← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12426–12465 · переход к 12431.

стр. 12426

﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ أصله: تدعوون، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أصله: تتوليون، حذفت نون الرفع لدخول الجازم، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وحذفت الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة. البلاغة وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أسند العزم إلى الأمر إسنادًا مجازيًا، وهو لأهله مثل: نهاره صائم. ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لتأكيد التوبيخ، وتشديد التقريع. اهـ "أبو السعود". وفيه أيضًا: ما يُسمَّى في البلاغة في غير القرآن بتجاهل العارف؛ أي: سلوك طريقة الاستخبار. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾؛ لأنّ قطعها كناية عن ترك صلتها. وفيه أيضًا: الاستعارة التصريحية الأصلية في ﴿أَرْحَامَكُمْ﴾؛ لأنّ الرحم في الأصل: وعاء الولد في البطن، أستعير لذوي القرابات لكونهم خارجين من رحم واحد. ومنها: الإشارة إلى المخاطبين بطريق الالتفات في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ المفسدون ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله﴾ إيذانًا بأن ذكر إهانتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ اختصر في الإصمام، حيث قال: ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ وأطنب في الإعماء، حيث قال: ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.

стр. 12427

ومنها: الاستفهام التوبيخيّ في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. ومنها: تنكير ﴿قُلُوبٍ﴾ في قوله: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ إمّا لتهويل حالها، وتفظيع شأنها، كأنه قيل: على قلوب نكرة لا يعرف حالها، وإمّا لأنّ المراد بها: قلوب بعض منهم: وهم المنافقون. وفيه أيضًا: الاستعارة التصريحية، حيث شبّه قلوبهم بالأبواب المقفلة، فهي لا تنفتح لوعظ واعظ. ومنها: إضافة الأقفال إلى ضمير القلوب؛ للدلالة على أنها أقفال مخصوصة بها، مناسبة لها، غير مجانسة لسائر الأقفال المعهودة التي من الحديد، إذ هي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح. اهـ "أبو السعود". ومنها: الكناية في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ وهو كناية عن الكفر بعد الإيمان. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾؛ لأنّ بلاء الأخبار كناية عن بلاء الأعمال. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾، لأنّ الصدّ والمشاقة عين الكفر. ومنها: زيادة السين في قوله: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ لمجرد التأكيد. ومنها: تكرار اللام الرابطة لجواب ﴿لو﴾ في قوله: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ لمجرد التأكيد بعد قوله: ﴿لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾. ومنها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ حيث عبّر بنون العظمة لإبراز العناية بالإراءة. ومنها: حذف المضاف في قوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾؛ أي: لن يضرّوا رسول الله بمشاقته شيئًا، فقد حذف المضاف لتعظيمه، وتفظيع مشاقّته. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ حيث

стр. 12428

عبّر عن ترك الإثابة في مقابلة الأعمال بالوتر، الذي هو إضافة شيء معتدّ به عن الأنفس والأموال، فاستعار الوتر الذي بمعنى إضاعة الأموال، لترك الإثابة على الأعمال، فاشتقّ من الوتر الذي بمعنى ترك الإثابة، يتر بمعنى يترك الإثابة، على طريقة الاستعارة التبعية. ومنها: قصد العموم بقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾؛ لأنّ الجمع المضاف من صيغ العموم. فالمراد: جميع أموالكم. ومنها: تكرار ها التنبيه في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ للتأكيد. ومنها: تكرار لفظ ﴿يَبْخَلُ﴾؛ استهجانًا له، وتنفيرًا منه. ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾؛ أي: ومنكم من يجود، وحذف هذا المقايل؛ لأنّ المراد: الاستدلال على البخل. اهـ "خطيب". ومنها: المقابلة في قوله: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾. ومنها: الإتيان بكلمة ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾؛ للدلالة على أنّ مدخولها مما يستبعده المخاطبون لتقارب الناس في الأحوال، واشتراكهم في الميل إلى المال. ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 12429

خلاصة ما تضمنته هذه السورة اشتملت هذه السورة الكريمة على ثلاثة مقاصد: ١ - وصف الكافرين والمؤمنين من أوّل السورة إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾. ٢ - جزاء الفريقين في الدنيا والآخرة، من خذلان ونصر ونار وجنة، من قوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾. ٣ - الوعد والوعيد للمنافقين والمرتدين، من قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ...﴾ إلى آخر السورة (١). والله أعلم * * *

стр. 12430

سورة الفتح قال القرطبي: سورة الفتح مدنية بالإجماع (١)، ونزلت ليلًا بين مكة والمدينة في شأن الحديبية، وقد أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الفتح بالمدينة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وأخرج ابن إسحاق والحاكم وصححه، والبيهقي في "الدلائل" عن المسور بن مخرمة ومروان، قالا: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية، من أولها إلى آخرها، وهذا لا ينافي الإجماع على كونها مدنية؛ لأنّ المراد بالسور المدنية: النازلة بعد الهجرة من مكة. وهي تسع وعشرون آيةً، وخمس مدّة وستون كلمةً، وألفان وأربع مئة وثمانية وثلاثون حرفًا، نزلت بعد سورة الجمعة. تسميتها: سميت سورة الفتح؛ لأنّ الله تعالى بشّر المؤمنين بالفتح المبين، حيث قال في أولها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ الآيات. فضلها: نزلت هذه السورة الكريمة على رسول الله ﷺ بعد مرجعه من الحديبية، ولما نزلت هذه السورة .. قال رسول الله ﷺ : "لقد أنزلت عليّ الليلة سورة، هي أحب إليَّ من الدنيا وما فيها". ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب. مناسبتها لما قبلها من ثلاثة أوجه (٢): ١ - أنّ الفتح المراد به النصر مرتب على القتال، وجاء في سورة محمد تعليم المؤمنين كيفية القتال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، ثم ذكر هنا بيان

стр. 12431

الثمرة اليانعة لتلك الكيفية، وهي النصر والفتح. ٢ - في كلتا السورتين ذكر محمد والفتح، وذكر المؤمنين المخلصين والمشركين والمنافقين. ٣ - وفي السورة السالفة أمر النبيّ ﷺ بالاستغفار لذنبه، وللمؤمنين والمؤمنات، وافتتحت هذه السورة بذكر حصول المغفرة. وعبارة أبي حيان: مناسبتها لما قبلها (١): أنه تقدم: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ...﴾ الآية. وهو خطاب لكفار قريش، أخبر رسوله ﷺ بالفتح العظيم، وأنه بهذا الفتح حصل الاستبدال، وآمن كل من كان بها، وصارت مكة دار إيمان، ولما قفل رسول الله ﷺ من صلح الحديبية .. تكلّم المنافقون، وقالوا: لو كان محمد نبيًا، ودينه حقًا .. ما صدّ عن البيت، ولكان فتح مكة، فأكذبهم الله تعالى، وأضاف الفتح إلى نفسه؛ إشعارًا بأنه من عند الله، لا بكثرة عَدد ولا عُدد، وأكّده بالمصدر، ووصفه بأنه مبين مظهر لما تضمّنه من النصر والتأييد. والظاهر: أنّ هذا الفتح هو فتح مكة، وقال الكلبي وجماعة: وهو المناسب لآخر السورة التي قبل هذه، لما قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ﴾ الآية .. بين أنه فتح لهم مكة، وغنموا، وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا، ولو بخلوا .. لضاع عليهم، فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم، وأيضًا لما قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ .. بيّن برهانه بفتح مكة، فإنهم كانوا هم الغالبين، وأيضًا لما قال ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ .. كان فتح مكة، حيث لم يلحقهم وهن ولا دعوا إلى صلح، بل أتى صناديد قريش مستأمنين مستسلمين مسلمين. الناسخ والمنسوخ منها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة الفتح مدنية بالإجماع، فيها ناسخ وليس فيها منسوخ. سبب نزولها: ما أخرجه الحاكم وغيره عن المسور بن مخرمة، ومروان بن

стр. 12432

الحكم، قالا: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة، في شأن الحديبية، من أولها إلى آخرها. والله أعلم * * *

стр. 12433

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾.

стр. 12434

المناسبة قد تقدّم قريبًا بيان مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها، ووسطها لوسطه، وأما قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ...﴾ الآيات، فمناسبتها لما قبلها: أنّ (١) الله ، لما أخبر أنه سينصر رسله .. بيّن سبيل النصر بأنه رزقهم ثبات أقدام ليزدادوا يقينًا إلى يقينهم، ثمّ أخبر بأنّ من سننه أن يسلّط بعض عباده على بعض، وهو العليم بالمصالح واستعداد النفوس، وقد وعد المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار، وأوعد الكافرين والمنافقين الذين كانوا يتربّصون الدوائر بالمؤمنين بالعذاب الأليم، وغضب عليهم، وطردهم من رحمته. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله ، لمّا أتمّ الكلام (٢) على ما لكل من النبيّ ﷺ والمؤمنين من الثمرات، التي ترتّبت على عمله .. أعقبه بما يعمّهما معًا، فذكر أنه أرسل رسوله شاهدًا على أمّته، ومبشرًا لها بالثواب، ومنذرًا إيّاها بالعقاب، ثمّ أبان أنّ فائدة هذا الإرسال هو الإيمان بالله، وتعظيمه وتسبيحه غدوةً وعشيًّا، ونصرة دينه، ثمّ ذكر بيعة الحديبية، وهي قرية صغيرة على أقل من مرحلة من مكة سمّيت باسم بئر هناك، وأنّ الذين بايعوا هذه البيعة إنما بايعوا الله، ونصروا دينه، وأنّ من نَقَضَ منهم العهد .. فوبال ذلك عائد إليه، ولا يضرنّ إلا نفسه، ومن أوفى بهذا العهد .. فسينال الأجر العظيم، والثواب الجزيل. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر حال المنافقين فيما سلف، وبيّن أنّ الله غضب عليهم ولعنهم، وأعدّ لهم عذاب السعير .. أردف ذلك بذكر قبائل من العرب: جهينة ومزينة وغفار وأشجع، والديل وأسلم، تخلّفوا عن رسول الله ﷺ ، لما استنفرهم عام الحديبية، حين أراد السير إلى مكة

стр. 12435

معتمرًا، وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربًا، وأعتلّوا بانّ أموالهم وأهليهم قد شغلتهم، لكنّهم في حقيقة أمرهم كانوا ضعاف الإيمان، خائفين من مقاتلة قريش، وكنانة وثقيف والقبائل المجاورة لمكة: وهم الأحابيش، وقالوا: كيف نذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه فنقاتلهم؟ وقالوا: لن يرجع محمد ولا أصحابه من هذا السفر، ففضحهم الله تعالى في هذه الآية، وأخبر بأنه أعد لهؤلاء وأمثالهم نارًا موقدة، تطّلع على الأفئدة، وأعد للمؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، وهو ذو مغفرة لمن أقلع من ذنبه، وأناب إلى ربّه. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (١) اعتذارهم عن التخلّف فيما سلف، بأنه إنما كان لمعالجة معايشهم، وصلاح أموالهم، وما كان له من سبب آخر يقعدهم عن نصرته .. أعقب ذلك بما يكذّبهم في هذه المعذرة، فإنهم قد طلبوا السير مع النبيّ ﷺ في وقعه خيبر، لما يتوقعونه من مغانم يأخذونها، ولو كانت التّعِلّة السالفة حقًا .. ما طلبوا السير معه بحال. ثم أخبر بأن الله سبحانه رفض طلبهم الذهاب مع رسول الله إلى خيبر، فقالوا: إنّ ذلك حسد من المؤمنين لهم، أن ينالوا شيئًا من الغنيمة، فرد الله عليهم ما قالوا، وأبان أنهم قوم مادّيّون لا يسعون إلا للدنيا، ولا يفهمون ما يعلي شأن الدين، ويرفع قدره. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما رفض (٢) إشراك المتخلّفين في قتال خيبر، عقابًا لهم على تقاعدهم عن نصرة الله ورسوله في الحديبية .. أردف ذلك ببيان أنّ باب القتال لا يزال مفتوحًا أمامكم، فإن شئتم أن تبرهنوا على مالكم من بلاءٍ في ميدان القتال .. فاستعدوا، فستندبون إلى مواجهة قوم

стр. 12436

أولي بأس ونجدة، فإما أن يسلموا، دراما أن تبارزوهم حتى تبيدوا خضراءهم، ولا تبقوا منهم ديّارًا، ولا نافخ نار، فإن أجبتم داعي الله .. أثابكم على ما فعلتم جزيل الأجر، وإن نكصتم على أعقابكم كما فعلتم من قبل .. فستجزون العذاب الأليم. ثم ذكر الأعذار المبيحة للتخلّف عن الجهاد. ومنها: ما هو لازم، كالعمى والعرج. ومنها: ما هو عارض يطرأ ويزول، كالمرض. ثم أعقب ذلك بالترغيب في الجهاد، والوعيد بالعذاب الأليم من مذّلة في الدنيا، ونار موقدة في الآخرة لمن نكل عنه، وأقبل على الدنيا، وترك ما يقرّبه من ربه. أسباب النزول سبب نزول هذه السورة (١): ما أخرجه البخاريّ عن أحمد بن إسحاق السلميّ، عن يعلى عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال: كنا بصفّين، فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله تعالى؟ فقال علي: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفكسم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية؛ يعني: الصلح الذي كان بين النبيّ ﷺ والمشركين، ولو نرى قتالًا ... لقاتلنا، فجاء عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: "بلى". قال: ففيم نعطي الدنيّة في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال: "يا ابن الخطاب إنّي رسول الله، ولن يضيِّعني الله أبدًا". فرجع متغيِّظًا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال يا ابن الخطاب إنه رسول الله، ولن يضيّعه الله أبدًا، فنزلت سورة الفتح. وأخرجه أحمد أيضًا. قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه

стр. 12437

أحمد عن قتادة عن أنس ﵁: أنها نزلت على النبيّ ﷺ مرجعه من الحديبية، وأصحابه يخالطون الحزن والكآبة، وقد حيل بينهم وبين مساكنهم، ونحروا الهدي بالحديبية. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ إلى ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. قال: "لقد أنزلت عليّ آيتان، هما أحبّ إليّ من الدنيا جميعًا". قال: فلمّا تلاهما .. قال رجل: هنيئًا مريئًا يا رسول الله، قد بين لك ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟ فأنزل الله الآية التي بعدها: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿إِنَّا﴾ نحن ﴿فَتَحْنَا لَكَ﴾ يا محمد ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾؛ أي: فتحًا ظاهرًا واضحًا، لا يختلج فيه شكّ بذلك الصلح الذي تمَّ على يديك في الحديبية، إذ لم يمض إلا القليل من الزمان، حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وكان هو السُّلَّم الذي فيه رقيت إلى فتح مكة، وتسابق العرب إلى الدخول في الدين زرافات ووحدانًا. اختلف في تعيين هذا الفتح (١)، فقال أكثر العلماء: هو صلح الحديبية، والصلح قد يسمّى فتحًا، قال الفرّاء: والفتح قد يكون صلحًا، ومعنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق، والصلح الذي كان مع المشركين بالحديبية كان مسدودًا متعذّرًا، حتى فتحه الله، قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أنّ المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، فتمكّن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام، وقال قوم: إنّه فتح مكة، وقال آخرون: إنّه فتح خيبر، والأول: أرجح، ويؤيّده ما ذكرناه قبل هذا، من أنّ السورة أنزلت في شأن الحديبية، وقيل: هو جميع ما فتح الله لرسوله من الفتوح، وقيل: هو ما فتح له من النبوّة والدعوة إلى الإسلام، وقيل: فتح الروم، وقيل: المراد بالفتح في هذه الآية: الحكم والقضاء، كما في قوله:

стр. 12438

﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾، فكأنه قال: إنا قضينا لك قضاءً مبينًا؛ أي: ظاهرًا واضحًا مكشوفًا. فإن قلت (١): على هذه الأقوال هذه البلاد مكة وغيرها، لم تكن قد فتحت بعد، فكيف قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ بلفظ الماضي؟ قلت: وعد الله تعالى نبيَّه ﷺ بالفتح، وجيء به بلفظ الماضي، جريًا على عادة الله تعالى في أخباره؛ لأنها في تحقّقها وتيقّنها بمنزلة الكائنة الموجودة، كأنه تعالى قال: إنا فتحنا لك في حكمنا وتقديرنا أزلًا، وما قدّره وحكم به فهو كائن لا محالة. ٢ - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ﴾ ربّك ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾؛ أي: جميع ما فُرِّط منك من الهفوات، مما يصح أن يسمى ذنبًا بالنظر إلى مقامك الشريف، وإن كان لا يسمى بالنظر إلى سواك، ومن ثم قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. والمراد: غفران الذنوب التي قبل الرسالة والتي بعدها، قاله مجاهد، وسفيان الثوريّ، وابن جرير والواحدي، وغيرهم، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن المغيرة بن شعبة قال: كان النبيّ ﷺ يصلّي حتى ترم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله ما تقدّم من ذبنك وما تأخّر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا". قال صاحب "الكشاف": فإن قلت (٢): كيف جعل فتح مكة علّة للمغفرة؟ قلت: لم يجعله علّة للمغفرة، ولكنّه جعله علّة لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة: وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قيل: يسّرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك؛ لنجمع لك بين عزّ الدارين، وأغراض الآجل والعاجل. اهـ.

стр. 12439

وهذا كلام (١) غير جيّد، فإنّ اللام داخلة على المغفرة، فهي علّة للفتح، فكيف يصحّ أن تكون معلّلة؟. وقال الرازي في توجيه التعليل: إنّ المراد بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله﴾: التعريف بالمغفرة، تقديره: إنا فتحنا لك؛ لتعرف أنك مغفور لك معصوم، وقال ابن عطية: المراد: أنّ الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك، فكأنها لام الصيرورة. ﴿وَ﴾ لـ ﴿يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بإظهار دينك على الدين كله، وانتشاره في البلاد، ورفع ذكرك في الدنيا والآخرة ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: ويرشدك طريقًا من الدين لا اعوجاج فيه، يستقيم بك إلى رضا ربّك. والمعنى: ليثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه. ٣ - ﴿وَيَنْصُرَكَ الله﴾ سبحانه على من ناوأك من أعدائك ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾؛ أي: نصرًا غالبًا منيعًا لا يتبعه ذل، ولا يدفعه دافع لما يؤيِّدك به من بأس، وينيلك من ظفر. هذا، ولمّا (٢) كان لكل عامل ثمرة يجنيها من عمله، وغاية يبتغيها منه كان للنبوة نهاية مطلوبة في هذه الحياة، وثمرة تتبع هذه النهاية، فنهاية أمر النبوة أن تلتئم الأمور، ويجتمع شملها، وتكمل نظمها التي تبني عليها الحياة الهنيِّة، حتى يعيش العالم في طمأنينة وهدوءٍ، ولن يتم ذلك إلا بعد بث الدعوة والجهاد العلمي والعملي بقتال الأعداء، وخضد شوكتهم، ومتى تم هذا، وأنقذ المستضعفون، ودخل الناس في دين الله أفواجًا كرهًا ثم طوعًا انتظم أمر النبوة، وأدى الرسول واجبه، واستوجب أن يجني ثمرة أعماله، وهي: ١ - مغفرة ما فرط من ذنبه، مما يعد ذنبًا بالنظر إلى مقامه الشريف. ٢ - تمام النعمة باجتماع الملك والنبوة، بعد أن كانت له النبوة وحدها. ٣ - الهداية إلى الصراط المستقيم في تبليغ الرسالة، وإقامة مراسيم الرياسة.

стр. 12440

٤ - المنعة والعزّة، ونفاذ الكلمة. ورهبة الجانب، وحمي الذمار. فهذا الفتح كان كفيلًا بهذه الشؤون الأربعة، فكأنه سبحانه يقول لرسوله: لقد بلّغت الرسالة، ونصبت في العمل، وجاهدت بلسانك وسيفك، وجمعت الرجال والكراع والسلاح، وتلطّفت وأغلظت، وأخلصت في عملك، وفعلت في وجيز الزمن ما لم ينله مثلك في طويله، حتى تم ما ندبناك له، فلتجن ثمار عملك، ولتقر عينًا بما آل إليه أمرك في الدنيا والآخرة. فإن قلت (١): وصف الله تعالى النصر بكونه عزيزًا، والعزيز: هو المنصور صاحب النصر، فما معناه؟ قلت: معناه: ذا عزّة، كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: ذات رضًا، وقيل: وصف النصر بما يوصف به المنصور إسنادًا مجازيًا، يقال: هذا كلام صادق، كما يقال: متكلّم صادق. وقيل: معناه: نصرًا عزيزًا صاحبه، فحذف المضاف إيجازًا واختصارًا، وقيل: إنما يحتاج إلى هذه التقديرات إذا كانت العزّة بمعنى الغلبة، والعزيز: الغالب، أما إذا قلنا: إنّ العزيز: هو النفيس القليل، أو العديم النظير، فلا يحتاج إلى هذه التقديرات؛ لأنّ النصر الذي هو من الله تعالى عزيز في نفسه، لكونه من الله تعالى، فصحَّ وصف كونه نصرًا عزيزًا. اهـ من "الخازن". ٤ - ولمَّا قال تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ الله نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ .. بيَّن وجه هذا النصر، فقال: ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي أَنْزَلَ﴾ وألقى ﴿السَّكِينَةَ﴾ والطمأنينة ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم: أهل الحديبية؛ أي: وهو الذي جعل السكينة التي هي الطمأنينة، والثبات، وعدم التزلزل في قلوب المؤمنين، بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس، ويزيغ القلوب من صد الكفار، ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصودهم، فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان بعد أن هاج الناس وزلزلوا، ويلزم من ذلك ثبات الأقدام عند اللقاء في الحروب وغيرها، فكان ذلك من

стр. 12441

أسباب النصر الذي وعد الله تعالى نبيَّه ﷺ ؛ أي: جعل السكينة، والطمأنينة، وعدم التزلزل في قلوبهم، بسبب الصلح والأمن بعد الخوف؛ لأنهم كانوا قليلي العدة بسبب أنهم معتمرون، وكان الأعداء مستعدِّين لقتالهم، مع ما لهم من القوّة، والشوكة، وشدة البأس، فثبتوا وبايعوا على الموت بفضل الله تعالى ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ بسبب تلك السكينة ﴿إِيمَانًا﴾؛ أي: يقينًا وتصديقًا ﴿مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ أي: منضمًّا إلى إيمانهم الحاصل لهم من قبل، قال الكلبيّ: كلما نزلت آية من السماء، فصدّقوا بها .. ازدادوا تصديقًا إلى تصديقهم، وقال الربيع بن أنس: خشيةً مع خشيتهم. والمعنى (١): هو الذي أنزل في قلوب المؤمنين طمأنينة، وثبات أقدام عند اللقاء، ومقاتلة الأعداء، ليزدادوا يقينًا في دينهم إلى يقينهم برسوخ عقيدتهم واطمئنان نفوسهم بعد أن دهمهم من الحوادث ما من شأنه أن يزعج ذوي الأحلام، ويزلزل العقائد بصدّ الكفار لهم عن المسجد الحرام، ورجوعهم دون بلوغ مقصدهم، ولكن لم يرجع أحد منهم عن الإيمان، بعد أن هاج الناس وزلزلوا زلزالًا شديدًا، حتى إنّ عمر بن الخطاب لم يكن راضيًا عن هذا الصلح، وقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟. وكان للصديق من القدم الثابتة، ورسوخ الإيمان ما دلّ على أنه لا يجارى ولا يبارى. أو المعنى: ليزدادوا (٢) إيمانًا بشرائع الدين مع إيمانهم بالله ورسوله، وليزدادوا إيمانًا بالفروع مع إيمانهم بالأصول، فإنهم آمنوا بأنّ محمدًا رسول الله، وأنّ الله واحد، والحشر كائن، وآمنوا بأنّ كل ما يأمر الله به واجب، وبأنّ كلّ ما يقوله النبيّ ﷺ صدق، وهو الذي قد قال لهم: "لا بد من أن تدخلوا مكة، وتطوفوا بالبيت". ولمّا قال الله: (٣) ﴿وَيَنْصُرَكَ الله نَصْرًا عَزِيزًا﴾، وكان المؤمنون في قلّة من العَدد والعُدد .. فكأنّ قائلًا قال: كيف ينصره؟ فأجابه الله سبحانه

стр. 12442

بقوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو قادر على نصر رسوله ﷺ ببعض جنوده، بل هو قادر على أن يهلك عدوّه بصيحة، ورجفة، وصاعقة، ونحو ذلك، فلم يفعل، بل أنزل سكينة في قلوبكم أيّها المؤمنون، ليكون نصر رسول الله ﷺ ، وإهلاك أعدائه على أيديكم، فيكون لكم الثواب، ولهم العقاب، وفي جنود السموات والأرض وجوه: الأول: أنهم ملائكة السموات والأرض. الثاني: أنّ جنود السموات الملائكة، وجنود الأرض جميع الحيوانات. الثالث: أنّ جنود السموات: مثل الصاعقة، والصيحة، والحجارة، وجنود الأرض: مثل الزلازل والخسف والغرق، ونحو ذلك. ﴿وَكَانَ الله﴾ ﴿عَلِيمًا﴾ بجميع جنوده الذين في السموات والأرض، أو عليما بالمصالح ﴿حَكِيمًا﴾؛ أي: في تدبير جنوده، أو فيما يقدّر ويدبّر، وقيل: عليمًا بما في قلوبكم أيّها المؤمنون، حكيمًا حيث جعل النصر لكم على أعدائكم. والمعنى (١): أي فهو سبحانه الإله الذي يدبّر أمر العالم، ويسلّط بعض جنده على بعض، فيجعل جماعة يجاهدون لإعلاء كلمة الحق، ويجعل آخرين يقاتلون في سبيل الشيطان، ولو شاء .. لأرسل عليهم جندًا من السماء، فأباد خضراءهم، لكنّه سبحانه شرع الجهاد والقتال لما في ذلك من مصلحة هو عليم بها، وحكمة قد تغيب عنّا، وهذا ما عناه بقوله: ﴿وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فهو لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض. ٥ - و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ الله سبحانه ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ المخلصين من الرجال ﴿وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ المخلصات من النساء ﴿جَنَّاتٍ﴾ وبساتين ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: تسيل من تحت أشجارها ومساكنها وغرفها ﴿الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: أنهار الماء واللبن والخمر

стр. 12443

والعسل، حال كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مقدّرين الخلود في الجنة لا يموتون، ولا يخرجون منها، متعلقة بمقدر يقتضيه السياق، تقديره: هو الذي (١) أنزل السكينة في قلوب المؤمنين؛ ليدخلهم جنات .. إلخ. وقيل: تقديره: إن من علمه وحكمته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية، ووعدهم الفتح والنصر، ليشكروه على نعمه، فيثيبهم ويدخلهم جنّات تجري من تحتها الأنهار. وقيل (٢): متعلقة بما يدل عليه ما ذكر من كون جنود السموات والأرض له تعالى من معنى التصرّف والتدبير؛ أي: دبّر ما دبَّر من تسليط المؤمنين، ليعرفوا نعمة الله في ذلك، ويشكروها، فيدخلهم الجنة، وقد تقدّم ما روي عن أنس: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ .. قال الصحابة: هنيئًا مريئًا، قد بيَّن الله تعالى ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله الآية التي بعدها: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلخ. ﴿وَيُكَفِّرَ﴾؛ أي: يستر ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن المؤمنين ﴿سَيِّئَاتِهِمْ﴾؛ أي: ذنوبهم ولا يظهرها، وهذا (٣) بإزاء قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله﴾؛ أي: يغطيها ولا يظهرها، قبل أن يدخلهم الجنة؛ ليدخلوها مطهَّرين من الآثام، وتقديم الإدخال على التكفير، مع أنّ الترتيب في الوجود على العكس، من حيث إنَّ التخلية قبل التحلية للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى، والمقصد الأسنى. أو يقال: إنّ الواو لا تقتضي الترتيب ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من الإدخال والتكفير ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لا يقادر قدره؛ لأنه منتهى ما يمتد إليه أعناق الهمم من جلب نفع، ودفع ضرّ، والفوز: الظفر بالمطلوب مع حصول السلامة، و ﴿عِنْدَ اللهِ﴾: حال من ﴿فَوْزًا﴾؛ لأنه صفته في الأصل، فلما قدم عليه .. صار حالًا؛ أي: كائنًا عند الله تعالى؛ أي: في علمه وقضائه. أي: وكان (٤) ذلك الوعد بإدخالهم الجنة، وتكفير سيئاتهم عند الله وفي

стр. 12444

حكمه فوزًا عظيمًا؛ أي: ظفرًا بكل مطلوب، ونجاةً من كل غمّ، وجلبًا لكل نفع، ودفعًا لكل ضر، والجملة: معترضة بين جزاء المؤمنين، وجزاء المنافقين والمشركين. والمعنى (١): أي وإنّما دبّر ذلك؛ ليعرف المؤمنون نعمة الله، ويشكروها، فيدخلوا الجنة ماكثين فيها أبدًا، وليكفرّ عنهم سيئات أعمالهم بالحسنات التي يعملونها شكرًا لربهم على ما أنعم به عليهم، وكان ذلك ظفرًا لهم بما كانوا يرجون ويسعون له، ونجاة ما كانوا يحذرونه من العذاب الأليم، وهذا منتهى ما يرون من منفعة مجلوبة، ومضرة مدفوعة. ٦ - ثمّ لما فرغ مما وعد به صالحي عباده .. ذكر ما يستحقه غيرهم، فقال: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ إلخ، فهو معطوف على ﴿يُدْخِلُ﴾؛ أي: وليعذّب المنافقين والمنافقات من أهل المدينة ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ من أهل مكة؛ أي: وليعذّبهم في الدنيا بما يصل إليهم من الهموم والغموم، بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام، وقهر المخالفين له، وبما يصابون به من القهر، والقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب جهنم. وفي تقديم المنافقين على المشركين هنا، وفي غيره من المواضع (٢)، دلالة على أنهم أشدّ منهم عذابًا، وأحق منهم بما وعدهم الله به؛ لأنّ المنافقين كانوا أشدّ ضررًا على المؤمنين من الكافرين المجاهرين؛ لأنّ الكافر يمكن أن يحترز منه، ويجاهد؛ لأنه عدو مبين، فيتوقى المؤمن من شره، والمنافق لا يمكن أن يحترز منه، ولا يجاهد؛ لأنّه يختلطه لظنّه إيمانه فيفشي سره، فلهذا كان شره أكثر من شر الكافر، فكان تقديم المنافق بالذكر أولى. ثم وصف الفريقين، فقال: ﴿الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: صفة للفريقين: أهل النفاق، وأهل الشرك. و ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ (٣): منصوب على المصدرية،

стр. 12445

والإضافة فيه كالإضافة في سيف شجاع، من حيث إنّ المضاف إليه في الحقيقة هو موصوف هذا المجرور، والتقدير: سيف رجل شجاع، فكذا التقدير هنا: ظن الأمر السوء، وهو أنّ الله لا ينصر رسوله، ولا يرجعهم إلى مكة فاتحين، ولا إلى المدينة سالمين، كما قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾. والمعنى: الذين يظنون بالله الأمر السيء الفاسد الردىء ظنًّا. وقال في "كشف الكشاف": إنّ ظن السوء مثل رجل صدق؛ أي: يظنون الظنَّ السيء الفاسد المذموم. انتهى، وعند البصريين لا يجوز إضافة الموصوف إلى صفته ولا عكسها؛ لأنّ الصفة والموصوف عبارتان عن شيء واحد، فإضافة أحدهما إلى الآخر، كإضافة الشيء إلى نفسه، وفي "التأويلات النجمية": ﴿الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ في ذاته وصفاته بالأهواء والبدع، وفي أفعاله، وأحكامه بالظلم والعبث. ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على المشركين والمنافقين ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾؛ أي: الأمر السيء الرديء الذي يظنونه بالمؤمنين، ويتربّصونه بهم، دائر عليهم، حائق بهم، لا يتجاوزهم إلى غيرهم، فقد أكذب الله سبحانه ظنهم، وقلب ما يظنونه بالمؤمنين عليهم بحيث لا يتخطاهم، ولا يظفرون بالنصرة أبدًا، كقوله: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾. وقال أبو السعود: في سورة التوبة: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: دعاء عليهم بنحو ما أرادوا بالمؤمنين على نهج الاعتراض، كقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بعد قول اليهود ما قالوا. اهـ. فإن قلت: كيف يحمل على الدعاء، وهو للعاجز عرفًا، والله منزه عن العجز؟ قلت: هذا تعليم من الله لعباده أنه يجوز الدعاء عليهم، كقوله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الله﴾، ونحوه. وقرأ الجمهور (١): ﴿السُّوءِ﴾ في الموضعين بفتح السين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بضمها، وهما (٢) لغتان في مصدر ساء بمعنى واحد، كالكره والكره،

стр. 12446

والضعف والضعف، خلا أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمّه من كلّ شيء، وأما المضموم فجارٍ مجرى الشر المناقض للخير، ومن ثمة أضيف إلى المفتوح؛ لكونه مذمومًا، وكانت الدائرة محمودة، فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل المذكور، وأما ﴿دائرةُ السُّوء﴾، بالضم؛ فلأنَّ الذي أصابهم مكروه وشدة، يصح أن يقع عليه اسم السوء، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾. كما في بعض التفاسير، والدائرة: عبارة عن الخطّ المحيط بالمركز، ثم استعملت في الحادثة والمصيبة المحيطة لمن وقعت هي عليه. فمعنى الآية: يحيط بهم السوء إحاطة الدائرة بالشيء، أو بمن فيها، بحيث لا سبيل إلى الانفكاك عنها بوجهٍ، إلا أنّ أكثر استعمالها؛ أي: الدائرة في المكروه، كما أنَّ أكثر استعمال الدولة في المحبوب الذي يتداول، ويكون مرةً لهذا، ومرةً لذاك، والإضافة في ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ من إضافة العام إلى الخاص للبيان، كما في خاتم فضة؛ أي: دائر من شرّ، لا من خير. والخلاصة: (١) أنّ الفريقين ظنّوا أنّ الله لا ينصر رسوله ولا المؤمنين على الكافرين، وقد دعا سبحانه عليهم بأن ينزل بهم ما كانوا يظنّونه بالمؤمينن من الدوائر، وأحداث الزمان، فقال: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾؛ أي: عليهم تدور الدوائر السيئة، والمصائب الداهية، وسيحيق بهم ما كانوا يتربَّصونه بالمؤمنين من قتل وسبيٍ، وأسرٍ لا يتخطاهم. ثم بين ما يستحقونه من الغضب واللعنة، فقال: ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: ولمَّا بين سبحانه أن دائرة السوء عليهم في الدنيا .. بيَّن ما يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة وعذاب جهنم، وقال بعضهم (٢): غضبه تعالى: إرادة العقوبة لهم في الآخرة، وكونهم على الشرك والنفاق في الدنيا، وحقيقته: أن للغضب صورة ونتيجة، أما صورته فتغير في الغضبان يتأذى به ويتألم، وأما نتيجته فإهلاك

стр. 12447

المغضوب عليه، وإيلامه، فعبَّر عن نتيجة الغضب بالغضب على الكناية بالسبب عن المسبب، وعلى قول هذا القائل فمعنى: ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أراد إصرارهم على الشرك والنفاق في الدنيا، وعقوبتهم في الآخرة، وقيل: الغضب (١): إشارة إلى أنَّ هذا الذي نزل بهم يكون على وجه التعذيب، فإن من كان به بلاء، قد يكون مصابًا على وجه الامتحان ليصير مثابًا، وقد يكون مصابًا على وجه التعذيب، كما هنا. والصحيح: أنَّ الغضب صفة ثابتة لله تعالى، أثرها الانتقام ممن عصاه. ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾؛ أي طردهم، وأبعدهم من كل خير، فإن المغضوب عليه قد يقنع الغاضب بالعتب، والشتم أو الضرب، ولا يفضي غضبه إلى إبعاد المغضوب. عليه من جنابه، ولا إلى طرده من بابه، وقد يفضي غضبه إلى إبعاد المغضوب عليه من جنابه، لكون الغضب شديدًا ﴿وَأَعَدَّ﴾؛ أي: هيأ ﴿لَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿جَهَنَّمَ﴾؛ أي: نارها ﴿وَسَاءَتْ﴾؛ أي: قبحت جهنم ﴿مَصِيرًا﴾؛ أي: مرجعًا لهم، والمخصوص بالذمِّ هي. والمعنى: ونالهم غضب من الله، وأبعدهم فأقصاهم من رحمته، وأعدَّ لهم جهنم يصلونها يوم القيامة، وساءت منزلًا يصير إليه هؤلاء المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات. ٧ - ﴿وَلِلَّهِ﴾ سبحانه ﴿جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الملائكة والإنس والجنّ، والشياطين والصيحة والرجفة والحجارة والزلازل والخسف والغرق، ونحو ذلك أنصارًا على أعدائه، إن أمرهم بإهلاكهم .. أهلكوهم، وسارعوا مطيعين لذلك. ﴿وَكَانَ الله﴾ ﴿عَزِيزًا﴾؛ أي: غالبًا على كل شيء، فلا يرد بأسه ممن أراد الانتقام منهم ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبّره لخلقه، فلا يفعل ما يفعل إلا على مقتضى الحكمة والصواب، وكرَّر هذه الآية؛ لقصد التأكيد، أو للتنبيه (٢) على أنَّ لله تعالى جنودًا للرحمة، ينزلهم ليدخل بهم المؤمنين الجنة، معظمًا

стр. 12448

مكرمًا، وهذا هو المراد في الآية الأولى، وأنّ له تعالى جنودًا للعذاب، يسلِّطهم على الكفار، ويعذبهم بهم في جهنم. كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾. والمراد هاهنا: جنود العذاب، كما ينبىء عنه التعرض لوصف العزة، فإنَّ عادته تعالى أن يصف نفسه بالعزة في مقام ذكر العذاب والانتقام، وفي "الفتوحات": ذكر جملة قوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سابقًا على أنّ المراد به: أنه المدبّر لأمر المخلوقات بمقتضى حكمته، فلذلك ذيلَّه بقوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وهنا أريد به: التهديد بأنهم في قبضة قدرة المنتقم، فلذلك ذيله بقوله: ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فلا تكرار. انتهى. قال في "برهان القرآن": الأول متصل بإنزال السكينة وازياد إيمان المؤمنين، فكان الموضوع موضع علم وحكمة، وأما الثاني والثالث الذي بعده، فمتصلان بالعذاب والغضب، وسلب الأموال والغنائم، فكان الموضع موضع عزّ وغلبة وحكمة، روي: أنه لمّا جرى صلح الحديية .. قال عبد الله بن أبي رئيس المنافقين: أيظن محمد أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها .. لا يبقى له عدوّ، فأين فارس والروم؟ فبيَّن سبحانه أن جنود السموات والأرض، أكثر من فارس والروم. خلاصة ما سلف (١): أنّه قد ترتَّب على هذا الفتح أربعة أشياء للنبي ﷺ : ١ - مغفرة الذنوب. ٢ - اجتماع الملك والنبوّة. ٣ - الهداية إلى الصراط المستقيم. ٤ - العزّة والمنعة. وفاز المؤمنون بأربعة أشياء: ١ - الطمأنينة والوقار. ٢ - ازدياد الإيمان.

стр. 12449

٣ - دخول الجنّات. ٤ - تكفير السيئات. وجازى الكفار بأربعة أشياء: ١ - العذاب. ٢ - العضب. ٣ - اللعنة. ٤ - دخولهم جهنم. ٨ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد إلى كافّة الناس، حالة كونك ﴿شَاهِدًا﴾ على أمّتك يوم القيامة بتصديق من صدّقك، وتكذيب من كذّبك كما في قوله في آية أخرى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: مقبولًا قوله في حقهم يوم القيامة عند الله تعالى، سواء شهد لهم أو عليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل عند الحاكم، وهو حال مقدرة، فإنه ﷺ إنما يكون شاهدًا وقت التحمل والأداء، وذلك متأخّر عن زمان الإرسال، بخلاف غيره مما عطف عليه، فإنه ليس من الأحوال المقدرة ﴿وَ﴾ حالة كونك ﴿مُبَشِرًا﴾ لمن آمن بك بالجنة والثواب ﴿وَنَذِيرًا﴾؛ أي: منذرًا ومخوفًا لمن كذّبك بالعذاب والعقاب ٩ - ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾؛ أي: لكي تؤمن أنت وأمّتك. ﴿بِاللهِ﴾؛ أي: بوحدانية الله وصفاته ﴿و﴾ تؤمنوا بـ ﴿رسوله﴾ محمد ﷺ بأنه صادق مصدَّق فيما جاء به من عند الله سبحانه، والخطاب (١) في: ﴿تؤمنوا﴾ يكون للنبي ﷺ ولأمّته، فيكون تعميمًا للخطاب بعد التخصيص؛ لأنّ خطاب ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ للنبيّ خاصّةً، ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ خصَّه ﷺ بالنداء، ثمّ عمَّم الخطاب على طريق تغليب المخاطب على الغائبين وهم: المؤمنون، فدلت الآية على أنه ﷺ يجب أن يؤمن برسالة نفسه، كما ورد في الحديث: أنه كان يقول: "أشهد أنّي عبد الله ورسوله". ويجوز أن يكون الخطاب

стр. 12450

للأمّة فقط. فإن قلت: كيف يجوز تخصيص الخطاب الثاني بالأمّة في مقام توجيه الخطاب الأول إليه ﷺ بخصوصه؟. قلت: إنّ خطاب رئيس القوم بمنزلة خطاب من معه من أتباعه، فيجوز أن يخاطب الأتباع في مقام تخصيص الرسل بالخطاب؛ لأنّ المقصود سماعهم. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾؛ أي: ولكي تعزّر الله تعالى أنت وأمّتك، وتنصروه، وتقوّوه بتقوية دينه ونصرة رسوله، من التعزير: وهو النصرة مع التعظيم؛ أي: ولتنصروا الله تعالى بنصر دينه تعالى ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ تعالى؛ أي: ولكي توقّر الله تعالى أنت وأمّتك، وتعظّموه باعتقاد أنه متصف بجميع صفات الكمال، منزّه عن جميع سمات النقصان، من التوقير: وهو التبجيل والتعظيم. ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ تعالى؛ أي: ولكي تسبّح الله تعالى أنت وأمّتك، وتنّزهوه عما لا يليق به، وعمّا لا يجوز إطلاقه عليه تعالى من الشريك والولد، أو تصلّوا له، من السبحة: وهي الدعاء وصلاة التطوع، قال في "القاموس": التسبيح: الصلاة، ومنه قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾؛ أي: من المصلّين. ﴿بُكْرَةً﴾ وغدوة ﴿وَأَصِيلًا﴾ وعشيّا، فالبكرة: أوّل النهار، والأصيل: آخره، أو تسبّحوه دائمًا، فإنه يراد بهما: الدوام، وفي "عين المعاني": البكرة: صلاة الفجر، والأصيل: الصلوات الأربع، فتكون الآية مشتملة على جميع الصلوات المفروضة. وجوّز (١) بعض أهل التفسير أن يكون ضمير ﴿تعزّروه وتوقّروه﴾ لرسول الله ﷺ ، ولا وجه له؛ لأنه تفكيك وتشتيت للضمائر، إذ ضمير ﴿رسوله﴾ و ﴿تسبحوه﴾ لله تعالى قطعًا، وعلى تقدير يكون له وجه، فمعنى تعظيم الرسول ﷺ ، وتوقيره حقيقةً: اتباع سنته في الظاهر والباطن، والعلم بأنه زبدة المخلوقات، وخلاصتها وأفضلها على الإطلاق، وحينئذٍ الوقف على ﴿توقروه﴾ وقف تام، ثم يبدأ بقوله: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾.

стр. 12451

والمعنى (١)؛ أي إنا أرسلناك أيّها الرسول شاهدًا على أمّتك بما أجابوك فيما دعوتهم إليه، مما أرسلناك به إليهم، مبشّرًا لهم بالجنة إن أجابوك إلى ما دعوتهم إليه من الدين القيّم، ونذيرًا لهم عذاب الله إن تولّوا، وأعرضوا عمّا جئتهم به من عنده، فآمنوا بالله ورسوله، وانصروا دينه، وعظّموه وسبّحوه في الغدّو والعشيّ. وقرأ الجمهور (٢): ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ والأفعال الثلاثة بعده بتاء الخطاب، وأبو جعفر وأبو حيوة وابن كثير وأبو عمرو: بياء الغيبة فيها، والكنايات الثلاثة راجعة إلى الله تعالى؛ لتكون على وتيرة واحدة، كما جرينا عليه في حلّنا، ويصحّ رجوعها إلى رسول الله ﷺ ، فحينئذٍ معنى ﴿يسبحوه﴾: ينزهوه ﷺ من كل وصمة بإخلاف وعده بدخول مكة، والطواف بالبيت الحرام، وبنحو ذلك. وقرأ الجحدري: ﴿وتعزروه﴾ بفتح التاء وضم الزاي مخففةً، وقرأ جعفر بن محمد: ﴿وتعزروه﴾ بضم التاء وكسر الزاي، وقرأ ابن عباس واليمانيّ: ﴿وتعزّزوه﴾ بزايين، من العزة، وقرىء: ﴿وتوقروه﴾ بسكون الواو. ١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾؛ أي: إنّ الذين بايعوك، وعاهدوك يا محمد على أن لا يفرّوا من قتال قريش تحت شجرة السمرة في الحديبية بيعة الرضوان، وهم مقدار ألف وخمس مئة أو أربع مئة رجل، سميت (٣) المعاهدة مبايعة؛ تشبيهًا بالمعاوضة الماليّة؛ أي: مبادلة المال بالمال في اشتمال كل واحد منهما على معنى المبادلة، فهم التزموا طاعة النبيّ ﷺ ، والثبات على محاربة المشركين، والنبيّ ﷺ وعدهم بالثواب، ورضا الله تعالى، قال بعض الأنصار عند بيعة العقبة: تكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، فقال ﷺ : "أشترط لربّي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، ولنفسي أن تمنعوني، ومما تمنعوني منه: أنفسكم، وأبناءكم، ونساءكم" فقال ابن رواحة ﵁: فإذا فعلنا فما لنا؟

стр. 12452

فقال: "لكم الجنة". قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. وفي "الخازن": وأصل البيعة: العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه من بذل الطاعة للإمام، والوفاء بالعهد الذي التزمه له، والمراد بهذه البيعة: بيعة الرضوان. ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ أنفسهم بالجنة؛ أي: إنّ (١) من بايعك بمنزلة من بايع الله، كأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. وذلك لأنّ المقصود ببيعة رسوله: هو وجه الله، وتوثيق العهد بمراعاة أوامره ونواهيه، قال ابن الشيخ: لمّا كان الثواب إنما يصل إليهم من قبله تعالى .. كان المقصود بالمبايعة منه ﷺ : المبايعة مع الله سبحانه، وأنه ﷺ إنما هو سفير، ومعبِّر عنه تعالى، وبهذا الاعتبار صاروا كأنهم يبايعون الله تعالى. وقرأ تمام بن العباس بن عبد المطلب: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾؛ أي: لأجل الله ولوجهه، والمفعول: محذوف؛ أي: إنما يبايعونك لله، ذكره في "البحر". والمعنى: أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى، من غير تفاوت بينهما؛ لأنّ من بايع النبي ﷺ أن لا يفرّ من موضع القتال إلى أن يقتل، أو أن يفتح الله لهم، وإن كان يقصد ببيعته رضا الرسول ظاهرًا، لكن إنما يقصد بها حقيقةً رضا الرحمن، فإنّ المقصود توثيق العهد بمراعاة أوامره ونواهيه، وهذا يسمى بيعة الرضوان؛ لقول الله تعالى في شأن هذه البيعة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ...﴾ الآية. وجملة قوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: مستأنفة (٢) لتقرير ما قبلها على طريق التخييل في محل نصب على الحال؛ أي: نعمة (٣) الله عليهم في الهداية فوق إحسانهم إلى الله، وهو ما صنعوا من البيعة، أو نصرة الله تعالى إيّاهم أعلى من نصرتهم إياه، ويقال: حفظ الله إياهم على البيعة أقوى من وضع يد ثالث على

стр. 12453

أيدي المتبايعين لحفظ أيديهما إلى أنّ يتم العقد، فإن كل واحد من المتبايعين إذا مد يده إلى صاحبه في البيع والشراء .. يتوسط بينهما ثالث، فيضع يده على يديهما، فيحفظ يديهما إلى أنّ يتم العقد، لا يترك واحدًا منهما أن يقبض يده إلى نفسه، ويتفرق عن صاحبه قبل انعقاد البيع، فيكون وضع الثالث يده على يديهما سببًا لحفظ البيعة، فلذلك قال تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يحفظهم، ويمنعهم عن ترك البيعة، كما يحفظ المتوسّط أيدي المتبايعين. فيد الله في هذه التأويلات: إما بمعنى النعمة، أو بمعنى النصرة، أو بمعنى الحفظ، وقال سعدي المفتي: الظاهر: والله أعلم أنَّ المعنى على التشبيه؛ أي: كأنهم يبايعون الله، وكذا الحال في قوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: كأنَّ يد الله حين المبايعة فوق أيديهم، حذف أداة التشبيه للمبالغة في التأكيد، وذكر اليد لأخذهم بيد رسول الله ﷺ حين البيعة على ما هو عادة العرب عند المعاهدة والمعاقدة، وفيه تشريف عظيم ليد رسول الله ﷺ ، التي تعلوا أيدي المؤمنين المبايعين، حيث عبّر عنها بيد الله، كما أنَّ وضعه ﷺ يده اليمنى على يده اليسرى لبيعة عثمان ﵁ تفخيم لشأن عثمان، حيث وضعت يد رسول الله ﷺ موضع يده، ولم ينل تلك الدولة العظمى أحد من الأصحاب، فكانت غيبته ﵁ في تلك الواقعة خيرًا له من الحضور، وقيل غير ذلك من الأقوال المتلاطمة، وقيل: إنّ في الكلام حذف مضاف؛ أي: يد رسول الله ﷺ فوق أيديهم عند المبايعة. تنبيه هام: وهذا الذي ذكرناه من الأقاويل: مذهب أهل التأويل، وكلامهم في هذه الآية، ومذهب أهل السلف، وهو الأصحّ الصحيح، والأسلم السليم: السكوت عن التأويل، وإمرار آيات الصفات كما جاءت وتفسيرها قراءتها، والإيمان بها من غير تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، والله أعلم بمعنى كلامه وأسرار كتابه. وعن يزيد بن عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أيّ شيءٍ بايعتم رسول الله ﷺ ؟ قال: على الموت. متفق عليه.

стр. 12454

وعن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة، والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مئة قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفرَّ. أخرجه مسلم. قال العلماء: لا منافاة بين الحديثين، ومعناهما صحيح، فيقال في الجمع بينهما: بايعه جماعة، منهم: سلمة بن الأكوع على الموت، فلا يزالون يقاتلون بين يديه حتى يقتلوا، أو ينتصروا، وبايعه جماعة، منهم: معقل بن يسار على أن لا يفرّوا. وعن ابن عمر ﵄ قال: إنّ الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، تفرَّقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ ، فقال - يعني: عمر -: يا عبد الله، انظر ما شأن الناس أحدقوا بالنبي ﷺ ، فذهب، فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع. أخرجه البخاري. بيعة الرضوان بيعة الشجرة سبب هذه البيعة: أنّ رسول الله ﷺ دعا خراش بن أميّة الخزاعيّ حين نزل الحديبية، فبعثه إلى قريش بمكة ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا جمل رسول الله ﷺ ، وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش، واحدهم أحبوش: وهو الفوج من قبائل شتّى، فخلّوا سبيله حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره، فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ ليبعثه، فقال: إنيّ أخافهم على نفسي لما أعرف من عداوتي إياهم، وما بمكة عدويٌّ، قبيلته بنو عدي، ولكني أدلك على رجل هو أعز بها، وأحبّ إليهم: عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان، وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظّمًا لحرمته، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي حين دخل مكة، فجعله في جواره حتى فرغ من رسالته لعظماء قريش، ثمّ احتبسوه عندهم، فشاع بين المسلمين أنّ عثمان قد قتل، فقال رسول الله ﷺ : "لا نبرح حتى نناجز القوم" ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وبايعه القوم على أن لا يفرّوا أبدًا إلا جدَّ بن قيس الأنصاري، فأرعب ذلك المشركين، وأرسلوا داعين إلى الموادعة والصلح،

стр. 12455

وكان قد أتى رسول الله ﷺ أنَّ الذي بلغه من أمر عثمان كذب، فتم الصلح، ومشى بعضهم إلى بعض على أن يحج رسول الله ﷺ في العام القابل، ويدخل مكة. ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾؛ أي: فمن نقض العهد الذي عقده مع النبيّ ﷺ ، وبيعته معه، وأزال إبرامه وإحكامه ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ﴾ وينقض إدخالًا للضرر ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾؛ أي: فإنما يعود ضرر نكثه على نفسه، ولا يضر بنقضه إلا نفسه؛ لأنّ الناكث هو لا غير؛ لأنّه فوت على نفسه الإحسان الجزيل، على العمل القليل، فقد خسر. ﴿وَمَنْ أَوْفَى﴾؛ أي: ومن وفي ﴿بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ﴾ بضم الهاء؛ فإنه (١) أبقى الضم بعد حذف الواو، إذ أصله: عليه والله توصلًا بذلك إلى تفخيم لام الجلالة؛ أي: ومن أوفى بعهده مع الله، وثبت عليه، وأتمَّه ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ الله في الآخرة ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وثوابًا جزيلًا: هو الجنة وما فيها من رضوان الله العظيم، والنظر إلى وجهه الكريم، وسيدخله جنات يجد فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ويحتمل أن يراد بنكث العهد: ما يتناول عدم مباشرته ابتداءً، ونقضه بعد انعقاده؛ لما روي عن جابر ﵁ أنه قال: بايعنا رسول الله ﷺ بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وعلى أن لا نفرّ، فما نكث أحد منّا البيعة إلا جُدَّ بن قيس، وكان منافقًا اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يصر مع القوم؛ أي: إلى المبايعة حين دعوا إليها. وقرأ زبد بن عليّ (٢): ﴿يَنْكِثْ﴾ بكسر الكاف، وقرىء: ﴿بما عَهِدَ﴾ ثلاثيًا، وقرأ الجمهور: ﴿عليه﴾ بكسر الهاء والترقيق لوقوعها بعد ياءٍ ساكنةٍ، كما هو الغالب، وقرأ حفص والزهري: بضمها والتفخيم على الأصل في بناء هاء الضمير على الضمّ؛ لأنّها هاء هو، وهي مضمومة، فاستصحب ذلك، كما في له وضربه، وقرأ الجمهور: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ بالياء التحتية، وقرأ نافع وابن كثير، وابن عامر

стр. 12456

وزيد بن عليّ: بالنون. ١١ - ﴿سَيَقُولُ لَكَ﴾ السين فيه: للاستقبال ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ من خلّفته بالتشديد تركته خفي، وخلفوا أثقالهم تخليفًا خلّوها وراء ظهورهم؛ أي: سيقول لك يا محمد، الأحياء الذين خلّفتهم وتركتهم وراءك في المدينة، حين سافرت إلى مكة ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ الذين خلَّفهم الله تعالى عن صحبتك، إذا رجعت إليهم من عمرتك هذه، وعاتبتهم على التخلف عنك: ﴿شَغَلَتْنَا﴾ عن المسافرة والخروج معك ﴿أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾؛ أي: نساؤنا وذرارينا؛ يعني: لم يكن لنا من يخلفنا فيهم، فلذا تخلفنا عنك، قال ابن عباس ومجاهد: يعني: أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والنخع، وذلك أنّ رسول الله ﷺ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرًا .. استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه، حذرًا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأحرم بالعمرة، وساق الهدي؛ ليعلم الناس أنه لا يريد حربًا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وتخلّفوا، واعتلّوا بالشغل، فأنزل الله فيهم: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾، إذا رجعت إليهم من عمرتك: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾؛ أي: منعنا عن الخروج معك مالنا، من الأموال والنساء والذراريّ، وليس لنا من يقوم بهم، ويخلفنا عليهم، فإنا لو تركناهم .. لضاعوا، وأنت قد نهيت عن ضياع المال، وعن التفريط في العيال، وقرىء (١): ﴿شَغَلَتْنَا﴾ بتشديد الغين، حكاه الكسائي، وهي قراءة إبراهيم بن نوح بن باذان عن قتيبة. ولمّا علموا أنّ ذلك التخلُّف عن الرسول الله ﷺ كان معصية .. سألوا أن يستغفر لهم ﴿فـ﴾ قالوا: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ الله يا رسول الله بتأخرنا عنك عن الخروج إلى الحديبية؛ أي: فاطلب لنا المغفرة من الله، إذ لم يكن تخلَّفنا عن عصيان لك، ولا مخالفة لأمرك؛ ليغفر الله لنا ما وقع منا من التخلف عنك بهذا السبب. ولمّا كان طلب الاستغفار منهم ليس عن اعتقاد، بل على طريقة الاستهزاء،

стр. 12457

وكانت بواطنهم مخالفةً لظواهرهم .. فضحهم الله سبحانه بقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾؛ يعني: أنهم في طلب الاستغفار كاذبون؛ لأنّهم لا يبالون أستغفر لهم النبيّ ﷺ أم لا، وهذا صنيع المنافقين، والجملة مستأنفة لبيان ما تنطوي عليه بواطنهم، ويجوز أن تكون بدلًا من الجملة الأولى؛ أي: إنهم لم يكونوا صادقين في اعتذارهم بأنَّ الامتناع كان لهذا السبب؛ لأنّهم إنّما تخلَّفوا اعتقادًا منهم أنّ النبيّ ﷺ والمؤمنين يغلبون، بدليل قوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾. فإنهم (١) قالوا: أهل مكة يقاتلون في باب المدينة، فكيف يذهب إلى قوم قد غزوا في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه في أحد؟ وكيف يكون حالهم إذا دخل عدوّهم بلادهم، وأحاطوا بهم؟. ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يجيب عنهم، فقال: ﴿قُل﴾ يا محمد ردًّا لهم عند اعتذارهم إليك بأباطيلهم: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ﴾؛ أي: فمن يقدر لأجلكم ﴿مِنَ اللهِ﴾؛ أي: من مشيئة الله، وقضائه أن يجلب ﴿شَيْئًا﴾ من النفع ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ أو من يحفظكم من مشيئته وقضائه، إن أراد بكم ضرًّا. وقرأ الجمهور (٢): ﴿ضَرًّا﴾ بفتح الضاد، وهو مصدر ضررته ضرًّا، وقرأ حمزة والكسائي: بضمها، وهو اسم ما يضر، وقيل: هما لغتان في المصدر؛ أي: إن أراد بكم ما يضركم، كقتل وهزيمة، وخلل في المال والأهل، وعقوبة على التخلف من هلاك الأهل والأموال، وضياعهما حتى تتخلّفوا عن الخروج لحفظهما، ودفع الضرر عنهما. ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾؛ أي: ومن يقدر على شيء من الضرر إن أراد بكم ما ينفعكم من حفظ أموالكم وأهليكم؛ فأيُّ حاجة إلى التخلف لأجل القيام بحفظهما. أي: قل لهم (٣): إنكم بعملكم هذا تحترسون من الضر، وتتركون أمر الله ورسوله، وتقعدون طلبًا للسلامة، ولكن لو أراد الله بكم ضرًّا .. لا ينفعكم

стр. 12458

قعودكم شيئًا، أو أراد بكم نفعًا، فلا راد له، إذ من الذي يمنع من قضائه، وهذا ردّ عليهم حين ظنوا أن التخلف عن رسول الله ﷺ يدفع عنهم الضر، ويجلب لهم النفع. ثم أبان لهم أنه عليم بجميع نواياهم، وأنّ ما أظهروه من العذر هو غير ما أبطنوه من الشك والنفاق، فقال: ﴿بَلْ كَانَ الله﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أي: عليمًا بجميع ما تعملونه بواطنه وظواهره، فيعلم أنَّ تخلفكم لم يكن لما أظهرتم من المعاذير، بل كان شكًّا ونفاقًا، ١٢ - كما فصَّل ذلك بقوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ ...﴾ إلخ: بدل (١) من ﴿كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ مفسِّرٌ لما فيه من الإبهام؛ أي: بل ظننتم أيها المخلفون ﴿أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾؛ أي: أنه لن ينقلب، ولن يرجع، فـ ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن ﴿الرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الذين معه: وهم ألف وأربع مئة ﴿إِلَى أَهْلِيهِمْ﴾ في المدينة ﴿أَبَدًا﴾ لظنكم أن يستأصلهم المشركون بالكلية، فخشيتم إن كنتم معهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلأجل ذلك الظنّ تخلَّفتم، لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة. وقرأ عبد الله (٢): ﴿إلى أهلهم﴾ بغير ياءٍ، وأهلون: (٣) جمع أهل، كأرضون جمع أرض، وقد يجمع على أهلات كأرضات على أنّ أصله: أهلة، وأما أهال قاسم جمع، كليال. ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ﴾ الظن المذكور ﴿في قُلُوبِكُمْ﴾؛ أي: زيَّنه الشيطان في قلوبكم، وقبلتموه، واشتغلتم بشأن أنفسكم غير مبالين بهم، وقرأ الجمهور: ﴿وَزُيِّنَ﴾ مبنيًا للمفعول، وقرىء: مبنيًا للفاعل، والفاعل الله حقيقةً، أو الشيطان مجازًا ﴿وَظَنَنْتُمْ﴾ في الرسول والمؤمنين ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾؛ أي: ظننتم فيهم الأمر السّيء الفاسد الرديء ظنًّا، وهو عدم انقلابهم إلى أهاليهم، وعدم نصر الله إياهم، والظنّ: منصوب على المصدرية، مضاف إلى موصوف محذوف، كما مرّ، وهذا

стр. 12459

الظنّ: إنما هو الظنّ الأول، والتكرير لتشديد التوبيخ، والتسجيل عليه بالسوء، وإلا فهو من عطف الشيء على نفسه، أو ما يعمّه وغيره من الظنون الفاسدة التي من جملتها: الظنّ بعدم صحة رسالته ﷺ ، فإن الجازم بصحتها لا يحوم حول فكره ما ذكر من الاستئصال، فبهذا التعميم لا يلزم التكرار. ﴿وَكُنْتُمْ﴾ بذلك الظن ﴿قَوْمًا بُورًا﴾؛ أي: قومًا هالكين عند الله سبحانه، مستوجبين سخطه وعقابه، على أنه جمع بائر، من بار بمعنى هلك، كعائذ وعوذ، وهي من الإبل والخيل الحديثة النتاج، أو فاسدين في أنفسكم وقلوبكم، ونيّاتكم لا خير فيكم، فإنَّ البور: الفاسد في بعض اللغات، قال الجوهري: البور: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. والمعنى (١): أي أن تخلفكم لم يكن لما أبديتم من الأسباب، بل إنكم اعتقدتم أنّ الرسول والمؤمنين سيقتلون، وتستأصل شأفتهم، فلا يرجعون إلى أهليهم أبدًا، وزيّن لكم الشيطان ذلك الظنَّ، حتى قعدتم عن صحبته، وظننتم أنّ الله لن ينصر محمدًا وصحبه المؤمنين على أعدائهم، بل سيغلبون، ويقتلون، وبلغ الأمر بكم أن قلتم: إنّ محمدًا وأصحابه أكلة رأس، قليلوا العدد، فأين يذهبون؟ وقد صرتم بما قلتم قومًا هلكى، لا تصلحون لشيء من الخير، مستوجبين سخط الله وشديد عذابه. ١٣ - ثم أخبر سبحانه عما أعده للكافرين به، فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ هذا كلام مستأنف من جهته تعالى، غير داخل تحت ما أمر الله به رسوله ﷺ أن يقوله، مقرر لبوارهم، ومبين لكيفيته. و ﴿مَنْ﴾: شرطية أو موصولة، جوابها أو خبرها: محذوف، دلَّ عليه قوله: ﴿فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾؛ أي: ومن لم يصدق بما أخبر الله به، ويقر بصدق ما جاء به رسوله من الحق من عنده، كهؤلاء المخلفين .. فهو كافر مستوجب لسخط الله وعذابه، لأنّا أعتدنا وهيأنا للكافرين نارًا ملتهبة متقدة عليه يوم القيامة جزاء كفره، وإنما (٢) وضع الكافرين موضع

стр. 12460

الضمير العائد إلى ﴿مَن﴾ الشرطية أو الموصولة؛ إيذانًا بأنّ من لم يجمع بين الإيمان بالله ورسوله هو كافر مستوجب للسعير؛ أي: النار الملتهبة، وتنكير ﴿سَعِيرًا﴾ للدلالة على أنها سعير لا يكتنه كنهها، أو لأنها نار مخصوصة، كما قال: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾. فالتنكير للتنويع. ١٤ - ثمّ بيّن سبحانه قدرته على ذلك، وأنه يفعل ما يشاء، لا رادّ لحكمه، ولا معقّب لقضائه، فقال: ﴿وَلِلَّهِ﴾ سبحانه، لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما، يتصرف في الكل كيف يشاء، لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وإنما تعبدهم بما تعبدهم ليثيب من أحسن، ويعاقب من أساء، ولهذا قال: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أن يغفر له، وهو فضل منه ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أن يعذّبه، وهو عدل منه من غير دخل لأحد في شيء منهما وجودًا وعدمًا، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وفيه حسم لأطماعهم الفارغة في استغفاره ﷺ لهم ﴿وَكَانَ الله﴾ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: كثير المغفرة والرحمة بليغهما، يخصّ بمغفرته ورحمته من يشاء من عباده، ولا يشاء إلا لمن تقتضي الحكمة مغفرته ممن يؤمن به وبرسوله، وأما من عداه من الكافرين، فهو بمعزل من ذلك قطعًا. ومعنى الآية (١): أي ولله السلطان والتصرف في السموات والأرض، فلا يقدر أحد أن يدفعه عمّا أراد بكم من تعذيب على نفاقكم إن أصررتم عليه، أو منعه من العفو عنكم إن أنتم تبتم من نفاقكم وكفركم، وهذا حسم لأطماعهم في استغفاره ﷺ لهم، وهم على هذه الحال، ثمّ أطمعهم في مغفرته وعفوه إن تابوا وأنابوا إليه، فقال: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن يشاء المغفرة والرحمة دون من عداه. وفي الآية حث لهؤلاء المتخلفين عن رسول الله ﷺ على التوبة، والمراجعة إلى أمر الله في طاعة رسوله ﷺ ، وطلب المبادرة بها، فإنّ الله يغفر للتائبين، ويرحمهم إذا أنابوا إليه، وأخلصوا العمل له.

стр. 12461

١٥ - ﴿سَيَقُولُ﴾ لك يا محمد، و ﴿السين﴾: يدل على القرب ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ المذكورون؛ أي: سيقول لك الذين تخلّفوا عنك في عمرة الحديبية، واعتلُّوا بشغلهم بأموالهم وأهليهم: ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ﴾: ظرف مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿سَيَقُولُ﴾؛ أي: سيقولون عند انطلاقكم وذهابكم أيها المؤمنون ﴿إِلَى مَغَانِمَ﴾ خيبر ﴿لِتَأْخُذُوهَا﴾ وتحوزوها حسبما وعدكم إياها، وخصَّكم بها عوضًا عمّا فاتكم من غنائم مكة إذا انصرفتم منها على صلح، ولم تصيبوا منها شيئًا ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾؛ أي: اتركونا نتبعكم، ونشهد معكم غزوة خيبر، وأصل القصة: (١) أنه لما انصرف النبيّ ﷺ ومن معه من المسلمين من الحديبية .. وعدهم الله سبحانه فتح خيبر، وخصَّ بغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها .. قال هؤلاء المخلّفون: ذرونا نتبعكم، ونسر معكم إلى غزوة خيبر حين توقعوا ما سيكون فيها من مغانم، وفي هذا وعد للمبايعين الموافقين بالغنيمة، وللمتخلفين المخالفين بالحرمان. فإن قيل: كيف (٢) يصح هذا الكلام، وقد ثبت أنه ﷺ أعطى من قدم مع جعفر ﵁ من مهاجري الحبشة، وكذا الدوسيين والأشعريين من مغانم خيبر، ولم يكونوا ممن حضر الحديبية؟. قلنا: كان ذلك باستنزال أهل الحديبية عن شيء من حقهم. فقال الله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ﴾؛ أي: يريد أولئك المخلفون بقولهم: ﴿ذَرُونَا﴾ ﴿أَنْ يُبَدِّلُوا﴾ ويغيِّروا ﴿كَلَامَ اللهِ﴾ سبحانه؛ أي: مواعيد الله لأهل الحديبية، حيث وعدهم غنيمة خيبر لهم خاصة، وهذا قول جمهور المفىسرين، وقال مقاتل: يعني: أمر الله تعالى نبيه ﷺ حيث أمره أن لا يسير منهم أحد إلى خيبر. وقال ابن زيد: هو قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾. والقول الأول أصوب.

стр. 12462

وقرأ الجمهور (١): ﴿كَلَامَ اللَّهِ﴾ بألف، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿كَلِمَ الله﴾ بلا ألف: جمع كلمة مثل: نبق ونبقةٍ، فالمراد بتبديلهم كلام الله تعالى: قصد مشاركتهم في المغانم التي خصّها بأهل الحديبية، فإنه ﷺ رجع من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست، وأقام بالمدينة بقيتها وأوائل المحرم من سنة سبع، ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية، ففتحها، وغنم أموالًا كثيرة، فخصَّها بهم حسبما أمره الله تعالى، فالمراد بكلام الله: ما ذكر من وعده تعالى غنائم خيبر لأهل الحديبية خاصةً، لا قوله تعالى: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ فإنّ ذلك نزل في غزوة تبوك مرجع رسول الله ﷺ من تبوك في آخر عمره، وهذه السورة نزلت عام الحديبية. ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يقول لهم إقناطًا وتيئيسًا من الذهاب معه إلى خيبر، بقوله: ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء المخلّفين الذين يريدون تبديل كلام الله إقناطًا لهم: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ في المسير إلى خيبر، ولن تذهبوا معنا؛ أي: لا تتبعونا، فإنه نفي في معنى النهي للمبالغة. وقال سعدي المفتي: ﴿لَنْ﴾ ليس (٢) للتأبيد، سيّما إذا أريد النهي. والمراد: لن تتبعونا في خيبر، أو ديمومتهم على مرض القلوب، وقال أبو الليث: لن تتبعونا في المسير إلى خيبر، إلا متطوعين من غير أن يكون لكم شركة في الغنيمة. ﴿كَذَلِكُمْ﴾؛ أي: قولًا مثل ما قلته لكم ﴿قَالَ الله﴾ سبحانه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل رجوعنا من الحديبية إليكم؛ أي: قال عند انصرافنا من الحديبية: إنّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبيّة خاصة، ليس لغيرهم فيها نصيب. ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾؛ أي: فسيقول المنافقون للمؤمنين عند سماع هذا النهي: ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾؛ أي: ليس ذلك النهي حكم الله، بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنائم؛ أي: بل ما يمنع من خروجنا معكم إلا الحسد منكم؛ لئلّا نشارككم في الغنيمة، وليس ذلك

стр. 12463

بقول الله سبحانه كما تزعمون. والحسد: تمنّي زوال النعمة عمّن يستحق لها، وربّما يكون من ذلك سعي في إزالتها. ثم رد الله سبحانه عليهم اتهام رسوله وصحبه بالحسد، بقوله: ﴿بَلْ كَانُوا﴾؛ أي: أولئك المخلفون ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: لا يفهمون ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: إلا فهمًا قليلًا، وهو فطنتهم لأمور الدنيا، وهو وصف لهم بالجهل المفرط وسوء الفهم في أمور الدين، وعن علي ﵁: "أقل الناس قيمةً أقلهم علمًا". ومعنى الآية: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾؛ أي: (١) لا تأذن لهم في الخروج معك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم، فإنَّ امتناعهم عن الخروج إلى الحديبية ما حصل إلا لأنّهم كانوا يتوقعون المغرم: وهو جلاد العدو، ومصاولته، ولا يتوقعون المغنم، فلمّا انعكست الآية في خيبر .. طلبوا ذلك، فعاقبهم الله بطردهم من المغانم، ثمّ أكد هذا المنع بقوله: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مثل هذا القول الصادر منّي قال الله سبحانه من قبل مرجعنا من الحديبية إليكم؛ أي: حكم الله بأن لا تتبعونا، وبأنَّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستم ممن شهدها، فليس لكم أن تتبعونا؛ لأنّ غنيمتها لغيركم، ثم أخبر بأنهم سيردُّون مقالك السابق: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِنْ قَبْلُ﴾. فقال: فسيقولون: إنّ الله ما قال ذلك من قبل، بل أنتم تحسدوننا أن نصيب معكم مغنمًا، ومن ثم منعتمونا، فرد الله عليهم اتهام الرسول وصحبه بالحسد، فقال: ﴿بَلْ كَانُوا﴾ إلخ؛ أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المنافقون من الأعراب، من أنكم تمنعونهم عن اتباعكم حسدًا منكم لهم على أن يصيبوا معكم من العدو مغنمًا، بل إنما كان؛ لأنّهم لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلًا، ولو فقهوا .. ما قالوا ذلك لرسوله وللمؤمنين بعد أن أخبرهم بأنّ الله منعهم غنائم خيبر، وفي هذا إشارة إلى أن ردهم حكم الله، وإثبات الحسد لرسوله وللمؤمنين ناشىء من الجهل، وقلة التدبر، فإن حب الدنيا ليس من شيمة

стр. 12464

العالم العاقل. واعلم: أيها الأخ الكريم، أنّ العلم إنما يزداد بصحبة أهله، ولمَّا تخلف المنافقون عن صحبة رسول الله ﷺ .. وصفهم الله سبحانه بعدم الفقه، فلا بدَّ من مجالسة العلماء العاملين، حتى تكون الدنيا وراء الظهر، ويجعل الرغبة في الآخرة. وقدورد في الأخبار: "اطلبوا العلم ولو بالصين". وعن بعضهم قال: رأيت في الطواف كهلًا قد أجهدته العبادة، وبيده عصا، وهو يطوف معتمدًا عليها، فسألته عن بلده، فقال: خراسان، ثم قال لي: في كم تقطعون هذا الطريق؟ قلت: في شهرين أو ثلاثة، فقال: أفلا تحجون كلّ عام؟ فقلت له: وكم بينكم وبين هذا البيت؟ قال: مسيرة خمس سنين، قلت: هذا والله هو الفضل المبين، والمحبّة الصادقة، فضحك وأنشأ يقول: زُرْ مَنْ هَوَيْتَ وَإِنْ شَطَّتْ بِكَ الدَّارُ ... وَحَالَ مِنْ دُوْنِهِ حُجْبٌ وَأَسْتَارُ لَا يَمْنَعَنَّكَ بُعْدٌ عَنْ زِيَارَتِهِ ... إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يَهْوَاهُ زَوَّارُ ١٦ - ﴿قُل﴾ يا محمد ﴿لِلْمُخَلَّفِينَ﴾ المذكورين من الأعراب، كرّر ذكرهم بهذا العنوان؛ لذمّهم مرّة بعد أخرى، فإنّ التخلّف عن صحبة الرسول ﷺ شناعة أي شناعة: إنكم ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ وتندبون ﴿إِلَى﴾ قتال ﴿قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: أصحاب قوّة شديدة في الحرب، فعليكم أن تخيروهم بين أمرين: إما السيف، وإما الإسلام، وهذا حكم عام في مشركي العرب والمرتدين، يجب اتباعه، كما بيَّن الأمرين بقوله: إما ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ أبدًا ﴿أَو يُسْلِمُونَ﴾: كلام مستأنف، كأنّه قيل: لماذا يدعون؟ فأجيب: ليكون أحد الأمرين: إما المقاتلة أبدًا، أو الإسلام لا غير، وأما من عدا المرتدين والمشركين من العرب فينتهي قتالهم بالجزية، كما ينتهي بالإسلام. يعني: أنّ المراد بـ ﴿قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: المرتدّون والمشركون مطلقًا، سواء كانوا مشركي العرب أو العجم، بناءً على أنّ من عدا الطائفتين المذكورتين، وهم: أهل الكتاب والمجوس، ليس الحكم فيهم أن يقتلوا إلى أن يسلموا، بل تقبل منهم الجزية، بخلاف المرتدّين، ومشركي العرب والعجم، فإنه لا تقبل منهم

стр. 12465

الجزية، بل يقاتلون حتى يسلموا، وهذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة: فمشركوا العجم تقبل منهم الجزية، كما تقبل من أهل الكتاب والمجوس، والذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف إنما هم مشركوا العرب والمرتدون فقط عنده. واختلف العلماء في تعيين هؤلاء القوم، فقال الزهريّ ومقاتل وجماعة: المراد بالقوم أولي العباس شديد: بنو حنيفة، أصحاب مسيلمة الكذّاب، وقال قتادة: هم هوازن وغطفان، وقال ابن عباس، ومجاهد: هم أهل فارس، وقال الحسن: هم فارس والروم، قال ابن جرير: إنه لم يقم دليل من نقل، ولا من عقل على تعيين هؤلاء القوم، فلندع الأمر على إجماله دون حاجة إلى التعيين. اهـ. أي: يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، أو الإسلام، لا ثالث لهما. وقرأ الجمهور (١): ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ مرفوعًا، وقرأ أبيّ وزيد بن عليّ: بحذف النون منصوبًا بإضمار أن بعد ﴿أَوْ﴾ العاطفة لمصدر متصيد، على مصدر متوهّم؛ أي: يكون قتال أو إسلام، والرفع على العطف على: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ أو على القطع؛ أي: أو هم يسلمون دون قتال. ثمّ وعدهم إذا أجابوا بقوله: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾؛ أي: فإن تستجيبوا وتنفروا أيّها المخلّفون للجهاد، وتؤدُّوا ما طلب منكم أداؤه .. ﴿يُؤْتِكُمُ الله﴾؛ أي: يعطكم ربّكم ﴿أَجْرًا حَسَنًا﴾ وثوابًا جزيلًا، فتنالوا المغانم في الدنيا، وتدخلوا الجنة في الآخرة، كما وعد من نكص على عقبه بقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: تعرضوا عن الدعوة، وتعصوا ربكم فتدبروا عن طاعته، وتخالفوا أمره، فتتركوا قتال أولي النجدة والبأس الشديد إذا دعيتم إلى قتالهم ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ في الحديبية؛ أي: كما عصيتموه في أمره إياكم بالمسير مع رسوله ﷺ إلى مكة ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: عذابًا شديدًا بالمذلّة في الدنيا بالقتل والأسر والقهر والنار في
следующие страницы →