← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12216–12255 · переход к 12221.

стр. 12216

أرض اليمن، حيث قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾. فضلها (١): وذكر في فضلها عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة الأحقاف .. كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا". ولكنه حديث موضوع لا أصل له. الناسغ والمنسوخ: وقال أبو عبد الله محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة الأحقاف مكية، وجميعها محكم إلا آيتين: أولاهما: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ نسخت بقوله تعالي: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ...﴾ الآية. من سورة الفتح. والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ نسخ معناها بآية السيف. المناسبة (٢): تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة هي: ١ - تطابق السورتين في: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾. ٢ - تشابه موضوع السورتين، وهو إثبات التوحيد والنبوة والوحي والبعث والمعاد. ٣ - ختمت السورة السابقة بتوبيخ المشركين على الشرك، وبدئت هذه السورة بتوبيخهم على شركهم، ومطالبتهم بالدليل عليه، وبيان عظمة الإله الخالق المجيب من دعاه، على عكس تلك الأصنام التي لا تستجيب لدعاتها إلى يوم القيامة.

стр. 12217

وعبارة "المراغي" هنا: ووجه اتصال هذه السورة بما قبلها: أنه تعالى ختم السورة السالفة بالتوحيد، وذمِّ أهل الشرك، وتوعِّدهم عليه، وافتتح هذه بالتوحيد، وتوبيخ المشركين على شركهم أيضًا. انتهى. وعبارة أبي حيان: ومناسبة أول هذه السورة لما قبلها (١): أنّ في آخر ما قبلها: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وقلتم: إنه ﷺ اختلقها، فقال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ وهاتان الصفتان هما آخر تلك، وهما أوّل هذه. انتهى. والله أعلم * * *

стр. 12218

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾ المناسبة بدأ سبحانه هذه السورة بإثبات أنّ هذا القرآن من عند الله لا من عند محمد كما تدّعون، ثم ذكر أنّ خلق السموات والأرض مصحوب بالحق، قائم بالعدل والنظام، ومن النظام أن تكون الآجال مقدرة معلومة لكل شيء، إذ لا شيء في الدنيا دائم، ولا بدّ من يوم يجتمع الناس فيه للحساب، حتى لا يستوي المحسن والمسيء، ولكن الذين كفروا أعرضوا عن إنذار الكتاب، ولم يفكّروا فيما شاهدوا في العالم من النظام والحكمة، فلا هم بسماع الوحي متعظون، ولا هم بالنظر في العالم المشاهد يعتبرون.

стр. 12219

ثم نعى على المشركين حال آلهتهم، وأمر رسوله ﷺ أن يقول لهم: أخبروني ماذا خلق آلهتكم من الأرض، أو لهم شركة في خلق السموات حتى يستحقّوا العبادة، فإن كان لهم ما تدّعون .. فهاتوا دليلًا على هذا الشرك المدّعى بكتاب موحى به من قبل القرآن، أو ببقية من علوم الأولين، وكيف خطر على بالكم أن تعبدوها، وهي لا تستجيب لكم دعاء إلى يوم القيامة؟ وهي غافلة عنكم، وفي الدار الآخرة تكون لكم أعداء، وتجحد عبادتكم لها. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا تكلم (١) في تقرير التوحيد، ونفي الأضداد والأنداد .. أعقب هذا بالكلام في النبوة، وبيّن أنه كلما تلا عليهم الرسول شيئًا من القرآن .. قالوا: إنه سحر، بل زادوا في الشناعة، وقالوا: إنه مفترى، فردّ عليهم بأنّه لو افتراه على الله .. فمن يمنعه من عقابه لو عاجله به، وهو العلم بما تندفعون فيه من الطعن في نبوتي، ويشهد لي بالصدق والبلاغ، وعليكم بالكذب والجحود. ثم أمر رسوله أن يقول لهم: إني لست بأول الرسل حتى تنكروا دعائي لكم إلى التوحيد، ونَهْيي لكم عن عبادة الأوثان والأصنام، وما أدري ما يفعل بي في الدنيا، أأموت أم أُقتل كما قتل الأنبياء قبلي، ولا ما يفعل بكم، أترمون بالحجارة من السماء أم تخسف بكم الأرض، أم يفعل بكم غير ذلك مما عمل مع سائر المكذبين للرسل، وإني لا أعمل عملًا، ولا أقول قولًا إلا بوحي من ربي، وما أنا إلا نذير لا أستطيع أن آتي بالمعجزات والأخبار الغيبية، فالقادر على ذلك هو الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِه ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمَّا نعى عليهم استهزاءهم بكتابه، وقولهم فيه: إنه سحر مفترى، وردَّ الرسول عليهم بأنّه ليس بأول رسول حتى

стр. 12220

يستنكرون نبوته، ويطلبون منه ما لا قبل له به من المعجزات التي أمرها بيد الله تعالى لا بيده .. أردف (١) هذا بأمر رسوله أن يقول لهم: ما ظنكم أنّ الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله الله عليّ لأبلغكموه فكفرتم به وكذبتموه، وقد شهد شاهد من بني إسرائيل الواققين على أسرار الوحي بما أوتوا من التوراة على مثل ما قلتم، فآمن واستكبرتم. ثم حكى عنهم شبهة أخرى بشأن إيمان من آمن منهم من الفقراء كعمار وصهيب وابن مسعود، فقالوا: لو كان هذا الدين خيرًا .. ما سبقنا إليه هؤلاء. ثم إنهم حين لم يهتدوا به قالوا: إنه من أساطير الأولين. ثم ذكر أنّ مما يدلّ على صدق القرآن: أن التوراة وهي الإمام المقتدى به بشّرت بمقدم محمد ﷺ ، فاقبلوا حكمها في أنّه رسول حقًا من عند الله. ثمّ أعقب هذا ببيان أنّ من آمنوا بالله، وعملوا صالحًا لا يخافون مكروهًا ولا يحزنون لفوات محبوب، وأولئك هم أهل الجنة، جزاء ما عملوا من عمل صالح، وما أخبتوا لربهم، وانقادو لأمره ونهيه. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه أحمد في "المسند" والطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي ﷺ يومًا وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلًا منكم يشهدون أنه لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله ﷺ ، يحطُّ الله عن كل يهوديّ تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه" قال: فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم ردّ عليهم، فلم يجبه أحد، ثم

стр. 12221

ثلّث، فلم يجبه أحد، فقال: "أبيتم، فوالله إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى، آمنتم أو كذبتم" ثم انصرف وأنا معه، حتى إذا عندنا نخرج .. نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد، قال: فأقبل فقال ذلك الرجل: أيَّ رجلٍ تعلموني يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك، ولا أفقه منك، ولا مِنْ أبيك قبلك، ولا من جدّك قبل أبيك، قال: فإني أشهد له بأنه نبيُّ الله الذي تجدونه في التوراة، قالوا: كذبت، وردّوا عليه قوله، وقالوا فيه شرًا، قال رسول الله ﷺ : "كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، ولما آمن كذّبتموه وقلتم فيه ما قلتم، فلن يقبل فيه قولكم" قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله ﷺ ، وأنا، وعبد الله بن سلام، وأنزل الله فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾. وأخرج (١) البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: في عبد الله بن سلام نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. وأخرج ابن جرير والترمذي وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: فيّ نزلت، ونزل فيّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الطبراني عن قتادة قال: قال ناس من المشركين: نحن أعزّ ونحن ونحن، فلو كان خيرًا منا .. ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾. وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله، يقال لها: "زِنِّينٌ"، أو "زِنِّيْرة"، فكان عمر يضربها على إسلامها حتى يفتر، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيرًا ما سبقتنا إليه زِنِّين، فأنزل الله تعالى في شأنها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا ...﴾ الآية. وقال عروة بن الزبير: إنّ زِنِّيرة روميَّة كان أبو جهل يعذبها، أسلمت فأصيب بصرها،

стр. 12222

فقالوا لها: أصابك اللات والعزى، فردّ الله عليها بصرها، فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيرًا .. ما سبقتنا إليه زِنِّيرَةُ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن عباس والكلبي والزجاج: إنّ الذين كفروا هم بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع، قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة: لو كان ما جاء به محمد خيرًا، ما سبقتنا إليه رعاة البهم، إذ نحن أعز منهم. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿حم (١)﴾؛ أي: هذه السورة (١) مسماة بـ ﴿حم (١)﴾. وقال بعضهم: ﴿الحاء﴾، إشارة إلى حماية أهل التوحيد، و ﴿الميم﴾: إلى مرضاته منهم مع المزيد، وهو النظر إلى وجهه الكريم. وقال بعضهم: معناه: حميت قلوب أهل عنايتي فصنتها عن الخواطر والهواجس، فلاح فيها شواهد الدين، وأشرقت بنور اليقين. يقول الفقير: فيه إشارة إلى أنّ القرآن حياة الموتى، كما قال: ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾، وكذا حياة الموتى من القلوب، فإنّ العلوم والمعارف، والحكم حياة؛ القلوب والأرواح والأسرار. وأيضًا إشارةٌ إلى الأسماء الحسنى، فإنَّ حاء وميم من حساب البسط تسعةٌ وتسعون. وأيضًا إلى الصفات السبع التي خلق الله آدم عليها: وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، فـ ﴿الحاء﴾، حاء الحياة، و ﴿الميم﴾ ميم الكلام، فأشير بالأول والآخر إلى المجموع؛ يعني: أنّ الله تعالى أنزل القرآن لتحصى أسماؤه الحسنى، وتعرف به صفاته العليا، ويتخلق بأخلاقه العظمى. ٢ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾؛ أي؛ القرآن المشتمل على هذه السورة، وعلى سائر السور الجليلة، وهو مبتدأ، خبره: قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي: كائن منه تعالى، وما كان من الله فهو حق وصدق، فإنه قال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب الذي لا يُغالب، وما كان من العزيز فهو عزيز غالب على جميع الكتب بنظمه ومعانيه، ودليل ظاهر

стр. 12223

لأرباب الظواهر والباطن ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ أي: المتقين في صنعه، وما كان من الحكيم ففيه حكمة بالغة، ٣ - فإنّ الله تعالى لا يفعل إلا ما فيه مصلحة لعباده، كما قال: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ بما فيهما من حيث الجزئية منهما، ومن حيث الاستقرار فيهما ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من المخلوقات: كالنار والهواء والسحاب والأمطار والطيور المختلفة ونحوها ﴿إِلا﴾ خلقا متلبسًا ﴿بِاَلحَق﴾؛ أي: بالغرض الصحيح، والحكمة البالغة، وأنّ جعلها مقارًّا للمكلفين، ليعملوا فيجازيهم يوم القيامة، لا بالعبث والباطل، فإنه ما وجد شيء إلا لحكمة. وفي الآية إشارة إلى أنّ المخلوقات كلها ما خلقت إلا لمعرفة الحق تعالى، كما قال: فخلقت الخلق لأعرف، ولهذه المعرفة خلقت سموات الأرواح، وأراضي النفوس، وما بينهما من العقول والقلوب والقوى. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾: معطوف (١) على ﴿الْحَقِّ﴾ بتقدير المضاف المحذوف؛ أي: وإلا بتقدير أجل معين ينتهي إليه أمور الكل، وبقاؤه في هذه الدنيا؛ لأنَّ اقتران الخلق ليس إلا به، لا بالأجل نفسه، وهذا الأجل هو يوم القيامة، فإنه ينتهي فيه السموات والأرض وما بينهما، وتبدل الأرض غير الأرض والسموات. وقيل: المراد بالأجل المسمى: هو انتهاء أجل كل فرد من أفراد المخلوقات، وهو آخر مدة بقائه المقدر له. والأول أولى، وفيه إشارة إلى قيام الساعة، وانقضاء مدّة الدنيا، وأنّ الله سبحانه لم يخلق خلقًا باطلًا وعبثا لغير شيء، بل خلقه للثواب والعقاب، وفيه موعظة وزجر؛ أي: فانتبهوا أيها الناس، وانظروا ما يراد بكم، ولم خلقتم. والمعنى (٢): أي ما خلقناهما إلا خلقا متلبسًا بالعدل، وبتقدير أجل مسمى لكل مخلوق، إليه ينتهي بقاؤه في هذه الحياة الدنيا، وهذا يستدعي أن يكون خلقه لحكمة وغاية، وأنَّ هناك يومًا معلوما للحساب والجزاء؛ لئلا يتساوى من أحسن في الدار الأولى، ومن أساء فيها، ومن أطاع ربه واتبع أوامره ونواهيه، ومن دسَّ

стр. 12224

نفسه وركب رأسه واتبع شيطانه وهواه، وسلك سبل الغواية، فلم يترك منها طريقًا إلا سلكه، ولا بابًا إلا ولجه. ثم بين غفلة المشركين، وإعراضهم عما أنذروا به فقال: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: مشركوا أهل مكة ﴿عَمَّا أُنْذِرُوا﴾ وخوّفوا به في القرآن من البعث والحساب والجزاء، وأهوال يوم القيامة ﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: مولّون غير مستعدين له بالإيمان والعمل الصالح. والجملة (١): في محل النصب على الحال؛ أي: والحال أنهم معرضون عنه غير مؤمنين به. و ﴿ما﴾ في قوله: ﴿عَمَّا أُنْذِرُوا﴾: يجوز أن تكون موصولةً، وأن تكون مصدريةً؛ أي: عن إنذار الرسول إياهم. والمعنى (٢): أي مع ما نصبنا من الأدلة، وأرسلنا من الرسل، وأنزلنا من الكتب بقي هؤلاء الكفار معرضين عنه غير ملتفتين إليه، فلا هم بما أنزلنا من الكتب اتعظوا، ولا بما شاهدوا من أدلة الكون اعتبروا، وأنى لهم ذلك فهم صُمٌّ بكمٌ عميٌّ لا يعقلون. ٤ - وبعد أن أثبت لنفسه الألوهية، وأنه رحيم عادل، وأثبت البعث والجزاء يوم القيامة .. ردَّ على عبدة الأصنام فقال: ﴿قُل﴾ يا محمد للكافرين توبيخًا وتبكيتًا ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ﴾؛ أي: أخبروني ما تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه من الأصنام والكواكب وغيرهما ﴿أَرُونِي﴾ تأكيد لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني ﴿مَاذَا خَلَقُوا﴾؛ أي: الآلهة ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ بيان للإبهام في ﴿مَاذَا﴾؛ أي: أخبروني أيَّ جزءٍ من أجزاء الأرض تفردوا بخلقه دون الله، فالمفعول الأول لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ قوله: ﴿مَا تَدْعُونَ﴾، والثاني ﴿مَاذَا خَلَقُوا﴾. ومآله أخبروني عن حال آلهتكم، ويحتمل أن لا يكون ﴿أَرُونِي﴾ تأكيدًا، بل يكون هذا من باب التنازع؛ لأنَّ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يطلب مفعولًا ثانيًا، و ﴿أَرُونِي﴾ كذلك. ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾؛ أي: شركة مع الله، و ﴿أَمْ﴾ هذه هي المنقطعة المقدرة ببل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري التوبيخي؛ أي: بل ألهؤلاء الأصنام شركة مع الله تعالى ﴿فِي﴾ خلق ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ أو ملكها

стр. 12225

وتدبيرها، حتى يتوهم أن يكون لهم شائبة استحقاق للعباد، فإنَّ ﴿ما﴾ لا مدخل له في وجود شيء من الأشياء بوجه من الوجوه، فهو بمعزل من ذلك الاستحقاق بالكلية، وإن كانوا من الأحياء العقلاء .. فما ظنكم بالجماد. فإن قلت (١): فما تقول في عيسى ﵇، فإنه كان يحيي الموتى، ويخلق الطير، ويفعل ما لا يقدر عليه غيره؟ قلت: هو بإقدار الله تعالى وإذنه، وذلك لا ينافي عجزه في نفسه، وذكر الشرك في الجهات العلوية دون السفلية؛ أي: دون أن يعم بالأرض أيضًا؛ لأنَّ الآثار العلوية أظهر دلالة على اختصاص الله تعالى بخلقها لعلوّها، وكونها مرفوعة بلا عمد ولا أوتاد، أو للاحتراز عمّا يتوهم أنّ للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية؛ يعني: لو قال: أم لهم شرك في الأرض .. لتوّهم أنّ للسموات دخلًا وشركة في إيجاد الحوادث السفلية، هذا على تقدير أن تكون ﴿أَمْ﴾: منقطعة، والأظهر: أن تجعل الآية من حذف معادل أم المتصلة لوجود دليله، والتقدير: ألهم شرك في الأرض أم لهم شرك في السموات كما في "حواشي سعدي المفتي". والمعنى (٢): أي قل لهم أيها الرسول: أخبروني عن حال آلهتكم بعد التأمل في خلق السموات والأرض وما بينهما، والنظام القائم المبنيّ على الحكمة ودقة الصنع، والإبداع في التكوين، هل تعقلون لهم مدخلًا في خلق جزء من هذا العالم السفليّ، فيستحقوا لأجله العبادة؟ ولو كان لهم ذلك لظهر التفاوت في هذا النظام، والمشاهد أنه على حال واحدة يستمدُّ أدناه من أعلاه، ويرتبط بعضه ببعض، وكل فرد في الأرض مخدوم بجميع الأفراد فيهما، أم هل تظنون أن لهم شركة في خلق العالم العلويّ: شموسه وأقماره كواكبه ونجومه سياراتها وثوابتها. وقصارى ذلك: نفى استحقاق آلهتهم للمعبودية على أتمَّ وجه، فقد نفى أنَّ لها دخلًا في خلق شيء من أجزاء العالم السفليّ استقلالًا، ونفى ثانيًا أنّ لها

стр. 12226

دخلًا على سبيل الشركة في خلق شيء من أجزاء العالم العلويّ، ونفي ذلك يستلزم نفي استحقاق المعبودية أيضًا. وبعد أن بكتهم، وعجزهم عن الإتيان بسند عقلي .. عجَّزهم وبكَّتهم عن الإتيان بسند نقليّ، فقال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ ...﴾ إلخ. تبكيت (١) لهم بتعجيزهم عن الإتيان بسند نقلي بعد تبكيتهم بالتعجيز عن الإتيان بسند عقليّ. و ﴿الباء﴾ (٢): للتعدية؛ أي: ائتوني بكتاب إلهي كائن ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ الكتاب الذي أنزل عليَّ؛ أي: من قبل هذا القرآن الناطق بالتوحيد، وابطال الشرك، دالٍّ ذلك الكتاب على صحة دينكم؛ يعني: أنَّ جميع الكتب السماوية ناطقة بمثل ما نطق به القرآن ﴿أَو﴾ ائتوني بـ ﴿أَثَارَةٍ﴾ مصدر بوزن سماحة وغواية؛ أي: بقية كائنة ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ الأولين؛ أي: بقيةٍ كائنة من علم بقيت عليكم من علوم الأولين، شاهدة باستحقاقهم للعبادة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم صحة عبادتها، فإنها لا تكاد تصح ما لم يقم عليها برهان عقلي أو نقليّ، وحيث لم يقم عليها شيء منهما، وقد قامت على خلافها أدلة العقل والنقل تبيَّن بطلانها. وقرأ الجمهور (٣): ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾ وهو مصدر كالشجاعة والسماحة، وهي البقية من الشيء، وقرأ عليُّ وابن عباس بخلاف عنهما وزيد بن علي وعكرمة وقتادة والحسن والسلمي وأبو رجاء والأعمش وعمرو بن ميمون: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾ بفتح الهمزة والثاء بغير ألف، وهي واحدة جمعها أثر، كقترة وقتر، وقرأ عليّ والسلمي وقتادة أيضًا: بإسكان الثاء، وهي الفعلة الواحدة مما يؤثر؛ أي: قد قنعت لكم بخبر واحد، وأثر واحد يشهد بصحة قولكم، وقرأ الكسائي: ﴿أثرة﴾ بضم الهمزة وسكون الثاء، وهي لغة فيها. وعبارة البيضاوي هنا: وقرىء: ﴿أَثَارَةٍ﴾ - بالكسر؛ أي: مناظرة، فإن المناظرة تثير المعاني، وأثرة؛ أي: شيء أوثرتم به، وإثرة بالحركات الثلاث في

стр. 12227

الهمزة وسكون الثاء، فالمفتوحة للمرة من مصدر أثر الحديث: إذا رواه، والمكسورة بمعنى الأثر، والمضمومة اسم ما يؤثر. انتهى. والمعنى (١): أي أحضروا لي دليلًا مكتوبًا قبل القرآن مما نزل على الأنبياء، كالتوراة والإنجيل، يدلُّ على صحة عبادتكم لآلهتكم، أو ببقية بقيت عندكم من علم الأولين المفكرين في خلق السموات والأرض ترشد إلى استحقاق الأصنام والأوثان للعبادة، وتدل على صحة هذا المنهج الذي سلكتموه ونهجتموه، إن كنتم صادقين في ادّعائكم ألوهية الأصنام. والمعنى: لا دليل لكم نقليًا ولا عقليًا على ذلك. والخلاصة: أنّ الدليل إما وحى من الله، أو بقية من كلام الأوائل، وإما إرشاد من العقل، فإن كان الأول .. فأين الكتاب الذي يدل على أنهم شركاء؟ وإن كان الثاني .. فأين هو؟. ٥ - وبعد أن أبطل شركة الأصنام في الخلق بعدم قدرتها على ذلك .. أتبعه إبطاله بعدم علمها بالعبادة، فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ ﴿مِنْ﴾: للاستفهام الإنكاري، خبره. قوله: ﴿أَضَل﴾؛ أي: وأيُّ امرىءٍ أبعد من الحق وأقرب إلى الجهل ﴿مِمَّنْ يَدْعُو﴾ ويعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: حال كونه متجاوزًا دعاء الله وعبادته ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾؛ أي: أصنامًا وجمادًا لا تستجيب لداعيها. والموصول مع صلته مفعول ﴿يَدْعُو﴾؛ أي: لا أضل منه ولا أجهل، فإنه دعا من لا يسمع، فكيف يطمع في الإجابة فضلًا عن جلب نفع أو دفع ضر؟ فتبيَّن به أنه أجهل الجاهلين، وأضل الضالّين، وما هنا للشوكاني من أنّ الاستفهام للتقريع والتوبيخ غير صواب؛ لأنّ قوله هذا يناقض تفسيره أولًا؛ أي: هم أضل من كل ضالّ، حيث تركوا عبادة خالقهم السميع القادر المجيب الخبير، إلى عبادة مصنوعهم العاري عن السمع والقدرة والاستجابة. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: غاية لنفي الاستجابة؛ أي: ما دامت الدنيا.

стр. 12228

فإن قيل (١): يلزم منه أن منتهى عدم الاستجابة يوم القيامة؛ للإجماع على اعتبار مفهوم الغاية .. قلنا: لو سلّم .. فلا يعارض المنطوق، وقد دلّ قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ الآية. على معاداتهم إياهم، فأنَّى الاستجابة. وقد يجاب بأنّ انقطاع عدم الاستجابة حينئذٍ؛ لاقتضائه سابقة الدعاء ولا دعاء، ويردّه قوله تعالى: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إلّا أن يخصّ الدعاء بما يكون عن رغبة. كما في "حواشي سعدي المفتي". وقال ابن الشيخ: وإنما جعل ذلك غاية، مع أنّ عدم استجابتهم أمر مستمرّ في الدنيا والآخرة، إشعارًا بأنّ معاملتهم مع العابدين بعد قيام الساعة أشدّ وأفظع مما وقعت في الدنيا، إذ يحدث هناك العداوة والتبرّي، ونحوه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ فإنّ اللعنة على الشيطان، وإن كانت أبدية، لكن يظهر يوم الدين أمر أفظع منها، تنسى عنده كأنها تنقطع. ﴿وهُمْ﴾؛ أي: والحال أنّ الأصنام ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ﴾؛ أي: عن دعاء الداعين المشركين وعبادتهم، فالضمير الأول لمفعول ﴿يَدْعُوا﴾، والثاني لفاعله، والجمع فيهما باعتبار معنى ﴿مِنَ﴾ كما أنّ الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها ﴿غَافِلُونَ﴾؛ أي: جاهلون لكونهم جمادات لا يعقلون، فكيف يستجيبون؟ وعلى تقدير كون معبوديهم أحياء كالملائكة ونحوهم، فهم عباد مسخرون مشغولون بأحوالهم، وضمائر العقلاء؛ لإجرائهم الأصنام مجرى العقلاء، ووصفها بما ذكر من ترك الاستجابة والغفلة مع ظهور حالها؛ للتهكم بها وبعبدتها. والمعنى (٢): أي لا أحد أضل وأجهل ممن يعبد من دون الله أصنامًا، ويتخذهم آلهةً، ويطلب منها ما لا تستطيعه، وهم إذا دُعوا لا يسمعون ولا يجيبون إلى يوم القيامة؛ أي: لا يجيبون أبدًا ما داموا في الدنيا، إذ هم في غفلة. عن دعائهم؛ لأنهم أحجار، فهم صمّ بكم لا يسمعون ولا يتكلمون ولا يعقلون، وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ تأبيد على عادة العرب، ما دامت الدنيا، وما أنكى

стр. 12229

هذا التوبيخ، وما أمضى ألمه لهؤلاء المشركين على سوء رأيهم، وقبح اختيارهم في عبادتهم ما لا يعقل شيئًا ولا يفهم، وتركهم عبادة من بيده جميع نعمهم، ومن به إغاثتهم حين تنزل بهم الجوائح والمصائب. ٦ - وبعد أن أبان أنهم لا ينفعونهم في الدنيا، ولا يستجيبون لهم دعاء .. أبان حالهم في الآخرة فقال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ أي: وإذا جمع الناس لموقف الحساب .. ﴿كَانُوا﴾؛ أي: الأصنام ﴿لَهُم﴾؛ أي؛ لعابديهم ﴿أَعْدَاءً﴾ يضرُّونهم ولا ينفعونهم؛ أي: كانت هذه الآلهة التي يعبدونها في الدنيا أعداء لهم؛ إذ يتبرؤون منهم ﴿وَكَانُوا﴾؛ أي: الأصنام ﴿بِعِبَادَتِهِمْ﴾؛ أي: بعبادة عابديهم ﴿كَافِرِينَ﴾؛ أي؛ منكرين مكذبين بلسان الحال، أو المقال، على ما يروى أنه تعالى يحيي الأصنام فتتبرأ من عبادتهم، وتقول: إنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم (١)؛ لأنها الآمرة بالإشراك. والمعنى (٢): أي وإذا جمع الناس العابدون للأصنام في موقف الحساب .. كانت الأصنام لهم أعداء تتبرّأ منهم وتلعنهم، وكانوا جاحدين مكذبين منكرين لعبادتهم، فيخلق الله الحياة في الأصنام فتكذّبهم، وتتبرّأ الملائكة والمسيح وعزير والشياطين ممن عبدوهم يوم القيامة، ونظير الآية قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾، وقوله في سورة العنكبوت حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾. ٧ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الكفار ﴿آيَاتُنَا﴾ القرآنية حالة كونها ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات الدلالة على مدلولاتها من حلال وحرام وحشر ونشر وغيرها .. ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ﴿للْحَقَّ﴾؛ أي: لأجل الحقّ، وشأنه الذي هو

стр. 12230

الآيات المتلوّة. ويجوز (١) أن تكون ﴿اللام﴾ بمعنى الباء؛ أي: كفروا بالحق، والتعدية بـ ﴿اللام﴾ من حمل النقيض على النقيض، فإن الإيمان يتعدّى بها كما في قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ وغيره. والحق هنا عبارة عن الآيات المتلوّة وضع موضع ضميرها تنصيصًا على حقّيتها، ووجوب الإيمان بها، كما وضع الموصول موضع ضمير المتلوّ عليهم؛ تسجيلًا بكمال الكفر والضلالة عليهم ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: في أول ما جاءهم من غير تدبّر ولا تأمل ﴿هَذَا﴾ الحق الذي هو القرآن المتلوّ عليهم ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر كونه سحرًا وباطلًا لا حقيقة له، وإذا جعلوه سحرًا .. فقد أنكروا ما نطق به من البعث والحساب والجزاء، وصاروا أكفر من الحمير؛ أي: أجهل وأبلد من الحمير؛ لأنّ الكفر من الجهل والعياذ بالله. والمعنى (٢): أي وإذا تليت على هؤلاء حججنا التي أودعناها كتابنا، الذي أنزلناه عليك حال كونها بينة واضحةً جليةً .. قالوا في شأن الحق الذي أتاهم، وهو القرآن: هذا سحر واضح، وتمويه خادع، يفعل فعل السحر في قلب من سمعه، فكذّبوا به وافتروا وكفروا وضلوا. ٨ - ثم انتقل من هذه المقالة الشنعاء إلى ما هو أشنع منها، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾؛ أي: بل أيقول كفار مكة: افترى محمد هذا القرآن؛ أي: اختلقه من عند نفسه، وأضافه إلى الله كذبًا، فقولهم هذا منكر، ومحل تعجب، فإن القرآن كلام معجز خارج عن حيّز قدرة البشر، فكيف يقوله محمد ﷺ ويفتريه؟. واعلم: أنّ كلًّا من السحر والافتراء كفر، لكن الافتراء على الله أشنع من السحر، و ﴿أَمْ﴾ هنا هي (٣) المنقطعة المقدرة بمعنى بل، وهمزة الاستفهام التوبيخي التعجبي من صنيعهم، ويل للانتقال عن تسميتهم الآيات سحرًا إلى قولهم: إنّ رسول الله ﷺ افترى ما جاء به، وفي ذلك من التوبيخ والتقريع ما لا

стр. 12231

يخفى؛ أي: دع هذا واسمع القول المنكر العجيب، إنهم يقولون: إنّ محمدًا افتراه على الله محمدًا، واختلقه عليه اختلاقًا. ثمّ أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم، ويبطل شبهتهم بقوله: ﴿قُل﴾ لهم يا محمد ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ واختلقته على سبيل الفرض والتقدير ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ أي: فلا تقدرون أن تدفعوا عنّي من عذاب الله شيئًا، إذ لا ريب في أنّ الله تعالى يعاقبني حينئذٍ، فكيف أفتري على الله كذبًا، وأعرض نفسي للعقوبة التي لا خلاص منها؟. والمعنى: أي قل لهم يا محمد: لو كذبت على الله، وزعمت أنه أرسلني إليكم، ولم يكن الأمر كذلك .. لعاقبني أشدّ العقاب، ولم يقدر أحد من أهل الأرض لا أنتم ولا غيركم أن يجيرني منه، فكيف أقدم على هذه الفرية، وأعرض نفسي لعقابه؟ فالملوك لا يتركون من كذب عليهم دون أن ينتقموا منه، فما بالكم بمن يتعمد الكذب على الله في الرسالة، وهي الجامعة لأمور عظيمة، ففيها الإخبار عن تكليف الناس بما يصلح شأنهم في دينهم ودنياهم. ونحو الآية قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ وقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾. ثم علَّل ما أفاده الكلام من وجوب الانتقام منهم بقوله: ﴿هُوَ﴾ : ﴿أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾؛ أي: أعلم بما تخوضون فيه من قدح القرآن، وطعن آياته، وتسميته سحرًا تارةً، وفريةً أخرى؛ أي: هو أعلم من كل أحد بما تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن وغيره. ثم أكد صدق ما يقول بنسبة علم ذلك إلى الله تعالى فقال: ﴿كَفَى بِهِ﴾ و ﴿الباء﴾: صلة - ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ حيث يشهد لي بالصدق في البلاغ، وعليكم بالتكذيب والجحود، ولا يخفى ما في هذا من الوعيد الشديد على إفاضتهم في الطعن في الآيات.

стр. 12232

ثم فتح لهم باب الرحمة بعد الإنذار السابق لعلهم يتوبون، ويثوبون إلى الحق، فقال: ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الغَفُورُ﴾ لمن تاب وآمن وصدّق بالقرآن، وعمل بما فيه ﴿الرَّحِيمُ﴾ له بقبول توبته؛ أي: ومع كل ما صدر منكم من تلك المطاعن الشنعاء، إن أنتم تبتم وأنبتم إلى ربكم، وصحّ عزمكم على الرجوع عما أنتم عليه تاب عليكم، وعفا عنكم، وغفر لكم ورحمكم. ٩ - وبعد أن حكى عنهم طعنهم في القرآن .. أمر رسوله أن يرد عليهم مقترحاتهم العجيبة، وهي طلبهم من الرسول ﷺ أن يأتيهم بمعجزات بحسب ما يريدون ويشتهون، وكلها تدور حول الإخبار بشؤون الغيب، فقال: ﴿قُل﴾ لهم يا محمد: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾؛ أي: ما كنت رجلًا غير مسبوق بمثله من الرسل، والبدع (١) بالكسر: البديع، وهو من الأشياء ما لم ير مثله، كانوا يقترحون عليه ﷺ آيات عجيبة، ويسألونه عن المغيبات عنادًا ومكابرةً، فأمر ﵇ بأن يقول لهم: ما كنت بدعًا من الرسل؛ أي: لست بأول مرسل أرسل إلى البشر، فإنه تعالى قد بعث قبلي كثيرًا من الرسل، وكلهم قد اتفقوا على دعوة عباد الله إلى توحيده وطاعته، ولست داعيًا إلى غير ما يدعون إليه، بل أدعو إلى الله بالإخلاص في التوحيد، والصدق في العبودية، وبعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ولست قادرًا على ما لم يقدروا عليه، حتى آتيكم بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من الغيوب، فإن من قبلي من الرسل ما كانوا يأتون إلا بما آتاهم الله تعالى من الآيات، ولا يخبرون قومهم إلا بما أوحي إليهم، فكيف تنكرون منّي أن دعوتكم إلى ما دعا إليه من قبلي من الأنبياء؟ وكيف تقترحون عليّ ما لم يؤته الله إيّاي؟. وقرأ عكرمة وأبو حيوة وابن أبي عبلة (٢): ﴿بِدَعًا﴾: بكسر الباء وفتح الدال جمع بدعة، وهو على حذف مضاف؛ أي: ذا بدع، وقرأ مجاهد: ﴿بَدِعًا﴾ بفتح الباء، وكسر الدال كحذر على الوصف، وقرأ الجمهور: بكسر الباء وسكون الدال.

стр. 12233

والمعنى: أي قل لهم: لست بأول رسول بلَّغ عن ربه، بل قد جاءت رسل من قبلي، فما أنا بالفذِّ في لم يعهد له نظير حتى تستنكروا وتستبعدوا رسالتي إليكم، وأما أنا بالذي يسشطيع أن يأتي بالعجزات متى شاء، بل ذلك بإذنه تعالى، وتحت قبضته وسلطانه، وليس لي من الأمر شيء، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ أيها المكذبون. ﴿ما﴾ الأولى: نافية، و ﴿لا﴾ تأكيد لها، والثانية: استفهامية مرفوعة بالابتداء، خبرها: ﴿يُفْعَلُ﴾. وجُوِّز أن تكون الثانية موصولة منصوبة بـ ﴿أَدْرِي﴾ والاستفهامية أقضى لحق مقام التبرّي من الدراية؛ أي: (١) وما أعلم أيُّ شيء يصيبنا فيما يستقبل من الزمان، وإلام يصير أمري وأمركم في الدنيا، فإنه قد كان من الأنبياء من يسلم من المحن، ومنهم من يمتحن بالهجرة من الوطن، ومنهم من يبتلى بأنواع الفتن، وكذلك الأمم منهم من أهلك بالخسف، ومنهم من كان هلاكه بالقذف، وكذا بالمسخ وبالريح وبالصيحة وبالغرق وبغير ذلك، فنفى ﵇ علم ما يفعل به وبهم من هذه الوجوه، وعلم من هو الغالب المنصور منه ومنهم، ثم عرّفه الله بوحيه إليه عاقبة أمره وأمرهم، فأمره بالهجرة، ووعده العصمة من الناس، وأمره بالجهاد، وأخبر أنه سيظهر دينه على الأديان كلها، ويسلَّط على أعدائه ويستأصلهم. وقيل (٢): يجوز أن يكون المنفي هي الدراية المفصلة؛ أي: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدارين على التفصيل، إذ لا علم لي بالغيب، وكان بالإجمال معلومًا بقوله فإن جند الله هم الغالبون وإن مصير الأبرار إلى النعيم، ومصير الكفار إلى الجحيم، وقال أبو السعود - رحمه الله تعالى -: والأظهر الأوفق لما، ذكر من سبب النزول: أنّ ﴿ما﴾ عبارة عما ليس في علمه من وظائف النبوة من الحوادث والواقعات الدنيوية، دون ما سيقع في الآخرة، فإن العلم بذلك من وظائف النبوة، وقد ورد به الوحي الناطق بتفاصيل ما يفعل بالجانبين هذا.

стр. 12234

وقرأ الجمهور (١): ﴿مَا يُفْعَلُ﴾ بضم الياء مبنيًا للمفعول، وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة: بفتحها مبنيًا للفاعل. وخلاصة المعنى: أي ولا أعلم ما يفعل بي في الدنيا، أأخرج من بلدي كما أخرجت أنبياء من قبلي؟ أم أقتل كما قتل منهم من قتل؟ ولا ما يفعل بكم أيها المكذبون، أترمون بحجارة من السماء؟ أم تخسف بكم الأرض؟ كل هذا علمه عند ربّي جلّ وعلا. وفي "صحيح البخاري" وغيره من حديث أمّ العلاء أنها قالت: لما مات عثمان بن مظعون ﵁: قلت: رحمة الله عليك يا أبا السائب، لقد أكرمك الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ : "وما يدريك أنّ الله أكرمه، أما هو فقد جاءه اليقين من ربّه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم" قالت أم العلاء: فوالله ما أزكّي بعده أحدًا، وفي رواية الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس، أنه لما مات .. قالت امرأته أو امرأة: هنيئًا لك ابن مظعون الجنة، فنظر إليها رسول الله ﷺ نظر مغضب، وقال: "وما يدريك، والله إني لرسول الله، وما أدري ما يفعل بي" فقالت: يا رسول الله صاحبك وفارسك وأنت أعلم، فقال: "أرجو له رحمة ربه تعالى، وأخاف عليه ذنبه". ومن هذا يعلم أنّ ما ينسب إلى بعض الأدعياء من العلم بشؤون الغيب فهو فرية على الله ورسوله، وكفى بما سلف ردًّا عليهم. ثم أكد ما سلف وقرّره بقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾؛ أي: ما أتبع إلا القرآن، ولا أبتدع شيئًا من عندي؛ أي: ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إليّ، على معنى قصر أفعاله ﷺ على اتباع الوحي، لا قصر اتباعه على الوحي، كما هو المتسارع إلى الأفهام، وهو جواب عن اقتراحهم الإخبار عما لم يوح إليه من الغيوب. وقيل: عن استعجال المسلمين أن يتخلصوا من أذية المشركين، والأول هو الأوفق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ أنذركم عقاب الله، وأخوفكم عذابه

стр. 12235

حسبما يوحى إليّ، وآتيكم بالشواهد الواضحة على صدق رسالتي، ولستُ أقدر على شيء من الأعمال الخارجة عن قدرة البشر ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: بيّن الإنذار لكم بالمعجزات الباهرة، ففيه أنه ﷺ أرسل مبلِّغًا وليس له من الهداية شيء، ولكن الله يهدي من يشاء. وقرأ ابن عمير (١): ﴿ما يوحي﴾ بكسر الحاء؛ أي: الله ١٠ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني أيها القوم ﴿إن كَانَ﴾ ما يوحى إليّ من القرآن في الحقيقة ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا سحرًا ولا مفترى كما تزعمون ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: والحال أنكم قد كفرتم به، فهو (٢) حال بإضمار قد من الضمير في الخبر وسط بين أجزاء، الشرط، مسارعة إلى التسجيل عليهم بالكفر، ويجوز أن يكون عطفًا على كان كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لكن لا على أنَّ نظمه في سلك الشرط المتردِّد بين الوقوع وعدمه عندهم، باعتبار حاله في نفسه، بل باعتبار حال المعطوف عليه عندهم، فإن كفرهم به متحقق عندهم أيضًا، وإنما تردُّدهم في أنَّ ذلك كفر بما عند الله أم لا؟ وكذا الحال، قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وما بعده من الفعلين، فإن الكل أمور متحققة عندهم، وإنما تردّدهم في أنها شهادة وإيمان بما عند الله، واستكبار منهم أم لا؟ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ عظيم الشأن ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الواقفين على شؤون الله،، وأسرار الوحي بما أوتوا من التوراة ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾؛ أي: على مثل القرآن من المعاني المنطوية في التوراة، المطابقة لما في القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، فإنها عين ما فيه في الحقيقة، كما يعرب عنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾، وهذه المثلية هي باعتبار تطابق المعاني وإن اختلفت الألفاظ. وقال الجرجاني: مثل صلة؛ يعني: عليه. والمعنى: وشهد شاهد على القرآن أنه من عند الله. وكذا قال الواحدي. و ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَآمَنَ﴾: للدلالة على أنه سارع في الإيمان بالقرآن لما علم

стр. 12236

أنه من جنس الوحي الناطق بالحق، وليس من كلام البشر ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عطف على ﴿شهد شاهد﴾؛ أي: فآمن الشاهد بالقرآن، واستكبرتم أنتم عن الإيمان. وجواب (١) الشرط محذوف، والتقدير: أخبروني إن كان من عند الله، وشهد على ذلك أعلم بني إسرائيل فآمن به من غير تباطؤ، واستكبرتم عن الإيمان به بعد هذه المرتبة، فمن أضل منكم؟ بقرينة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين يضعون الجحد والإنكار موضع الإقرار والتسليم، وصفهم بالظلم؛ للإشعار بعلية الحكم، فإن تركه تعالى لهدايتهم لظلمهم وعنادهم بعد وضوح البرهان. وقال أبو حيان: ومفعولا ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: محذوفان؛ لدلالة المعنى عليهما، والتقدير: أرأيتم حالكم إن كان كذا، ألستم ظالمين؟ فالأول حالكم، والثاني ألستم ظالمين، وجواب الشرط، محذوف؛ أي: فقد ظلمتم، ولذلك جاء فعل الشرط ماضيًا. إنتهى. وفيه إشارة إلى أنه لا عذر لهم بحال، إذ عند وجود الشاهد على حقّية الدعوى تبطل الخصومة، وذلك الشاهد في الآية عبد الله بن سلام بن الحارث حبر أهل التوراة، وكان اسمه الخصين، فسمّاه رسول الله ﷺ عبد الله ﵁ لما سمع بقدم رسول الله ﷺ المدينة .. أتاه، فنظر إلى وجه الكريم، فعلم أنه ليس بوجه كذّاب، وتأمّله فتحقق أنه النبي المنتظر، فقال له: إني أسألك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما حال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال النبي ﷺ : "أما أول أشراط الساعة .. فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة .. فزيادة كبد الحوت، وأما الولد .. فإن سبق ماء الرجل .. نزعه، وإن سبق ماء المرأة .. نزعته" فقال: أشهد أنك رسول الله حقًا، فقام ثم قال: يا رسول الله، إنّ إليهود قوم بهتٌ، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عنّي بهتوني عندك، فجاء اليود وهم خمسون، فقال لهم النبي ﷺ : "أيّ رجل عبد الله فيكم؟

стр. 12237

قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أرأيتم إن أسلم عبد الله" قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقالوا، شرّنا وابن شرنا، وانتقصوه. قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر. قال سعد بن أبي وقاص ﵁: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: "إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقال مسروق ﵁: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، فإن آل ﴿حمَ (١)﴾ نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة قبل وفاة النبي ﷺ بعامين، وأجاب الكلبي بأن الآية مدنية، وإن كانت السورة مكية، فوضعت في المكية على ما أمر رسول الله ﷺ . ومعنى الآية: أي قل لهم (١): أخبروني حالكم إن ثبت أنّ القرآن من عند الله لعجز الخلق عن معارضته، لا أنه سحر ولا مفترى كما تزعمون، ثم كذبتم به، وشهد أعلم بني إسرائيل بكونه من عند الله، فآمن واستكبرتم، أفلستم تكونون أضل الناس وأظلمهم؟ والخلاصة (٢): أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، وشهادة منصف من بني إسرائيل عارف بالتوراة على مثل ما قلت، فآمن به مع استبكاركم، أفلا تكونون ظالمين لأنفسكم؟ ثم ذكر أن في استكبارهم عن الإيمان ظلمًا لأنفسهم، وكفرا بآيات ربهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: إنّ الله لا يوفق لإصابة الحق، وهدى الصراط المستقيم من ظلموا أنفسم باستحقاقهم بسخط الله لكفرهم به بعد قيام الحجة الظاهرة عليهم، وهذا استئناف بياني تعليل لاستكبارهم. ١١ - ثم حكى نوعًا آخر من أقاويلهم الباطلة في القرآن العظيم والمؤمنين به

стр. 12238

فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: لأجلهم، فليس الكلام على المواجهة والخطاب حتى يقال: ما سبقتمونا؛ أي: قالوا لأجل إيمان من آمن من فقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود ومن لف لفهم: ﴿لَوْ كَانَ﴾ ما جاء به محمد ﷺ من القرآن والدين ﴿خَيْرًا﴾؛ أي: حقًا ﴿مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾؛ أي: ما سبقنا إليه هؤلاء الأراذل والفقراء، فإنّ معالي الأمور لا تنالها أيدي الأراذل، وهؤلاء سقاط الناس، ورعاة الإبل والشاء، وقد قالوا (١) ذلك زعمًا منهم أنّ الرياسة الدينية مما ينال بأسباب دنيوية، وقد غاب عنهم أنها منوطة بكمالات نفسانية، وملكات روحانية مبناها الإعراض عن زخارف الدنيا الدنية، والإقبال على الآخرة بالكلية، وأنّ من فاز بها .. فقد حازها بحذافيرها، ومن حرمها .. فما له منها من خلاق، ولم يعلموا أنّ الله يختصّ برحمته من يشاء، ويصطفي لدينه من يشاء. يقول الفقير: الأولى في مثل هذا المقام أن يقال: إنّ الرياسة الدينية فضل الله تعالى، يؤتيه من يشاء بغير علل ولا أسباب، فإن القابلية أيضًا إعطاء من الله تعالى. انتهى. ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾: ظرف لمحذوف يدل عليه ما قبله، ويترتب عليه ما بعده، لا لقوله: ﴿فَسَيَقُولونَ﴾ فإنه للاستقبال، و ﴿إذ﴾ للمضي؛ أي: وإذ لم يهتدوا بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان قالوا ما قالوا؛ أي: وحين لم يهتدوا بالقرآن ظهر عنادهم وقالوا: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ في المستقبل غير مكتفين بنفي خيريّته: ﴿هَذَا﴾ القرآن ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ وكذب مأثور عن الناس الأقدمين، كما قالوا: أساطير الأولين بقصد انتقاص القرآن وأهله، فقد جهلوا بلبّ القرآن وعادوه؛ لأنّ الناس أعداء ما جهلوا، ومن كان مريضًا مرّ الفم .. يجد الماء الزّلال مرًا، فلا ينبغي لأحد أن يستهين بشيء من الحق إذا لم يهتد عقله به، ولم يدركه فهمه، فإنّ ذلك من محض الضلالة والجهالة، بل ينبغي أن

стр. 12239

يطلب الاهتداء من الهادي ويجدَّ فيه. ١٢ - ثمّ ردّ عليهم طعنهم في القرآن، وأثبت صحته فقال: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل القرآن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾؛ أي: التوراة. قرأ الجمهور (١): بكسر الميم من ﴿مِنْ﴾ على أنها حرف جر، وهي ومجرورها خبر مقدم، و ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: في محل نصب على الحال، أو هي مستأنفة، والكلام مسوق لردّ قولهم: ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾، وإبطال له، فإن كونه مصدقًا لكتاب موسى مقرّر لحقيته قطعًا؛ يعني: كيف يصحّ هذا القول منهم، وقد سلّموا لأهل كتاب موسى أنهم من أهل العلم؟ وجعلوهم حكمًا يرجعون لقولهم في هذا النبي، وهذا القرآن مصدق له، أو له ولسائر الكتب الإلهية؛ أي: فإن كون القرآن موافقًا لكتاب موسى في أصول الشرائع، يدل على أنه حق، وأنه من عند الله، ويقتضي بطلان قولهم: ﴿هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾. وقرأ الكلبي بفتح ميم ﴿مَن﴾ على أنها موصولة ونصب ﴿كتاب﴾ على أنه مفعول لفعل محذوف؛ أي: وآتينا من قبل القرآن، أو قبل محمد ﷺ كتاب موسى ﴿إِمَامًا﴾ حال من ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾؛ أي: حال كون كتاب موسى إمامًا يقتدى به في دين الله سبحانه ﴿و﴾ حال كونه ﴿رحمة﴾ لمن آمن به، وعمل بموجبه ﴿وَهَذَا﴾ القرآن في يقولون في حقه ما يقولون ﴿كِتَابٌ﴾ عظيم الشأن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة، أو مصدق لما بين يديه من جميع الكتب الإلهية ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ حال من ضمير ﴿كِتَابٌ﴾ في ﴿مُصَدِّقٌ﴾؛ أي: حال كون هذا القرآن ملفوظًا به على لسان العرب؛ لكون القوم عربًا. قرأ الجمهور (٢): ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بياء الغيبة على أنّ فاعله ضمير يرجع إلى الكتاب أو الله أو الرسول، والأول أولى، وهو متعلق بـ ﴿مُصَدِّقٌ﴾، وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير وأبو رجاء وشيبة والأعرج وأبو جعفر: ﴿لتنذر﴾ بتاء الخطاب للرسول، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد؛ أي: وهذا كتاب

стр. 12240

مصدق لما بين يديه، أنزل بلسان عربي مبين؛ لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالإشراك وهم كفار مكة. وقوله: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في حيّز النصب عطفًا على محل ﴿لِيُنْذِرَ﴾؛ لأنه مفعول له؛ أي: أنزل بلسان عربي لينذر الظالمين بعبادة الأصنام من عذاب الله سبحانه، وليبشّر المحسنين بالإيمان والعمل الصالح بالجنة، وبرضوان الله تعالى. وقال الزجاج: الأجود أن يكون في محل رفع؛ أي: وهو ﴿بشرى للمحسنين﴾ وقوله: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ متعلق بـ ﴿بشرى﴾. ومن الظالمين (١): اليهود والنصارى، فإنهم قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وغيّروا ذكر محمد ﷺ ، ونعته في التوراة والإنجيل، وحرّفوا الكلم عن مواضعه، فكان ﷺ نذيرًا لهم، وبشيرًا للذين آمنوا بجميع الأنيياء والكتب المنزلة، وهدوا إلى الصراط المستقيم، وثبتوا على الدين القويم. والخلاصة: كيف يكون إفكًا قديمًا وهو مصدق لكتاب موسى الذي تعترفون بصدقه، وهو بلسان عربيّ، والتوراة بلسان عبريّ؟ فتصديق الأول للثاني مع اختلاف لغتهما دليل على اتحادهما صدقًا، فبطل كونه إفكًا قديمًا، وثبت له الصدق القديم. ومجمل معنى الآية (٢): أي ومما يدلّ على أنّ القرآن حق وصدق، وأنه من عند الله ... اعترافكم بإنزال الله التوراة على موسى الذي هو إمام وقدوة يقتدى به في الدين، وهو رحمة لمن آمن به، وهذا القرآن الموافق للتوارة في أصول الشرائع مصدق لكتاب موسى ولغيره من الكتب الإلهية المتقدمة، أنزله الله حال كونه بلغة عربية واضحة فصيحة، يفهمونها، من أجل أن ينذر به هذا النبي الكريم من عذاب الله الذين ظلموا أنفسهم، وهم مشركوا مكة، ويبشّر به المؤمنين الذين أحسنوا عملًا، فهو مشتمل على النذارة للكافرين، والبشارة للمؤمنين، وهو ليس إفكًا قديمًا كما يزعمون، بدليل توافقه مع التوراة.

стр. 12241

الإعراب ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾. ﴿حم (١)﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه السورة حم؛ أي: مسماة بلفظ حم، والجملة: مستأنفة. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ، خبره ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ والجملة: مستأنفة. ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: صفتان للجلالة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ والجملة: مستأنفة. ﴿وَمَا﴾ اسم موصول معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿ما﴾. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرّغ. ﴿بِالْحَقِّ﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره: إلا خلقًا متلبسًا بالحق والحكمة. ﴿وَأَجَلٍ﴾: معطوف على ﴿الحق﴾ ﴿مُسَمًّى﴾: صفة لـ ﴿الحق﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿الذين﴾: مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ وجملة ﴿أُنْذِرُوا﴾: صلة الموصول، والعائد: محذوف؛ أي: عن الذي أُنذروه. ﴿مُعْرِضُونَ﴾: خبر ﴿الذين﴾ ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾: مصدرية، أي: عن إنذارهم ذلك اليوم، والجملة الاسمية، معطوفة على الجملة الفعلية قبلها. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، و ﴿مَا﴾ مفعول به أول، وجملة ﴿تَدْعُونَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿تَدْعُونَ﴾؛ أي: تدعونهم مجاوزين الله في دعائهم. ﴿أَرُونِي﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة: توكيد لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا لـ ﴿خَلَقُوا﴾. ﴿خَلَقُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ حال من مفعول ﴿خَلَقُوا﴾، والجملة الفعلية سادّة مسدّ المفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿ما﴾:

стр. 12242

اسم استفهام مبتدأ، ﴿ذا﴾ اسم موصول خبره، وجملة ﴿خَلَقُوا﴾: صلة الموصول، والجملة الاسمية سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ويجوز أن لا تكون ﴿أَرُونِي﴾ توكيدًا لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فتكون المسألة من باب التنازع؛ لأنّ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: يطلب مفعولًا ثانيًا. و ﴿أَرُونِي﴾ كذلك، وقوله: ﴿مَاذَا خَلَقُوا﴾ هو المتنازع فيه. ﴿أَمْ﴾: منقطعة، بمعنى همزة الاستفهام وبل الإضرابية. كما مر. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿شِرْكٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿شِرْكٌ﴾ والجملة الاسمية: جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿ائْتُونِي﴾: فعل أمر وفاعل ونون وقاية ومفعول به، والجملة: من تتمّة المقول. ﴿بِكِتَابٍ﴾: متعلق بـ ﴿ائْتُونِي﴾. ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿كتاب﴾. ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾: معطوف على ﴿كتاب﴾ ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ صفة لـ ﴿أَثَارَةٍ﴾. ﴿إِن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إن كنتم صادقين فائتوني به، وجملة الشرط، من تتمّة المقول. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿من﴾: اسم استفهام معناه الإنكار، في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّنْ﴾: متلعق بـ ﴿أَضَلُّ﴾، وجملة ﴿يَدْعُو﴾: صلة ﴿مَن﴾ الموصولة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من فاعل ﴿يَدْعُو﴾، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَدْعُو﴾، ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَسْتَجِيبُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَن﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَجِيبُ﴾ والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَجِيبُ﴾ أو حال من فاعله. ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿هم﴾: مبتدأ. ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿غَافِلُونَ﴾ و ﴿غَافِلُونَ﴾: خبر ﴿هم﴾، والجملة: في محل النصب حال من مفعول ﴿يَدْعُو﴾، والجمع باعتبار معنى ﴿مَن﴾ الموصولة.

стр. 12243

﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿حُشِرَ النَّاسُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة، في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إذا﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ماض ناقص واسمه. ﴿لَهُمْ﴾ حال من ﴿أَعْدَاءً﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿أَعْدَاءً﴾: خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ جواب ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة. ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، معطوف على ﴿كان﴾ الأولى، ﴿بِعِبَادَتِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿كَافِرِينَ﴾ و ﴿كَافِرِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾. ﴿وإذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿تُتْلَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُتْلَى﴾، ﴿آيَاتُنَا﴾ نائب فاعل، والجملة: فعل شرط لـ ﴿إذا﴾. ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: حال من ﴿آيات﴾ وجملة ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جواب ﴿إذا﴾ وجملة ﴿إذا﴾: معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ الأولى. ﴿لِلْحَقّ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾ و ﴿اللام﴾ فيه: للتعليل. ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى حين، في محل النصب على الظرفية، مبنيّ على السكون، والظرف: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿جَاءَهُمْ﴾ فعل ومفعول به وفاعل يعود على ﴿الحق﴾ والجملة؛ في محل الخفض بإضافة ﴿لَمَّا﴾ إليها. ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿سِحْرٌ﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة مقدرة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿يَقُولونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿افْتَرَاهُ﴾: فعل ماض، ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿افْتَرَيْتُهُ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لاقتران الجواب بـ ﴿لا﴾ النافية ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَمْلِكُونَ﴾: فعل مضارع وفاعل مرفوع بثبات النون. ﴿لِي﴾: متعلق بـ ﴿تَمْلِكُونَ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ حال من

стр. 12244

﴿شَيْئًا﴾ و ﴿شَيْئًا﴾ مفعول ﴿تَمْلِكُونَ﴾، وجملة ﴿تَمْلِكُونَ﴾: جواب ﴿إن﴾ الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ وجملة ﴿تفُيضُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾، ﴿فِيه﴾: متعلق بـ ﴿تُفِيضُونَ﴾. ﴿كَفَى﴾: فعل ماض، ﴿بِهِ﴾ ﴿الباء﴾: زائدة، و ﴿الهاء﴾: ضمير مجرور لفظًا في موضع رفع فاعل ﴿كَفَى﴾ والجملة: في محل النصب قول ﴿قُلْ﴾. ﴿شَهِيدًا﴾: تمييز لفاعل ﴿كَفَى﴾، ﴿بَيْنِي﴾: متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾ ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾: معطوف على ﴿بَيْنِي﴾، ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ. ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خبران لـ ﴿هو﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿مَا﴾، نافية. ﴿كُنْتُ بِدْعًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُل﴾، ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾: صفة لـ ﴿بِدْعًا﴾. ﴿مَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَدْرِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد. ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ وجملة ﴿يُفعَلُ﴾: من الفعل المغير ونائب فاعله في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية سادّة مسدّ مفعولي ﴿أَدْرِي﴾ وهي معلقة عنها باسم الاستفهام. ﴿بِي﴾: متعلق بـ ﴿يُفْعَلُ﴾. ﴿وَلَا بِكُم﴾: معطوف عليه. قال الزمخشري: و ﴿مَا﴾ في ﴿مَا يُفْعَلُ﴾: يجوز أن تكون موصولةً منصوبةً، وأن تكون استفهامية مرفوعة. انتهى. وجملة ﴿وَمَا أَدْرِي﴾: معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قُل﴾. ﴿إن﴾ نافية. ﴿أَتَّبِعُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إلَّا﴾ أداة حصر. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿أَتَّبِعُ﴾، ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير مستتر يعود على ﴿مَا﴾، ﴿إِلَيَّ﴾: متعلق بـ ﴿يُوحَى﴾، وجملة ﴿يُوحَى﴾، صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ، ﴿إلا﴾: أداة حصر. ﴿نَذِيرٌ﴾: خبره ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿نَذِيرٌ﴾،

стр. 12245

والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على ما قبلها، على كلونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: مستأنفة. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قل﴾ ومفعولا ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: محذوفان تقديرهما: أرأيتم حام إن كان كذا وكذا ألستم ظالمين؟. وجواب الشرط: محذوف أيضًا، تقديره: فقد ظلمتم، وقيل: تقديره: فمن المحق منّا ومن المبطل؟ وقيل: جواب الشرط ﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص في محل الجزم بـ ﴿إِنَّ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، واسمه ضمير يعود على القرآن. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: خبره، وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية: محذوف، كما قدرنا آنفًا، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿وَكَفَرْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿كفرتم﴾: فعل وفاعل ﴿بهِ﴾: متعلق بـ ﴿كفرتم﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب حال من اسم ﴿كاَنَ﴾ ولكن بتقدير قد. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾: فعل وفاعل في محل النصب معطوف على: ﴿كفرتم﴾. ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿شَاهِدٌ﴾. ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿شهد﴾. ﴿فَآمَنَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿آمن﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿شَاهِدٌ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿شهد﴾، ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع. وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول ﴿يَهْدِي﴾، ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة للقوم، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قُل﴾ أو مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾. صلة الموصول. ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلق بـ ﴿قال﴾

стр. 12246

و ﴿اللام﴾: للتعليل، ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على القرآن، أو على ما جاء به محمد. ﴿خَيْرًا﴾: خبرها، والجملة: فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿مَا﴾: نافية ﴿سَبَقُونَا﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿سَبَقُونَا﴾ والجملة جواب ﴿لا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف، تقديره: ظهر عنادهم وتسبّب عنه قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، ولا يعمل في ﴿إذ﴾ قوله: ﴿فَسَيَقُولونَ﴾؛ لتضاد الزمانين، ولأجل ﴿الفاء﴾ أيضًا. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَهْتَدُوا﴾: فعل مضارع. وفاعل جزوم بحذف النون. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَهْتَدُوا﴾ والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، والظرف: متعلق بذلك المحذوف، والجملة المحذوفة: معطوفة عمى جملة قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿فَسَيَقُولونَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، و ﴿السين﴾: حرف استقبال. ﴿يقولون﴾: فعل وفاعل معطوف على الجملة المحذوفة، التي هي متعلق ﴿إذ﴾ الظرفية. ﴿هَذَا إِفْكٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿قَدِيمٌ﴾ صفة ﴿إِفْكٌ﴾، والجملة: في محل النصب مقول لـ ﴿يقولون﴾، ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿من قبله﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة. ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾: حالان من ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾. ﴿وَهَذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿هذا﴾: مبتدأ. ﴿كِتَابٌ﴾: خبره، والجملة: معطوفة على ما قبلها. ﴿مُصَدِّقٌ﴾: صفة ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿لِسَانًا﴾: حال مؤولة من الضمير المستكن في ﴿مُصَدِّقٌ﴾، أو من ﴿كِتَابٌ﴾. والعامل فيه، معنى الإشارة، والتقدير: ملفوظًا به بلغة عربية. ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة ﴿لِسَانًا﴾، ﴿لِيُنْذِرَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿ينذر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله: ضمير مستتر يعود على الكتاب. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول

стр. 12247

به، وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾: صلة الموصول، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور ﴿باللام﴾ الجار والمجرور: متعلق بمحذوف، تقديره: أنزل لإنذاره الذين ظلموا. ﴿وَبُشْرَى﴾: معطوف على محل ﴿لِيُنْذِرَ﴾ إن كان مفعولًا لأجله، ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: وهو بشرى ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ متعلق بـ ﴿بشرى﴾ أو صفة له. التصريف ومفردات اللغة ﴿عَمَّا أُنْذِرُوا﴾؛ أي: خوّفوا. ﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: مولّون لاهون. ﴿مَا تَدْعُونَ﴾؛ أي: تعبدون. ﴿أَرُونِي﴾ أصله: أرئيوني، نقلت حركة الهمزة إلى الراء ثمّ حذفت للتخفيف واستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت التقى ساكنان، فحذفت الياء وضمّت الراء لمناسبة الواو، وحذفت نون الرفع لبناء الأمر على ذلك. ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾؛ أي: نصيب وفي "السمين": والشرك: المشاركة. اهـ. وهذا أولى. ﴿ائْتُونِي﴾ أصله: ائتيونني، استثقلت الضمة على الياء ثم حذفت فالتقى ساكنان، ثم حذفت الياء ثم حركت التاء بحركة مجانسة للواو، ثم حذفت نون الرفع لبناء الأمر على ذلك. تنبيه: أبدل ورش والسوسي الهمزة الثانية من ﴿ائْتُونِي﴾ في الوصل ياء، وحققها الباقون، ومن المعلوم أنّ الأولى همزة تسقط في الوصل، وأما الابتداء بها .. فجميع القرّاء أبدلوها ياءً بعد الابتداء بهمزة الوصل مكسورةً. اهـ "خطيب". ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾؛ أي: بقية كائنة من علم الأثارة بفتح الهمزة، ومثلها الأثرة بالتحريك، بقيةٌ من علم، والمَكْرُمة المتوارثة، والفعل المجيد، من قولهم: سمنت الناقة على أثارة من شحم ولحم، أي: على بقية لحم وشحم كانت بها من لحم وشحم ذاهبٍ ذائبٍ. وعن ابن الأعرابي: أغضبني فلانٌ على أثارة غضبٍ، أي: على أثر غضب كان قبل ذلك، وهم أثارةٌ من علم؛ أي: بقيةٌ منه يأثرونها عن الأولين، ويقال: لبني فلان أثارةٌ من شرف، إذا كانت عندهم شواهد قديمة. وفي "المختار": وأثر الحديث: ذكره عن غيره فهو آثر بالمد، وبابه نصر، ومنه حديث مأثور، ينقله خلف عن سلف. اهـ. وفي "السمين": قوله: أو أثارة

стр. 12248

العامة على أثارة، وهي مصدر على فعالة كالشجاعة والغواية والضلالة والسماحة، ومعناها: البقية. والمعنى: بما يؤثر ويروى؛ أي: ائتوني بخبر واحد يشهد بصحة قولكم، وهذا على سبيل التنّزل للعلم بكذب المدّعي اهـ. ﴿أَضَلُّ﴾ أصله: أَضْلل، نقلت حركة اللام الأولى إلى الضاد فسكنت فأدغمت في اللام الثانية. ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ﴾ فيه إعلالٌ بالإبدال، أصله: دعاوهم، أبدلت الواو همزة لتطرّفها إثر ألف زائدة. ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ والحشر، الجمع. كما في "القاموس". قال الراغب: الحشر: إخراج الجماعة عن مقرّهم، وإزعاجهم عنه إلى الحرب وغيرها، ولا يقال إلا في اجماعة. وسمّي يوم القيامة يوم الحشر، كما سمّي يوم البعث، ويوم النشر. ﴿افْتَرَاهُ﴾ كذب عليه عمدًا. ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ أي: لا تغنون عنّي من الله شيئًا إن أراد تعذيبي. ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾؛ أي: تخوضون فيه، يقال: أفاضوا في الحديث: إذا خاضوا فيه وشرعوا؛ أي: تخوضون في قدح القرآن، وطعن آياته، وتسميته سحر تارة، وفرية أخرى، وهو من فاض الماء وأفاضه: إذا سال، وأصله: تفيضون، بوزن تفعلون مضارع أفاض، نقلت حركة الياء إلى الفاء فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مد. ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا﴾ أصله: كفى بوزن فعل كرمي، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا﴾ البدع والبديع من كل شيء: المبتدع المحدث دون سابقة له من الابتداع، وهو الاختراع. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ يوحى: فيه إعلال بالقلب، أصله: يوحي قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها بعد فتح. ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أصله: يهتديون، حذفت نون الرفع؛ لدخول الجازم وهو ﴿لَمْ﴾ فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت ... التقى ساكنان فحذفت الياء وضمت الدال لمناسبة الواو. ﴿هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾؛ أي: من قول الأقدمين، فهذا على حدّ قولهم: هو أساطير الأولين. وفي "الخطيب" ﴿قَدِيمٌ﴾؛ أي: أَفَكَه غيره وعثر هو عليه وأتى به، ونسبه إلى الله تعالى، كما قالوا: أساطير الأولين. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لم يقل له؛ أي: لكتاب موسى تعميمًا وإيذانًا بأنه

стр. 12249

مصدق للكتب السماوية كلِّها، لا سيما نفسه؛ لكونه معجزًا. اهـ "كرخي". ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ وبشرى مصدر على وزن فعلى، كرجعى، وهي بمعنى البشارة، والبشارة: الخبر السار، سمي بشارة؛ لطلاقة بشرة وجهه عند سماعه. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الكناية في قوله: ﴿عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾؛ لأنه كناية عن ترك الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و ﴿أَرُونِي﴾. ومنها: التبكيت في قوله: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾؛ لأنّ الغرض منه تبكيتهم، وتعجيزهم عن الإتيان بسند نقلي بعد تبكيتهم بالتعجيز عن الإتيان بسند عقليّ. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يَدْعُوا﴾ ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ﴾. ومنها: النكتة البلاغية الرائعة في قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وذلك أنه جعل يوم القيامة غاية لعدم الاستجابة، ومن شأن الغاية انتهاء المعنى عندها، لكن عدم الاستجابة مستمرّ بعد هذه الغاية؛ لأنهم في القيامة أيضًا لا يستجيبون لهم، فالوجه: أنها من الغايات المشعرة بأن ما بعدها، وإن وافق ما قبلها، إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثاني، حتى كأنّ الحالتين، وإن كانتا نوعًا واحدًا لتفاوت ما بينهما كالشيء وضده، وذلك أنّ الحالة الأولى التي جعلت غايتها القيامة، لا تزيد على عدم الاستجابة، والحالة الثانية التي في القيامة زادت على عدم الاستجابة بالعداوة وبالكفر، بعبادتهم إياهم. ومنها: التغليب، فغلب العاقل على غيره على سبيل المجاراة معهم، حيث عبّر عن الأصنام وغيره بضمير العقلاء في قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾؛ لأن عابدي الأصنام يصفونها بالتمييز جهلًا منهم وغباوةً.

стр. 12250

ومنها: وصفها بما ذكر من ترك الاستجابة والغفلة، مع ظهور حالها للتهكم بها وبعَبَدَتِها. ومنها: وضع الموصول موضع ضمير المتلوّ عليهم في قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ تسجيلًا عليهم بكمال الكفر والضلالة، وفيه أيضًا: وضع الحق موضع ضمير الآيات المتلوّة تنصيصًا على حقّيتها، ووجوب الإيمان بها. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ حيث استعمل الإفاضة في الأخذ في الشيء، والاندفاع فيه. ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾؛ أي: ما أفعل إلا اتباع ما يوحي إليّ على معنى قصر أفعاله ﷺ على اتباع الوحي، لا قصر اتباعه على الوحي كما هو المتسارع إلى الأفهام. ومنها: الطباق بين: ﴿آمن﴾ و ﴿كفرتم﴾ وبين: ﴿ينذر﴾ و ﴿بشرى﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾. ومنها: حذف المتعلق في قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ حيث لم يقل: مصدق له؛ أي: لكتاب موسى؛ إفادة للتعميم، وإيذانًا بأنه مصدق للكتب السماوية كلها، لا سيما نفسه، لكونه معجزًا كما سبق عن الكرخي. ومنها: تنكير ﴿كِتَابٌ﴾ في قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾؛ إيذانًا بفخامة شأنه، وعلوّ قدره. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار، في قوله: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تسجيلًا عليهم بصفة الظلم؛ لأنّ مقتضى السياق أن يقال: لينذرهم؛ أي: أهل مكة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 12251

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها:

стр. 12252

أنّ الله سبحانه لما ذكر (١) في سابق الآيات توحيده سبحانه، وإخلاص العبادة له، والاستقامة في العمل .. أردف هذا بالوصية بالوالدين؛ وقد فعل هذا في غير موضع من القرآن الكريم، كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقوله ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. وعبارة "التفسير المنير": مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (٢) جزاء المؤمنين الموحدين المستقيمين على الشريعة .. أمر ووصّى ببرّ الوالدين، وأشاد بصفة خاصة بالبارّ بوالديه بعد بلوكه سنَّ الأربعين، وبشره بقبول أعماله الصالحة، والتجاوز عن سيئاته، وجعله في عداد أصحاب الجنة وعدًا منجزًا لا خلف فيه. انتهى. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (٣) حال الداعين للوالدين البررة بهما، ثم ذكر ما أعد لهم من الفوز والنجاة في الدار الآخرة .. أعقب هذا بذكر حال الأشقياء العاقّين للوالدين، المنكرين للبعث والحساب، المحتّجين بأنّ القرون الخوالي لم تبعث، ثم ردّ الأباء عليهم بأنّ هذا اليوم حقّ لا شك فيه، بإجابة الأبناء لهم بأنّ هذه أساطير الأولين وخرافاتهم، ثم ذكر أنّ أمثال هؤلاء ممن حقّ عليهم القول بأنّ مصيرهم إلى النار. ثم أردف هذا بأنّ لكل من البررة والكفرة منازل عند ربهم، كفاء ما قدموا من عمل، وسيجزون عليها الجزاء الأوفى، ثم أخبر بأنه يقال للكفار حين عرضهم على النار: أنتم قد تمتعتم في الحياة الدنيا، واستكبرتم عن اتباع الحق، وتعاطيتم الفسوق والمعاصي، فجازاكم الله بالإهانة والخزي، والآلام الموجبة للحسرات المتتابعة في دركات النار. قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه

стр. 12253

الآيات لما قبلها: أن الله لما أورد الدلائل على إثبات التوحيد والنبوة، التي أعرض عنها أهل مكة، ولم يلتفتوا إليها، ولم تجدهم فتيلا ولا قطميرًا لاستغراقهم في الدنيا، واشتغالهم بطلبها .. أردف هذا بذكر قصص عاد وما حدث منهم مع نبيهم هود ﵇، وضرب لهم به المثل ليعتبروا فيتركوا الاغترار بما وجوده من الدنيا، ويقبلوا على طاعة الله، فقد كانوا أكثر منهم أموالًا، وأقوى منهم جندًا، فسلَّط الله عليهم العذاب بسب كفرهم، ولم يغن عنهم مالهم من الله شيئًا، وفيه تسلية للنبي ﷺ في تكذيب قومه. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما روى الواحدي عن ابن عباس قال: أنزلت في أبي بكر ﵁ وذلك أنه صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان عشرة، ورسول الله ﷺ وابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في التجارة، فنزلوا منزلًا فيه سدرةٌ - شجرة السدرة - فقعد رسول الله ﷺ في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فقال له: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبيّ، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يفارق رسول الله ﷺ في أسفاره وحضوره، فلما نبّىء رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة أسلم، وصدق رسول الله ﷺ ، فلما بلغ أربعين سنة .. قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ. وقال السّدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁. أخرج مسلم، وأهل السنن إلا ابن ماجه عن سعد ﵁ قال: قالت أم سعد لسعد: أليس الله قد أمر بطاعة الوالدين، فلا آكل طعامًا ولا أشرب،

стр. 12254

حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا، ونزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾. وقال الحسن البصري: هي مرسلة نزلت على العموم، وهذا هو الأولى؛ لأنّ حمل اللفظ على العموم منذ بداية نزول الوحي أوقع وأفيد وأشمل، وإن كانت العبرة دائمًا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا ...﴾ في عبد الرحمن بن أبي بكر، قال لأبويه، وكانا قد أسلما وأبى هو، فكانا يأمرانه بالإِسلام، فيردّ عليهما ويكذبهما ويقول: فأين فلان وأين فلان؟ يعني: مشايخ قريش ممن قد مات، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فنزلت توبته في هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ...﴾ الآية. وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس مثله، لكن أخرج البخاري من طريق يوسف بن ماهان قال: قال مروان بن الحكم في عبد الرحمن بن أبي بكر: إنَّ هذا هو في أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن، إلا أنّ الله أنزل عذري. وأخرج عبد الرزاق من طريق مكيّ أنه سمع عائشة تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، وقالت: إنما نزلت في فلان، وسمَّت رجلًا. وقال الحافظ بن حجر: ونفي عائشة أصح إسنادًا، وأولى بالقبول. وقال ابن كثير: ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ .. فقوله، ضعيفٌ؛ لأنّ عبد الرحمن أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه. قال القرطبي: الصحيح أن الآية نزلت في عبد كافر عاق لوالديه. التفسير وأوجه القراءة ١٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على أداء فرائض الله

стр. 12255

تعالى، واجتناب معاصيه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من لحوق مكروه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من فوات محبوب. والمراد (١): دوام نفي الحزن؛ أي: إنّ الذين جمعوا بين التوحيد في هو خلاصة العلم، والاستقامة في أمور الدين، التي هي منتهى العمل، و ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: للدلالة على تراخي رتبة العمل، وتوقّف الاهتداء به على التوحيد. قال ابن طاهر: استقاموا على ما سبق منهم من الإقرار بالتوحيد، فلم يروا سواه منعمًا، ولم يشكروا سواه في حال، ولم يرجعوا إلى غيره، وثبتوا معه على منهاج الاستقامة. و ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾: زائدة في خبر الموصول جوازًا، لما فيه من معنى الشرط. والمعنى (٢): أي إنّ الذين جمعوا بين التوحيد والاستقامة على منهج الشريعة، لا يخافون من وقوع مكروه بهم في المستقبل، ولا يحزنون من فوات محبوب في الماضي؛ أي: فلا خوف عليهم من فزع يوم القيامة وأهواله، ولا هم يحزنون على ما خلّفوا وراءهم بعد مماتهم ١٤ - ﴿أُولَئِكَ﴾ المؤمنون الموحدون المستقيمون على أمر الله هم ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: ملازموها حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ﴾؛ أي: ماكثين ﴿فِيهَا﴾ مكثًا مؤبّدًا، فهو حال من الضمير المستكن في ﴿أَصْحَابُ﴾ يجزون الجنة ﴿جَزَاءً﴾ وكفاءَ ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الأعمال الصالحة، فـ ﴿جَزَاءً﴾: منصوب إما بعامل مقدر كما قدّرنا، أو بمعنى ما تقدم، فإنّ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. في معنى جازيناهم. وفي هذه الآية من الترغيب أمر عظيم، فإنّ نفي الخوف والحزن على الدوام، والاستقرار في الجنة على الأبد، مما لا تطلب الأنفس سواه، ولا تتشوف إلى ما عداه، ١٥ - ولما كان رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما كما ورد في الحديث .. حث الله سبحانه عليه، بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: عهدنا إليه، وأمرناه بأن يحسن ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾؛ أي: بأبويه وإن عليا ﴿إِحْسَانًا﴾ فحذف الفعل واقتصر على المصدر دالًّا عليه.
следующие страницы →