← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.

стр. 12321

و ﴿الباء﴾: زائدة، والجملة: في محل النصب، مقول للقول المحذوف. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب قائم مقام الجواب، تقديره: بلى هو الحق، وجملة الجواب، في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَرَبِّنَا﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿ربنا﴾: مقسم به، مجرور بواو القسم، الجار والمجرور: متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: نقسم بربّنا، وجملة القسم: في محل النصب، مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، يعود على الله أو على خازن النار، والجملة: مستأنفة. ﴿فَذُوقُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة, لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا اعترفتم بحقّية هذا العذاب، وأردتم بيان ما هو المستحق لكم .. فأقول لكم: ﴿ذوقوا﴾. ﴿ذوقوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل. ﴿الْعَذَابَ﴾: مفعول به. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، متعلّق بـ ﴿ذوقوا﴾. والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة، في محل النصب، مقول قال. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَكْفُرُونَ﴾: خبر، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾؛ أي: بسبب كفركم، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿ذوقوا﴾ كما مرّ آنفًا. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾. ﴿فَاصْبِرْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت عاقبة الكفّار، وأن الإنذار لا ينجح فيهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: اصبر كما صبر أولوا العزم. ﴿اصبر﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾: حرف جرّ، ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ﴾: فعل وفاعل مرفوع بالواو. ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾: حال من ﴿أُولُو الْعَزْمِ﴾. والجملة الفعلية: صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في

стр. 12322

تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الكاف﴾ تقديره: كصبر أولي العزم، الجار والمجرور، صفة لمصدر محذوف، تقديره: فاصبر صبرًا كائنًا كصبر أولي العزم، بَلْ أعلى منه. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تَسْتَعْجِلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله: ضمير يعود على محمد. ﴿لَهُمْ﴾: متعلّق بـ ﴿يستعجل﴾. والجملة: معطوفة على جملة ﴿فَاصْبِرْ﴾. ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿يَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ الآتي، ﴿يَرَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَرَوْنَ﴾ لأنّ الرؤية هنا بصرية. ﴿يُوعَدُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والتقدير: ما يوعدونه. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿سَاعَةً﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَلْبَثُوا﴾ أو مفعول به على التوسع. ﴿مِنْ نَهَارٍ﴾: صفة ﴿سَاعَةً﴾. وجملة ﴿يَلْبَثُوا﴾: في محل الرفع خبر ﴿كأنّ﴾ وجملة ﴿كأنّ﴾: مستأنفة. ﴿بَلَاغٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا الذي وعظتم به بلاغ، وقيل: تقديره: هذا القرآن بلاغ، والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿فَهَلْ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع. ﴿هل﴾: حرف استفهام للاستفهام الإنكاري. ﴿يُهْلَكُ﴾: فعل مضارع مغيّر الصيغة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الْقَوْمُ﴾ نائب فاعل. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ صفة ﴿الْقَوْمُ﴾. والجملة الفعلية: معطوفة على الاسمية قبلها لكونها في معنى الاسمية، كأنّه قيل: هذا بلاغٌ، فما هالك بعده إلّا القوم الفاسقون. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا﴾؛ أي: وجَّهنا نحوك. ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: جماعة من الجنّ. والنفر: ما بين الثلاثة والعشرة من الرجال، سمّوا بذلك؛ لأنّهم ينفرون إذا حزبهم أمر لكفايته. وفي "المختار": النَّفر بفتحتين: عدَّة رجال من ثلاثة إلى عشرة، وكذا النفير والنفر والنفرة بسكون الفاء فيها. انتهى. وهم جنّ نصيبين أو حسن نينوى، وكانوا سبعة أو تسعة، وكان ﷺ فيما رواه الشيخان ببطن نخلة على نحو ليلة من مكة منصرفه من الطائف، يصلّي بأصحابه الفجر في السنة الحادية

стр. 12323

عشرة من البعثة. كما مرّ. ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ ورد الفعل جمعًا نظرًا للمعنى، والاستماع: الإصغاء مع قصد السماع. ﴿أَنْصِتُوا﴾ أمر من الإنصاف. وهو الإصغاء مع السكوت؛ أي: أسكتوا. ﴿قُضِيَ﴾ فرغ من تلاوته. ﴿وَلَّوْا﴾؛ أي: رجعوا. ﴿مُنْذِرِينَ﴾؛ أي: مخوّفين لهم عواقب الضلال، وكانوا يهودًا، ثّم أسلموا. ﴿أَجِيبُوا﴾ أصله: أجوبوا بوزن أفعلوا، نقلت حركة الواو إلى الجيم، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياءً حرف مدّ. ﴿دَاعِيَ اللهِ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: داعو، قلبت الواو ياءً؛ لتطرُّفها إثر كسرة. ﴿وَيُجِرْكُمْ﴾ أصله: يجوركم بوزن يفعل، مضارع أجار، نقلت حركة الواو إلى الجيم فسكنت فالتقى ساكنان: الواو والراء، فحذفت الواو، فوزنه يفلكم. ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ﴾ أصله: يجوب، نقلت حركة الواو إلى الجيم فسكنت فالتقى ساكنان، فحذفت الواو، فوزنه يفل. ﴿أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ﴾ قد اجتمع هاهنا همزتان مضمومتان من كلمتين، وليس لهما نظير في القرآن؛ أي: لا وجود لهما في محل منه غير هذا. اهـ "خطيب". ﴿وَلَمْ يَعْيَ﴾؛ أي: لم يتعب بذلك، ولم يعجز عنه، يقال: عييت بالأمر: إذا لم تعرف وجهه، وأَعْيَيْتُ: تعبت. وفي "القاموس": أعيى الماشي: إذا كلَّ، قال الكسائي: يقال: أَعْيَيْتُ من التعب، وعَيِيْتُ من انقطاع الحيلة والعجز، قال عبيد بن الأبرص: عَيُّوْا بِأَمْرِهِمُ كَمَا ... عَيَّتْ بَبَيْضَتِهَا الْحَمَامَهْ وحكي في سبب تعلّم الكسائي النحو على كبره: أنّه مشى يومًا، حتى أعيَ ثم جلس إلى قوم ليستريح، فقال: قد عييت، بالتشديد بغير همزة، فقالوا له: لا تجالسنا وأنت تلحن، قال الكسائي: وكيف؟ قالوا: إن أردت من التعب .. فقل: أعييت، وإن أردت من انقطاع الحيلة، والتعجيز في الأمر .. فقل: عييت مخفّفًا، فقام من فوره، وسأل عمَّن يعلم النحو، فأرشدوه إلى معاذٍ، فلزمه حتى نفد ما

стр. 12324

عنده، ثمّ خرج إلى البصرة إلى الخليل بن أحمد. اهـ من "روح البيان" (ج: ٨، ص: ٤٩٣). ﴿فَاصْبِرْ﴾ قال القشيري: الصبر: الوثوق بحكم الله، والثبات من غير بثٍّ ولا استكراهٍ، اهـ "خطيب". ﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ﴾؛ أي: ذوو الحزم والصبر. والعزم في اللغة: الجدّ، والقصد مع القطع. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، في قوله: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ إذا أعيد الضمير إلى النبيّ ﷺ ؛ لأنّ مقتضى السياق حينئذٍ أن يقال: فلمّا حضروك. ومنها: إطلاق الكتاب على بعض أجزائه، في قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ إذ لم يكن القرآن كلُّه منزلًا حينئذٍ. ومنها: تخصيص موسى بالذكر دون عيسى؛ لكون نزول الكتاب عليه متفقًا عليه بين اليهود والنصارى، بخلاف عيسى؛ لأنّ اليهود تنكر نبوّته، ونزول الكتاب عليه. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لأنّه نفس الحق المذكور قبله، أطنب به للتأكيد وللتفخيم لشأنه. ومنها: فن التنكيت في قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ فقد عبر بـ ﴿مِنْ﴾ التبعيضية إشارةً إلى أنَّ الغفران يقع على الذنوب الخاصة، أما حقوق العباد فلا يمكن غفرانها، إلا بعد أن يُرضَّى أصحابها، فإنّ الله تعالى لا يغفر بالإيمان ذنوب المظالم. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ﴾ ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾.

стр. 12325

ومنها: الإظهار في مقام الإضمار، في قوله: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ﴾؛ لأنّ مقتضى السياق أن يقال: ومن لم يجبه، أظهره تفخيمًا لشأنه، وإظهارًا لنباهته. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾؛ لأنّه مجاز عن الانقطاع عن العمل، علاقته: السببيّة؛ لأنّ العيّ؛ أي: التعب مستحيل عليه تعالى، وهو سبب للانقطاع عن العمل أو النقص فيه والمتأخر في إنجازه، فهو العلاقة في هذا المجاز. ومنها: تعليل الخاصّ بالعام في قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأنّه تعالى إذا كان قادرًا على كل شيء .. كان قادرًا على إحياء الموتى؛ لأنّه من جملة الأشياء، وقدرته لا تختصّ بمقدور دون مقدور. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾؛ لأنّه مجاز عن التعذيب بها، كما مرّ. ومنها: التهكم بهم والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾؛ أي: باشروا العذاب؛ لأنّه مستعار من إحساس الذائق المطعوم. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 12326

خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية: ١ - إقامة الأدلة على التوحيد، والردّ على عبدة الأصنام والأوثان. ٢ - المعارضات التي ابتدعها المشركون للنبوّة، والإجابة عنها، وبيان فسادها. ٣ - ذكر حال أهل الاستقامة الذين وحّدوا الله تعالى، وصدَّقوا أنبياءه، وبيان أنَّ جزاءهم الجنة. ٤ - ذكر وصايا المؤمنين من إكرام الوالدين، وعمل ما يرضي الله. ٥ - بيان حال من انهمكوا في الدنيا ولذّاتها. ٦ - قصص عاد، وفيه بيان أنَّ صرف النعم في غير وجهها يورث الهلاك. ٧ - استماع الجنّ للرسول ﷺ ، وتبليغهم قومهم ما سمعوه. ٨ - عظةٌ للنبي ﷺ والمؤمنين من أمّته. ٩ - بيان أنّ القرآن فيه البلاغ والكفاية في الإنذار. ١٠ - من عدل الله ورحمته أن لا يعذّب إلّا من خرج عن طاعته، ولم يعمل بأمره ونهيه (١).

стр. 12327

فائدة: أخرج الطبراني في الدعاء عن أنس: أَنَّ النبيّ ﷺ كان يدعو: "اللهم إنّي أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل برّ، والفوز بالجنّة، والنجاة من النار، اللهم لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرّجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها، برحمتك يا أرحم الراحمين". والله أعلم * * *

стр. 12328

سورة محمد سورة محمد ﷺ ، وتسمّى سورة القتال، وسورة الذين كفروا. وهي مدنية، قال الماوردي في قول الجميع إلا ابن عباس، وقتادة، فإنهما قالا: إلا آية منها نزلت بعد حجة الوداع حين خرج من مكة، وجعل ينظر إلى البيت وهو يبكي حزنًا عليه، فنزل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾. وقال الثعلبيُّ (١): إنها مكية، وحكاه ابن هبة الله عن الضحاك، وسعيد بن جبير وهو غلطٌ من القول، فالسورة مدنية كما لا يخفى. وقد أخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: نزلت سورة القتال بالمدينة، وأخرج النحاس، وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" عنه قال: نزلت سورة محمد بالمدينة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: نزلت بالمدينة سورة الذين كفروا. وهي (٢) ثمان أو تسع وثلاثون آية، وخمس مئة وتسع وثلاثون كلمة، وألفان وثلاث مئة وتسعة وأربعون حرفًا، نزلت بعد سورة الحديد. تسميتها: سمّيت سورة محمد؛ لبيانها تنزيل القرآن على محمد ﷺ ، بقوله: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾، ولم يذكر محمد باسمه في القرآن إلا في أربع مواضع: في سورة آل عمران: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾. وفي سورة الأحزاب: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وهنا في هذه السورة، وفي سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾. وأما في غير هذه المواضع الأربعة، فيذكر بصفة الرسول أو النبيّ. وسميت أيضًا سورة القتال؛ لبيان أحكام قتال الكفار فيها في أثناء المعارك وبعد انتهائها: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. مناسبتها لما قبلها: قال أبو حيان: مناسبة أولها لآخر ما قبلها واضحة

стр. 12329

جدًّا. اهـ. وفي "التفسير المنير": هذه السورة يرتبط أولها ارتباطًا قويًا بآخر سورة الأحقاف ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ حتى لو أسقطت البسملة بينهما لكان الكلام متصلًا مباشرةً بما قبله اتصالًا لا تنافر فيه كالآية الواحدة، ولكان بعضه آخذًا بحجز بعض. فضلها: ما أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" عن ابن عمر ﵄: أنَّ النبيّ ﷺ كان يقرؤها في صلاة المغرب. الناسخ والمنسوخ منها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم رحمه الله تعالى: جميعها محكم إلا آية واحدة، وهي قوله تعالى. ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ نسخ المنّ والفداء بآية السيف، وقيل: في سورة محمد ﷺ آيتان منسوختان الثانية منهما: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ (الآية ٣٦). نسخت بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧)﴾ (الآية ٣٧). والله أعلم * * *

стр. 12330

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ الله لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْ وَى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ في النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفُ اأُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾. المناسبة قد تقدم لك بيان المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السابقة.

стр. 12331

واعلم: أنّ الله سبحانه قسم الناس في أول هذه السورة إلى فريقين (١): أهل الكفر الذين صدّوا الناس عن سبيل الله، وهؤلاء يبطل أعمالهم، سواء كانت حسنةً كصلة الأرحام وإطعام الطعام، أو سيئة كالكيد لرسول الله ﷺ ، والصدّ عن سبيل الله، فالأولى يبطل الله ثوابها، والثانية يمحو أثرها، وهكذا كل من قاوم عملًا شريفًا، فإنّ مآله الخذلان. وأهل الإيمان بالله ورسوله الذين أصلحوا أعمالهم، أولئك يغفر الله لهم سيئات أعمالهم، ويوفّقهم في الدين والدنيا، كما أضاع أعمال الكافرين ولم يثب عليها. ثم علل ما سلف بأنّ أعمال الفريقين جرت على ما سنَّه الله في الخليقة بأنّ الحق منصور، وأنّ الباطل مخذول، سواء كان في أمور الدين أم في أمور الدنيا، فالصناعات المحكمة إنما يقبل الناس عليها، ويؤثرونها؛ لأنها جارية على الطريق القويم والنسق الحق، وهكذا الشأن في المزروعات، والمصنوعات المتقنة الجيّدة، والسياسات الحكيمة. والصناعات المرذولة، والسلع المزجاة، لن يكون حظها إلا الكساد والبوار؛ لأنّ الباطل لا ثبات له، والحق هو الثابت، والله هو الحق فينصر الحقّ، والعلم الصحيح، والدين الصحيح، والصناعات الجيّدة والآراء الصادقة نتائجها السعادة، وضدّها عاقبته الشقاء والبوار. وقصارى ذلك: أنّ الله سبحانه خلق السموات والأرض بالحق، وعلى قوانين ثابتة منظمة، فكل ما قرب إلى الحق كان باقيًا، وكل ما ابتعد عنه كان هالكًا، فرجال الجدّ والنشاط مؤيَّدون، ورجال الكسل والتواكل مخذولون، والمُحِقُّون في كل شيء محبوبون منصورون. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه

стр. 12332

الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (١) فيما سلف أنّ الناس فريقان: أحدهما: متّبعٌ للباطل، وهو حزب الشيطان. وثانيهما: متّبعٌ للحق، وهو حزب الرحمن .. ذكر هنا وجوب قتال الفريق الأول، حتى يفيء إلى أمر الله، ويرجع عن غيِّه، وتخضد شوكته. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لما نعى على الكافرين مغبّة أعمالهم، وأنّ النار مثوى لهم .. أردف هذا أمرهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة، ورؤية آثارهم، لما للمشاهدت الحسّية من آثار في النفوسّ، ونتائج لدى ذوي العقول إذا تدبّروها واعتبروا بها. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا بينّ الفارق بين الفريقين في الاهتداء والضلال .. ذكر الفارق بينهما في مرجعهما ومآلهما، فذكر ما للأوّلين من النعيم المقيم، واللذات التي لا يدركها الإحصاء، وما للآخرين من العذاب اللازب في النار، وشرب الماء الحار الذي يقطّع الأمعاء. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر حال المشركين، وبيّن سوء مغبّتهم .. أردف هذا ببيان أحوال المنافقين الذين كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيسمعون كلامه ولا يعونه تهاونًا واستهزاء به، حتى إذا خرجوا من عنده .. قالوا للواعين من الصحابة: ماذا قال قبل افتراقنا وخروجنا من عنده؟. وهؤلاء قد طبع الله على قلوبهم، واتبعوا أهواءهم، ومن ثم تشاغلوا عن سماع كلامه، وأقبلوا على جمع حطام الدنيا. ثم أعقبه بذكر حال من اهتدوا، وألهمهم وبهم ما يتقون به النار، ثم عنف

стр. 12333

أولئك المكذّبين، وذكر أن عليهم أن يرعووا قبل أن تجيء الساعة التي بدت علاماتها بمبعث محمد ﷺ ، والذكرى لا تنفع حينئذٍ. ثم أمر رسوله ﷺ بالثبات على ما هو عليه من وحدانية الله، وإصلاح نفسه بالاستغفار من ذنبه، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، والله هو العلم بمنصرفكم في الدنيا، ومصيركم إلى الجنّة أو إلى النار في الاخرة. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ أخرج (١) ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنها نزلت في أهل مكة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: هم الأنصار. وأخرج عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: ذكر لنا أنّ هذه الآية نزلت يوم أحد ورسول الله ﷺ في الشعب، وقد نشبت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذٍ: أعل هبل، ونادى المسلمون: الله أعلى وأجل، فقال المشركون: إنّ لنا العزّى، ولا عزّى لكم، فقال رسول الله: ﷺ "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم". قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً ...﴾ إلخ. سبب نزولها: ما أخرجه أبو يعلى عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله ﷺ تلقاء الغار .. نظر إلى مكة فقال: "أنت أحبّ بلاد الله إليّ، ولولا أنّ أهلك أخرجوني منك .. لم أخرج منك، فأنزل الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج قال: كان المؤمنون والمنافقون يجتمعون إلى النبيّ ﷺ ، فيسمع المؤمنون منه ما يقول ويعونه، ويسمعه المنافقون فلا يعونه، فإذا

стр. 12334

خرجوا .. سألوا المؤمنين: ماذا قال آنفًا؟. فنزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: (١) أعرضوا عن دين الإِسلام، وسلوك طريقه، من صد صدودًا، فيكون كالتأكيد والتفسير لما قبله، أو منعوا الناس عن ذلك، من صدّه صدًا، كالمطعمين الجيوش يوم بدر، فإنَّ مترفيهم كأبي جهل والحارث ابن هشام وعتبة وشيبة ابني ربيعة وغيرهم، أطعموا الجنود يوم بدر، يستظهرون على عداوة النبي ﷺ والمؤمنين، فيكون مخصّصًا لعموم قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والظاهر: أنه عام في كل من كفر وصدّ، وقال مجاهد والسدي: هم كفار قريش كفروا بالله، وصدّوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، وهو دين الإِسلام، بنهيهم عن الدخول فيه، وقال الضحاك: معنى ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن بيت الله بمنع قاصديه، وقيل: هم أهل الكتاب، والموصول: مبتدأ، خبره: قوله: ﴿أَضَلَّ﴾ الله سبحانه، وأبطل ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ الصالحة، ولم يتقبلها منهم؛ أي: حكم ببطلانها وضياعها، فإنّ ما كانوا يعملونه من أعمال البر، كصلة الأرحام، وقرى الأضياف، وفكّ الأسارى، وغيرها من المكارم، ليس لها أثر من أصلها؛ لعدم مقارنتها للإيمان، أو أبطل ما عملوه من الكيد لرسول الله ﷺ ، والصدّ عن سبيله بنصر رسوله، وإظهار دينه على الدين كلّه، وهو الأوفق بقوله: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال الضحاك: معنى ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبيّ ﷺ ، وجعل الدائرة عليهم، وقال أبو حيان: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: أتلفها حيث لم ينشأ عنها خير ولا نفع، بل ضرر محض. وفي "البيضاوي": معنى ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: جعلها ضالة؛ أي: ضائعة محبطة بالكفر، أو مغلوبة مغمورة فيه، كما يضل الماء في اللبن، أو جعلها ضلالًا، حيث لم يقصدوا بها وجه الله. انتهى.

стр. 12335

وقال بعضهم (١): أول هذه السورة متعلق بآخر السورة السابقة - سورة الأحقاف - كأن قائلًا قال: كيف يهلك الفاسقون ولهم أعمال صالحة، كإطعام الطعام ونحوه من الأعمال الصالحة، والله لا يضيع لعامل عمله، ولو كان مثقال ذرة من خير؟ فأخبر بأنّ الفاسقين هم الذين كفروا، وصدّوا عن سبيل الله، أضل أعمالهم؛ يعني: أبطلها؛ لأنها لم تكن لله ولا بأمره، إنما فعلوها من عند أنفسهم، ليقال عنهم ذلك، فلهذا السبب أبطلها الله تعالى. والمعنى (٢): أي الذين جحدوا توحيد الله، وعبدوا غيره، وصدّوا من أراد عبادته والإقرار بوحدانيته، وتصديق نبيه عما أراد، جعل الله أعمالهم تسير على غير هدى؛ لأنها عملت في سبيل الشيطان، لا في سبيل الرحمن، وما عمل للشيطان .. فمآله الخسران، فما عملوه في الكفر مما كانوا يسمونه مكارم الأخلاق من صلة الأرحام، وإطعام الجائع، وعمارة المسجد الحرام، وإجارة المستجير، ونحو ذلك، حكم الله ببطلانه، فلا يرون له في الآخرة ثوابًا، ويجزون به في الدنيا من فضله تعالى بزيادة مال، أو حدوث ولد، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾. قال ابن عباس في رواية عنه: نزلت الآية في المطعمين ببدر، وهم اثنا عشر رجلًا: أبو جهل والحارث ابنا هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبيّ وأمية ابنا خلف، ومنبه ونُبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل. ٢ - ولما ذكر سبحانه جزاء أهل الكفر .. أتبعهم بثواب أهل الإيمان، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعمّ كل من آمن وعمل صالحًا من المهاجرين والأنصار، وأهل الكتاب وغيرهم، وكذا يعمّ الإيمان بجميع الكتب الإلهية ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ ﷺ ، وهو القرآن الذي أنزله الله على محمد.

стр. 12336

وقرأ الجمهور (١): ﴿نُزِّلَ﴾ مشددًا مبنيًا للمفدول، وقرأ زيد بن علي وابن مقسم: ﴿نُزِّلَ﴾ مبنيًا للفاعل، وقرأ الأعمش: ﴿أنُزِل﴾ معدى بالهمزة مبنيًا للمفعول، وقرىء: ﴿نزل﴾ ثلاثيًا مخففًا. وخصّ سبحانه الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ بالذكر، مع اندراجه تحت مطلق الإيمان المذكور قبله؛ تنبيهًا على شرفه، وعلوّ مكانه، كما في عطف جبرائيل على الملائكة، وعلى أنه الأصل في الكل، ولذلك أكّده بقوله: ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: ما نزّل على محمد ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: العدل الصواب، وقيل: الناسخ لما قبله، ولا يرد عليه النسخ، حال كونه ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بطريق حصر الحقّية فيه، والحق: مقابل الباطل، وهذه الجملة معترضة بين المبتدأ، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وبين خبره، وهو قوله: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾؛ أي: السيئات التي عملوها فيما مضى؛ أي: ستر الله أعمالهم السيئة بالإيمان والعمل الصالح ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾، أي: حالهم وشأنهم في الدين والدنيا بالتأييد والتوفيق، وأرشدهم إلى أعمال الخير، وأصلح نيّاتهم بالإخلاص. والمعنى (٢): أي والذين صدّقوا الله، وعملوا بطاعته، واتبعوا أمره ونهيه، وصدّقوا بالكتاب الذي نزل على محمد، وهو الحق من ربهم، محا الله بفعلهم سيء ما عملوا، فلم يؤاخذهم به، وأصلح شأنهم في الدنيا بتوفيقهم لسبل السعادة، وأصلح شأنهم في الآخرة بأن يورثهم نعيم الأبد، والخلود الدائم في جناته، قال ابن عباس: نزلت الآية في الأنصار. كما مرّ. ٣ - ثم بيَّن سبب الإضلال، وإصلاح البال، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما مرّ من إضلال الأعمال، وتكفير السيئات، وإصلاح البال، وهو مبتدأ، خبره قوله: ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: ذلك كائن بسبب أنّ الكافرين ﴿اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾؛ أي: الشيطان، ففعلوا ما فعلوا من الكفر والصدّ ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: وبسبب أنّ المؤمنين ﴿اتَّبَعُوا الْحَقَّ﴾ الذي لا محيد عنه، كائنًا ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ففعلوا ما فعلوا من الإيمان

стр. 12337

به وبكتابه، ومن الأعمال الصالحة. ومعنى الآية (١): ذلك الأمر وهو إضلال أعمال الكفار، وتكفير سيئات المؤمنين، كائن بسبب اتباع الكفار الباطل، واتباع المؤمنين الحق من ربهم؛ أي: وإنما أبطلنا أعمال الكفار، وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شؤونهم؛ لأنّ الذين كفروا اختاروا الباطل على الحق، بما وسوس به إليهم الشيطان، ولأنّ الذين آمنوا اتبعوا الحق الذي جاءهم من ربهم، فأنار بصائرهم، وهداهم إلى سبيل الرشاد ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل الضرب والبيان المذكور ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾؛ أي: يبيِّن الله للناس أمثالهم؛ أي: أحوال الفريقين، وأوصافهما الجارية مجرى الأمثال في الغرابة، وهي: اتباع الأولين الباطل وخيبتهم، وخسرانهم، واتباع الآخرين الحق، وفوزهم وفلاحهم. وفي الخبر: "اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه". قال الزجاج: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ﴾؛ أي: يبيّن الله للناس أمثال حسنات المؤمنين، وإضلال أعمال الكافرين؛ يعني: أنّ من كان كافرًا أضل الله عمله، ومن كان مؤمنًا كفّر الله سيئاته. والمعنى: أي كما بيَّنت لكم فعلي بفريقي الكفار والمؤمنين، كذلك نمثل للناس الأمثال، ونشبه لهم الأشباه، فنلحق بالأشياء أمثالها وأشكالها. والخلاصة: أنه جعل اتباع الباطل مثلًا لعمل الكفار، وإضلال أعمالهم مثلًا لخيبتهم، واتباع الحق مثلًا لعمل المؤمنين، وتكفير سيئاتهم مثلا لفوزهم، وهكذا شأن القرآن، يوضِّح الأمور التي فيها عظة وذكرى بضرب الأمثال، كما ضرب المثل بالنخل والحنظل في سورة أخرى. ٤ - ولمّا بيّن سبحانه حال الفريقين .. أمر بجهاد الكفار، فقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمراد بالذين كفروا: المشركون، ومن لم يكن صاحب عهد من أهل الكتب، و ﴿الفاء﴾ فيه: للإفصاح؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الأمر كما ذكر، من إضلال أعمال الكفرة وخيبتهم، وإصلاح

стр. 12338

أحوال المؤمنين وفلاحهم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: إذا لقيتم الذين كفروا، وقابلتموهم في المحاربة يا معشر المسلمين ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾؛ أي: فاضربوا الرقاب منهم ضربًا، فحذف الفعل وأنيب المصدر منابه مضافًا إلى المفعول، والألف واللام في ﴿الرِّقَابِ﴾: بدل من المضاف إليه؛ أي: فاضربوا رقابهم بالسيف، والمراد: فاقتلوهم. وإنّما عبَّر (١) عن القتل بضرب الرقاب، لما في التعبير به من الغلظة والشدة ما ليس في نفس القتل، وهي: حز العنق، وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وأعلاه وأشرفه، وإرشادًا للغزاة إلى أيسر ما يكون منه، وفي الحديث: "أنا لم أبعث لأعذِّب بعذاب الله، وإنما بعثت بضرب الرقاب وشدِّ الوثاق"؛ أي: فاقتلوهم كيفما أمكنكم ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: أضعفتموهم بالجراح، أو بالغتم في قتلهم، وأكثرتم القتل فيهم.، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾؛ أي: وثاق الأسير منهم؛ أي: اربطوا الأسير منهم على كتفه كيلا ينفلت عنكم، والوثاق: الحبل الذي يربط به الأسير، وقال أبو الليث: يعني: حتى إذا قهرتموهم وأسرتموهم .. فاستوثقوا أيديهم واربطوها من خلفهم كيلا يفلتوا، والأسر يكون بعد المبالغة في القتل. قرأ الجمهور: ﴿فَشُدُّوا﴾ بضم الشين، وقرأ السلميّ: بكسرها ﴿فَإِمَّا﴾ تمنون عليهم ﴿مَنًّا﴾ بإرسالهم من غير فداء ﴿بَعْدُ﴾؛ أي: بعد أسرهم، وشد وثاقهم ﴿وَإِمَّا﴾ تفدونهم ﴿فِدَاءً﴾ بمال أو بأسرى مسلمين. وقرأ الجمهور (٢): ﴿فِدَآءً﴾ بالمدّ، وقرأ ابن كثير في رواية شبلٍ: ﴿فدًى﴾ بالقصر. والمنُّ: أن يترك الأمير الأسير الكافر من غير أن يأخذ منه شيئًا. والفداء: أن يترك الأمير الأسير الكافر، ويأخذ مالًا، أو أسيرًا مسلمًا في مقابلته، وإنما قدم المنّ على الفداء؛ لأنه من مكارم الأخلاق، ولهذا كانت العرب تفتخر به، كما قال شاعرهم:

стр. 12339

وَلَا نَقْتُلُ الأَسْرَى وَلَكِنْ نَفُكُّهُمْ ... إِذَا أَثْقَلَ الأَعْنَاقَ حِمْلُ الْمَغَارِمِ قال الشيخ الرضيُّ: المطلوب (١) من شدّ الوثاق: إمّا قتلٌ، أو استرقاق، أو منّ، أو فداء. فالإمام يتخير في الأسارى البالغين من الكفار بين هذه الخصال الأربع، وهذا التخيير ثابت عند الشافعي، ومنسوخ عند الأحناف بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، قالوا: نزل ذلك يوم بدر، ثم نسخ. والحكم إما القتل أو الاسترقاق. قال ابن عباس ﵄: لمَّا كثر المسلمون، واشتدّ سلطانهم ... أنزل الله تعالى في الأسارى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ وكان عليه عمل رسول الله ﷺ ، والخلفاء من بعده. روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه في سارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ ، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خيرٌ، إن تقتلني .. تقتل ذا دم، وإن تُنْعِم .. تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال .. فسل ما شئت، حتى كان الغد، فقال له رسول الله ﷺ : "ما عندك يا ثمامة؟ " قال: عندي ما قلت لك، قال: "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبُّ الدين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فقد أصبح بلدك أحبَّ البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشَّره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر، فلمَّا قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد ﷺ . وعن عمران بن حصين ﵁ قال: أسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلًا من عقيل فأوثقوه، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي ﷺ ،

стр. 12340

ففداه رسول الله ﷺ بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف، وأما الفداء بالمال .. فقد وقع يوم بدر، كما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة. والظاهر (١): أنّ قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ غاية لقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾؛ لأنه قد غيَّا، فضرب الرقاب بشد الوثاق وقت الإثخان، فلا يمكن أن يُغيّا بغاية أخرى، لتدافع الغايتين، إلا أن تكون الثانية مبيّنة للأولى، ومؤكدة لها فيجوز. والمعنى: فشدوا وثاق الأسير وربطه، حتى تضع أهل الحرب أوزارها وأحمالها وأسلحتها، ويتركوا حمل سلاحها؛ أي: حتى تنقرض الحرب وتنعدم بالكليَّة، بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفار يحارب حزبًا من أحزاب الإِسلام. والأوزار (٢): جمع وزر، والوزر بالكسر: الثقل، وما يحمله الإنسان، فسمى الأسلحة أوزارًا؛ لأنها تحمل، فيكون جعل مثل الكراع من الأوزار من التغليب، و ﴿حَتَّى﴾ غاية عند الشافعي لأحد الأمور الأربعة، أو للمجموع. والمعنى حينئذٍ: إنهم لا يتركون ذلك أبدًا، حتى لا يكون مع المشركين حرب، بأن لا يبقى لهم شوكة، وأما عند أبي حنيفة فإنه حمل الحرب على حرب بدر، فهي غاية للمنّ والفداء، والمعنى: يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها وتنقضي، وإن حملت الحرب على الجنس .. فهي غاية للضرب والشد، والمعنى: أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب أوزارها، بأن لا يبقى للمشركين شوكة. ومعنى الآية: أي فإذا واجهتم المشركين في القتال .. فاحصدوهم حصدًا بالسيوف، حتى إذا غلبتموهم وقهرتم من لم تضربوا رقابهم، وصاروا في أيديكم أسرى .. فشدّوهم في الوثاق كي لا يقاتلوكم، أو يربوا منكم، ثم أنتم بعد انتهاء الحرب وانتهاء المعارك بالخيار في أمرهم، إن شئتم .. مننتم عليهم

стр. 12341

فأطلقتموهم بلا عوضٍ من مال أو غيره، وأن شئتم.، فاديتموهم بمال تأخذونه منهم حتى لا يكون حرب مع المشركين، ولا قتال بزوال شوكتهم. واعلم (١): أنَّ للحرب فوائد، وللسلم أخرى، فالأمم في حال الطفولة عقولها أشبه بعقول الشابّ المراهق، الذي لم يبلغ الحلم، تراه يقاتل الصبيان، ويشاجرهم، ويوقع الأذى بهم، وهم يزيدون في أذاه، وينكلون به، وهذه هي حال الأمم اليوم. ألا إنَّ الحرب تقوِّي الأبدان، وترقي الصناعات، وتجعل الأمم تنمو وتوقظ الشعور، وتفتح المغلق، وتيسر العسير، قال أرسطو للإسكندر: إنّ الراحة مضرة للأمم، ومن ثم قيل: إذا أردت رقي أمةٍ .. فاجعلها تخوض الحروب، فذلك يفتح لها باب السعادة، والأمم النائمة على فراش الراحة الوثير، معرَّضة للزوال، كما رأينا ذلك في بعض من عليه الاستئمار من أفريقيا، فإذا كملت أخلاف الأمم ومواهبها .. فإنّ نتائج السلم عندها ستكون كنتائج الحرب لدى من قبلها، فكما يفرح الرجل في الأمم الحاضرة بغلبة الأعداء، وشفاء الغليل، وجمع الرجال والسلاح والكراع، فسيكون فرح الأمم فيما بعد بمساعدة غيرها، وانشراح صدورها، بظهور أمم أخرى تكافح معها في ميدان الحياة، ويكون كل فرد في الأمم المقبلة أشبه بالأب، يكدح لمساعدة أبنائه، وهذا الكدح والجد في العمل لفائدة الجميع، يجد العامل فيه لذّةً وفرحًا أشدَّ من فرح المنتصر في ميادين القتال. وإنَّ الأمم لا تزال في الطور الأول، فهي تسعى لإسعاد نفسها، بإهلاك سواها، وسيأتي حينٌ تسعى فيه لإسعاد الجميع، ويكون فرحها بهذا المسعى أشد من فرحها بهزيمة الأعداء، ويكون الناس جميعًا بعضم لبعض كالآباء والأبناء. واعلم (٢): أنه قد اختلف العلماء في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل: إنها منسوخة في أهل الأوثان، وأنه لا يجوز أن يفادوا ولا يمن

стр. 12342

عليهم، والناسخ لها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. وبهذا قال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج. وكثير من الكوفيين قالوا: والمائدة آخر ما نزل، فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الأدلّة على تركه، من النساء، والصبيان، ومن تؤخذ منه الجزية، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة، وقيل: إنَّ هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ روي ذلك عن عطاء وغيره، وقال كثير من العلماء: إنّ الآية محكمة، والإمام مخيّر بين القتل والأسر، وبعد الأسر مخيَّر بين المنِّ والفداء. وبه قال مالك والشافعي والثوريّ والأوزاعي وأبو عبيد وغيرهم، وهذا هو الراجح؛ لأنّ النبيَّ ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ذلك، وقال سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره. ثمّ بين الله الحكمة في شرع القتال، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ محلُّه: إما رفعٌ على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، وإما نصبٌ على أنه مفعول لفعل محذوف؛ أي: افعلوا ذلك. ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف؛ أي: ذلك حكم الكفار؛ أي: (١) هذا الذي أمرتكم به من قتل المشركين إن لقيتموهم في حرب، وشد وثاقهم في أسرهم، والمن والفداء حتى تضع الحرب أوزارها، هو الحق الذي أمركم به ربكم، وهو السنة التي شرعها لإصلاح حال عباده، وهي التي ستبقى السنة الطبيعية بين الأمم ما دامت في طور طفولتها، حتى يتمّ نضجها العقلي والخلقي فتضع الحرب أوزارها، إذ لا يكون هناك حاجة إليها؛ لأنّ العالم كلَّه كأسرة واحدة، سعادته بسعادة أفراده جميعًا، وشقاؤه بشقائهم.

стр. 12343

﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ﴾ ﴿لو﴾: (١) للمضيّ، وإن دخلت على المستقبل؛ أي: ولو شاء الله الانتصار والانتقام من الكفار ﴿لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: لانتصر من هؤلاء المشركين، وانتقم منهم بعقوبة عاجلة، وكفاكم أمرهم؛ أي: لانتقم منهم بغير قتال، بأن يكون ببعض أسباب الهلكة والاستئصال، من خسف أو رجفة أو حاصب أو غرق أو موت ذريع أو نحو ذلك، ويجوز أن يكون الانتقام بالملائكة، بصيحتهم أو بصرعهم أو بقتالهم، من حيث لا يراهم الكفار، كما وقع في بدر. ﴿وَلَكِنْ﴾ أمركم بقتالهم ﴿لِيَبْلُوَ﴾ ويختبر ﴿بَعْضَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿بِبَعْضٍ﴾ آخر؛ أي: أمركم بالقتال، وبلاكم بالكافرين، لتجاهدوهم فتستوجبوا الثواب العظيم؛ بموجب الوعد، فيعلم المجاهدين في سبيله، والصابرين على ابتلائه، وبلاء الكافرين بكم ليعاجلهم على أيديكم ببعض عقوبتهم، ويتّعظ منهم من شاء بمن أهلك بأيديكم حتى ينيب إلى الحق، فالحكمة من القتال هي امتحان الناس، واختبار صبرهم على المكاره، وفي الجهاد تقوية لأبدانكم، ورقي لعقولكم، ونفاذ لكلمتكم، وجمع لشملكم بما ترون من اتحاد عدوكم، وبه ترقى الزراعة والتجارة والصناعة وجميع العلوم، إذ لا يتم حرب ولا غلبة إلا بها. ثم ذكر الله جزاء المجاهدين في سبيله، فقال: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ﴾؛ أي: استشهدوا يوم بدر، ويوم أحد وفي سائر الحروب ﴿فَلَنْ يُضِلّ﴾ الله سبحانه، ويضيع ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ بل يثيبهم عليها؛ أي: والذين جاهدوا أعداء الله في طاعة الله، وطلب مرضاته، ونصرة ما بعث الله به رسوله ﷺ من الهدى، سواء قتلوا في الجهاد أو لم يقتلوا، فلن يجعل الله أعمالهم التي عملوها في الدنيا ضائعة سدى، كما أذهب أعمال الكافرين، وجعلها عديمة الجدوى. روى أحمد عن المقدام بن معدي كرب الكندي ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: "يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: تكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوّج من الحور العين، ويأمن من الفزع

стр. 12344

الأكبر ومن عذاب القبر، ويحلَّى حلّة الإيمان". وفي "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو ﵄ وعن أبي قتادة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: "يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّين". وقرأ الجمهور (١): ﴿قُتِلُوا﴾ بألف مبنيًا للفاعل، وقرأ أبو عمرو وحفص، وقتادة والأعرج والأعمش: ﴿قتلوا﴾ مبنيًا للمفعول، والتاء خفيفة، وقرأ زيد بن ثابت والحسن وأبو رجاء وعيسى بن عمر: ﴿قُتِّلوا﴾ بالتشديد مبنيًا للمفعول، وقرأ أبو حيوة والجحدري: ﴿قَتَلوا﴾ على البناء للفاعل مع التخفيف. والمعنى على القراءة الأولى والرابعة: أنَّ المجاهدين في سبيل الله ثوابهم غير ضائع، وعلى القراءة الثانية والثالثة: أنَّ المقتولين في سبيل الله كذلك لا يضيِّع الله سبحانه أجرهم، وقرأ عليّ: ﴿فلن يضل﴾ مبنيًا للمفعول، ﴿أعمالهم﴾ بالرفع، وقرىء: ﴿يَضِلّ﴾ بفتح الياء من ضلَّ. ﴿أعمالهم﴾ بالرفع. ٥ - ثمّ فسّر ما سلف بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ في الدنيا إلى أرشد الأمور إن لم يقتلوا، وفي الآخرة إلى طريق الجنة من غير وقفة من قبورهم إلى موضع حبورهم، والظاهر: أنّ السين للتأكيد، والمعنى: يهديهم الله ألبتة إلى مقاصدهم الأخروية، وقال الحسن بن زياد: يهديهم إلى محاجة منكر ونكير ﴿وَيُصْلِحُ﴾ الله سبحانه ﴿بَالَهُمْ﴾؛ أي: حالهم، وشأنهم في الدنيا بالعصمة والتوفيق، ٦ - وفي الآخرة بأن يقبل الله أعمالهم، ويرضي خصمائهم؛ لكرامتهم على الله بالجهاد والشهادة ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ﴾ وجملة قوله: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ مستأنفة (٢) أو حالية؛ أي: عرّف الجنة، وبيَّنها لهم في الدنيا بذكر أوصافها، بحيث اشتاقوا إليها، أو بيَّنها لهم في الآخرة، بحيث يعلم كل أحد منزله ويهتدي إليه، كأنه كان ساكنه منذ خلق. وفي الحديث: "لأحدكم بمنزله في الجنة أعرف منه بمنزله في الدنيا". وقيل: إذا دخلوها .. يقال لهم: تفرَّقوا إلى منازلكم، فهم أعرف بمنازلهم في الجنة من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم، وفي "المفردات": عرَّفه جعل له عَرْفًا؛ أي:

стр. 12345

رائحة طيِّبة. فالمعنى: زيَّنها وطيَّبها لهم بأنواع الملاذ. وقال بعضهم: حدَّدها لهم، وأفرزها: من عرَّف الدار إذا حدَّدها؛ أي: جعل لها حدودًا، فجنة كل أحد محدَّدة مفرزة. وقيل: هذا التعريف بدليل يدلهم عليها، وهو الملك الموكل بالعبد، يسير بين يديه حتى يدخله منزله، كذا قال مقاتل. ومن فضائل الشهداء: أنه ليس أحد يدخل الجنة يحب أن يخرج منها، ولو أعطي ما في الدنيا جميعًا إلا الشهيد، فإنه يتمنَّى أن يردَّه الله إلى الدنيا مرارًا، فيقتل في سبيل الله كما قتل أولًا؛ لما يرى من عظيم كرامة الشهداء على الله تعالى. ومن فضائلهم: أنّ الشهادة في سبيل الله تكفّر ما على العبد من الذنوب التي بينه وبين الله تعالى، وفي الحديث: "يغفر للشهيد كلّ شيء إلا الدَّيْن". والمراد (١) بالدين: كل ما كان عليه من حقوق الآدميين، كالغصب وأخذ المال بالباطل، وقتل العمد، والجراحة، وغير ذلك من التبعات، وكذلك الغيبة والنميمة والسخرية وما أشبه ذلك، فإنّ هذه الحقوق كلها لا بدّ من استيفائها لمستحقيها، وقال القرطبي: الدين الذي يحبس صاحبه عن الجنة: هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوصِّ به، أو قدر على الأداء فلم يؤدِّه، أو ادّانه على سفه أو سرف ومات ولم يوفه، وأما من ادّان في حق واجب كفاقة وعسر، ومات ولم يترك وفاء .. فإنّ الله تعالى لا يحبسه عن الجنة شهيدًا كان أو غيره، ويقضي عنه، ويرضي عنه خصمه، كما قال ﷺ : "من أخذ أموال الناس يريد أدائها .. أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها .. أتلفه الله". ومجمل معنى الآية (٢): أي سيوفقهم الله للعمل بما يرضيه ويحبّه، ويصونهم مما يورث الضلال في الدنيا، ويصلح شأنهم في العقبى، ويتقبل أعمالهم، ويجعل لكل منهم مقرًّا في الجنة، لا يضل في طلبه. لا جرم أنّ لكل امرىء في الحياة عملًا يستوجب حالًا في الآخرة لا يتعدّاها، كما يحصل كل من نال إجازةً في علم أو صناعةٍ على عمل يشاكل

стр. 12346

إجازته في قوانين الدولة، والناس في الآخرة أشبه بأنواع السمك في البحر الملح، وأنواع الطير في جوِّ السماء، لكل منها جو لا تتعداه، هكذا لكل من الصالحين درجةٌ في الآخرة لا يتعدَّاها، بل يجد نفسه مقهورًا على البقاء فيها، كما أنّ السمك منه ما هو قريب من سطح الماء، ومنه ما يوجد تحت سطح الماء بمئات الأمتار وآلافها، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: يُهدى أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها. ٧ - ثمّ وعدهم سبحانه بنصرهم على أعدائهم إذا نصروا دينه، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: إن تنصروا دين الله ورسوله ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ الله سبحانه على أعدائكم، ويفتح لكم ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجة الإِسلام، وتثبيت الأقدام: عبارة عن النصر والمعونة في مواطن الحرب. واعلم (١): أنّ النصرة على وجهين: الأول: نصرة العبد، وذلك بإيضاح دلائل الدين، وإزالة شبهة القاصرين، وشرح أحكامه وفرائضه وسننه وحلاله وحرامه والعمل بها، ثم بالغزو والجهاد لإعلاء كلمة الله، وقمع أعداء الدين، إما حقيقة كمباشرة المحاربة بنفسه، وإما حكمًا بتكثير سواد المجاهدين بالوقوف تحت لوائهم، أو بالدعاء لنصرة المسلمين، وخذلان الكافرين بأن يقول: اللهمّ انصر من نصر الدين، واخذل من خذل المسلمين، ثم بالجهاد الأكبر، بأن يكون عونًا لله على النفس حتى يصرعها ويقتلها فلا يبقى من هواها أثر. والثاني: نصرة الله تعالى، وذلك بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإظهار

стр. 12347

الآيات والمعجزات، وتبيين السبل إلى النعيم وإلى الجحيم، والأمر بالجهاد الأصغر والأكبر، والتوفيق للسعي فيهما طلبا لرضاه، لا تبعًا لهواه. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَيُثَبِّتْ﴾ مشدّدًا، وقرأ المفضل عن عاصم: مخفّفًا، من أثبت الرباعي من باب أفعل. ٨ - وبعد أن ذكر سبحانه جزاء المجاهدين. أعقبه بجزاء الكافرين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله، مبتدأ خبره محذوف دلّ عليه قوله: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ ودخلت الفاء تشبيهًا للمبتدأ بالشرط، وانتصاب ﴿تعسًا﴾ على المصدر بالفعل المقدر خبرًا، و ﴿اللام﴾ فيه: للبيان، كسقيًا لهم، ورعيًا، ولذلك عطف عليه الفعل في قوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ والفعل منه، كمنع وسمع، كما سيأتي، يقال: تعسه الله وأتعسه، والتقدير: والذين كفروا بالله ورسوله، وجحدوا توحيده فَتَعِسَهُم الله تعسًا؛ أي: أذلَّهم الله إذلالًا، وأخزاهم خزيًا، وأهلكهم إهلاكًا، وأبطل أعمالهم، وجعلها على غير هدًى واستقامةٍ؛ لأنها عُمِلت للشيطان، لا طاعة للرحمن. ٩ - ثم بيَّن سبب ذلك الإضلال، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من التعس وإضلال الأعمال ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: بسبب أنهم ﴿كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ تعالى من القرآن لما فيه من التوحيد، وسائر الأحكام المخالفة لما ألفوه، واشتهته أنفسهم الأمّارة بالسوء ﴿فَأَحْبَطَ﴾ الله سبحانه ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ لأجل ذلك؛ أي: أبطلها وجعلها من الأعمال التي لا تزكو ولا يعتد بها، كرّره إشعارًا بأنه يلزم الكفر بالقرآن، ولا ينفك عنه بحال، والمراد بالأعمال: طواف البيت، وعمارة المسجد الحرام، وإكرام الضيف، وإغاثة الملهوفين، وإعانة المظلومين، ومواساة اليتامى والمساكين، ونحو ذلك مما هو على صورة البرّ، وذلك بالنسبة إلى كفار قريش، وقس عليهم أعمال سائر الكفرة إلى يوم الدين. والمعنى (٢): أي ذلك الذي فعلنا بهم من التعس، وإضلال الأعمال، من

стр. 12348

أجل أنهم كرهوا كتابنا الذي أنزلناه على نبينا محمد ﷺ ، فكذَّبوا به، وقالوا: هو سحر مبين، فمن ثم أحبط الله أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وأصلاهم سعيرًا. وقصارى ذلك: أنَّ كل ما عملوه في الدنيا من صالح الأعمال فهو باطل؛ لعدم الإيمان الذي هو أساس قبول الأعمال. ١٠ - ثم خوف سبحانه الكفار، وأرشدهم إلى الاعتبار بحال من قبلهم، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أُقعدوا في أماكنهم فلم يسيروا؛ أي: كفار مكة في الأرض إلى جانب الشام واليمن والعراق ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم المكذبة: كعاد، وثمود وأهل سبأ، فإن آثار ديارهم تنبىء عن أخبارهم؛ أي: كيف كان آخر أمرهم من الدمار بسبب تكذيبهم رسلهم. والمعنى (١): أي أفلم يسر هؤلاء المكذبون بمحمد ﷺ ، المنكرون ما أنزلناه عليه من الكتاب في نواحى الأرض، وأرجائها، فيروا نقمة الله التي أحلَّها بالأمم الغابرة، والقرون الخالية، حين كذبوا رسلهم، كعاد وثمود، ويتعظوا بذلك، ويحذروا أن نفعل بهم كما فعلنا بمن قبلهم. ثم ذكر ما فعله بهم، فقال: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يقال: دمّره: أهلكه، ودمّر عليهم: أهلك ما يختص به، قال الطيبي: كأنَّ في ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ تضمين معنى أطبق، فعدَّى بعلى، فإذا أطبق عليهم دمارًا .. لم يخلص مما يختص بهم أحدٌ، وفي "حواشي سعدي المفتي": ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أوقع التدمير عليهم. وجملة ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: مستأنفة (٢) استئنافًا بيانيًا، نشأ عن سؤال مقدر، كأنه قيل: كيف كان عاقبتهم؟ فقيل: استأصل الله عليهم ما اختص به من أنفسهم وأهليهم وأموالهم.

стр. 12349

والمعنى: أي أهلك ما يختص بهم من الأهل والأولاد والأموال، أفلا يعتبر هؤلاء بما حلّ بمن قبلهم، فيعلموا أنّ ما حاق بهم من سوء المنقلب لا بد أن يحلّ بهم مثله، بحسب ما وضعه سبحانه من السنن في الأمم المكذبة لرسلها، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، وهذا ما عناه سبحانه بقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: ولهؤلاء الكافرين السائرين بسيرتهم؛ يعني: كفار مكة ﴿أَمْثَالُهَا﴾؛ أي: أمثال هذه العاقبة التي ترون آثارها إن لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وبما جاء به من عند الله تعالى، أو أمثال عقوبتهم، لكن لا على أنَّ لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافه، بل مثله، وإنما جمع باعتبار مماثلته لعواقب متعددة حسب تعدد الأمم المعذَّبة، قال الزجاج (١) وابن جرير: الضمير في ﴿أَمْثَالُهَا﴾ يرجع إلى عاقبة الذين من قبلهم، وإنما جمع لما مرّ آنفًا، وقيل: أمثال العقوبة، وقيل: أمثال الهلكة، وقيل: أمثال التدميرة، والأول أولى؛ لرجوع الضمير إلى ما هو مذكور قبله، وقيل: المعنى (٢): ولقوم محمد أمثال تلك العاقبة، فأهلكوا بأيدي أمثالهم، الذين كانوا لا يرضون بمجالستهم، وأسروا بأيدي من كانوا يستضعفونهم، وذلك الألم من الهلاك بسبب عام، فهو أخف من هذا. ١١ - ثم بين السبب في حلول أمثال هذه العاقبة بهم، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ثبوت أمثال عقوبة الأمم السابقة لهؤلاء، وقال بعضهم: ذلك المذكور من كون المؤمنين منصورين ظافرين، ومن كون الكافرين مقهورين مدمَّرين ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: بسبب أنه تعالى ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ناصرهم على أعدائهم في الظاهر والباطن بسبب إيمانهم. وقرأ ابن مسعود (٣): ﴿ذلك بأنّ اللَّه وليُّ الذين آمنوا﴾. ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ أي: وبسبب أنّ الكافرين لا ناصر لهم، فيدفع عنهم العذاب الحال بهم بسبب كفرهم، فالمراد: (٤) ولاية النصرة لا ولاية العبودية، فإنَّ الخلق كلهم عباده

стр. 12350

تعالى، فنفي المولى عنهم هنا لا يعارض إثباته في قوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾؛ لأنّ المراد به هناك: المالك لأمورهم، المتصرف في شؤونهم، أو المعنى: لا مولى لهم في اعتقادهم حيث يعبدون الأصنام، وإن كان مولاهم الحق تعالى في نفس الأمر. ومعنى الآية (١): ذلك الذي فعله بهم من التدمير والهلاك، ونصر المؤمنين، وإظهارهم عليهم، بسبب أنّ الله ولي من آمن به، وأطاع رسوله، وأنّ الكافرين لا ناصر لهم فيدفع ما حلّ بهم من العقوبة والعذاب. ١٢ - وبعد أن بيّن حال المؤمنين والكافرين في الدنيا .. بيّن حالهم في الآخرة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ذا الجلال والإكرام ﴿يُدْخِلُ﴾ يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ به، وصدّقوا رسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: الأعمال الصالحة ﴿جَنَّاتٍ﴾ وبساتين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة الآتية، كرامةً لهم على إيمانهم بالله، ورسوله واليوم الآخر، وهذا بيان لحكم ولايته تعالى للمؤمنين، وثمرتها الأخروية. قال الإِمام الرازي (٢): كثيرًا ما يقتصر الله سبحانه على ذكر الأنهار في وصف الجنة؛ لأنّ الأنهار يتبعها الأشجار، والأشجار تتبعها الثمار، والماء سبب حياة العالم، والنار سبب الإعدام. وللمؤمن الماء ينظر إليه، وينتفع به، وللكافر النار يتقلب فيها، ويتضرّر بها. انتهى. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا بالله، وكذّبوا رسوله ﴿يَتَمَتَّعُونَ﴾؛ أي: ينتفعون في الدنيا بمتاعها أيامًا قلائل، ويعيشون ﴿وَيَأْكُلُونَ﴾ من طيّباتها، حريصين غافلين عن عواقبهم ﴿كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ والبهائم في مسارحها، ومعالفها، غافلة عمّا هي بصدده من النحر والذبح ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾؛ أي: والحال أنّ النار الأخروية منزل ثواء وإقامةٍ، وخلودٍ لهم، والجملة إما حال مقدرة من واو ﴿يأكلون﴾، أو مستأنفة.

стр. 12351

ومعنى الآية: أي والذين جحدوا توحيد الله، وكذّبوا رسوله ﷺ ، يتمتعون في هذه الدنيا بحطامها ورياشها وزينتها الفانية، ويأكلون فيها غير مفكرين في عواقبهم، ومنتهى أمورهم، ولا معتبرين بما نصب الله لخلقه في الآفاق والأنفس من الحجج المؤدِّية إلى معرفة توحيده، وصدق رسوله، فمثلهم مثل البهائم، تأكل في معالفها ومسارحها، وهي غافلة عمَّا هي بصدده من النحر والذبح، فكذلك هؤلاء يأكلون، ويتلذَّذون بمتاع الدنيا، وينتفعون به كأنهم أنعام، ليس لهم هَمٌّ إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عن العاقبة، لاهون بما هم فيه، ونار جهنم مسكن ومأوى لهم، يصيرون إليها بعد مماتهم. والخلاصة: أنّ المؤمنين عرفوا أنَّ نعيم الدنيا ظل زائل، فتركوا الشهوات، وتفرَّغوا للصالحات، فكانت عاقبتهم النعيم المقيم في مقام كريم، وإنّ الكافرين غفلوا عن ذلك، فرتعوا في الدمن كالبهائم، حتى ساقهم الخذلان إلى مقرهم من تلك النيران، أعاذنا الله منها. فإن قلت (١): كيف التقابل بينه وبين قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ ....﴾ إلخ. قلت - والله أعلم -: الآية من قبيل الاحتباك، ذكر الأعمال الصالحة، ودخول الجنة أولًا، دليلًا على حذف الفاسدة، ودخول النار ثانيًا، وذكر التمتع والمثوى ثانيًا، دليلًا على حذف التمتع والمأوى أولًا. قال القشيري: الأنعام تأكل بلا تمييز من أي موضع وجد، كذلك لا تمييز له، أمن الحلال وجد أم من الحرام، وكذلك الأنعام، ليس لها وقت، بل في كل وقت تقتات وتأكل، كذلك الكافر أكول، كما قال ﷺ : "الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد". ١٣ - وبعد أن ضرب لهم المثل بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ولم يعتبروا، وذكر لهم ما تقدّم من الأدلَّة على وحدانيته، ضرب المثل لنبيه تسلية له على ما يلاقي من عنت قومه وجحودهم، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ كلمة مركبة من الكاف وأيّ،

стр. 12352

بمعنى كم الخبرية، قال المولى الجامي في "شرح الكافية": إنما (١) بني كأيّن؛ لأنه كاف التشبيه دخلت على أيّ، وأيُّ في الأصل: كان معربًا، لكنَّه انمحى عن الجزئين معناهما الإفرادي، فصار المجموع كاسم مفرد بمعنى كم الخبرية، فصار كأنه اسم مبني على السكون، آخره نون ساكنة كما في "من" لا تنوين تمكن، ولهذا يكتب بعد الياء نون مع أنَّ التنوين لا صورة له في الخط، انتهى. ومحلها الرفع بالابتداء ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: تمييز لها ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ﴾ صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾ ﴿الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ صفة لـ ﴿قَرْيَتِكَ﴾ وهي مكة. وقد حذف منهما المضاف وأجري أحكامه عليهما، كما يفصح عنه الخبر الذي هو قوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾. ومعنى الآية: وكم من أهل قرية هم أشد قوّةً من أهل قريتك الذي أخرجوك منها، ووصف (٢) القرية الأولى بشدة القوة للإيذان بأولوية الثانية منها بالإهلاك لضعف قوّتها، كما أنَّ وصف الثانية بإخراجه ﷺ للإيذان بأولويَّتها به لقوة جنايتها ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ فبالأولى من هو أضعف منهم، وهم: قريش الذين هم أهل قرية النبيّ ﷺ ، وهي: مكة، قال مقاتل: أهلكناهم بالعذاب حين كذّبوا رسولهم، وجملة قوله: ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾: بيانٌ لعدم خلاصهم من العذاب بواسطة الأعوان والأنصار، إثر بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم، و ﴿الفاء﴾: لترتيب ذكر ما بالغير على ذكر ما بالذات، وهو حكاية حال ماضية. ومعنى الآية (٣): أي وكثير من الأمم التي كان أهلها أشد بأسًا، وأكثر جمعًا، وأعدّ عديدًا من أهل مكة الذين أخرجوك أهلكناهم بأنواع العذاب، ولم يجدوا ناصرًا ولا معينًا يدفع عنهم بأسنا وعذابنا، فاصبر كما صبر قبلك أولو العزم من الرسل، ولا تبْخَع نفسك عليهم حسرات، فالله مظهرك عليهم، ومهلكهم كما أهلك من قبلم إن لم ينيبوا إلى ربهم، ويثوبوا إلى رشدهم، وغير خافٍ ما في هذا من التهديد الشديد، والوعيد الأكيد لأهل مكة.

стр. 12353

١٤ - ثم ذكر الفارق بين حالي المؤمنين والكافرين، والسبب في كون هؤلاء في أعلى علّيين، وأولئك في أسفل سافلين، فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ و ﴿الهمزة﴾ فيه: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف يقتضيه المقام، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ (١): عبارةٌ عن المؤمنين المتمسكين بأدلّة الدين، والتقدير: أليس الأمر كما ذكر، فمن كان مستقرًا على حجة ظاهرة، وبرهان نيرٍ من مالك أمره ومربيه، وهو القرآن، وسائر المعجزات، والحجج العقلية ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ من الشر وسائر المعاصي مع كونه في نفسه أقبح القبائح، والمعنى: لا مساواة بين المهتدي والضالّ. ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ بسبب ذلك التزيين ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ الزائغة، وانهمكوا في فنون الضلالات من غير أن يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه، فضلًا عن حجة تدل عليها، وجمع الضمير باعتبار معنى ﴿مِنْ﴾، كما أنّ إفراد الأولين باعتبار لفظها، وقرىء: (٢) ﴿أَمَنْ كَانَ﴾ بغير فاء. ومعنى الآية (٣): أي أفمن كان على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه بما أنزله في كتابه من الهدى، والعلم وبما فطره الله عليه من الفطرة السليمة، فهو على علم بأنَّ له ربًّا يجازيه على طاعته إيّاه بالجنة، وعلى إساءته ومعصيته إياه بالنار، كمن حسَّن له الشيطان قبيح عمله، وأراه إيَّاه جميلًا، فهو على العمل به مقيم، وعلى السير على نهجه دائب، واتبع هواه، وجمحت به شهواته، فطفق يعدو في المعاصي ويخبُّ فيها، ويضع غير ملتفت إلى واعظ أو زاجرٍ. والخلاصة: أيستوي الفريقان: من كان ثابتًا على حجة بينة من عند ربّه، وهي كتابه الذي أنزله على رسوله، وسائر الحجج التي أقامها في الآفاق والأنفس، ومن زيَّن له الشيطان سيّء أعماله من الشرك وسائر المعاصي، كإخراجك من قريتك، واتباع هواه من غير أن يكون له شبهة يركن إليها تعاضد ما

стр. 12354

يدِّعيه، وتطمئن إليها نفسه في الدفاع عمّا يدين به، كلاهما لا يستويان، ونحو الآية قوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾، وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ١٥ - ثمّ لمّا بيّن سبحانه الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال .. بيَّن الفرق في مرجعهما ومآلهما، فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾؛ أي: صفة الجنة التي وعدها الله سبحانه من اتقى عقابه، فأدَّى فرائضه، واجتنب نواهيه ما ستسمعونه بعد، وعبَّر (١) عن المؤمنين بالمتقين؛ إيذانًا بأنَّ الإيمان والعمل الصالح من باب التقوى، الذي هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها، وترك السيئات عن آخرها، ومثلها وصفها العجيب الشأن، وهو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: مثل الجنة الموعودة للمؤمنين، وصفتها العجيبة الشأن ما تسمعون فيما يتلى عليكم، وقوله: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة الموعودة إلى اخره مفسر له ﴿أَنْهَارٌ﴾ جمع نهر، وهو: مجرى الماء الفائض كما سيأتي؛ أي: فيها أنهار جارية ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾؛ أي: غير متغير الطعم والرائحة واللون، وإن طالت إقامته، بخلاف ماء الدنيا؛ فإنه يتغير بطول المكث في مناقعه وفي أوانيه، مع أنه مختلف الطعوم مع اتحاد الأرض ببساطتها، وشدة اتصالها، وقد يكون متغيرًا بريح منتنة من أصل خلقته، أو عارضٍ عرض له من منبعه أو مجراه. كذا في "المناسبات". يقول الفقير (٢): قد صحَّ أنّ المياه كلها تجري من تحت الصخرة التي في المسجد الأقصى، فهي ماء واحد في الأصل، عذب فرات سائغ للشاربين، وإنما يحصل التغير من المجاري، فإنّ طباعها ليست متساوية، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ وتجاور أجزائها لا يستلزم اتحادها في نفس الأمر، بل هي متجاورة مختلفة، ومثلها العلوم، فإنها إذا مرت بطبع غير مستقيم تتغير عن أصلها، فتكون في حكم الجهل، ومن هذا القبيل علوم جميع أهل الهوى، والبدع والضلال والخرافات.

стр. 12355

وقرأ الجمهور (١): ﴿آسِنٍ﴾ بالمد على وزن فاعل كضارب، من أسن يأسن، كضرب يضرب، وقرأ حميد، وابن كثير وأهل مكة: ﴿أسِنٍ﴾ بالقصر على وزن فعل، من أسن ياسن كحذر يحذر، وهما سبعيتان، وقرىء: ﴿ياسِنٍ﴾ بالياء، قال أبو علي: وذلك على تخفيف الهمز. ﴿وَ﴾ فيها ﴿أَنْهَارٌ﴾ جارية ﴿مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ كألبان الدنيا بأن كان قارصًا، وهو: الذي يقرص اللسان ويقبضه، أو حازرًا بتقديم الزاي وهو: الحامض، أو غير ذلك؛ لأنه لم يخرج من ضروع الإبل، والغنم والبقر. والمعنى: لم يتغير طعمه بنفسه عن أصل خلقته، ولو أنهم أرادوا تغييره بشهوةٍ اشتهوها تغيَّر، وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم، وذلك تركه ﴿و﴾ فيها ﴿أَنْهَار﴾ جارية ﴿مِنْ خَمْرٍ﴾ وهو: ما أسكر من عصير العنب، أو عام؛ أي: لكل مسكرِ، كما في "القاموس" ﴿لَذَّةٍ﴾؛ أي: لذيذة ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾؛ أي: ليس فيها حموضة ولا غضاضة، ولا مرارة، ولم تدنسها الأرجل بالدوس ولا الأيدي بالعصر، وليس في شربها ذهاب عقل، ولا صداع، ولا آفة من آفات خمر الدنيا، وإنّما هي لتلذذ محض. وقرأ الجمهور (٢): ﴿لَذَّة﴾ بالجر، على أنه صفة لـ ﴿خَمْرٍ﴾ وقرىء بالرفع على أنه صفة لـ ﴿أَنْهَارٌ﴾ وبالنصب على أنه مصدر، أو مفعول لأجله؛ أي: لأجل لذّة له ﴿و﴾ فيها ﴿أَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أي: من عسل قد صفي من القذى، وما يكون في عسل أهل الدنيا قبل التصفية من السمع وفضلات النحل وغيرها؛ أي: خلقه الله تعالى: مصفى، لا أنه كان مختلطًا فصفي. قال بعضهم: (٣) الفرق بين الخالص والصافي: أن الخالص ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، والصافي قد يقال لما لا شوب فيه، والعسل: لعاب النحل وقيئه، كما قال ظهير الفارابي، وقال الدميري في: "حياة الحيوان": وبالجملة

стр. 12356

فإنَّه يخرج من بطون النحل، ولا ندري أمن فمها أم من غيره، وقد سبق جملة النقل فيه في سورة النحل. وبدىء بالماء (١) في الذكر؛ لأنه لا يستغنى عنه في الدنيا، ثم باللبن؛ لأنه يجري مجرى المطعوم لكثير من العرب في غالب أوقاتهم، ثم بالخمر؛ لأنه إذا حصل الري والشبع .. تشوفت النفس لما يستلذ به، ثم بالعسل؛ لأنَّ فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم. أخرج أحمد، والترمذي، وصحَّحه، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي عن معاوية بن حيدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأزهار منها بعد". فإن قيل (٢): ما الحكمة في قوله تعالى في الخمر: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾؟ ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين، ولا قال في العسل: مصفّى للناظرين؟ أجاب الرازي: بأنَّ اللذّة تختلف باختلاف الأشخاص، فرب طعام يتلذذ به شخص ويعافه الآخر، فلذلك قال: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ بأسرها، ولأنّ الخمر كريهة الطعم في الدنيا، فقال: لذّة؛ أي: لا يكون في خمر الآخرة كراهة طعم، وأمَّا الطعم واللون .. فلا يختلفان باختلاف الناس، فإنّ الحلو، والحامض وغيرهما، يدركه كل أحدٍ، لكن قد يعافه بعض الناس، ويلتذ به البعض مع اتفاقهم أنَّ له طعمًا واحدًا، وكذلك اللبن، فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة. اهـ. "خطيب". وقال صاحب "الروح" (٣): وبدأ بانهار الماء لغرابتها في بلاد العرب، وشدّة حاجتهم إليها، ولما كان خلوها عن تغير أغرب .. نفاه بقوله: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾. ولمَّا كان اللبن أقل فكان جريه أنهارًا أغرب .. ثنى به، ولما كان الخمر أعز .. ثلث به، ولما كان العسل أشرفها، وأقلها .. ختم به. انتهى.

стр. 12357

﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: للمتقين ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة الموعودة مع ما فيها من فنون الأنهار صنف ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ على وجه لا حاجة معه من قلة، ولا انقطاع. وقيل: لهم فيها زوجان من كل الثمرات أخذًا من قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾. وفي ذكر (١) الثمرات بعد المشروب، إشارةٌ إلى أنَّ مأكول أهل الجنة للذة لا لحاجةٍ، فلهذا ذكر الثمار بعد المشروب؛ لأنها للتفكه واللذة. ﴿وَ﴾ لهم فيها ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ عظيمة كائنة ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: المحسن إليهم بمحو ذنوبهم السالفة أعيانها وآثارها، بحيث لا يخشون لها عاقبة بعقاب ولا عتاب، وإلا لتنغص العيش عليهم، قال في "فتح الرحمن": قوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عطف على الصنف المحذوف؛ أي: ونعيم أعطته المغفرة وسببته، وإلا فالمغفرة قبل دخول الجنة. وفي "الخازن": فإن قلت: المؤمن المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة، فكيف يكون فيها المغفرة؟. قلت: ليس بلازم أن يكون المعنى: ولهم مغفرة فيها؛ لأنّ الواو لا تقتضي الترتيب، فيكون المعنى: ولهم فيها من كل الثمرات، ولهم مغفرة قبل دخولهم فيها، وقيل (٢): معنى ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: رفع تكليفٍ عنهم، فيأكلون ويشربون من غير حساب ولا عقاب، ورفع قبيح ومكروه، فلا يحتاجون إلى غائط، ولا يمرضون بسبب تناول المأكولات والمشروبات، بخلاف الدنيا، فإنّ للأكل توابع ولوازم لا بدّ منها. وقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ (٣) لمبتدأ محذوف، تقديره أمن هو خالد في هذه الجنة حسبما جرى به الوعد الكريم، كمن هو خالد في النار التي لا يطفأ لهيبها، ولا يفك أسيرها، ولا يونس غريبها، كما نطق به قوله تعالى: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾؛ أي: ليس هؤلاء كاولئك، فليس من هو في الدرجات العلى

стр. 12358

كمن هو في الدركات السفلى، وقوله: ﴿وَسُقُوا﴾: بدل ما ذكر من أشربة أهل الجنة ﴿مَاءً حَمِيمًا﴾؛ أي: بالغًا نهاية الحرارة ﴿فَقَطَّعَ﴾ بحرارته ﴿أَمْعَاءَهُمْ﴾؛ أي: مصارينهم، معطوف على الصلة عطف جملة فعلية على اسمية، لكنه راعى في الأول لفظ ﴿مَن﴾، وفي الثانية معناها، والحميم: الماء الحار الشديد الغليان، فإذا شربوه .. قطع أمعاءهم لفرط حرارته، والأمعاء: جمع معي، وهي ما في البطون من الحوايا، كما سيأتي في مبحث اللغة. قيل: إذا دنا نهم .. شوى وجوههم، وانمازت فروة رؤوسهم؛ أي: انعزلت وانفرزت، فإذا شربوا .. قطع أمعاءهم، فخرجت من أدبارهم، فانظر بالاعتبار أيها الغافل عن القهار، هل يستوي الشراب العذب البارد، والماء الحميم المر؟. وإنما ابتلاهم الله بذلك؛ لأن قلوبهم كانت خالية عن العلوم والمعارف الإلهية، ممتلئة بالجهل والغفلة. ١٦ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي (١): ومن هؤلاء الكفار الذين يتمتّعون، ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ يا محمد، وهم: المنافقون، أفرد الضمير باعتبار لفظ ﴿من﴾، وجمع في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ باعتبار معناها. والمعنى: أنّ المنافقين كانوا يحضرون مواقف وعظ رسول الله ﷺ ، ومواطن خطبه التي يصليها على المسلمين، حتى إذا خرجوا من عنده ﷺ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: المنافقون على طريق الاستهزاء، وإن كان بصورة الاستعلام ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ يعني: علماء الصحابة: كعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء ﵃ ﴿مَاذَا قَالَ﴾ محمد ﴿آنِفًا﴾؛ أي: في الساعة الماضية القريبة منّا قبل خروجنا في وعظه؛ أي؛ في أول وقتٍ يقرب منّا. والمعنى: أنا لم نلتفت إلى قوله؛ لأنّه كلام ساقط، فماذا قال حين تكلم؟ والمعنى: ماذا قال قبيل هذا الوقت؟

стр. 12359

وقرأ الجمهور (١): ﴿آنِفًا﴾ على وزن فاعل، وابن كثير: ﴿آنِفًا﴾ على وزن فعل. والمعنى (٢): أي ومن الناس منافقون يستمعون، فلا يعون ما تقول، ولا يفهمون ما تتلوا عليهم من كتاب ربك، تغافلًا عما تدعوهم إليه من الإيمان، حتى إذا خرجوا من عندك .. قالوا لمن حضر مجلسك من أهل العلم بكتاب الله: ماذا قال محمد قبل أن نفارق مجلسه؟ وما مقصدهم من ذلك إلا السخرية والاستهزاء بما يقول، وأنه مما لا ينبغي أن يؤبه به، أو يلقى لمثله سمع. روى مقاتل: أنَّ النبي ﷺ كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من المسجد. سألوا عبد الله بن مسعود استهزاءً، ماذا قال محمد آنفًا؟ قال ابن عباس: وقد سئلت فيمن سئل. ثم بين سبب استهزائهم، وتهاونهم بما سمعوا، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ المنافقون القائلون ما ذكر التاركون اتباع الحق، وهم: ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ﴾ وختم ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وأماتها، فلم يؤمنوا، ولا توجهت قلوبهم إلى شيء من الخير ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ الباطلة، وشهواتهم العاطلة في الكفر والعناد، فلذلك فعلوا ما فعلوا مما لا خير فيه. أي (٣): هؤلاء الذين هذه صفتهم هم الذين ختم الله على قلوبهم، فلا يهتدون للحق الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، واتّبعوا شهواتهم، وما دعتهم إليه أنفسهم، فلا يرجعون إلى حجة ولا برهان. ١٧ - ثمّ ذكر سبحانه أضداد هؤلاء بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ إلى طريق الحق والخير، فآمنوا بالله، وعملوا بما أمرهم الله به ﴿زَادَهُمْ﴾ الله سبحانه ﴿هُدًى﴾ ورشادًا بالتوفيق والإلهام، وقيل: زادهم النبيّ ﷺ ، وقيل: زادهم القرآن، وقال الفرَّاء: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى، وقيل: زادهم نزول الناسخ

стр. 12360

هدى، وعلى كل تقدير فالمراد: أنه زادهم إيمانًا وعلمًا وبصيرة في الدين. ﴿وَآتَاهُمْ﴾ الله ، وأعطاهم ﴿تَقْوَاهُمْ﴾ وخشيتهم منه تعالى؛ أي: ألهمهم إياها، وأعانهم عليها. والمعنى: والذين اهتدوا بالإيمان، واستماع القرآن زادهم الله تعالى على اهتدائهم هدى، وبصيرة، وعلمًا، وشرح صدورهم، وألهمهم رشدهم، وأعانهم على تقواه، حتى ارتقوا من درجة المهتدين إلى درجة الهادين، وخلق الله فيهم كمال التقوى، فلا يخافون لومة لائم، ويتنزه العارفون عما يشغل أسرارهم عن الحق، ويتبتَّلون إليه تعالى. ١٨ - ثم بين أنهم في غفلة عن النظر والتأمل في عاقبة أمرهم، فقال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: المنافقون والكافرون ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾؛ أي: القيامة، سميت ساعة لسرعة قيامها، والاستفهام فيه: إنكاري؛ أي: ما ينتظرون إلا القيامة ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأةً، بدل اشتمال من الساعة؛ أي: أن تباغتهم بغتةً. والمعنى (١): أنهم لا يتذكَّرون بذكر أحوال الأمم الخالية، ولا بالإخبار بإتيان الساعة، وما فيها من عظائم الأمور، وما ينتظرون للتذكر إلا إتيان نفس الساعة بغتةً وفجأة ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ تعليل لمفاجأتها، لا لإتيانها مطلقًا، على معنى إنه لم يبق من الأمور الموجبة للتذكر أمر مرتقب ينتظرونه، سوى إتيان نفس الساعة بغتةً؛ لأنّه قد جاء أشراطها، وأماراتها التي منها بعثة محمد ﷺ ، وانشقاق القمر، فلم يرفعوا لها رأسًا، ولم يعدوها من مبادي إتيانها، فيكون إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾؛ أي (٢): فمن أين لهم التذكر والتوبة إذا جاءتهم الساعة فجأة؟؛ أي: لا تنفعهم الذكرى، إذ لا تقبل التوبة، ولا يحسب الإيمان حينئذٍ، حكم بخطئهم وفساد رأيهم في تأخير التذكر إلى إتيانها ببيان استحالة نفع التذكر حينئذٍ، و ﴿فَأَنَّى﴾: خبر مقدم، و ﴿ذِكْرَاهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿إذَا جَاءَتْهُمْ﴾: اعتراض وسط بينهما؛ رمزًا إلى غاية سرعة مجيئها،
следующие страницы →