
стр. 12156
اتبعها تنورها بنور الإيمان, واليقين، وجمع الخبر باعتبار ما في المبتدأ من تعدد الآيات، والبراهين، اهـ "سمين". وقرىء (١) ﴿هذه بصائر﴾؛ أي: هذه الآيات بصائر؛ لأن القرآن بمعناها ﴿وَهُدًى﴾؛ أي: هاد من ورطة الضلالة إلى طريق الرشاد ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة، ونعمة كاملة من الله تعالى، فإن الفوز بجميع السعادات الدنيوية، والأخروية إنما يحصل به ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ أي: لقوم من شأنهم الإيقان بالأمور، وعدم الشك والتزلزل بالشبه فيها.
والمعنى: أي هذا القرآن دلائل للناس فيما يحتاجون إليه من أمر الدين، وبينات تبصرهم وجه الفلاح، وتعرفهم سبيل الهدى، وهو هدى ورحمة لقوم يوقنون بصحته، وهو تنزيل من رب العالمين، وإنما خص الموقنين بأنه لهم هدى، ورحمة لأنهم هم الذين ينتفعون بما فيه، دون من كذب به من أهل الكفر، فإنه عليهم عمى.
الإعراب
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾.
﴿حم (١)﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه السورة ﴿حم﴾؛ أي: مسماة بـ ﴿حم﴾ إن قلنا إنه علم للسورة، والجملة مستأنفة. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾: مبتدأ، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: صفتان للجلالة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: خبر لـ ﴿إِنَّ﴾ مقدم على اسمها. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: حرف ابتداء. ﴿آيَاتٍ﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب بالكسرة. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ صفة ﴿آيَاتٍ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿في خلقكم﴾: خبر مقدم، ﴿وَمَا﴾: اسم موصول معطوف على ﴿خَلْقِكُمْ﴾. ﴿يَبُثُّ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: وما يبثه. ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾
стр. 12157
حال من العائد المحذوف؛ أي: حال كونه من دابة، ﴿آيَاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿لِقَوْمٍ﴾ صفة ﴿آيَاتٌ﴾، وجملة ﴿يُوقِنُونَ﴾ صفة لـ ﴿قوم﴾ والجملة الابتدائية معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾.
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾.
﴿وَاخْتِلَافِ﴾ معطوف أيضًا على ﴿خَلْقِكُمْ﴾، منزل منزلته في كونه متعلقًا بمحذوف خبر مقدم، ﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه ﴿وَالنَّهَارِ﴾ معطوف على ﴿اللَّيْلِ﴾. ﴿وَمَا﴾ معطوف على ﴿اختلاف﴾، ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: وما أنزله الله، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ متعلقان بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾: حال من العائد المحذوف، أو متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿فَأَحْيَا﴾ معطوف على ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أحيا﴾، ﴿الْأَرْضَ﴾ مفعول به ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ظرف ومضاف إليه، ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ معطوف على ﴿اختلاف﴾، ﴿آيَاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿لِقَوْمٍ﴾ صفة لـ ﴿آيات﴾، وجملة ﴿يَعْقِلُونَ﴾ صفة لـ ﴿قوم﴾.
فائدة: قال الزمخشري: وقرىء ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالنصب والرفع على حد قولك: إن زيدًا في الدار وعمرًا في السوق، أو وعمرو في السوق، وأما قوله: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على معمولي عاملين، سواء نصبت أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت هما إنّ وفي أقيمت ﴿الواو﴾ مقامهما، فعملت الجر في ﴿اختلاف الليل والنهار﴾، والنصب في ﴿آيَاتٌ﴾، وإذا رفعت فالعاملان الابتداء، وفي عملا الرفع في ﴿آيَاتٌ﴾، والجر في ﴿اختلاف﴾، وقرأ ابن مسعود: ﴿وفي اختلاف الليل والنهار﴾.
فإن قلت: العطف على معمولي عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقال فيه، وقد أباه سيبويه، فما وجه تخريج الآية عنده؟
قلت: فيه وجهان عنده:
стр. 12158
أحدهما: أن يكون على إضمار في، والذي حسنه تقدم ذكره في الآيتين قبلها، ويعضده قراءة ابن مسعود.
والثاني: أن ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور، معطوفًا على ما قبله، أو على التكرير ورفعهما بإضمار ﴿هي﴾، وقرىء ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ بالرفع.
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿نَتْلُوهَا﴾ فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾، والعامل فيه ما في الإشارة من معنى الفعل، ويجوز أن تكون ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ بدلًا من اسم الإشارة، وجملة ﴿نَتْلُوهَا﴾ هي الخبر، و ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿نَتْلُوهَا﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾ إما حال من الفاعل؛ أي: محقين، أو من المفعول؛ أي: متلبسة بالحق: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ الفاء: استئنافية، والباء: حرف جر، ﴿أَيِّ حَدِيثٍ﴾ مجرور بالباء. متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، والاستفهام توبيخي مضمن للإنكار؛ أي: لا يؤمنون. ﴿بَعْدَ اللَّهِ﴾ ظرف متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿حَدِيثٍ﴾، ﴿وَآيَاتِهِ﴾ معطوف على لفظ الجلالة، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)﴾.
﴿وَيْلٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة قصد الدعاء. ﴿لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ خبر، والجملة مستأنفة، ﴿أَثِيمٍ﴾ صفة ﴿أَفَّاكٍ﴾، وهما صيغتا مبالغة للكذب والإثم، ﴿يَسْمَعُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿أَفَّاكٍ﴾. ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾: مفعول به، وجملة ﴿يَسْمَعُ﴾: في محل الجر صفة ثانية لأفاك، أو حال من الضمير المستكن فيه، ﴿تُتْلَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُتْلَى﴾، وجملة ﴿تُتْلَى﴾: في محل النصب حال من ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ لأن سمع هنا دخل على ما يسمع فيتعدى إلى واحد فقط بالإجماع، وأما إذا دخل على ما لا يسمع كقوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾،
стр. 12159
أو سمعت رسول الله ﷺ يقول: كذا، ففيه الخلاف بين الأخفش ومن وافقه، وبين الجمهور، فعند الأخفش يتعدى حينئذ إلى الثاني، وعند الجمهور لا يتعدى إلى الثاني مطلقًا، كما هو مذكور في محله. ﴿ثُمَّ﴾ للعطف والترتيب الرتبي عند العقل. ﴿يُصِرُّ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر معطوف على ﴿يَسْمَعُ﴾، ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ حال من فاعل ﴿يُصِرُّ﴾. ﴿كَأَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: كأنه، وجملة ﴿لَمْ يَسْمَعْهَا﴾: خبرها، والجملة التشبيهية في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿يُصِرُّ﴾؛ أي: حال كونه مثل غير السامع، ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حاله المذكور، وأردت بيان ما يستحقه .. فأقول لك بشره ﴿بشره﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿بِعَذَابٍ﴾ متعلق به. ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة ﴿عذاب﴾، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿عَلِمَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿أَفَّاكٍ﴾، والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إذا﴾، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ حال من ﴿شَيْئًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، ﴿اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ فعل ماض ناسخ، وفاعل مستتر يعود على الأفاك، ومفعولان، والجملة جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل الجر، معطوفة على جملة قوله: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ﴾ على كونها صفة لـ ﴿أَفَّاكٍ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ أول، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم لما بعده. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ ثان مؤخر. ﴿مُهِينٌ﴾ صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة.
﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾.
﴿مِنْ وَرَائِهِمْ﴾ خبر مقدم. ﴿جَهَنَّمُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع بدل من جملة قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ على كونها خبرًا للمبتدأ الأول، والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام، قال الشاعر وهو عبيد بن الأبرص:
стр. 12160
ألَيْسَ وَرَائِيْ إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِيْ ... أَدُبُّ مَعَ الْوِلْدَانِ أَزْحَفُ كَالنَّسْرِ
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُغْنِي﴾: فعل مضارع. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، ﴿مَا﴾: اسم موصول فاعل، ويجوز أن تكون مصدرية، والمصدر المؤول هو الفاعل. ﴿كَسَبُوا﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، لا: زائدة لتأكيد نفي ﴿لا﴾ الأولى، ﴿مَا﴾ موصولة أو مصدرية معطوفة على ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَسَبُوا﴾ على كونها فاعل ﴿يُغْنِي﴾، ﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل، ومفعوله الأول محذوف، تقديره: ولا ما تخذوه، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من فاعل ﴿اتَّخَذُوا﴾، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾. والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة أو المصدرية، ﴿وَلَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة ﴿عَذَابٌ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿هُدًى﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿الذين﴾: مبتدأ أول، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ ثان مؤخر، ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ صفة ﴿عَذَابٌ﴾. ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة ﴿رِجْزٍ﴾، أو صفة ثانية لـ ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول مع خبره معطوفة على جملة قوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة مسوقة للاعتبار بتسخير البحر إلى عظمته، والسفن الجارية فيه لمخلوق هو أضأل شيء بالنسبة لهما، ﴿سَخَّرَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الموصول، والجملة صلة له، ﴿لَكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿سَخَّرَ﴾، ﴿الْبَحْرَ﴾: مفعول به، ﴿لِتَجْرِيَ﴾: اللام حرف جر وتعليل. ﴿تجري﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿الْفُلْكُ﴾: فاعل. ﴿فِيهِ﴾:
стр. 12161
متعلق بـ ﴿تجري﴾، ﴿بِأَمْرِهِ﴾: حال من الفلك، أو متعلق بـ ﴿تجري﴾ أيضًا، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿سَخَّرَ﴾، تقديره: سخر لكم البحر لجريان الفلك فيه، ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، اللام: حرف جر وتعليل أيضًا، ﴿تبتغوا﴾: فعل مضارع، وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تبتغوا﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: ولا بتغائكم من فضله، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: لجريان الفلك فيه، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لعل﴾: حرف نصب وتعليل مستعارة لكي التعليلية، والكاف اسمها، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ خبرها، والجملة الاسمية في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بلعل التعليلية؛ أي: ولشكركم إياه على هذا التسخير. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾: معطوف على ﴿سَخَّرَ﴾ الأول، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب، مفعول به، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿مَا﴾ الموصولة، أو تأكيد لها. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: كائنًا منه تعالى، أو حال ثانية من ﴿مَا﴾؛ أي: سخر لكم هذه الأشياء حالة كونها كائنة منه تعالى، مخلوقة له تعالى. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم ﴿لَآيَاتٍ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿آيات﴾: اسمها مؤخر، ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة لـ ﴿آيات﴾، وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: صفة لـ ﴿قوم﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿قُلْ﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول، ومقول ﴿قُلْ﴾ محذوف تقديره: قل للذين آمنوا: اغفروا للذين لا يرجون أيام الله. ﴿يَغْفِرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم في جواب الطلب المحذوف، كما قدرناه، والجملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يَغْفِرُوا﴾، ﴿لَا يَرْجُونَ﴾: فعل وفاعل
стр. 12162
صلة الموصول، ﴿أَيَّامَ اللَّهِ﴾: مفعول به. ﴿لِيَجْزِيَ﴾: اللام: حرف جر وتعليل، ﴿يَجْزِيَ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، منصوب بأنْ مضمرة بعد لام كي جوازًا، ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به، ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿يَجْزِيَ﴾ وجملة ﴿يَجْزِيَ﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَغْفِرُوا﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة أو المصدرية.
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦)﴾.
﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿عَمِلَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها، ﴿صَالِحًا﴾: فعول به أو صفة لمصدر محذوف، ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾: الشرطية وجوبًا، ﴿لنفسه﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فثواب عمله كائن لنفسه، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة، مسوقة لبيان كيفية الجزاء. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط مبتدأ، وجملة ﴿أَسَاءَ﴾: فعل شرط لها، ﴿فَعَلَيْهَا﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فاساءته عليها، والجملة في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿تُرْجَعُونَ﴾: من الفعل المغير، ونائب فاعله معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿آتَيْنَا﴾: فعل وفاعل، وهو بمعنى أعطينا يتعدى إلى مفعولين، ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: مفعول أول، ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثان، ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾: معطوفان على ﴿الْكِتَابَ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل. ومفعول به، معطوف على ﴿آتَيْنَا﴾. ﴿مِنَ
стр. 12163
الطَّيِّبَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿رزقناهم﴾، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ متعلق بـ ﴿فضلناهم﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ﴾: فعل وفاعل ومفعولان معطوف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ الأول ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ ﴿فَمَا﴾ الفاء: عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿اخْتَلَفُوا﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اخْتَلَفُوا﴾، ﴿مَا﴾: مصدرية، ﴿جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية مع ﴿مَا﴾. المصدرية في تأويل مصدر بإضافة الظرف إليه؛ أي: إلا من بعد مجيء العلم إياهم.
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾.
﴿بَغْيًا﴾: مفعول لأجله منصوب بـ ﴿اختلفوا﴾؛ أي: فما اختلفوا إلا لأجل البغي بينهم، و ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿بَغْيًا﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقْضِي﴾: خبره، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَقْضِي﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَقْضِي﴾، ﴿فِيمَا﴾: متعلق بـ ﴿يَقْضِي﴾ أيضًا، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ وجملة ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ولكن هنا بمعنى الواو الاستئنافية، كما في "السمين". ﴿جَعَلْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿عَلَى شَرِيعَةٍ﴾ في موضع المفعول الثاني، والجملة مستأنفة، ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾: صفة لـ ﴿شَرِيعَةٍ﴾، ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿اتبعها﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ومفعول به والجملة معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَاكَ﴾، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية؛ جازمة، ﴿تَتَّبِعْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ مجزوم
стр. 12164
بلا الناهية، معطوف على قوله: ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾ ﴿أَهْوَاءَ الَّذِينَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ صلة الموصول، ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَن﴾ حرف نفي ونصب، ﴿يُغْنُوا﴾: فعل مضارع، وفاعل منصوب بـ ﴿لَنْ﴾، وعلامة نصبه حذف النون، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل النهي المذكور قبله، ﴿عَنْكَ﴾ متعلق بـ ﴿يُغْنُوا﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: حال من ﴿شَيْئًا﴾؛ لأنه صفة نكرة، قدمت عليها، أو متعلق بـ ﴿يُغْنُوا﴾، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، ﴿وَإِنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إن﴾: حرف نصب، ﴿الظَّالِمِينَ﴾: اسمها، ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ، ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: خبر، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾: خبره، والجملة الابتدائية معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ ﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾: مبتدأ وخبره، والجملة مستأنفة. ﴿لِلنَّاسِ﴾ صفة لـ ﴿بَصَائِرُ﴾. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾: معطوفان على ﴿بَصَائِرُ﴾ ﴿لِقَوْمٍ﴾: نعت لكل من ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، وجملة ﴿يُوقِنُونَ﴾ صفة لـ ﴿قوم﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لعبرًا للمؤمنين، ولشواهد على الربوبية للمصدقين. ﴿وَمَا يَبُثُّ﴾؛ أي: يفرق، وينشر. أصله: يبثث بوزن يفعل، نقلت حركة الثاء الأولى إلى الباء فسكنت، فأدغمت في الثاء الثانية. ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ وهي كل ما يدب على وجه الأرض من الحيوان مع اختلاف صورها وأشكالها وكثرة أنواعها، وأصله: داببة بوزن فاعلة، أدغمت الباء الأولى في الثانية فصار دابة. ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: تعاقبهما ليل بعد نهار، ونهار بعد ليل. ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾؛ أي: مطر، وسمى بذلك؛ لأنه سبب له. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾؛ أي: تحويلها من جهة إلى أخرى، ومن حال إلى حال. ﴿وَيْلٌ﴾ كلمة عذاب. ﴿لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ الأفاك كثير الإفك والكذب، والأثيم: كثير الإثم والمعاصي، وهما صيغتا مبالغة، كعليم بمعنى: كثير العلم. ﴿يُصِرُّ﴾ أصله: يصرر، نقلت حركة الراء الأولى إلى الصاد، فسكنت فأدغمت في الثانية. قال في "المفردات": الإصرار التعقد في الذنب والتشدد فيه، والامتناع من الإقلاع عنه، وأصله: من الصر، وهو الشد، والصرة
стр. 12165
ما يعقد فيها الدراهم. وقال بعضهم: الإصرار على الشيء ملازمته. ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ﴾؛ أي: من بعد اجالهم، والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام؛ أي: يسترها. وقال بعضهم: وراء في الأصل مصدر وارى، جعل ظرفًا ويضاف إلى الفاعل، فيراد به: ما يتوارى به، وهو خلفه وإلى المفعول فيراد به: ما يواريه، وهو قدامه، ولذلك عدَّ من الأضداد. وفي "القاموس": الوراء معرفةً يكون خلف وقدام ضدُّ أَوْ لا؛ لأنه بمعنى، وهو ما توارى عنك، والوراء أيضًا ولد الولد، ووري المخ كولي اكتنز، انتهى.
﴿وَلَا يُغْنِي﴾؛ أي: يدفع، يقال: أغنى عنه إذا كفاه. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ أصنامًا ﴿رِجْزٍ﴾ والرجز أشد العذاب. ﴿سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾؛ أي: ذلَله وهيأه، بأن جعله أملس السطح، مستويه، يعلو عليه ما شأنه الغوص كالأخشاب، فإنه لو جعله خشن السطح، بأن كان ذا ارتفاع وانخفاض لم يتيسر جرى الفلك عليه، كما مر. ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ والمراد بأيام الله: الوقائع المشهورة التي انتصر الحق فيها على الباطل، وأديل الباطل بالجهاد، وهذا جري على أساليب العرب، إذ يقولون أيام العرب لوقائعهم المشهورة، كيوم بعاث على حد قول السموءل اليهودي.
وَأَيَّامُنَا مَشْهُوْرَةٌ فِيْ عَدُوِّنَا ... لَهَا غُرَرٌ مَعْلُوْمَةٌ وَحُجُوْلُ
وأصل أيام: أيوام بوزن أفعال اجتمعت الوا ووالياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء. ﴿عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ والشريعة في الأصل: ما يرده الناس من المياه والأنهار، فاستعير ذلك للدين، والعبادة؛ لأن العباد يردون ما تحيا به نفوسهم، والجمع شرائع اهـ "سمين". وفي "القرطبي": الشريعة في اللغة المذهب والملة، ويقال لمشرعة الماء، وهي مورد شريعة، ومنه الشارع لأنه طريق إلى القصد، فالشريعة ما شرعه الله لعباده من الدين، والجمع الشرائع، والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها الله تعالى لخلقه، انتهى.
﴿لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أصله: يغنيون حذفت نون الرفع لدخول أداة النصب عليه، وهو ﴿لَنْ﴾، ثم استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذفت الياء وضمت النون، لمناسبة الواو. ﴿وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أصله: وليي بوزن
стр. 12166
فعيل، أدغمت ياء فعيل في لام الكلمة، فصار ولي بتشديد الياء. ﴿بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ جمع بصيرة بوزن فعلية. وفي "المختار": البصيرة: الحجة، والاستبصار في الشيء اهـ. وفي "القاموس": والبصيرة عقيدة القلب والفطنة، والحجة. والهمزة في الجمع أعني: ﴿بَصَائِرُ﴾ بدل من ياء فعيلة، الواقعة حرف مد ثالثا، زائدًا في اسم مؤنث.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التأكيد بإن واللام في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ﴾؛ لأن المخاطبين منكرون لوحدانية الله تعالى.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾؛ أي: مطر من إطلاق المسبب وإرادة السبب، وهو المطر؛ لأن الرزق لا ينزل من السماء، ولكن ينزل المطر الذي ينشأ عنه النبات والرزق.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ لأنه استعار الإحياء للإنبات، فاشتق منه أحيا، بمعنى: أثبت على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ لأنه استعار الموت لليبس.
ومنها: الإتيان باسم إشارة البعيد في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ إشارة إلى بعد مرتبتها.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التعجبي في قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾.
ومنها: تنكير آيات في قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي قوله: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وفي قوله: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: تنكيرها في المواضع الثلاثة،
стр. 12167
للدلالة على فخامة شأنها، وعلو قدرها.
ومنها: تقديم الاسم الجليل في قوله: ﴿بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾ دلالة على تعظيمه، وعلو شأنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾.
ومنها: التشبيه المرسل في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ حيث استعار البشارة التي هي الإخبار، بما يظهر سرورًا في المخبر به، للإنذار الذي هو ضده بإدخال الإندار في جنس البشارة على سبيل التهكم، والاستهزاء.
ومنها: تنكير شيئًا في قوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا﴾ إفادة للتقليل.
ومنها: التضاد في قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ وهو استعمال لفظ يحتمل المعنى وضده، وهو مشترك بين المعنيين، فيستعمل في الشيء وضده، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: توسيط حرف النفي بين المعطوفين في قوله: ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ مع أن عدم إغناء الأصنام أظهر، وأجلى من عدم إغناء الأموال، والأولاد مجاراة على زعمهم الفاسد، حيث كانوا يطمعون في شفاعتهم، وفيه ضرب من التهكم.
ومنها: الإطناب بتكرار اللفظ في قوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لإظهار الامتنان.
ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ومنها: المبالغة بذكر المصدر في قوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾ كان القرآن الكريم لوضوح حجته عين الهدى.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ كالإضافة في بيت
стр. 12168
الله، وناقة الله.
ومنها: تنكير قومًا في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لغرض مدحهم، والثناء عليهم، إن أريد بهم المؤمنون، أو للتحقير والإهانة إن أريد بهم الكافرون.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾؛ لأنها حقيقة فيما يرده الناس من المياه والأنهار، ثم استعير للدين.
ومنها: الإظهار في مقام الاضمار في قوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ تسجيلًا عليهم باسم الظلم؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: وإنهم بعضهم أولياء بعض.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
والممات، فالمحسنون مرحومون في الحالين، ومجترحوا السيئات مرحومون في الدنيا فحسب، ثم ذكر الدليل على هذا، بأن الله ما خلق الخلق إلا بالحق، المقتضي للعدل أو الانتصاف للمظلوم من الظالم، والتفاوت بين المحسن والمسيء في الجزاء، وإذا لم يكن هذا في المحيا كان في دار الجزاء حتمًا، لتجزي كل نفس بما كسبت فلا تظلم بنقص ثواب، أو بمضاعفة عقاب، ثم عجيب سبحانه ممن ركب رأسه واتبع هواه وترك الهدى، وأضله الله وهو العليم باستعداده وخبث طويته، وأنه ممن يميل إلى تدسية نفسه، واجتراح الآثام والمعاصي، فهو ممن ختم الله على سمعه وقلبه، فلا يتأثر بعظة، ولا يفكر في آية، وجعل على بصره غشاوة مانعة من الاستبصار والاعتبار، فمن بعد الله يهديه أفلا تتذكرون، وتتفكرون في هذا.
قوله تعالى: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن المشركين قد اتخذوا إلههم هواهم، وأن الله سبحانه، قد أضلهم على علم بحالهم، وأنه ختم على سمعهم وقلبهم، وجعل على بصرهم غشاوة .. ذكر هنا جنايةً أخرى من جناياتهم، وحماقةً من حماقاتهم تلك، أنهم أنكروا البعث، وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر، وما ذلك منهم إلا ظنون وأوهام، لا مستند لها من نقل ولا عقل، ولم يجدوا حجةً يقولونها إلا أن قالوا: إن كان ما تقوله حقًا، فأرجعوا آباءنا الموتى إلى الحياة، فأمر الله رسوله أن يجيبهم، بأنه هو الذي يحييهم ثم يميتهم، ثم يجمعهم في يوم لا شك فيه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون حقيقة ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (١)، لما أثبت فيما سلف، أنه قادر على الإحياء مرة ثانية، كما قدر على ذلك في المرة
стр. 12171
الأولى .. ذكر هنا دليلًا آخر على ذلك، وهو أنه تعالى مالك الكون كله، فهو قادر على التصرف فيه بالإحياء في الإعادة، كما أحياه في البدء، ثم ذكر من أهوال هذا اليوم، أن كل أمة تجثو على ركبها، وتجلس جلسةَ المخاصم بين يدي الحاكم ينتظر القضاء، وكل أمة تدعى إلى صحيفة أعمالها التي كَتَبَتْهَا الحفظة، لتحاسب عليها، ويقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولا شاهد عليكم أصدق من كتابكم، فهو صورة أعمالكم قد كتبتها الملائكة في دنياكم.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ...﴾ الآيات إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر (١) أهوال العرض والحساب، وأن أعمال كل أمة تعرض عليها، ويقال لهم: هذا ما كتبته الحفظة في الدنيا، فهو شهادة صدق لا شك فيها .. أردف هذا، ببيان أنه بعد انتهاء هذا الموقف، يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات النعيم، ويوبخ الكافرون على ما فرط منهم في الدنيا، ويقال لهم: لا عذر لكم في الإعراض عن آياتي، حين كانت تتلى عليكم إلا الاستكبار، والعناد، وقد كنتم في الحياة الأولى إذا قيل لكم: إن يوم القيامة آت لا شك فيه، قلتم: لا يقين عندنا به وهو موضع حدس وتخمين، فها هو ذا قد حل بكم، جزاء ما اجترحتموه من السيئات، وما كنتم تستهزؤون في دنياكم، إذ قد خدعتكم بزخارفها، فظننتم أن لا حياة بعد هذه الحياة، ولا مأوى لكم إلا جهنم فادخلوها، ولا مخرج لكم منها، ولا عتبى حينئذ، فلا تنفع توبة مما فرط منكم من الذنوب.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما قاله الكلبي (٢): أنها نزلت في علي، وحمزة، وأبي عبيدة بن الجراح ﵃، وفي ثلاثة من المشركين: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا
стр. 12172
للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء، ولو كان ما تقولون حقًا .. لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة، كما أنا أفضل حالًا منكم في الدنيا، فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع، مساويًا لحال الكافر العاصي في درجات الثواب، ومنازل السعادات.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن المنذر، وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: كانت قريش تعبد الحجر حينا من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر، فأنزل الله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ...﴾ الآية. وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس السهمي، أحد المستهزئين؛ لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه.
نزول بقية الآية: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ قال مقاتل (١): نزلت في أبي جهل، ذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة، ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي ﷺ ، فقال أبو جهل: والله إني لأعلم أنه صادق، فقال: مه وما دلك على ذلك، قال: يا أبا عبد شمس، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تم عقله، وكمل رشده، نسميه الكذاب الخائن، والله إني لأعلم أنه صادق، قال: فما يمنعك أن تصدقه، وتؤمن به، قال: تتحدث عني بنات قريش، أني اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدًا فنزلت: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٢١ - قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ...﴾ إلخ، كلام (٢) مستأنف مسوق لبيان تباين حالي المسيئين، والمحسنين إثر بيان تباين حالي الظالمين، والمتقين. و ﴿أَمْ﴾ منقطعة، وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني، والهمزة لإنكار الحسبان، لكن لا بطريق إنكار الوقوع نفيه، كما في قوله تعالى:
стр. 12173
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ بل بطريق إنكار الواقع واستقباحه، والتوبيخ عليه، والاجتراح الاكتساب، و ﴿حَسِبَ﴾ فعل ماض من أخوات ظن و ﴿الَّذِينَ﴾ فاعله، وجملة ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ سادة مسد المفعولين لـ ﴿حَسِبَ﴾، وقوله: ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ جار ومجرور لنفي موضع المفعول الثاني لـ ﴿لجعل﴾، وقوله: ﴿سَوَاءً﴾: بالنصب حال من الضمير في الظرف، والموصول معًا لاشتماله على ضمير الفريقين، على أن السواء بمعنى المستوي، و ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مرتفعان بالسواء على الفاعلية.
والمعنى (١): بل أظن الذين اكتسبوا الشرك والمعاصي، مع مالهم من مساوي الأحوال، أن نصيرهم في الحكم، مثل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، مع ما لهم من محاسن الأعمال، ونعاملهم معاملتهم في الكرامة، ورفع الدرجة، حالة كون كلا الفريقين مستويًا، محياهم ومماتهم؛ أي: محيا الفريقين جميعًا ومماتهم، كلا لا يستوون في شيء منهما، فإن هؤلاء في عن الإيمان والطاعة، وشرفهما في المحيا، وفي رحمة الله ورضوانه في الممات، وأولئك في ذل الكفر والمعاصي وهوانهما في المحيا، وفي لعنة الله، والعذاب الخالد في الممات، وشتان بينهما، وقيل: المراد إنكار أن يستووا في الممات، كما استووا في الحياة؛ لأن المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحة، وإنما يفترقون في الممات ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾؛ أي: ساء وقبح حكمهم هذا، على أن ﴿مَا﴾: مصدرية، والفعل للإخبار عن قبح حكمهم، أو بئس شيئًا حكموه، ذلك على أن ﴿سَاءَ﴾ بمعنى بئس، و ﴿مَا﴾: نكرة موصوفة بمعنى شيء، والفعل لإنشاء الذم.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿سواءٌ﴾ بالرفع، و ﴿مماتهم﴾ بالرفع أيضًا، وأعربوا ﴿سواءٌ﴾ مبتدأ، وخبره ما بعده، ولا مسوغ لجواز الابتداء، بل هو خبر مقدم وما بعده المبتدأ، والجملة خبر مستأنف، والمعنى: إنكار حسبانهم أن محياهم
стр. 12174
ومماتهم سواء، وقرأ زيد بن علي وحمزة والكسائي وحفص: ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب، وما بعده مرفوع على الفاعلية، أجرى ﴿سَوَاءً﴾ مجرى مستويًا كما قالوا: مررت برجل سواء هو والعدم، وجوز في انتصاب ﴿سَوَاءً﴾ وجهان:
أحدهما: أن يكون منصوبًا على الحال، و ﴿كَالَّذِينَ﴾ المفعول الثاني: والعكس، وقرأ الأعمش: ﴿سواء﴾: بالنصب ﴿محياهم ومماتهم﴾ بالنصب أيضًا، وخرج على، أن محياهم ومماتهم ظرفي زمان، والعامل إما ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ وإما ﴿سَوَاءً﴾.
والثاني: أن يجعل بدلًا من مفعول ﴿نَجْعَلَهُمْ﴾، والمفعول الثاني: ﴿سَوَاءً﴾؛ أي: نجعل محياهم ومماتهم سواءً.
ومجمل معنى الآية (١): أي أيظن هؤلاء الذين اكتسبوا الإثم والمعاصي في الدنيا، فكفروا بالله وكذبوا الرسل، وخالفوا أمره، وعبدوا غيره، أن نجعلهم كالذين آمنوا به، وصدقوا رسله، فنساوي بينهم في دار الدنيا، وفي الآخرة، كلا، لا يستوون في شيء منهما، فإن أهل السعادة في عز الإيمان والطاعة، وشرفهما في المحيا، وفي رحمة الله، ورضوانه في الممات، وأهل الشقاء في ذل الكفر، والمعاصي، وهوانهما في المحيا، وفي لعنة الله، والعذاب الخالد في الممات، فشتان ما بينهما وما أبعدما بين الثريا والثرى.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾، وقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾؛ أي: ساء ما ظنوا، وبعد أن نساوي بين الأبرار، والفجار في دار الآخرة، وفي هذه الدار، وفي الآية إرشاد إلى تباين حالي المؤمن العاصي، والمؤمن المطيع، وقد أثر عن كثير من الناسكين، المخبتين لربهم، أنهم كانوا يبكون عند تلاوة هذه الآية، حتى سموها مبكاة العابدين.
أخرج عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" والطبراني، وجماعة عن أبي
стр. 12175
الضحى قال: قرأ تميم الداري سورة الجاثية، فلما أتى على قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية، لم يزل يكررها ويبكي، حتى أصبح وهو عند المقام، وأخرج ابن أبي شيبة عن بشير مولى الربيع بن خشيم، أن الربيع كان يصلي، فمر بهذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ﴾ فلم يزل يرددها حتى أصبح، وكان الفضيل بن عياض يقول لنفسه إذا قرأها: ليت شعري من أي الفريقين أنت.
فلا يطمعن (١) البطال في ثواب العمال ولا الجبان في مقام الأبطال ولا الجاهل في مقام العالم ولا النائم في ثواب القائم، فعلى اجتهاد المرء يزيد أجره، وبقدر تقصيره ينحط قدره، وفي بعض الكتب السالفة: إن لله مناديًا ينادي كل يوم: أبناء الخمسين زرع دنا حصاده، أبناء الستين هلموا إلى الحساب أبناء السبعين ماذا قدمتم وماذا أخرتم؟ أبناء الثمانين لا عذر لكم، ليت الخلق لم يخلقوا, وليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا وتجالسوا بينهم، فتذكروا ما عملوا، ألا أتتكم الساعة فخذوا حذركم.
وفي الخبر: "إذا أراد الله سبحانه بعبد خيرًا، بعث إليه ملكًا من عامه الذي يموت فيه، فيسدده، وييسره، فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت، فقعد عند رأسه فقال: يا أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فذلك حين يحب لقاء الله، ويحب الله لقاءه، وإذا أراد بعبد شرًا بعث إليه شيطانًا من عامه الذي يموت فيه، فأغواه، فإذا كان عند موته، أتاه ملك الموت، فقعد عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرق في جسده، فذلك حين يبغض لقاء الله، ويبغض الله لقاءه"، ويقال: إذا أراد الله أن ينقل العبد من ذل المعصية إلى عن الطاعة، آنسه بالوحدة، وأغناه بالقناعة، وبصره بعيوب نفسه، فمن أعطي ذلك، فقد أعطي خير الدنيا والآخرة.
وعن أبي بكر الوراق رحمه الله تعالى: طلبنا أربعةً فوجدناها في أربعة، وجدنا رضي الله في طاعة الله تعالى، وسعة العيش في صلاة الضحى، وسلامة
стр. 12176
الدين في حفظ اللسان، ونور القلب في صلاة الليل، فعليك بالتدارك قبل فوت الوقت، فإن الوقت سيف قاطع.
٢٢ - ثم أقام الدليل على عدم التساوي، وأبان حكمة ذلك، فقال: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: لأجل إظهار الحق والعدل بين العباد، فالباء تعليلية بمعنى اللام، وقوله: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ معطوف على ﴿بِالْحَقِّ﴾ عطف علة على علة؛ لأن الباء تعليلية؛ أي: ولتجزى كل نفس مكلفة ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ من خير أو شر ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: النفوس المدلول عليها بكل نفس؛ أي: والحال أن الخلائق ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقص ثواب المحسن، أو بزيادة عقاب المسيء.
والمعنى (١): أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت في الدرجات والدركات بين المحقين والمبطلين، ويجوز أن يكون معطوفًا على علة محذوفة، تقديرها: وخلق الله السموات والأرض بالحق، ليدل بهما على قدرته، ولتجزى كل نفس، إلخ. وجوز ابن عطية أن تكون هذه اللام لام الصيرورة؛ أي: فصار الأمر منها من حيث اهتدى بها قوم، وضل عنها آخرون؛ لأن يجازى كل واحد بعمله، وبما اكتسب من خير أو شر، انتهى. ولا وقف على قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ وعند أبي حاتم، فالوقف عليه تام بجعل لام ﴿لتجزى﴾ لام قسم؛ أي: لم يخلق الله السموات والأرض للجور والظلام، بل خلقهما للحق والعدل، ومن العدل أن يخالف بين المحسن والمسيء، في العاجل والآجل، وليثيب كل عامل بما هو له أهل، فلا يبخس المحسن ثواب إحسانه، أو يحمل عليه جرم غيره فيعاقبه به، أو يجعل للمسيء ثواب إحسان غيره.
والخلاصة: كل عامل يجزى بما كسبت يداه، ولا يظلم بنقص ثواب، ولا بتضعيف عقاب.
٢٣ - ثم بين أحوال الكافرين، وذكر جناياتهم على أنفسهم، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ
стр. 12177
اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ وهو تعجيب لحال من ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى، فكأنه عبده، والهمزة: للاستفهام التعجيبي داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أنظرت يا محمد إلى حال أسير الهوى، فرأيت من اتخذ ما تهواه نفسه الخبيثة إلهًا ومعبودًا، وترك متابعة الهدى، واختار متابعة الهوى، ففي الكلام استعارة تمثيلية، أو تشبيه بليغ حذف منه أداة التشبيه؛ أي: جعل هواه كإلهه في طاعته؛ أي: انظر يا محمد، واعجب من حال من ركب رأسه وترك الهدى وأطاع الهوى، فكأنه جعله إلهًا يعبده من دون الله، فهو لا يهوى شيئًا إلا فعله، لا يخاف ربًا ولا يخشى عقابًا، ولا يفكر في عاقبة ما يعمل، قال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به، وعبد الآخر، وعن أبي رجاء العطاردي: أنه أدرك الجاهلية، وهو ثقة مات سنة خمس ومئة، وعمره مئة وعشرون سنة، قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا أحسن منه .. ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حَثْوةً من تراب، فحلبنا عليها، ثم طفنا بها.
وفي هذا: إيماء (١) إلى ذم اتباع هوى النفس، ومن ثم قال وهب بن منبه: إذا شككت في خير أمرين، فانظر أبعدهما من هواك فأته، وقال سهل التستري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك وقال الإشبيلي الزاهد:
فَخَالِفْ هَوَاهَا وَاعْصِهَا إِنَّ مَنْ يُطِعْ ... هَوَى نَفْسِه يُنْزَعْ بِهِ شَرَّ مَنْزَعِ
وَمَنْ يُطِعِ النَّفْسَ اللَّجُوْجَةَ تُرْدِهِ ... وَتَرْمِ بِهِ فِيْ مَصْرَعٍ أَيَّ مَصْرَعِ
وقال البوصيري:
وَخَالِفِ النَّفْس وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمْا ... وَإِنْ هُمَا مَحَضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمِ
وقال بعضهم:
نُوْنُ الْهَوَانِ مِنَ الْهَوَى مَسْرُوْقَةٌ ... فَأَسِيْرُ كُلِّ هَوًى أَسِيْرُ هَوَانِ
وقال الآخر:
стр. 12178
فَاعْصِ هَوَىَ النَّفْسِ وَلَا تُرْضِهَا ... إِنَّكَ إِنْ اسْخَطْتَهَا زَانَكَا
حَتَّى مَتَى تَطْلُبُ مَرْضَاتَهَا ... وَإِنَّمَا تَطْلُبُ عُدْوَانَكَا
وقال ابن عباس: ما ذكر الله سبحانه هوى في القرآن إلا ذمه، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾، وقال: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ فيما ذكره النووي في كتاب "الحجة" للمقدسي: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به". وقال أبو أمامة سمعت النبي ﷺ يقول: "ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى".
وروى شداد بن أوس عن النبي ﷺ : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله". أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، والحاكم. وعنه ﷺ أنه قال: "إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة". أخرجه الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني. وعنه أنه قال: "ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، فالمهلكات: شح مطاع، وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، والمنجيات: خشية الله في السر والعلن، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب". أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر وهو ضعيف، وحسبك ذمًا لاتباع الهوى، قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾.
وقيل: معنى ﴿أرأيت﴾ أخبرني عن حال من اتخذ هواه إلهًا، فيتعدى (١) إلى مفعولين، الأول: هو من اتخذ، والثاني: محذوف تقديره: مهتديًا يدل عليه قوله: فمن يهديه من بعد الله؛ أي: لا أحد يهديه من بعد إضلال الله إياه، وفيه حينئذ تجوزان (٢)، إطلاق الرؤية، وإرادة الإخبار على طريق إطلاق اسم السبب وإرادة المسبب؛ لأن الرؤية سبب للإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع
стр. 12179
مطلق الطلب.
وقرىء (١): ﴿آلهته هواه﴾ لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه، فكأنه اتخذ هواه آلهةً شتى، يعبد كل وقت واحدًا منها. وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ﴾ سبحانه معطوف على صلة ﴿مَنِ﴾، وقوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ إما حال من الفاعل؛ أي: حال كون الله عالمًا في سابق علمه، بأن جوهر روحه لا يقبل الصلاح، أو من المفعول؛ أي: حال كون ذلك الضال، عالمًا بأن الحق هو الدين، ويعرض عنه عنادًا، كقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: خذله فلم يجعله يسلك سبيل الرشاد؛ لأنه قد علم أنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية، لما في جوهر نفسه من الميل إلى ارتكاب الإجرام واتباع الشهوات، فهو يوغل في القبائح دون زاجر، ولا وازع.
﴿وَ﴾ قد ﴿خَتَمَ﴾ وطبع ﴿عَلَى سَمْعِهِ﴾ فلا يتأثر بالآيات تتلى عليه ليعتبر بها، ولا يتدبرها ليعقل ما فيها من النور والهدى ﴿وَ﴾ ختم على ﴿قَلْبِهِ﴾ فلا يعي حقًا، ولا يسترشد إلى صواب ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ عظيمة، وغطاء مانعًا، يمنعه أن يبصر حجج الله، وآياته في الآفاق والأنفس فيستدل بها على وحدانيته تعالى، ويعلم بها أن لا إله غيره.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾. وقرأ الجمهور (٢): ﴿غِشَاوَةً﴾ بكسر الغين المعجمة، وقرأ عبد الله، والأعمش: بفتحها، وهي لغة ربيعة، وقرأ الحسن، وعكرمة، وعبد الله أيضًا: بضمها، وهي لغة عكل، وقرأ الأعمش أيضًا وطلحة وأبو حنيفة ومسعود بن صالح وحمزة والكسائي: ﴿غشوة﴾ بفتح الغين وسكون الشين، وقرأ ابن مصرف والأعمش أيضًا كذلك إلا أنهما كسرا الغين.
ثم ذكر أن مثل هذا لا طمع في هدايته، فقال: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ﴾ ويرشده ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ إضلال ﴿اللَّهِ﴾ سبحانه إياه؛ أي: فمن يوفقه لإصابة الحق، وإبصار محجة
стр. 12180
الرشد بعد إضلال الله إياه، والاستفهام إنكاري؛ أي: لا أحد يستطيع أن يفعل ذلك، والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تلاحظون (١) أيها الناس فلا تتذكرون، ولا تتفكرون، فتعلموا أن الهداية لا يملكها أحد سواه، أو فلا تتعظون؛ أي: أفلا تتذكرون أيها القوم فتعلموا، أن من فعل الله به ما وصفنا، لن يهتدي أبدًا، ولم يجد لنفسه وليًا ولا مرشدًا، وقرأ الجمهور: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بتشديد الذال، والجحدري يخففها، والأعمش بتاءين.
ومجمل معنى الآية (٢): أي أخبرني عن حال ذلك الكافر الذي أطاع هواه وترك الهدى، واتخذ دينه ما يهواه، فكأنه جعل الهوى إلهه، يعبده من دون الله، فلا يهوى شيئًا إلا اتبعه دون مراعاة لما يحبه الله ويرضاه، فهذا مما يدعو إلى العجب، وكان الحارث بن قيس لا يهوى شيئًا إلا فعله، والعبرة بعموم لفظ الآية، لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية من أجله.
وقد أضله الله، وخذله مع علمه بالحق، ومعرفته الهدى من الضلال، وقيام الحجة عليه، وطبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وعلى قلبه حتى لا يفقه الهدى، وجعل غطاء على بصره وبصيرته حتى لا يبصر الرشد، ويدرك آيات الله في الكون، التي تدل على وحدانية الله تعالى، فمن يوفقه للصواب والحق، من بعد إضلال الله له بسبب انحرافه واتباعه هواه، أفلا تتذكرون تذكر اعتبار، وتتعظون حتى تعلموا حقيقة الحال.
٢٤ - ثم بين سبحانه بعض جهالاتهم، فقال: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال منكروا البعث من غاية غيهم وضلالهم، وهم كفار قريش، ومشركوا العرب، وفي "كشف الأسرار": هذا من قول الزنادقة، الذين قالوا: الناس كالحشيش أي: ما الحياة ﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ التي نحن فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾؛ أي: يصيبنا الموت، والحياة فيها، وليس وراء ذلك حياة، وتأخير ﴿نحيا﴾ لأن فيها شبه مراعاة الفاصلة،
стр. 12181
ولأن ﴿الواو﴾ لمطلق الجمع، وقيل: نموت نحن ويحيا فيها أولادنا، وقيل: نكون نطفًا ميتةً، ثم نصير أحياء، وقيل: في الآية تقديم وتأخير؛ أي: نحيا ونموت، وكذا قرأ ابن مسعود. وعلى كل تقدير، فمرادهم بهذه المقالة: إنكار البعث، وتكذيب الآخرة، وقد جوز (١) أن يريدوا به التناسخ، فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان، قال الراغب: القائلون بالتناسخ قوم ينكرون البعث، على ما أثبتته الشريعة، ويزعمون أن الأرواح تنتقل من الأجساد على التأبيد؛ أي: إلى أجساد أخر. وفي "التعريفات": التناسخ عبارة عن تعلق الروح بالبدن، بعد المفارقة من بدن آخر، من غير تخلل زمان بين التعلقين، للتعشق الذاتي بين الروح والجسد. وقرأ زيد بن علي ﴿ونحيا﴾ بضم النون ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا﴾ ويعدمنا، ويفنينا ﴿إِلَّا الدَّهْرُ﴾؛ أي: إلا مرور الزمان، وهو مدة بقاء العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، ثم يعبر به عن كل مدة كبيرة، وهو خلاف الزمان، فإن الزمان يقع على المدة القليلة والكثيرة، وقيل: إلا مرور الأيام والليالي، قال مجاهد، يعني السنين والأيام. وقال قتادة: إلا العمر والمعنى واحد. وقال قطرب: وما يهلكنا إلا الموت. وقال عكرمة: وما يهلكنا إلا الله، وقرأ عبد الله: ﴿إلا دهر﴾، وتأويل إلا دهر يمر، كانوا يضيفون كل حادثة إلى الدهر، وأشعارهم ناطقة بشكوى الدهر، حتى يوجد ذلك في أشعار المسلمين، قال ابن دريد في مقصورته:
يَا دَهْرُ إِنْ لَمْ تَكُ عُتْبَى فَاتَّئِدْ ... فِإِنَّ إِرْوَادَكَ وَالْعُتْبَى سَوَاء
ومجمل المعنى (٢): أي وقال المشركون الذين سبق ذكر بعض أوصافهم: لا حياة بعد هذه الحياة، التي نحن نعيش فيها، فنموت وتحيا أبناؤنا من بعدها، وهذا تكذيب صريح منهم للبعث والمعاد.
وقصارى ذلك: ما ثم إلا هذه الدار يموت قوم، ويعيش آخرون، وليس هناك بعث ولا قيامة ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾؛ أي: وما يفنينا إلا مر الليالي
стр. 12182
والأيام، فمرورها هو المؤثر في هلاك الأنفس، ويضيفون كل حادث إلى الدهر، وأشعارهم ناطقة بذلك، قال:
أَشَابَ الصَّغِيْرَ وَأَفْنَى الْكَبِيْرَ ... كَرُّ الْغَدَاةِ وَمَرُّ الْعَشِيّ
وقد كانت العرب في جاهليتهم، إذا أصابتهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، وقد جاء النهي عن سب الدهر، فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما، من حديث أبي هريرة ﵁: أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار".
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى: استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي، يقول وادهراه وأنا الدهر". قال الشافعي (١) وأبو عبيدة، وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﷺ : "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر": كان العرب في الجاهلية إذا أصيبوا بشدة أو بلاء، قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر، ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله، فكأنهم إنما سبوا الله ؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلذا نهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه، ويسندون إليه تلك الأفعال.
ثم نعى عليهم مقالهم هذا، الذي لا دليل عليه، فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ﴾؛ أي: وما لهؤلاء المشركين، الذين ينفون البعث والحياة بعد الموت ﴿بِذَلِكَ﴾؛ أي: بما ذكر من اقتصار الحياة على ما في الدنيا، وإسناد الحياة والموت إلى الدهر ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ ويقين، أسند إلى عقل, أو نقل، و ﴿مِنْ﴾: مزيدة لتأكيد النفي؛ أي: وما لهم علم ويقين بذلك ﴿إِنْ هُمْ﴾؛ أي: ما هم ﴿إِلَّا﴾ قوم ﴿يَظُنُّونَ﴾ بذلك؛ أي: ما هم إلا قوم قصارى أمرهم: الظن والتقليد من غير أن يكون لهم شيء يصح أن يتمسك به في الجملة، هذا معتقدهم الفاسد في أنفسهم، وأما المؤمنون فقد
стр. 12183
أخذوا بالنصوص، وسلكوا طريق اليقين، وتجاوزوا عن برازخ الظن والتخمين، وأثبتوا البعث والحشر والصراط والجنة والنار.
والمعنى: أي وما لهم بقصر الحياة على حياة الدنيا، ونسبة الإهلاك إلى الدهر علم يستند إلى عقل، أو نقل، وقصارى أمرهم: الظن والتخمين، من غير أن يكون لهم ما يتمسكون به من حجة نافذة.
وفي الآية إشارة، إلى أن القول بغير بينة ولا حجة، لا ينبغي أن يعول عليه، وأن اتباع الظن منكر عند الله تعالى.
٢٥ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على منكري البعث ﴿آيَاتُنَا﴾ الناطقة بالحق، الذي من جملته البعث، حالة كونها ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات الدلالة على ما نطقت، أو مبينات له، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وغير ذلك: جواب ﴿إِذَا﴾، وبه استدل أبو حيان، على أن العامل في ﴿إِذَا﴾ ليس جوابها؛ لأن ﴿مَا﴾ النافية لها صدر الكلام، واعتذر عن دخول الفاء في الجواب، بأنها خالفت أدوات الشرط في ذلك، فإنها لا بد من دخول الفاء فيها، نحو: إن تزرنا فما جفوتنا؛ أي: فما تجفونا. و ﴿حُجَّتَهُمْ﴾ بالنصب على أنه خبر ﴿كَانَ﴾؛ أي (١): ما كان متمسكاتهم بشيء من الأشياء يعارضونها به ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ أي: إلا قولهم عنادًا واقتراحًا ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾؛ أي: أحيوهم، وابعثوهم من قبورهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنا نبعث بعد الموت، وقد سبق في سورة الدخان؛ أي: لا حجة لهم إلا هذا القول الباطل، الذي يستحيل أن يكون من قبيل الحجة؛ لأنها إنما تطلق على الدليل القطعي. وتسميته (٢) حجة إما لسوقهم إياه مساق الحجة على سبيل التهكم بهم، أو لتنزيل التقابل منزلة التناسب للمبالغة، فأطلق اسم الحجة على ما ليس بحجة، من قبيل:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيْعُ
стр. 12184
أي: سماه حجة، لبيان أنهم لا حجة لهم البتة؛ لأن من كانت حجته هذا، لا يكون له حجة البتة، كما أن من ابتدأ بالضرب الوجيع في أول التلاقي، لا يكون بينهم تحية البتة، ولا يقصد بهذا الأسلوب إلا هذا المعنى، كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة والمراد: نفي أن يكون لهم حجة البتة، وقرأ الجمهور (١): ﴿حُجَّتَهُمْ﴾ بالنصب على أنه خبر ﴿كَانَ﴾ واسمها ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وزيد بن علي وعبيد بن عمير وابن عامر فيما روى عنه عبد الحميد، وعاصم فيما روى هارون، وحسين عن أبي بكر برفع ﴿حجتُهم﴾ على أنه اسم ﴿كَانَ﴾.
٢٦ - ثم أمر رسوله أن يرد عليهم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث ﴿اللَّهِ﴾ ﴿يُحْيِيكُمْ﴾ ابتداء ما شاء أن يحييكم في الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فيها عند انقضاء آجالكم ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ﴾ بعد البعث جميعًا أولكم وآخركم، صغيركم وكبيركم، منتهين ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ للجزاء ثم أكد ذلك ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شك في هذا البعث والجمع، فإن من قدر على البدء بقدر على الإعادة، والحكمة اقتضت الجمع للجزاء، لا محالة لتجزى كل نفس بما كسبت، والأديان جميعًا متضافرة على تحققه، وحصوله يوم القيامة، والوعد المصدق بالمعجزات دل على وقوعه حتمًا، والإتيان بآبائهم حيث كان، مزاحمًا للحكمة التشريعية امتنع إيقاعه.
وقصارى ما سلف (٢): أن البعث أمر ممكن، أخبر به الأنبياء الصادقون، والحكمة تقتضي حصوله، والعقل يؤيده فهو واقع لا محالة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يعني: الكفرة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ تحتم البعث والجزاء بمقتضى وعده؛ أي: ينكرون البعث، ويستبعدون عودة الأجساد بعد موتها، وحين تكون عظامًا نخرة، كما قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾؛ أي: يرون وقوعه بعيدًا، والمؤمنون يرونه قريبًا وما دعاهم إلى ذلك إلا جهلهم، وقصر نظرهم، وهذا (٣) استدراك
стр. 12185
على قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ بأن فيه شائبة ريب ما، وفيه إشارة إلى أن الله يحييكم بالحياة الإنسانية، ثم يميتكم عن صفة الإنسانية الحيوانية، ثم يجمعكم بالحياة الربانية إلى يوم القيامة، وهي النشأة الأخرى لا ريب في هذا عند أهل النظر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ لأنهم أهل النسيان والغفلة.
وَفِيْ الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لأَهْلِهِ ... وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُوْرِ قُبُوْرُ
وإِنَّ أَمْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ ... وَلَيْسَ لَهُ حِيْنَ النُّشُوْرِ نُشُوْرُ
٢٧ - ﴿وَلِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: الملك المطلق، والتصرف الكلي فيهما، وفيما بينهما مخصوص بالله تعالى، وهو تعميم للقدرة بعد تخصيصها؛ أي: إن الله (١) سبحانه مالك العالم العلوي والسفلي، جار حكمه فيهما دون ما تدعون من دونه من الأوثان والأصنام.
ثم توعد الكافرين أهل الباطل فقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ والعامل في (٢) ﴿يَوْمَ﴾ ﴿يُخْسِرُ﴾ الآتي، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل منه، قال العلامة التفتازاني: مثل هذا بالتأكيد أشبه، وأنى يتأتى أن هذا مقصود بالنسبة دون الأول؟.
قلت: اليوم في البدل بمعنى الوقت، والمعنى وقتئذٍ إذ تقوم الساعة، ويحشر الموتى فيه، وهو جزء من ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ فإنه يوم متسع مبدؤه من النفخة الأولى، فهو بدل البعض، والعائد مقدر، ولما كان ظهور خسرهم وقت حشرهم، كان هو المقصود بالنسبة، كذا في "حواشي سعدي المفتي"، ومعنى ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾: يظهر خسرانهم ثمة، يقال: أبطل فلان إذا جاء بالباطل، وقال شيئًا لا حقيقة له، والمراد: الذي يبطلون الحق، ويكذبون بالبعث؛ أي: يخسر المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل.
والمعنى (٣): أي ويوم تقوم الساعة، ويحشر الناس من قبورهم للعرض، والحساب سيظهر خسران أولئك المنكرين الجاحدين، بما أنزل الله على رسله من