﴿كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ الغفلة: معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور، وفي "المفردات": الغفلة: سهو يعتري من قلة التحفظ والتيقظ. ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ والغطاء: الحجاب المغطي لأمور المعاد، وهو الغفلة والانهماك في المحسوسات، والألفة بها، وقصر النظر عليها، قال في "المفردات": الغطاء: ما يجعل فوق الشيء من لباس ونحوه، كما أنّ الغشاء كذلك، وقد استعير للجهالة، قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا ...﴾ الآية. وفيه إعلال بالإبدال، أصله؛ غطاي، أبدلت الياء همزةً لتطرفها إثر ألف زائدة.
﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ يقال: حددت السكين: رققت حدَّها، ثم يقال لكل حاد في نفسه من حيث الخلقة، أو من حيث المعنى، كالبصر والبصيرة، فيقال: هو حديد النظر، وحديد الفهم، ويقال: لسان حديد، نحو: لسان صارم وماض، وذلك إذا كان يؤثر تأثير الحديد.
﴿عَنِيدٍ﴾؛ أي: معاند للحق، وقال السدي: مشتق من العند، وهو عظم يعترض في الحلق، أو معجب بما عنده، كأنه من قولهم: عندي كذا، كما في "عين المعاني". وقال في "المفردات": العنيد: المعجب بما عنده، والمعاند: المتباهي بما عنده، والعنود؛ الذي يعند عن القصد؛ أي: يميل عن الحق، ويردُّه عارفًا به.
﴿مُعْتَدٍ﴾ من الاعتداء، وهو مجاوزة الحق؛ أي: متجاوز للحق ظالم.
﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: شاك في الله، وفي دينه. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ القرين هنا الشيطان المقيد له.
﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾؛ أي: لا يجادل بعضكم بعضًا عندي.
﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾؛ أي: على الطغيان في دار الدنيا في كتبي، وعلى ألسنة رسلي. ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أصله: مزيد بوزن مفعل بكسر العين مصدر ميمي، أو اسم مكان، نقلت حركة الياء فيه إلى الزاي، فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مدّ.
стр. 12672
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ لما فيه من وصف الشيء بوصف صاحبه؛ لأنّ المجد حال المتكلّم.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ والإضمار في موضع الإظهار، في قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ فإضمار الكافرين أولًا؛ للإشعار بتعيّنهم بما أسند إليهم من المقال، وأنه إذا ذكر شيء خارج عن سنن الاستقامة .. انصرف إليهم، إذ لا يصدر إلا عنهم، فلا حاجة إلى إظهار ذكرهم، وإظهارهم ثانيًا؛ للتسجيل عليهم بالكفر بموجبه.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ لاستبعاد البعث بعد الموت.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ مثل علمه تعالى بكلّيات الأشياء وجزئياتها بعلم من عنده كتاب محيط يتلقى منه كل شيء.
ومنها: الإضراب الانتقالي، من بيان شناعتهم السابقة، إلى بيان ما هو أشنع منه وأفظع، في قوله ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ وهو تكذيبهم للنبوّة الثابتة بالمعجزات الباهرة، فالأفظعية لكون الثاني تكذيبًا للأمر الثابت من غير تدبّر، بخلاف الأول، فإنه تعجّب.
ومنها: الإتيان بالكلمة المفيدة للتوقّع في قوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ إشعارًا بانهم علموا بعد علو شأنه، وإعجازه الشاهد على حقّيته، فكذّبوا به بغيًا وحسدًا.
ومنها: الإتيان بصيغة التفعيل في قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ لإفادة تكرير النزول.
ومنها: ذكر المحل وإرادة الحال في قوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾؛ أي: أشجارًا ذوات ثمرات، كما قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
стр. 12673
ومنها: حذف الموصوف، وإقامة صفته مقامه، في قوله: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ فحذف الموصوت للعلم به، وأصله: وحب الزرع المحصود.
ومنها: المجاز المرسل في قوله ﴿الْحَصِيدِ﴾ فإنه مجاز باعتبار الأول؛ لأنّ المعنى: وحبّ الزرع الذي شأنه أن يحصد.
ومنها: تخصيص إنباته بالحبّ في قوله: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾؛ لكونه المقصود بالذات.
ومنها: تخصيص النخل بالذِّكرِ في قوله ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ مع اندراجها في الجنات؛ لبيان فضلها على سائر الأشجار.
ومنها: توسيط الحبّ بين جنّات والنخل؛ لتأكيد استقلالها، وامتيازها عن البقية مع ما فيه من مراعاة الفواصل.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾؛ لأنّ النضيد في الأصل: السرير الذي ينضد عليه المتاع، فاستعير للطلع النضيد.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ شبه إحياء الموتى بإخراج النبات من الأرض الميتة.
وفيه أيضًا: تقديم الخبر للقصد إلى الحصر، كما في "أبي السعود".
ومنها: تنكير ﴿خَلْقٍ﴾ في قوله: ﴿خَلْقٍ جَدِيد﴾ لتفخيم شأنه، والإشعار بخروجه عن حدود العادات، أو الإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه، ويهتم بمعرفته، ولا يقعد على لبس.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ مثّل علمه تعالى بأحوال العبد، وبخطرات النفس بحبل الوريد القريب من القلب، وهو تمثيل للقرب بطريق الاستعارة، كقول العرب: هو منى مقعد القابلة، وهو منّي معقد الإزار.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ حيث شبه العرق بواحد من الحبال من حيث الهيئة، ثم استعار له اسمه.
стр. 12674
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أصله: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
ومنها: الطباق بين اليمين والشمال، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ حيث استعار لفظ السكرة للهول والشدة التي يلقاها المحتضر عند وفاته، بجامع إذهاب العقل في كلٍ، وإنما لم يجعل الموت استعارة بالكناية، ثمّ إثبات السكرة له، تخييلًا؛ لأنّ المقام أدعى للاستعارة التحقيقية. كذا في "روح البيان".
ومنها: التعبير عن وقوعها بالماضي، إيذانًا بتحقّقها، وغاية اقترابها، حتى كأنه قد أتت وحضرت، كما قيل: قد أتاكم الجيش؛ أي: قرب إتيانه.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ حيث استعار الغفلة للجهالة بجامع مَنْع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ حيث استعار الغطاء للغفلة عن أمور المعاد؛ لأنّ الغطاء حقيقة في كل ما يجعل فوق الشيء من لباس ونحوه، فاستعاره للغفلة والجهالة بجامع الستر في كلٍّ.
ومنها: الجناس الناقص بين: ﴿عَنِيدٍ﴾، و ﴿عَتِيدٌ﴾ لتغاير حرفي النون والتاء.
ومنها: توافق الفواصل والسجع اللطيف غير المتكلّف به، مثل: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾، ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ وهو من المحسنات البديعية لما فيه من جميل الوقع على السمع.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 12675
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (١) الحوار بين الكافر وقرينه من الشياطين، واعتذار الكافر، ورد القرين عليه، وأنَّ الله سبحانه نهاهم عن الاختصام لديه؛ لأنه لا فائدة فيه بعد أن أوعدهم .. ذكر أن الجَنَّة تكون قريبة من المتقين، بحيث يرونها رأي العين، فتطمئن إليها نفوسهم، وتثلج لمرآها صدورهم، ويقال لهم: هذا هو الثواب الذي وعدتم به على ألسنة الأنبياء والرسل، وهو دائم لا نفاد له، ولا حصر فكل ما يريدون من لذة ونعيم فهو حاضر، ولهم فوق هذا رضوان من ربهم ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمَّا أنذرهم (٢) بما بين أيديهم من اليوم العظيم، والعذاب الأليم .. أنذرهم بما يعجل لهم في الدنيا من ضروب العذاب،
стр. 12676
سنّة الله فيمن تقدَّمهم من المكذبين قبلهم ممن ساروا في البلاد طولًا وعرضًا، وكانوا ذوي قوّة وأيدٍ، ولم يغن ذلك عنهم من الله شيئًا، ووسط بين ذلك ذكر المتقين وما يلاقونه من النعيم؛ ليكون أمرهم بين الخوف والطمع، ومن ثم ذكر حال الكفور المعاند، وحال الشكور العابد، ثم ذكر أنّ هذا عظة وذكرى لكل ذي لب واعٍ سميعٍ لما يلقى إليه، ثم أعاد الدليل مرة أخرى على إمكان البعث، فأبان أنه قد خلق السموات والأرض في ستة أطوار مختلفة، وما أصابه تعب، ولا لغوب كما قال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ ثمّ أمره بالصبر على ما يقولون، وتنزيه الله عن كل نقص آناء الليل وأطراف النهار، فها هو ذا قد اقترب يوم البعث والنشور، وسمع صوت الداعي لذلك بعد النفخ في الصور، وتشققت الأرض سراعًا، وخرج الناس من القبور، وما ذلك بالصعب على ربّ العالمين، خالق السموات والأرض، وإنا لنعلم ما يقول المشركون في البعث والنشور، فدعهم في غيّهم يعمهون، فما أنتَ عليهم بجبار تلزمهم الإيمان بهذا اليوم، وما فيه من هول، إن أنت إلا نذير، ولا يؤمن بك إلا من يخاف عقابي وشديد وعيدي، ولا تنفع العظة إلا ذوي الأحلام الراجحة والقلوب الواعية.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات (١): ما أخرجه الحاكم وصحّحه عن ابن عباس ﵄: أنّ اليهود أتت رسول الله ﷺ ، فسألته عن خلق السموات والأرض، فقال: "خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه، فخلق في أول ساعة الآجال حتى يموت من مات، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء
стр. 12677
مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة خلق آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة" قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب النبيّ ﷺ غضبًا شديدًا، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ...﴾ سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن جرير من طريق عمرو بن قيس الملائي، عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله، لو خوَّفتنا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ...﴾ ثمّ أخرج عن عمر مرسلًا مثله.
التفسير وأوجه القراءة
٣١ - ثم لما فرغ من بيان حال الكافرين .. شرع في بيان حال المؤمنين، فقال: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾؛ أي: قربت الجنة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الكفر والمعاصي تقريبًا ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أو مكانًا غير بعيد عنهم، بحيث يشاهدونها من الموقف، ويقفون على ما فيها قبل دخولها من فنون المحاسن، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيبتهون بأنهم محشورون إليها، فائزون بها، وقوله: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ تأكيد (١) للإزلاف، وانتصابه: إما على المصدرية، أو على الظرفية، كما مرّت الإشارة إليه، أو على الحالية المؤكّدة؛ أي: حال كونها غير بعيد؛ أي: شيئًا غير بعيد، كقولك هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل، إلى غير ذلك من أمثلة التوكيد، فالإزلاف تقريب الرؤية، وغير بعيد تقريب الدخول، فإنّهم يحاسبون حسابًا يسيرًا، ومنهم من لا يحاسب أصلًا، ويجوز أن يكون التذكير لكونه على زنة المصدر الذي يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث، كالزئير والضليل، أو لتأويل الجنة بالبستان، وقيل: المعنى: أنها زينت قلوبهم في الدنيا بالترغيب والترهيب، فصارت قريبة من قلوبهم، والأول أولى،
٣٢ - والإشارة بقوله: ﴿هَذَا﴾ إلى الجنة التي أزلفت لهم على معنى هذا الذي ترونه من فنون نعيمها ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا على ألسنة الرسل، والجملة الاسمية: مقول لقول محذوف،
стр. 12678
وقع حالًا من المتقين؛ أي: يقال لهم: هذا ما توعدون.
والمعنى (١): وأزلفت الجنة للمتقين، حال كون أولئك المتقين مقولًا لهم من قبل الله، أو على ألسنة الملائكة عندما شاهدوا الجنة ونعيمها هذا المشاهد، أو هذا الثواب، أو هذا الإزلاف، وتذكير اسم الإشارة لتذكير الخبر، أو هو إشارة إلى الجنة والتذكير لما أنّ المشار إليه هو المسمى من غير أن يخطر بالبال لفظ يدل عليه، فضلًا عن تذكيره وتأنيثه، فإنهما من أحكام النفظ العربي، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ وقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ وفي "التأويلات النجمية": هذا إشارة إلى مقعد صدق، ولو كانت الإشارة إلى الجنة لقال: هذه. انتهى.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ بالتاء خطابًا للمؤمنين، وابن كثير وأبو عمرو: بياء الغيبة؛ أي: هذا القول هو الذي وقع الوعد به، وهي جملة اعتراضية بين المبدل منه والبدل.
ومعنى الآية: أي وأدنيت الجنة للذين اتقوا ربّهم، واجتنبوا معاصيه بحيث تكون بمرأى العين منهم، إكرامًا لهم واطمئنانًا لنفوسهم، فيرون ما أعد لهم من نعيم وحبور ولذّة وسرور لا نفاد له ولا فناء، وتقول لهم الملائكة: هذا هو النعيم الذي وعدكم به ربّكم على ألسنة رسله، وجاءت به كتبه.
ثم بين المستحق لهذا النعيم، فقال: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ بدل من المتقين، بإعادة الجار؛ أي: وأزلفت الجنة للمتقين لكل أوّاب منهم؛ أي: رجَّاع إلى الله؛ أي: كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، فأوّلًا يرجع من الشرك إلى التوحيد، وثانيًا من المعصية إلى الطاعة، وثالثًا من الخلق إلى الحقّ، وقيل: هو المسبح، وقيل: هو الذاكر لله في الخلوة، قال الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة، فيستغفر الله منها، وقال عبيد بن عمير: هو الذي لا يجلس مجلسًا حتى يستغفر الله فيه.
стр. 12679
﴿حَفِيظٍ﴾؛ أي: حافظ التوبته من النقض، ولعهده من الرفض، أو الحافظ لذنوبه حتى يتوب منها، وقال قتادة: هو الحافظ لما استودعه من حقّه ونعمته، وقيل: هو الحافظ لأمر الله، وقال سهل ﵁: الأوَّاب: هو الراجع إلى الله تعالى بقلبه من الوسوسة إلى السكون إلى الله الحفيظ المحافظ على الطاعات والأوامر، وقال المحاسبيّ: الأوّاب: الراجع بقلبه إلى ربّه، والحفيظ: الحافظ قلبه في رجوعه إليه أن لا يرجع منه إلى أحد سواه، وقال الوراق: هو المحافظ لأوقاته وخطراته؛ أي: الخطرات القلبية والإلهامات الروعية، وفي الحديث: "من حافظ على أربع ركعات في أول النهار .. كان أوّابًا حفيظًا".
٣٣ - ﴿مَنْ﴾: بدل أو عطف بيان من ﴿كُلِّ أَوَّابٍ﴾ وقيل: يجوز أن يكون بدلًا بعد بدل من المتقين، وفيه نظر (١)؛ لأنّه لا يتكرّر البدل والمبدل منه واحد؛ أي: وأزلفت الجنة لمن ﴿خَشِيَ﴾ وخاف ﴿الرَّحْمَنَ﴾ سبحانه حال كونه متلبسًا ﴿بِالْغَيْبِ﴾ عن الناس، قال الضحاك والسدي: يعني: في الخلوة، حيث لا يراه أحد، وقال الحسن: إذا أرخى الستر، وأغلق الباب. والجار والمجرور: متعلق بمحذوف هو حال من فاعل ﴿خَشِيَ﴾ أو مفعوله أو صفة لمصدره؛ أي: خشية متلبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب عنه، قال بعضهم: والخشية خوف يشوبه تعظيم، قالوا: ومن رزق الخشية لم يعدم الإنابة، ومن رزق الإنابة لم يعدم التفويض والتسليم، ومن رزق التفويض والتسليم .. لم يعدم الصبر على المكاره، ومن رزق الصبر على المكاره .. لم يعدم الرضى.
والتعرض لعنوان الرحمانية (٢)؛ للإشعار بأنهم مع خشيتهم عقابه راجون رحمته، أو بأنّ علمهم بسعة رحمته لا يصدهم عن خشيته، وأنهم عاملون بموجب قوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.
﴿وَجَاءَ﴾ ربَّه يوم القيامة ﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾؛ أي: راجع إلى الله تعالى مخلص
стр. 12680
لطاعته، وقيل: المنيب: المقبل على الطاعة، وقيل: السليم من أمراض القلب، وصف (١) القلب بالإنابة مع أنها وصف المكلف لما أن العبرة برجوعه إلى الله تعالى؛ أي: لا عبرة للإنابة والرجوع إلا إذا كان من القلب.
والمراد: الرجوع إلى الله تعالى بما يحبّ ويرضى، وفي "التأويلات النجمية": بقلب منيب إلى ربّه، معرض عمَّا سواه، مقبل عليه بكليته.
وقوله: ﴿مَنْ﴾ بتقدير القول؛ أي: يقال لهم: ادخلوها، والجمع باعتبار معنى ﴿مَن﴾ وقوله: ﴿بِسَلَامٍ﴾: متعلق بمحذوف هو حال من فاعل
٣٤ - ﴿ادخلوها﴾؛ أي: يقال لهم من جهة الله سبحانه: ادخلوا الجنة حالة كونكم متلبسين بسلامة من العذاب، وزوال النعم، وحلول النقم أو بتسليم من جهة الله وملائكته عليكم؛ أي: مسلمًا عليكم، أو سلم بعضكم على بعض.
والمعنى: أي (٢) هذا الثواب للمتقين الذين يرجعون من معصية الله إلى طاعته تائبين من ذنوبهم، ويلقون الله بقلوب منيبة إليه خاضعة له، وتقول لهم الملائكة تكرمةً لهم: ادخلو الجنة سالمين من العذاب والهموم والأكدار، فلا خوف عليكم، ولا أنتم تحزنون.
ثم يبشرون، ويقال لهم: ﴿ذَلَكَ﴾ اليوم الذي حصل فيه الدخول ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ والدوام في الجنة إذ لا انتهاء له أبدًا، فاطمئنوا، وقروا عينًا فهذا يوم الخلود الذي لا موت بعده، ولا ظعن ولا رحيل، والإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الزمان الممتد الذي وقع في بعض منه الدخول المتحقق فيه، تقديره: الخلود إذ لا انتهاء له، فإن قيل (٣): المؤمن قد علم في الدنيا أنه إذا دخل الجنة .. خلد فيها، فما فائدة هذا القول؟
فالجواب من وجهين:
стр. 12681
الأول: أن الله تعالى قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ في الدنيا إعلامًا وإخبارًا، وليس ذلك قولًا يقوله عند قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾.
الثاني: أنّ اطمئنان القلب بالقول أكثر. اهـ "كرخي".
والخلود في الجَنَّة (١) بقاء الأشياء على الحالة التي هي عليها من غير اعتراض الكون والفساد عليها، وقال سعدي المفتي: ولا يبعد والله أعلم أن تكون الإشارة إلى زمان السلم، فتحصل الدلالة على أنَّ السلامة من العذاب، وزوال النعم حاصلة لهم مؤبَّدًا مخلَّدًا لا أنها مقتصرة على وقت الدخول.
٣٥ - ثم زاد في البشرى، فقال: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للمتقين ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾ من فنون المطالب، كائنًا ما كان سوى ما تقتضي الحكمة حجره، وهو ما كان خبيثًا في الدنيا أبدًا كاللواطة ونحوها، فإنهم لا يشاؤونها؛ لأنّ الله سبحانه يعصم أهل الجنة من شهوة محال أو منهيٍّ عنه. ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة، متعلق بـ ﴿يَشَاءُونَ﴾ ويجوز أن يكون حالًا من الموصول، أو من عائده، والأول أولى. اهـ "كرخي".
قال القشيري: يقال لهم: قد قلتم في الدنيا: ما شاء الله كان، فاليوم ما شئتم كان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: أي: عندنا زيادة في النعيم على ما يشاؤون، وهو ما لا يخطر ببالهم، ولا يندرج تحت مشيئتهم، من أنواع الكرامات التي لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإنهم يسألون الله سبحانه، حتى تنتهي مسألتهم فيعطيهم ما شاؤوا، ثم يزيدهم من عنده ما لم يسألوه، ولم تبلغه أمانيهم، وقيل: إنّ السحاب تمر بأهل الجنة فتمطرهم الحور، فتقول: نحن المزيد الذي قال الله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ والأصح: أن المزيد هو النظر إلى وجه الله الكريم، كما روي بطرق مختلفة، فيجتمعون في كل يوم جمعة، فلا يسألون شيئًا إلا أعطاهم، وتجلى لهم، ويقال ليوم الجمعة في الجنة: يوم المزيد.
стр. 12682
والمعنى: أي لهم إجابة لسؤالهم كل ما يشتهون، ثم نزيدهم فوق ما سألوا مما لم تره أعينهم، ولم يدر بخلدهم، ونحو الآية قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.
٣٦ - ثم خوف الله سبحانه أهل مكة، ومن دان دينهم بما وقع للأمم الماضية، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾: خبرية بمعنى عدد كثير، وقعت مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾. و ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ مميزها ومبين لإبهامها ﴿قَبْلَهُمْ﴾؛ أي قبل أهل مكة ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾؛ أي: من أمة؛ أي: وكثيرًا من القرون الذين كذبوا رسلهم أهلكنا قبل قومك يا محمد. ﴿هُمْ﴾؛ أي: أولئك القرون ﴿أَشَدُّ﴾ وأقوى ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أهل مكة ﴿بَطْشًا﴾؛ أي: أخذًا وبأسًا، كعاد وثمود وفرعون، ومحل الجملة: النصب على أنها صفة لكم، وفيه إشارة إلى إهلاك النفوس المتمردة في القرون الماضية إظهارًا لكمال القدرة والحكمة البالغة، لتتأدب به النفوس القابلة للخير، وتتعظ به القلوب السليمة.
وقوله: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ معطوف على ﴿أَهْلَكْنَا﴾ فـ ﴿الفاء﴾ (١) لمجرد العطف والتعقيب، من نقب في الأرض إذا ذهب وطاف في أرجائها؛ أي: وكم أهلكنا قبل قومك يا محمد من الأمم المكذبة لرسلها، الموصوفين بشدّة البطش والقوّة، فساروا في البلاد، وطافوا في أرجاء الأرض هربًا من عذابنا حين رأوا أمارته، حال كونهم قائلين: ﴿هَلْ﴾ لنا ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: هل لنا من مفرّ ومهرب ومخلص من أمر الله وعذابه، أو من الموت، فلم يجدوا مفرًّا ولا مهربًا، فـ ﴿مَحِيصٍ﴾: مبتدأ خبره: مضمر، وهو لهم. و ﴿مِنْ﴾: زائدة، والجملة مقول لقول محذوف وقع حالًا من فاعل ﴿نقَّبوا﴾.
ويجوز أن يراد: فنقب أهل مكة، وجالوا في أسفارهم، ومسايرهم للتجارة في بلاد القرون، فهل رأوا لهم محيصًا حتى يؤملوا مثله لأنفسهم، ويحتمل أن تكون ﴿الفاء﴾: سببية، عاطفة على جملة ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾؛ أي: دالّةً على
стр. 12683
أنَّ شدّة بطشهم أبطرتهم، وأقدرتهم، على التنقيب؛ أي: فبسبب شدّة بطشهم نقبوا في البلاد، وجالوا فيها، وأذلوها، وقهروا أهلها، واستولوا عليهم، وتصرفوا في أقطارها، فأهلكناهم، فهل لهم من محيص؛ أي: ليس لهم مخلص من عذابي؟ وجملة ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: مستأنفة، واردة لنفي أن يكون لهم محيص؛ يعني: فإن أصرَّ أهل مكة .. فليحذروا من مثل ما حل بالأمم الماضية، فإنَّ الغاية هو الهلاك، والنهاية هو العذاب.
والمعنى (١): أي وكثير من الأمم التي قبلك أهلكناهم، وكانوا أشدّ من قومك بطشًا، وأكثر منهم قوّة، كعاد وثمود وتبع، فتقلبوا في البلاد، وسلكوا كل طريق ابتغاء للرزق، ولم يجدوا لهم من أمر الله مهربًا ولا ملجأ حين حم القضاء، وهكذا حالكم، فحذار أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب العاجل في الدنيا، والآجل يوم القيامة.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَنَقَّبُوا﴾ بفتح القاف مشددة، والظاهر: أنّ الضمير في ﴿نقبوا﴾: عائد على ﴿كَمْ﴾؛ أي: دخلوا البلاد من أنقابها وطرقها.
والمعنى: طافوا في البلاد، وقيل: نقروا وبحثوا، والتنقيب: التنقير والبحث، قال امرؤ القيس في معنى التطواف:
وَقَدْ نَقَّبْتُ فِيْ الآفَاقِ حَتَّى ... رَضِيْتُ مِنَ الْغَنِيْمَةِ بِالإِيَابِ
وروي: قد طوفت.
ومثله قول الحارث بن خلدة:
نَقَبُوْا فِيْ الْبِلَادِ مِنْ حَذَرِ المَوْ ... تِ وَجَالُوْا فِيْ الأَرْضِ كُلَّ مَجَالِ
﴿فَنَقَّبُوا﴾ متسبب عن شدة بطشهم، فهي التي أقدرتهم على التنقيب، وقوّتهم عليه، ويجوز أن يعود الضمير في ﴿فَنَقَّبُوا﴾ على قريش؛ أي: فنقّبوا في أسفارهم في بلاد القرون، فهل رأوا محيصًا حتى يؤملوه لأنفسهم؟ ويدلّ على عود الضمير
стр. 12684
لأهل مكة قراءة ابن عباس وابن يعمر وأبي العالية ونصر بن يسار وأبي حيوة والأصمعي عن أبي عمرو: بكسر القاف مشددة على صيغة الأمر لأهل مكة؛ أي: فسيحوا في البلاد وابحثوا، وقرأ ابن عباس والحسن وأبو العالية وأبو عمرو في رواية: ﴿نقبوا﴾: بفتح القاف مخفّفة، وقرىء: بكسر القاف خفيفة؛ أي: نقت أقدامهم وأخفاف إبلهم، من نقب خف البعير: إذا انتقب ودمي، ويحتمل أن يكون ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ على إضمار القول؛ أي: يقولون: هل من محيص من الهلاك، كما مرّ آنفًا، واحتمل أن لا يكون ثم قول؛ أي: لا محيص من الموت، فيكون توقيفًا وتقريرًا واستئنافًا، اهـ من "البحر المحيط".
٣٧ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي (١): إنَّ فيما ذكر من قصتهم، أو فيما ذكر في هذه السورة، من أولها إلى آخرها من العبر والأخبار، وإهلاك القرى. ﴿لَذِكْرَى﴾؛ أي: لتذكرة وعظة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾؛ أي: قلب سليم يدرك به كنه ما يشاهده من الأمور، ويتفكر فيها كما ينبغي، فإنَّ من كان له ذلك يعلم أن مدار دمارهم هو الكفر، فيرتدع عنه بمجرد مشاهدة الآثار من غير تذكير.
قال الراغب: قلب الإنسان سمي به لكثرة تقلبه، ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به، من الروح والعلم والشجاعة وسائر ذلك، وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾؛ أي: علم وفهم. انتهى، وفسَّره ابن عباس ﵄ بالعقل، وذلك لأنَّ العقل قوة من قوى القلب، وخادم من خدامه، فمن له أدنى عقل فله ذكرى، وقال أبو الليث: لمن كان له قلب؛ أي: عقل، فكني به عنه. انتهى. قال الفرّاء: وهذا جائز في العربية، تقول: مالك قلب، وما قلبك معك؛ أي: مالك عقل، وما عقلك معك، وقيل (٢): المعنى: لمن كان له حياة، ونفس مميزة، فعبّر عن ذلك بالقلب؛ لأنّه وطنها ومعدن حياتها، ومنه قول امرىء القيس:
أَغَرَّكِ مِنِّي أَنَّ حُبَّكِ قَاتِلِيْ ... وَأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِيْ القَّلْبَ يَفْعَلِ
стр. 12685
وفي "الأسئلة المقحمة": كيف قال: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، ومعلوم أنّ لكل إنسان قلبًا؟ قلت: إنّ المراد هاهنا بالقلب: عقل، كني بالقلب عن العقل؛ لأنه محله ومنبعه كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ وسمعت بعض المشايخ يقول: لمن كان له قلب مستقر على الإيمان، لا ينقلب بالسراء والضرّاء. انتهى.
﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ إلى ما يتلى عليه من الوحي الناطق بما جرى عليهم، فإنَّ من فعله يقف على جلية الأمر، فينزجر عما يؤدي إليه من الكفر، فكلمة ﴿أَوْ﴾ لمنع الخلو دون الجمع، فإن إلقاء السمع لا يجدي بدون سلامة القلب، كما يلوح به قوله: ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أن ذلك الملقي فهو حال من الفاعل. ﴿شَهِيدٌ﴾ من الشهود بمعنى الشاهد؛ أي: حاضر بذهنه ليفهم معانيه؛ لأنّ من لا يحضر ذهنه، فكأنه غائب أو شاهد بصدقه، فيتعظ بظواهره، وينزجر بزواجره.
والمعنى: أنه ألقى السمع إلى ما يتلى عليه من الوحي الحاكي لما جرى على تلك الأمم، واستمعه والحال أنّ قلبه حاضر فيما يسمع، فإنَّ من لم يحضر قلبه فيما يسمع .. فهو غائب، وإن حضر بجسمه.
والخلاصة: استمع الوعظ بغاية استماعه، حتى كأنه يرمى بشيء ثقيل من علو إلى سفل اهـ "خطيب".
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ مبنيًا للفاعل و ﴿السَّمْعَ﴾: نصب به؛ أي: أو أصغى سمعه مفكرًا فيه، وقرأ السلمي وطلحة والسدي وأبو البرهشم: ﴿أَوْ أَلْقَى﴾ مبنيًا للمفعول السمع رفع به؛ أي: السمع منه؛ أي: من الذي له قلب.
قال مجاهد وقتادة: هذه الآية في أهل الكتاب، وكذا قال الحسن، وقال محمد بن كعب وأبو صالح: إنها في أهل القرآن خاصة.
والمعنى: إنّ فيما تقدّم لتذكرة وعبرة لمن كان له قلب واع، يتدبّر الحقائق، ويعي ما يقال له.
стр. 12686
٣٨ - ثم أعقب ذلك بذكر ما هو كالدليل على ما سلف، فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد أوجدنا السموات والأرض ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من أصناف المخلوقات ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: في قدر (١) ستّة أيّام من أيّام أول الدنيا، طول كل يوم ألف سنة من هذه الأيام. الأرض في يومين، ومنافعها في يومين، والسموات في يومين، ولو شاء .. لكان ذلك في أقل من لمح البصر، ولكنّه سن لنا التأنّي بذلك، فإن العجلة من الشيطان، إلا في ستة مواضع: أداء الصلاة إذا دخل الوقت، ودفن الميت إذا حضر، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب وحل، وإطعام الضيف إذا نزل، وتعجيل التوبة إذا أذنب. قال بعضهم: إذا فتح الله عليك بالتصريف .. فأتِ البيوت من أبوابها، وإيّاك والفعل بالهمة من غير أناة، وانظر إلى الحق سبحانه كيف خمر طينة آدم بيديه، وسواه وعدله، ثم نفخ فيه الروح، وعلمه الأسماء، فأوجد الأشياء على ترتيب ونظام، وكان قادرًا أن يكون آدم ابتداءً من غير تخمير، ولا شيء مما ذكر.
﴿وَمَا مَسَّنَا﴾ بذلك الخلق، مع كونه مما لا تقي القوى والقدر ﴿مِنْ لُغُوبٍ﴾؛ أي: من إعياء ولا تعب ولا نصب، فإنه لو كان .. لاقتضى ضعفًا، فاقتضى فسادًا، فكان من ذلك شيء على غير ما أردناه، فكان تصرفنا فيه غير تصرفنا في الباقي، وأنتم تشاهدون الكل على حدٍّ سواء من نفوذ الأمر، وتمام التصرف، وفي "التأويلات النجمية": وما مسَّنا من لغوب؛ لأنها خلقت بإشارة أمر كن كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ فأنَّى يمسه اللغوب، وأنه صمد لا يحدث في ذاته حادث، انتهى. و ﴿مِنْ﴾: زائدة، و ﴿لُغُوبٍ﴾: فاعل، والجملة: إما حالية، أو مستأنفة.
والمعنى (٢): قسمًا بربك، إنا خلقنا السموات والأرض، وملأناهما بالعجائب في ستة أطوار مختلفة وما مسنا تعب ولا إعياء، ولا تزال عجائبنا تترى
стр. 12687
كل يوم، فانظروا إليها، وتأمَّلوا في محاسنها، فهي لا تحصى، ولا يبلغها الاستقصاء، وكذبوا اليهود الذين قالوا: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوَّلها الأحد، وآخرها الجمعة، واستراح يوم السبت، واستلقى على العرش، فنحن لايمسنا لغوب ولا إعياء، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾.
وقرأ الجمهور (١): ﴿لُغُوبٍ﴾ بضم اللام، وقرأ علي والسلميّ وطلحة ويعقوب: بفتحها، وهما مصدران: الأول مقيس، وهو الضم، وأما الفتح فغير مقيس، كالقبول والولوع والوزوع.
٣٩ - ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾؛ أي: على ما يقوله المشركون في شأن البعث، من الأباطيل التي لا مستند لها إلا الاستبعاد، حيث قالوا: هذا شيء عجيب؛ أي: هذا الذي يقوله محمد: نبعث بعد الموت شيء عجيب بعيد عن العقل، فإنَّ من خلق الخلق في تلك المدّة اليسيرة بلا إعياء ولا فتور، قادر على بعثهم، وجزائهم على ما قدَّموا من الحسنات والسيئات، أو على ما يقوله اليهود من مقالات الكفر والتشبيه، وهذا تسلية للنبي ﷺ ، وأمر له بالصبر على ما يقوله المشركون؛ أي: هون عليك ولا تحزن لقولهم، وتلق ما يرد عليك منه بالصبر، وهذا قبل الأمر بقتالهم.
﴿وَسَبِّحْ﴾؛ أي: ونزهه تعالى يا محمد عن العجز عمَّا يمكن، وعن وقوع الخلف في أخباره التي من جملتها الإخبار بوقوع البعث، وعن وصفه بما يوجب التشبيه حالي كونك متلبسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أي: بحمده على ما أنعم عليك من إصابة الحق وغيرها، وفي "الخطيب": فقد كان النبيّ ﷺ مشتغلًا بأمرين:
أحدهما: عبادة الله.
والثاني: هداية الخلق، فلما لم يهتدوا .. قيل له: أقبل على شغلك الآخر،
стр. 12688
وهو العبادة. اهـ. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾؛ يعني: وقت صلاة الفجر، ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾؛ يعني: وقت صلاة العصر، وفضيلة هذين الوقتين مشهورة؛ لأنهما وقت تعاقب ملائكة الليل وملائكة النهار، والتسبيح فيهما بمكان، وقيل: المراد (١): صلاة الفجر، وصلاة العصر، وقيل: الصلوات الخمس، وقيل: صلّ ركعتين قبل طلوع الشمس، وركعتين قبل غروبها، والأول أولى.
فإن قلت: لم قال هنا: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وقال في طه: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ بالضمير؟
قلت: لأنّه راعى هناك القياس؛ لأنّ الغروب للشمس كما أنَّ الطلوع لها، فأتى بالضمير لِسَبْقِ المرجع، وراعى هنا الفواصل، فهذا هو الفرق بين الموضعين، فتأمل.
٤٠ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾؛ أي: وسبحه بعض ساعات الليل، وقيل: هي صلاة الليل، وقيل: ركعتا الفجر، وقيل: صلاة العشاء، والأول أولى. فقوله (٢): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾: مفعول لفعل مضمر معطوف على ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ يفسره ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، ويجوز أن يعمل فيه المذكور أيضًا، ولا تمنع الفاء من عمل ما بعدها فيما قبلها، كما سيجيء في سورة قريش.
﴿وَ﴾ سبّحه ﴿أَدْبَارَ السُّجُودِ﴾؛ أي: أعقاب الصلوات وأواخرها، جمع دبر، من أدبر الشيء: إذا ولّى، وأدبرت الصلاة: إذا انقضت، والركوع والسجود يعبّر بهما عن الصلاة لأنهما أعظم أركانها، كما يعبّر بالوجه عن الذات؛ لأنّه أشرف أعضائها.
وقرأ الجمهور - أي: جمهور السبعة - والحسن والأعرج: ﴿وَأَدْبَارَ﴾ بفتح الهمزة، جمع دبر، كطنب وأطناب، وفرأ نافع وابن كثير وحمزة وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعيسى والأعمش وطلحة، وشبل: بكسرها على المصدر، وقال (٣)
стр. 12689
جماعة من الصحابة والتابعين: أدبار السجود: الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم: الركعتان قبل الفجر، وقد اتفق القرّاء السبعة في إدبار النجوم، أنه بكسر الهمزة كما سيأتي، وفي "تفسير المناسبات" (١): وسبح متلبسًا بحمد ربك قبل طلوع الشمس بصلاة الصبح، وما يليق به من التسبيح وغيره، وقبل الغروب بصلاة العصر والظهر كذلك، فالعصر أصل في ذلك الوقت، والظهر تبع لها، ولما ذكر ما هو أدل على الحب في المعبود؛ لأنّه وقت الانتشار إلى الأمور الضرورية، التي بها القوام والرجوع لقصد الراحة الجسدية، بالأكل والشرب واللعب والاجتماع بعد الانتشار، والانضمام بعد الافتراق، مع ما في الوقتين من الدلالة الظاهرة على طيّ الخلق ونشرهم، أتبعه ما يكون وقت السكون المراد به الراحة بلذيذ الاضطجاع والمنام، فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: في بعض أوقاته، فسبحه بصلاتي المغرب والعشاء وقيام الليل؛ لأنَّ الليل وقت الخلوات وهي ألذّ المناجاة، ولما ذكر الفرائض التي لا مندوحة عنها على وجه يشمل النوافل من الصلاة وغيرها .. أتبعها النوافل المقيَّدة بها، فقال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾؛ أي: الذي هو الأكمل في بابه، وهو صلاة الفرض بما يصلي بعده من الرواتب، والتسبيح القول أيضًا.
والمعنى - والله أعلم -: أن الاشتغال استمطار من المحمود المسبح للنصر على المكذّبين، وأنَّ الصلاة أعظم ترياق للنصر وإزالة النصب، ولهذا كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر .. فزع إلى الصلاة. انتهى، يقال: حزبه الأمر: نابه واشتد عليه، أو ضغطه وفزع إليه: لجأ.
والخلاصة (٢): أي ونزه ربك عن العجز عن كل ممكن كالبعث ونحوه، حامدًا له على أنعمه عليك وقت الفجر، ووقت العصر، وبعض الليل، وفي أعقاب الصلوات، وقال ابن عباس: الصلاة قبل طلوع الشمس صلاة الفجر، وقبل الغروب الظهر والعصر، ومن الليل العشاءان، وأدبار السجود النوافل بعد
стр. 12690
الفرائض، روى البخاريّ عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله ﷺ أن يسبَّح في أدبار الصلوات كلّها؛ يعني؛ قوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ وفي حديث مسلم: تحديد التسبيح بثلاث وثلاثين، والتحميد بثلاث وثلاثين، والتكبير بثلاث وثلاثين، وتمام المئة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، دبر كل صلاةٍ".
٤١ - ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ أيها الرسول، أو أيها المخاطب ما أقول لك، وما أخبرك به في شأنّ أهوال يوم القيامة، فمفعول ﴿اسْتَمِعْ﴾: محذوف، والوقف على ﴿اسْتَمِعْ﴾. وفي حذف المفعول تهويل وتفظيع المخبر به، و ﴿يَوْمَ﴾ أول كلام مستأنف، عامله: محذوف، تقديره: يعلم المشركون عاقبة كفرهم وتكذيبهم، أو يخرجون من قبورهم.
﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ بالحشر، وهو إسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس، فينادي بالحشر، والمراد بندائه: نفخه في الصور، سمّي نداء من حيث إنه جعله علمًا للخروج وللحشر، وإنما (١) يقع ذلك النداء كأذان المؤذن، وعلامات الرحيل في العساكر، وقيل: هو النداء حقيقةً، فيقف على صخرة بيت المقدس، ويضع أصبعه في أذنيه، وينادي: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزِّقة، والشعور المتفرقة، إنّ الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، وقيل: المنادي جبريل، والنافخ إسرافيل، قال الشهاب الخفاجي: وهو الأصح، كما دلت عليه الآثار.
﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ إلى السماء، وهو صخرة بيت المقدس، فإنَّ بيت المقدس أقرب من جميع الأرض إلى السماء باثني عشر ميلًا، أو ثمانية عشر ميلًا، وهو وسط الأرض، كما قاله علي ﵁ ولا يصح ذلك إلا بوحي، أو من مكان قريب يصل نداؤه إلى الكل على سواء، وفي "كشف الأسرار": سمي قريبًا؛ لأنّ كل إنسان يسمعه من طرف أذنه، وقيل: من تحت أقدامهم، وقيل:
стр. 12691
من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة، ولعل ذلك في الإعادة، مثل: كن في البدء، والله أعلم. وكل ذلك مما لا مستند له من نقلٍ.
وعبارة السمين: قوله: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ هو استماع على بابه، وقيل: هو بمعنى الانتظار، وهو بعيد، فعلى الأول يجوز أن يكون المفعول محذوفًا؛ أي: استمع نداء المنادي، أو نداء الكافر بالويل والئبور، فعلى هذا يكون ﴿يَوْمَ يُنَادِ﴾ منصوبًا بيخرجون مقدرًا مدلولًا عليه بقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ وعلى الثاني يكون ﴿يَوْمَ يُنَادِ﴾ مفعولًا به؛ أي: انتظر ذلك اليوم. انتهى.
وقرأ ابن كثير (١) ﴿المنادي﴾ بالياء وصلًا ووقفًا، ونافع وأبو عمرو: بحذف الياء وقفًا، وعيسى وطلحة والأعمش وباقي السبعة: بحذفها وصلًا ووقفًا اتباعًا لخط المصحف، ومن أثبتها فعلى الأصل، ومن حذفها وقفًا فلأنَّ الوقف تغيير يبدل فيه التنوين ألفًا نصبًا، والتاء هاءً، ويشدد المخفف، ويحذف في القوافي.
٤٢ - ﴿يَوْمَ ...﴾ إلخ. بدل من ﴿يَوْمَ يُنَادِ ...﴾ إلخ. ﴿يَسْمَعُونَ﴾؛ أي (٢): الأرواح، وقيل: الأجساد؛ لأنه يمدها أربعين سنة، كما في "عين المعاني". ﴿الصَّيْحَةَ﴾ والصرخة، وهي صيحة البعث التي هي النفخة الثانية. ﴿بِالْحَقِّ﴾: إما حالٌ من الصيحة؛ أي: متلبسةً بالحق، أو من فاعل ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أي: متلبسين بالحق، أو متعلق بـ ﴿يَسْمَعُونَ﴾ على أنَّ الباء للتعدية والعامل في الظرف: هو ما يدل عليه قوله: ﴿ذَلَكَ﴾ اليوم؛ أي: يوم النداء، وسماع صيحة النفخ ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ من القبور، وهو من أسماء يوم القيامة، وسمّي يوم العيد يوم الخروج أيضًا تشبيهًا به.
والمعنى: يوم يسمعون الصيحة متلبسةً بالحق الذي هو البعث، يخرجون من القبور إلى المحاسبة، ثم إلى إحدى الدارين، إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
٤٣ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ في الدنيا بانقضاء الآجال من غير أن يشاركنا في ذلك أحد، أو نحيي في الآخرة ونميت في الدنيا، والجملة: مستأنفة لتقرير أمر
стр. 12692
البعث. ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ والمرجع للمجازاة في الآخرة لا إلى غيرنا، لا استقلالًا ولا اشتراكًا، فليستعدوا للقائنا، فتكرير الضمير بعد إيقاعه اسمًا؛ ﴿إنّ﴾ للتأكيد والاختصاص والتفرد.
٤٤ - ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ﴾ الثاني، أو ظرف للمصير، أو ظرف للخروج.
وقرأ الجمهور (١): ﴿تَشَقَّقُ﴾ بإدغام التاء في الشين، وباقي السبعة: بتخفيفها على حذف إحدى التاءين تخفيفًا، وقرىء: ﴿تشقّق﴾ بضم التاء، مضاوع شقّقت، على البناء للمفعول، وقرىء: ﴿تنشق﴾ مضارع انشقّت، وقرأ زيد بن عليّ: ﴿تتشقّق﴾ بإثبات التاءين على الأصل؛ أي: يخرجون من قبورهم يوم تتشقّق وتتصدّع وتنفتح ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن الموتى حال كونهم ﴿سِرَاعًا﴾؛ أي: مسرعين إلى إجابة الداعي من غير التفات يمينًا وشمالًا، وهذا كقوله: ﴿مهطعين إلى الداع﴾ فهو حال من الضمير المجرور، والعامل فيه ﴿تَشَقَّقُ﴾ وقيل: محذوف، تقديره: يخرجون، فهو حال من الواو في ﴿يخرجون﴾، قاله الحوفّي، ويجوز أن يكون هذا المقدر عاملًا في ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ كما مرّ آنفًا.
﴿ذَلِكَ﴾ الإخراج بتشقّق الأرض عنهم ﴿حَشْرٌ﴾؛ أي: بعث وجمع وسوق ﴿عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾؛ أي: هيّن علينا للحساب والجزاء، فكيف ينكره عاقل؛ أي (٢): نقول: كن فيكون، وهو كلام معادل لقول الكفرة: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. وتقديم الجار والمجرور على عامله؛ لتخصيص اليسر به تعالى، فإنّ ذلك لا يتيسر إلا على العالم القادر لذاته، الذي لا يشغله شأن من شأن، كما قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. وعبارة أبي حيّان: فصل بين الموصوف وصفته بمعمول الصفة وهو ﴿عَلَيْنَا﴾؛ أي: يسير علينا، وحسَّن ذلك كون الصفة فاصلة.
стр. 12693
والمعنى (١): أي إلينا المصير في ذلك اليوم الذي تتصدّع فيه الأرض، فتخرج الموتى من صدوعها مسرعة، وذلك جمع هيّن علينا لا عسر فيه ولا مشقّة.
٤٥ - ثم سلّى رسوله، وهدّد المشركين بقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾؛ أي: بما يقول المشركون من فريتهم على ربهم، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم قدرته على البعث بعد الموت، وغير ذلك مما لا خير فيه، ففيه تسلية له ﷺ وتهديد لهم. ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على المشركين ﴿بِجَبَّارٍ﴾؛ أي: بمسلط عليهم تجبرهم، وتقسرهم على الإيمان، أو تفعل بهم ما تريد، وإنما أنت مذكر، وهذا كقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾؛ أي: لست بمتسلّط عليهم تجبرهم على ما تريد، والآية منسوخة بآية السيف (٢).
﴿فَذَكِّرْ﴾ وعظ ﴿بِالْقُرْآنِ﴾؛ أي: بمواعظه ﴿مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾؛ أي: من يخاف وعيدي لعصاتي بالعذاب؛ لأنَّ من لا يخاف الوعيد لكونه غير مصدق بوقوعه لا يذكر، إذ لا تنفع فيه الذكرى، كما قال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾. وختمت السورة بقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ كما افتتحت بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ فحصلت المناسبة بين المبتدأ والمختتم.
وقرأ ورش (٣): بإثبات الياء بعد الدال في الوصل.
والمعنى: أي وما أنت بمسلط عليهم تقسرهم على الإيمان، وتسيرهم طى ما تهوى وتريد، إنما أنت نذير، وما عليك إلا التبليغ، وعلينا الحساب، ثم أكد أنه مذكر لا مسيطر، وأن التذكير لا ينفع إلا من خشي ربه، فقال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ ...﴾ إلخ؛ أي (٤): فذكر أيها الرسول بهذا القرآن الذي أنزلته عليك من يخاف وعيدي، الذي أوعدته من عصاني، وخالف أمري؛ أي: بلّغ رسالة ربّك،
стр. 12694
وما يتذكر بها إلا من يخاف وعيد الله تعالى، وشديد عذابه، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. وكان قتادة يقول: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك، يا برّ يا رحيم، وأما من لا يخاف وعيدنا، فنفعل بهم ما يوجبه أقوالهم، وتستدعيه أعمالهم من ألوان العقاب، وفنون العذاب.
فائدة: كان (١) رسول الله ﷺ يخطب بسورة ق في كثير من الأوقات؛ لاشتمالها على ذكر الله تعالى، والثناء عليه، ثمّ على علمه بما توسوس به النفوس، وما تكتبه الملائكة على الإنسان من طاعة وعصيان، ثم تذكير الموت وسكرته، ثم تذكير القيامة وأهوالها، والشهادة على الخلائق بأعمالهم، ثمّ تذكير الجنة والنار، ثمّ تذكير الصيحة والنشور والخروج من القبور، ثم بالمواظبة على الصلوات.
قال السيوطي في كتاب "الوسائل": أوّل من قرأ في آخر الخطبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ...﴾ الآية. عمر بن عبد العزيز، ولزمها الخطباء إلى عصرنا هذا، وكان النبيّ ﷺ يقرأ ق، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ إلى قوله: ﴿مَا أَحْضَرَتْ﴾ وكان عثمان بن عفان ﵁ يقرأ: الكافرون والإخلاص، ذكر ذلك ابن الصلاح، وفي الحديث: "من قرأ سورة ق ... هوَّن الله عليه تارات الموت وسكراته" قيل: تارات الموت إفاقاته وغشياته، كما في "حواشي سعدي المفتي".
الإعراب
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾.
﴿وَأُزْلِفَتِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية. ﴿أزلفت الجنة﴾: فعل ونائب
стр. 12695
فاعل. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أزلفت﴾، والجملة: معطوفة على جملة ﴿نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾: أو مستأنفة. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: منصوب على الظرفية؛ لقيامه مقام الظرف؛ لأنّه صفته؛ أي: مكانًا غير بعيد، وأجاز الزمخشري نصبه على الحال، قال: وتذكيره لأنّه على زنة المصدر، والمصادر يستوي فيه المذكر والمؤنث، أو على حذف الموصوف؛ أي: شيئًا غير بعيد. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. و ﴿مَا﴾: خبره، وجملة ﴿تُوعَدُونَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾، والعائد: محذوف، تقديره: ما توعدونه، والجملة: معترضة بين البدل والمبدل منه، لا محل لها من الإعراب. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: بتكرار الجار. ﴿حَفِيظٍ﴾: صفة ﴿أَوَّابٍ﴾ ﴿مَنْ خَشِيَ﴾: بدل من ﴿كل أواب﴾ بعد كون كل بدلًا من المتقين، كما مرّ، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هم من خشي الرحمن، وجملة ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾: صلة لـ ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿بِالْغَيْبِ﴾: حال من المفعول به؛ أي: خشيه، وهو غائب لا يعرفه. ﴿وَجَاءَ﴾: معطوف على ﴿خَشِيَ﴾، ﴿بِقَلْبٍ﴾: حال من فاعل ﴿جاء﴾؛ أي: حال كونه متلبسًا بقلب، أو متعلق بـ ﴿جاء﴾. ﴿مُنِيبٍ﴾ صفة ﴿قلب﴾.
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾.
﴿ادْخُلُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: مقول لقول محذوف؛ أي: ويقال لهم: ادخلوها. ﴿بِسَلَامٍ﴾: حال من الفاعل؛ أي: سالمين من كل مخوفة، وهي حال مقارنة. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. و ﴿مَا﴾: مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿يَشَاءُونَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾، ﴿فِيهَا﴾: حال من الموصول، أو متعلق بـ ﴿يَشَاءُونَ﴾. ﴿وَلَدَينَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لدينا﴾: متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَزِيدٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة: معطوفة على ما قبلها. ﴿وَكَمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كم﴾: خبريّة بمعنى عدد كثير في محل النصب، مفعول مقدم لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾. ﴿أَهْلَكْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة مسوقة لذكر إهلاك قرون ماضية. ﴿قَبْلَهُمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال
стр. 12696
من ﴿كم﴾ الخبرية. ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: تمييز ﴿كم﴾، و ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿أَشَدُّ﴾: خبره، والجملة: صفة لـ ﴿كم﴾ أو لتمييزها. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿بَطْشًا﴾ تمييز محول عن المبتدأ، منصوب بـ ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿فَنَقَّبُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿نقبوا﴾: فعل وفاعل معطوف على معنى ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ كأنه قيل: اشتد بطشهم فنقبوا، أو معطوف على ﴿أَهْلَكْنَا﴾؛ أي: كم من قرن أردنا إهلاكهم فنقبوا في البلاد هربًا من إهلاكنا وعذابنا. ﴿فِي الْبِلَادِ﴾: متعلق بـ ﴿نقبوا﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام الإنكاري. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿مَحِيصٍ﴾: مبتدأ، خبره: محذوف، تقديره: هل من محيص لهم، والجملة الاسمية، مقول لقول محذوف حال من فاعل ﴿نقّبوا﴾؛ أي: فنقّبوا في البلاد قائلين: هل من محيص. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر مقدم لـ ﴿إن﴾. ﴿لَذِكْرَى﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿ذكرى﴾: اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخر، وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة. ﴿لِمَن﴾: متعلق بمحذوف صفة ﴿لَذِكْرَى﴾، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص. ﴿لَهُ﴾: خبر ﴿كاَنَ﴾: مقدم. و ﴿قَلْبٌ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿كاَنَ﴾ صلة لـ ﴿مِن﴾ الموصولة. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿أَلْقَى السَّمْعَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿كاَنَ﴾. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿هو شهيد﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿أَلْقَى﴾.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ﴾: على وفاعل ومفعول به. ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. والجملة: جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾. ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾، ﴿وَمَا مَسَّنَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، أو حالية، ﴿مَا﴾: نافية. ﴿مَسَّنَا﴾: فعل ماض ومفعول به.
стр. 12697
﴿مِن﴾: زائدة. ﴿لُغُوبٍ﴾: فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿خَلَقْنَا﴾ أو حال من فاعل ﴿خَلَقْنَا﴾.
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾.
﴿فَاصْبِرْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت إصرارهم على كفرهم، وتماديهم على تعنتهم، وأردت بيان ما هو الأصلح لك .. فأقول لك: اصبر. ﴿اصبر﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقّررة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: متعلق بـ ﴿اصبر﴾، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَسَبِّحْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد معطوف على ﴿اصبر﴾. ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: حال من فاعل ﴿سبح﴾؛ أي: سبح متلبسًا بحمد ربك. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿سبح﴾. ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾: ظرف معطوف على الظرف قبله. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾: متعلق بـ ﴿سبحه﴾. ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ ﴿الفاء﴾: زائدة، ﴿سبحه﴾: فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: ظرف معطوف على ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾. ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿استمع﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿فَاصْبِرْ﴾ أو على ما بعده، ومفعوله: محذوف، تقديره: واستمع نداء المنادي يوم ينادي. و ﴿يَوْمَ﴾: متعلق بـ ﴿استمع﴾. وقيل: تقدير المفعول: ما أقول لك، فيكون ﴿يَوْمَ يُنَادِ﴾: منصوبًا بـ ﴿يخرجون﴾ مقدرًا مدلولًا عليه بقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾. و ﴿يُنَادِ الْمُنَادِ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ وحذفت ياء ﴿يُنَادِ﴾: في الخطّ تبعًا للرسم العثماني، أو تبعًا للفظ؛ لأنّها حذفت في اللفظ لالتقاء الساكنين. ﴿الْمُنَادِ﴾؛ فاعل وحذفت الياء منه في بعض القراءات تبعًا للرسم العثماني أيضًا. ﴿مِنْ مَكَانٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُنَادِ﴾. ﴿قَرِيبٍ﴾: صفة ﴿مَكَانٍ﴾، ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ﴾ الظرف:
стр. 12698
بدل من الظرف قبله؛ أعني: يوم يناد المناد، وجملة ﴿يَسْمَعُونَ﴾: مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿الصَّيْحَةَ﴾: مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من ﴿الواو﴾ في ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أو من الصيحة. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿نَحْنُ﴾: ضمير فصل أو مبتدأ، وجملة ﴿نُحْيِي﴾: خبر ﴿إِنَّا﴾ أو خبر ﴿نَحْنُ﴾ والجملة: خبر ﴿إنّ﴾. ﴿وَنُمِيتُ﴾: معطوف على ﴿نُحْيِي﴾. ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾: خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿نُحْيِي﴾ أو على جملة ﴿إنَّ﴾.
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾.
﴿يَوْمَ﴾: بدل من الظرف الثاني؛ أعني: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ أو متعلق بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾. ﴿تَشَقَّقُ﴾: فعل مضارع. ﴿الْأَرْضُ﴾: فاعل. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَشَقَّقُ﴾. والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿سِرَاعًا﴾. حال من الضمير في ﴿عَنْهُمْ﴾. ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾: مبتدأ وخبره، والجملة: مستأنفة. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرٌ﴾. و ﴿يَسِيرٌ﴾: صفة لـ ﴿حَشْرٌ﴾. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾، ويصح كون ﴿مَا﴾ موصولة أو مصدرية. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: حجازية. ﴿أَنتَ﴾: اسمها. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق ﴿بِجَبَّارٍ﴾ و ﴿جبار﴾: خبر ﴿مَا﴾ الحجازية، و ﴿الباء﴾: زائدة، وجملة ﴿مَا﴾ الحجازية: معطوفة على جملة ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾. ﴿فَذَكِّرْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قلت لك من علمنا بقولهم، وعدم سيطرتك عليهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ذكّر بالقرآن. ﴿ذكّر﴾: فعل أمر وفاعل مستتر. ﴿بِالْقُرْآنِ﴾: متعلق بـ ﴿ذكر﴾، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يَخَافُ﴾: صلتها. ﴿وَعِيدِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه: فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة؛ أجتزاء عنها
стр. 12699
بالكسرة، أو للفاصلة، أو اتباعًا للرسم، وهو مضاف، وياء المتكلم المحذوفة: في محل الجر مضاف إليه، مبني على السكون.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَأُزْلِفَتِ﴾؛ أي: قربت، وأدنيت الجنة، تقول: أزلفه: قرّبه، وأزلف الأشياء: جمعها، وأزلف الدليل القوم: حملهم على التقدم، وأزعجهم مزلفة بعد مزلفة؛ أي: مرحلة بعد مرحلة.
﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾؛ أي: في مكان غير بعيد منهم، بل هو بمرأى منهم، بحيث ينظرون إليها قبل دخولها، فيكون انتصابه على الظرفية كما مرّ.
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾؛ أي: هذا هو الثواب الذي وعدتم به على ألسنة الرسل.
﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ الأوَّاب: الرجَّاع الذي يرجع عن المعصية إلى الطاعة، وفي "المفردات": الأوّاب كالتوّاب، وهو الراجع إلى الله بترك المعاصي، وفعل الخيرات ومنه قيل للتوبة: أوبة، والفرق بين الأوب والرجوع: أنَّ الأوب ضرب من الرجوع، وذلك أنه لا يقال: إلا في الحيوان الذي له إرادة وقصد، والرجوع يقال فيه وفي غيره، آب أوبًا وإيابًا ومآبًا، والمآب مصدر منه، واسم المكان والزمان.
﴿حَفِيظٍ﴾؛ أي: حافظ لحدود الله، وشرائعه، وقال المحاسبي: الأوّاب: الراجع بقلبه إلى ربه، والحفيظ: الحافظ قلبه في رجوعه إليه أن لا يرجع منه إلى أحد سواه، كما مرّ بسطه.
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ الخشية: خوف يشوبه تعظيم، وفي "عين المعاني": الخشية: انزعاج القلب عند ذكر السيئة وموجبها، وقال الواسطي: الخشية: أرق من الخوف؛ لأنّ الخوف للعامّة من العقوبة، والخشية من نيران الله في الطبع، كما مرّ.
﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: خاف عقاب ربّه، وهو غائب عن الأعين حين لا يراه أحد.
стр. 12700
﴿مُنِيبٍ﴾؛ أي: مخلص مقبل على طاعة الله، قال في "المفردات": النوب: رجوع الشيء مرّة بعد أخرى، والإنابة إلى الله: الرجوع إليه بالتوبة، وإخلاص العمل.
﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾؛ أي: الدوام والبقاء في الجنة، إذ لا انتهاء له أبدًا، قال الراغب: الخلود: هو تبرّي الشيء عن اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، وكل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود، كقولهم: الأيّام خوالد، وذلك لطول مكثها، لا لدوام بقائها، والخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي هي عليها من غير اعتراض الكون والفساد عليها.
﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾؛ أي: وعندنا زيادة في النعيم على ما يشاؤون، وقال الراغب: الزيادة أن ينضم إلى ما عليه الشيء من نفسه شيء آخر.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾: القرن الجيل من الناس، والقوم المتقرنون في زمان.
﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ قال في "القاموس": نقَّب في الأرض ذهب، كأنقب ونقب، وعن الأخبار: بحث عنها أو أخبر بها، والنقب: الطريق في الجبل؛ أي: ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمكاسب، ويقال لمن طوف في الأرض: نقب فيها، قال أمرؤ القيس:
فَقَدْ نَقَّبْتُ فِيْ الآفَاقِ حَتَّى ... رَضِيْتُ مِنَ الْغَنِيْمَة بِالإِيَابِ
﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: هل من معدل ومهرب من عذاب الله؟ وفي "القاموس": حاص عنه يحيص حيصا وحيصة وحيوصا ومحيصا ومحاصا وحيصانا: عدل وحاد كانحاص، أو يقال للأولياء: حاصوا، وللأعداء: انهزموا، والمحيص: المحيد والمعدل والمميل والمهرب، ودابة حيوص نفور، والحيصاء: الضيقة الحياء، وهو هنا اسم مكان من حاص، وأصله: محيص، بوزن مفعل بكسر العين، نقلت حركة الياء إلى الحاء، فسكنت إثر كسرة فصارت حرف مد.
﴿لَذِكْرَى﴾؛ أي: تذكرةً.
стр. 12701
﴿قَلْبٌ﴾؛ أي: لبٌّ يعي به. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾؛ أي: أصغى إلى ما يتلى عليه من الوحي. ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾؛ أي: حاضر، فهو من الشهود بمعنى الحضور، والمراد به: الفطن، إذ غيره كأنه غائب.
﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أصله: أيوام، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً، وأدغمت فيها الياء.
﴿مِنْ لُغُوبٍ﴾ قال الراغب: اللغوب: التبع والنصب، يقال: أتانا ساعيًا لاغبًا خائفًا تعبًا، وفي "القاموس": لغب لغبًا ولغوبًا، كمنع وسمع وكرم: أعيى أشد الإعياء، وفي "المختار": اللغوب بضمتين: التعب والإعياء، وبابه دخل، ولغب بالكسر لغوبًا، لغة ضعيفة، وفي "المصباح": أنّه من باب قتل.
﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ بفتح الهمزة، جمع دبر بضمتين، من أدبرت الصلاة: إذا انقضت، وأدبار السجود: النوافل بعد المكتوبات، وقيل: الوتر بعد العشاء اهـ "بيضاوي".
﴿وَاسْتَمِعْ﴾؛ أي: لما أخبرك به من أهوال يوم القيامة، والسمع: إدراك المسموع بالإصغاء، والفرق بين المستمع والسامع: أنَّ المستمع: من كان قاصدًا للسماع مصغيًا إليه، والسامع: من اتفق سماعه من غير قصد إليه، فكل مستمع سامع من غير عكس.
﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ وقف ابن كثير على ﴿ينادي﴾ بالياء، والباقون: بدونها، ووجه إثباتها: أنه لا مقتضى لحذفها، ووجه حذفها وقفًا، اتباعًا للرسم، والوقف محل تخفيف، وأما المنادي فأثبت ابن كثير أيضًا ياءه وصلًا ووقفًا، ونافع وأبو عمرو: بإثباتها وصلًا وحذفها وقفًا، وباقي السبعة بحذفها وصلًا ووقفًا، فمن أثبت فلأنّه الأصل، ومن حذف فلاتباع الرسم، ومن خص الوقف بالحذف، فلأنّه محل راحة ومحل تغيير، اهـ "سمين".
﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾؛ أي: بحيث لا يخفى الصوت على أحد. ﴿الصَّيْحَةَ﴾ وهي صيحة البعث التي هي النفخة الثانية، والصيحة والصياح: الصوت بأقصى
стр. 12702
الطاقة. ﴿وَنُمِيتُ﴾ أصله: نموت بوزن نفعل، نقلت حركة الواو إلى الميم فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مدّ. ﴿الْمَصِيرُ﴾ أصله: المصير بوزن مفعل بكسر العين، نقلت حركة الياء إلى الصاد فسكنت فصارت حرف مدّ. ﴿تَشَقَّقُ الْأَرْضُ﴾؛ أي: تتصدّع، بحذف إحدى التاءين من تتشقق مع تخفيف الشين، وقرىء: بتشديدها بإدغام التاء الثانية فيها.
﴿سِرَاعًا﴾ جمع سريع، والسرعة: ضد البطء، ويستعمل في الأجسام والأفعال، ويقال: سرع فهو سريع، وأسرع فهو مسرع.
﴿بِجَبَّارٍ﴾ من الجبر، وأصل الجبر: إصلاح الشيء بضرب من القهر، والجبّار في اسم الله تعالى هو: الذي جبر العباد على ما أراد، وهو صيغة مبالغة من جبر الثلاثي، فإنّ فعالًا إنما يبنى من الثلاثي نحو الفتّاح والعلام، ولم يجيء من أفعل بالألف إلا دراك. ﴿مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ والوعيد: التخويف بالعذاب، ويستعمل في نفس العذاب.
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التأكيد في قوله: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾؛ لأنّه تأكيد للإزلاف، كقولهم: هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل.
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾.
ومنها: التعرض لعنوان الرحمانية، في قوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ للإشعار بأنهم مع خشيتهم عقابه راجون رحمته، أو بأنّ علمهم بسعة رحمته لا يصدّهم عن خشيته، وأنهم عاملون بموجب قوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.
ومنها: وصف القلب بالإنابة، في قوله: ﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ مع أنها وصف المكلّف، لما أن العبرة برجوعه إلى الله تعالى؛ أي: لا عبرة للإنابة والرجوع، إلا إذا كان من القلب، والمراد بها: الرجوع إلى الله تعالى بما يحبّ ويرضى.
стр. 12703
ومنها: المبالغة في الثناء على الخاشي، في قوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾؛ لأنّه إذا خشيه وهو عالم بسعة رحمته .. فناهيك بخشيته التي ما بعدها خشية، كما أثنى عليه بالخشية، مع أنَّ المخشي عنه غائب.
ومنها: إطلاق اسم الجزء على الكل، في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ إذا فسّرناه بالصلاة؛ أي: صلّ حامدًا لربّك قبل طلوع الشمس صلاة الصبح.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾.
ومنها: تكرار ﴿يَوْمَ﴾ في قوله: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾؛ تفخيمًا لشأنه، وتهويلًا منه.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾.
ومنها: الفصل بين الموصوف والصفة بمتعلقها، في قوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾؛ لإفادة الحصر والاختصاص؛ لأنّ تقديم المعمول على عامله يفيد الحصر؛ أي: لا يتيسّر ذلك إلا على الله سبحانه، اهـ "خطيب".
ومنها: التعبير بالمستقبل عن الماضي، في قوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ لإفادة الاستمرار والتجدّد.
ومنها: تكرير الضمير في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي﴾ لإفادة التأكيد والاختصاص والتفرّد.
ومنها: توافق الفاصلة في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾؛ لأنّه من المحسنات البديعية، كما مرّ.
ومنها: الحذف والزيادة في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 12704
موجز ما تضمَّنته هذه السورة الكريمة من الموضوعات
١ - إنكار المشركين للنبوّة والبعث.
٢ - الحثّ على النظر في السماء وزينتها، وبهجة بنائها، وفي الأرض وجبالها الشامخات، وزروعها النضرات، وأمطارها الثجاجات.
٣ - العبرة بالدول الهالكات، كعاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم تبّع، وما استحقوا من الوعيد والعذاب.
٤ - تقريع الإنسان على أعماله، وأنه مسؤول عن دخائل نفسه في مجلس أنسه، وعند إخوته، وفي خلوته، وأنه محوّط بالكرام الكاتبين يحصون أعماله، ويرقبون أحواله حتى إذا جاءت سكرته، وحانت منيّته .. حوسب على كل قول وكل عمل، وشهدت عليه الشهود، وكشفت له الحجب.
٥ - إنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما باطلًا.
٦ - إنّ القرآن عظة وذكرى لمن كان له قلب واع، يستمع ما يلقى إليه.
٧ - تسلية رسوله ﷺ على ما يقول المشركون، من إنكار البعث، وتهديدهم على ذلك.
٨ - أمر رسول الله ﷺ بالتسبيح، آناء الليل وأطراف النهار.
٩ - أمر رسول الله بالتذكير بالقرآن من يخاف وعيد الله تعالى، ويخشى عقابه (١).
والله أعلم
* * *
стр. 12705
سورة الذاريات
سورة الذاريات مكيّة، نزلت بعد الأحقاف، قال القرطبي في قول الجميع، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس قال: نزلت سورة الذاريات بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وهي ستون آيةً (١)، وثلاث مئة وستون كلمةً، وألف ومئتان وتسعة وثلاثون حرفًا، سمّيت بالذاريات؛ لذكر الذاريات فيها.
مناسبتها لما قبلها من وجهين (٢):
الأوّل: إنّه قد ذكر في السورة السابقة، البعث والجزاء والجنة والنار وافتتح هذه بالقسم بأنّ ما وعدوا من ذلك صدق، وأنّ الجزاء واقع.
الثاني: أنه ذكر هناك إهلاك كثير من القرون على وجه الإجمال، وهنا ذكر ذلك على وجه التفصيل.
وقال أبو حيان (٣): مناسبتها لآخر ما قبلها أنه قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾. وقال في أوّل هذه بعد القسم: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾.
الناسخ والمنسوخ فيها: وقال ابن حزم: وفيها من المنسوخ آيتان:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ (الآية ١٩)، نسخ ذلك بآية الزكاة.
به .. علم السامع أنّ هاهنا كلامًا عظيمًا يجب أن يصغي إليه، فإذا وجَّه همَّه لسماعه .. خرج له الدليل والبرهان المتين في صورة اليمين.
٣ - في السورة التي أقسم الله في ابتدائها بغير الحروف المقطعة، كان القسم لإثبات أحد الأصول الثلاثة: الوحدانية والرسالة والحشر، وهي التي يتمّ بها الإيمان، فأقسم لإثبات الوحدانية في سورة الصافّات فقال: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾. وأقسم في سورتي النجم والضحى لإثبات الرسالة، فقال في الأولى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾، وقال في الثانية: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾. وأقسم في سور كثيرة على إثبات البعث والجزاء.
٤ - في السور التي أقسم فيها لإثبات الوحدانية، أقسم بالساكنات، فقال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾. وفي السور التي أقسم فيها لإثبات الحشر أقسم بالمتحركات، فقال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾؛ لأنّ الحشر فيه جمع وتفريق، وهو بالحركة أليق.
٥ - كانت العرب تحترز عن الإيمان الكاذبة، وتعتقد أنها تدع الديار بلاقع، وقد جرى النبيّ ﷺ على سننهم، فحلف بكل شريف، ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتًا، وكانوا يعلمون أنه لا يحلف إلا صادقًا، وإلا أصابه شؤم الإيمان، وناله المكروه في بعض الأيمان.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (١) حال المفترين الذين أنكروا يوم الدين، وكذّبوا بالبعث والنشور، وأنكروا نبوّة محمد ﷺ ، وعبدوا مع الله سبحانه غيره من وثن أو صنم .. أردف ذلك بذكر حال المتقين، وما يتمتّعون به من النعيم المقيم، في جنّات تجري من تحتها الأنهار، جزاء إحسانهم في أعمالهم، وقيامهم في الليل للصلاة، والاستغفار بالأسحار، وإنفاقهم أموالهم للفقراء
стр. 12709
والمساكين، ونظرهم في دلائل التوحيد، التي في الآفاق والأنفس، وتفكيرهم في ملكوت السموات والأرض، مصدقين قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾. ثمّ أقسم بربّ السماء والأرض، إنّ ما توعدون من البعث والجزاء لحق، لا شك فيه، كما لا شك في نطقكم حين تنطقون.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر إنكار قومه بالبعث والنشور، حتى أقسم لهم بعزّته أنه كائن لا محالة .. سلّى رسوله ﷺ فأبان له أنه ليس ببدع في الرسل، وأنّ قومه ليسوا ببدع في الأمم، وأنهم إن تمادوا في غيّهم، وأصرّوا على كفرهم، ولم يقلعوا عمّا هم عليه .. فسيحل بهم مثل ما حلّ بمن قبلهم من الأمم الخالية.
وذكر إبراهيم ﵇ من بين الأنبياء؛ لكونه شيخ المرسلين، وكون النبيّ ﷺ على سننه، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ ولأنّ العرب كانت تجله وتحترمه، وتدعي أنها على دينه.
وأتى (١) بالقصص بأسلوب الاستفهام؛ تفخيمًا لشأن الحديث، كما تقول لمخاطبك: هل بلغك كذا وكذا؟ وأنت تعلم أنه لم يبلغه؛ توجيهًا لأنظاره حتى يصغي إليه ويهتم بأمره، ولو جاء على صورة الخبر، لم يكن له من الروعة والجلال مثل ما كان وهو بهذه الصورة تنبيهًا إلى أنّ الرسول لم يعلم به إلا من طريق الوحي.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الحنفية: أنّ رسول الله ﷺ بعث سريّة، فأصابوا وغنموا، فجاء قوم بعدما فرغوا، فنزلت
стр. 12710
هذه الآية: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١ ٩)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾؛ أي: أقسمت لكم يا أهل مكة بالرياح التي تذروا التراب ونحوه، وتطيره من الأرض ﴿ذَرْوًا﴾؛ أي: إطارة وإثارة، إنما توعدون لواقع لا محالة، يقال: ذرت الريح الشيء ذروا وأذرته: أطارته وأذهبته، وانتصاب ﴿ذَرْوًا﴾ على المصدرية، والعامل فيه: اسم الفاعل، والمفعول: محذوف، كما قدّرناه؛ أعني: التراب ونحوه، وفي "البيضاوي": ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾، يعني: الرياح تذرو التراب وغيره، أو النساء الولود، فإنّهنّ يذرين الأولاد. اهـ. والأول أولى؛ لأنّه أدل على القدرة، وروي عن كعب الأحبار أنه قال: لو حبس الله الريح عن الأرض ثلاثة أيام .. ما بقي على الأرض شيء إلا نتن.
وقرأ أبو عمرو (١) وحمزة: بإدغام تاء ﴿الذاريات﴾ في ذال ﴿ذَرْوًا﴾، وقرأ الباقون: بدون إدغام وقيل: المقسم به مقدر، وهو رب الذاريات وما بعدها، والأول أولى.
٢ - ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾؛ أي: فأقسمت لكم بالسحب الحاملات التي تحمل وقرًا؛ أي: حملًا ثقيلًا، وهو الماء، كما تحمل ذوات الأربع الوقر، ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾، وفي "البيضاوي": فالسحب الحاملات للأمطار، أو الرياح الحاملات للسحاب، أو النساء الحوامل. انتهى.
قرأ الجمهور: ﴿وِقْرًا﴾ بكسر الواو، وهو اسم لما يُوقر؛ أي: يحمل، والمراد هنا: المطر، وقرىء: بفتحها، على أنه مصدر، والعامل فيه: اسم الفاعل، والمفعول به: محذوف؛ أي: فالسحب الحاملات للأمطار وقرًا؛ أي: حملًا، أو على تسمية المحمول بالمصدر مبالغة.
٣ - ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾؛ أي: فأقسمت لكم بالسفن التي تجري في البحر