← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12251–12290 · переход к 12256.

стр. 12251

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها:

стр. 12252

أنّ الله سبحانه لما ذكر (١) في سابق الآيات توحيده سبحانه، وإخلاص العبادة له، والاستقامة في العمل .. أردف هذا بالوصية بالوالدين؛ وقد فعل هذا في غير موضع من القرآن الكريم، كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقوله ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. وعبارة "التفسير المنير": مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (٢) جزاء المؤمنين الموحدين المستقيمين على الشريعة .. أمر ووصّى ببرّ الوالدين، وأشاد بصفة خاصة بالبارّ بوالديه بعد بلوكه سنَّ الأربعين، وبشره بقبول أعماله الصالحة، والتجاوز عن سيئاته، وجعله في عداد أصحاب الجنة وعدًا منجزًا لا خلف فيه. انتهى. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (٣) حال الداعين للوالدين البررة بهما، ثم ذكر ما أعد لهم من الفوز والنجاة في الدار الآخرة .. أعقب هذا بذكر حال الأشقياء العاقّين للوالدين، المنكرين للبعث والحساب، المحتّجين بأنّ القرون الخوالي لم تبعث، ثم ردّ الأباء عليهم بأنّ هذا اليوم حقّ لا شك فيه، بإجابة الأبناء لهم بأنّ هذه أساطير الأولين وخرافاتهم، ثم ذكر أنّ أمثال هؤلاء ممن حقّ عليهم القول بأنّ مصيرهم إلى النار. ثم أردف هذا بأنّ لكل من البررة والكفرة منازل عند ربهم، كفاء ما قدموا من عمل، وسيجزون عليها الجزاء الأوفى، ثم أخبر بأنه يقال للكفار حين عرضهم على النار: أنتم قد تمتعتم في الحياة الدنيا، واستكبرتم عن اتباع الحق، وتعاطيتم الفسوق والمعاصي، فجازاكم الله بالإهانة والخزي، والآلام الموجبة للحسرات المتتابعة في دركات النار. قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه

стр. 12253

الآيات لما قبلها: أن الله لما أورد الدلائل على إثبات التوحيد والنبوة، التي أعرض عنها أهل مكة، ولم يلتفتوا إليها، ولم تجدهم فتيلا ولا قطميرًا لاستغراقهم في الدنيا، واشتغالهم بطلبها .. أردف هذا بذكر قصص عاد وما حدث منهم مع نبيهم هود ﵇، وضرب لهم به المثل ليعتبروا فيتركوا الاغترار بما وجوده من الدنيا، ويقبلوا على طاعة الله، فقد كانوا أكثر منهم أموالًا، وأقوى منهم جندًا، فسلَّط الله عليهم العذاب بسب كفرهم، ولم يغن عنهم مالهم من الله شيئًا، وفيه تسلية للنبي ﷺ في تكذيب قومه. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما روى الواحدي عن ابن عباس قال: أنزلت في أبي بكر ﵁ وذلك أنه صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان عشرة، ورسول الله ﷺ وابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في التجارة، فنزلوا منزلًا فيه سدرةٌ - شجرة السدرة - فقعد رسول الله ﷺ في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فقال له: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبيّ، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يفارق رسول الله ﷺ في أسفاره وحضوره، فلما نبّىء رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة أسلم، وصدق رسول الله ﷺ ، فلما بلغ أربعين سنة .. قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ. وقال السّدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁. أخرج مسلم، وأهل السنن إلا ابن ماجه عن سعد ﵁ قال: قالت أم سعد لسعد: أليس الله قد أمر بطاعة الوالدين، فلا آكل طعامًا ولا أشرب،

стр. 12254

حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا، ونزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾. وقال الحسن البصري: هي مرسلة نزلت على العموم، وهذا هو الأولى؛ لأنّ حمل اللفظ على العموم منذ بداية نزول الوحي أوقع وأفيد وأشمل، وإن كانت العبرة دائمًا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا ...﴾ في عبد الرحمن بن أبي بكر، قال لأبويه، وكانا قد أسلما وأبى هو، فكانا يأمرانه بالإِسلام، فيردّ عليهما ويكذبهما ويقول: فأين فلان وأين فلان؟ يعني: مشايخ قريش ممن قد مات، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فنزلت توبته في هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ...﴾ الآية. وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس مثله، لكن أخرج البخاري من طريق يوسف بن ماهان قال: قال مروان بن الحكم في عبد الرحمن بن أبي بكر: إنَّ هذا هو في أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن، إلا أنّ الله أنزل عذري. وأخرج عبد الرزاق من طريق مكيّ أنه سمع عائشة تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، وقالت: إنما نزلت في فلان، وسمَّت رجلًا. وقال الحافظ بن حجر: ونفي عائشة أصح إسنادًا، وأولى بالقبول. وقال ابن كثير: ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ .. فقوله، ضعيفٌ؛ لأنّ عبد الرحمن أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه. قال القرطبي: الصحيح أن الآية نزلت في عبد كافر عاق لوالديه. التفسير وأوجه القراءة ١٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على أداء فرائض الله

стр. 12255

تعالى، واجتناب معاصيه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من لحوق مكروه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من فوات محبوب. والمراد (١): دوام نفي الحزن؛ أي: إنّ الذين جمعوا بين التوحيد في هو خلاصة العلم، والاستقامة في أمور الدين، التي هي منتهى العمل، و ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: للدلالة على تراخي رتبة العمل، وتوقّف الاهتداء به على التوحيد. قال ابن طاهر: استقاموا على ما سبق منهم من الإقرار بالتوحيد، فلم يروا سواه منعمًا، ولم يشكروا سواه في حال، ولم يرجعوا إلى غيره، وثبتوا معه على منهاج الاستقامة. و ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾: زائدة في خبر الموصول جوازًا، لما فيه من معنى الشرط. والمعنى (٢): أي إنّ الذين جمعوا بين التوحيد والاستقامة على منهج الشريعة، لا يخافون من وقوع مكروه بهم في المستقبل، ولا يحزنون من فوات محبوب في الماضي؛ أي: فلا خوف عليهم من فزع يوم القيامة وأهواله، ولا هم يحزنون على ما خلّفوا وراءهم بعد مماتهم ١٤ - ﴿أُولَئِكَ﴾ المؤمنون الموحدون المستقيمون على أمر الله هم ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: ملازموها حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ﴾؛ أي: ماكثين ﴿فِيهَا﴾ مكثًا مؤبّدًا، فهو حال من الضمير المستكن في ﴿أَصْحَابُ﴾ يجزون الجنة ﴿جَزَاءً﴾ وكفاءَ ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الأعمال الصالحة، فـ ﴿جَزَاءً﴾: منصوب إما بعامل مقدر كما قدّرنا، أو بمعنى ما تقدم، فإنّ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. في معنى جازيناهم. وفي هذه الآية من الترغيب أمر عظيم، فإنّ نفي الخوف والحزن على الدوام، والاستقرار في الجنة على الأبد، مما لا تطلب الأنفس سواه، ولا تتشوف إلى ما عداه، ١٥ - ولما كان رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما كما ورد في الحديث .. حث الله سبحانه عليه، بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: عهدنا إليه، وأمرناه بأن يحسن ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾؛ أي: بأبويه وإن عليا ﴿إِحْسَانًا﴾ فحذف الفعل واقتصر على المصدر دالًّا عليه.

стр. 12256

وقرأ الجمهور (١): ﴿حسنا﴾ بضم الحاء وإسكان السين، وقرأ عليّ والسلمي وعيسى بفتحهما، وعن عيسى: بضمهما، وقرأ الكوفيون: ﴿إِحْسَانًا﴾ فقيل: ضمّن ﴿وصينا﴾ معنى ألزمنا، فيتعدى لاثنين، فانتصب ﴿حسنًا﴾ و ﴿إِحْسَانًا﴾ على الفعول الثاني لـ ﴿وصينا﴾. وقيل: التقدير: إيصاء ذا حسن أو ذا إحسان، ويجوز أن يكون ﴿حسنًا﴾ بمعنى إحسان، فيكون مفعولًا له؛ أي: ووصّيناه بهما لإحساننا إليهما، فيكون الإحسان من الله تعالى. والمعنى (٢): أي أمرنا الإنسان بالإحسان إليهما، والحنوّ عليهما، والبرّ بهما في حياتهما وبعد مماتهما، والإنفاق عليهما عند الحاجة، والبشاشة عند لقائهما، وجعلنا البرّ بهما من أفضل الأعمال، وعقوقهما من الكبائر. والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ثم ذكر سبب التوصية وعلته، وخصّ الكلام بالأم؛ لأنها أضعف وأولى بالرعاية، وفضلها أعظم، كما ورد في صحيح الأحاديث، ومن ثم كان لها ثلثا البّر، فقال: ﴿حَمَلَتهُ﴾؛ أي: حملت الإنسان ﴿أُمُّهُ﴾ الأمّ (٣) بإزاء الأب وهي الوالدة القريبة التي ولدته، والوالدة البعيدة التي ولدت من ولدته، ولهذا قيل لحوّاء ﵍: هي أُمُّنا، وإن كان بيننا وبينها وسائط. ويقال لكل ما كان أصلًا لوجود الشي أو تربيته أو إصلاحه أو مبدأه أمٌّ. ﴿كُرْهًا﴾ حال من فاعل ﴿حَمَلَتْهُ﴾؛ أي: حملته حال كونها ذات كره، وهو المشقة والصعوبة، يريد حالة ثقل الحمل في بطنها لا في ابتدائها، فإنّ ذلك لا يكون فيه مشقة، أو حملته حملًا ذا كره ومشقة. وقرأ الجمهور (٤): ﴿كُرْهًا﴾ بضم الكاف في الموضعين، وقرأ شيبة أبو جعفر، والأعرج والرحميان نافع وابن كثير وأبو عمرو بالفتح، وبهما معًا أبو رجاء ومجاهد وعيسي، والضم والفتح لغتان بمعنى واحد، كالعَقْرِ والعُقْرِ. وقالت

стр. 12257

فرقة بالضم: المشقة، وبالفتح: الغلبة والقهر. ﴿وَوَضَعَتْهُ﴾؛ أي: ولدته ﴿كُرْهًا﴾ وهي شدة الطلق. وفي الحديث (١) "اشتدي أزمة تنفرجي". قال ﷺ لامرأة مسماة بأزمة، حين أخذها الطلق؛ أي: تصبري يا أزمة حتى تنفرجي عن قريب بالوضع. كذا في "المقاصد الحسنة". والمعنى: أي حملته في بطنها بمشقة، فقاست في حال حمله مشقةً وتعبًا، من وَحْمٍ وغثيانٍ وثقلٍ وكربٍ، ووضعته بمشقةٍ أيضًا، فقاست بسبب وضعه مشقة ألم الطلق وشدته، ووجع الولادة، ثم الرضاع والتربية، وكانت أيام الوحم تمنع من الطعام والشراب، وتعاف كل شيء، وكل هذا مما يستدعي البر بها، والإحسان الزائد إليها، واستحقاقها للكرامة، وجميل الصحبة. ثم بين سبحانه مدة حمله وفصاله، فقال: ﴿وَحَمْلُهُ﴾؛ أي: ومدة حمله في البطن ﴿وَفِصَالُهُ﴾ وهو الفطام؛ أي: قطع الولد ومنعه عن اللبن. والمراد به: الرضاع التام المنتهى به، فيكون مجازًا مرسلًا عن الرضاع التام، بعلاقة أنّ أحدهما بغاية الآخر ومنتهاه، كما أراد بالأمد المدّة من قال: كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ الْعُمْـ ... ـرِ وَمَرْديٌّ إِذَا انْتَهَى أَمَدُهُ أي: هالك إذا انتهت مدة عمره، ونظيره: التعبير عن المسافة بالغاية في قولهم: مَن لابتداء الغاية، وإلى لانتهاء الغاية؛ أي: ومدة حمله ورضاعه ﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ تمضي عليها بمقاساة الشدائد، والشهر: مدة معروفة مشهورة بإهلال الهلال، أو باعتبار جزء من اثني عشر جزءًا من دوران الشمس من نقطة إلى تلك النقطة، سمي به لشهرته، والمراد به: الشهر القمري، لا الشمسي. وقرأ الجمهور ﴿وَفِصَالُهُ﴾، وهو مصدر فاصل الرباعيِّ، كأنه من اثنين فاصل أمه وفاصلته، وقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة والجحدري: ﴿وفَصْلُه﴾. قيل: والفصل والفصال: مصدران، كالفطم والفطام.

стр. 12258

أي: إنّ مدة حمله (١) ورضاعه ثلاثون شهرًا؛ أي: عامان ونصف، تكابد الأمُّ فيها الآلام الجسمية والنفسية، فتسهر الليالي ذوات العدد إذا مرض، وتقوم بغذائه وتنظيفه، وكلِّ شؤونه بمحبةٍ وحنانٍ بلا ضجرٍ ولا سآمة، وتحزن إذا اعتل جسمه، أو ناله مكروه يؤثِّر في نموه وحسن صحته. وفي هذه الآية إشارة إلى أنّ حق الأمّ آكد من حق الأب؛ لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة، وأرضعته وحضنته وعنيت به بتعب وصبر، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك، وإن تعب في الكسب والإنفاق، كذا جاءت الأحاديث النبوية تؤكد بر الأم، وتقدمه بمراتب ثلاث على مرتبة الأب، أخرج الشيخان، البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك". وفي الآية أيضًا (٢): إيماءٌ إلى أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنّ أكثر مدة الإرضاع حولان كاملان؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فلم يبق للحمل إلا ستة أشهر، وبذلك يعرف أقل العمل وأكثر الإرضاع. وأول من استنبط هذا الحكم من هذه الآية عليّ - كرم الله وجهه - وهو استنباط صحيح، ووافقه عليه عثمان، وجمع من الصحابة ﵃ روى ابن أبي حاتم ومحمد بن إسحاق صاحب "السيرة" عن معمر بن عبد الله الجهني قال: تزوّج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان ﵁ فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها .. بكت أختها، فقالت لها: وما يبكيك، فوالله ما التبس بي أحدٌ من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله فيّ ما شاء، فلما أتي بها إلى عثمان ﵁ .. أمر برجمها، فبلغ ذلك عليًّا ﵁ فأتاه فقال له: ما

стр. 12259

تصنع؟ قال: ولدت تمامًا لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له عليُّ ﵁: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾؟ وقال: ﴿حَولَين كَامِلَين﴾ فلم نجده أبقى إلا ستة أشهر، فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا، عليَّ بالمرأة، فوجدها قد فرغ منها (١) .. قال معمر: فوالله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلمَّا رآه أبوه .. قال: ابني والله لا أشك فيه. وروى ابن أبي حاتم أيضًا عن ابن عباس ﵄ قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر .. كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرًا، وإذا وضعته لسبعة أشهر .. كفاه من الرضاعة ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعته لستة أشهر ... فحولان كاملان؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. وقال أبو حنيفة: المراد بحمله: العمل على اليد، ولو حمل على حمل البطن .. كان بيان الأقل مع الأكثر. انتهى. قيل: ولعلَّ (٢) تعيين أقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع؛ أي: في الآية؛ لانضباطهما، وتحقُّق ارتباط النسب، والرضاع بهما، فإن من ولدت لستة أشهر من وقت التزوج، يثبت نسب ولدها، كما وقع في زمان على ﵁ فحكم بالولد على أبيه، فلو جاءت بولد لأقلَّ من ستة .. لم يلزم الولد للزوج، ويفرَّق بينهما، ومن مصَّ ثدي امرأة في أثناء حولين من مدة ولادته .. تكون المرضعة أُمًّا له، ويكن زوجها الذي لبنها منه أبًا له. قال في "الحقائق": الفتوى في مدة الرضاع على قولهما. وفي "فتح الرحمن": اتفق الأئمة على أنَّ أقل مدة الحمل ستة أشهر، واختلفوا في أكثر مدته، فقال أبو حنيفة: سنتان. والمشهور عن مالك: خمس سنين، وروي عنه أربع وسبع. وعند الشافعي، وأحمد: أربع سنين، وغالبها تسعة أشهر. انتهى.

стр. 12260

وحكي عن أرسطوطاليس أنه قال: إنّ مدة الحمل لكل الحيوان مضبوطةٌ، سوى الإنسان، فربما وضعت لسبعة أشهر ولثمانية، وقيل ما يعيش الولد في الثامن إلا في بلاد معينة، مثل: مصر. انتهى. وفي "إنسان العيون": ذكر أنَّ مالكًا ﵀ مكث في بطن أمه سنتين، وكذا الضحاك بن مزاحم التابعي. وفي "محاضرات السيوطي": أنَّ مالكًا مكث في بطن أمه ثلاث سنين. وأخبر مالك أنَّ جارةً له ولدت ثلاثة أولاد في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل ولد أربع سنين. انتهى. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ غاية (١) لمحذوف؛ أي: أخذ ما وصَّيناه به، حتى إذا بلغ وقت أشده بحذف المضاف. وبلوغ الأشد: أن يكتهل ويستوفي السن الذي تستحكم فيه قوته وعقله وتمييزه. وسن الكهولة ما بين سنّ الشباب وسنّ الشيخوخة. قال في "فتح الرحمن": ﴿أَشُدَّهُ﴾: كمال قوته وعقله ورأيه. وأقلُّه: ثلاث وثلاثون، وأكثره: أربعون ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ أي: تمام أربعين، بحذف المضاف. قيل: لم يبعث نبي قبل أربعين، وهو ضعيف جدًا، يدل عى ضعفه أنّ عيسى ويحيى ﵉ بعثا قبل الأربعين. كما في "بحر العلوم". وجوابه: أنه من إقامة الأكثر الأغلب مقام الكل. قال ابن الجوزي: قوله: "ما من نبيٍ نبىء إلا بعد الأربعين" موضوع؛ لأنَّ عيسى نبىء ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنةً، فاشتراط الأربعين في حق الأنبياء ليس بشيء. انتهى. وكذا نُبِّىء يوسف ﵇ وهو ابن ثماني عشرة سنة. كما في كتب التفاسير، وقيس على النبوة قوة الإيمان والإِسلام. وقوله: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ قمريةً، لا الشمسية، ما أفادته الآية. ما في "الروح" يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيءٌ وراء بلوغ الأشد، وهو (٢) نهاية استحصاد العقل واستكماله، ومن ثم روي عن ابن عباس: "من أتى عليه الأربعون ولم يغلب خيره شرَّه .. فليتجهز إلى النار" ولهذا قيل: إِذَا الْمَرْءُ وَافَى الأَرْبَعِيْنَ وَلَمْ يَكُنْ ... لَهُ دُوْنَ مَا يَهْوَى حَيَاءٌ وَلَا سِتْرُ

стр. 12261

فدَعْهُ فَلاَ تَنْفَسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضَى ... وَإِنْ جَرَّ أَسْبَابَ الْحَيَاةِ لَهُ الْعُمْرُ ﴿قَالَ﴾ ذلك الإنسان ﴿رَبِّ﴾ ـي، ويا مالك أمري ﴿أَوْزِعْنِي﴾؛ أي: وَفَّقْني، وألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ من نعمة الهداية إلى الدين الحق والتوحيد وغير ذلك من نعم الدنيا، كسلامة العقل والصحة والعافية، وسعة العيش وتمام الخلقة السوية، وحنان الأبوين حين ربيّاني صغيرًا، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه؛ لأن النعمة عليهما نعمة عليه. وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: معطوف (١) على قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾؛ أي: ألهمني ووفّقني للعمل الصالح في ترضاه منّي، والعمل الصالح المرضي: هو ما يكون سالمًا من شوائب عدم القبول. وفيه إشارةٌ إلى أنه لا يمكن للعبد أن يعمل عملًا يرضي به ربه إلا بتوفيقه وإرشاده ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: واجعل الصلاح ساريًا في ذريتي، متمكنًا من نفوسهم، راسخًا في قلوبهم؛ أي: اجعل ذرّيتي صالحين راسخين في الصلاح متمكنين منه. وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات. وأصل ﴿أصلح﴾: يتعدى بنفسه كما في قوله: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾، وإنما عدي هنا بالحرف ﴿في﴾؛ لإفادة الرسوخ والسريان. قال سهلٌ: اجعلهم لي خلف صدق، ولك عبيدا حقًا. وقال محمد بن عليّ: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلًا. وفيه إشارة إلى أنَّ صلاحية الآباء تورث صلاحية الأبناء ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من ذنوبي التي فُرِّطت منى في أيامي الخوالي ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: من الخاضعين لك بالطاعة، المستسلمين لأمرك ونهيك، المنقادين لحكمك. قال ابن كثير: وهذا فيه إرشادٌ لمن بلغ الأربعين أن يجدّد التوبة والإنابة إلى الله ، ويعزم عليها. وقد روى أبو داود في "سننه" عن ابن مسعود ﵁: أنّ رسول الله ﷺ كان يعلّمهم أن يقولوا في التشهد: "اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى

стр. 12262

النور، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرّياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها وأتمها علينا. قال عليّ ﵁: هذه الآية: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، فأوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده، ووالده: هو أبو قحافة عثمان بن، عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وأمه: أم الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد، وأم أبيه أبي قحافة: قيلة، وامرأة أبي بكر الصديق اسمها: قتيلة بنت عبد العزّى. وقال ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أجاب الله دعاء أبي بكر، فاعتق تسعةً من المؤمنين يعذَّبون في الله، منهم: بلال وعامر بن فهيرة، ولم يدع شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه، ولم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أسلم هو وأبواه وأولاده وبناته كلهم إلا أبو بكر وهذا دليل على استجابة دعاء أبي بكر ﵁. ١٦ - ثم ذكر جزاء أصحاب هذه الأوصاف الجليلة، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الإنسان المذكور، ولأنّ المراد به: الجنس المتصف بالوصف المحكي عنه، وهو مبتدأ خبره الموصول المذكور بعده؛ أي: أولئك المنعوتون بما ذكر من النعوت الجليلة هم ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ من الطاعات واجبة أو مندوبة، فإن المباحات حسن لا يثاب عليها، فأفعل التفضيل على بابه. وقرأ الجمهور (١): ﴿يتقبل﴾ مبنيًا للمفعول ﴿أحسن﴾ رفعًا، وكذا ﴿ويتجاوز﴾. وقرأ زيد بن عليّ وابن وثّاب وطلحة وأبو جعفر والأعمش بخلاف عنه، وحمزة والكسائي وحفص: ﴿نَنَقَبَّل﴾ ﴿أَحْسَنَ﴾ نصبًا، ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾ بالنون

стр. 12263

فيهما، وقرأ الحسن والأعمش وعيسى: بالياء فيهما مفتوحةً، ونصب ﴿أَحْسَنَ﴾. ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾؛ أي: نتسامح ﴿عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾؛ أي: ما فعلوا قبل التوبة، ولا يعاقبون عليها. قال الحسن: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ إنما ذلك من أراد الله سبحانه هوانه، وأما من أراد كرامته .. فإنه يتجاوز عن سيئاته حال كونهم كائنين ﴿في﴾ عداد ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ منتظمين في سلكهم، فالجار والمجرور: في محل النصب على الحال، كقولك: أكرمني الأمير في أصحابه؛ أي: كائنًا في جملتهم. وقيل: إن ﴿في﴾ بمعنى: مع؛ أي: مع أصحاب الجنة. وقيل: إنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم في أصحاب الجنة ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة؛ لأنّ قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ إلخ. في معنى الوعد بالتقبل والتجاوز. والمعنى عليه: وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم وعد الصدق. ويجوز أن يكون مصدرًا لفعل محذوف؛ أي: وعدهم الله وعد الصدق ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ به في الدنيا على ألسنة الرسل، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية. ومعنى الآية: أي (١) هؤلاء الذين هذه صفاتهم، هم الذين يتقبل الله عنهم أحسن ما عملوا في الدنيا من صالح الأعمال، فيجازيهم به، ويثيبهم عليه، ويصفح عن سيئات أعمالهم التي فرطت منهم في الدنيا لمامًا ولم تكن عادة لهم، بل جاءت بحافزة من القوة الشهوانية، أو القوة الغضبية، فلا يعاقبهم عليها، وهم منتظمون في سلك أصحاب الجنة، داخلون في عدادهم. ثم أكد الوعد السابق بقوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾؛ أي: وعدهم الله الوعد الحق في لا شك فيه ولا خلف، وأنه موفّ به. وهذه الآية كما تنطبق على سعد بن أبي وقاص، وعلى أبي بكر الصديق، اللذين قيل: في كل منهما نزلت الآية، تنطبق على كل مؤمن، فهو موصى

стр. 12264

بوالديه، مأمور أن يشكر نعمة الله عليه، وعلى والديه، وأن يعمل صالحًا، وأن يسعى في إصلاح ذرّيته، ويدعو الله أن يوفقه لعمل أهل الجنة. ١٧ - ولما ذكر سبحانه من شكر نعمة الله سبحانه عليه وعلى والديه .. ذكر من قال لهما قولًا يدل على التضجر منهما عند دعوتهما له إلى الإيمان، فقال: ﴿وَالَّذِي﴾: مبتدأ، خبره: قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ لأنَّ المراد به - أي: بالموصول - الجنس ﴿قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ عند دعوتهما له إلى الإيمان، ويدخل فيه كل عبد سوءٍ عاقٍ لوالديه فاجرٍ لربّه ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾ و ﴿أُفٍّ﴾: (١) كلمة تصدر عن قائلها عند تضجره من شيء يرد عليه، وكراهيته له. و ﴿اللام﴾: لبيان المؤفف له، كما في ﴿هَيْت لَكَ﴾؛ أي: هذا التأفيف لكما خاصَّة. وقال الراغب: أصل الأفّ؛ كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر وما يجري مجراهما، ويقال ذلك لكل مستخفٍ به، استقذارًا له؛ أي: نتنًا وقبحًا لكما، أتضجر منكما. فـ ﴿اللام﴾ بمعنى: منْ. وقرأ نافع وحفص (٢): ﴿أُفٍّ﴾ بكسر ﴿الفاء﴾ مع التنوين، وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن محيصن: بفتحها من غير تنوين، وقرأ الباقون، بكسر من غير تنوين، وهي لغات. وقد مضى الكلام على ﴿أُفٍّ﴾ مدلولًا. ولغات، وقراءةً في سورة الإسراء مبسوطًا، وقرأ الجمهور: ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾ بنونين خفيفتين الأولى مكسورة، وفتح ياءه أهل المدينة ومكة، وأسكنها الباقون، وقرأ الحسن وعاصم وأبو عمرو في روايةٍ، وهشامٌ، بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وقرأ نافع في رواية، وجماعةٌ: بنونٍ واحدةٍ، وقرأ الحسن وشيبة وأبو جعفر بخلاف عنه، وعبد الوارث عن أبي عمرو وهارون بن موسى عن الجحدري وسامٌ عن هشام: بفتح النون الأولى، كأنهم فرَّوا من توالي الكسرتين والياء إلى الفتح؛ طلبًا للتخفيف، ففتحوا كما فرَّ من أدغم ومن حذف، وقال أبو حاتم: فتح النون باطل غلط. وقرأ الجمهور: ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ بضم الهمزة، وفتح الراء مبنيًا للمجهول، وقرأ الحسن وابن يعمر والأعمش وأبو العالية وابن مصرِّف والضحاك: بفتح الهمزة،

стр. 12265

وضم الراء مبنيًا للفاعل. والمعنى: أتعدانني وتخبرانني أن أبعث بعد الموت، وأخرج من القبر ﴿و﴾ الحال أنه ﴿قَدْ خَلَتِ﴾ ومضت ﴿الْقُرُونُ﴾؛ أي: أمة بعد أمة ﴿مِنْ قَبْلِي﴾ فماتوا ولم يبعث منهم أحد ولم يرجع. فالجملة: في محل النصب على الحال من مفعول ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾، وكذا جملة قوله: ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾: في محل النصب على الحال من قوله: ﴿لِوَالِدَيْه﴾؛ أي: قال لهما ذلك، والحال: أنهما يستغيثان الله سبحانه له، ويسألانه، ويطلبان منه أن يغيثه، ويوفقه للإيمان، واستغاث يتعدَّى بنفسه، وبالباء، يقال: استغاث الله، واستغاث به. وقال الرازي: معناه: يستغيثان الله من كفره، فلما حذف الجار .. وصل الفعل؛ أي: يقولان: الغياث بالله منك ومن قولك، وهو استعظام لقوله؛ أي: يستغيثان الله حال كونهما قائلين له: ﴿وَيْلَكَ﴾؛ أي: هلكت هلاكك، وهو في الأصل: دعاء عليه بالهلاك أريد به الحث والتحريض على الإيمان، لا حقيقة الهلاك. وانتصابه: إما على المصدر (١) بفعل ملاقٍ له في المعنى دون اللفظ؛ أي: هلكت هلاكك، وهو من المصادر التي لم تستعمل أفعالها كالويح والويس والويب، وإمَّا على المفعول به؛ أي: ألزمك الله ويلك. وعلى كلا التقديرين، فالجملة معمولة لقول مقدر؛ أي: يقولان: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾. والقول المقدر: في محل النصب على الحال من فاعل ﴿يَسْتَغِيثَانِ﴾، كما مرت الإشارة إليه ﴿آمِنْ﴾؛ أي: صدِّق بالبعث، والإخراج من الأرض، وهو فعل أمر من الإيمان، وهو من جملة مقولهما ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث؛ أي: إنّ موعوده وهو البعث ﴿حَقٌّ﴾؛ أي: كائن واقع لا محالة؛ لأنَّ الخلف في الوعد نقص يجب تنزيه الله منه، وأضاف الوعد إليه تعالى في قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ تحقيقًا للحق، وتنبيهًا على خطأه في إسناده الوعد إليهما. في قوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾ ﴿فَيَقُولُ﴾ مكذبًا لهما: ﴿مَا هَذَا﴾ الذي تسميانه وعد الله ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: إلا أكاذيب الأقدمين، وأباطيلهم التي يسطرونها في الكتب من غير أن يكون لها حقيقة، كأحاديث رستم، وبهرام، واستنديار.

стр. 12266

وقرأ الجمهور (١): ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بكسر ﴿إِن﴾ على الاستئناف، أو على التعليل وقرأ الأعرج، وعمرو بن فائد: بفتحها على أنها معمولةٌ لآمن بتقدير الباء؛ أي: آمن بأنَّ وعد الله بالبعث حقٌّ. والمعنى: أي والذي قال لوالديه لأجل أن دعواه إلى الإيمان والإقرار ببعث الله خلقه من قبورهم، ومجازاته إياهم بأعمالهم: أفٍّ لكما؛ أي: قبحًا لكما، إنّي لضجر منكما، أتقولان: إني أبعث من قبري حيًّا بعد موتي وفنائي، وما لحق بي من بلى، وتفتت عظام، إنَّ هذا لعجب عاجب، فها أولئك قرون قد مضت، وأمم قد خلت من قبلي، كعاد وثمود، ولم يبعث منهم أحدٌ، ولو كنت مبعوثًا بعد وفاتي كما تقولان .. لبعث من قبلي من القرون الغابرة، ووالداه يستصرخان الله عليه، ويستغيثانه أن يوفقه إلى الإيمان بالبعث، ويقولان له حثًّا وتحريضًا: هلاكًا لك، صدق بوعد الله، وأنك مبعوث بعد وفاتك، إنّ وعد الله في وعده خلقه أنه باعثهم من قبورهم ومخرجهم منها إلى موقف الحساب لمجازاتهم حق لا شك فيه. والخلاصة (٢): أنهما يستعظمان قوله، ويلجآن إلى الله في دفعه، ويدعوان عليه بالويل والثبور ليستحثاه على ترك ما هو فيه، ويشعراه بأن ما يرتكبه جدير بأن يهلك فاعله. ثم ذكر ردَّه عليهما مع الاستهزاء بهما، والتعجيب من حالهما. بقوله: ﴿فَيَقُولُ﴾ إلخ؛ أي: فيقول ذلك الولد مجيبًا لوالديه، رادًّا عليهما نصحهما، مكذِّبًا بوعد الله: ما هذا الذي تقولان لي، وتدعواني إليه إلا ما سطره الأولون من الأباطيل، فأصبتماه أنتما وصدَّقتما به، ولا ظل له من الحقيقة. ١٨ - ثم ذكر سبحانه جزاء هؤلاء على ما قالوا واعتقدوا، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ القائلون هذه المقالات الباطلة هم ﴿الَّذِينَ حَقَّ﴾ ووجب ﴿عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾؛ أي: العذاب بقوله سبحانه لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كما يفيده

стр. 12267

قوله: ﴿فِي أَمْرٍ﴾: حال من الضمير المجرور في ﴿عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: حال كون أولئك القائلين في عداد أمم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ بيان للأمم، وجملة قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ جميعًا؛ أي: هم والأمم ﴿كَانُوا خَاسِرِينَ﴾؛ لأنهم قد ضيَّعوا فطرتهم الأصلية الجارية مجرى رؤوس أموالهم باتباع الشيطان؛ تعليل للحكم بطريق الاستئناف التحقيقي. والمعنى (١): أي هؤلاء الذين هذه أوصافهم، هم الذين وجب عليهم عذاب الله، وحلت عليهم عقوبته وسخطه فيمن حل به العذاب من الأمم الذين قد مضوا من قبلهم من الجن والإنس ممن كذّبوا الرسل، وعتوا عن أمر ربهم. وفي الآية (٢): إيماء إلى أنَّ الجن يموتون قرنًا بعد قرن كالإنس، قال أبو حيان في "البحر": قال الحسن البصري في بعض مجالسه: الجن لا يموتون، فاعترضه قتادة بالآية فسكت، وفيها رد أيضًا على من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر؛ لأنه ﵁ أسلم وَجُبَّ عنه ما قبل الإِسلام، وكان من أفاضل الصحابة، أما من حق عليه القول ... فهو من علم الله تعالى أنه لا يسلم أبدًا. ثم ذكر العلة في هذا العذاب المهين، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ لأنهم ضيَّعوا فطرهم التي فطرهم الله عليها، واتبعوا الشيطان، فغبنوا ببيعهم الهدى بالضلال، والنعيم بالعذاب. ١٩ - ثم ذكر أنّ لكل من الفريقين الذين قالوا: ربنا الله، والذي قال لوالديه أُفٍّ مراتب متفاوتة، فقال: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من الفريقين المذكورين ﴿دَرَجَاتٌ﴾ ومراتب متفاوتة ﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾؛ أي (٣): من أجزية ما عملوا من الخير والشر، فـ ﴿من﴾ نعت لـ ﴿دَرَجَاتٌ﴾ ويجوز أن تكون بيانية. و ﴿ما﴾ موصولة، أو من أجل ما عملوا، فـ ﴿ما﴾ مصدرية، و ﴿من﴾: متعلق بقوله: ﴿لكل﴾ أي: ولكل من الفريقين من

стр. 12268

أجل ما عملوا درجات متفاوة حسنًا وقبحًا، والدرجات: طبقات عالية في مراتب المثوبة، وإيرادها هنا بطريق التغليب، قال ابن زيد: درجات أهل النار في هذه الآية تذهب سفلًا، ودرجات أهل الجنة تذهب علوًا. فإن قلت (١): كيف وصف الفريقين بأنّ لكل منها درجات، مع أنَّ أهل النار لهم دركات لا درجات؟ قلت: الدرجات: هي الطبقات من المراتب مطلقًا، أو فيه إضمارٌ تقديره: ولكل فريق درجات أو دركات، لكن حذف الثاني اختصارًا لدلالة المذكور عليه. و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾: معللة لمحذوف، تقديره: وجازاهم بما ذكر ليوفِّيهم ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: ليعطيم الله سبحانه أجزية أعمالهم وافيةً تامةً، من وفاه حقّه. إذا أعطاه إياه وافيًا تامًا ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: بنقص ثواب الأولين وزيادة عقاب الآخرين وفي"الروح": ﴿اللام﴾ في ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلقة بمحذوف مؤخر، كأنه قيل: وليوفهم أعمالهم ولا يظلمم حقوقهم فعل ما فعل من تقدير الأجزية على تقدير أعمالهم، فجعل الثواب درجات والعقاب دركات، وجملة قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ في محل النصب على الحال من مفعول ﴿يُوَفِّيَهُمْ﴾، أو مستأنفة مقررة لما قبلها. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ بالياء؛ أي: الله تعالى، وقرأ الأعمش والأعرج وشيبة وأبو جعفر والأخوان: حمزة والكسائي وابن ذكوان ونافع بخلاف عنه: بالنون، وقرأ السلميّ: بالتاء من فوق؛ أي: ﴿ولتوفيهم﴾ الدرجات، أسند التوفية إليها مجازًا. والمعنى: أي ولكل من الأبرار والفجار من الإنس والجن مراتب عند الله يوم القيامة بحسب أعمالهم، من خير أو شرّ في الدنيا، وليوفيهم أجور أعمالم: المحسن منهم بإحسانه، والمسيء منهم بإساءته، وهم لا يظلمون شيئًا، فلا

стр. 12269

يعاقب المسيء إلا بعقوبة ذنبه، ولا يحمل عليه ذنب غيره، ولا يبخس المحسن منهم ثواب إحسانه. ٢٠ - وبعد أن بين سبحانه أنه يعطي كل ذي حق حقه .. بين الأهوال التي يلاقيها الكافرون، فقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ والظرف تعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد لقومك أهوال يوم ينكشف الغطاء، ويعرض الذين كفروا؛ أي: يقرب الذين كفروا على النار لتعذيبهم، وينظرون إليها. وقيل: معنى (١) ﴿يُعْرَضُ﴾: يعذبون، من قولهم: عرض الأسارى على السيف؛ أي: قتلوا، وإلا فالمعروض عليه يجب أن يكون من أهل الشعور والإطلاع، والنار ليست منه، وقيل: تعرض النار عليهم بأن يوقفوا بحيث تبدو لهم النار، ومواقعم فيها، وذلك قبل أن يلقوا فيها، فيكون من باب القلب مبالغةً بادعاء كون النار مميزًا ذا قهر وغلبة. يقول الفقير: لا حاجة عندي إلى هذين التأويلين، فإن نار الآخرة لها شعور وإدراك، بدليل أنها تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، وتقول للمؤمنين: "جُزْ يا مؤمن فإن نورك أطفأ ناري"، وأمثال ذلك، وأيضًا لا بعد في أن يكون عرضهم على النار باعتبار ملائكة العذاب، فإنهم حاضرون عندها بأسباب العذاب، وأهل النار ينظرون إليهم وإلى ما يعذبونهم به عيانًا. والله أعلم. أي: اذكر يوم يقربون إليها، فيقال لهم توبيخًا وتقريعًا: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾؛ أي: أصبتم وأخذتم ما كتب لكم من طيبات الدنيا ولذائذها وحظوظها ﴿فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾؛ أي: بالطيبات وانتفعتم بها، فلم يبق لكم بعد ذلك شيء منها؛ لأنّ إضافة الطيبات تفيد العموم. قال سعدي المفتي: قوله: ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ كأنه عطف تفسيري لـ ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾. والطيبات هنا (٢): المستلذّات من المآكل والمشارب والملابس والمفارش والمراكب والمواطىء وغير ذلك، مما يتنعم به أهل الرفاهية.

стр. 12270

والمعنى: أنه كانت تكون لكم طيبات الآخرة لو آمنتم، لكنكم لم تؤمنوا فاستعجلتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، فهذه كناية عن عدم الإيمان، ولذلك ترتب عليه: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾، ولو أريد الظاهر ولم يكن كنايةً عما ذكر .. لم يترتب عليه الجزاء بالعذاب. وقرأ الجمهور (١): ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ على الخبر؛ أي: فيقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ ولذلك حسنت ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، وقرأ قتادة ومجاهد وابن وثاب وأبو جعفر والأعرج وابن كثير: بهمزة بعدها مدة مطولة، وقرأ ابن عامر: بهمزتين حققهما ابن ذكران، وليَّن الثانية هشام. وابن كثير في رواية، وعن هشام: الفصل بين المحقَّقَة والمَلَيَّنَة بألف. وهذا الاستفهام على معنى التوبيخ والتقرير، فهو خبر في المعنى، فلذلك حسنت ﴿الفاء﴾ بعدها، ولو كان استفهامًا محضًا .. لم تدخل ﴿الفاء﴾. ﴿فَالْيَوْمَ﴾؛ أي: ففي هذا اليوم الحاضر؛ يعني يوم القيامة ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾؛ أي: الذل والحقارة؛ أي: العذاب الذي فيه ذلّ، لكم وخزي عليكم، وقرىء: الهوان، وهو والهون بمعنى واحد. ثم بين تلك الكناية بقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وتترفعون عن الإيمان ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بغير استحقاق لذلك. وفيه إشارة (٢) إلى أنّ الاستكبار إذا كان بحق، كالاستكبار على الظلمة .. لا ينكر ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾؛ أي: تخرجون عن طاعة الله تعالى؛ أي: تجزون عذاب الهون بسبب استكباركم، وفسقكم المستمرين، علّل سبحانه ذلك العذاب بأمرين: أحدهما: الاستكبار عن قبول الحق والإيمان بمحمد ﷺ ، وهو ذنب القلب.

стр. 12271

والثاني: الفسق والمعصية بترك المأمورات، وفعل المنهيات، وهو ذنب الجوارح، وقدّم الأول على الثاني؛ لأنّ ذنب القلب أعظم تأثيرًا من ذنب الجوارح، وهذا شأن الكفرة، فإنهم قد جمعوا بينهما، وهذه الآية محرضة على التقليل من الدنيا، وترك التنعم فيها، والأخذ بالتقشف، وما يجتزي به رمق الحياة. ومعنى الآية: أي (١) واذكر يا محمد لقومك حال الذين كفروا حين يعذبون في النار، ويقال لهم على سبيل التوبيخ: إنّ كل ما قدّر لكم من اللذات والنعيم قد استوفيتموه في الدنيا ونلتموه، ولم يبق لكم منه شيء، ولكن بقيت لكم الإهانة والخزي جزاء استكباركم، وفسوقكم عن أمر ربكم، وخروجكم عن طاعته. فصل في ذكر نبذة من الأحاديث المحرضة على التزهد في الدنيا ولما وبّخ (٢) الله سبحانه الكافرين بالتمتع بالطيبات .. آثر النبي ﷺ وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب اللذات في الدنيا، رجاء ثواب الآخرة، فقد وردت أحاديث صحيحة دالة على ذلك: فمنها: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ ، فإذا هو متّكىء على رمال حصير قد أثّر في جنبه، فقلت: أستأنس يا رسول الله، قال: "نعم" فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئًا يردّ البصر إلا أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله أن يوسع على أمّتك، فقد وسَّع على فارس والروم، ولا يعبدون الله، فاستوى جالسًا ثم قال: "أفيّ شكّ أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا" فقلت: استغفر لي يا رسول الله. متفق عليه. وعن عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين، حتى قبض رسول الله ﷺ . متفق عليه.

стр. 12272

وعنها قالت؛ كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارًا، إنما هو الأسودان: التمر والماء، إلا أن نؤتى باللحيم. وفي رواية أخرى قالت: إنا كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلّة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار. قال عروة: قلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقينا. متفق عليه. وعن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا، وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير). أخرجه الترمذي، وله عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد أخفت في الله ما لم يخف أحد، وأوذيت في الله ما لم يؤذ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة، وما لي ولبلال طعام إلّا شيء يواري إبط بلال". وعن أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. أخرجه البخاري. وعن إبراهيم بن عبد الرحمن: أنّ عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير منّى، فكفّن في بردة إن غطِّي رأسه .. بدت رجلاه، وإن غطّي رجلاه .. بدا رأسه، قال: وأراه، قال: قتل حمزة وهو خير منّى، فلم يوجد ما يكفّن فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيّباتنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام، أخرجه البخاري أيضًا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عمر: أنّ عمر ﵁ رأى في يد جابر بن عبد الله ﵁ درهمًا، فقال: ما هذا الدرهم؟ قال: أريد أن أشتري به لأهلي لحمًا قرموا إليه،

стр. 12273

فقال: أكلما اشتهيتم شيئًا اشتريتوه؟ أين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾؟. وقد كان (١) السلف الصالح يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا؛ رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل، لا أن التمتع بزخارف الدنيا ما يمتنع، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. نعم: إنّ الاحتراز عن التنعم أولى؛ لأنّ النفس إذا اعتادت ذلك، وألفته .. صعب عليها تركه والاكتفاء بما دونه، ولله در البوصيري إذ يقول: وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلهُ شَبَّ عَلَى ... حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ والذي يضبط هذا الباب، ويحفظ قانونه: أنّ على المرء أن يأكل ما وجد، طيبًا كان أو قفارًا - الطعام بلا إدام - ولا يتكلف الطيب، ويتخذه عادةً. وقد كان النبي ﷺ يشبع إذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يعتمده أصلًا، ولا يجعله في يدنًا له. قِصّة هود ﵇ مع قومه عاد ٢١ - ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لكفار مكة هودًا ﵇ مع قومه، ليعتبروا من حال قومه، فمعنى (٢) ﴿أَخَا عَادٍ﴾. واحدًا منهم في النسب لا في الدين، كما في قولهم: يا أخا العرب، وعاد: هم ولد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇. وهود: وابن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد ﴿إِذْ أَنْذَرَ﴾ وخوَّف ﴿قَوْمَهُ﴾ عادًا من عذاب الله تعالى، والظرف: بدل اشتمال من ﴿أَخَا عَادٍ﴾ لأنّ ﴿أَخَا عَادٍ﴾ وهو هود، يلابس وقت إنذاره وما وقع له معهم، فـ ﴿إذ﴾: ظرف للماضي، بمعنى الوقت مضافة لما بعدها ﴿بِالْأَحْقَافِ﴾؛ أي: بموضع يقال له: الأحقاف واد باليمن به منازلهم، وليس صلةً لـ ﴿أنذَرَ﴾ كما قد

стр. 12274

يتوهم، بل هو حال من ﴿عَادٍ﴾؛ أي: حال كونهم كائنين بالأحقاف؛ أي: نازلين به، أو صفة؛ أي: أخا عاد الكائنين بالأحقاف؛ أي: بالوادي المعلوم. اهـ شيخنا. وأمَّا صلة ﴿أنذَرَ﴾ فهي قوله الآتي: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. والأحقاف: جمع حقفٍ، وهو الرمل العظيم المستطيل المعوج. قاله الخليل وغيره. وكانوا قهروا أهل الأرض بقوتهم، وكثيرًا ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد الرمل في الصحارى؛ لأنَّ الريح تصنع ذلك. وقال في "فتح الرحمن": الصحيح من الأقوال: أنَّ بلاد عاد كانت في اليمن، ولهم كانت إرم ذات العماد. وعن عليّ ﵁: شر وادٍ بين الناس وادي الأحقاف، وواد بحضرموت يدعى برهوت، تلقى فيه أرواح الكفار، وخير واد وادي مكة، ووادٍ نزل به ادم بأرض الهند، وخير بئر في الناس بئر زمزم، وشر بئر في الناس بئر برهوت. كذا في "كشف الأسرار". ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾؛ أي: مضت الرسل، جمع نذير بمعنى المنذر ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾؛ أي: من قبل هود، كنوح ﵉ ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾؛ أي: ومن بعد هود، كصالح ﵉. وهذه الجملة: معترضة بين المفسِّر والمفسَّر، أو المتعلِّق والمتعلَّق، مقرِّرة لما قبلها، مؤكدة لوجوب العمل بموجب الإنذار، وسَّط بها بين إنذار قومه وبين قوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ مسارعةً إلى ما ذكر من التقرير والتأكيد، وإيذانًا باشتراكهم في العبادة المحكيّة. وفي "الفتوحات" (١): المضي بالنسبة لزمن محمد ﷺ خوطب به محمد، وأخبر به لبيان أنَّ إنذار هود لعاد وقع مثله للرسل السابقين عليه، والمتأخرين عنه، فأنذروا أممهم كما أنذر هود أمته، فصحَّ قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾، فالذين قبله أربعة: آدم وشيث وإدريس ونوح، والذين بعده: كصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وكذا سائر أنبياء بني إسرائيل. والمعنى (٢): واذكر يا محمد لقومك إنذار هود قومه عاقبة الشرك، والعذاب

стр. 12275

العظيم، وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك. قال في "بحر العلوم": ﴿أن﴾، مخففة من الثقيلة؛ أي: أنه يعني: أنَّ الشأن والقصة لا تعبدوا إلا الله، أو مفسرة بمعنى أي، أي: لا تعبدوا إلا الله أو مصدرية بحذف الباء؛ أي: بأن لا تعبدوا إلا الله، وتلك الباء للتصوير والتفسير؛ أي: صورة إنذاره أن قال: لا تعبدوا إلخ. و ﴿لا﴾: ناهية. وإنما كان هذا إنذارًا؛ لأنّ النهي عن الشيء إنذار. وتخويف من مضرّته. اهـ. "بيضاوي". فصح أنّ قوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ مفسر للإنذار، ومتعلق به. اهـ "شهاب". وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بسبب شرككم، وإعراضكم عن التوحيد، تعليل لقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾؛ أي إنما أحذركم أن لا تعبدوا إلا الله لأني أخاف عليكم بسبب شرككم ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: هائل واليوم العظيم يوم نزول العذاب عليهم، فعظيم مجاز عن هائل؛ لأنّه يلزم العظم، ويجوز أن يكون من قبيل الإسناد إلى الزمان مجازًا، وأن يكون الجر على الجوار. والمعنى (١): أي واذكر أيها الرسول لقومك المكذبين ما جئتهم به من الحق هودًا أخا عاد، فقد كذّبه قومه بالأحقاف حين أنذرهم بأس الله وشديد عذابه، وقد مضت رسل من قبله ومن بعده منذرة أممها أن لا تشركوا مع الله شيئًا في عبادتكم إياه، بل أخلِصوا له العبادة، وأفرِدوا له الألوهية، وقد كانوا أهل أوثان يعبدونها من دون الله، فقال لهم ناصحًا: إنّي أخاف عليكم عذاب يوم عظيم الهول ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾، ٢٢ - وحين نصحهم بذلك أجابوه و ﴿قَالُوا﴾ له: ﴿أَجِئْتَنَا﴾ يا هود بالتوحيد والإيمان، والاستفهام فيه (٢): للتقرير والتوبيخ، والتعجيز له فيما أنذره إياهم من العذاب العظيم، على ترك إفراد الله تعالى بالعبادة. ذكره في "البحر". ﴿لِتَأْفِكَنَا﴾؛ أي: لتصرفنا وتردنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾؛ أي: عن عبادتها إلى دينك، وهذا مما لا يكون ولا يعقل ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ وتخبرنا من

стр. 12276

العذاب العظيم. و ﴿الباء﴾: للتعدية ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في وعدك بنزوله بنا ٢٣ - ﴿قَالَ﴾ هود ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بوقت مجيئه أو العلم بجميع الأشياء التي من جملتها ذلك ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وحده لا عندي، لا علم لي بوقت نزوله، ولا مدخل لي في إتيانه وحلوله، وإنما علمه عند الله تعالى، فيأتيكم به في وقته المقدر له ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إليكم من ربكم من الإنذار والإعذار، وبيان نزول العذاب إن لم تنتهوا عن الشرك من غير وقوف على وقت نزوله. وقرأ أبو عمرو: ﴿أبلغكم﴾ بالتخفيف ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ حيث بقيتم مصرين على كفركم، ولم تهتدوا بما جئتكم به، بل تقترحون عليّ ما ليس من وظائف الرسل من الإتيان بالعذاب، وتعيين وقت نزوله. وفي "التأويلات النجمية": تجهلون الصواب من الخطأ، والصلاح من الفساد حين أدلكم على الرشاد. والمعنى (١): أي قال قومه له: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا إلى عبادة ما تدعونا إليه، وإلى اتباعك فيما تقول، هلمّ فهات ما تعدنا به من العذاب على عبادة ما نعبد من الآلهة، إن كنت صادقًا في قولك وعدتك. والخلاصة: أتزيلنا بضروب من الكذب عن آلهتنا وعبادتها، فأتنا بما تعدنا من معالجة العذاب على الشرك إن كنت صادقًا في وعيدك، وقد استعجلوا عذاب الله. وعقوبته، استبعادًا منهم لوقوعه، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾. فردّ هود عليهم مقالتهم، قال: إنما العلم بوقت نزوله عند الله وحده لا عندي، فلا أستطيع تعجيله، ولا أقدر عليه، ثم بين وظيفته فقال: وأبلغكم ما أرسلت به إليكم من ربكم من الإنذار، لا أن آتي يالعذاب، فليس ذلك من مقدوري، بل هو من مقدورات ربّي، ثمّ بيّن لهم أنم جاهلون بوظيفة الرسل، فقال: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ ...﴾ إلخ؛ أي: وإنّي لأعتقد فيكم الجهل، ومن ثم بقيتم مصرين على كفوكم، ولم تهتدوا بما جئتكم به، بل أقترحتم عليّ ما ليس

стр. 12277

من شأن الرسل، وهو الإتيان بالعذاب. ٢٤ - ثمّ ذكر مجيء العذاب إليهم، وانتقامه منهم، واستئصال شأفتهم، فقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ ﴿الفاء﴾. عاطفة على محذوف، تقديره: فأتاهم العذاب الموعود به، فلمّا رأوه وأبصروه حال كونه ﴿عَارِضًا﴾؛ أي: سحابًا يعرض في أفق السماء، أو يبدو في عرض السماء ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾؛ أي: متوجهًا تلقاء أوديتهم، والإضافة فيه (١) لفظية، ولذا وقع صفة للنكرة، قال المفسّرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أيامًا، فساق الله إليهم سحابة سوداء، فخرجت عليهم من واد لهم، يقال له: المُعَتِّب، فلمّا شاهدوها .. ﴿قَالُوا﴾ مستبشرين مسرورين بها: ﴿هَذَا﴾ السحاب ﴿عَارِضٌ﴾؛ أي: غيم ﴿مُمْطِرُنَا﴾؛ أي: يأتينا بالمطر، فلما قالوا ذلك .. أجاب عليهم هود، فقال: ليس الأمر كذلك ﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: هذا العارض ﴿مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ من العذاب حيث قلتم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾. وقرىء: ﴿ما استعجلتم﴾ بضم التاء وكسر الجيم. ذكره في "البحر". ﴿رِيحٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو ريح ﴿فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والجملة الاسمية: صفة أولى لـ ﴿رِيحٌ﴾ والريح التي عُذّبوا بها نشأت من ذلك السحاب في رأوه. وقرىء ﴿قل بل ريح﴾؛ أي: بل هي ريح. ذكره البيضاوي. ٢٥ - وكذا جملة قوله: ﴿تُدَمِّرُ﴾؛ أي: تهلك ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مرّت عليه من نفوسهم وأموالهم، صفة ثانية لـ ﴿رِيحٌ﴾. والاستغراق فيه عرفيّ، والمراد: المشركون منهم ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾؛ أي: بإذن ربها وإرادته، إذ لا حركة ولا سكون إلا بمشيئته تعالى، وأضاف الرب إلى الريح، مع أنه تعالى ربّ كل شيء؛ لتعظيم شأن المضاف إليه، وللإشارة إلى أنها في حركتها مأمورة، وأنها من أكابر جنود الله؛ يعني: ليس ذلك من باب تأثيرات الكواكب والقرانات، بل هو أمر حدث ابتداءً بقدرة الله تعالى لأجل التعذيب. وقرأ الجمهور: ﴿تُدَمِّرُ﴾ بضم التاء وكسر الميم المشددة من التدمير وهو: الإهلاك، وكذا الدمار، وقرأ (٢) زيد بن علي: ﴿تَدْمُرُ﴾ بفتح التاء وسكون الدال

стр. 12278

وضم الميم. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالنصب، وقرىء: ﴿يَدْمُر﴾ بالتحتية المفتوحة والدال الساكنة، والميم المضمومة، ورفع ﴿كل﴾ على الفاعلية، من دمر دمارًا: إذا هلك ﴿فَأَصْبَحُوا﴾، أي: صاروا من العذاب بحال ﴿لَا يُرَى﴾ فيها ﴿إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ بعد ذهاب أنفسهم وأموالهم، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فجاءتهم الريح فدمَّرتهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. وقرأ الجمهور (١) ﴿لا تَرَى إلا مساكنهم﴾ بفتح التاء الفوقية على الخطاب، ونصب ﴿مساكنهم﴾؛ أي: لاترى أنت يا محمد، أو كل من يصلح للرؤية إلا مساكنهم بعد ذهاب أنفسهم وأموالهم، وقرأ عبد الله ومجاهد وزيد بن علي وقتادة وأبو حيوة وطلحة وعيسى والحسن وعمرو بن ميمون بخلافٍ عنهما، وعاصم وحمزة: ﴿لَا يُرَى﴾ بالتحتية المضمومة مبنيًا للمفعول، ورفع ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ قال سيبويه: معناه: لا يرى أشخاصُهم إلا مساكنَهم واختار أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة، قال الكسائي، والزجاج: معناها: لا يُرى شيء إلا مساكنهم، فهي محمولة على المعنى، كما تقول: ما قام إلا هند، والمعنى: ما قام أحد إلا هند، وقرأ الجحدريّ، والأعمش، وابن أبي إسحاق والسلميّ: بالتاء من فوق مضمومة، ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ بالرفع. وهذا لا يجيزه أصحابنا إلا في الشعر، كقوله: فَمَا بَقِيَتْ إلَّا الضُّلُوعُ الْجَرَاشِعُ وبعضهم يجيزه في الكلام، وقرأ عيسى الهمدانيّ: ﴿لا يرى﴾ بضم الياء، ﴿إلا مسكنهم﴾ بالتوحيد، وروى هذا عن الأعمش، ونصر بن عاصم، وقرىء: ﴿لا ترى﴾ بتاء مفتوحة للخطاب، ﴿إلا مسكنهم﴾ بالتوحيد مفردًا منصوبًا. واجتزىء بالمفرد عن الجمع تصغيرًا لشانهم، وأنهم لمّا هلكوا في وقت واحد .. فكأنهم كانوا في مسكن واحد. ﴿كَذَلِكَ﴾ ﴿الكاف﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره: جزاءً مثل ذلك الجزاء الفظيع، يعني: الهلاك بعذاب الاستئصال ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: المتمردّين في الإجرام المستمريّن على الإشراك الذين منهم هؤلاء.

стр. 12279

والمعنى: أي كما جازينا عادًا بكفرهم بالله ذلك العقاب في الدنيا فأهلكناهم بعذابنا، كذلك نجزي كل مجرم كافر بالله متمادٍ في غيّه، والآية وعيد لأهل مكة على إجرامهم بالتكذيب، فإنّ الله تعالى قادر على أن يرسل عليهم ريحًا مثل ريح عاد أو نحوها فلا بد من الحذر. قيل (١): أوحى الله تعالى إلى خزّان الريح، أن أرسلوا مقدار منخر البقر، فقالوا: يا رب ننسف الأرض ومن عليها! فقال تعالى: مثل حلقة الخاتم، ففعلوا، فجاءت ريح باردة من قبل المغرب، وأول ما عرفوا به أنه عذاب أن رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير بها الريح بين السماء والأرض، وترفع الظعينة في الجوّ حتى ترى كأنها جرادة، فتدمغها بالحجارة، فدخلوا بيوتهم، وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، فأمال الله الأحقاف عليهم، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنهم الأحقاف، فاحتملتهم فطرحتهم في البحر، وقد قالوا: من أشد منا قوة، فلا تستطيع الريح أن تزيل أقدامنا، فغلبت عليهم الريح بقوتها، فما أغنت عنهم قوتهم، وبقي هود ومن آمن معه، وكانوا أربعة آلاف. وفي "الخازن": وقيل: إنّ هودًا ﵇ لما أحسَّ بالريح .. خطَّ على نفسه وعلى من معه من المؤمنين خطًا، فكانت الريح تمر بهم لينة باردة طيبة، والريح التي تصيب قومه شديدة عاصفة مهلكة، وهذه معجزة عظيمة لهود ﵇. انتهى. ٢٦ - ولما أخبر سبحانه بهلاك قوم عاد .. خاطب قريشًا على سبيل الموعظة، فقال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُم﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أقدرنا عادًا، وملكناهم ﴿فِيمَا﴾؛ أي: في الذي ﴿إِن﴾ نافية بمعنى ما؛ أي: في الذي ما ﴿مَكَّنَّاكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿فِيه﴾ من السعة، والبسطة، وطول الأعمار، وسائر مبادي التصرفات، ومما (٢) يحسن وقوع ﴿إِن﴾ هاهنا دون ما التقصي والفرار عن تكرر لفظة ما، وهو

стр. 12280

الداعي إلى قلب ألفها هاء في مهما. أي: (١) ولقد مَكَّنَّا عادًا الذين أهلكناهم بكفرهم فيما لم نمكنكم فيه من الدنيا، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبًا منه من الأموال الكثيرة، وبسطة الأجسام، وقوة الأبدان، وهم على ذلك ما نجوا من عقاب الله، فتدبروا أمركم، وفكروا فيما تعملون قبل أن يحل بكم العذاب، ولا تجدون منه مهربًا. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ﴾؛ أي: خلقنا لعاد، وأعطيناهم ﴿سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾؛ أي: قلوبًا ليستعملوها فيما خلقت له، ويعرفوا بكل منها ما نيطت به معرفته من فنون النعم، ويستدلّوا بها على شؤون منعمها ، ويدوموا على شكرها، ولعل (٢) توحيد السمع وإفراده لأنه لا يدرك به إلا الصوت وما يتبعه بخلاف البصر، حيث يدرك به أشياء كثيرة، بعضها بالذات، وبعضها بالواسطة، والفؤاد يعمّ إدراك كل شيء، والفؤاد من القلب كالقلب من الصدر؛ سُمِّيَ به لتفؤده؛ أي: لتوقده وتحرقه ﴿فَمَا﴾: نافية؛ أي: فيما ﴿أَغْنَى﴾ ودفع ﴿عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ﴾ حيث لم يستعملوه في استماع الوحي، ومواعظ الرسل، يقال: أغنى عنه كذا: إذا كفاه ﴿وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ حيث لم يجتلوا بها الآيات التكوينية المنصوبة في صحائف العالم ﴿وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ﴾ حيث لم يستعملوها في معرفة الله سبحانه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: شيئًا من الإغناء، و ﴿مِنَ﴾: مزيدة للتأكيد. والمعنى (٣): أي إنا فتحنا عليهم أبواب نعمنا، فأعطيناهم سمعًا فما استعملوه في سماع الأدلة والحجج ليعتبروا ويتذكروا، وأعطيناهم أبصارًا ليروا ما نصبناه من الشواهد الدالة على وجودنا فما اتنفعوا بها، وأعطيناهم قلوبًا تفقه حكمة الله في خلق الأكوان فما استفادوا منها ما يفيدهم في آخرتهم، ويقرِّبهم من جوار ربهم، بل صرفوها في طلب الدنيا ولذاتها، لا جرم لم ينفعهم ما أعطيناهم من السمع والأبصار والأفئدة، إذ لم يستعملوها فيما خلقت له من شكر من أنعم

стр. 12281

بها، ودوام عبادته. ثم بيّن العلة في عدم إغناء ذلك عنهم، فقال: ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ، ويكذّبون رسله، وينكرون معجزاتهم. و ﴿إذ﴾، ظرف جرى مجرى التعليل، متعلق بـ ﴿بما أغنى﴾ من حيث إنّ الحكم مرتب على ما أضيف إليه، فإنّ قولك: أكرمته إذ أكرمني في قوة قولك: أكرمته لإكرامه؛ لأنك إذا أكرمته وقت إكرامه ... فإنما أكرمته فيه لوجود إكرامه فيه، وكذا الحال حيث ﴿وَحَاقَ﴾ أي: أحاط ونزل ﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، فيقولون: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وفي هذا تخويف لأهل مكة حتى يحذروا من عذاب الله، ويخافوا عقابه، فإنّ عادًا لمَّا اغتروا بدنياهم، وأعرضوا عن قبول الحق .. نزل بهم العذاب، ولم تغن عنهم قوتهم ولا كثرتهم شيئًا، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى. وفي الآية (١): إشارة إلى أنَّ هذه الآلات التي هي السمع والبصر، والفؤاد، أسباب تحصيل التوحيد، وبدأ بالسمع؛ لأنّ جميع التكليف الوارد على القلب إنما يوجد من قبل السمع، وثنَّى بالبصر؛ لأنه أعظم شاهد بتصديق المسموع منه، وبه حصول ما به التفكر والاعتبار غالبًا، تنبيا على عظمة ذلك، وإن كان المبصر هو القلب، ثم رجع إلى الفؤاد الذي هو العمدة في ذلك. ٢٧ - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالى، لقد أهلكنا يا أهل مكة ﴿مَا حَوْلَكُمْ﴾؛ أي: ما حول قريتكم ﴿مِنَ الْقُرَى﴾ المكذِّبة للرسل كعاد، وقد كانوا بالأحقاف بحضرموت، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وسبأ باليمن، ومدين وكانت في طريقهم في رحلاتهم صيفًا وشتاءً؛ أي: أهلكنا تلك الأمم المكذَّبة بعد أن أنذرناهم بالمثلات، فلم يغن ذلك عنهم شيئًا، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾؛ أي: ولقد كررنا، وبيَّنا لهم قبل إهلاكهم الآيات التي يعتبر بها بتكرير ذكرها، وإعادة أقاصيص الأمم الخالية بتكذيبها وشركها؛

стр. 12282

أي (١): بينَّا لهم دلائل قدرتنا، وبديع حججنا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: لكي يرجعوا عن غيِّهم الذي استمسكوا به لمحض التقليد، أو لشبهة عرضت لهم، فلم يرجعوا، فحل بهم سوء العذاب، ولم يجدوا لهم نصيرًا، ولا دافعًا لعذاب الله. ٢٨ - ثم أبان الله تعالى مدى الكرب والشدَّة بفقد الأعوان والنصراء لدفع عذاب الله، فقال: ﴿فَلَوْلَا﴾: تحضيضية؛ أي: فهلَّا نصر أولئك الأمم المكذّبة، حين أهلكهم الله تعالى الأصنام والأوثان ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ هم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾؛ أي: اتخذوها آلهة من دون الله، يتقربون بعبادتها إلى ربهم؛ أي: فهلَّا نصرهم أوثانهم وآلهتهم التي اتخذوا عبادتها قربانًا يتقرَّبون به إلى ربهم فيما زعموا، حين جاءهم بأسه، فأنقذوهم من عذابه إن كانوا يشفعون عنده ﴿بَلْ ضَلُّوا﴾ وغابوا ﴿عَنْهُمْ﴾ ولم يفيدوهم شيئًا، و ﴿بَلْ﴾ للإضراب الانتقالي عن نفي النصرة لما هو أخص منه، إذ نفيها يصدق بحضورها عندهم بدون النصرة، فأفاد بالإضراب أنهم لم يحضروا بالكلية، فضلًا عن أن ينصروهم، والقربان: كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من طاعة ونسيكة، والجمع: قرابين، كرهبان ورهابين، وأحد (٢) مفعولي ﴿اتَّخَذُوا﴾: ضمير محذوف راجع إلى الموصول، والثاني: ﴿آلِهَةً﴾ و ﴿قُرْبَانًا﴾: حال، والتقدير: فهلّا نصرهم وخلّصهم من العذاب الذين اتخذوهم آلهة، حال كونها متقرَّبًا بها إلى الله تعالى، حيث كانوا يقولون: ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، وفيه تهكم بهم ﴿بَلْ ضَلُّوا﴾؛ أي: بل ضلت الآلهة وغابت عنهم؛ أي: عن عابديها عند حلول البأس بهم، وفيه تهكم آخر بهم، كأنّ عدم نصرتهم لغيبتهم أو ضاعوا عنهم: أي: ظهر ضياعهم عنهم بالكلية. ﴿وَذَلِكَ﴾؛ أي: ضياع (٣) آلهتهم عنهم، وامتناع نصرتهم ﴿إِفْكُهُمْ﴾؛ أي: أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها، ونتيجة شركهم، وثمرته ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾

стр. 12283

عطف على ﴿إِفْكُهُمْ﴾ أي: وما كانوا يكذبون بقولهم: إنها آلهة، وإنها تشفع لهم، و ﴿ما﴾: إما مصدرية؛ أي: أثر افترائهم على الله، أو موصولة؛ أي: وأثر ما كانوا يفترونه عليه تعالى، من نسبة الشركاء إليه تعالى. والمعنى (١): أي فهلَّا نصرتهم آلهتهم التي تقرَّبوا بها إلى الله لتشفع لهم، ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم، بل غابوا وذهبوا عنهم، ولم يحضروا لنصرتهم عند الحاجة إليهم. وذلك الضلال والضياع سببه اتخاذهم إياها آلهةً، وزعمهم الكاذب أنها تقرِّبهم إلى الله تعالى، وتشفع، وافتراؤهم وكذبهم بقولهم: إنها آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها، واعتمادهم عليها. وفي هذا (٢): تقريع لأهل مكة، وتأنيبٌ لهم على أنه لو كانت آلهتهم التي يعبدونها من دون الله تغني عنهم شيئًا، أو تنفعهم عنده .. لأغنت عمن كان قبلهم من الأمم الذين أُهلكوا بعبادتهم لها، فدفعت عنهم العذاب إذ نزل بهم، أو لشفعت لهم عند ربهم، لكنها أضرّتهم ولم تنفعهم، وغابت عنهم أحوج ما كانوا إليها، فما أحراهم أن يتنبهوا لما هم فيه من خطل الرأي، وسوء التقدير للأمور. وقرأ الجمهور (٣): ﴿إِفْكُهُمْ﴾ بكسر الهمزة وإسكان الفاء وضم الكاف، مصدر أفك يأفك إفكًا؛ أي: كذبهم، وقرأ ابن عباس في رواية: بفتح الهمزة مع سكون الفاء وهو أيضًا مصدر لأفك، وقرأ ابن عباس أيضًا وابن الزبير، والصباح بن العلاء الأنصاري وأبو عياض، وعكرمة، وحنظلة بن النعمان بن مرة، ومجاهد: ﴿أَفَكَهم﴾ بثلاث فتحات، على أنه فعل ماض؛ أي: ذلك القول صرفهم عن التوحيد، وقرأ أبو عياض وعكرمة أيضًا: كذلك، إلا أنهما شدَّدا الفاء للتكثير، فقالا: أفَّكهم من باب فعّل المضعف، وقرأ ابن الزبير أيضًا، وابن عباس فيما ذكر ابن خالويه: ﴿آفكَهم﴾ بالمدّ، فاحتمل أن يكون بزنة فاعل، فـ ﴿الهمزة﴾ أصلية، وأن يكون بزنة أفعل، فـ ﴿الهمزة﴾: للتعدية؛ أي: جعلهم

стр. 12284

يأفكون، ويكون أفعل بمعنى المجرد، وعن الفرّاء أنه قرىء: ﴿أفَكُهم﴾ بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف، وهي لغة في الإفك، فيكون له ثلاثة مصادر: الأفْك، والإفْك بفتح الهمزة وكسرها مع سكون الفاء، والأفك بفتح الهمزة والفاء، وقرأ ابن عباس فيما روى قطرب، وأبو الفضل الرازي: ﴿آفكهم﴾ اسم فاعل من أفك؛ أي: صارفهم، والإشارة بذلك على قراءة من قرأ: ﴿أفكهم﴾ مصدرًا إلى اتخاذ الأصنام آلهةً؛ أي: ذلك كذبهم وافتراؤهم، وقال الزمخشري: وذلك إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم، وضلالهم عنهم؛ أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهةً، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب، من كونه ذا شركاء. انتهى. وعلى قراءة من جعله فعلًا معناه: وذلك الاتخاذ صرفهم عن الحق، وكذلك قراءة اسم الفاعل؛ أي: صارفهم عن الحق، ويحتمل أن تكون ﴿ما﴾ في قوله: ﴿وما يفترون﴾: مصدرية كما مرّ؛ أي: وافتراؤهم، وهذا الاحتمال هو الأحسن، ليُعْطَف مصدرَ على مثله، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد: محذوف؛ أي: والذي يفترونه. الإعراب ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول. ﴿رَبُّنَا الله﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: زائدة في خبر الموصول، لما فيه من معنى الشرط. ﴿لا﴾ نافية ﴿خَوْفٌ﴾ مبتدأ، وسوّغ الابتداء به تقدم النفي عليه، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية. في محل الرفع خبر ﴿إِن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: حرف عطف، ﴿لا﴾: زائدة لتكررها ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَحْزَنُونَ﴾: خبره، والجملة: معطوفة على الجملة السابقة. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾.

стр. 12285

﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. خبر، والجملة: خبر ثان لـ ﴿إنّ﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿جَزَاءً﴾: مصدر منصوب بفعل محذوف؛ أي: يجزون جزاءً، والجملة المحذوفة: في محل النصب حال ثانية من ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. وجوّز أبو البقاء إعرابه حالًا. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿جَزَاءً﴾، و ﴿ما﴾: موصولة أو مصدرية. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة أو المصدرية. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: مستأنفة. ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿وصينا﴾. ﴿إِحْسَانًا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، تقديره: وصّيناه أن يحسن إليهما إحسانًا، أو مفعول به على تضمين ﴿وصّينا﴾ معنى ألزمنا، فيكون مفعولًا ثانيًا؛ أي: ألزمنا الإنسان إحسانًا بوالديه، ﴿حَمَلَتْهُ﴾: فعل ومفعول به، ﴿أُمُّهُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية: مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالوصية. ﴿كُرْهًا﴾: حال من ﴿أُمُّهُ﴾؛ أي: حالة كونها ذات كره ومشقة وتعب، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: حملًا كرهًا. ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾: معطوف على ما قبله. ﴿وَحَمْلُهُ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿حمله﴾: مبتدأ. ﴿وَفِصَالُهُ﴾: معطوف عليه. ﴿ثَلَاثُونَ﴾: خبر. ﴿شَهْرًا﴾ تمييز، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من مفعول ﴿وضعته﴾ ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿بَلَغَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الإنسان ﴿أَشُدَّهُ﴾: مفعول به، والجملة: في محل الخفض مضاف إليه على كونها فعل شرط، والظرف: متعلق بالجواب. ﴿وَبَلَغَ﴾: فعل وفاعل مستتر. ﴿أَرْبَعِينَ﴾: مفعول به. ﴿سَنَةً﴾: تمييز، والجملة: معطوفة على جملة ﴿بَلَغَ﴾ الأول. ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، يعود على الإنسان، والجملة جواب

стр. 12286

﴿إِذَا﴾: لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرطها وجوابها: في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ الجارة المتعلقة بمحذوف، تقديره: وعاش إلى قوله: رب أوزعني وقت بلوغه أشده، وبلوغه أربعين سنة. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿أَوْزِعْنِي﴾: فعل دعاء مبني على السكون، وفاعله: ضمير يعود على الله، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به أول، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أَشْكُرَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر. ﴿نِعْمَتَكَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿أَوْزِعْنِي﴾ تقديره: رب أوزعني شكر نعمتك. ﴿الَّتِي﴾: صفته لـ ﴿نِعْمَتَكَ﴾. ﴿أَنْعَمْتَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: أنعمتها. ﴿عَلَيَّ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْعَمْتَ﴾. ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾: معطوف على ﴿عَلَيَّ﴾، ﴿وَأَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أن أعمل﴾: ناصب ومنصوب وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾؛ أي: وعملي. ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، أو صفة لمصدر محذوف، وجملة ﴿تَرْضَاهُ﴾: صفة لـ ﴿صَالِحًا﴾. ﴿وَأَصْلِحْ﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على ﴿أَوْزِعْنِي﴾. ﴿لِي﴾: متعلق بـ ﴿أصلح﴾، ﴿في ذُرِّيَّتِي﴾: متعلق بـ ﴿أصلح﴾ أيضًا؛ أي: واجعل لي الصلاح في ذريتي راسخًا فيهم. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تُبْتُ﴾ خبر، ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿تُبْتُ﴾ وجملة ﴿إِنّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل الدعاء المذكور قبله، وجملة ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: معطوفة على جملة ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ في أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. وجملة ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾: صلة الموصول. ﴿أَحْسَنَ﴾: مفعول به. و ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، وجملة ﴿عَمِلُوا﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾: مصدرية؛ أي: أحسن عملهم. ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾: معطوف على ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ داخل في حيز الصلة. ﴿عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. متعلق بـ ﴿نتجاوز﴾. ﴿في أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾: حال من

стр. 12287

الموصول؛ أعني: الذين نتقبل عنهم. ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾: منصوب بفعله المقدر؛ أي: وعدهم الله وعد الصدق؛ أي: وعدًا صادقًا لا خلف فيه، وهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة. ﴿الَّذِي﴾: صفة لوعد الصدق. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يُوعَدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾: صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: يوعدونه ﴿وَالَّذِي﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿الذي﴾، مبتدأ، وجملة ﴿قَالَ﴾: صلته. ﴿لِوَالِدَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، ﴿أُفٍّ﴾: اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، مبني على الكسر لشبهه بالحرف شبهًا استعماليًا، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: أنا وجملة اسم الفعل: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾: ﴿لَكُمَا﴾: متعلق بـ ﴿أُفٍّ﴾. ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾. ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿تعدان﴾: فعل مضارع مرفوع بثبات النون، والألف: فاعل، والنون: للوقاية، والياء: مفعول أول له، والجملة الاستفهامية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾: ناصب وفعل مغير ونائب فاعل مستتر، والجملة: في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿تعدانني﴾؛ أي: تعدانني خروجي من القبر. ﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿خَلَتِ الْقُرُونُ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِي﴾: متعلق بـ ﴿خَلَتِ﴾، والجملة: في محل النصب حال من نائب ﴿أُخْرَجَ﴾، ﴿وَهُمَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿همام﴾: مبتدأ. ﴿يَسْتَغِيثَانِ اللهَ﴾: فعل وفاعل، ومفعول به، والجملة: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من ﴿والديه﴾. ﴿وَيْلَكَ﴾: منصوب على المصدرية بفعل مقدر من معناه لا من لفظه؛ لأنّ العرب أماتوا لفظ فعله، تقديره: هلكت ويلك؛ أي: هلاكك، أو مفعول به لفعل محذوف تقديره: ألزمك الله ويلك، والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من فاعل ﴿يَسْتَغِيثَانِ﴾، تقديره: وهما يستغيثان الله حال كونهما قائلين: ويلك آمن. ﴿آمِنْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على الولد، والجملة الفعلية: من تتمّة مقولهما. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾: ناصب

стр. 12288

واسمه وخبره، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب من تتمّة قولهما، مسوقة لتعليل الأمر بالإيمان. ﴿فَيَقُولُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على القول المحذوف. ﴿يقول﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الولد. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر ﴿أَسَاطِيرُ﴾: خبر. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لـ ﴿يقول﴾، وجملة ﴿يقول﴾: معطوفة على جملة يقولان المحذوف. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان. ﴿الَّذِينَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل الرفع خبر لقوله السابق: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾. والجمع هنا باعتبار المعنى. ﴿حَقَّ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به. ﴿الْقَوْلُ﴾: فاعل، والجملة: صلة الموصول. ﴿في أُمَمٍ﴾ حال من الضمير المجرور بـ ﴿على﴾؛ أي: حال كونهم كائنين في عداد أمم. وجملة ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: صفة لـ ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَتْ﴾ ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾: حال من فاعل ﴿خَلَتْ﴾، أو صفة لـ ﴿أُمَمٍ﴾، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾: وجملة ﴿إن﴾ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلِكُلٍّ﴾: خبر مقدم. ﴿دَرَجَاتٌ﴾: مبتدأ مؤخو، والجملة: مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾: صفة لـ ﴿دَرَجَاتٌ﴾ وجملة ﴿عَمِلُوا﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل. ﴿يُوَفِّيَهُمْ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله: ضمير يعود على الله، و ﴿الهاء﴾: مفعول أول. ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: ولتوفيته إياهم أعمالهم، والجار والمجرور: متعلقان بمعلول محذوف، والمعلول المحذوف، معطوف على مقدر تقديره: فعل بهم ما فعل، ليعدل بينهم، وجازاهم بما ذكر، ليوفيهم أعمالهم. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب حال مؤكدة من ضمير ﴿يوفيهم﴾.

стр. 12289

﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يوم﴾: ظرف متعلق بمحذوف، تقديره: يقال لهم يوم عرضهم على النار: أذهبتم، والقول المحذوف: مستأنف. ﴿يُعْرَضُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿الَّذِينَ﴾: نائب فاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾. ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول ﴿عَلَى النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿يُعْرَضُ﴾، ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿طَيِّبَاتِكُمْ﴾: مفعول به. ﴿في حَيَاتِكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الحياة﴾، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول للقول المحذوف. ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾: معطوف على ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾، ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿استمتعتم﴾. ﴿فَالْيَوْمَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿اليوم﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾ و ﴿تُجْزَوْنَ﴾: فعل مضارع ونائب فاعل، والجملة: معطوفة على ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾. ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾: مفعول به ثان. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾: خبره، ﴿في الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿وَبِمَا﴾: معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾، وجملة ﴿كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾: في الموضعين موصوفةً أو مصدرية. ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، ومفعول به، والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان قصة عاد قوم هود. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب بدل اشتمال من ﴿أَخَا عَادٍ﴾. ﴿أَنْذَرَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿أَخَا عَادٍ﴾. ﴿قَوْمَهُ﴾: مفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿بِالْأَحْقَافِ﴾: حال من ﴿قَوْمَهُ﴾. ﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: اعتراضية. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَتِ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: حال من ﴿النُّذُرُ﴾ ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: معطوف عليه، والجملة: اعتراضية لا محل لها

стр. 12290

من الإعراب؛ لاعتراضها بين المفسِّر والمفسَّر، أو بين المتعلِّق والمتعلَّق. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: مخففة من الثقيلة، أو مصدرية أو مفسرة، واسمها. ضمير الشأن؛ أي: أنه ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَعْبُدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ولفظ الجلالة ﴿اللهَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة، في تأويل مصدر مجرور بالباء المحذوفة، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿أَنْذَرَ﴾؛ أي: إذ أنذر قومه بعدم عبادتهم إلا الله. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَخَافُ﴾: خبر ﴿إِنّ﴾ ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَافُ﴾. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ﴾: مفعول به. ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة ﴿يَوْمٍ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ تعليلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها تعليل للنهي عن عبادة غير الله. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿أَجِئْتَنَا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري التوبيخي. كما في "البحر"، ﴿جئتنا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿لِتَأْفِكَنَا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿تأفكنا﴾: فعل مضارع، ومفعول به، وفاعل مستتر، يعود على هود. ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لإفكك إيّانا عن آلهتنا، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿جئتنا﴾. ﴿فَأْتِنَا﴾ ﴿الفاء﴾، عاطفة. ﴿ااتنا﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿بِمَا﴾: متعلق به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَجِئْتَنَا﴾ لتوافقهما في الطلبية. ﴿تَعِدُنَا﴾: فعل مضارع: وفاعل مستتر. ومفعول به، والجملة: صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: بما تعدناه. ﴿إِن﴾: حرف شرط. ﴿كنُتَ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية: معلوم مما قبلها؛ أي: إن كنت من الصادقين. فأتنا بما تعدنا. وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على هود، والجملة: مستأنفة. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿الْعِلْمُ﴾: مبتدأ ﴿عِنْدَ اللهِ﴾: خبر، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
следующие страницы →