أمارات الكفر والنفاق: كراهة الجهاد كراهية الميت.
ومعنى الآية (١): أي أنّ المؤمنين المخلصين في إيمانهم يشتاقون للوحي ونزول آيات الجهاد حرصًا على ثوابه، ويقولون: هلّا أنزلت سورة تأمرنا به، فإذا أنزلت سورة واضحة الدلالة في الأمر به .. فرحوا بها، وشقّ ذلك على المنافقين، وشخصت أبصارهم هلعًا وجبنًا من لقاء العدوّ، ونظروا مغتاظين بتحديد وتحديق، كمن يشخص بصره حين الموت.
ونحو الآية قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾.
ثم هددهم وتوعّدهم، فقال: ﴿فأولى لهم﴾؛ أي: فالموت أولى لمثل هؤلاء المنافقين، إذ حياتهم ليست في طاعة الله، فالموت خير منها، وقد يكون المعنى على التهديد والوعيد، والدعاء عليهم بالهلاك، فكأنه قيل: أهلكهم الله هلاكًا أقرب لهم من كل شر وهلاك، فهو نحو قوله في الدعاء: بعدًا له وسحقًا، قال الأصمعي: معنى قوله في التهديد أولى لك؛ أي: وليك الهلاك وقاربك ما تكره، وأنشد قول الشاعر:
فَعَادَى بَيْنَ هَادِيَتَيْنِ مِنْهَا ... وَأَوْلَى أَنْ يَزِيْدَ عَلَى الثَّلَاثِ
أي: قارب أن يزيد.
٢١ - وقوله: ﴿طَاعَةٌ وَقول معْرُوف﴾: كلام مستقل (٢) مستأنف، محذوف منه أحد الجزئين: إما المبتدأ؛ أي: أمرهم أو أمرنا أو الأمر المرضي لله طاعة لله ولرسوله، وقول معروف بالإجابة إلى ما أمروا به من الجهاد أو الخير؛ أي: طاعة مخلصة، وقول معروف خير لهم، وقيل: هو حكاية لقولهم؛ أي: قالوا: طاعة ... إلخ. ويشد له قراءة أبيّ: ﴿يقولون طاعة وقول معروف﴾؛ أي: أمرنا ذلك كما قال في النساء: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ
стр. 12392
عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُول﴾.
وقيل (١): هو متصل بما قبله، و ﴿اللام﴾ في ﴿لَهُمْ﴾: بمعنى الباء مجازةً، فأولى بهم طاعة الله وطاعة رسوله، وقول معروف بالإجابة.
والمعنى: لو أطاعوا وأجابوا .. لكانت الطاعة والإجابة أولى بهم، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء عنه.
ومعنى الآية على القول الأول: طاعة الله ورسوله، وقول معروف أمثل لهم، وأحسن مما هم فيه من الهلع والجزع والجبن من لقاء العدوّ، فمتاع الحياة الدنيا متاع قليل، وظلّ زائل، والآخرة خير لمن اتقى.
﴿فَإِذَا عَزَمَ﴾؛ أي: حتم وفرض ووجب ﴿الْأَمْرُ﴾؛ أي: الجهاد، ووجد القتال ولزمهم، وجواب الشرط: محذوف، تقديره: خالفوا وتخلفوا؛ أي: فإذا عزم الأمر ... خالف المنافقون، وكذبوا فيما وعدوا به، وقيل: الجواب قوله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ كما في "البيضاوي"؛ أي: فلو صدقوا فيما قالوا من الكلام المنبىء عن الحرص على الجهاد بالجري على موجبه، أو صدقوا في إظهار الإيمان والطاعة ﴿لَكَانَ﴾ الصدق ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ أو الكذب والنفاق، والقعود عن الجهاد، وفي الآية دلالة على اشتراك الكل فيما حكي من قوله تعالى: ﴿لَولَا نُزِّلَت سُورة﴾. فالمراد بهم: الذين في قلوبهم مرض.
والمعنى (٢): فإذا حضر القتال .. كرهوه وتخلّفوا عنه خوفًا وفرقًا، ولو صدقوا في إيمانهم، واتباعهم للرسول، وأخلصوا النيّة في القتال .. لكان خيرًا لهم عند ربهم، إذ ينالون به الثواب والزلفى عنده، ويعطيهم ما تقرُّ به أعينهم، ويدخلهم جنات النعيم.
٢٢ - ثم خاطب أولئك المنافقين خطاب توبيخ وتأنيب، فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ وترجيتم؛ أي: هل يتوقع منكم يا من في قلوبهم مرض ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أمور الناس،
стр. 12393
وتأمرتم عليهم، وجعلتم حكامًا ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالتغاور والتناهب والتقاتل والتفارق وأخذ الرشا ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ بمقاتلة بعض الأرحام بعضًا، ووأد البنات، قال الكلبي؛ أي: فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم، وتقطعوا أرحامكم، وخبر ﴿عسى﴾ ﴿أَنْ تُفْسِدُوا﴾. والشرط اعتراض بين الاسم والخبر، وهذا على لغة الحجاز، فإنَّ بني تميم لا يلحقون الضمير به.
والمعنى (١): أنهم لضعفهم في الدين، وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منه أو عرف حالهم، ويقول لهم: هل عسيتم.
وقيل المعنى (٢): ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾؛ أي: فعلكم ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ يعني: أعرضتم عن سماع القرآن، وفارقتم أحكامه ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ يعني: تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية أو الفساد في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدم، وترجعوا إلى الفرقة بعدما جمعكم الله بالإِسلام، وتقطّعوا أرحامكم.
وقال أبو حيان: الأظهر: أن المعنى: من أعرضتم أيّها المنافقون عن امتثال أمر الله في القتال أن تفسدوا في الأرض بعدم معونة أهل الإِسلام على أعدائهم، تقطعوا أرحامكم؛ لأنّ من أرحامكم كثيرًا من المسلمين، فإذا لم تعينوهم .. قطعتم أرحامكم. انتهى.
والخلاصة: أنه لا عجيب بعد أن صدر منكم ما صدر، أو كراهة الدفاع عن حوزة الإِسلام أن تعيدوا أحوال الجاهلية جزعة إذا صرتم أمراء الناس وولاتهم.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿توليتم﴾ مبنيًا للفاعل، وقرأ عليُّ بن أبي طالب: بضم التاء والواو، وكسر اللام مبنيًا للمفعول، وبها قرأ ابن أبي إسحاق وورش عن
стр. 12394
يعقوب، ومعناها: فهل عسيتم إن ولي عليكم ولاة جائرون أن تخرجوا عليهم في الفتنة، وتحاربوهم، وتقطعوا أرحامكم بالبغي والظلم والقتل، وقرأ الجمهور: ﴿وَتُقَطِّعُوا﴾ بالتشديد على التكثير، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه، وسلام وعيسى ويعقوب وأبان وعصمة: بالتخفيف من القطع، مضارع قطع الثلاثي، وقرأ الحسن: ﴿وَتَقَطَعوا﴾ بفتح التاء والقاف على إسقاط حرف الجر؛ أي: بأرحامكم؛ لأنّ تقطع لازم، يقال: عسيت أن أفعل كذا، وعسيت بالفتح والكسر لغتان. ذكره الجوهري وغيره.
٢٣ - وبعد أن ذكر هناتهم، بيّن سببها، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة (١) إلى المخاطبين بطريق الالتفات، إيذانًا بأنّ ذكر إهانتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ، خبره: قوله تعالى: هم ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ سبحانه؛ أي: أبعدهم، وطردهم عن رحمته ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ عن استماع الحق، لتصامهم عنه بسوء اختيارهم ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ لتعاميهم عمّا يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق، قيل (٢): لم يقل: أصم آذانهم؛ لأنه لا يلزم من ذهاب الآذان ذهاب السماع، فلم يتعرض لها، ولم يقل: أعماهم؛ لأنه يلزم من ذهاب الأبصار - وهي الأعين - ذهاب الإبصار؛ لأن العين لها مدخل في الرؤية بخلاف الأذن، فلا مدخل لها في السمع.
قال سعدي المفتي: إصمام الآذان غير إذهابها، ولا يلزم من أحدهما الآخر، والصمم والعمى يوصف بكل منهما الجارحة، وكذلك مقابلهما من السماع والإبصار، ويوصف به صاحبهما في العرف المستمر، وقد ورد التنزيل على الاستعمالين، اختصر في الإصمام، وأطنب في الإعماء مع مراعاة الفواصل.
والمعنى (٣): أي فهؤلاء هم الذين أبعدهم من رحمته، فأصمهم عن الانتفاع
стр. 12395
بما سمعوا، وأعمى أبصارهم عن الاستفادة مما شاهدوا من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق، فلم يكن سماعهم سماع إدراك، ولا إبصارهم إبصار اعتبار.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله تعالى خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم. قامت الرحم، فأخذت بِحِقْوِ الرحمن، فقال: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك" ثمّ قال رسول الله ﷺ : "اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ ...﴾ " الآية. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وقد وردت أحاديث كثيرة في صلة الرحم، كما مرّ بعضها في أول سورة النساء، فلا نطيل الكلام بذكرها هنا.
٢٤ - و ﴿الهمزة﴾ في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ للاستفهام التوبيخي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير: ألا يلاحظ هؤلاء المنافقون هذا القرآن فلا يتدبرونه، ولا يتصفحون ما فيه من المواعظ الزاجرة، والحجج الظاهرة، والبراهين القاطعة، التي تكفي من له فهم وعقل، وتزجره عن الكفر بالله، حتى لا يقعوا في المعاصي الموبقة ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ﴾ لهم ﴿أَقْفَالُهَا﴾ وأغلاقها، فلا يكاد يصل إليها ذكر أصلًا.
والمعنى: أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان، ولا يخرج منها الكفر والشرك، لأنَّ الله سبحانه قد طبع عليها، والمراد بالقلوب: قلوب هؤلاء المخاطبين، والأقفال: جمع قفل بالضم: وهو الحديد الذي يغلق به الباب. كما في "القاموس".
قال في "الإرشاد" (١): ﴿أَمْ﴾: منقطعة، وما فيها من معنى بل، للانتقال من التوبيخ بعدم التدبّر إلى التوبيخ بكون قلوبهم مقفلة لا تقبل التدبّر، والتفكر، وما فيها من معنى الهمزة للتقرير، وتنكير القلوب: إما لتهويل حالها، وتفظيع شأنها بإبهام أمرها في الفساد والجهالة، كأنه قيل: أم على قلوب منكرة لا يعرف
стр. 12396
حالها، ولا يقادر قدرها في القسوة، وإما لأنّ المراد: قلوب بعض منهم: وهم المنافقون، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها أقوال مخصوصة بها مناسبة غير مجانسة لسائر الأقفال المعهودة التي من الحديد، إذ هي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح، انتهى.
فإن قيل: قد أخبر تعالى: بأنه أصمهم وأعمى أبصارهم، فكيف يوبخهم على ترك التدبر؟ كقولك للأعمى: أبصر، وللأصمّ: اسمع؟
أجيب عنه: بأن التكليف بما لا يطاق جائز، وقد أمر الله من علم أنه لا يؤمن بالإيمان، فلذلك وبخهم على ترك التدبّر، مع كونه أصمهم وأعمى أبصارهم. كذا في "الفتوحات".
وفي "التأويلات النجمية": أفلا يتدبّرون القرآن، فإنّ فيه شفاء من كل داء، ليفضي بهم إلى حسن العرفان، ويخلصهم من سجن الهجران. ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أم قفل الحق على قلوب أهل الهوى، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا ينبسط عليها شعاع العلم، ولا يحصل لهم فهم الخطاب، وإذا كان الباب متقفلًا .. فلا الشك والإنكار الذي فيها يخرج، ولا الصدق واليقين الذي هم يدعون إليه يدخل في قلوبهم. انتهى.
قرأ الجمهور: ﴿أَقْفَالُهَا﴾ بالجمع، وقرىء: ﴿إقفالها﴾ بكسر الهمزة على أنه مصدر، كالإقبال، وقرىء: ﴿أقفلها﴾ بالجمع على أفعل.
ومجمل معنى الآية (١): أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي وعظ بها في آي كتابه، ويتفكرون في حججه التي بينها في تنزيله، فيعلموا خطأ ما هم عليه مقيمون، أم هم قد أقفل على قلوبهم، فلا يعقلون ما أنزل في كتابه من العبر والمواعظ.
والخلاصة: أنهم بين أمرين، كلاهما شر، وكلاهما فيه الدمار والمصير إلى النار، فإما أنهم يعقلون ولا يتدبّرون، أو أنهم سلبوا العقول فهم لا يعون شيئًا.
стр. 12397
٢٥ - ولما أخبر بإقفال قلوبهم .. بين منشأ ذلك، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا﴾ ورجعوا ﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ وأعقابهم؛ أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، وهم المنافقون الموصوفون بمرض القلوب، وغيره من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم كفروا به ﷺ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ بالدلائل الظاهرة، والمعجزات القاهرة ﴿الشَّيْطَانُ﴾ لعنة الله عليه ﴿سَوَّلَ﴾ وزيَّن ﴿لَهُمْ﴾ ما هم عليه أو الشرك والمعاصي، جملة ﴿مِن﴾ مبتدأ وخبر وقعت خبرًا لـ ﴿إِنَّ﴾؛ أي: سهل لهم ركوب العظائم، وحسنها لهم، وصورها لهم بصورة الحسن، من التسويل، وهو: تزيين النفس لما تحرص عليه، وتصوير القبيح منه بصورة الحسن.
وقرأ زيد بن علي ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾؛ أي: كيده على تقدير حذف مضاف من السول، وهو: استرخاء البطن.
قال قتادة (١): هم: كفار أهل الكتاب، كفروا بالنبي ﷺ بعدما عرفوا نعته عندهم، وبه قال ابن جرير، وقال الضحاك والسدي: هم المنافقون، قعدوا عن القتال، وهذا أولى؛ لأنّ السياق في المنافقين.
﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ الشيطان؛ أي: مدَّ لهم في الآمال والأماني، ووعدهم طول العمر، وقيل: إن الذي أملى لهم هو الله سبحانه، والمعنى: أمهلهم الله، ولم يعاجلهم بالعقوبة.
قرأ الجمهور (٢): ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ مبنيًا للفاعل، وقرأ أبي عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر، وأبو جعفر وشيبة والجحدري وابن سيرين: ﴿وأُملي لهم﴾ مبنيًا للمفعول؛ أي: أمهلوا ومدوا في عمرهم، قيل: وعلى هذه القراءة يكون الفاعل هو الله أو الشيطان، كالقراءة الأولى، وقد اختار القول بأنّ الفاعل هو الله، الفراء، والمفضل، والأولى اختيار أنه الشيطان لتقدم ذكره قريبًا، وقرأ مجاهد (٣) وابن هرمز والأعمش وسلام ويعقوب: ﴿وأملي﴾ بهمزة المتكلم
стр. 12398
مضارع أملي؛ أي: وأنا أنظرهم، كقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾. ويجوز أن يكون ماضيًا سكنت منه الياء، كما تقول في يعي: بسكون الياء.
والمعنى (١): أي إنَّ الذين رجعوا القهقرى على أعاقبهم كفّارًا من بعد ما تبيَّن لهم الهدى، وقصد السبيل، فعرفوا واضح الحجج، ثم آثروا الضلال على الهدى عنادًا لأمر الله، الشيطان زيَّن لهم ذلك، وخدعهم بالآمال، وحسن لهم ما في الدنيا من لذة يتمتعون بها إلى بين، ثم يعودون كما كانوا كافرين إلى نحو ذلك من وساوسه التي لا تدخل تحت الحصر، ولا يبلغها العد.
٢٦ - ثم ذكر كيف إنهم ضلوا، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ الارتداد كائن ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: بسبب أنّ المنافقين المذكورين ﴿قَالُوا﴾ سرًّا ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ﴾؛ أي: قالوا لليهود الكارهين لنزول القرآن على رسول الله ﷺ ، مع علمهم بأنه من عند الله، حسدًا وطمعًا في نزوله عليهم: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ وذلك البعض: هو عداوة رسول الله ﷺ ، ومخالفة ما جاء به، كما أفاده قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾. وهم: بنو قريظة والنضير، الذين كانوا يوالونهم ويودونهم، وأرادوا بالبعض الذي أشاروا إلى عدم إطاعتهم فيه إظهار كفرهم، وإعلان أمرهم بالفعل قبل قتالهم وإخراجهم من ديارهم، فإنهم كانوا يفعلون ذلك قبل مساس الحاجة الضرورية الداعية إليه لما كان لهم في إظهار الإيمان من المنافع الدنيوية.
والمعنى (٢): أي سنطيعكم في بعض أموركم، أو في بعض ما تأمروننا به، كالقعود عن الجهاد، والموافقة في الخروج معهم إن أخرجوا، والتظافر على الرسول ﷺ .
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ أي: إخفاءهم لما يقولون لليهود. قرأ الجمهور (٣)
стр. 12399
﴿أسرارهم﴾ بفتح الهمزة، جمع سر، واختار هذه القراءة أبي عبيد وأبو حاتم، وقرأ الكوفيون وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن وثاب والأعمش: بكسر الهمزة على المصدر،
٢٧ - و ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَكَيْفَ﴾: عاطفة على محذوف، و ﴿كَيْفَ﴾ مفعول لفعل محذوف، والظرف في قوله: ﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: متعلق بذلك الفعل المحذوف، والتقدير: هم يفعلون في حياتهم ما يفعلون من الحيلة، فكيف يفعلون إذا قبض أرواحهم ملك الميت وأعوانه؟ حال كون الملائكة ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾؛ أي: ظهورهم وخلفهم بمقامع الحديد، والجملة: حال أو فاعل ﴿تَوَفَّتْهُمُ﴾. وهو تصوير لتوفيهم على أهول الوجوه وأفظعها.
وعن ابن عباس ﵄: لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة وجهه ودبره، والمعنى: أنه إذا تأخر عنهم العذاب، فسيكون حالهم هذا. وفي الكلام تخويف وتهديد، وقيل: ذلك عند القتال نصرة من الملائكة لرسول الله ﷺ ، وقيل: ذلك يوم القيامة، والأول أولى، وقرأ الجمهور (١): ﴿تَوَفَّتْهُمُ﴾ بالتاء، وقرأ الأعمش: ﴿توفَّاهم﴾، بألف بدل التاء، فاحتمل أن يكون ماضيًا ومضارعًا حذفت منه التاء.
والمعنى: أي فكيف يفعلون إذا جاءتهم ملائكة الموت لقبض أرواحهم على أقبح الوجوه وأفظعها؟ وقد مثل ذلك بحال يخافونها في الدنيا، ويجبنون عن القتال لأجلها، وهو الضرب على الوجوه والأدبار، إذ في يوم الوفاة لا نصرة لهم ولا مفر، فكيف يحترزون من الأذى، ويبتعدون من العذاب؟.
٢٨ - ثم بين سبب التوفي على تلك الحال الشنيعة، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ التوفّي الهائل مع الضرب ﴿بِأَنَّهُمُ﴾؛ أي: بسبب أنهم ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ من الكفر والمعاصي ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾؛ أي: ما يرضاه من الإيمان والطاعة، حيث كفروا بعد الإيمان، وخرجوا عن الطاعة بما صنعوا من المعاملة مع اليهود
стр. 12400
﴿فَأَحْبَطَ﴾ لأجل ذلك ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ التي عملوها حال إيمانهم من الطاعات، أو بعد ذلك من أعمال البر التي لو عملوها حال الإيمان لانتفعوا بها، فالكفر والمعاصي سبب لإحباط الأعمال، وباعث على العذاب والنكال.
والمعنى: أي ذلك الهول الذي يرونه، من أجل أنهم انهمكوا في المعاصي، وزينت لهم الشهوات، وكرهوا ما يرضي الله من الإيمان به، والعمل على طاعته، والإخلاص له في السر والعلن، فأحبط ما عملوه من البر والخير، كالصدقات، والأخذ بيد الضعيف، ومساعدة البائس الفقير، وإغاثة الملهوف إلى نحو أولئك؛ إذ هم فعلوه وهم مشركون، فلم تكن لله ولا بأمره، بل بأمر الشيطان للفخر وحسن الأحدوثة بين الناس.
٢٩ - ثم بالغ في توبيخ المنافقين، وإظهار خباياهم، وإعلان نواياهم، فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ﴾ ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أظن ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: نفاقٌ؛ لأنّ النفاق مرض قلبي، كالشك ونحوه؛ أي: بل أحسب المنافقون ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ﴾ سبحانه؛ أي: أنه لن يظهر الله ﴿أَضْغانَهُمْ﴾؛ أي: أحقادهم وبغضهم وحسدهم للمؤمنين، والأضغان: جمع ضغن بالكسر، وهو: الحقد، والحقد: إمساك العداوة في القلب، والتربص لفرصتها؛ أي: (١) بل أحسب الذين في قلوبهم حقد وعداوة للمؤمنين، أن لن يخرج الله أحقادهم، ولن يبرزها لرسول الله وللمؤمنين، فتبقى أمورهم مستورةً؛ أي: إن ذلك مما يكاد يدخل تحت الاحتمال، وفي بعض الآثار: "لا يموت ذو زيغ في الدين حتى يفتضح" وذلك لأنه كحامل الثوم، فلا بد من أن تظهر رائحته، كما أنَّ الثابت في طريق السنة كحامل امسك، إذ لا يقر على إمساك رائحته
٣٠ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ إراءتهم إيّاك ﴿لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾؛ أي: لأعلمناكهم وعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم معرفة تقوم مقام الرؤية، تقبل العرب: سأريك ما أصنع؛ أي: سأعلمك ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾؛ أي: بعلامتهم الخاصّة بهم، التي يتميَّزون بها، ونسمهم بها.
стр. 12401
وعن أنس ﵁: ما خفي على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية شيء من المنانقين، كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنّا في بعض الغزوات، وفيها تسعة من المنافقين، والناس يشكون منهم، فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى وجه كل منهم مكتوب هذا منافق. وفي "عين المعاني": وعلى جبهة كل واحد مكتوب كهيئة الوشم "هذا منافق". و ﴿الفاء﴾ (١): لترتيب المعرفة على الإراءة، وما بعدها معطوف على جواب ﴿لو﴾ و ﴿اللام﴾: لام الجواب، وكرّرت في المعطوف للتأكيد، وأمّا ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾: فهي لام جواب قسم محذوف، و ﴿لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ معناه: فحواه ومقصده ومغزاه، وما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين واستهزائه، وكان ﷺ بعد هذا لا يتكلم منافق عنده إلا عرفه، قال أبو زيد: لحنت له اللحن: إذا قلت له قولًا يفقهه عنك، ويخفى على غيره، ومنه قول الشاعر:
مَنْطِقٌ صَائبٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا ... نَا فخَيْرُ الأْحَاديْثِ مَا كَانَ لَحْنَا
أي: أحسنها ما كان تعريضًا يفهمه المخاطب ولا يفهمه غيره لفطنته وذكائه، وإياه قصد بقوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. وأصل اللحن: إمالة الكلام إلى نحو من الأنحاء لغرض من الأغراض.
أي: والله إنك يا محمد لتعرفن المنافقين في وجه خفي من القول، فيفهمه النبي ﷺ ، ولا يفهمه غيره، ولكن لم يظهره إلى أن أذن الله تعالى له في إظهار أمرهم، وفي المنع من الصلاة على جنائزهم، والقيام على قبورهم.
ومعنى الآية: أي (٢) ولو نشاء أيها الرسول لعرّفناك أشخاصهم، فعرفتهم عيانًا بعلامات هي غالبة عليهم، ولكنّه لم يفعل ذلك في جميع المنافقين للستر على خلقه، وردًا للسرائر إلى عالمها، وحرصًا على أن لا يؤذى ذوي قرباهم من المخلصين ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾؛ أي: ولتعرفنهم فيما يدارونه من القول، فيعدلون عن التصريح بمقاصدهم إلى التعريض والإشارة، وإياه عنى القائل في مدح محبوبته، فقال:
стр. 12402
منْطِقٌ صَائِبٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا ... نَا وَخَيْرُ الأَحَادِيْثِ مَا كَانَ لَحْنَا
يريد: أنها تتكلم بشيء وتريد غيره، وتعرض في حديثها، فتزيله عن جهته لفطنتها وذكائها، وقد كانوا يخاطبون الرسول ﷺ بألفاظ ظاهرها الحسن، وهم يعنون بها: القبيح، قال الكلبيّ: فلم يتكلم بعد نزولها عند النبيّ ﷺ منافق إلا عرفه، وقال أنس: فلم يخف منافق بعد هذه الآية على رسول الله ﷺ ، عرّفه الله ذلك بوحي أو علامة عرفها بتعريف الله إيّاه، وفي الحديث: "ما أسرَّ أحد سريرةً إلا كساه الله جلبابها، إن خيرًا .. فخير، وإن شرًا .. فشر".
وروي: أنَّ أمير المؤمنين عثمان بن عفان قال: ما أسرّ أحد سريرة إلا أبداها الله سبحانه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. وقد ثبت في الحديث تعيين جماعة من المنافقين، فقد روى أحمد عن عقبة بن عامر، قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إنّ فيكم منافقين، فمن سميت .. فليقم، ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان، ثم يا فلان" حتى سمى ستة وثلاثين رجلًا، ثمّ قال: "إنّ فيكم منافقين، فاتقوا الله". قال: فمرّ عمر ﵁ برجل ممن سمي مقنع قد كان يعرفه، فقال: مالك، فحدثه بما قال رسول الله ﷺ ، فقال: بعدًا لك سائر الدهر.
ثم وعد سبحانه وأوعد وبشّر وأنذر، فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ ونياتكم، فيجازيكم بحسب قصدكم وعملكم على ما قدّمتم أو خير أو شر، إذ لا يضيع عمل عامل منكم عدلًا منه ورحمةً، وهذا وعد منه للمؤمنين، ووعيد للمنافقين، وإيذان بأنَّ حالهم بخلاف حال المنافقين
٣١ - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾؛ أي: وعزّتي وجلالي، لنبلونكم بالأمر بالقتال ونحوه من التكاليف الشاقة؛ إعلامًا لا استعلامًا، أو نعاملكم معاملة المختبر ليكون أبلغ في إظهار العذاب، فإنّ الله تعالى عالم بجميع الأشياء ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ على مشاقّ الجهاد علمًا فعليًّا يتعلّق به الجزاء؛ أي: حتى (١) نعلم كائنًا ما علمناه أزلًا أنه سيكون
стр. 12403
﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾؛ أي: تظهر أعمالكم، والأخبار: بمعنى المخبر بها؛ أي: ما يخبر به من أعمالكم، فيظهر حسنها وقبحها؛ لأنّ الخبر على حسب المخبر عنه، إن حسنًا فحسن، وإن قبيحًا فقبيح؛ يعني: (١) أنا نأمركم بالجهاد، حتى يظهر المجاهد، ويتبين من يبادر منكم ويصبر عليه من غيره؛ لأنّ المراد من قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾؛ أي: على الوجود والظهور، ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾؛ أي: نظهرها ونكشفها، ليتبين للناس من يأبى القتال، ولا يصبر على الجهاد، ومن يمتثل أمره ويصبر عليه.
وقيل المعنى (٢): ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾؛ أي: حتى نميّز المجاهدين في سبيل الله منكم يا معشر المنافقين والصابرين؛ أي: ونميّز الصابرين في الحرب منكم، ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾؛ أي: تظهر أسراركم وبغضكم وعداوتكم، ومخالفتكم لله ولرسوله.
وقرأ الجمهور الأفعال الثلاثة (٣) بالنون، وقرأ أبي بكر عن عاصم بالتحتية فيها كلّها، وقرأ الجمهور: ﴿وَنَبْلُوَ﴾، بنصب الواو عطفًا على قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾. وروى ورش عن يعقوب: إسكانها على القطع عمّا قبله.
والمعنى: أي ولنختبرنّكم بالأمر بالجهاد، وسائر التكاليف الشاقّة، حتى يتبيّن المجاهد الصابر من غيره، ويعرف ذو البصيرة في دينه من ذي الشكّ والحيرة فيه والمؤمن من المنافق، ونبلو أخباركم، فنعرف الصادق منكم في إيمانه من الكاذب، قال إبراهيم بن الأشعث: كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية .. بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا، فإنك إذا بلوتنا .. فضحتنا، وهتكت أستارنا.
وفيه إشارة إلى أنه بنار البلاء يخلص إبريز الولاء، قيل: البلاء للولاء كاللهب للذهب، فإنَّ بالبلاء والامتحان. تبين جواهر الرجال، فيظهر المخلص،
стр. 12404
ويفتضح المنافق، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، والله تعالى عالم بخصائص جواهر الإنسان من الأزل إلى الأبد؛ لأنه خلقها على أوصافها من السعادة والشقاوة: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾.
٣٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ﴿وَصَدُّوا﴾؛ أي: منعوا الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن دين الإِسلام الموصل إلى رضا الله تعالى ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ ؛ أي: خالفوه وعادوه، وصاروا في شقّ في غير شقّه، المخالفة: أصل كل شرّ إلى يوم القيامة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ بما شاهدوا من نعته ﷺ في التوراة، وبما ظهر على يديه من المعجزات، ونزل عليه من الآيات، وهم قريظة والنضير، أو المطعمون يوم بدر وهم رؤساء قريش، وقيل: المنافقون ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ بكفرهم وصدّهم ﴿شَيْئًا﴾ من الأشياء، أو لن يضرّوا الله شيئًا، من الضرر، أو لن يضرّوا رسول الله بمشاقّته شيئًا، وقد حذف المضاف؛ لتعظيمه وتفظيع مشاقّته ﴿وَسَيُحْبِطُ﴾ ﴿السين﴾: لمجرد التأكيد ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: مكايدهم التي نصبوها في إبطال دينه تعالى، ومشاقّة رسوله، فلا يصلون بها إلى ما كانوا يبغون من الغوائل، ولا يتم لهم إلا القتل، كما لقريظة وأكثر المطعمين ببدر، والجلاء عن أوطانهم كما للنضير.
وقيل: المراد بأعمالهم: ما صورته صورة أعمال الخير، كإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وسائر ما كانوا يفعلونه من الخير، وإن كانت باطلة من الأصل؛ لأنّ الكفر مانع.
والمعنى (١): أي إنّ الذين جحدوا توحيد الله، وصدّوا الناس عن دينه الذي بعث به رسوله، وخالفوا هذا الرسول، وحاربوه، وآذوه من بعد أن استبان لهم بالأدلّة الواضحة، والبراهين الساطعة، أنه مرسل من عند ربّه، لن يضرّوا الله شيئًا؛ لأنّ الله بالغ أمره، وناصر رسوله، ومظهره على من عاداه وخالفه، وسيبطل مكايدهم التي نصبوها لإبطال دينه ومشاقّة رسوله، ولا يصلون بها إلى ما
стр. 12405
كانوا يبغون له من الغوائل، وستكون ثمرتها: إما قتلهم، أو جلاءهم عن أوطانهم.
والمراد بصدّ الناس عن سبيل الله: منعهم إياهم عن الإِسلام بشتّى الوسائل، وعن متابعة الرسول والانضواء تحت لوائه.
٣٣ - ثمّ أمر سبحانه عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد وبالقرآن ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فيما أمركم به من الفرائض والصدقة ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ فيما أمركم أو الجهاد والسنة، ولا تشاقّوا الله والوسول في شيء منها ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ بمثل ما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق والرياء والسمعة والعجب والمن والأذى وغيرها.
والظاهر: النهي عن كل سبب أو الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال، كائنًا ما كان من غير تخصيص بنوع معيّن.
وفي الآية (١): إشارة إلى أنّ كل عمل وطاعة لم يكن بأمر الله وسنة رسوله، فهو باطل لم يكن له ثمرة؛ لأنّه صدر عن الطبع، والطبع ظلمانيّ، وإنما جاء الشرع وهو نورانيّ ليزيل ظلمة الطبع بنور الشرع فيكون مثمرًا، وثمرته أو يخرجكم من الظلمات إلى النور؛ أي: من ظلمات الطبع إلى نور الحق، فعليك بالإطاعة واستعمال الشريعة، وإيّاك والمخالفة والإهمال.
وعن أبي العالية، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضرّ مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت هذه الآية، فخافوا أن يبطل الذنب العمل.
وعن ابن عمر ﵄ قال: كنّا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولًا، حتى نزلت: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات
стр. 12406
والفواحش، فكنّا إذا رأينا من أصاب شيئًا منها .. قلنا: قد هلك، حتى نزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فكففنا عن القول في ذلك، وكنّا إذا رأينا أحدًا أصاب منها شيئًا، خفنا عليه، وإن لم يصب .. رجونا له.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال في الآية: من استطاع منكم أن لا يبطل عملًا صالحًا بعمل سوء ... فليفعل ولا قوة إلا بالله تعالى.
٣٤ - ثم بين سبحانه أنه لا يغفر للمصريّن على الكفر، والصدّ عن سبيل الله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله تعالى ورسوله ﴿وَصَدُّوا﴾ الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن دينه الموصل إلى رضاه ﴿ثُمَّ مَاتُوا﴾ وفارقوا الدنيا ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ ﴿الواو﴾: للحال ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ في الآخرة، لأنهم ماتوا على الكفر، فيحشرون على ما ماتوا عليه، كما ورد: "تموتون كما تعيشون، وتحشرون كما تموتون". فقيّد سبحانه عدم المغفرة بالموت على الكفر؛ لأنّ باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حيًا، وظاهر الآية العموم، وإن كان السبب خاصًّا؛ لأنها نزلت في أصحاب القليب: وهم أبي جهل وأصحابه الذين قتلوا ببدر، وألقوا في قليب بدر، والقليب - بوزن أكثر -: البئر أو القديمة منها. والمراد: البئر التي طرح فيها جيف الكفار المقتولين يوم بدر، وأما البئر التي استقى منها المشركون ذلك اليوم فهي منتنة الآن، سمعته من بعض أهل بدر حين مروري بها. ويستفاد من الآية: أنّ كل كافر مات على كفره، فالله لا يغفر له؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
٣٥ - ثم نهى المؤمنين عن الوهن والضعف، فقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾؛ أي: فلا تضعفوا أيّها المؤمنون عن قتال الكفار، والخطاب فيه لأصحاب النبيّ ﷺ ، ثم وهو عام لجميع المسلمين إلى يوم القيامة، و ﴿الفاء﴾ فيه: قال الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا تبيّن لكم بما يتلى عليكم: أنّ الله عدوّهم يبطل أعمالهم فلا يغفر لهم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: ﴿لا تهنوا﴾؛ أي: لا تضعفوا عن قتالهم، فإنّ من كان الله
стр. 12407
عليه لا يفلح ﴿و﴾ لا ﴿تَدْعُوا﴾ الكفار ﴿إِلَى السَّلْمِ﴾؛ أي: إلى الصلح فورًا؛ أي: ابتداء منكم، فإن ذلك فيه ذلة لكم، وهو مجزوم بالعطف على ﴿تَهِنُوا﴾ ويجوز نصبه بإضمار أن، قال الزجاج: منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، واختلف العلماء (١) في هذه الآية: هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل: إنها محكمة، وإنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، وقيل: منسوخة بهذه الآية، ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنسخ، فإنّ الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعوا إلى السلم ابتداءً، ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، فالآيتان محكمتان ولم يتواردا على محل واحد، حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص، قال قتادة: معنى الآية: لا تكون أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَتَدْعُوا﴾ مضارع دعا الثلاثي، وقرأ أبي عبد الرحمن السلمي: ﴿وتدّعوا﴾ بتشديد الدال من ادّعى القيم وتداعوا، مثل قولك: ارتموا الصيد وتراموا، وقرأ الجمهور: ﴿إِلَى السَّلْمِ﴾ بفتح السين، وقرأ الحسن وأبو رجاء والأعمش وعيسى وطلحة وحمزة وأبو بكر: بكسرها.
وجملة قوله: ﴿وَأَنتُمْ﴾ أيّها المؤمنون ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾؛ أي: الغالبون بالسيف والحجة، في محل النصب حال من فاعل ﴿تَهِنُوا﴾، أو مستأنفة مقرّرة لما قبلها من النهي مؤكّدة لوجوب الانتهاء، قال الكلبيّ: آخر الأمر لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وكذا جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿مَعَكُمْ﴾ بالنصر والمعونة عليهم في محل نصب على الحال، فإنّ كونهم الأغلبين، وكونه تعالى؛ أي: ناصرهم في الدارين، من أقوى موجبات الاجتناب عمّا يوهم الذلّ والضراعة، وكذا توفيته تعالى لأجور أعمالهم، حسبما يعرف عنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾؛ أي: لن ينقصكم ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾؛ أي: شيئًا من أجور أعمالكم، ولن يضيّعها، بل يوفي أجورها موفّرة كاملة، من وتره يتره وترًا، من
стр. 12408
باب وعد: إذا نقصه حقّه. كما سيأتي.
وعبّر (١) عن ترك الإثابة في مقابلة الأعمال بالوتر الذي هو إضاعة شيء معتدّ به من الأنفس والأموال، مع أنّ الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة، إبرازًا لغاية اللطف بتصوير الثواب بصورة الحق المستحق، وتنزيل ترك الإثابة، بمنزلة إضاعة أعظم الحقوق وإتلافها.
والمعنى: أي فلا تضعفوا أيّها المؤمنون عن جهاد المشركين، وتجبنوا عن قتالهم، وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة خورًا وإظهارًا للعجز، وأنتم العالون عليهم، والله معكم بالنصر لكم عليهم، ولا يظلمكم أجور أعمالكم فينقصكم ثوابها.
٣٦ - ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ عند أهل البصيرة؛ أي: إن الإشغال بها ﴿لَعِبٌ﴾؛ أي: شغل غير مقصود لذاته، سواء شغل عن المقصود أم لا، يقال: لعب فلان: إذا كان فعله غير قاصد به مقصدًا صحيحًا، كفعل الصبيان ﴿وَلَهْوٌ﴾؛ أي: شغل شاغل عما هو المقصود؛ لأن اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمّه، ولذلك يقال: آلات الملاهي؛ أي: إنّ الاشتغال بالدنيا أعمال ضائعة لا نتيجة لها، ومشغلة عن طاعة الله تعالى؛ أي: باطل وغرور لا أصل لشيء منها، ولا ثبات له، ولا اعتداد به.
وفيه (٢): إشارة إلى أنّ الدنيا وما فيها من مثلها إلى آخرها، لا وجود لها في الحقيقة، وإنما هي أمر عارض، وخيال زائل ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ أيها الناس بما يجب به الإيمان ﴿وَتَتَّقُوا﴾ عن الكفر والمعاصي ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾؛ أي: يعطكم ثواب إيمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات، التي يتنافس فيها المتنافسون، وفي الآية حث على طلب الآخرة العلية الباقية، وتنفير عن طلب الدنيا الدنية الفانية ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ﴾ الله ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾؛ أي: لا يأمركم بإخراج جميع أموالكم في الزكاة، وسائر وجوه الخير، بحيث يخل أداؤها بمعاشكم؛
стр. 12409
لأنَّ الجمع المضاف من صيغ العموم، وإنما أمركم بإخراج القليل منها: وهو ربع العشر أو العشر، تؤدونها إلى فقرائكم، فطيبوا بها نفسًا، وقيل: المعنى: لا يسألكم أموالكم، إنما يسألكم أمثاله؛ لأنه أملك لها، وهو المنعم عليكم بإعطائها، وقيل: لا يسألكم الرسول أموالكم أجرًا على تبليغ الرسالة، كما في قوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. والأول أولى.
٣٧ - ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا﴾؛ أي: إن يسأل الله إيّاكم أموالكم جميعًا ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾؛ أي: يجهدكم، ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال: أحفى بالمسألة، وألحف وألح بمعنى واحد، والإحفاء: الاستقصاء في الكلام، ومنه إحفاء الشارب؛ أي: استئصاله؛ أي: إزالته من أصله.
وجواب الشرط قوله: ﴿تَبْخَلُوا﴾ بها، فلا تعطوا؛ أي: إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم .. تبخلوا بها، وتمتنعوا من الامتثال ﴿وَيُخْرِجْ﴾ الله سبحانه، ويعضده القراءة بنون العظمة، أو البخل؛ لأنّه سبب الإضغان ﴿أَضْغَانَكُمْ﴾؛ أي: أحقادكم معطوف على جواب الشرط، قال في "عين المعاني"؛ أي: يظهر أضغانكم عند الامتناع، وقيل: ويخرج ما في قلوبكم من حبّ المال، وهذه المرتبة لمن يوقى شح نفسه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ جزمًا عطفًا على جواب الشرط، والفعل مسند إلى الله، أو إلى الرسول أو إلى البخل، وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: ﴿ويخرج﴾ بالرفع على الاستئناف، بمعنى: وهو يخرج، وحكاها أبو حاتم عن عيسى، وفي "اللوائح": عن عبد الوارث عن أبي عمرو: ﴿ويَخْرُجُ﴾ بالياء التحتانية وفتحها، وضمّ الراء والجيم، ﴿أضغانكم﴾ بالرفع، بمعنى: وهو يخرج أو سيخرج أضغانكم رفع بفعله، وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن سيرين وابن محيصن، وأيُّوب بن المتوكل، واليماني: ﴿وتَخْرُج﴾ بتاء التأنيث مفتوحة، ﴿أضغانكم﴾ رفع به، وقرأ يعقوب الحضرميّ: ﴿ونخرج﴾ بالنون وضم الجيم،
стр. 12410
والفاعل: ضمير يعود على الله، ﴿أضغانكم﴾ بالنصب، وهي مروية عن عيسى، إلا أنه فتح الجيم بإضمار أن، فالواو: عاطفة على مصدر متوهّم؛ أي: يكن بخلكم وإخراج أضغانكم، وهذا (١) الذي خيف أن يعتري المؤمنين، هو الذي تقرب به محمد بن مسلمة إلى كعب بن الأشرف، وتوصل به إلى قتله حين قال له: إنّ هذا الرجل قد أكثر علينا، وطلب منّا الأموال.
ومجمل معنى الآيتين: (٢) يقبل الله سبحانه حاضًّا عباده المؤمنين على جهاد أعدائه، والنفقة في سبيله، وبذل مهجتهم في قتال أهل الكفر به: قاتلوا أيّها المؤمنون أعداء الله وأعداءكم من أهل الكفر، ولا تدعكم الرغبة في الحياة إلى ترك قتالهم، فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو لا يلبث أن يضمحل ويذهب، إلا ما كان منها من عمل في سبيل الله، وطلب رضاه.
ثم رغّبهم في العمل للآخرة، فقال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا ...﴾ إلخ؛ أي: وإن تؤمنوا بربكم، وتتقوه حقّ تقاته، فتؤدّوا فرائضه، وتجتنبوا نواهيه .. يؤتكم ثواب أعمالكم، فيعوّضكم عنها ما هو خير لكم يوم فقركم وحاجتكم إلى أعمالكم، وهو لا يأمركم بإخراجها جميعها في الزكاة، وسائر وجوه الطاعات، بل يأمركم بإخراج القليل منها: وهو ربع العشر للزكاة مواساة لإخوانكم الفقراء، ونفع ذلك عائد إليكم.
ثمّ بيّن شحّ الإنسان على ماله، وشدة حرصه عليه، فقال: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا﴾ إلخ؛ أي: إن يسألكم ربكم أموالكم فيجهدكم بالمسألة، ويلحف عليها بطلبها. تبخلوا بها وتمنعوها إياه ضنّا منكم بها، لكنه علم ذلك منكم فلم يسألكموها، فيخرج ذلك السؤال أحقادكم لمزيد حبكم للمال، قال قتادة: قد علم الله سبحانه أنّ في سؤال المال خروج الأضغان للإسلام، من حيث محبّة المال بالجبلة والطبيعة، ومن نوزع في حبيبه .. ظهرت طوّيته التي كان يسرها.
والخلاصة: قد علم الله شحّ الإنسان على المال، فلم يطلب منه إلا النزر
стр. 12411
اليسير في الصدقات، وبذل المال في المرافق العامة لإصلاح شؤون المجتمع الإِسلاميّ، كسدّ الثغور، وبناء القناطر والجسور.
٣٨ - ثمّ أكد ما سلف وقرّره بقوله: ﴿هَا﴾ حرف تنبيه بمعنى انتبهوا ﴿أَنْتُمْ﴾ كلمة (١) على حدة، وهو مبتدأ، خبره: قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: انتبهوا أنتم أيها المخاطبون هؤلاء الموصوفون؛ يعني: في قوله: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا﴾ الآية. ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. استئناف مقرّر لذلك، حيث دلّ على أنهم يدعون لإنفاق بعض أموالهم في سبيل الله، فيبخل ناس منهم، أو صلة لهؤلاء على أنه بمعنى الذين؛ أي: ها أنتم الذين تدعون، ففيه توبيخ عظيم، وتحقير من شأنهم، والإنفاق في سبيل الله يعمّ نفقة الغزو والزكاة وغيرهما؛ أي: ها أنتم أيها المؤمنون تدعون إلى النفقة في جهاد أعداء الله، ونصرة دينه ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ بالرفع، ومنكم من يجود؛ لأنّ من هذه ليست بشرط؛ أي: فمنكم ناس يبخلون، وهو في حيّز الدليل على الشرطية الثانية، كأنه قيل: الدليل عليه أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون بما يطلب منهم ويدعون إليه من الإنفاق في سبيل الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال .. فكيف لا يبخلون بالكثير: وهو جميع الأموال.
ثم بيّن سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس، فقال: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ﴾ بالجزم؛ لأن ﴿من﴾: شرطية ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾؛ أي: بمنعها الأجر والثواب ببخله، فإنّ كلًّا من ضرر البخل، نفع الإنفاق عائد إليه، فإن من يبخل وهو مريض بأجرة الطبيب، وبثمن الدواء .. فلا يبخل إلا على نفسه، والبخل يستعمل بعن وبعلى؛ لتضمّنه معنى الإمساك والتعدّي؛ أي: فإنما يمسك الخير عن نفسه بالبخل ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الْغَنِيُّ﴾ عنكم وعن صدقاتكم؛ لأنّه الغنيّ عن المطلب المتنزه عن الحاجة دون من عداه ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ إليه، وإلى ما عنده من الخير والرحمة، فما يأمركم به، فهو لاحتياجكم إلى ما فيه أو
стр. 12412
المنافع، فإن امتثلتم فلكم، وإن توليتم فعليكم.
وجملة قوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾: معطوفة على الشرطية المتقدمة، وهي: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلخ؛ أي: وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى، وعما دعاكم إليه، ورغبكم فيه من الإنفاق في سبيله ﴿يَسْتَبْدِلْ﴾؛ أي: يذهبكم ويخلق مكانكم قومًا آخرين: هم أطوع لله منكم ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا﴾؛ أي: أولئك الآخرون ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ في التولّي عن الإيمان والتقوى والإنفاق، بل يكونون راغبين فيها، وكلمة (١) ﴿ثُمَّ﴾: للدلالة على أن مدخولها مما يستبعده المخاطب؛ لتقارب الناس في الأحوال، واشتراك الجل في الميل إلى المال، والخطاب في ﴿تَتَوَلَّوْا﴾ لقريش، والبدل: الأنصار. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أو للعرب، والبدل: العجم وأهل فارس، كما روي: أنه ﵇ سئل عن القيم، وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، فقال: "هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطًا - أي: معلقًا - بالثريّا - النجم المعروف - لتناوله رجال من فارس". فدلّ على أنهم الفرس الذين أسلموا، أخرجه الطبراني والبيهقي وغيرهما عن أبي هريرة ﵁. وفي إسناده مقال. وقال مجاهد: هم من شاء الله من سائر الناس، وقال ابن جرير: والمعنى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ في البخل بالإنفاق في سبيل الله.
الإعراب
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
﴿ويَقُولُ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿يقول الذين﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿ءَامَنُوا﴾: صلته. ﴿لَولَا﴾: حرف تحضيض. ﴿نُزِّلَت سُورَة﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة: في محل النصب، مقول لـ ﴿الذِينَ﴾. ﴿فإذَا﴾ ﴿الفاء﴾:
стр. 12413
عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة: في محل الخفض بإضافة إذا إليها، والظرف: متعلق بالجواب. ﴿محكمة﴾ صفة ﴿سورة﴾. ﴿وذكر﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿فيها﴾: متعلق بـ ﴿ذكر﴾ ﴿القتال﴾: نائب فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أُنزِلَتْ﴾. ﴿رأيت الذين﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾: معطوفة على جملة ﴿يقول﴾ ﴿في قلوبهم﴾ خبر مقدم، ﴿مرض﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة صلة الموصول.
﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾.
﴿ينظرون﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب حال من الموصول، إن كانت الرؤية بصرية، ومفعول ثان إن كانت قلبية، وكلا الوجهين مراد في الآية. ﴿إليك﴾: متعلق بـ ﴿ينظرون﴾. ﴿نظر المغشي﴾ مفعول مطلق مبيّن للنوع، مؤكد لعامله. ﴿عليه﴾: متعلق بـ ﴿المغشي﴾؛ لأنّه اسم مفعول. ﴿من الموت﴾: متعلق به أيضًا. ﴿فأولى﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿أولى﴾: مبتدأ، وسوَّغ الابتداء به قصد الدعاء. ﴿لهُم﴾: خبره؛ أي: فالهلاك كائن لهم، وعليه اقتصر أبو البقاء، أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: العقاب أو الهلاك أولى لهم؛ أي: أقرب وأدنى، ويجوز أن تكون اللام بمعنى الباء؛ أي: أولى وأحقّ بهم، وفي "شرح القاموس": معناه: الويل لك، أو أولاك الله ما تكرهه، فتكون اللازم زائدة. اهـ.
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾.
﴿طاعة﴾: مبتدأ، خبره: محذوف، وسوَّغ الابتداء به الوصف المحذوف؛ أي: طاعة الله ورسوله أمثل لكم وأفضل، قال الرازي: لا يقال: ﴿طَاعَةٌ﴾: نكرة لا تصلح للابتداء؛ لأنّا نقول: هي موصوفة يدل عليه قوله تعالى: ﴿قول معروف﴾ فإنه موصوف، فكأنه تعالى قال: طاعة مخلصة وقول معروف خير.
стр. 12414
انتهى. ﴿وقول﴾: معطوف على ﴿طاعة﴾، ﴿معروف﴾: صفة ﴿قول﴾، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أمرنا طاعة وقول معروف. ﴿فإذا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿عزم الأمر﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف: متعلق بالجواب. ﴿فَلَوْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿صدقوا الله﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: فعل شرط لـ ﴿لو﴾. ﴿لكان﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿كان﴾: فعل ماض وناقص، واسمها: ضمير يعود على الصدق. ﴿خَيْرًا﴾: خبرها، ﴿لهم﴾: متعلق بـ ﴿خيرًا﴾. وجملة ﴿كان﴾: جواب ﴿لو﴾ الشرطية، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية. جواب ﴿إذا﴾ وجملة ﴿إذا﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿طَاعَةٌ﴾: عطف فعلية على اسمية. ﴿فَهَلْ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿هل﴾: حرف استفهام. ﴿عَسَيْتُمْ﴾: فعل أو أفعال الرجاء، ترفع الاسم وتنصب الخبر. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط: محذوف لدلالة ﴿هل عسيتم﴾ عليه تقديره: إن تولّيتم تفسدوا في الأرض وجملة الشرط: معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين ﴿عسى﴾ وخبرها. ﴿أن تفسدوا﴾: ناصب يفعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية. ﴿في الأرض﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿عسى﴾. ولكنّه في تأويل مشتق؛ لئلا يخبر بالمعنى عن الذات، تقديره: فهل عسيتم إفسادكم؛ أي: مفسدين من تولّيتم، وجملة ﴿عسى﴾: مستأنفة. ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿تفسدوا﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. ﴿لعنهم الله﴾: فعل ومفعول به، وفاعل، والجملة: صلة الموصول. ﴿فأصمهم﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أصمّهم﴾: فعل ماض ومفعول به، وفاعله: ضمير مستتر يعود على الله، والجملة: معطوفة على جملة الصلة. ﴿وأعمى﴾ فعل وفاعل مستتر. ﴿أَبصارهم﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أصمهم﴾: على كونها معطوفة على الصلة.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ
стр. 12415
مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾.
﴿أَفَلَا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخيّ، داخلة على مقدر يقتضيه السياق، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير: ألا يلاحظ هؤلاء المنافقون هذا القرآن فلا يتدبرّون، والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يتدبرون القرآن﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ذلك المحذوف. ﴿أم﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الاستفهام التقريري التوبيخي. ﴿عَلَى قُلُوبٍ﴾: خبر مقدم. ﴿أَقْفَالُهَا﴾: مبتدأ مؤخر وجوبًا، والجملة: جملة إنشائية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿إِن الذين﴾: ناصب واسمه. ﴿ارتدوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿على أدبارهم﴾: متعلق بـ ﴿ارتدوا﴾ أو حال من فاعله. ﴿من بعد﴾: متعلق بـ ﴿ارتدوا﴾ أيضًا. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿تبين﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿الهدى﴾: فاعل، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من بعد تبيّن الهدى لهم. ﴿الشيطان﴾: مبتدأ، وجملة ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾: خبر عن ﴿الشيطان﴾. والجملة الابتدائية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، وجملة ﴿وأملى لهم﴾: معطوفة على جملة ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿بأنهم﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة: مستأنفة. ﴿أن﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها، وجملة ﴿قَالُوا﴾: خبرها. ﴿للذين﴾: متعلق بـ ﴿قَالُوا﴾. وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر مجرور بالباء، والتقدير: ذلك كائن بسبب قوله للذين كرهوا، وجملة ﴿كَرِهُوا﴾: صلة الموصول. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿نزل الله﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: ما أنزله الله. ﴿سنطيعكم﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على المتكلمين. ﴿في بعض الأمر﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿والله﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿الله﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يعلم إسرارهم﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿قالوا﴾.
стр. 12416
﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.
﴿فكيف﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿كيف﴾: اسم استفهام في محل الرفع خبر مقدم لمبتدأ محذوف، تقديره: فكيف حالهم؟ أو في محل النصب مفعول لفعل محذوف، تقديره: فكيف يصنعون؟ ﴿إذا﴾؛ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، الجملة: في محل الخفض مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾؛ فعل وفاعل ومفعول. ﴿وأدبارهم﴾: معطوف على ﴿وجوههم﴾. والجملة الفعلية: في محل النصب حال من ﴿الملائكة﴾ وجواب ﴿إذا﴾: معلوم مما قبله؛ أي: إذا توفّتهم الملائكة .. فكيف حالهم؟ أو ﴿إذا﴾ ظرف مجرد عن معنى الشرط، متعلق بالفعل المحذوف؛ أي: فكيف يصنعون وقت توفية الملائكة إياهم؟ ﴿ذلك﴾: مبتدأ. ﴿بأنهم﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿أن﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿اتبعوا﴾: فعل وفاعل، و ﴿ما﴾: موصولة في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: ذلك بسبب اتباعهم ما أسخط الله. ﴿أسخط الله﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة ﴿وكرهوا رضوانه﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿اتبعوا﴾. ﴿فأحبط أعمالهم﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على ﴿اتبعوا﴾.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾.
﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿حَسِبَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل والجملة: مستأنفة. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مرض﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: صلة الموصول. ﴿أن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن. ﴿لن﴾: حرف نصب واستقبال ﴿يخرج الله﴾: فعل وفاعل منصوب بـ
стр. 12417
﴿لَنْ﴾، ﴿أضْغَانَهُمْ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة: في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ﴿حَسِبَ﴾. والتقدير: أم حسب الذين في قلوبهم مرض عدم إخراج الله أضغانهم. ﴿وَلَو﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿نَشَاءُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة: فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لأريناكهم﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ ﴿أريناكهم﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والرؤية هنا بصرية، تعدّت إلى مفعولين بالهمزة، والجملة جواب ﴿لو﴾: الشرطية لا محل له وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: معطوفة على جملة ﴿حسب﴾. ﴿فلعرفتهم﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: رابطة للجواب مؤكِّدة للأولى. ﴿عرفتهم﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿أريناكهم﴾. ﴿بسيماهم﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿عرفتهم﴾. ﴿ولتعرفنهم﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿تعرفن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله: ضمير يعود على محمد، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، ﴿في لحن القول﴾: متعلق بـ ﴿تعرفنهم﴾ أو حال أو المفعول؛ أي: حال كونهم لا حنين، والجملة: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يعلم أعمالكم﴾: خبر المبتدأ، والجملة الابتدائية: مستأنفة. ﴿ولنبلونكم﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿نبلوّن﴾: فعل مضارع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله: ضمير مستتر يعود على الله، و ﴿الكاف﴾: مفعول به، والجملة: جواب القسم، وجملة القسم: مستأنفة أو معطوفة على جملة القسم الأولى. ﴿حتى﴾: حرف جر وغاية. ﴿نعلم﴾: فعل مضارع، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حتى﴾ الجارة، وفاعله: ضمير يعود على الله. ﴿المجاهدين﴾: مفعول به. ﴿مِنكمُ﴾: حال من ﴿المجاهدين﴾ ﴿والصابرين﴾: معطوف على ﴿المجاهدين﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حتى﴾ بمعنى إلى، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿نبلوّن﴾؛ أي: ولنبلونكم إلى علمنا المجاهدين والصابرين منكم. ﴿ونبلوا﴾ فعل مضارع، معطوف على ﴿نعلم﴾، وفاعله: ضمير
стр. 12418
يعود على الله. ﴿أخباركم﴾ مفعول به.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾.
﴿إن الذين﴾ ناصب واسمه. ﴿كفروا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وصدوا﴾ معطوف على ﴿كفروا﴾. ﴿عن سبيل الله﴾ متعلق بـ ﴿صدوا﴾ ومضاف إليه. ﴿وشاقوا الرسول﴾ فعل وفاعل ومفعول به معطوف أيضًا على ﴿كفروا﴾. ﴿من بعد﴾ متعلق بـ ﴿شاقوا﴾ ﴿مَا﴾ مصدرية ﴿تبين﴾ فعل ماض ﴿لهم﴾ متعلق به ﴿الهدى﴾ فاعل، والجملة الفعلية مع ﴿مَا﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه تقديره من بعد تبين الهدى لهم. ﴿لَن﴾: حرف نصب. ﴿يضروا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بـ ﴿لن﴾، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿شيئًا﴾: مفعول مطلق؛ أي: شيئًا من الضرر، ولك أن تعربه مفعولًا به. ﴿وسيحبط﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿والسين﴾: حرف استقبال. ﴿يحبط أعمالهم﴾: فعل مضارع وفعل مستتر ومفعول به معطوف على جملة ﴿لَن يضروا الله﴾. ﴿يا﴾: حرف نداء ﴿أي﴾، منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه، ﴿الذين﴾: صفة لـ ﴿أيّ﴾، وجملة النداء: مستأنفة. وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول، ﴿أطيعوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿وأطِيعُوا اَلرسُولَ﴾ معطوف على ﴿أَطِيعُوا اللهَ﴾، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تبطلوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿أعمالكم﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَطيعوا الله﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلته. ﴿وَصَدُّوا﴾: معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَصَدُّوا﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف
стр. 12419
عطف، ﴿مَاتُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب حال من فاعل ﴿مَاتُوا﴾، ﴿فَلَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر لما في الموصول أو معنى الشرط، ﴿لن﴾: حرف نصب. ﴿يَغْفِرَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿لن﴾. ﴿لهُم﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إِن﴾، وجملة ﴿إِن﴾: مستأنفة. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾:فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم وجوب الجهاد، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم. ﴿لا تهنوا﴾ ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَهِنُوا﴾: فعل مضارع وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿وَتَدْعُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿لا تهنوا﴾. ﴿إِلَى السَّلْمِ﴾: متعلق به. ﴿وَأَنْتُمُ﴾ ﴿الواو﴾: واو الحال، ﴿أَنْتُمُ﴾: مبتدأ. ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾: خبره، والجملة: في محل النصب حال من فاعل ﴿وَصَدُّوا﴾. ﴿وَاللَّهِ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة: في محل النصب حال أو فاعل ﴿تَهِنُوا﴾ أيضًا. ﴿وَلَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لن﴾: حرف نصب واستقبال. ﴿يَتِرَكُمْ﴾: فعل وفاعل. مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ومفعول به. ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾: بدل اشتمال أو ضمير المفعول أو منصوب بنزع الخافض؛ أي: في أعمالكم، كما نصّ عليه في "المختار"، أو مفعول ثان كما يفيده كلام "المصباح". والجملة الفعلية: في محل الرفع معطوفة على الظرف على كونها خبر المبتدأ. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿الْحَيَاةُ﴾: مبتدأ، ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة، ﴿لَعِبٌ﴾: خبر، ﴿وَلَهْوٌ﴾: معطوف عليه، والجملة: مستأنفة. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿تُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿وَتَتَّقُوا﴾: معطوف عليه، ﴿يُؤْتِكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول أول، مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية، على كونه جوابًا لها. ﴿أُجُورَكُمْ﴾: مفعول ثان، والجملة الشرطية. معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، عطف فعلية على اسمية. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَسْأَلْكُمْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول أول معطوف على ﴿يُؤْتِكُمْ﴾،
стр. 12420
﴿أَمْوَالَكُمْ﴾: مفعول ثان لـ ﴿يسأل﴾.
﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾.
﴿إِن﴾: حرف شرط. ﴿يَسْأَلْكُمُوهَا﴾ ﴿يسأل﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهِ﴾ مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، و ﴿الكاف﴾: ضمير المخاطبين في محل النصب مفعول أول، و ﴿الميم﴾: حرف دالّ على الجمع، و ﴿الواو﴾ للإشباع، و ﴿الهاء﴾ مفعول ثان. ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿يحفكم﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على الشرط. ﴿تَبْخَلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية، على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على الجواب. ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ ﴿ها﴾: حرف تنبيه لتنبيه المخاطب على ما يلقى إليه. ﴿أنتم﴾: مبتدأ. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: خبره، وجملة ﴿تُدْعَوْنَ﴾: مستأنفة، وأعربه بعضهم ﴿ها﴾. للتنبيه، و ﴿أنتم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿تُدْعَوْنَ﴾: خبره، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾: منادى معترض بين المبتدأ والخبر؛ أي: أنتم يا هؤلاء تدعون .. إلخ. وجنح الزمخشري إلى إعراب ﴿هَؤُلَاءِ﴾: اسم موصول بمعنى الذين، وهو الخبر، وجملة ﴿تُدْعَوْنَ﴾: صلة، وتبعه االبيضاوي. وكررت ﴿ها﴾؛ للتنبيه وللتأكيد. ﴿تُدْعَوْنَ﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿لِتُنْفِقُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جرّ وتعليل. ﴿تنفقوا﴾: فعل مضارع وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تنفقوا﴾ والجملة الفعلية مع أو المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور، متعلق بـ ﴿تنفقوا﴾؛ أي: تدعون لإنفاقكم في سبيل الله. ﴿فَمِنكُم﴾ ﴿الفاء﴾: قال الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنكم تدعون للإنفاق، وأردتم بيان تفاصيل أحوالكم .. فأقول لكم: منكم أو يبخل ومنكم من لا يبخل. ﴿منكم﴾: خبر مقدم، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿يَبْخَلْ﴾:
стр. 12421
صلته، والجملة الاسمية: في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الجواب أو الشرط أو هما. ﴿يبخل﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿فَإِنَّمَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية جوازًا. ﴿إنما﴾: كافة ومكفوفة. ﴿يَبْخَلْ﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مِن﴾، ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَبْخَلْ﴾، عدّاه بـ ﴿عَن﴾ لتضمّنه معنى الإمساك، والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية: معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿الْغَنِيُّ﴾: خبره، والجملة: مستانفة. ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿تَتَوَلَّوْا﴾: فعل مضارع وفاعل، مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿يَسْتَبْدِلْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿وَاللَّهِ﴾ مجزوم على كونه جواب الشرط، ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به. ﴿غَيْرَكُمْ﴾: صفة ﴿قَوْمًا﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية، معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾. ﴿ثُمَ﴾ حرف عطف ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَكُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه، معطوف على الجواب مجزوم. ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾: خبره.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَوْلَا﴾: كلمة تفيد الحثّ على حصول ما بعدها؛ أي: هلّا أنزلت سورة في أمر الجهاد. ﴿مُحْكَمَةٌ﴾؛ أي: بيّنة واضحة، لا احتمال فيها لشيء آخر. ﴿مَرَضٌ﴾؛ أي: ضعف في الدين وشكّ ونفاق.
﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾؛ أي: نظر المغمى عليه خوفًا من الموت، أو المحتضر الذي لا يحرّك بصره. ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ اختلف اللغويّون، والمعربون في هذه الكلمة، فقال الأصمعيّ: إنه فعل ماض، فمعناه: قاربهم ما يهلكهم، وعلى قوله: هو فعل ماض، وفاعله: ضمير مستتر يدلّ عليه السياق؛ كأنه قيل: فأولى
стр. 12422
هو؛ أي: الهلاك، والأكثرون على أنه اسم، ثمّ اختلف هؤلاء: فقيل: هو اسم على وزن أفعل، مشتق من الولي: وهو القرب، ومعناه: الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، وقيل: اسم على وزن فعلى، مشتقّ من آل يؤول، فمعناه: الدعاء عليهم بأن يؤول أمرهم إلى المكروه، وقال الراغب: أولى: كلمة تهدّد وتخوّف، يخاطب بها من أشرف على الهلاك، فيحثّ به على عدم التعرّض، أو يخاطب به من نجا منه فينهي عن مثله ثانيًا، فأكثر ما يستعمل مكرّرًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾، وأنه حث على تأمّل ما يؤول إليه أمره لينتبه المتحرّز منه، وقال صاحب "الصحاح": قول العرب: أولى لك: تهديد وتوعيد، ومنه قول الشاعر:
فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ... وَهْلَ لِلدَّاءِ يَحْلُبُ مَنْ يَرُدُّ
﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: جدَّ أولو الأمر، والعزم والعزيمة: الجد، وعقد القلب إلى إمضاء الأمر، والعزيمة: تعويذٌ، كأنه تصوّر أنك قد عقدت على الشيطان أن يمضي إرادته منك.
والمعنى: فإذا جدّوا في أمر الجهاد، وافترض القتال.
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ بكسر السين وفتحها؛ أي: لعلكم، أو فهل يتوقّع منكم إلا الإفساد أن أعرضتم عن الإيمان والقتال؟ وكلمة عسى: تدلّ على توقّع حصول ما بعدها، ولكن التوقع من الله غير متصوّر؛ لأنّ الله عالم بما كان وبما يكون، فتفيد هنا التحقق؛ أي: حقّق الله إن أعرضتم وتولّيتم عن دين الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ أنّ ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالإغارة والنهب والسلب، وقطع الأرحام، كما مرّ، أو إن تولّيتم أمور الناس، أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشوة، والحكم بالظلم.
﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: جمع رحم، والرحم في الأصل: رحم المرأة: وهو منبت الولد، ووعاؤه في البطن، ثمّ سمّيت القرابة والوصلة من جهة الولادة رحمًا بطريق الاستعارة؛ لكونهم خارجين من رحم واحد.
стр. 12423
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ والتدبّر: النظر في دبر الأمور وعواقبها، وأصل التدبّر: التفكر في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره، وتدبّر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب، وجمع الفهم وقت تلاوته، ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف، وخلوص النيّة. اهـ. "خازن".
﴿أَقْفَالُهَا﴾ والأقفال: جمع قفل بالضم: وهو الحديد الذي يغلق به الباب. كما في "القاموس".
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ الارتداد والردّة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكن الردّة تختصّ بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره، وأصله: ارتَدَدُوا، فكرهوا توالي المثلين، فادغمت الدال الأولى في الثانية، على حدّ قول ابن مالك في "ألفيته".
أَوَّلَ مِثْلَيْنِ مُحَرَّكَيْنِ فِيْ ... كِلْمَةٍ ادْغِمْ لَا كَمِثْلِ صُفَفِ
والأدبار: جمع دبر، ودبر الشيء: خلاف القبل، وكني بهما عن العضوين المخصوصين.
﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾؛ أي: سهّل لهم، وزيّن، من التسويل: وهو تزيين النفس لما تحرص عليه، وتصوير القبيح منه بصورة الحسن. ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾؛ أي: أمدّ لهم في الأمانيّ الكاذبة، والآمال الباطلة. قال الراغب: الإملاء: الإمداد، ومنه قيل للمدّة الطويلة: ملاوة من الدهر، وملوة من الدهر، وأصله: أملي، بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وهذه الياء أصلها واو، إلا أنها لمّا صارت رابعة .. قلبت ياء. ﴿سَنُطِيعُكُمْ﴾ أصله: سنطوعكم، من الطواعية، نقلت حركة الواو إلى الطاء فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مدّ.
﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ جمع ضغن: وهو الحقد: وهو إمساك العداوة في القلب، والتربص لفرصتها. وفي "المصباح": ضغن صدره ضغنًا، من باب تعب: حقد، والاسم ضغن، والجمع: أضغان، مثل: حمل وأحمال: وهو ضغن وضاغن. وفي "المصباح" أيضًا: الحقد: الانطواء على العداوة والبغضاء، وحقد
стр. 12424
عليه من باب ضرب وتعب يجمع على أحقاد، كحمل وأحمال، وقال عمرو بن كلثوم:
وَإنِ الضُّغْنُ بَعْدَ الضُّغْنِ يَبْدُوْ ... عَلَيْكَ وَيُخْرُجُ الدَّاءَ الدَّفِيْنَا
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ أصله: لأريناكهم، نقلت حركة الهمزة إلى الراء فسكّنت ثم حذفت للتخفيف، فوزنه أفلنا. ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾؛ أي: بعلامتهم التي نسمهم بها. وفي "القاموس": والسومة بالضم، والسيمة والسيماء والسيمياء بكسرهن: العلامة، وذكر في السوم. ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾؛ أي: في معنى القول وفحواه ومقصده وأسلوبه، وقيل: اللحن: أن تلحن بكلامك؛ أي: تميله إلى نحو من الأنحاء، ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية، قال الشاعر:
وَلَقَدْ لَحَنْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْهَمُوْا ... وَاللَّحْنَ يَعْرِفُهُ ذَوُو الأَلْبَابِ
فاللحن: العدول بالكلام عن الظاهر، والمخطىء لاحن؛ لعدوله عن الصواب؛ أي: لكي تفهموا دون غيركم، فإنَّ اللحن يعرفه أرباب الألباب دون غيرهم، قال في "المصباح": واللحن بفتحتين: الفطنة: وهو مصدر من باب تعب، والفاعل لحن، يتعدى بالهمزة، فيقال: ألحنته فلحن؛ أي: أفطنته ففطن: وهو سرعة الفهم، وهو ألحن من زيد؛ أي: أسبق فهمًا، ولحن في كلامه لحنًا من باب نفع: أخطأ في العربية، قال أبو زيد: لحن في كلامه لحنًا بسكون الحاء لحونًا: إذا أخطأ في الإعراب، وخالف وجه الصواب، ولحنت بلحن فلان لحنًا أيضًا: تكلمت بلغته، ولحنت له لحنًا: قلت له قولًا فهمه عنّي، وخفي على غيره من القوم، وفهمته من لحن كلامه، وفحواه ومعاريضه بمعنى، قال الأزهري: لحن القول: كالعنوان، وهو كالعلامة تشير بها فيفطن المخاطب لغرضك. اهـ. وقد كان المنافقون يصطلحون فيما بينهم على ألفاظ يخاطبون بها الرسول ﷺ ، ظاهرها حسن ويعنون بها القبيح، كقولهم: راعنا. اهـ "كرخي".
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ أصل ﴿صدوا﴾: صددوا، أدغمت الدال في الدال، وأصل ﴿شاقوا﴾: شاققوا، أدغمت القاف الأولى في الثانية، فصار شاقوا. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ أصله: يضرون بوزن يفعلون،
стр. 12425
حذفت نون الرفع لدخول الناصب وهو ﴿لن﴾، ثم نقلت حركة الراء الأولى إلى الضاد، فسكنت فأدغمت في الراء الثانية.
﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ من الوهن: وهو الضعف، أصله: توهنون، حذفت نون الرفع لدخول الجازم: وهو ﴿لا﴾ الناهية، ثم حذفت فاء الفعل المثاليّ، فمضارعه: يوهن بوزن يفعل بكسر العين، ووقعت الواو بين ياء مفتوحة وكسرة فحذفت لوقوعها بين عدوّيها: الياء والكسرة. ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ جمع أعلى، أصله: الأعلوون بواوين، الأولى: لام الكلمة، والثانية: واو جمع المذكر السالم، فيقال: تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبها فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان فحذفت الألف.
﴿يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ مضارع وتر المثاليّ، وتحذف فاؤه في المضارع. وفي "المختار": وتره حقَّه يتره بالكسر وترًا بالكسر أيضًا: نقصه.
﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ويقال في الفرق بينهما: وكل ما اشتغلت به مما ليس فيه ضرر في الحال، ولا منفعة في المآل، ولم يمنعك من مهام أمورك، فهو لعب، فإن شغلك عنها .. فهو لهو، ومن ثم يقال: آلات الملاهي؛ لأنها مشغلة عن غيرها، ويقال لما دون ذلك: لعب كاللعب بالشطرنج، والنرد والحمام.
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ أصله: توتقيون استثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم لمَّا سكنت .. حذفت لالتقاء الساكنين، وضمت القاف لمناسبة الواو، ثم أبدلت الواو فاء الكلمة تاءً، وأدغمت في تاء الافتعال، وحذفت نون الرفع لعطف الفعل على فعل الشرط.
﴿فَيُحْفِكُمْ﴾؛ أي: يجهدكم بطلب الكل. والإحفاء، وكذا الإلحاف: بلوغ الغاية في كل شيء، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئًا من الإلحاح. ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وفي "السمين": بخل، وضن يتعدَّيان بعلى تارةً، وبعن أخرى، والأجود: أن يكونا حال تعدّيهما بعن مضمنين معنى الإمساك. اهـ.
стр. 12426
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ أصله: تدعوون، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أصله: تتوليون، حذفت نون الرفع لدخول الجازم، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وحذفت الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة.
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أسند العزم إلى الأمر إسنادًا مجازيًا، وهو لأهله مثل: نهاره صائم.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لتأكيد التوبيخ، وتشديد التقريع. اهـ "أبو السعود".
وفيه أيضًا: ما يُسمَّى في البلاغة في غير القرآن بتجاهل العارف؛ أي: سلوك طريقة الاستخبار.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾؛ لأنّ قطعها كناية عن ترك صلتها.
وفيه أيضًا: الاستعارة التصريحية الأصلية في ﴿أَرْحَامَكُمْ﴾؛ لأنّ الرحم في الأصل: وعاء الولد في البطن، أستعير لذوي القرابات لكونهم خارجين من رحم واحد.
ومنها: الإشارة إلى المخاطبين بطريق الالتفات في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ المفسدون ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله﴾ إيذانًا بأن ذكر إهانتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ اختصر في الإصمام، حيث قال: ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ وأطنب في الإعماء، حيث قال: ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.
стр. 12427
ومنها: الاستفهام التوبيخيّ في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾.
ومنها: تنكير ﴿قُلُوبٍ﴾ في قوله: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ إمّا لتهويل حالها، وتفظيع شأنها، كأنه قيل: على قلوب نكرة لا يعرف حالها، وإمّا لأنّ المراد بها: قلوب بعض منهم: وهم المنافقون.
وفيه أيضًا: الاستعارة التصريحية، حيث شبّه قلوبهم بالأبواب المقفلة، فهي لا تنفتح لوعظ واعظ.
ومنها: إضافة الأقفال إلى ضمير القلوب؛ للدلالة على أنها أقفال مخصوصة بها، مناسبة لها، غير مجانسة لسائر الأقفال المعهودة التي من الحديد، إذ هي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح. اهـ "أبو السعود".
ومنها: الكناية في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ وهو كناية عن الكفر بعد الإيمان.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾؛ لأنّ بلاء الأخبار كناية عن بلاء الأعمال.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾، لأنّ الصدّ والمشاقة عين الكفر.
ومنها: زيادة السين في قوله: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ لمجرد التأكيد.
ومنها: تكرار اللام الرابطة لجواب ﴿لو﴾ في قوله: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ لمجرد التأكيد بعد قوله: ﴿لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ حيث عبّر بنون العظمة لإبراز العناية بالإراءة.
ومنها: حذف المضاف في قوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾؛ أي: لن يضرّوا رسول الله بمشاقته شيئًا، فقد حذف المضاف لتعظيمه، وتفظيع مشاقّته.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ حيث
стр. 12428
عبّر عن ترك الإثابة في مقابلة الأعمال بالوتر، الذي هو إضافة شيء معتدّ به عن الأنفس والأموال، فاستعار الوتر الذي بمعنى إضاعة الأموال، لترك الإثابة على الأعمال، فاشتقّ من الوتر الذي بمعنى ترك الإثابة، يتر بمعنى يترك الإثابة، على طريقة الاستعارة التبعية.
ومنها: قصد العموم بقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾؛ لأنّ الجمع المضاف من صيغ العموم. فالمراد: جميع أموالكم.
ومنها: تكرار ها التنبيه في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ للتأكيد.
ومنها: تكرار لفظ ﴿يَبْخَلُ﴾؛ استهجانًا له، وتنفيرًا منه.
ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾؛ أي: ومنكم من يجود، وحذف هذا المقايل؛ لأنّ المراد: الاستدلال على البخل. اهـ "خطيب".
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾.
ومنها: الإتيان بكلمة ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾؛ للدلالة على أنّ مدخولها مما يستبعده المخاطبون لتقارب الناس في الأحوال، واشتراكهم في الميل إلى المال.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 12429
خلاصة ما تضمنته هذه السورة
اشتملت هذه السورة الكريمة على ثلاثة مقاصد:
١ - وصف الكافرين والمؤمنين من أوّل السورة إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾.
٢ - جزاء الفريقين في الدنيا والآخرة، من خذلان ونصر ونار وجنة، من قوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾.
٣ - الوعد والوعيد للمنافقين والمرتدين، من قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ...﴾ إلى آخر السورة (١).
والله أعلم
* * *
стр. 12430
سورة الفتح
قال القرطبي: سورة الفتح مدنية بالإجماع (١)، ونزلت ليلًا بين مكة والمدينة في شأن الحديبية، وقد أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الفتح بالمدينة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وأخرج ابن إسحاق والحاكم وصححه، والبيهقي في "الدلائل" عن المسور بن مخرمة ومروان، قالا: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية، من أولها إلى آخرها، وهذا لا ينافي الإجماع على كونها مدنية؛ لأنّ المراد بالسور المدنية: النازلة بعد الهجرة من مكة.
وهي تسع وعشرون آيةً، وخمس مدّة وستون كلمةً، وألفان وأربع مئة وثمانية وثلاثون حرفًا، نزلت بعد سورة الجمعة.
تسميتها: سميت سورة الفتح؛ لأنّ الله تعالى بشّر المؤمنين بالفتح المبين، حيث قال في أولها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ الآيات.
فضلها: نزلت هذه السورة الكريمة على رسول الله ﷺ بعد مرجعه من الحديبية، ولما نزلت هذه السورة .. قال رسول الله ﷺ : "لقد أنزلت عليّ الليلة سورة، هي أحب إليَّ من الدنيا وما فيها". ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب.
مناسبتها لما قبلها من ثلاثة أوجه (٢):
١ - أنّ الفتح المراد به النصر مرتب على القتال، وجاء في سورة محمد تعليم المؤمنين كيفية القتال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، ثم ذكر هنا بيان