﴿إِذَا﴾: لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرطها وجوابها: في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ الجارة المتعلقة بمحذوف، تقديره: وعاش إلى قوله: رب أوزعني وقت بلوغه أشده، وبلوغه أربعين سنة. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿أَوْزِعْنِي﴾: فعل دعاء مبني على السكون، وفاعله: ضمير يعود على الله، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به أول، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أَشْكُرَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر. ﴿نِعْمَتَكَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿أَوْزِعْنِي﴾ تقديره: رب أوزعني شكر نعمتك. ﴿الَّتِي﴾: صفته لـ ﴿نِعْمَتَكَ﴾. ﴿أَنْعَمْتَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: أنعمتها. ﴿عَلَيَّ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْعَمْتَ﴾. ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾: معطوف على ﴿عَلَيَّ﴾، ﴿وَأَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أن أعمل﴾: ناصب ومنصوب وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾؛ أي: وعملي. ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، أو صفة لمصدر محذوف، وجملة ﴿تَرْضَاهُ﴾: صفة لـ ﴿صَالِحًا﴾. ﴿وَأَصْلِحْ﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على ﴿أَوْزِعْنِي﴾. ﴿لِي﴾: متعلق بـ ﴿أصلح﴾، ﴿في ذُرِّيَّتِي﴾: متعلق بـ ﴿أصلح﴾ أيضًا؛ أي: واجعل لي الصلاح في ذريتي راسخًا فيهم. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تُبْتُ﴾ خبر، ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿تُبْتُ﴾ وجملة ﴿إِنّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل الدعاء المذكور قبله، وجملة ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: معطوفة على جملة ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ في أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. وجملة ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾: صلة الموصول. ﴿أَحْسَنَ﴾: مفعول به. و ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، وجملة ﴿عَمِلُوا﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾: مصدرية؛ أي: أحسن عملهم. ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾: معطوف على ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ داخل في حيز الصلة. ﴿عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. متعلق بـ ﴿نتجاوز﴾. ﴿في أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾: حال من
стр. 12287
الموصول؛ أعني: الذين نتقبل عنهم. ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾: منصوب بفعله المقدر؛ أي: وعدهم الله وعد الصدق؛ أي: وعدًا صادقًا لا خلف فيه، وهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة. ﴿الَّذِي﴾: صفة لوعد الصدق. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يُوعَدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾: صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: يوعدونه ﴿وَالَّذِي﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿الذي﴾، مبتدأ، وجملة ﴿قَالَ﴾: صلته. ﴿لِوَالِدَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، ﴿أُفٍّ﴾: اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، مبني على الكسر لشبهه بالحرف شبهًا استعماليًا، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: أنا وجملة اسم الفعل: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾: ﴿لَكُمَا﴾: متعلق بـ ﴿أُفٍّ﴾.
﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾.
﴿أَتَعِدَانِنِي﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿تعدان﴾: فعل مضارع مرفوع بثبات النون، والألف: فاعل، والنون: للوقاية، والياء: مفعول أول له، والجملة الاستفهامية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾: ناصب وفعل مغير ونائب فاعل مستتر، والجملة: في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿تعدانني﴾؛ أي: تعدانني خروجي من القبر. ﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿خَلَتِ الْقُرُونُ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِي﴾: متعلق بـ ﴿خَلَتِ﴾، والجملة: في محل النصب حال من نائب ﴿أُخْرَجَ﴾، ﴿وَهُمَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿همام﴾: مبتدأ. ﴿يَسْتَغِيثَانِ اللهَ﴾: فعل وفاعل، ومفعول به، والجملة: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من ﴿والديه﴾. ﴿وَيْلَكَ﴾: منصوب على المصدرية بفعل مقدر من معناه لا من لفظه؛ لأنّ العرب أماتوا لفظ فعله، تقديره: هلكت ويلك؛ أي: هلاكك، أو مفعول به لفعل محذوف تقديره: ألزمك الله ويلك، والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من فاعل ﴿يَسْتَغِيثَانِ﴾، تقديره: وهما يستغيثان الله حال كونهما قائلين: ويلك آمن. ﴿آمِنْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على الولد، والجملة الفعلية: من تتمّة مقولهما. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾: ناصب
стр. 12288
واسمه وخبره، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب من تتمّة قولهما، مسوقة لتعليل الأمر بالإيمان. ﴿فَيَقُولُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على القول المحذوف. ﴿يقول﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الولد. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر ﴿أَسَاطِيرُ﴾: خبر. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: مضاف إليه، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لـ ﴿يقول﴾، وجملة ﴿يقول﴾: معطوفة على جملة يقولان المحذوف.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان. ﴿الَّذِينَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل الرفع خبر لقوله السابق: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾. والجمع هنا باعتبار المعنى. ﴿حَقَّ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به. ﴿الْقَوْلُ﴾: فاعل، والجملة: صلة الموصول. ﴿في أُمَمٍ﴾ حال من الضمير المجرور بـ ﴿على﴾؛ أي: حال كونهم كائنين في عداد أمم. وجملة ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: صفة لـ ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَتْ﴾ ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾: حال من فاعل ﴿خَلَتْ﴾، أو صفة لـ ﴿أُمَمٍ﴾، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾: وجملة ﴿إن﴾ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلِكُلٍّ﴾: خبر مقدم. ﴿دَرَجَاتٌ﴾: مبتدأ مؤخو، والجملة: مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾: صفة لـ ﴿دَرَجَاتٌ﴾ وجملة ﴿عَمِلُوا﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل. ﴿يُوَفِّيَهُمْ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله: ضمير يعود على الله، و ﴿الهاء﴾: مفعول أول. ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: ولتوفيته إياهم أعمالهم، والجار والمجرور: متعلقان بمعلول محذوف، والمعلول المحذوف، معطوف على مقدر تقديره: فعل بهم ما فعل، ليعدل بينهم، وجازاهم بما ذكر، ليوفيهم أعمالهم. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب حال مؤكدة من ضمير ﴿يوفيهم﴾.
стр. 12289
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يوم﴾: ظرف متعلق بمحذوف، تقديره: يقال لهم يوم عرضهم على النار: أذهبتم، والقول المحذوف: مستأنف. ﴿يُعْرَضُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿الَّذِينَ﴾: نائب فاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾. ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول ﴿عَلَى النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿يُعْرَضُ﴾، ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿طَيِّبَاتِكُمْ﴾: مفعول به. ﴿في حَيَاتِكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الحياة﴾، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول للقول المحذوف. ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾: معطوف على ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾، ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿استمتعتم﴾. ﴿فَالْيَوْمَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿اليوم﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾ و ﴿تُجْزَوْنَ﴾: فعل مضارع ونائب فاعل، والجملة: معطوفة على ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾. ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾: مفعول به ثان. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾: خبره، ﴿في الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿وَبِمَا﴾: معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾، وجملة ﴿كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾: في الموضعين موصوفةً أو مصدرية.
﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، ومفعول به، والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان قصة عاد قوم هود. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب بدل اشتمال من ﴿أَخَا عَادٍ﴾. ﴿أَنْذَرَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿أَخَا عَادٍ﴾. ﴿قَوْمَهُ﴾: مفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿بِالْأَحْقَافِ﴾: حال من ﴿قَوْمَهُ﴾. ﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: اعتراضية. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَتِ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: حال من ﴿النُّذُرُ﴾ ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: معطوف عليه، والجملة: اعتراضية لا محل لها
стр. 12290
من الإعراب؛ لاعتراضها بين المفسِّر والمفسَّر، أو بين المتعلِّق والمتعلَّق. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: مخففة من الثقيلة، أو مصدرية أو مفسرة، واسمها. ضمير الشأن؛ أي: أنه ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَعْبُدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ولفظ الجلالة ﴿اللهَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة، في تأويل مصدر مجرور بالباء المحذوفة، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿أَنْذَرَ﴾؛ أي: إذ أنذر قومه بعدم عبادتهم إلا الله. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَخَافُ﴾: خبر ﴿إِنّ﴾ ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَافُ﴾. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ﴾: مفعول به. ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة ﴿يَوْمٍ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ تعليلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها تعليل للنهي عن عبادة غير الله.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿أَجِئْتَنَا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري التوبيخي. كما في "البحر"، ﴿جئتنا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿لِتَأْفِكَنَا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿تأفكنا﴾: فعل مضارع، ومفعول به، وفاعل مستتر، يعود على هود. ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لإفكك إيّانا عن آلهتنا، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿جئتنا﴾. ﴿فَأْتِنَا﴾ ﴿الفاء﴾، عاطفة. ﴿ااتنا﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿بِمَا﴾: متعلق به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَجِئْتَنَا﴾ لتوافقهما في الطلبية. ﴿تَعِدُنَا﴾: فعل مضارع: وفاعل مستتر. ومفعول به، والجملة: صلة الموصول، والعائد: محذوف، تقديره: بما تعدناه. ﴿إِن﴾: حرف شرط. ﴿كنُتَ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية: معلوم مما قبلها؛ أي: إن كنت من الصادقين. فأتنا بما تعدنا. وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على هود، والجملة: مستأنفة. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿الْعِلْمُ﴾: مبتدأ ﴿عِنْدَ اللهِ﴾: خبر، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
стр. 12291
﴿وَأُبَلِّغُكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أبلغكم﴾: فعل مضارع. وفاعل مستتر، ومفعول به. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب. مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ﴾. ﴿أُرْسِلْتُ﴾: فعل ماض، مغير الصيغة. ونائب فاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿وَلَكِنِّي﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَكِنِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَرَاكُمْ﴾: خبره، والجملة: معطوفة على ما قبلها. ﴿أَرَاكُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول أوّل. ﴿قَوْمًا﴾: مفعول ثان له، وجملة ﴿تَجْهَلُونَ﴾: صفة ﴿قَوْمًا﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لمّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿رَأَوْهُ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول به. ﴿عَارِضًا﴾: حال من المفعول؛ لأنّ الرؤية بصرية، والجملة: فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾. ﴿مُسْتَقْبِلَ﴾ صفة ﴿عَارِضًا﴾؛ لأنّ الإضافة فيه لفظية. ﴿أَوْدِيَتِهِمْ﴾ مضاف إليه ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة، جواب ﴿لمّا﴾، وجملة ﴿لمّا﴾: معطوفة على محذوف، تقديره: فجاءهم العذاب، فلمّا رأوه قالوا. إلخ. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿عَارِضٌ﴾: خبره، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مُمْطِرُنَا﴾: صفة ﴿عَارِضٌ﴾؛ لأنّ الإضافة فيه لفظية، كما مرّ آنفًا. ﴿بَل﴾: حرف ابتداء وإضراب، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة: مقول لقول محذوف، تقديره: قال هود: بل هو ما استعجلتم به. ﴿اسْتَعْجَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿رِيحٌ﴾: بدل من ﴿مَا﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي ريح. ﴿فِيهَا﴾: خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الاسمية: نعت أول لـ ﴿رِيحٌ﴾.
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾.
﴿تُدَمِّرُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، يعود على ﴿رِيحٌ﴾. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾:
стр. 12292
مفعول به، ﴿بِأَمْرِ﴾ متعلق بـ ﴿تُدَمِّرُ﴾، ﴿رَبِّهَا﴾: مضاف إليه، والجملة: نعت ثان لـ ﴿رِيحٌ﴾. ﴿فَأَصْبَحُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فأدركتهم الريح فأصبحوا إلخ. ﴿أصبحوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُرَى﴾: فعل مضارع مغيّر الصيغة. ﴿إِلا﴾: أداة حصر. ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ نائب فاعل، والرؤية هنا بصريّة، تتعدّى إلى مفعول واحد، وجملة ﴿لَا يُرَى﴾: في محل النصب خبر ﴿أصبح﴾ وجملة ﴿أصبح﴾: معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف. ﴿نَجْزِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، يعود على الله. ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول به. ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾. والجملة الفعلية: مستأنفة؛ أي: نجزي القوم المجرمين جزاءً مثل ذلك الجزاء الفظيع.
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة: جواب لقسم محذوف، وجملة القسم: مستأنفة. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور، متعلّق بـ ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾. ﴿إِن﴾: نافية، ﴿مَكَّنَّاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. فِيه: متعلق بـ ﴿مَكَّنَّاكُمْ﴾ والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة؛ أي: ولقد مكنَّاهم في الذي ما مكّناكم فيه. ﴿وَجَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿جعلنا﴾؛ لأنّه بمعنى خلقنا. ﴿سَمْعًا﴾: مفعول به لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾: معطوفان عليه. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية. ﴿أَغْنَى﴾: فعل ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَغْنَى﴾، ﴿سَمْعُهُمْ﴾: فاعل، ﴿وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ﴾: معطوفان عليه. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿شَيْءٍ﴾. مفعول مطلق مجرور لفظًا، منصوب محلًا؛ أي: شيئًا من الإغناء. وجملة ﴿ما أغنى﴾: معطوفة على جملة ﴿جعلنا﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، مفيدة للتعليل، متعلق بمعنى النفي؛ لأنّ المعلّل هو النفي؛ أي: انتفى نفع هذه الحواس عنهم؛ لأنّهم كانوا يجحدون. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَجْحَدُونَ﴾: خبره. وجملة ﴿كان﴾: في محل الجر
стр. 12293
بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليه. ﴿بِآيَاتِ اللهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَجْحَدُونَ﴾. ﴿وَحَاقَ﴾: فعل ماض. ﴿بِهِم﴾: متعلق به، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل. والجملة: معطوفة على جملة ﴿كَانُوا﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَهْلَكْنَا﴾: فعل وفاعل. والجملة: جواب القسم، وجملة جواب القسم مستأنفة. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، ﴿حَوْلَكُمْ﴾: منصوب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾، ﴿مِنَ الْقُرَى﴾: حال من الضمير المستقرّ في الصلة أو من ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَهْلَكْنَا﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾: خبره. وجملة ﴿لعل﴾: تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿فَلَوْلَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿لولا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلّا. ﴿نَصَرهُمُ﴾: فعل ومفعول به. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل. والجملة: معطوفة على جملة القسم. ﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل والمفعول الأول لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾: محذوف، تقديره: فلولا نصرهم الذين اتخذوهم، وهو عائد الموصول. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾: متعلق بـ ﴿اتَّخَذُوا﴾، ﴿قُرْبَانًا﴾: حال من المفعول الأول المحذوف. ﴿آلِهَةً﴾: مفعول ثان. وجملة ﴿اتخذ﴾: صلة الموصول. وقال ابن عطية والحوفيّ: المفعول الأول: محذوف، كما قلنا: و ﴿قُرْبَانًا﴾: مفعول ثان، ﴿آلِهَةً﴾: بدل منه. وقد أنكر الزمخشريّ هذا الوجه؛ لفساد المعنى عليه. ﴿بَل﴾: حرف عطف وإضراب للانتقال عن نفي النصرة لما هو أخص منه، إذ نفيها يصدق بحضورها عندهم بدون النصرة، فأفاد بالإضراب أنهم لم يحضروا بالكلّية، فضلًا عن أن ينصروهم. ﴿ضَلُّوا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به. والجملة الإضرابية: معطوفة على جملة ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ﴾.
стр. 12294
﴿وَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ذلك﴾: مبتدأ، ﴿إِفْكُهُمْ﴾: خبر. والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: مصدرية أو موصولة، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْتَرُونَ﴾: خبره. وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ المصدرية؛ أي: وافتراؤهم، أو الموصولة؛ أي: والذي يفترونه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ من التوصية. والتوصية، وكذا الإيصاء، والوصيّة: بيان الطريق القويم لغيرك ليسلكه، أو الأمر المقترن بضرورة الاعتناء والاهتمام؛ أي: أمرنا، والإحسان: خلاف الإساءة، والحسن: خلاف القبح. والمراد: أنه يفعل معهما فعلًا ذا حسن.
﴿كُرْهًا﴾ والكره بالضم والفتح، كالضُعف والضَعف: المشقّة والتعب.
﴿وَحَمْلُهُ﴾؛ أي: مدّة حمله ستة أشهر. ﴿وَفِصَالُهُ﴾؛ أي: المدّة القصوى لفطامه من الرضاع سنتان. والمراد به: الرضاع التامّ، المنتهي بالفطام. وفي "المختار": الفصال، هو الفطام. وقرىء: ﴿وفصله﴾ وهو مصدر فاصل الرباعيّ، كأنّ الأمّ فاصلته، وهو فاصلها. والفصل والفصال: بمعنى واحد كالفطم والفطام، والقطف والقطاف، وفي الآية تجوّز، كما سيأتي من حيث إنّ المراد بالفص الذيها: الرضاع: أي: مدّته التي يعقبها الفطام، فهو مجاز، علاقته المجاورة.
﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ وبلوغ الأشدّ أن يكتهل، ويستوفي السنّ التي تستحكم فيها قوته وعقله وتمييزه، وذلك إذا أناف على الثلاثين، وناطح الأربعين. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ والمراد بالسنة: القمرية، على ما أفادته الآية، كما قال: شهرًا لا الشمسية، اهـ "الروح". كما مرّ.
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾؛ أي: ألهمني ووفّقني ورغّبني، من أوزعته بكذا: إذا جعلته مولَّعا به، راغبًا في تحصيله. وأصله: الإعاء بالشيء من قولهم: فلان موزع
стр. 12295
بكذا؛ أي: مغرى به. وقال الراغب: وتحقيقه أولعني بذلك.
﴿وَأَصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ من ذرأ الشيء إذا كثر. ومنه: الذرّيّة لنسل الثقلين. كما في "القاموس"؛ أي: واجعل الصلاح ساريًا في ذريتي، راسخًا فيهم. كما مرّ.
﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ والقبول: هو الرضا بالعمل، والإثابة عليه. ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾؛ أي: حسن أعمالهم وطاعاتهم، فإنّ المباح حسن، ولا يثاب عليه. فالقبول ليس قاصرًا على أحسن، وأفضل عبادتهم، بل يعم كل طاعاتهم أفضلها ومفضولها.
﴿أُفٍ﴾ هو صوت يصدر من الإنسان حين تضجره، وكتب عليه الكرخي في سورة الإسراء: وهو مصدر أفّ يؤف أفًّا، بمعنى تبًّا وقبحًا، أو صوت يدلّ على تضجّر، أو اسم الفعل الذي هو أتضجر. اهـ. فجعل فيه احتمالات ثلاثة: مصدر، واسم صوت، واسم فعل. لكن المراد: أيُّ كلام يؤذيهما فيه كسر لخاطرهما.
﴿يَسْتَغِيثَانِ﴾ من الغوث. أصله: يستغوثان، نقلت حركة الواو إلى الغين إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مد. ﴿أُخْرَجَ﴾؛ أي: أبعث من القبر للحساب.
﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾؛ أي: مضت ولم يخرج منها أحد. والقرون: جمع قرن، والقرن: القوم المقترنون في زمن واحد.
﴿يَسْتَغِيثَانِ اللهَ﴾؛ أي: يقولان: الغياثُ بالله منك، يقال: استغاث الله، واستغاث بالله. والمراد: أنهما يستغيثان بالله من كفره إنكارًا، واستعظامًا له حتى لجأ إلى الله في دفعه. كما يقال: العياذ بالله من كذا. ﴿وَيْلَكَ﴾ دعاء عليه بالثبور والهلاك، ويراد به: الحثُّ على الفعل أو تركه، إشعارًا بأنّ مرتكبه حقيق بأن يهلك، فإذا سمع ذلك .. ارعوى عن غيّه، وترك ما هو فيه، وأخذ بما ينجيه. وهو من المصادر التي لم تستعمل أفعالها، ومثله: ويحه، وويسه، وويبه.
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: أباطيلهم التي سطّورها في الكتب من غير أن يكون
стр. 12296
لها حقيقة، كما مرّ. ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾؛ أي: وجب عليهم قوله لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ الآية.
﴿خَاسِرِينَ﴾؛ أي: كانوا من الذين ضيّعوا نظرهم الشبيه برؤوس الأموال باتّباعهم همزات الشياطين. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ والدرجات: المنازل، واحدها: درجة. وهي المنزلة، ويقال لها: منزلة إذا اعتبرت صعودًا، ودركة إذا اعتبرت حدورًا. ومن ثمّ يقال: درجات الجنة، ودركات النار. فالتعبير بالدرجات هنا على سبيل التغليب. ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ من وفّاه حقّه: إذا أعطاه إيّاه وافيًا تامًّا.
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ الإذهاب: الاشتغال بالطيّبات المستلذّات.
وعبارة الخطيب: والمعنى: أنّ ما قدّم لكم من الطيبات والدرجات .. فقد استوفيتموه في الدنيا، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظوظكم في الدنيا شيء في الآخرة. انتهت. قال ابن بحر: الطيبات: الشباب والقوّة، مأخوذ من قولهم: ذهب أطيباه؛ أي: شبابه وقوّته. قال الماروديّ: ووجدت الضحاك قاله أيضًا. قال القرطبيّ: القول الأول: أظهر. ﴿الْهُونِ﴾؛ أي: الهوان، والذلّ. ﴿تَفْسُقُونَ﴾: تخرجون عن طاعة الله تعالى.
﴿بِالْأَحْقَافِ﴾ جمع حقف بالكسر والسكون، وهو: ما استطال من الرمل العظيم واعوجّ، ولم يبلغ أن يكون جبلًا. والجمع: حقاف وأحقاف: وحقوف. وجمع الجمع: حقائف وحقفة. يقال: احقوقف الرمل والهلال: إذا اعوجّ. وفي المراد بالأحقاف هنا خلاف. فقال ابن زيد: هي رمال مشرفة على البحر، مستطيلة كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالًا، وشاهد ما ذكرناه ما قال قتادة: هي جبال مشرفة بالشحر، والشَّحَر: موضع قريب من عدن. وفي "القاموس": الشعر كمنع، فتح الفم، وساحل البحر بين عمان وعدن. وقال ابن إسحاق: الأحقاف: رمل فيما بين عمان إلى حضرموت. وقال قتادة: الأحقاف: رمال مشرفة على هجر بالشحر من أرض اليمن. قال ياقوت: فهذه ثلاثة أقوال غير مختلفة في المعنى، مأخوذ من احقوقف الشيء: إذا اعوجَّ , وإنما أخذ الحقف من احقوقف، مع أنّ الأمر ينبغي أن يكون بالعكس؛ لأنّ احقوقف أجلى معنى،
стр. 12297
وأكثر استعمالًا. فكانت له من هذه الجهة أصالةٌ، اهـ من "الروح".
﴿لِتَأْفِكَنَا﴾؛ أي: تصرفنا من الأفك بالفتح مصدر أفكه يأفكه أفكًا: إذا قلبه، وصرفه عن الشيء. ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾؛ أي: عبادتها. ﴿بِمَا تَعِدُنَا﴾ من معالجة العذاب على الشرك. ﴿عَارِضًا﴾ والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء. قال الأعشى:
يَا مَنْ رَأى عَارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ... كَأنَّمَا الْبَرْقُ فِيْ حَافَاتِهِ الشُّعَلُ
﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أصله: أألِهَةٌ، بوزن أفعلة، أبدلت الهمزة الساكنة حرف مدّ مجانسًا لحركة الأولى المفتوحة.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ أصله: رأيوه، بوزن فعلوا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، فالتقى ساكنان: الألف، وواو الجماعة، فحذفت الألف. ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أصله: يرءي، بوزن يفعل، نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم حذفت للتخفيف، ثمّ أبدلت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. وكذلك القول في قراءة من قرأ ﴿ترى﴾ بالتاء والبناء للفاعل.
وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباس: أنّ النبيّ ﷺ قال: "نُصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". قال شاعرهم يحكي هذا القصص فيما رواه ابن الكلبيّ:
فَدَعَا هُوْدٌ عَلَيْهِمْ ... دَعْوَةً أَضْحَوْا هُمُوْدَا
عَصَفَتْ ريحٌ عَلَيْهِمْ ... تَرَكَتْ عَادًا خُمْوْدَا
سُخِّرَتْ سَبْعَ لَيَالِيْ ... لَمْ تَدَعْ فِيْ الأَرْضِ عُوْدَا
﴿عَادٍ﴾ قبيلة عربية من إرم. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ﴾؛ أي: لقد جعلنا لهم مكنة، وقدرة في الذي ما مكّنّاكم فيه يا أهل مكة. ﴿أَغنى﴾ أصله: أغني بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ﴾ وحول الشيء: جانبه الذي يمكنه أن يحوّل إليه. ﴿قُرْبَانًا﴾ والقربان: ما يتقرّب به إلى الله تعالى. يجمع على قرابين، كرهبان ورهابين، كما مرّ.
стр. 12298
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ بعد قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾؛ لزيادة العناية والاهتمام بشأن الأمّ؛ لحقّها العظيم.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَفِصَالُهُ﴾؛ لأنه مجاز عن مدّة الرضاع التام التي يعقبها الفطام، فهو مجاز علاقته المجاورة.
ومنها: الطباق بين: ﴿حَمَلَتْهُ﴾ ﴿وَوَضَعَتْهُ﴾.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾؛ لأنّ الكلام على حذف المضاف؛ أي: بلغ وقت أشدّه، وكذا قوله: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ على حذف مضاف؛ أي: تمام أربعين سنة، وكذا قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾؛ أي: أن أشكرك على نعمتك.
ومنها: التنوين في قوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ للتفخيم والتعميم.
ومنها: زيادة ﴿في﴾ في قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ مع أنّ الصلاح يتعدّى بنفسه، كما في قوله: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ ليدلّ على أنّ المدعو جعل الصلاح ساريًا في ذرّيّته، راسخًا فيهم.
ومنها: الجناس المغاير بين ﴿صَالِحًا﴾ ﴿وَأَصْلِحْ﴾ في قوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾.
ومنها: إضافة الموصوف إلى صفته في قوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾؛ أي: الوعد الصادق الذي لا خلف فيه.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.
ومنها: الإضافة في قوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أضافه إلى لفظ الجلالة؛
стр. 12299
تحقيقًا للحقّ، وتنبيهًا على خطئه في إسناد الوعد إليهما في قوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾.
ومنها: صيغة الحصر في قوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
ومنها: التغليب في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾؛ لأنّه غلَّب درجات السعداء على دركات الأشقياء، فعبّر عن الكل بالدرجات على طريق التغليب.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعيّة في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾؛ لأنَّه استعار العرض للتعذيب، فاشتقَّ منه ﴿يُعْرَضُ﴾ بمعنى يعذّب على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، فالعرض هنا مجاز عن التعذيب، نظير قوله: عرض الأسارى على السيف؛ أي: قتلوا, وإلّا فالمعروض عليه يجب أن يكون من أهل الشعور والاطلاع، والنار ليست منهم. قال الفرَّاء: معنى عرضهم عليها: إبرازها لهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾؛ أي: أبرزناها، حتى نظر الكفار إليها، فالمعروض عليه، يجب أن يكون من أهل الشعور، والنار ليست منه، فلا بدَّ أن يحمل العرض على التعذيب مجازًا بطريق التعبير عن الشيء باسم ما يؤدي إليه، كما يقال: عرض بنو فلان على السيف، فقتلوا به، أو يكون باقيًا على أصل معناه، ويكون الكلام محمولًا على القلب. والأصل: ويوم تعرض النار على الذين كفروا؛ أي: تظهر وتبرز عليهم، والنكتة في اعتبار القلب: المبالغة بادّعاء أنَّ النار ذات تمييزٍ، وقهرٍ وغلبةٍ.
ومنها: الإيجاز بالحذف مع التوبيخ والتقريع في قوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: يقال لهم: أذهبتم.
ومنها: إضافة الرب إلى الريح في قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ مع أنه تعالى ربّ كل شيء؛ لتعظيم شأن المضاف إليه، وللإشارة إلى أنَّها في حركتها مأمورةٌ، وأنها من أكابر جنود الله تعالى.
ومنها: إضافة الموصوف إلى صفته في قوله: ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾.
ومنها: الإطناب بتكرار اللفظ في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾
стр. 12300
ثم قال: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ﴾؛ لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم.
ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 12301
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ في ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله سبحانه لمّا بيَّن أنَّ الإنس مؤمن وكافر، وذكر أن الجنّ فيهم مؤمن وكافر، وكان ذلك بأثر قصة هود وقومه، لما كان عليه قومه من الشدّة والقوّة، والجنّ توصف أيضًا بذلك، كما قال تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، وأنَّ ما أهلك به قوم هود هو الريح، وهو من العالم الذي لا يشاهد، وإنما يحيى بهبوبه، والجن أيضًا من العالم الذي لا يشاهد، وإن هودًا ﵇ كان من العرب، ورسول الله ﷺ من العرب .. فهذه تجوز أن تكون مناسبةً لهذه الآية بما قبلها، وفيها أيضًا توبيخ لقريش، وكفّار العرب، حيث أنزل عليهم هذا الكتاب المعجز، فكفروا به وهم من أهل اللسان الذي أنزل به القرآن، وآمنوا به، وبمن أنزل عليه، وعلموا أنّه من عند الله، بخلاف قريش وأمثالها، فهم مصرّون على الكفر به، ذكره أبو حيّان.
стр. 12302
وعبارة المراغي هنا: مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لمّا ذكر أنّ في الإنس من آمن، ومنه من كفر .. أعقب هذا ببيان أنّ الجنّ كذلك، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، وأنّ مؤمنهم معرّض للثواب، وكافرهم معرّض للعقاب، وأنّ الرسول ﷺ كما أرسل إلى الإنس أرسل إلى الجنّ.
واعلم (١): أنّ عالم الملائكة وعالم الجنّ لا يقوم عليهما دليل من العقل، فهما بمعزل عن ذلك، وإنّما دليلهما السمع وإخبار الأنبياء بذلك فقط، فعلينا أنّ نؤمن بما جاء به فحسب، ولا نزيد على ذلك شيئًا، ولا نتوسّع في بحثه وتأويله وتفصيله، فإنّ ذلك من عالم الغيب، لم نؤت من علمه كثيرًا ولا قليلًا، فعلينا أن نؤمن بأنّ اتصالًا قد تمّ بين النبيّ ﷺ وعالم الملائكة، وبه تلقى الوحي على أيديهم، وأنّه اتصل بعالم الجنّ، فعلمهم وبشرهم وأنذرهم، ولكنّا لا ندري كيف كان الاتصال؟ ولا كيف تلقَّوا عنه القرآن؟. ولعلّ تقدم العلوم في مستأنف الأيّام يلقي علينا ضوءًا من هذه المعرفة، أو لعل قراءة علم الروح والتوسع في دراسته بيَّن لنا بعض السرّ في ذلك، ففي هذه الدراسة معرفة شيء من أحوالنا في الحياة الأخرى بعد هذه الحياة، وسيأتي تفصيل لهذا القصص في سورة الجنّ.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر في أول السورة (٢) ما يدلّ على وجود الإله القادر الحكيم، وأبطل قول عبدة الأصنام، ثمّ ثنّى بإثبات النبوة، وذكر شبهاتهم في الطعن فيها، وأجاب عنها .. أردف ذلك بإثبات البعث، وأقام الدليل عليه، فذكر أنّ من خلق السموات والأرض على عظمهنّ، فهو قادر على أن يحيي الموتى، ثمّ أعقب هذا بما يجري مجرى العظة والنصيحة لرسوله ﷺ بالصبر على أذى قومه، كما صبر من قبله أولوا العزم من الرسل، وبعدم استعجال العذاب لهم، فإنّه نازل بهم لا محالة وإن تأخّر، وحين نزوله بهم سيستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا، حتى يحسبونها ساعة من نهار لهول ما عاينوا.
ثم ختم السورة بأنّ في هذه العظات كفاية أيَّما كفايةٍ، وما يهلك إلا من
стр. 12303
خرج عن طاعة ربّه، ولم ينقد لأمره ونهيه.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إلى ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ سبب (١) نزولها: ما أخرجه الحاكم بسنده عن زرّ بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبيّ ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلمّا سمعوه .. أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة، أحدهم: زوبعة، فأنزل الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ...﴾ الآية، إلى ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقرّه الذهبيّ، وأخرجه الحافظ البيهقي من طريق الحاكم بهذا السند في "دلائل النبوّة" (ج ٢/ ص: ١٣).
التفسير وأوجه القراءة
٢٩ - ولمَّا بيَّن سبحانه أنّ في الإنس من آمن، وفيهم من كفر .. بيّن أيضًا أنّ في الجن كذلك، فقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ والعامل في الظرف محذوف، تقديره: واذكر يا محمد لقومك قصة إذ صرفنا ووجَّهنا، وأملنا إليك نفرًا وجماعة من الجنّ، وأقبلنا بهم نحوك.
وقرىء ﴿صرَّفْنَا﴾ بتشديد الراء؛ لأنّهم كانوا جماعة، فالتكثير بحسب الحال. ذكره في "البحر". والنفر: دون العشرة، وجمعه أنفار. قال الراغب: النفر: عدة رجال يمكنهم النفر إلى الحرب ونحوها.
واعلم (٢): أنَّ الجن بعض الروحانيين، وذلك أنَّ الروحانيين ثلاثة أجناس: أخيار وهم الملائكة، وأشرار وهم الشياطين، وأوساط فيهم أخيار وأشرار، وهم الجنّ.
قال سعيد بن المسيّب: الملائكة ليسوا بذكور ولا إناث، ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، والشياطين ذكور وإناث، يتوالدون ولا يموتون، بل يُخَلَّدون
стр. 12304
في الدنيا، كما خلد إبليس، والجن يتوالدون، وفيهم ذكور وإناث، ويموتون.
يقول الفقير: يؤيّده: ما ثبت أنَّ في الجنّ مذاهب مختلفة كالإنس، حتى الرافضي ونحوه، وإنّ بينهم حروبًا وقتالًا، ولكن يشكل قولهم: إبليس هو أبو الجنّ، فإنه يقتضي أن لا يكون بينهم وبين الشياطين فرق، إلا بالإيمان والكفر فاعرف.
﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ حال مقدرة من ﴿نَفَرًا﴾ لتخصيصه بالصفة، أو صفة أخرى له، ونقل بعضهم: إنّ أولئك الجنّ كانوا يهودًا فأسلموا.
أي: واذكر يا محمد لقومك وقت صرفنا إليك نفرًا كائنًا من الجنّ، مقدَّرا استماعهم القرآن، ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾؛ أي: حضروا القرآن عند تلاوته، وقيل: حضروا النبي ﷺ ، ويكون في الكلام التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، والأوَّل أولى.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿أَنْصِتُوا﴾؛ أي: اسكتوا لنسمعه، وفيه إشارة إلى أنّ من شأنهم فضول الكلام واللغط كالإنس، ورمز إلى الحرص المقبول. قال بعض العارفين: هيبة الخطاب، وحشمة المشاهدة، حبست ألسنتهم، فإنّه ليس في مقام الحضرة إلّا الخمول والذبول؛ أي: أمر بعضهم بعضًا بالإنصات لأجل أن يسمعوا.
﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ القرآن؛ أي: فرغ من تلاوته ﴿وَلَّوْا﴾؛ أي: انصرفوا ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ ورجعوا إليهم، حال كونهم ﴿مُنْذِرِينَ﴾ لهم؛ أي: مقدرين إنذارهم عند رجوعهم إليهم؛ يعني: آمنوا به، وأجابوا إلى ما سمعوا، ورجعوا إلى قومهم منذرين؛ أي: مخوّفين لهم من عقاب الله إن خالفوه؛ أي: انصرفوا وتفرقوا في البلاد، قاصدين إلى من ورائهم من قومهم، منذرين لهم عن مخالفة القرآن، ومحذّرين لهم، ولا يلزم من رجوعهم بهذه الصفة أن يكونوا رسل رسول الله ﷺ ، إذ يجوز أن يكون الرجل نذيرًا ولا يكون نبيًا أو رسولًا من جانب أحد، فالنذارة في الجنّ من غير نبوّة، وفي "الخطيب": رجعوا إلى قومهم منذرين بأمر رسول الله ﷺ ، فجعلهم رسلًا إلى قومهم. اهـ.
стр. 12305
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ مبنيًا للمفعول، وأبو مجلز وخبيب بن عبد الله بن الزبير: ﴿قَضَى﴾ مبنيًا للفاعل؛ أي: قضى محمد ما قرأ؛ أي: أتمَّه وفرغ منه.
وقال ابن عمرو وجابر بن عبد الله: قرأ عليهم سورة الرحمن، فكان إذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .. قالوا: لا شيء من آيات ربّنا نكذّب، ربنا لك الحمد.
ومعنى الآية (٢): أي واذكر يا محمد لقومك موبِّخًا لهم على كفرهم بما آمنت به الجنّ، لعلّهم يتنبهون لجهلهم، ويرعوون عن غيّهم وقبيح ما هم فيه من كفر بالقرآن، وإعراض عنه، مع أنهم أهل اللسان الذي به نزل، ومن جنس الرسول الذي جاء به، وأولئك استمعوه، وعلموا أنه من عند الله، وآمنوا به، وليسوا من أهل لسانه، ولا من جنس رسوله في ذلك الوقت الذي وجه الله إليه جماعةً من الجنّ ليستمعوا القرآن، ويتعظوا بما فيه من عبر وعظات، فلمَّا حضروا الرسول، قال بعضهم لبعض: أنصتوا مستمعين، فلمّا فرغ من تلاوته .. رجعوا إلى قومهم لينذروهم بأس الله وشديد عذابه.
وذكر الوقت (٣) ذكر لما فيه من الأحداث التي يراد إخبار السامع بها, لما لها من خطر جليل، وشأن عظيم، فيراد علمه بها, ليكون لها في نفسه الأثر الدي يقصدى منها من تركيب أو ترهيب، ومسرّة أو حزن إلى نحو أولئك من أغراض الكلام ومقاصده.
قال العلماء (٤): إنّه ﷺ بعث إلى الجن قطعًا، وهم مكلّفون، وفيهم العصاة والطائعون، وقد أعلمنا الله أنّ نفرًا من الجنّ رأوه ﵊، وآمنوا وسمعوا القرآن، فهم صحابة فضلاء من حيث رؤيتهم وصحبتهم، وحينئذٍ يتعيّن ذكر من عرف منهم في الصحابة ﵃ هذا في "شرح النخبة" لعليِّ
стр. 12306
القاري. وقال ابن عباس ﵄: أولئك تسعة: سليط، شاصر، ماصر، حاصر، حسا، مسا، عليم، أرقم، أدرس. قيل: ومنهم زوبعة. قال في "القاموس": الزوبعة بفتح الزاي المعجمة والباء الموحدة: اسم شيطان، أو رئيس الجنّ، فتكون الأسماء عشرة.
تنبيه (١): ذكروا في سبب هذه الواقعة قولين:
أحدهما: أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلمّا رجموا من السماء حين بعث النبيّ ﷺ ... قالوا: ما هذا إلّا لشيء أحدث في الأرض، فذهبوا فيها يطلبون، وكان قد اتفق أنَّ النبي ﷺ في السنة الحادية عشرة من النبوّة، لمّا أيس من أهل مكة .. خرج إلى الطائف يدعوهم إلى الإِسلام فلم يجيبوه، فانصرف راجعًا إلى مكة، فقام ببطن نخلة يقرأ القرآن، فمرّ به نفر من جنّ نصيبين، كان إبليس قد بعثهم يطلبون السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم بالشهب، فسمعوا القرآن، فعرفوا أنّ ذلك هو السبب.
والقول الثاني: أنّ الله أمر رسوله أن ينذر الجنّ، ويدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفرًا منهم يستمعون القرآن، وينذرون قومهم، وذلك لأنّ الجنّ مكلّفون، لهم الثواب، وعليهم العقاب، ويدخلون الجنة، ويأكلون فيها، ويشربون كالإنس، فانتهض النبيُّ ﷺ ذات ليلة، وقال: "إنّي أمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة القرآن، فأيكم يتبعني" فأطرقوا، فتبعه عبد الله بن مسعود، قال عبد الله بن مسعود: ولم يحضر معه أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة .. دخل النبيّ ﷺ شعبًا يقال له: شعب الحجون، وخط لي خطّا، وأمرني أن أجلس فيه، وقال لي: لا تخرج حتى أعود إليك، فانطلق حتى وصل إليهم، فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي، وسمعت لغطًا شديدًا، حتى خفت على نبيّ الله، وغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى لم أسمع صوته، ثمّ طفقوا يتقطّعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ النبيّ منهم مع الفجر،
стр. 12307
فانطلق إليّ، فقال لي: "قد نمت"، فقلت: لا والله، ولكنّي هممت أن آتي إليك لخوفي عليك، فقال ﷺ لي: "لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم، فأولئك جنّ نصيبين": بلدة قاعدة ديار ربيعة أو مدينة بالشام أو باليمن. فقلت: يا رسول الله، سمعت لغطًا شديدًا، فقال: "إنّ الجنّ اختصموا في قتيل قتل بينهم، فتحاكموا إليّ فقضيت بينهم بالحقّ". وكانت عدة هؤلاء الجن اثني عشر ألفًا.
وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال: سألت ابن مسعود من آذن النبي ﷺ بالجنّ ليلة استمعوا القرآن؟. قال: آذنته بهم الشجرة.
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب رسول الله ﷺ منكم أحد ليلة الجنّ؟. قال: ما صحبه منّا أحد، ولكنّا فقدناه ذات ليلة، فقلنا: اغتيل، استطير، ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلمّا كان في وجه الصبح .. إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فأخبرناه، فقال: إنّه أتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وقد وردت أحاديث كثيرة أنّ الجنّ بعد هذا وفدت على رسول الله ﷺ مرةً بعد مرةً، وأخذت عنه الشرائع والأحكام الدينية.
٣٠ - ثمّ فصّل ما قالوه لهم في إنذارهم، فقال: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال أولئك النفر الجنّيون عند رجوعهم إلى قومهم: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ فيه إطلاق الكتاب على بعض أجزائه، إذ لم يكن القرآن كلّه منزلًا حينئذٍ. ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ﴾ كتاب ﴿مُوسَى﴾ ﵇، وفي الكلام (١) حذف، والتقدير: فوصلوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إلخ. قيل: ذكروا موسى؛ لأنّهم كانوا على اليهودية وأسلموا. قال (٢) سعدي المفتي في "حواشيه": قلت: الظاهر أنَّه مثل قول ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، فقد قالوا في وجهه وعلّته: إنه ذكر موسى مع أنه كان نصرانيًّا، تحقيقًا للرسالة؛ لأنّ نزوله على موسى متفق عليه بين اليهود والنصارى، بخلاف عيسى، فإن اليهود ينكرون نبوّته، أو لأنَّ النصارى
стр. 12308
يتبعون أحكام التوراة، ويرجعون إليها، وهذان الوجهان متأتِّيان هنا أيضًا.
يقول الفقير: قد صحّ أنّ التوراة أول كتاب اشتمل على الأحكام والشرائع، بخلاف ما قبله من الكتب، فإنها لم تشتمل على ذلك، إنما كانت مشتملة على الإيمان بالله وتوحيده، ومن ثم قيل لها: صحف، وإطلاق الكتب عليها مجاز، كما صرَّح به في "السيرة الحلبية". فلمّا كان القرآن مشتملًا على الأحكام والشرائع أيضًا .. صارت الكتب الإلهية كلها في حكم كتابين: التوراة والقرآن، فلذا خصَّصوا موسى بالذكر، وفيه بيان لشرف الكتابين وجلالتهما.
حالة كون ذلك الكتاب ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: موافقًا لما قبله من التوراة والكتب الإلهية في الدعوة إلى التوحيد والتصديق، وحقّية أمر النبوّة والمعاد وتطهير الأخلاق، فهو حال من ﴿كِتَابًا﴾ لتخصصه بالصفة، أو صفة ثانية له. ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ والصواب من العقائد الصحيحة ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: موصل إليه، لا عوج فيه، وهو الشرائع، والأعمال الصالحة، قال ابن عطاء: يهدي إلى الحق في الباطن، وإلى طريق مستقيم في الظاهر، وجملة ﴿يَهْدِي﴾: إما حال ثانية، أو صفة ثالثة لـ ﴿كِتَابًا﴾.
والمعنى (١): أي قالوا: يا قومنا من الجنّ إنّا سمعنا كتابًا أنزله الله من بعد توراة موسى، يصدِّق ما قبله من كتب الله التي أنزلها على رسله، ويرشد إلى سبيل الحقّ، وإلى ما فيه لله رضًا، وإلى الطريق الذي لا عوج فيه، وخصوا التوراة؛ لأنّه متفق عليه عند أهل الكتابين، كما مرّ آنفًا. وقال عطاء: لأنهم كانوا على اليهوديّة، وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. قيل: وأسلم (٢) من قومهم حين رجعوا إليهم وأنذروهم سبعون. اهـ "خطيب". وقالوا: إنّ الجنّ لهم مللٌ مثل الإنس، ففيهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام، وفي مسلميهم مبتدعة، ومن يقول بالقدر، وخلق القرآن، ونحو ذلك من المذاهب والبدع، وروي: أنهم ثلاثة أصناف:
стр. 12309
صنف: لهم أجنحة يطيرون بها.
وصنف: على صورة الحيات والكلاب.
وصنف: يحلون ويظعنون.
واختلف العلماء في مؤمني الجنّ، فقال قوم: ليس لهم ثواب إلّا النجاة من النار، وعليه أبو حنيفة. وحكي عن الليث وبعد نجاتهم من النار يقال لهم: كونوا ترابًا مثل البهائم، وقال آخرون: لهم الثواب على الإحسان, كما عليهم العقاب على الإساءة، وهذا هو الصحيح، وعليه ابن عباس والأئمّة الثلاثة، فيدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، وقال عمر بن عبد العزيز: إنّهم حول الجنة في ربضٍ ورحابٍ، وليسوا فيها. اهـ "خازن".
٣١ - ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ﴾ ؛ يعني: محمدًا ﷺ , لأنّه لا يوصف بهذا غيره، أو أرادوا ما سمعوه من الكتاب، فإنّه كما أنه هاد، كذلك هو داع إلى الله تعالى، وفي الآية دليل على أنّه مبعوث إلى الإنس والجنّ جميعًا، قال مقاتل: لم يبعث الله تعالى نبيًّا إلى الإنس والجنّ قبله ﷺ . ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ تعالى.
فإن قلت (١): قوله: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ﴾ أمر بإجابته في كل ما أمر به، فيدخل فيه الأمر بالإيمان, فلم أعاد ذكره بلفظ التعيين؟
قلت: إنّما أعاده؛ لأنّ الإيمان أهمّ أنواع المأمور به وأشرفها، فلذلك ذكره على التعيين، فهو من باب ذكر العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه كقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾.
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الله ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾؛ أي: (٢) بعض ذنوبكم، وهو ما كان في خالص حقّ الله تعالى، وحق الحربيّ، فإنَّ حقوق العباد غير الحربيين لا تغفر بالإيمان, بل برضى أربابها؛ يعني: إذا أسلم الذميُّ لا يغفر عنه
стр. 12310
حقوق العباد بإسلامه، وكذا لا تغفر عن الحربي إذا كان الحقّ ماليًّا، قالوا: ظلامة الكافر وخصومة الدابة أشدُّ؛ لأنّ المسلم إمّا أن يحمل عليه ذنب خصمه بقدر حقّه، أو يأخذ من حسناته، والكافر لا يأخذ من الحسنات، ولا ذنب للدابّة، ولا يؤهل لأخذ الحسنات، فتعيَّن العقاب. وقيل: ﴿من﴾: زائدة؛ لأنّ الإِسلام يجب ما قبله، فلا يبقى معه تبعة، وقيل: إنّ ﴿من﴾ (١) لابتداء الغاية.
والمعنى: أنه يقع ابتداء الغفران من الذنوب، ثمّ ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى.
﴿وَيُجِرْكُمْ﴾؛ أي: ينجيكم ويؤمنكم ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: شديد معدٍّ للكفرة، وهو عذاب النار، قال ابن عباس: فاستجاب لهم من قومهم نحو: سبعين رجلًا من الجنّ، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فوافوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن، وأمرهم ونهاهم.
والمعنى: أي (٢) يا قومنا أجيبوا رسول الله محمدًا ﷺ إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله، وصدِّقوه فيما جاء به من أمر الله ونهيه، يغفر لكم بعض ذنوبكم، ويسترها لكم، ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته لكم عليها، وينقذكم من عذاب موجع إذا أنتم تبتم من ذنوبكم، وأنبتم إلى ربّكم، وأخلصتم له العبادة، وفي الآية إيماء إلى أنّ حكم الجنّ حكم الإنس في الثواب والعقاب، والتعبّد بالأوامر والنواهي، وقال الحسن (٣): ليس لمؤمني الجنّ ثواب غير نجاتهم من النار، وبه قال أبو حنيفة، والأوّل أولى وبه قال مالك والشافعيّ، وابن أبي ليلى، فقد قال الله تعالى في مخاطبة الجنّ والإنس: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾، فامتَّن سبحانه على الثقلين، بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، ولا ينافيه الاقتصار هاهنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم، ومما يؤيد هذا: أنّ الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار وهو مقام عدل، فكيف لا
стр. 12311
يجازي محسنهم بالجنة وهو مقام فضل؟ ومما يؤيّد هذا أيضًا: ما في القرآن في غير موضع، أنّ جزاء المؤمنين الجنّة، وجزاء من عمل صالحًا الجنة، وجزاء من قال: لا إله إلا الله الجنّة، وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة.
وقد اختلف أهل العلم: هل أرسل الله سبحانه إلى الجنّ رسلًا منهم أم لا؟.
وظاهر الآيات القرآنية أنَّ الرسل من الإنس فقط، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الْأَسْوَاقِ﴾ وقال سبحانه في إبراهيم الخليل: ﴿وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾. فكل نبيّ بعثه الله بعد إبراهيم فهو من ذريّته، وأمّا قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ فقيل: المراد من مجموع الجنسين، وصدق على أحدهما وهم الإنس، كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾؛ أي: من أحدهما.
٣٢ - ثم حذروا قومهم، وتوعَّدوهم، وأوجبوا إجابتهم داعي الله بطريق الترهيب إثر إيجابها بطريق "الترغيب" فقالوا: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ﴾؛ أي: ومن لم يجب رسول الله محمدًا ﷺ إلى ما دعا إليه من التوحيد، والعمل بطاعته، فـ ﴿مِنَ﴾: شرطيَّة. و ﴿لا﴾: نافية، ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ﴾ ربَّه بهرب ﴿في الْأَرْضِ﴾ فلا يفوت ربّه، ولا يسبقه هربًا إذا أراد عقوبته على تكذيبه داعيه، وإن هرب كل مهرب من أقطارها، أو دخل في أعماقها ﴿وَلَيْسَ لَهُ﴾؛ أي: لذلك المنكر ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ ﴿أَوْلِيَاءُ﴾؛ أي: أنصار ينصرونه، ويدفعون عنه عذابه، وهذا (١) بيان لاستحالة نجاته بواسطة الغير إثر بيان استحالة نجاته بنفسه، وجمع الأولياء باعتبار معنى ﴿من﴾ فيكون من باب مقابلة الجمع بالجمع، لانقسام الآحاد إلى الآحاد.
ثمّ بيَّن أنّ من فعل ذلك .. فقد بلغ الغاية في الضلال، والبعد عن الصراط
стр. 12312
المستقيم، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بعدم إجابة الداعي ﴿في ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: ظاهر كونه ضلالًا، بحيث لا يخفى على أحد، حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه؛ أي: (١) وأولئك الذين يفعلون ذلك الإعراض، يكونون في ضلال بيّن، وجورٍ عن قصد السبيل, لأنّ طريق الحقّ واضحة، وأعلامه منصوبة، والوصول إليه ميسور، فمن جانفه وأعرض عنه .. فقد أجرم واستحقّ الجزاء الذي هو له أهلٌ.
٣٣ - ثم ذكر سبحانه دليلًا على البعث، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ﴿الهمزة﴾ (٢) فيه: للاستفهام الإنكاري، داخلة على مقدر يستدعيه المقام، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المقدّر، والرؤية هنا: هي القلبية التي بمعنى العلم؛ أي؛ ألم يتفكروا, ولم يعلموا علمًا جازمًا في حكم المشاهدة والعيان ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ابتداءً من غير مثال؛ أي: خلق هذه الأجرام العظام. ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنّ﴾؛ أي: لم يتعب، ولم ينصب بذلك أصلًا، أو لم يعجز عنه.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَلَم يَعىَ﴾ بسكون العين وفتح الياء، مضارع عيي على وزن فعل بكسر العين، وقرأ الحسن: بكسر العين وسكون الياء، ووجهه: أنّه فتح في الماضي عين الكلمة، كما قالوا في بقي بقا. وهي لغة لطيء، ولمّا بني الماضي على فعل بفتح العين .. بني مضارعه على يفعل بكسر العين، فجاء يعيي، فلمَّا دخل الجازم .. حذف الياء، فبقي يعي بنقل حركة الياء إلى العين، فسكنت الياء وبقي يعي.
﴿بِقَادِرٍ﴾: خبر ﴿أَنْ﴾ ووجه (٤) دخول الباء: اشتمال النفي الوارد في صدر الآية على ﴿أَنْ﴾ وما في حيّزها، كأنّه قيل: أو ليس الله بقادر ﴿عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ولذا أجيب عنه بقوله: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تقريرٌ للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود؛ يعني: أن الله تعالى إذا كان قادرًا على
стр. 12313
كل شيء .. كان قادرًا على إحياء الموتى لأنّه من جملة الأشياء، وقدرته تعالى لا تختص بمقدور دون مقدور، فـ ﴿بلى﴾: يختص بالنفي، ويفيد إبطاله على ما هو المشهور، وإن حكى الرضي عن بعضهم: أنه جاز استعمالها في الإيجاب.
وقرأ الجمهور (١): ﴿بِقَادِرٍ﴾ اسم فاعل، و ﴿الباء﴾: زائدة في خبر ﴿أنْ﴾ وحسّن زيادتها كون ما قبلها في حيز النفي، وقرأ الجحدريّ وزيد بن عليّ وعمرو بن عبيد وعيسى والأعرج: بخلاف عنه، ويعقوب: ﴿يَقْدِرُ﴾ مضارعًا، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى، واختار أبو حاتم القراءة الثانية، قال: لأنّ دخول الباء في حيّز أنّ قبيح.
والمعنى (٢): أي أو لم ينظر هؤلاء المنكرون إحياء الخلق بعد وفاتهم، وبعثه إيّاهم من قبورهم بعد بلاهم، فيعلموا أنّ الذي خلق السموات السبع والأرض، فابتدعهنّ من غير شيء، ولم يعي في إنشائهنّ، بقادر على أن يحيي الموتى، فيخرجهم من بعد بلاهم في قبورهم أحياء كهيئتهم قبل وفاتهم، ونحو الآية قوله : ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
والخلاصة: أنّ من قال للسموات والأرض: كُوني فكانت، لا ممانعةً، ولا مخالفةً، طائعةً خائفةً وجلةً، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ ثمّ أجاب عن ذلك الاستفهام مقرّرًا للقدرة على وجه عام، فقال: ﴿بَلَى إِنَّهُ﴾ إلخ؛ أي: بلى إنّ الذي خلق ذلك ذو قدرة على كل شيء أراد خلقه، ولا يعجزه شيء أراد فعله، وقد أجاب سبحانه عن هذا السؤال لوضوح الجواب، إذ لا يختلف فيه أحد، ولا يعارض فيه ذو لبٍّ.
٣٤ - ولما أثبت البعث بما أقام من الأدلة .. ذكر ما يحدث حينئذٍ من الأهوال، فقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾؛ أي: يعذَّبون بها كما سبق في هذه السورة، والظرف: متعلق بقول محذوف، تقديره: يقال لهم: يومئذٍ على سبيل
стр. 12314
التوبيخ والتأنيب: ﴿أَلَيْسَ هَذَا﴾ العذاب الذي ترونه ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: حقًّا، وكنتم تكذّبون به، وفيه تهكّم بهم، وتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله، ووعيده، وقولهم: وما نحن بمعذَّبين، وفي الاكتفاء (١) بمجرّد الإشارة من التهويل للمشار إليه، والتفخيم لشأنه ما لا يخفى، كأنّه أمر لا يمكن التعبير عنه بلفظ يدلّ عليه ﴿قَالُوا بَلَى﴾؛ أي: إنه الحقّ ﴿وَرَبِّنَا﴾؛ أي: أقسمنا بربّنا ومالك أمرنا على حقّيته، أكدوا جوابهم بالقسم؛ لأنّهم يطمعون في الخلاص بالاعتراف بحقّيته الآن كما في الدنيا، وأنَّى لهم ذلك.
والمعنى (٢): أي ويوم يعرض هؤلاء المكذّبون بالبعث، وبثواب الله لعباده على أعمالهم الصالحة، وعقابه إيّاهم على أعمالهم السيئة على نار جهنم، يقال لهم على سبيل التأنيب والتوبيخ: أليس هذا العذاب الذي تُعَذَّبونه اليوم، وقد كنتم تكذّبون به في الدنيا بالحقّ الذي لا شكّ فيه؟ قالوا من فورهم: بلى وربّنا إنه لحق.
﴿قَالَ﴾ الله تعالى أو خازن النار: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾؛ أي: أحسوا به إحساس الذائق المطعوم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ به في الدنيا. و ﴿الباء﴾: للسببية، ومعنى الأمر: الإهانة بهم، والتوبيخ لهم على ما كان منهم في الدنيا، من الكفر والإنكار لوعد الله ووعيده، قال ابن الشيخ: الظاهر: أنّ صيغة الأمر لا مدخل لها في التوبيخ، وإنما هو مستفاد من قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أي: قال آمرًا لهم على طريق الإهانة والتوبيخ: ذوقوا عذاب النار الآن، جزاء جحودكم به في الدنيا، وإبائكم الاعتراف به، إذا دعيتم للتصديق به.
٣٥ - ولمّا قرّر التوحيد والنبوّة والبعث، وأجاب عن شبهاتهم .. أردف ذلك بما يجرى مجرى العظة والنصيحة لنبيّه؛ لأنّ الكفّار كانوا يؤذونه، ويوغرون صدره، فقال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ و ﴿الفاء﴾ فيه: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت عاقبة الكفرة، وأنه لم ينجح فيهم الإنذار، وأردت بيان
стр. 12315
ما هو الأصلح والنصيحة لك .. فأقول لك: اصبر أيها الرسول على ما أصابك في الله من أذى مكذّبيك من قومك، الذين أرسلناك إليهم منذرًا.
﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ﴾؛ أي: أصحاب الحزم والثبات ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ على القيام بأمر الله، والانتهاء إلى طاعته، فإنك منهم.
والخلاصة: اصبر على الدعوة إلى الحق، ومكابدة الشدائد، كما صبر إخوانك الرسل من قبلك، قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل: محكمة، والأظهر: أنها منسوخة؛ لأنّ السورة مكيّة.
والمعنى: أي إذا كان عاقبة أمر الكفرة ما ذكر .. فاصبر على ما يصيبك من جهتهم، كما صبر أولوا الثبات والحزم من الرسل، فإنك من جملتهم، بل من أفضلهم، و ﴿من﴾: للتبين، فيكون الرسل كلهم أولي عزم وجدٍّ في أمر الله. قال في "التكملة": (١) وهذا لا يصحّ لإبطال معنى تخصص الآية، وقيل: ﴿من﴾: للتبعيض على أنهم أولوا عزم، وغير أولي عزم، والمراد بأولي العزم: أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في تأسيسيها وتقريرها، وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاغين فيها، ومشاهيرهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمَّد ﵈، وقد نظمهم بعضهم بقوله:
أَوْلُوْا الْعَزْمِ: نُوْحٌ وَالْخَلِيْلُ المُمَجَّدُ ... مُوْسَى وَعِيْسَى وَالْحَبِيْبُ مُحَمَّدُ
قال في "الأسئلة المقحمة": هذا القول هو الصحيح، وقيل هم الصابرون على بلاء الله: كنوح، صبر على أذيّة قومه، كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم صبر على النار، وعلى ذبح ولده، والذبيح صبر على الذبح، ويعقوب على فقد الولد، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضرّ، وموسى قال قومه: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ ويونس على بطن الحوت، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة، وقال: إنها معبرة فاعبروها, ولا تعمروها،
стр. 12316
صلوات الله عليهم أجمعين، وقيل: غير ذلك من الأقوال المتلاطمة مما لا طائل تحتها.
ولمّا أمره بالصبر، وهو أعلى الفضائل .. نهاه عن العجلة، وهو أخس الرذائل، فقال: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾؛ أي: لأجلهم، فـ ﴿اللام﴾ للتعليل والمفعول: محذوف؛ أي: لا تستعجل العذاب يا محمد لكفّار مكة؛ أي: ولا تطلب من ربّك عجلة العذاب لهم، فإنه نازل بهم لا محالة، ومهلهم ليستعدوا بالتمتعات الحيوانية للعذاب العظيم، فإنّي أمهلهم رويدًا، كأنَّه ضجر بعض الضمير، فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم، فأمر بالصبر، وترك الاستعجال، ونحو الآية لقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾، وقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾.
ثم أخبر بأنَّ العذاب إذا نزل بالكافرين .. استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا، حتى يحسبونها ساعةً من نهار، فقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾؛ أي: لم يمكثوا في الدنيا، والتمتّع بنعيمها ﴿إِلَّا سَاعَةً﴾ يسيرةً وزمانًا قليلًا ﴿مِنْ نَهَارٍ﴾ لما يشاهدون من شدّة العذاب، وطول مدّته؛ يعني (١): أنَّ هول ما ينزل بهم ينسيهم مدّة اللبث، وأيضًا إنَّ ما مضى، وإن كان دهرًا طويلًا، لكنه يظن زمانًا قليلًا، بل يكون كأن لم يكن، فغاية التنعم الجسماني هو العذاب الروحانيّ كما في البرزخ، والعذاب الجسمانيّ أيضًا كما في يوم القيامة.
والمعنى: أي كأنّهم حين يرون عذاب الله الذي أوعدهم بأنّه نازل بهم، لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار؛ لأنّ شدّة ما ينزل بهم منه ينسيهم قدر ما مكثوا في الدنيا من السنين والأعوام، فيظنّونها ساعة من نهار، ونحو الآية قوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾، وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾.
﴿بَلَاغٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي (٢): هذا القرآن الذي وعظتم به بلاغٌ
стр. 12317
وكفاية لهم في الموعظة إن فكروا واعتبروا، ودليله قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ في هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾. أو تبليغ من الرسول إليهم، فالعبد يضرب بالعصا، والحرّ يكفيه الإشارة.
ثمّ أوعد وأنذر، فقال: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾؛ أي: ما يهلك بالعذاب ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون عن الاتعاظ به، أو الخارجون عن طاعة الله، المخالفون لأمره ونهيه، إذ لا يعذِّب إلا من يستحق العذاب، وقال بعض أهل التأويل؛ أي: الخارجون عن عزم طلبه إلى طلب ما سواه، وفي هذه الألفاظ وعيد محضٌ، وإنذارٌ بيِّن، وقال قتادة: لا يهلك على الله إلا هالك مشرك، وهذه الآية أقوى آية من الرجاء، ومن ثم قال الزجاج: تأويله: لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون، وهذا تطميع في سعة فضل الله .
وقرأ أبيٌّ: ﴿من النهار﴾، وقرأ الجمهور (١): ﴿مِنْ نَهَارٍ﴾ وقرأ الجمهور: ﴿بَلَاغٌ﴾ بالرفع، وقرأ الحسن وزيد بن عليّ وعيسى: ﴿بلاغًا﴾ بالنصب، فاحتمل أن يراد بلاغًا في القرآن؛ أي: بلِّغوا بلاغًا، أو بلَّغنا بلاغًا، وقرأ الحسن أيضًا: ﴿بلاغ﴾ بالجرّ نعتًا لـ ﴿نَهَارٍ﴾. وقرأ أبو مجلز وأبو سراح الهذليَّ: ﴿بلِّغ﴾ على الأمر للنبيّ ﷺ ، وعن أبي مجلز أيضًا: ﴿بلَّغ﴾ فعلا ماضيًا، وقرأ الجمهور: ﴿يُهْلَكُ﴾ بضم الياء وفتح اللام وابن محيصن فيما حكى عنه ابن خالويه: بفتح الياء وكسر اللام، وعنه أيضًا: بفتح الياء واللام، وماضيه هلك بكسر اللام، وهي لغة، وقال أبو الفتح: هي مرغوبٌ عنها، وقرأ زيد بن ثابت: ﴿يُهلك﴾ بضم الياء وكسر اللام، ﴿إلا القوم الفاسقين﴾ بالنصب.
الإعراب
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق
стр. 12318
بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد لقومك إذ صرفنا إليك. ﴿صَرَفْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿نَفَرًا﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: صفة ﴿نَفَرًا﴾. ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب، صفة ثانية لـ ﴿نَفَرًا﴾ أو حال منه لتخصصه بالصفة. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿حَضَرُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾: لا محل لها من الإعراب ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: جواب شرط لـ ﴿لمّا﴾، وجملة ﴿لمّا﴾: معطوفة على محذوف، تقديره: إذ صرفنا إليك نفرًا من الجن فحضروه، فلمّا حضروه قالوا: أنصتوا. ﴿أَنْصِتُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾.
﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿لما﴾: حرف شرط، ﴿قُضِيَ﴾: فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعله: ضمير مستتر، يعود على القرآن، والجملة: فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾. ﴿وَلَّوْا﴾: فعل ماض وفاعل، ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: متعلق به. ﴿مُنْذِرِينَ﴾ حال من فاعل ﴿وَلَّوْا﴾. والجملة: جواب ﴿لمّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لمّا﴾: معطوفة على جملة ﴿لمّا﴾ الأولى. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: جواب لـ ﴿لمّا﴾ المحذوفة، تقديره: فلمّا رجعوا إلى قومهم .. قالوا: يا قومنا إلخ. ﴿يَا قَوْمَنَا﴾: منادى مضاف، والجملة: في محلّ النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿سَمِعْنَا كِتَابًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير يعود على ﴿كِتَابًا﴾. والجملة: صفةٌ أولى لـ ﴿كِتَابًا﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾: متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿مُصَدِّقًا﴾: صفة ثانية لـ ﴿كِتَابًا﴾ أو حال منه
стр. 12319
لتخصصه بالصفة. ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُصَدِّقًا﴾ ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوفٍ صلةٍ لـ ﴿ما﴾، ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على ﴿كِتَابًا﴾. والجملة: نعت ثالث لـ ﴿كِتَابًا﴾ أو حال منه. ﴿إِلَى الْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾. ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ﴾: معطوف على ﴿إِلَى الْحَقِّ﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ صفة ﴿طَرِيقٍ﴾. ﴿يَا قَوْمَنَا﴾: منادى مضاف، والجملة: مقول لـ ﴿قَالُوا﴾ ﴿أَجِيبُوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو فاعل. ﴿دَاعِيَ اللهِ﴾: مفعول به، والجملة: في محل النصب، مقول لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَآمِنُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿أَجِيبُوا﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿آمِنُوا﴾. ﴿يَغْفِرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله: ضمير يعود على الله. ﴿لَكُمْ﴾. متعلق بـ ﴿يَغْفِرْ﴾. ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَغْفِرْ﴾ أيضًا. و ﴿مِن﴾: تبعيضية. ﴿وَيُجِرْكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿يَغْفِر﴾، ﴿مِنْ عَذَابٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُجِر﴾ ﴿أَلِيمٍ﴾: صفة ﴿عَذَابٍ﴾.
﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ في ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾.
﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم، في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُجِبْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿دَاعِيَ اللهِ﴾ مفعول به. ﴿فَلَيْسَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا، لكون الجواب جملة جامديّة. ﴿ليس﴾: فعل ناقص، في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه جوابًا لها، واسمها: ضمير مستتر يعود على ﴿مَن﴾. ﴿بِمُعْجِزٍ﴾ ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿معجز﴾: خبر ﴿ليس﴾. ﴿في الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿معجز﴾. وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية: معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَلَيْسَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ليس﴾: فعل ناقص. ﴿لَهُ﴾: خبرها مقدم. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: حال من ﴿أَوْلِيَاءُ﴾، ﴿أَوْلِيَاءُ﴾: اسمها مؤخر، والجملة: معطوفة على جملة ﴿ليس﴾ الأولى. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿في ضَلَالٍ﴾ خبر. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿ضَلَالٍ﴾، والجملة: في محل النصب، مقول ﴿قَالُوا﴾.
стр. 12320
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾.
﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف معلوم من المقام، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم يتفكروا ولم يروا، والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿يَرَوْا﴾ فعل مضارع وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿أَنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: صلة الموصول ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم، ﴿يَعْيَ﴾: فعل مضارع، مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة، وهي الألف، وفاعله: ضمير يعود على الموصول، والجملة: معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ﴾؛ ﴿بِخَلْقِهِنَّ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْيَ﴾، ﴿بِقَادِرٍ﴾ ﴿الباء﴾: زائدة في خبر ليس ﴿قادر﴾ خبرها. وجملة ﴿أَنْ﴾ من اسمها وخبرها: في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ﴿يَرَوْا﴾. ﴿عَلَى﴾ حرف جرّ، ﴿أن﴾: حرف مصدر ونصب. ﴿يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾؛ أي: على إحيائه الموتى، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿قادر﴾. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب لإبطال النفي، فهي تبطل النفي، وتقرّر نقيضه. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾. متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ و ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر ﴿إِن﴾ وجملة ﴿إِن﴾: جملة جوابيّة، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿يوم﴾: ظرف متعلق بمحذوف، تقديره: ويقال لهم. والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿يُعْرَضُ﴾: فعل مضارع، مغير الصيغة. ﴿الَّذِينَ﴾: نائب فاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿عَلَى النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿يُعْرَضُ﴾ ﴿أَلَيْسَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري. ﴿ليس﴾: فعل ناقص. ﴿هَذَا﴾: اسمها. ﴿بِالْحَقِّ﴾: خبرها،
стр. 12321
و ﴿الباء﴾: زائدة، والجملة: في محل النصب، مقول للقول المحذوف. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب قائم مقام الجواب، تقديره: بلى هو الحق، وجملة الجواب، في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَرَبِّنَا﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿ربنا﴾: مقسم به، مجرور بواو القسم، الجار والمجرور: متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: نقسم بربّنا، وجملة القسم: في محل النصب، مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، يعود على الله أو على خازن النار، والجملة: مستأنفة. ﴿فَذُوقُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة, لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا اعترفتم بحقّية هذا العذاب، وأردتم بيان ما هو المستحق لكم .. فأقول لكم: ﴿ذوقوا﴾. ﴿ذوقوا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل. ﴿الْعَذَابَ﴾: مفعول به. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، متعلّق بـ ﴿ذوقوا﴾. والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة، في محل النصب، مقول قال. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَكْفُرُونَ﴾: خبر، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾؛ أي: بسبب كفركم، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿ذوقوا﴾ كما مرّ آنفًا.
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾.
﴿فَاصْبِرْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت عاقبة الكفّار، وأن الإنذار لا ينجح فيهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: اصبر كما صبر أولوا العزم. ﴿اصبر﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾: حرف جرّ، ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ﴾: فعل وفاعل مرفوع بالواو. ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾: حال من ﴿أُولُو الْعَزْمِ﴾. والجملة الفعلية: صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في
стр. 12322
تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الكاف﴾ تقديره: كصبر أولي العزم، الجار والمجرور، صفة لمصدر محذوف، تقديره: فاصبر صبرًا كائنًا كصبر أولي العزم، بَلْ أعلى منه. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تَسْتَعْجِلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله: ضمير يعود على محمد. ﴿لَهُمْ﴾: متعلّق بـ ﴿يستعجل﴾. والجملة: معطوفة على جملة ﴿فَاصْبِرْ﴾. ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿يَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ الآتي، ﴿يَرَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَرَوْنَ﴾ لأنّ الرؤية هنا بصرية. ﴿يُوعَدُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والتقدير: ما يوعدونه. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿سَاعَةً﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَلْبَثُوا﴾ أو مفعول به على التوسع. ﴿مِنْ نَهَارٍ﴾: صفة ﴿سَاعَةً﴾. وجملة ﴿يَلْبَثُوا﴾: في محل الرفع خبر ﴿كأنّ﴾ وجملة ﴿كأنّ﴾: مستأنفة. ﴿بَلَاغٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا الذي وعظتم به بلاغ، وقيل: تقديره: هذا القرآن بلاغ، والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿فَهَلْ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع. ﴿هل﴾: حرف استفهام للاستفهام الإنكاري. ﴿يُهْلَكُ﴾: فعل مضارع مغيّر الصيغة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الْقَوْمُ﴾ نائب فاعل. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ صفة ﴿الْقَوْمُ﴾. والجملة الفعلية: معطوفة على الاسمية قبلها لكونها في معنى الاسمية، كأنّه قيل: هذا بلاغٌ، فما هالك بعده إلّا القوم الفاسقون.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا﴾؛ أي: وجَّهنا نحوك. ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: جماعة من الجنّ. والنفر: ما بين الثلاثة والعشرة من الرجال، سمّوا بذلك؛ لأنّهم ينفرون إذا حزبهم أمر لكفايته. وفي "المختار": النَّفر بفتحتين: عدَّة رجال من ثلاثة إلى عشرة، وكذا النفير والنفر والنفرة بسكون الفاء فيها. انتهى. وهم جنّ نصيبين أو حسن نينوى، وكانوا سبعة أو تسعة، وكان ﷺ فيما رواه الشيخان ببطن نخلة على نحو ليلة من مكة منصرفه من الطائف، يصلّي بأصحابه الفجر في السنة الحادية
стр. 12323
عشرة من البعثة. كما مرّ.
﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ ورد الفعل جمعًا نظرًا للمعنى، والاستماع: الإصغاء مع قصد السماع. ﴿أَنْصِتُوا﴾ أمر من الإنصاف. وهو الإصغاء مع السكوت؛ أي: أسكتوا. ﴿قُضِيَ﴾ فرغ من تلاوته. ﴿وَلَّوْا﴾؛ أي: رجعوا. ﴿مُنْذِرِينَ﴾؛ أي: مخوّفين لهم عواقب الضلال، وكانوا يهودًا، ثّم أسلموا.
﴿أَجِيبُوا﴾ أصله: أجوبوا بوزن أفعلوا، نقلت حركة الواو إلى الجيم، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياءً حرف مدّ. ﴿دَاعِيَ اللهِ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: داعو، قلبت الواو ياءً؛ لتطرُّفها إثر كسرة.
﴿وَيُجِرْكُمْ﴾ أصله: يجوركم بوزن يفعل، مضارع أجار، نقلت حركة الواو إلى الجيم فسكنت فالتقى ساكنان: الواو والراء، فحذفت الواو، فوزنه يفلكم. ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ﴾ أصله: يجوب، نقلت حركة الواو إلى الجيم فسكنت فالتقى ساكنان، فحذفت الواو، فوزنه يفل. ﴿أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ﴾ قد اجتمع هاهنا همزتان مضمومتان من كلمتين، وليس لهما نظير في القرآن؛ أي: لا وجود لهما في محل منه غير هذا. اهـ "خطيب".
﴿وَلَمْ يَعْيَ﴾؛ أي: لم يتعب بذلك، ولم يعجز عنه، يقال: عييت بالأمر: إذا لم تعرف وجهه، وأَعْيَيْتُ: تعبت. وفي "القاموس": أعيى الماشي: إذا كلَّ، قال الكسائي: يقال: أَعْيَيْتُ من التعب، وعَيِيْتُ من انقطاع الحيلة والعجز، قال عبيد بن الأبرص:
عَيُّوْا بِأَمْرِهِمُ كَمَا ... عَيَّتْ بَبَيْضَتِهَا الْحَمَامَهْ
وحكي في سبب تعلّم الكسائي النحو على كبره: أنّه مشى يومًا، حتى أعيَ ثم جلس إلى قوم ليستريح، فقال: قد عييت، بالتشديد بغير همزة، فقالوا له: لا تجالسنا وأنت تلحن، قال الكسائي: وكيف؟ قالوا: إن أردت من التعب .. فقل: أعييت، وإن أردت من انقطاع الحيلة، والتعجيز في الأمر .. فقل: عييت مخفّفًا، فقام من فوره، وسأل عمَّن يعلم النحو، فأرشدوه إلى معاذٍ، فلزمه حتى نفد ما
стр. 12324
عنده، ثمّ خرج إلى البصرة إلى الخليل بن أحمد. اهـ من "روح البيان" (ج: ٨، ص: ٤٩٣).
﴿فَاصْبِرْ﴾ قال القشيري: الصبر: الوثوق بحكم الله، والثبات من غير بثٍّ ولا استكراهٍ، اهـ "خطيب".
﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ﴾؛ أي: ذوو الحزم والصبر. والعزم في اللغة: الجدّ، والقصد مع القطع.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، في قوله: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ إذا أعيد الضمير إلى النبيّ ﷺ ؛ لأنّ مقتضى السياق حينئذٍ أن يقال: فلمّا حضروك.
ومنها: إطلاق الكتاب على بعض أجزائه، في قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ إذ لم يكن القرآن كلُّه منزلًا حينئذٍ.
ومنها: تخصيص موسى بالذكر دون عيسى؛ لكون نزول الكتاب عليه متفقًا عليه بين اليهود والنصارى، بخلاف عيسى؛ لأنّ اليهود تنكر نبوّته، ونزول الكتاب عليه.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لأنّه نفس الحق المذكور قبله، أطنب به للتأكيد وللتفخيم لشأنه.
ومنها: فن التنكيت في قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ فقد عبر بـ ﴿مِنْ﴾ التبعيضية إشارةً إلى أنَّ الغفران يقع على الذنوب الخاصة، أما حقوق العباد فلا يمكن غفرانها، إلا بعد أن يُرضَّى أصحابها، فإنّ الله تعالى لا يغفر بالإيمان ذنوب المظالم.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ﴾ ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾.
стр. 12325
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار، في قوله: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ﴾؛ لأنّ مقتضى السياق أن يقال: ومن لم يجبه، أظهره تفخيمًا لشأنه، وإظهارًا لنباهته.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾؛ لأنّه مجاز عن الانقطاع عن العمل، علاقته: السببيّة؛ لأنّ العيّ؛ أي: التعب مستحيل عليه تعالى، وهو سبب للانقطاع عن العمل أو النقص فيه والمتأخر في إنجازه، فهو العلاقة في هذا المجاز.
ومنها: تعليل الخاصّ بالعام في قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأنّه تعالى إذا كان قادرًا على كل شيء .. كان قادرًا على إحياء الموتى؛ لأنّه من جملة الأشياء، وقدرته لا تختصّ بمقدور دون مقدور.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾؛ لأنّه مجاز عن التعذيب بها، كما مرّ.
ومنها: التهكم بهم والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾؛ أي: باشروا العذاب؛ لأنّه مستعار من إحساس الذائق المطعوم.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *