← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

وكثافة الحجاب، لم يكن ليذوق ألم العذاب، فلما مات انتبه، وذاق ألم ما ظلم به نفسه، وقرأ الجمهور: ﴿إِنَّكَ﴾ بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بن علي بن أبي طالب على المنبر، والكسائي بفتحها؛ أي: لأنك. قال الفراء: أي بهذا القول الذي قلته في الدنيا اهـ. والمعنى: أي ذق هذا الذل والهوان اليوم، فإنك كنت تزعم أنك أنت العزيز الكريم، وها هو ذا، قد تبين لك أنك أنت الذليل المهين، فأين ما كنت تقول وتدعي من العز والكرامة، فهلا تمتنع من العذاب بعزتك ٥٠ - ﴿إِنَّ هَذَا﴾ العذاب الذي تعذبون به ﴿مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾؛ أي: تشكون في الدنيا، أو تمارون فيه؛ أي: تجادلون بالباطل؛ أي: العذاب الذي كنتم تشكون فيه في الدنيا فتختصمون فيه ولا توقنون به، فقد لقيتموه فذوقوه، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ والجمع باعتبار المعنى؛ لأن المراد: جنس الأثيم. ٥١ - ولما ذكر حال الكفار .. أعقبه بحال المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: عن الكفر والمعاصي وهم المؤمنون المطيعون ﴿فِي مَقَامٍ﴾؛ أي: في موضع قيام. والمراد (١): المكان على الإطلاق، فإنه من الخاص الذي شاع استعماله في معنى العموم، يعني أنه عام، ومستعمل في جميع الأمكنة حتى قيل لموضع القعود. مقام وإن لم يقم فيه أصلًا؛ أي: في مكان ﴿أَمِينٍ﴾ يأمن صاحبه الآفات والانتقال عنه، على أن وصف المقام بالأمن من المجاز في الإسناد، كما في قولهم: جرى النهر، فالأمن ضد الخوف، والأمين بمعنى ذي الأمن. وأشار الزمخشري إلى وجه اخر، وهو أن الأمين من الأمانة التي هي ضد الخيانة، وهي في الحقيقة صفة صاحب المكان، لكن وصف به المكان بطريق الاستعارة التخييلية، كان المكان المخيف يحزن صاحبه ونازله، بما يلقى فيه من المكاره، أو كناية؛ لأن الوصف إذا أثبت في مكان الرجل، فقد أثبت له، لقولهم

стр. 12112

المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه، كما في "بحر العلوم". قال أهل السنة: كل من اتقى الشرك، صدق عليه أنه متق، فيدخل الفساق في الوعد، يقول الفقير: الظاهر أن المطلق مصروف على الكامل بقرينة أن المقام مقام الامتنان، والكامل والمؤمن المطيع كما أشرنا إليه في عنوان الآية، نعم يدخل العصاة فيه انتهاءً وتبعيةً لا ابتداءً وأصالة. كما يدل عليه الوعيد الوارد في حقهم، وإلا لاستوى المطيع والعاصي، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ عفا الله عنا وعنكم أجمعين. وقرأ عبد الله بن عمر وزيد بن علي وأبو جعفر وشيبة والأعرج والحسن وقتادة ونافع وابن عامر (١): ﴿في مقام﴾ بضم الميم، وقرأ أبو رجاء وعيسى ويحيى والأعمش وباقي السبعة: بفتحها، وعلى القراءة الأولى هو موضع الإقامة، وعلى القراءة الثانية هو موضع القيام، قاله الكسائي وغيره، وقال الجوهري: قد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام. ٥٢ - وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ وبساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ وأنهار، بدل من ﴿مَقَامٍ﴾، أو بيان له، أو خبر ثان جيء به دلالةً على نزاهته واشتماله على طيبات المآكل والمشارب، والمراد (٢) بالعيون: الأنهار الجارية، والتنكير فيهما للتعظيم، ٥٣ - وقوله: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ خبر ثان أو ثالث، أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، والسندس ما رقَّ من الحرير، يجري مجرى الشعار لهم، وهو اللين من الدثار في المعتاد، والإستبرق ما غلظ منه وصفق نسجه، يجري مجرى الدثار، وهو أرفع نوع من أنواع الحرير، والحرير نوعان: نوع كلما كان أرق كان أنفس، ونوع: كلما كان أرزق بكثرة الإبريسم كان أنفس، يقول الفقير: يحتمل عندي أن يكون السندس لباس المقربين، والإستبرق لباس الأبرار يدل عليه أن شراب المقربين هو التسنيم الخالص، وشراب الأبرار هو الرحيق الممزوج به.

стр. 12113

وفي "فتح الرحمن": إن قلت: كيف وعد الله تعالى أهل الجنة بلبس الإستبرق، وهو غليظ الديباج، مع أن غليظه عند السعداء، من أهل الدنيا عيب ونقص؟ قلت: غليظ ديباج الجنة لا يشابه غليظ ديباج الدنيا حتى يعاب، كما أن سندس الجنة وهو رقيق الديباج، لا يشابه سندس الدنيا. وقيل: إن السندس لباس سادة أهل الجنة، والإستبرق لباس خدمهم إظهارًا لتفاوت الرتب انتهى. وقرأ ابن محيصن (١): ﴿واستبرق﴾ جعله فعلًا ماضيًا. وقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يَلْبَسُونَ﴾؛ أي: حال كونهم متقابلين في المجالس. ليستأنس بعضهم ببعض. ومعنى متقابلين: متواجهين لا ينظر (٢) بعضهم إلى قفا بعض، لدوران الأسرة بهم، فهو أتم للأنس. وقال بعضهم: معناه: متقابلين بالمحبة، غير متدابرين بالبغض والحسد؛ لأن الله ينزع من صدورهم الغل وقت دخولهم الجنة، فإن قلت: المقصود من جلوسهم متقابلين: استئناس بعضهم ببعض، والجلوس على هذه الصفة موحش؛ لأنه يكون كل واحد منهم مطلعًا على ما فيه الاخر، فقليل الثواب إذا اطلع على حال كثيره .. تنغص. والجواب: أن أحوال الآخرة بخلاف أحوال الدنيا، اهـ "كرخي". ٥٤ - والكاف، في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ إما صفة لمصدر محذوف مع فعله؛ أي: أثبناهم إثابةً مثل المذكور، أو نفعل بالمتقين فعلًا مثل ذلك المذكور، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كذلك، والأول أولى ليعطف عليه، قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾؛ أي: قرناهم بهن، فيتمتعون تارةً بمؤانسة الإخوان ومقابلتهم، وتارةً بملاعبة النسوان من الحور العين، ومزاوجتهن، فليس المعنى: حصول عقد النكاح بينهم وبين الحور، فإن التزويج بمعنى العقد لا يتعدى بالباء، كما جاء في التنزيل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وإذا لم يكن عقد التزويج يقال: زوجناك بها، بمعنى كنت فردًا فقرناك بها؛ أي: جعلناك شفعًا بها، والله سبحانه

стр. 12114

وتعالى جعلهم اثنين ذكرًا وأنثى، وقال في "المفردات": لم يجىء في القرآن زوجناهم حورًا، كما يقال: زوجته امرأةً تنبيهًا على أن ذلك لم يكن على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكح انتهى. ثم الحور جمع الحوراء، وهي البيضاء، والعين جمع العيناء، وهي العظيمة العينين، فالحور هي النساء النقيات البياض، يحار فيهن الطرف لبياضهن وصفاء لونهن، واسعات الأعين حسانها، أو الشديدات بياض الأعين الشديدات سوادها. وحاصل معنى الآيات: أن (١) المتقين لله في الدنيا الخائفين عقابه، المنتظرين فضله وثوابه، يكونون في الآخرة في مجالس يأمنون فيها من الموت، ومن كل ما يحزنهم ويصيبهم من الآفات والآلام. وقد ذكر سبحانه من ضروب نعيمهم خمسة ألوان: ١ - مساكنهم، كما قال: ﴿مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾ والمسكن يطيب بأمرين: الأول: أن يكون من فيه آمنًا من جميع ما يخافه ويحذر منه، وهو المقام الأمين. الثاني: أن يكون فيه أسباب النزهة من الجنات والعيون. وذلك قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾. ٢ - ملابسهم، وهي التي عناها سبحانه بقوله: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. ٣ - استئناس بعضهم ببعض بجلوسهم على جهة التقابل، وهو ما أشار إليه بقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾. ٤ - الأزواج كما قال: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾.

стр. 12115

٥ - ٥٥ المآكل، كما قال: ﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: يطلبون ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنات ﴿بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾؛ أي: يأمرون بإحضار ما يشتهونه من الفواكه، لا يتخصص شيء منها بمكان ولا زمان، وذلك لا يجتمع في الدنيا، يعني: أن فواكه الدنيا لا توجد في كل مكان، ولها أزمنة مخصوصة، لا تستقدمها ولا تستأخرها، وقوله: ﴿آمِنِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: حال كونهم آمنين من كل ما يسوءهم أيا كان، خصوصًا الزوال والانقطاع، وتولد الضرر من الإكثار، وحجاب القلب، كما يكون في الدنيا فيكونون في الصورة مشغولين بالحور العين، وبما يشتهون من النعيم، وبالقلوب متوجهين إلى الذات العلية، مشاهدين لها. والمعنى (١): يطلبون ما يشتهون من أنواع الفاكهة، وهم آمنون من انقطاعها، ومن غائلة أذاها ومكروهها، فهي ليست كفاكهة الدنيا التي نأكلها، ونخاف مكروه عاقبتها، أو نخاف نفادها في بعض الأحايين. ٥٦ - وبعد أن وصف ما هم فيه من نعميم مقيم، بين أن حياتهم في هذا النعيم دائمة، لا يلحقها موت ولا فناء، فقال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا﴾؛ أي: في الجنات ﴿الْمَوْتَ﴾ أبدًا ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ التي ذاقوها في الدنيا، وقرأ (٢) عبيد بن عمير ﴿لا يذاقون﴾ مبنيًا للمفعول، والموت والموتة: مصدران من فعل واحد، كالنفخ والنفخة، إلا أن الموتة أخص من الموت؛ لأن الموتة للوحدة والموت للجنس، فيكون بعضًا من جنس الموت، وهو فرد واحد، ونفي الواحدة أبلغ من نفي الجنس، فكانت أقوى وأنفى في نفي الموت عن أنفسهم، كأنه قال: لا يذوقون فيها شيئًا من الموت يعني: أقل ما ينطلق عليه اسم الموت، كما في "بحر العلوم"، والاستثناء (٣) منقطع؛ أي: لا يذوقون الموت في الجنة لكن الموتة الأولى قد ذاقوها قبل دخول الجنة، فعيشتهم المرضية مقارنة للحياة الأبدية، بخلاف أهل النار، فإنه لا عيشة لهم، وكذا لا يموتون فيها، ولا يحيون، ويقال:

стр. 12116

ليس في الجنة عشرة أشياء: ليس فيها هرم ولا نوم ولا موت ولا خوف ولا ليل ولا نهار ولا ظلمة ولا حر ولا برد ولا خروج، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا، على أن المراد: بيان استحالة ذوق الموت فيها على الإطلاق، كأنه قيل: لا يذوقون فيها الموتة إلا إذا أمكن ذوق الموتة الأولى في المستقبل، وذوق الماضي غير ممكن في المستقبل، لا سيما في الجنة التي هي دار الحياة فهذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. والمقصود: أنهم لا يذوقون فيها الموت البتة، وكذا لا ينكحون منكوحات آبائهم قطعًا، وقيل: إلا بمعنى بعد كما اختاره ابن جرير، أو بمعنى سوى، واختاره ابن عطية، فإن قلت: هذا دليل على نفي الحياة والموت في القبر. قلت: أراد به: جنس الموت، المتعارف المعهود فيما بين الخلق، فإن الموت المعهود لا يعرى عن الغصص، والموت بعد الإحياء في القبر يكون أخف من الموت المعهود، كما في "الأسئلة المقحمة". والمعنى (١): أي لا يخشون في الجنة موتًا ولا فناء أبدًا، وقد ثبت في "الصحيحين": أن رسول الله ﷺ قال: "يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". وروى أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "يقال لأهل الجنة: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تهرموا أبدًا"، رواه مسلم. وخلاصة ذلك: لا يذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا، كذا قال الزجاج والفراء.

стр. 12117

﴿وَوَقَاهُمْ﴾؛ أي: حفظهم الله ﴿عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ وصرفه عنهم، وقرأ (١) الجمهور: ﴿وقاهم﴾ بالتخفيف، وقرأ أبو حيوة مشددًا بالقاف، ٥٧ - وقوله: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ منصوب على المصدرية بفعل مقدر، أو على الحالية؛ أي (٢): أعطي المتقون ما ذكر من نعيم الجنة، والنجاة من عذاب النار عطاءً وتفضلًا منه تعالى، لا جزاءً للأعمال المعلولة، وقرىء بالرفع؛ أي: ذلك فضل من ربك، كما في "البيضاوي". واحتج أهل السنة بهذه الآية: على أن كل ما وصل إليه العبد من الخلاص من النار، والفوز بالجنة ونعيمها، فإنما يحصل بفضل الله وإحسانه، وأنه لا يجب عليه شيء من ذلك، ففي إثبات الفضل نفي الاستحقاق، فجميع الكرامات فضل منه على المتقين، حيث اختارهم بها في الأزل، وأخرجها من علل الاكتساب، فإن الاكتساب أيضًا فضل إذ لو لم يخلق القدرة على كسب الكمالات، وتحصيل الكرامات لما وجد العبد إليه سبيلًا. وفي الحديث: "لا يدخل أحدًا منكم عمله الجنة، ولا يجيره من النار، ولا أنا، إلا برحمة الله"؛ أي: ولا أنا أدخل الجنة بعمل، إلا برحمة الله، وليس المراد به توهين أمر العمل، بل نفي الاغترار به، وبيان أنه يتم بفضل الله تعالى، وأما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونظائره فلا ينافي الحديث: لأن الآية تدل على سببية العمل، والمنفي في الحديث عليته وإيجابه، انتهى. وقال الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى في "مواقع النجوم": الدخول بالرحمة، وقسمة الدرجات بالأعمال، والخلود بالنيات فهذه ثلاثة مقامات، وكذلك في دار الشقاوة دخول أهلها فيها بعدل الله، وطبقات عذابها بالأعمال، وخلودهم بالنيات، وأصل ما استوجبوا به هذا العذاب المؤبد، المخالف، كما كانت في السعادة الموافقة، وكذلك من دخل النار من العاصين، لولا المخالفة لما عذبهم الله شرعًا، نسأل الله سبحانه لنا وللمسلمين، أن يستعملنا بصالح الأعمال،

стр. 12118

ويرزقنا الحياء منه تعالى. ﴿ذَلِكَ﴾ الذي أعطيناه هؤلاء المتقين من الكرامة ﴿هُوَ الْفَوْزُ﴾ والظفر بما كانوا يطلبون إدراكه في الدنيا بأعمالهم، وطاعتهم لربهم، واتقائهم إياه فيما أمتحنهم به من الطاعات، واجتنابهم للمحرمات؛ أي: ذلك هو الفوز ﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي لا فوز وراءه، إذ هو خالص من جميع المكاره، وجامع لكل المطالب. يقول الفقير: لما كان الموت وسيلةً لهذا الفوز، وبابًا له .. ورد الموت تحفة المؤمن، والموت وإن كان من وجه هلكًا فمن وجه فوز، ولذلك قيل: ما أحد إلا والموت خير له، أما المؤمن فإنما كان الموت خيرًا له؛ لأنه يتخلص به من السجن، ويصل إلى النعيم المقيم في روضات الجنات، وأما العاصي فلأن الإمهال في الدنيا سبب لازدياد المعاصي والإثم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ وهو سبب لازدياد العذاب. ٥٨ - ولما أتم المقاصد التي أراد ذكرها في هذه السورة، لخصها بقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ فهذه (١) الآية فذلكة للسورة الكريمة، ونتيجة لها، واللسان آلة التكلم في الأصل، واستعير هنا لمعنى اللغة، كما في قوله ﷺ : "لسان أهل الجنة العربية"؛ أي: إنما يسرنا الكتاب المبين، وسهلنا قراءته عليك، حيث أنزلناه بلسانك ولغة قومك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: لكي يفهمهه قومك، ويتذكروا به، وبتعظوا بعظاته، ويعملوا بموجبه، ويتفكروا في آياته إذا تلوتها عليهم، فينيبوا إلى ربهم، ويذعنوا للحق الذي تبينوه، وإذا لم يعملوا بذلك ﴿فَارْتَقِبْ﴾؛ أي: فانتظر ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾؛ أي: منتظرون، وفي "عين المعاني": أو فارتقب الثواب فإنهم كالمرتقبين العقاب؛ لأن المسيء ينتظر عاقبةً الإساءة، وعلى كلا التقديرين فمفعول الارتقاب محذوف في الموضعين؛ أي: ولما كان القرآن الكريم مع هذا الوضوح والبيان قد خالف فيه بعض الناس، وعاند ٥٩ - قال تعالى، مسليًا رسوله، وواعدًا له بالنصر، ومتوعدًا من كذبه بالهلاك: ﴿فَارْتَقِبْ﴾؛

стр. 12119

أي: فانتظر يا محمد لما يحل لهم من المقادير، فإن في رؤيتا عبرة للعارفين، وموعظة للمتقين ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾؛ أي: منتظرون لما سيحل بك من الدوائر، ولم يضرك ذلك فعن قريب يتحقق أملك، وتخيب آمالهم، وسيعلمون لمن تكون له النصرة والغلبة والظفر، وعلو الكلمة في الدنيا والاخرة، ولا شك أن النصر سيكون لك كما كان لإخوانك من النبيين والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾. وفي الآية فوائد (١): منها: أنه تعالى بين تيسير القرآن، والتيسير ضد التعسير، وقد قال في آية أخرى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ فبينهما تعارض في الظاهر، والجواب: أنه ميسر باللسان، وثقيل من حيث اشتماله على التكاليف الشاقة على المكلفين، ولا شك أن التلاوة باللسان، أخف من العمل بما فيه. ومنها: أنه تعالى قال: ﴿بِلِسَانِكَ﴾، فأشار إلى أنه لو أسمعهم كلامه بغير الواسطة لماتوا جميعًا لعدم تحملهم، قال جعفر الصادق ﵀: لولا تيسيره، لما قدر أحد من خلقه أن يتلفظ بحرف من القران، وأنى لهم ذلك، وهو كلام من لم يزل، ولا يزال، وقال ابن عطاء: يسر ذكره على لسان من شاء من عباده؛ فلا يفتر عن ذكره بحال، وأغلق باب الذكر على من شاء من عباده، فلا يستطيع بحال أن يذكره. ومنها: أن انتظار الفرج عبادة، على ما جاء في الحديث؛ لأنه من الإيمان. الإعراب ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا

стр. 12120

بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَيَقُولُونَ﴾: اللام: حرف ابتداء، وجملة ﴿يقولون﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، مسبوقة للحديث عن قريش، بعد استطراد حديث بني إسرائيل. ﴿إِنّ﴾: نافية. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَوْتَتُنَا﴾: خبر هي، ﴿الْأُولَى﴾: نعت للموتة، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لـ ﴿يقولون﴾، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾: نافية حجازية، ﴿نَحْنُ﴾: اصمها. ﴿بِمُنْشَرِينَ﴾: خبرها والباء زائدة، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها ﴿فَأْتُوا﴾: الفاء: واقعة في جواب شرط قدم جوابه عليه، اعتناء بشأن الجواب، تقديره: إن كنتم صادقين، فاتوا بآبائنا. ﴿ائتوا﴾: فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة الطلبية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها. ﴿بِآبَائِنَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ائتوا﴾، ﴿إِن﴾: حرف شرط جازم. ﴿كنُتُم﴾: فعل ماض ناقص، في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وتاء المخاطبين اسمها. ﴿صَادِقِينَ﴾: خبرها، والجملة الشرطية مؤخرة عن جوابها، كما قدرنا أولًا، وجملة الشرط مع جوابه في محل النصب مقول لـ ﴿يقولون﴾، ﴿أَهُمْ﴾ الهمزة: للاستفهام التعييني. ﴿هم﴾ مبتدأ، ﴿خَيْرٌ﴾: خبره، ﴿أَمْ﴾: حرف عطف متصلة. ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾: معطوف على ﴿هم﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول، والجملة الاسمية جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب حال من المعطوف والمعطوف عليه. ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿مُجْرِمِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾.

стр. 12121

﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾: نافية. ﴿خَلَقْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: مفعول به، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف عليه. ﴿وَمَا﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على السموات، ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف، وقع صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿لَاعِبِينَ﴾ حال من فاعل ﴿خَلَقْنَا﴾، ﴿مَا﴾: نافية. ﴿خَلَقْنَاهُمَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مفسرة لما قبلها، محل لها من الإعراب ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿خَلَقْنَاهُمَا﴾؛ أي: ما خلقناهما إلا حالة كوننا، متلبسين بالحق والحكمة؛ أي: محقين، أو صفة لمصدر محذوف، تقديره: إلا خلقًا متلبسًا بالحق والحكمة. ﴿وَلَكِنَّ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿لكن أكثرهم﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبره، ومفعول العلم محذوف، تقديره: لا يعلمون كون خلقنا إياهما لحكمة، والجملة الاستدراكية في محل النصب، حال من مفعول ﴿خَلَقْنَا﴾؛ أي: ما خلقناهما إلا لحكمة، حال كون أكثرهم لا يعلمون ذلك، ولكنها حال سببية. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه، ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾ خبره، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد للضمير في ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾، والجملة مستأنفة ﴿يَوْمَ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، أو ظرف لما دل عليه الفصل؛ أي: يفصل بينهم يوم لا يغني ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُغْنِي﴾: فعل مضارع. ﴿مَوْلًى﴾: فاعل، ﴿عَنْ مَوْلًى﴾: متعلق بـ ﴿يُغْنِي﴾، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، أو مفعول مطلق؛ أي: إغناءً شيئًا؛ أي: قليلًا وجملة ﴿لَا يُغْنِي﴾ في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾ نافية، ﴿هُمّ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُنْصَرُونَ﴾ خبره، وهو مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والجملة الاسمية في محل الجر، معطوفة على جملة ﴿لَا يُغْنِي﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع،

стр. 12122

بدل من ﴿الواو﴾ في ﴿يُنْصَرُونَ﴾؛ أي: لا يمنع من العذاب إلا من رحمه الله تعالى، ويجوز النصب على الاستثناء، فيكون منقطعًا كما مر، ﴿رَحِمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل والجملة صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: إلا من ﵀، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه: ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: خبران، لـ ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣)﴾، ناصب واسمه، ومضاف إليه، ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ خبره ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، ﴿كَالْمُهْلِ﴾: خبر ثان لـ ﴿إنَّ﴾. ﴿يَغْلِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿الزَّقُّومِ﴾، ﴿فِي الْبُطُونِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿الزَّقُّومِ﴾، أو من ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾، ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: يغلي غليانًا، مثل غليان الحميم. ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾. ﴿خُذُوهُ﴾: فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في حل النصب، مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال للزبانية خذوه، ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿اعتلوه﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿خُذُوُهُ﴾، ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اعتلوه﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ، ﴿صُبُّوا﴾: فعل أمر وفاعل، معطوف على ﴿اعتلوه﴾. ﴿فَوْقَ رَأْسِهِ﴾، ظرف متعلق بـ ﴿صُبُّوا﴾، ﴿مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ متعلق بـ ﴿صُبُّوا﴾ أيضًا، فـ ﴿من﴾ تبعيضية، وهو من إضافة الصفة للموصوف، أو المسبب إلى السبب اهـ شيخنا. ﴿ذُقَّ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْأَثِيمِ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال له: ذق ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿أَنتَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ خبران لـ ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مقول للقول المحذوف، على كونها معللة لما قبلها. ﴿إِنَّ هَذَا﴾: ناصب واسمه ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل

стр. 12123

الرفع خبر، ﴿إنّ﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَمْتَرُونَ﴾ وجملة ﴿تَمْتَرُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد ضمير ﴿بِهِ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب، مقول للقول المحذوف. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: ناصب واسمه ﴿فِي مَقَامٍ﴾: خبره. ﴿أَمِينٍ﴾: صفة لـ ﴿مَقَامٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: بدل من ﴿فِي مَقَامٍ﴾: بإعادة الجار، ﴿يَلْبَسُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾: متعلق به. ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ معطوف على ﴿سُندُسِ﴾، وجملة ﴿يَلْبَسُونَ﴾ إما خبر ثان لـ ﴿إن﴾، أو في محل النصب حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، الواقع خبرًا لـ ﴿إن﴾، ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿يَلْبَسُونَ﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كذلك، وهذه الجملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه، جيء بها للتقرير، ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿يَلْبَسُونَ﴾، أو على محذوف إن قلنا إن الكاف في ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف كما مر. ﴿بِحُورٍ﴾: متعلق بـ ﴿زوجناهم﴾، ﴿عِينٍ﴾ صفة لـ ﴿حور﴾، ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، حال من الهاء في ﴿زوجناهم﴾، ﴿فِيهَا﴾: حال من فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾، ﴿بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، ﴿آمِنِينَ﴾: حال من فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾ أيضًا؛ أي: لا يخافون من مغبة أكلها ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَذُوقُونَ﴾ فعل وفاعل، حال من الضمير المستكن في ﴿آمِنِينَ﴾، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَذُوقُونَ﴾، ﴿الْمَوْتَ﴾: مفعول به، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء منقطع ﴿الْمَوْتَةَ﴾: منصوب على الاستثناء. ﴿الْأُولَى﴾ صفة لـ ﴿الْمَوْتَةَ﴾، ﴿وَوَقَاهُمْ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به أول معطوف على ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾، ﴿عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ مفعول ثان لـ ﴿وقاهم﴾.

стр. 12124

﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾. ﴿فَضْلًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، تقديره: تفضلنا بذلك المذكور فضلًا، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: صفة لـ ﴿فَضْلًا﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْفَوْزُ﴾: خبره. ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة لـ ﴿الْفَوْزُ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما بيناه لك في هذه السورة، وأردت بيان نتيجته .. فأقول لك: ﴿إنما﴾: أداة حصر، ﴿يَسَّرْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿بِلِسَانِكَ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ﴿لعل﴾ حرف ترج مستعار للتعليل، فتكون بمعنى كي، والهاء اسمها، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، على كونها معللة لما قبلها، ﴿فَارْتَقِبْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة أيضًا؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت تيسيره لتذكيرهم، وأبوا من التذكر به، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ارتقب. ﴿ارتقب﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة، مستأنفة. ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾: ناصب واسمه ونجره، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، على كونها مسوقة لتعليل الأمر بالارتقاب. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾؛ أي: بمبعوثين، يقال: نشر الله الموتى وأنشرهم إذا أحياهم. ﴿تُبَّعٍ﴾ بوزن سكر، واحد التبابعة، وهم ملوك اليمن، وهذا اللقب أشبه بفرعون لدى قدماء المصريين، وكان منهم سبعون تبعًا، قال النعمان بن بشير الأنصاري: لنَا مِنْ بَنِيْ قَحْطَانَ سَبْعُوْنَ تُبَّعًا ... أَطَاعَتْ لنَا بالْخَرْجِ مِنَّا الأَعَاجِمُ

стр. 12125

وَمِنَّا سَرَاةُ النَّاسِ هُوْدٌ وَصَالِحٌ ... وَذُو الْكِفْلِ مِنَّا وَالْمُلُوْكُ الأَعَاظِمُ وهم طبقتان: الطبقة الأولى: ملوك سبأ وريدان، من سنة ١١٥ قبل الميلاد، إلى ٢٧٥ بعده. والطبقة الثانية: ملوك سبأ وريدان، وحضرموت، والشحر من سنة (٢٧٥) بعد الميلاد، إلى سنة (٥٢٥)، وأولهم شمر برعش، وآخرهم ذو نبراس، ثم ذو جدن، ومنهم ذو القرنين، أو إفريقش ويسمى الصعب، وبعده عمرو زوج بلقيس، ثم أبو بكر ابنه، ثم ذو نواس، والذين اشتهروا من هؤلاء الملوك ثلاثة، شمر برعش، وذو القرنين، وأسعد أبو كرب، وتفاصيل أخبارهم مبثوثة في بطون كتب التاريخ المطولة، فليرجع إليها من استهوته قراءة الأساطير الممتعة، وما فيها من قصص عجيبة. والظاهر: أن تبعًا الأول سمي به لكثرة قومه وتبعه، ثم صار لقبًا لمن بعده من الملوك، سواء كانت لهم تلك الكثرة والأتباع، أم لا. ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾؛ أي: ميقات كفار مكة وسائر الناس؛ أي: وقت وعدهم الذي ضرب لهم في الأزل، وأصل الميقات: موقات قلبت الواو ياءً لسكونها إثر كسرة، فصارت حرف مد، قال في "بحر العلوم": ميقاتهم؛ أي: حدهم الذي يوقتون به ولا ينتهون إليه، ومنه مواقيت الإحرام على الحدود، التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرمًا، فإنَّ الميقات ما وقت به الشيء؛ أي: حد. قال ابن الشيخ: الفرق بين الوقت والميقات أن الميقات وقت يقدر؛ لأن يقع فيه عمل من الأعمال، وأن الوقت ما يقع فيه شيء، سواء قدره مقدر لأن يقع فيه شيء، أم لا. ﴿لَا يُغْنِي مَوْلًى﴾ في "المختار": المولى المعتق والمعتَق وابن العم والناصر والجار والحليف، اهـ. وفي "القرطبي"؛ أي: لا يدفع ابن عم عن ابن عمه، ولا قريب عن قريبه، ولا صديق عن صديقه شيئًا اهـ. وأصله مولي بوزن مفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣)﴾ وفي "المفردات": شجرة الزقوم عبارة عن أطعمة كريهة في النار، ومنه استعير زقم فلان وتزقم، إذا

стр. 12126

ابتلع شيئًا كريهًا. وفي "المراغي": شجرة الزقوم هي شجرة ذات ثمر مر، تنبت بتهامة، شبهت بها الشجرة التي تنبت في الجحيم وفي "القاموس": الزقم اللقم، والتزقم التلقم، وأزقمه فازدقمه أبلعه فابتلعه، والزقوم كتنور الزبد بالتمر، وشجرة بجهنم ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل، وطعام أهل النار، وشجرة بأريحاء من الغور، لها ثمر كالتمر حلو عفص، ولنواه دهن عظيم المنافع، عجيب الفعل في تحليل الرياح الباردة، وأمراض البلغم، وأوجاع المفاصل والنقرس، وعرق النسا، والريح اللاحجة في حق الورك، يشرب منه زنة سبعة دراهم ثلاثة أيام، وربما أقام الزمنى والمقعدين، ويقال: أصله الأهليلج، والزقمة الطاعون، انتهى ﴿الْأَثِيمِ﴾ الكثير الآثام والذنوب، وهو الكافر. ﴿كَالْمُهْلِ﴾ المهل بضم الميم، له معان كثير، واللائق منها هنا دردي الزيت وعكر القطران، والصديد والقيح والنحاس المذاب. والمهل بالفتح التؤدة والرفق، ومنه ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾. ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ والغلي والغليان: التحرك والارتفاع. قال في "المفردات". الغلي والغليان، يقال في القدر إذا طفحت؛ أي: امتلأت وارتفعت، ومنه استعير ما في الآية، وبه شبه غليان الغضب والحرب. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾؛ أي: جروه بالعنف والقهر. وفي "المختار": عتل الرجل جذبه جذبًا عنيفًا، وبابه ضرب ونصر، فقولهم: العتال للذي ينقل الأحمال بالأجرة صحيح لا غبار عليه، والحرفة العتالة، وفي، "القاموس": العتلة محركةً، المدرة الكبير تنقلع من الأرض، وحديدة كأنها رأس فأس، والعصا الضخمة من حديد لها رأس مفلطح، يهدم بها الحائط، اهـ. والعُتُلُّ الجافي الغليظ، والعتل أن تأخذ بمنكبي الرجل فتجره إليك، وتذهب به إلى حبس أو محنة، وقال ابن السكيت: عتلته إلى السجن، وأعتلته إذا دفعته دفعًا عنيفًا. ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ وسطها. ﴿الْحَمِيمِ﴾ الماء الذي تناهي حره ﴿ذُقّ﴾ أمر من ذاق يذوق، وأصل يَذُوق يَذْوُق، بوزن يفعل نقلت حركة الواو إلى الذال، فسكنت إثر ضمة فصار يذوق، فلما بني منه الأمر قيل: ذوق فالتقى ساكنان فحذفت الواو، وهكذا شأن

стр. 12127

كل ثلاثي أجوف واوي العين، كقل من قال، وكن من كان مثلًا. ﴿تَمْتَرُونَ﴾ أصله: تمتريون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت، حذفت لالتقاء الساكنين، ثم ضمت الراء لمناسبة الواو، فصار تمترون ﴿فِي مَقَامٍ﴾ قرىء مقام بفتح الميم، وأصله: مقوم بوزن مفعل بفتح العين، نقلت حركة الواو إلى القاف فسكنت، لكنها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها في الحال، وقرىء مقام بضم الميم، اسم مكان من أقام فعل به ما فعل بالأول ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾؛ أي: في مجلس أمنوا منه من كل هم وحزن، وأصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويستعمل الأمان تارةً اسمًا للحالة التي عليها الإنسان في الأمن، وتارةً اسمًا لما يؤتمن عليه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾؛ أي: ما ائتمنتم عليه. ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ السندس هو مارقَّ من الديباج، والإستبرق ما غلظ منه. وفي "المصباح": والديباج ثوب سداه ولحمته إبريسم، ويقال: هو معرب، انتهى. ثم إن الإستبرق من كلام العجم، عرب بالقاف، قال في "القاموس": الإستبرق الديباج الغليظ. معرب إستروه، وتصغيره أبيرق، وستبر بالتاء والطاء، بمعنى: الغليظ بالفارسية، قال الجواليقي في "المعربات": نقل الإستبرق من العجمية إلى العربية، فلو حقر أو كسر لكان في التحقير أبيرق، وبالتكسير أباريق، بحذف السين والتاء جميعًا، انتهى. والتعريب: جعل العجمي بحيث يوافق اللفظ العربي، بتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب، وجاز وقوع اللفظ العجمي في القرآن العربي؛ لأنه إذا عرب خرج من أن يكون عجميًا إذا كان متصرفًا تصرف اللفظ العربي من غير فرق، فمن قال: القرآن أعجمي فقد كفر؛ لأنه عارض قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وإذا قال: فيه كلمة أعجمية، ففي أمره نظر؛ لأنه إن أراد وقوع الأعجمي فيه بتعريب فصحيح، وإن أراد وقوعه بلا تعريب فغلط. ﴿بِحُورٍ﴾ بوزن فعل بضم العين، جمع حوراء كحمر وحمراء. ﴿عِينِ﴾ جمع عيناء، وقياسه أن يجمع على فعل بضم الفاء، كما جمعت حوراء على حور،

стр. 12128

لكن الفاء كسرت لمناسبة الياء. ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ الأصل فيه يذوقون نقلت حركة الواو إلى الذال، فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مد فوزنه يفعلون. ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ والموت والموتة مصدران من فعل واحد كالنفخ والنفخة، كما مر ﴿وَوَقَاهُمْ﴾ الأصل فيه ووقيهم بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، والوقاية حفظ الشيء مما يؤذيه، ويضره. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإشارة بالقريب إليهم في قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤)﴾ للتحقير والازدراء بهم. ومنها: التجهيل لمنكري الحشر في قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وتوكيده بحرف الاستدراك؛ لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، اهـ "كرخي"؛ أي: ليس عندهم علم بالكلية. ومنها: أسلوب التعجيز في قوله: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. ومنها: الاستفهام الذي يطلب به، وبأَمْ تعيين أحد الأمرين، في قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ...﴾ إلخ، والمراد: التهديد لهم؛ لأنه لا خيرية في الفريقين. ومنها: تنكير مولى في الموضعين في قوله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ لغرض الإبهام فإن المولى مشترك بين معان كثيرة، يطلق على المالك والعبد والمعتق والصاحب والقريب، كابن العم ونحوه والجار والحليف والابن والعم والنزيل والشريك وابن الأخت والولي والرب والناصر والمنعم والمنعم عليه والمحب والتابع والصهر، كما في "القاموس". وكل من ولي أمر أحد، فهو وليه ومولاه، فواحد من هؤلاء أي واحد كان، لا يغني عن مولاه أي مولىً كان، شيئًا من الإغناء؛ أي: إغناء قليلًا.

стр. 12129

ومنها: تنكير شيئًا في قوله: ﴿عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ لإفادة التقليل. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ شبه بالمهل في كونه غليظًا أسود. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ فإن الغليان حقيقة في امتلاء القدر، وارتفاع ما فيها. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿خُذُوهُ﴾؛ أي: يقال للزبانية: خذوه. ومنها: الاستعارة المكنية التخييلية، في قوله: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾ فقد شبه العذاب بالمائع، ثم خيل له بالصب. ومنها: أسلوب التهكم والسخرية في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ فالتهكم عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع النذارة، وبالوعد في مكان الوعيد، تهاونًا من القائل بالمقول له، واستهزاءً به، وقد تقدمت أمثلته في مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ وهو أغيظ للمستهزأ به، وأشد إيلامًا له. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ فإن وصف المقام بالأمن من المجاز العقلي، كما في قولهم: جرى النهر، ففيه إسناد ما للحالّ إلى المحل، وفيه الاستعارة التخييلية، إن قلنا إن الأمين من الأمانة، التي هي ضد الخيانة، كما قاله الزمخشري، كأن المكان المخيف يحزن صاحبه ونازله، بما يلقى فيه من المكاره، أو الكناية؛ لأن الوصف إذا أثبت في مكان الرجل، فقد أثبت له كقولهم: المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه. ومنها: التنكير في قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾ للتعظيم. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 12130

خلاصة ما تضمنته هذه السورة الكريمة من المقاصد ١ - بيان بدء نزول القرآن. ٢ - وعيد الكافرين بحلول الجدب والقحط بهم. ٣ - عدم إيمانهم مع توالي النكبات بهم. ٤ - عظة الكافرين بقصص فرعون، وقومه مع موسى ﵇، وقد أنجي الله المؤمنين، وأهلك الكافرين. ٥ - إنكار المشركين للبعث، وقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾. ٦ - إقامة الدليل على نبوة محمد ﷺ . ٧ - وصف أهوال يوم القيامة. ٨ - وصف ما يلاقيه المجرمون من النكال والوبال. ٩ - وصف نعيم المتقين، وحصولهم على كل ما يرغبون. والله أعلم * * *

стр. 12131

سورة الجاثية وتسمى سورة الشريعة، هي مكية كلها في قول الحسن، وجابر، وعكرمة. نزلت بعد الدخان، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، وابن الزبير: أنها نزلت بمكة، ورُوي عن ابن عباس، وقتادة: أنهما قالا: إلا آية منها، وهي قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى ﴿أَيَّامَ اللَّهِ﴾ فإنها نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب كما سيأتي، وهي سبع أو ست وثلاثون آية، وأربع مئة وثمان وثمانون كلمة، وألفان ومئة واحد وتسعون حرفًا. التسمية: سميت سورة الجاثية؛ لأنه يدر فيها الأهوال التي يلقاها الناس يوم الحساب، فيجثون من الفزع منها على الركب، وفي "التفسير المنير": سميت سورة الجاثية أخذًا من الآية المذكورة فيها: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾. الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: جميع آياتها محكم غير اية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ الآية (١٤)، نزلت في عمر بن الخطاب، ثم نسخت بآية السيف. المناسبة: ومناسبتها لما قبلها: أن أول هذه السورة مشاكل لآخر سابقتها في الأغراض والمقاصد. وقال (١) أبو حيان: مناسبة أولها لآخر ما قبلها في غاية الوضوح، والظهور؛ لأنه قال في آخر السابقة: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾، وقال في أول هذه: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾. وفي "التفسير المنير": تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين:

стр. 12132

١ - ابتدأت هذه السورة بالكلام عن تنزيل القران من الله تعالى، والذي هو مكمل لما ختمت به السورة المتقدمة. جعل القرآن بلغة النبي ﷺ ، ولغة قومه العرب، فهو عربي اللسان نصًا، وفحوى ومعنى وأسلوبًا، وفي ذلك حث على اتباعه، والإيمان به. ٢ - تشابه السورتين في الغايات الكبرى، التي يستهدفها القران، وهي إثبات وحدانية الله تعالى، من خلال بيان أدلة القدرة الإلهية، في خلق السموات والأرض، ومناقشة الكفار في عقائدهم الفاسدة، وضرب الأمثال من مصائر الأمم الغابرة، التي أهلكها الله سبحانه، لتكذيبهم الرسل. والله أعلم * * *

стр. 12133

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما (١) ذكر آيات القرآن العظيم .. أشار إلى ما لها من علو المرتبة، ورفيع الدرجة، ثم أوعد من كذبوا بها بعد سماعها، وأصروا على كفرهم بها بالويل والثبور،

стр. 12134

وعظائم الأمور، ثم بين أن عاقبتهم النار، وبئس القرار، ولا تنفعهم أصنامهم شيئًا، ولا تدفع عنهم ما قدر لهم من العذاب. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر (١) فيما سلف الحجج الدالة على ربوبيته، ووحدانيته .. أردف بذكر آثارها، فمن ذلك تسخير السفن في البحار، حاملة للأقوات والمتاجر، رجاء أن تشكروا ما أنعم به عليكم، ومنها تسخيره ما في السموات والأرض من شموس وأقمار وبحار وجبال لتنتفعوا بها في مرافقكم وشؤونكم المعيشية، ثم أمر المؤمنين بأحسن الأخلاق، فطلب إليهم أن يصفحوا عن الكافرين، ويحتملوا أذاهم، وعند الله جزاؤهم، فمن عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها، ويوم القيامة يعرضون على ربهم، ويجازي كل نفس بما كسبت من خير أو شر. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر (٢) فيما سلف من آيات ربوبيته، ووحدانيته، تسخير السفن في البحار، حاملةً للأقوات والمتاجر، وتسخير ما في السموات والأرض .. بين هنا، أنه أنعم علي بن ي إسرائيل بنعم كثيرة، وقد حصل بينهم الاختلاف بغيًا وحسدًا، تسليةً لرسوله ﷺ ، بأن قومه ليسوا ببدع في الأمم، بل طريقهم طريق من تقدمهم، ثم أمر رسوله بأن يتمسك بالحق، ولا يكون له غرض سوى إظهاره، ولا يتبع أهواء الجاهلين الضالين، ثم ذكر أن القرآن معالم للهداية، تهتدي به القلوب الضالة عن طريق الحق، فتلزم العبادة وتصل إلى طريق النجاة. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿حم (١)﴾؛ أي: هذه (٣) السورة مسماة بـ ﴿حم﴾، فهو خبر لمبتدأ

стр. 12135

محذوف، إن جعلناه اسمًا للسورة، أو مبتدأ خبره ما بعده، وإن جعل حروفًا مسرودة على نمط التعديد، فلا محل له من الإعراب. وفي "التأويلات النجمية": يشير بالحاء إلى حياته، وبالميم إلى مودته، كأنه قال: أقسمت بحياتي ومودتي لأوليائي، ٢ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: تنزيل القرآن المشتمل على السور مطلقًا، خصوصًا هذه السورة الجليلة، وهو مبتدأ، خبره قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: واقع منه ، والجملة جواب القسم، فدل على أن القرآن حق وصدق ﴿الْعَزِيزِ﴾ فدل على أنه معجز، غالب غير مغلوب ﴿الْحَكِيمِ﴾ فدل على أنه مشتمل على حكم بالغة، وعلى أنه ناسخ غير منسوخ، فليس كما يزعم المبطلون، من أنه شعر أو كهانة، أو تقول من عنده ﷺ ، ممكن معارضته، وأنه كأساطير الأولين مثل حديث رستم، وإسفنديار وغيرهما، فيجب أن يعرف قدره، وأن يكون الإنسان مملوءًا به صدره. والمعنى: تنزيل هذا الكتاب واقع من الله العزيز في ملكه، الحكيم في أمره وقضائه. ٣ - ثم أخبر سبحانه، بما يدل على قدرته الباهرة، فقال: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: إن في خلقهما، وخلق ما فيهما من آثار القدرة كالكواكب، والجبال والبحار، ونحوها ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: لشواهد الربوبية لأهل التصديق، وأدلة الإلهية لأهل التوفيق، خص المؤمنين بالذكر لانتفاعهم بتلك الآيات والدلالات، فإنهم يستدلون بالمخلوق على الخالق، وبالمصنوع على الصانع، فيوحدونه، وهو أول الباب، ولذا قدم الإيمان على الإيقان، ولعل (١) الوجه في طي ذكر المضاف هنا، وهو الخلق، وإثباته في الآية الآتية أن خلق السموات والأرض ليس بمشهود للخلق، وإن كانتا مخلوقتين، كما قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بخلاف خلق الإنسان، وما يلحق به من خلق سائر الدواب، فإنه كما أنه يستدل بخلقه على خالقه، فكذا يشاهد خلقه وتوالده،

стр. 12136

فتكون المخلوقية فيه أظهر من الأول، هكذا لاح بالبال، والله أعلم بحقيقة الحال. ومعنى الآيتين (١): أي إن هذا الكتاب الكريم، أنزله العزيز الغالب، القاهر لكل شيء، الحكيم في تدبيره لكل ما خلق، فهو سبحانه مع قهره للعوالم المادية، والروحية، لا يتصرف إلا بالحكمة كما يشاهد في النبات والحيوان والأجسام الإنسانية، ودوران الكواكب وانتظامها في سيرها، فكل ذلك من القهر والغلبة لها مع الحكمة في صنعها، ومن ثم، أعقب ذلك بنتائج العزة والحكمة، فقال: إن في السموات السبع، اللاتي منهن ينزل الغيث، وفي الأرض التي منها يخرج الخلق، لأدلةً واضحةً للمصدقين بالحجج، إذا تأملوها، وفكروا فيها تفكير من سلك السبيل القويم، فيرتب المقدمات ليصل منها إلى النتائج التي هي لازمة لها، بحكم النظام الفكري، والترتيب العقلي. ٤ - وبعد أن ذكر الأدلة الكونية التي في الآفاق، أتبعها بذكر الأدلة التي في الأنفس، فقال: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أنفسكم أيها الإنسان من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة متقلبة في أطوار، مختلفة إلى تمام الخلق ﴿وَ﴾ في خلق ﴿مَا يَبُثُّـ﴾ ـه الله وينشره، ويفرقه في الأرض، حال كونه ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ وحيوانات تدب على الأرض، وما الموصولة معطوفة على المضاف إليه، والمعنى: وفي خلق ما ينشره الله تعالى، ويفرقه من دابة، وهي كل ما يدب على وجه الأرض من الحيوان مع اختلاف صورها، وأشكالها، وكئرة أنواعها، وأضمر ذكر الله هنا، لقرب العهد منه بخلافه في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ كما سيأتي. ﴿آيَاتٌ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ مؤخر، خبره الظرف المقدم، والجملة معطوفة على ما قبلها من الجملة المصدرة بإنّ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ أي: لقوم من شأنهم أن يوقنوا بالأشياء على ما هي عليه، واليقين علم فوق المعرفة والدراية، ونحوهما، وبينه وبين الإيمان فروق كثيرة، وحقيقة الإيمان هو اليقين، حين باشر الأسرار بظهور الأنوار، ألا ترى كيف سأل رسول الله ﷺ بقوله: "اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ويقينًا ليس بعده كفر".

стр. 12137

يقول الفقير: لم يقل: للموقنين كما قال للمؤمنين، إشارةً إلى قلة هذا الفريق بالنسبة إلى الأول. وخص الإيقان بخلق الأنفس؛ لأن ما قبله من الإيمان بالآفاق، وهو ما خرج عنك، وهذا من الإيمان بالأنفس، وهو ما دخل فيك، وهذا أخص درجات الإيمان, فإنه إذا أكمل الإيمان في مرتبة الإيمان بترقي العبد إلى المشاهدة في مرتبة الأنفس، فكمال اليقين إنما هو في هذه المرتبة، لا في تلك المرتبة؛ لأن العلم بما دخل فيك أقوى منه بما خرج عنك، إذ لا يكذبه شيء، ولذا جاء العلم الضروري أشد من العلم الاستدلالي، وضم خلق الدواب إلى خلق الإنسان لاشتراك الكل في معنى الجنس، فافهم جدًا، واقنع. وفي "التأويلات النجمية": أن العبد إذا أمعن نظره في حسن استعداده ظاهرًا وباطنًا، وأنه خلق في أحسن تقويم، ورأى استواء قده وقامته، وحسن صورته وسيرته، واستكمال عقله وتمام تمييزه وما هو مخصوص به في جوارحه وجوانبه، ثم تفكر فيما عداه من الدواب وأجزائها وأعضائها وأوصافها وطباعها .. وقف على اختصاص وامتياز بني آدم بين البرية من الجن في الفهم والعقل والتمييز ثم في الإيمان ومن الملائكة في حمل الأمانة، وتعلم علم الأسماء. والمعنى: أي وإن في خلق الله إياكم على أطوار مختلفة من تراب، ثم من نطفة إلى أن تصيروا أناسي، وفي خلق ما تفرق في الكون من الدواب لحججًا لقوم يوقنون بحقائق الأشياء، فيقرونها بعد العلم بصحتها. ٥ - ﴿وَ﴾ في ﴿اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بتعاقبهما أو بتفاوتهما طولًا وقصرًا، أو بسواد الليل، وبياض النهار ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ عطف على ﴿اختلاف﴾ ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾؛ أي: مطر، وهو سبب الرزق، عبر عنه بذلك تنبيهًا على كونه آية من جهتي القدرة والرحمة ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ بأن أخرج منها أصناف الزروع والثمرات والنباتات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: بعد يبسها، وعرائها عن آثار الحياة، وانتفاء قوة التنمية عنها، وخلو أشجارها عن الثمار، ففيه (١) تشبيه للرطوبة الأرضية بالروح الحيواني في كونها مبدأ التوليد، والتنمية، وتشبيه زوالها بزوال الروح وموت

стр. 12138

الجسد ﴿وَ﴾ في ﴿تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾؛ أي: وفي تحويلها من جهة إلى أخرى، وتبديلها من حال إلى حال، إذ منها مشرقية ومغربية وجنوبية وشمالية وحارة وباردة ونافعة وضارة. وتأخيره عن إنزال المطر مع تقدمه عليه في الوجود، إما للإيذان بأنه آية مستقلة، حيث لو روعي الترتيب الوجودي، لربما توهم أن مجموع تصريف الرياح، وإنزال المطر آية واحدة، وإما لأن كون التصريف آيةً ليس لمجرد كونه مبدا لإنشاء المطر، بل له ولسائر المنافع التي من جملتها سوق السفن في البحار ﴿آيَاتٌ﴾ ودلالات على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: يستعملون عقولهم في مصنوعات الله تعالى، ويتأملون فيها، فيثبتون وجود صانعا وعظيم قدرته، وباهر حكمته. والمعنى (١): أي وإن في تعاقب الليل والنهار عليكم، هذا بظلمته وسواده، وذلك بنوره وضيائه، وفيما أنزل الله من السماء من مطر تحيا به الأرض بعد موتها، فتهتز بالنبات والزرع من بعد جدوبها وقحوطها، فتخرج أرزاق العباد وأقواتهم، وفي تصريف الرياح لمنافعكم شماليةً مرة، وجنوبية أخرى، صبًا مرة، ودبورًا أخرى، لأدلة وحججا لله على خلقه، الذي يعقلون عنه حججه، ويفهمون ما وعظهم به من الآيات والعبر. وقصارى ما سلف كله: أنكم إذا تأملتم الحكم المنبثة في السموات والأرض .. آمنتم بوحدة خالقها وقدرته، فإذا ازددتم علمًا .. ازداد تثبتكم وفهمكم، فصرتم موقنين بها؛ لأن الإيقان يكون بتوافر الأدلة وتكاثرها، ومتى أيقنتم بجمال هذا الكون وحسن نظامه .. أصبحتم من ذوي العقول الناضجة، والأفكار النافذة في أسرار هذا الكون، وبديع صنعه، فتستطيعون أن تنتفعوا بما فيه، وتسخروه لمنافعكم في هذه الحياة المليئة بالمطالب. وإجمال ذلك: أن أول المراتب الإيمان بالله، فإذا ازداد المرء علمًا وحكمة

стр. 12139

وبحثًا في دقائق الأشياء وعظائمها أصبح موقنًا به وكلما ازداد بحثًا، ازداد عقله دراية، وفهما لأسرار هذا الكون، فسخره لمنافعه، واستفاد من نظمه التي وجد عليها، وعرف أنه لم يخلق عبثًا، بل خلق للانتفاع بما في ظاهره وباطنه، علويه وسفليه، أرضه وسماله، نوره وظلامه، فكأنه يقول: إنا أمرناكم بالنظر في العالم لتؤمنوا، فإذا ازددتم نظرًا أيقنتم بي، وذلك كله مما يربي عقولكم، ويكملها إلى أقصى حدود طاقتها البشرية. وفي "فتح الرحمن": إن قلت: لم ختم (١) الآية الأولى بقوله ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، والثانية بقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾، والثالثة بقوله ﴿يَعْقِلُونَ﴾. قلتُ: لأنه تعالى، لما ذكر العال ضمنًا، ولا بد له من صانع، موصوف بصفات الكمال، ومن الإيمان بالصانع، ناسب ختم الأولى ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ولما كان الإنسان أقرب إلى الفهم من غيره، وكان فكره في خلقه وخلق الدواب، مما يزيده يقينًا في إيمانه، ناسب ختم الثانية بقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾، ولما كان جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار، وما ذكره معهما مما لا يدرك إلا بالعقل، ناسب ختم الثالثة بقوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾، انتهى. وقرأ الجمهور (٢): ﴿آيَاتٌ﴾ جمعًا بالرفع فيهما، وقرأ الأعمش والجحدري وحمزة والكسائي ويعقوب: بالنصب فيهما، وزيد بن علي: برفعهما على التوحيد، وقرأ أبي وعبد الله: ﴿لآيات﴾ فيهما كالأولى، وتنكير آيات (٣) في المواضع الثلاثة للتفخيم كما وكيفا، والعقل يقال: للقوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل، ولهذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: فَإِنَّ الْعَقْلَ عَقْلَانِ ... فَمَطْبُوْعٌ وَمَسْمُوْعُ وَلَا يَنْفَعُ مَطْبُوْعٌ ... إِذَا لَمْ يَكُ مَسْمُوْعُ

стр. 12140

كَمَا لَا تَنْفَعُ الشّمْسُ ... وَضَوْءُ الْعَيْنِ مَمْنُوْعُ وإلى الأول أشار النبي ﷺ بقوله: "ما خلق الله خلقًا، أكرم عليه من العقل". وإلى الثاني أشار بقوله: "ما كسب أحد شيئًا، أفضل من عقل يهديه إلى هدى، أو يرده عن ردى"، وهذا العقل هو المعني بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وكل موضع ذم الكفار بعدم العقل، فإشارة إلى الثاني دون الأول، وكل موضع رفع التكليف عن العبد لعدم العقل، فإشارة إلى الأول، كما في "المفردات". والمعنى (١): لقوم ينظرون بعيون عقولهم، ويعتبرون لأنها دلائل واضحة على وجود صانعها وعظيم قدرته وبالغ حكمته، وخص العقلاء بالذكر؛ لأنه بالعقل يمكن الوقوف على الدلائل. يقول الفقير: لعل سر تخصيص العقل بهذا المقام، وتأخيره عن الإيمان والإيقان، أن هذه الآية دائرة بين علوي وسفلي وما بينهما, وللعقل مدخل تعقل كل ذلك، واشتراك بين الإيمان والإيقان، فافهم جدًا. ٦ - ﴿تِلْكَ﴾ الآيات القرانية من أول السورة إلى هنا، وهو مبتدأ، وخبره قوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ ، المنبهة على الآيات التكوينية ﴿نَتْلُوهَا﴾ ونقرؤها ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمد بواسطة جبريل، حال كوننا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: محقين، أو حال كون الآيات متلبسةً بالحق والصدق، بعيدةً من الباطل والكذب، وقرىء ﴿يتلوها﴾ بياء الغيبة عائدًا على الله، وقال في "بحر العلوم": نتلوها عليك، حال عاملها معنى الإشارة، كأنه قيل: نشير إليها متلوة عليك، تلاوة متلبسة بالحق مقترنة به، بعيدةً من الباطل واللعب والهزل، كما قال: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾، انتهى. ويجوز أن تكون إشارةً إلى الدلائل المذكورة؛ أي: تلك دلائله الواضحة على وجوده ووحدته وقدرته وعلمه وحكمته نتلوها عليك؛ أي: بتلاوة النظم الدال عليها ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ من الأحاديث، وخبر من الأخبار ﴿بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾؛ أي: وبعد آيات الله، وتقديم الاسم الجليل لتعظيمه، كما في قولهم: أعجبني زيد

стр. 12141

وكرمه، يريدون أعجبني كرم زيد، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فإن اسم الله هنا أيضًا، مذكور بطريق التعظيم كما سبق هناك، أو معنى: بعد الله؛ أي: بعد حديث الله الذي هو القرآن، حسبما نطق به قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ وهو المراد بآياته أيضًا، ومناط العطف التغاير العنواني ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: أن القرآن من بين الكتب السماوية معجزة باهرة، فحيث لم يؤمنوا به، فبأي كتاب بعده يؤمنون؛ أي: لا يؤمنون بكتاب سواه، وقيل: المعنى القرآن آخر كتب الله، ومحمد ﷺ آخر رسله، فإن لم يؤمنوا به، فبأي كتاب يؤمنون، ولا كتاب بعده ولا نبي. وقرأ (١) أبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالياء التحتانية، وقرأ الأعمش، وباقي السبعة: ﴿تؤمنون﴾ بتاء الخطاب، وقرأ طلحة: ﴿توقنون﴾ بالتاء من فوق، وبالقاف من الإيقان والمعنى: يومنون بأي حديث، وإنما قدم الجار عليه؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام. والمعنى (٢): أي هذه آيات القرآن بما فيها من حجج، وبينات نتلوها عليك، متضمنة للحق، فبأي حديث أيها القوم، بعد حديث الله الذي يتلوه على رسوله، وبعده حججه وبرهاناته، التي دلكم بها على وحدانيته، تصدقون إن كذبتم به. والخلاصة: إذا كنتم لا تؤمنون بهذه الآيات، ولا تنقادون لها فبم تؤمنون وإلام تنقادون. ٧ - وبعد أن بين للكفار آياته، وذكر أنهم إن لم يؤمنوا بها فبأي حديث بعدها يؤمنون، أتبعه بالوعيد العظيم لهم، فقال: ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: عذاب شديد كائن ﴿لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾؛ أي: لكل كذّاب ﴿أَثِيمٍ﴾؛ أي: كثير الإثم مرتكب لما يوجبه؛ أي: فالويل أشد الويل، والعذاب أقسى العذاب لكل كذاب، في قوله أثيم في فعله،

стр. 12142

٨ - وبعد أن وصف ذا الأفاك بالإثم أولًا. أتبعه بوصفه بالاستكبار عن سماع الآيات، فقال: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ﴾ صفة أخرى لأفاك، والمراد: آيات القرآن؛ لأن السماع إنما يتعلق بها، وكذا التلاوة في قوله: ﴿تُتْلَى﴾ وتقرأ تلك الآيات ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ذلك الأفاك، والجملة حال من ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾. ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ ويقيم ذلك الأفاك على كفره، ويدوم عازمًا عليه عاقدًا. قال في "المفردات": الإصرار: التعقد في الذنب، والتشدد فيه، والامتناع من الإقلاع عنه، وأصله: من الصر؛ أي: الشد، والصرة ما يعقد فيها الدراهم، أو من إصرار الحمار على العانة، وهو أن ينحني عليها صارًا؛ أي: ضاما أذنيه على رأسه، حال كونه ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عن الإيمان بما سمعه من آيات الله تعالى، والإذعان بما نطق به من الحق، مزدريًا لها معجبًا بما عنده من الأباطيل، وكان (١) النضر بن الحارث بن عبد الدار، وقد قتل صبرًا، يشتري من أحاديث العجم مثل حديث رستم وإسفنديار، ويشغل بها الناس عن استماع القرآن، فوردت الآية ناعيةً عليه وعلى كل من يسير سيرته فيما هم فيه من الشر والفساد، وذلك التعميم لكلمة الإحاطة والشمول، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإصرار، والاستكبار بعد سماع الآيات، التي حقها أن تذعن لها القلوب، وتخضع لها الرقاب، فهي محمولة على المعنى المجازي؛ لأنه الأليق بمرام المقام، وإن كان يمكن العمل على الحقيقة أيضًا، باعتبار منتهى الإصرار ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾؛ أي: يصر مستكبرًا كأنه لم يسمع تلك الآيات، و ﴿كَأَنْ﴾ مخففة، واسمها ضمير الشأن، والجملة حال من فاعل ﴿يُصِرُّ﴾؛ أي: ثم يصر على كفره مستكبرًا، مشابها حاله حال من لم يسمعها؛ أي: مشبهًا بغير السامع في عدم القبول، والانتفاع ﴿فَبَشِّرْهُ﴾؛ أي: فبشر يا محمد ذلك الأفاك على إصراره واستكباره، وعدم استماعه إلى الآيات ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: وجيع؛ أي: أنذره بعذاب شديد، فإن ذكر العذاب قرينة على الاستعارة، استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يظهر السرور في المخبر به، للإنذار الذي هو ضده، بدخال الإندار في جنس البشارة على سبيل التهكم والاستهزاء، هذا

стр. 12143

إذا أريد المعنى المتعارف للبشارة، وهو الخبر السار، ويجوز أن يكون على الأصل، فإنها بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في بشرة الوجه بالتغيير، وهو يعم خبر السرور والحزن، ولذا قال في "كشف الأسرار"؛ أي: أخبره خبرًا يظهر أثره على بشرته من الترح، وعبارة أبي حيان: فمعنى (١) ﴿ثُمَّ﴾، الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعدما رآها، وعاينها شيء يستبعد في العادة والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة، القاطعة بالحق من تليت عليه وسمعها، كان مستبعدًا في العقول إصراره على الضلالة عندها، واستكباره عن الإيمان بها. والمعنى (٢): أي إذا سمع آيات الله تقرأ عليه، وهي مشتملة على الوعد والوعيد والإنذار والتبشير والأمر والنهي والحكم والآداب، أصر على الكفر بها وجحدها عنادًا، كأنه ما سمعها، ثم أوعده على ما فعل عذابًا أليمًا في نار جهنم، فقال: فبشره أيها الرسول بالعذاب المؤلم، الموجع في جهنم، وبئس القرار، وفي تسمية هذا الخبر المخزي بشرى، وهي لا تكون إلا في الأمر السار، تهكم بهم، واحتقار لشأنهم، فهو من وادي قولك للكافر: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤ ٩)﴾ ، وقول الشاعر: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيْعُ ٩ - ﴿وَإِذَا عَلِمَ﴾ ذلك الأفاك ﴿مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا﴾؛ أي: إذا بلغه من آياتنا شيء، وعلم أنه من آياتنا، لا أنه علمه كما هو عليه، فإنه بمعزل من ذلك، قرأ الجمهور (٣): ﴿عَلِمَ﴾ بفتح العين، وكسر اللام مخفة على البناء للفاعل، وقرأ قتادة، ومطر الوراق على البناء للمفعول، والمعنى: أنه إذا وصل إليه علم شيء من آيات الله : ﴿اتَّخَذَهَا﴾؛ أي: الآيات كلها ﴿هُزُوًا﴾؛ أي: مهزوءًا بها لا ما سمعه فقط، وقيل: الضمير في ﴿اتَّخَذَهَا﴾ عائد إلى ﴿شَيْئًا﴾ لأنه عبارة عن الآيات، فالتأنيث باعتبار المعنى، والأول أولى؛ أي: وإذا وصل إليه

стр. 12144

خبرها وبلغه شيء منها جعلها هزوا، وسخريةً. فقد رُوي: أن أبا جهل حين سمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ دعا بتمر وزبد، وقال لأصحابه: تزقموا من هذا، ما يعدكم محمد ﷺ إلا شهدًا، وحين سمع قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾؛ أي: على النار، قال: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي. ثم ذكر ما يصيب هؤلاء من العذاب فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الأفاكون المتصفون بتلك الصفات، فالإشارة إلى كل أفاك من حيث الاتصاف بما ذكر من القبائح، والجمع باعتبار شمول كل، كما أن الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار كل واحدٍ واحد ﴿لَهُمْ﴾ بسبب جناياتهم المذكورة ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي: عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم، ويذهب بعزهم بما كانوا في الدنيا يستكبرون عن طاعة الله واتباع آياته واتخاذها هزوًا، ووصف (١) العذاب بالإهانة توفية لحق استكبارهم، واستهزائهم بآيات الله ١٠ - ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: جهنم كائنة من قدامهم؛ لأنهم متوجهون إلى ما أعد لهم؛ أي: من وراء ما هم فيه من التعزز بالدنيا، والتكبر عن الحق، جهنم فإنها من قدامهم؛ لأنهم متوجهون إليها، وعبر بالوراء عن المقدام كقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾، وقول الشاعر: أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِيْ أو المعنى: من خلفهم؛ لأنهم معرضون عن ذلك، مقبلون على الدنيا، فإن الوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام؛ أي: يسترها ﴿وَلَا يُغْنِي﴾؛ أي: لا يدفع ﴿عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا﴾ وجمعوا من الأموال والأولاد، ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع ﴿شَيْئًا﴾ من عذاب الله، فيكون مفعولًا به، أو لا يغني عنهم في دفع ذلك شيئًا من الإغناء؛ أي: إغناءً قليلًا، فيكون مصدرًا، يقال: أغنى عنه إذا كفاه، وقوله: ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ معطوف على ﴿مَا كَسَبُوا﴾؛ أي: ولا ينفعهم أيضًا ما عبدوه من دون الله من الأصنام،

стр. 12145

وتوسيط (١) حرف النفي بين المعطوفين، مع أن عدم إغناء الأصنام أظهر وأجلى، من عدم إغناء الأموال والأولاد قطعًا، مبني على زعمهم الفاسد، حيث كانوا يطمعون في شفاعتهم، وفيه تهكم، وقيل: زيادة ﴿لا﴾ في الجملة الثانية للتأكيد. و ﴿ما﴾ في الموضعين، إما مصدرية أو موصولة. والمعنى (٢): أي ولا يدفع العذاب عنهم ما كسبوا من الأموال والأولاد، ولا تغني عنهم أصنامهم التي عبدوها من عذاب الله شيئًا ﴿وَلَهُمْ﴾ فيما وراءهم من جهنم ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يعرف كنهه، ولا يقادر قدره؛ أي: بالغ إلى أقصى الغايات في كونه ضررًا. ١١ - وقوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾ جملة مستأنفة؛ أي: هذا القرآن هدى للمهتدين به؛ أي: في غاية الكمال من الهداية، كأنه نفسها، كقولك: زيد عدل ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ القرآنية ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾؛ أي: من أشد العذاب ﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع صفة عذاب. والمعنى: أي هذا القرآن الذي أنزلناه إليك أيها الرسول، هاد إلى الحق وإلى صراط مستقيم، لمن اتبعه وعمل بما فيه، والذين جحدوا بآياته الكونية في الأنفس والآفاق، وآياته المنزلة على ألسنة رسله، لهم العذاب المؤلم، الموجع يوم القيامة، وقرأ (٣) طلحة وابن محيصن وأهل مكة وابن كثير وحفص: ﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع صفة لـ ﴿عذاب﴾ وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وعيسى والأعمش وباقي السبعة: بالجر نعتًا لرجز ١٢ - ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: الإله الذي يستحق منكم العبادة، هو الإله ﴿الَّذِي سَخَّرَ﴾ وذلل ﴿لَكُمُ الْبَحْرَ﴾؛ أي: جعله على صفة، تتمكنون بها منه الركوب عليه، بأن جعله أملس السطح؛ أي: مستويه يعلو عليه ما شأنه الغوص كالأخشاب، ولا يمنع الغوص والخرق لميعانه، فإنه لو جعل خشن السطح، بأن كان ذا ارتفاع وانخفاض لم يتيسر جرى الفلك عليه، وكذا لو جعله بحيث لا تطفو عليه الأخشاب ونحوها، بل تسفلت وغرقت فيه، لم يتيسر ذلك أيضًا، ولو

стр. 12146

جعله صلبًا مصمتًا، يمنع الغوص فيه، لم يمكن تحصيل المنافع المترتبة على الغصرص ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بإذنه وتيسيره وأنتم راكبوها ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة والغوص على اللؤلؤ والمرجان، ونحوها من منافع البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: ولكي تشكروا النعم المترتبة على ذلك بالإقرار بوحدانية المنعم بها، والحكمة (١) في هذا التسخير مختصة بالإنسان لا بالفلك، سخر البحر والفلك له، وسخره لنفسه ليكون خليفته، ومظهرًا لذاته وصفاته نعمةً منه، وفضلًا لإظهار الكتز المخفي، فبحسب كل مسخر من الجزئيات والكليات، يجب على العبد شكره، وشكره أن يستعمله في طلب الله بأمره، ولا يستعمله في هوى نفسه، وله أن يعتبر من البحر الصوري، والذين يركبون البحر فربما تسلم سفينتهم، وربما تغرق كذلك العبد في فلك الاعتصام، في بحار التقدير، يمشي به في رياح المشيئة، مرفوع له شراع التوكل، مرسى في بحر اليقين، فإن هبت رياح العناية، نجت السفينة إلى ساحل السعادة، وإن هبت نكباء الفتنة، لم يبق بيد الملاح شيء؛ وغرقت في لجة الشقاوة، فعلى العبد أن يبتغي فضل الله، ويسعى في الطلب بأداء شكر النعم، كما في "التأويلات النجمية". والمعنى (٢): أي إن ذلك الخالق الواحد، الذي أقمت لكم الأدلة على وجوده، هو الذي يسَّر لكم استخدام البحر، لتجري فيه السفن بإذنه وقدرته، حاملةً أقواتكم ومتاجركم، لتقوم بشؤونكم المعيشية، ولتطلبوا رزق ربكم منه يالغوص للدر تارةً، والصيد تارةً أخرى، ولتشكروه على ما أفاض عليكم من هذه النعم, التي تحصلِ لكم بسبب هذا التسخير للبحر، فتعبدوه وتطيعوه فيما يأمركم وينهاكم عنه ١٣ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الموجودات، بأن جعلها مدارًا لمنافعكم؛ أي: سخر لكم أيها العباد جميع ما خلقه في سمواته وأرضه؛ مما تتعلق به مصالحكم، وتقوم به معايشكم، ومما سخره لكم من مخلوقات السموات الشمس، والقمر والنجوم النيرات والمطر والسحاب والرياح، ومن مخلوقات الأرض الدواب والأشجار والجبال مثلًا ﴿جَمِيعًا﴾ إما حال من ﴿مَا فِي

стр. 12147

السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، أو تأكيد له ﴿مِنْهُ﴾ صفة لـ ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: كائنًا منه تعالى، أو حال من ﴿ما﴾؛ أي: سخر لكم هذه الأشياء كائنةً منه مخلوقة له، أو خبر لمحذوف؛ أي: هي جميعًا منه تعالى. وفي "فتح الرحمن": جميعًا منه؛ أي: كل إنعام فهو من فضله؛ لأنه لا يستحق عليه أحد شيئًا، بل هو ويوجب على نفسه تكرمًا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من التسخير ﴿لَآيَاتٍ﴾ عظيمة الشأن، كبيرة القدر، دالةً على وجود الصانع وصفاته ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في بدائع صنع الله تعالى، فإنهم يقفون بذلك على جلائل نعمه تعالى ودقائقها، ويوفقون لشكرها. والمعنى: أي وسخر لكم جميع ما خلقه في سمواته وأرضه، مما تتعلق به مصالحكم، وتقوم به معايشكم، فمما سخر لكم من المخلوقات السماوية الشمس والقمر والنجوم والمطر والسحاب والرياح، ومن المخلوقات الأرضية الدواب والأشجار والجبال والسفن رحمةً منه وفضلًا، وكل هذه أدلة على أنه الله، الذي لا إله غيره، لمن تأمل فيها واعتبر بها، وتدبرها حق التدببر. والخلاصة: أن العالم كله، كأنه جسم واحد، يحتاج كل جزء منه إلى الأجزاء الباقية، فلا يستقيم مطر بلا حرارة شمس، ولا تسير سفن، إلا بهواء أو فحم أو كهرباء وما شاكل ذلك، فالعالم كله كساعة منتظمة، لا يستقيم سيرها إلا إذا استكملت آلاتها وعددها، وخص المتفكرين لأنه لا يتفع بها إلا من تفكر فيها. وعن طاووس قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فسأله: مم خلق الخلق؟ فقال: من الماء والنور والظلمة والهواء والتراب، قال: فمم خلق هؤلاء؟ قال: لا أدري، ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله, فقال: مثل قول عبد الله بن عمرو، فأتى ابن عباس، فسأله: مم خلق الخلق؟ فقال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب، قال: مم خلق هؤلاء؟ فقرأ ابن عباس ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبوة.

стр. 12148

وفي الآية (١): إشارة إلى أن السموات والأرض وما فيهن خلقت للإنسان، فإن وجودها تبع لوجوده، وناهيك من هذا المعنى، أن الله تعالى أسجد ملائكته لآدم ﵇، وهذا غاية التسخير، وهم أكرم مما في السموات والأرض، ومثال هذا: أن الله تعالى لما أراد أن يخلق ثمرةً خلق شجرة، وسخرها للثمرة لتحملها، فالعالم بما فيه شجرة، وثمرتها الإنسان، ولعظم هذا المعنى قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: في هذا المعنى دلالات على شرف الإنسان، وكماليته لقوم لهم قلوب منورة بنور الإيمان والعرفان، إذ يتفكرون بفكر سليم، كما في "التأويلات النجمية". وقرأ الجمهور (٢): ﴿مِنْهُ﴾، وقرأ ابن عباس ﴿منة﴾ بكسر الميم وشد النون، ونصب التاء على المصدر، قال أبو حاتم: نسبة هذه القراءة إلى ابن عباس ظلم، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وعبد الله بن عمر والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير، وحكاها أيضًا عن هؤلاء الأربعة صاحب "اللوامح"، وحكاها ابن خالويه عن ابن عباس وعبيد بن عمير، وقرأ سلمة بن محارب كذلك؛ إلا أنه ضم التاء؛ أي: هو منة، وعنه أيضًا فتح الميم وشد النون، وهاء الكناية عائدة على الله، وهو فاعل ﴿سَخَّرَ﴾ على الإسناد المجازي، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك، أو هو منة. ١٤ - ولما علم سبحانه عباده دلائل التوحيد والقدرة والحكمة أردفه تعليمهم فضائل الأخلاق، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله اغفروا واصفحوا وسامحوا عما يصدر من الكفار من الكلمات المؤذية، والأفعال الموحشة، ولا تقابلوهم بالمؤاخذة عليها إن أمرتهم بذلك ﴿يَغْفِرُوا﴾؛ أي: يغفر الذين آمنوا، ويعفوا، ويصفحوا ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ ولا يخافون ﴿أَيَّامَ اللَّهِ﴾ وعذابه، وانتقامه من أعدائه، ولا يرجون ثوابه، ولا يخشون مثل عقاب الأمم الخالية، ومعنى الرجاء هنا: الخوف، وأيام الله: وقائعه تعالى لأعدائه في الأمم

стр. 12149

الماضية، لقولهم أيام العرب، لوقائعها كيوم بعاث بوزن غراب، موضع بقرب المدينة، ويومه معروف؛ أي: قل لهم: اغفروا، يغفروا ويصفحوا ويعفوا، وقيل: مجزوم بلام مقدرة تقديره: ليغفروا، فهو أمر مستأنف، وإنما جاز حذف اللام؛ لأن الأمر الذي هو ﴿قُلْ﴾ عوض عنه، وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز به فيها وإضافتها إلى الله كبيت الله، وناقة الله والأول أولى، والأيام يعبر بها عن الوقائع، كما تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، قال مقاتل: لا يخشون مثل عذاب الله للأمم الخالية، وذلك أنهم لا يؤمنون، فلا يخافون عقابه. وقيل: المعنى لا يأملون نصر الله لأوليائه، وإيقاعه بأعدائه، وقيل: لا يخافون البعث. والمعنى (١): قل يا محمد، للذين صدقوا الله ورسوله: اعفوا واصفحوا عن هؤلاء المشركين، الذي لا يخافون بأس الله ونقمته، إذا نالكم منهم أذى ومكروه، قاله مجاهد. روى الواحدي، والقشيري عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب مع عبد الله بن أبي، في غزوة بني المصطلق، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها: المريسيع، فأرسل عبد الله غلامه ليستقي، فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك؟ فقال: غلام عمر قعد على فم البئر، فما ترك أحدًا يستقي حتى ملأ قرب النبي ﷺ ، وقرب أبي بكر، وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مثلنا ومئل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ عمر قوله، فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله، فأنزل الله هذه الآية. وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس سببًا آخر، قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال يهودي بالمدينة يسمى فنحاصًا: احتاج رب محمد ﷺ ، قال: فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه، وخرج في طلبه، فجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: إن ربك يقول لك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ فبعث رسول الله ﷺ في طلب عمر، فلما جاء

стр. 12150

قال: يا عمر ضع سيفك، قال: يا رسول الله صدقت، أشهد أنك أرسلت بالحق، ثم تلا رسول الله ﷺ الآية، فقال عمر: لا جرم والذي بعثك بالحق، لا ترى الغضب في وجهي. ثم علل بالمغفرة، فقال: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ ﴿قَوْمًا﴾ كاملين كاظمين غيظهم على إذاية الكفار، جزاءًا كاملًا وافرًا ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: على ما يكسبونه من الأعمال الصالحة، التي منها كظم الغيظ. والمراد (١) بالقوم: المؤمنون. والتنكير لمدحهم، والثناء عليهم؛ أي: أمروا بذلك ليجزي الله سبحانه يوم القيامة قومًا أي قوم، لا قومًا مخصوصين، بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة، التي من جملتها الصبر على أذية الكفار والمنافقين، والإغضاء عنهم بكظم الغيظ، واحتمال المكروه ما يقصر عنه البيان من الثواب العظيم. وقد جوز أن يراد بالقوم: الكفرة، و ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: سيئاتهم التي من جملتها ما حكي من الكلمة الخبيثة، والتنكير حينئذ للتحقير، فإن قلت: مطلق الجزاء لا يصلح تعليلًا للأمر بالمغفرة، لتحققه على تقديري المغفرة وعدمها، قلت: لعل المعنى: قل للمؤمنين: يتجاوزوا عن إساءة المشركين والمنافقين، ولا يباشروا بأنفسهم لمجازاتهم، ليجزيهم الله تعالى؛ أي: ليجزي أولئك الكفرة يوم القيامة جزاءً كاملًا، يكافىء سيئاتهم، كأنه قيل: لا تكافؤوهم أنتم حتى نكافئهم نحن، ويدل على هذا المعنى الآية الآتية، والأول أولى، وأيضًا إن الكسب في أكثر ما ورد في القرآن كسب الكفار، ويجوز (٢) أن يكون المعنى: ليجزيهم الله وقت الجزاء كيوم بدر، ونحوه. وفي الآية إشارة، إلى أن المؤمن إذا غفر لأهل الجرائم، وإن لم يكونوا أهل المغفرة لإصرارهم على الكفر، والأذى .. يصير متخلقًا بأخلاق الحق. وقرأ الجمهور (٣): ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مبنيًا للفاعل؛ أي: ليجزي الله، وقرأ زيد بن
следующие страницы →