و ﴿فَوْقَهُمْ﴾: ظرف لـ ﴿يَنْظُرُوا﴾، أو حال من ﴿السَّمَاءِ﴾؛ أي: كيف غفلوا عن النظر إلى السماء فوقهم. ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾؛ أي: كيف رفعناها، وجعلناها على هذه الصفة، مرفوعة كالخيمة بغير عمد تعتمد عليه. ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بما جعلنا فيها من الكواكب المرتبة على نظام بديع. ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾؛ أي: فتوق وشقوق، وصدوع لملاستها وسلامتها من كل عيب وخلل، كما قال: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ وهذا (١) لا ينفي وجود الأبواب والمصاعد فيها، فإنها ليست من قبيل العيب والخلل، ولعل تأخير هذا لمراعاة الفواصل، والفروج: جمع فرج، وهو: الشق بين الشيثين كفرجة الحائط، كما سيأتي في مبحث المفردات.
والمعنى: أي (٢) أفلم ينظر هؤلاء المكذّبون بالبعث بعد الموت، المنكرون قدرتنا على إحيائهم بعد البلى إلى السماء فوقهم، كيف رفعناها بلا عمد، وزيّنّاها بالكواكب، وما لها من فتوق، فهي ملساء متلاصقة الطباق، وهذا هو الرأي الحديث في عالم السموات، إذ يقولون: إنّ هناك عالمًا لطيفًا أرقَّ من الهواء، وألطف من كل ما نراه، وهو مبدأ كل شيء، وأول كل شيء، وهو العالم المسمى بالأثير، وهذا العالم وإن لم يره الناس، فقد عرفوه من وصول أضواء الكواكب إلينا، فإنَّ من الكواكب ما لا يصل ضوؤه إلينا إلا فيما يزيد على ألف ألف سنة، ونور الشمس التي تبعد عنا مقدار سير القطار إليها, لو أمكن في نحو خمس وستين وثلاث مئة سنة، يصل إلينا في مدة ثمان دقائق وثماني عشرة ثانية، فانظر كيف يكون بعد تلك الكواكب التي تحتاج يسير النور إلى مليون سنةٍ ونصف مليون، ألا يدل هذا على أنّ ذلك الضوء محمول على شيء موجود، وهو الأثير، فلو أنَّ طبقة من الطبقات لم يكن فيها الأثير .. لانقطع سير النور إلى الأرض ولم نره، وهذا ما يشير إليه الكتاب بقوله: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ فلو كان هناك فروج تتخلل السموات .. لانقطع سير النور إلينا، وآراء الجهلة في كل أمة أن كل سماء منفصلة عن الأخرى، وبينهما فضاء كما يظن لأول وهلة فيما بيننا وبين السماء، فجاء الكتاب الكريم، وعكس هذه القضية، وقال: لا فروج في السماء؛ أي: لا
стр. 12637
خلاء في العالم، وفي المقام خلاف طويل لا مستند له.
٧ - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾؛ أي (١): بسطناها، وفرشناها على وجه الماء مسيرة خمس مئة عام من تحت الكعبة، وهذا دليل على أنّ الأرض مبسوطة، وليست على شكل الكرة، كما في "كشف الأسرار"، وفيه أنه لا منافاة بين بساطتها وكرويتها، كما عرف في محله. ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت أرسيت بها الأرض، إذ لو لم تكن .. لكانت مضطربةً مائلةً إلى الجهات المختلفة، كما كانت قبل، إذ روي: أنّ الله لمّا خلق الأرض .. جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هي بمقر أحدٍ على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال، لم تدر الملائكة مم خلقت، من رسا الشيء إذا ثبت، والتعبير عنها بهذا الوصف؛ للإيذان بأنّ إلقاءها لإرساء الأرض بها.
﴿وَأَنْبَتْنَا﴾؛ أي: وأخرجنا ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أي: من كل صنف، وقوله في آية أخرى: ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾؛ أي: أنواعًا متشابهة. ﴿بَهِيجٍ﴾؛ أي: حسنٍ طيب من الثمار والنباتات والأشجار، كما قال في موضع آخر: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾؛ أي: يبتهج به؛ أي: يسر، والبهجة: حسن اللون، وظهور السرور فيه.
والمعنى (٢): أي والأرض بسطناها، وألقينا فيها جبالًا ثوابت، لئلا تميد وتضطرب، وأنبتنا فيها من كل صنف من صنوف النبات ما حسن منظره، وراق مخبره.
٨ - وقوله: ﴿تَبْصِرَةً﴾؛ أي: تعليمًا منّا، وتفهيمًا لكل عبد منيب كيفية الاستدلال على قدرتنا. ﴿وَذِكْرَى﴾؛ أي: تذكرة منّا، وعظة لكل عبد منيب، مفعولان لأجله لبنيناها وما بعده، وقوله: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾؛ أي: راجع إلى الله بالتوبة، متدبر في بديع صنعه، وعجائب مخلوقاته، متعلق بكل من المصدرين؛ أي: فعلنا البناء والتزيين، وما بعدهما تعليمًا منّا، وعظةً لكل عبد منيب.
стр. 12638
وفي "الخطيب": تنبيه: قال الرازي: يحتمل (١) أن يكون المصدران عائدين إلى السماء والأرض؛ أي: خلقنا السماء تبصرة، وخلقنا الأرض ذكرى، ويدلّ على ذلك أنّ السماء وزينتها غير متجددة في كل عام، فهي كالشيء المرئي على ممر الزمان، وأما الأرض فهي كل سنة تأخذ زينتها وزخرفتها فتذكِّر، فالسماء تبصرة، والأرض تذكرة، ويحتمل أن يكون كل واحد من المصدرين موجودًا في كل واحد من الأمرين، فالسماء تبصرة وتذكرة، والأرض كذلك، والفرق بين التذكرة والتبصرة: هو أنّ فيهما آياتٍ مستمرّة منصوبةً في مقابلة البصائر، وآيات متجددة مذكرة عند التناسي، وقال الزجاج: منصوبان بفعل مقدر؛ أي: فعلنا ما فعلنا للتبصير والتذكير، وقال أبو حاتم: انتصبا على المصدرية؛ أي: جعلنا ذلك تبصرةً وذكرى، وفي سياق (٢) هذه الآيات تذكير لمنكري البعث، وإيقاظ لهم عن سنة الغفلة، وبيان لإمكان ذلك، وعدم امتناعه، فإن القادر على مثل هذه الأمور، يقدر عليه، وهكذا قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ...﴾ إلخ.
وفي قوله: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: إشارة (٣) إلى أنّ الوصول إلى مقام التبصرة والذكرى إنما هو بالعبودية، والإنابة التي هي مبنى الشريعة وأساسها، وقال بعضهم: التبصرة، معرفة منن الله عليه، والذكرى عدّها على نفسه في كل حال ليشتغل بالشكر فيما عومل به عن النظر إلى شيء من معاملته.
وقرأ الجمهور (٤): ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ بالنصب، وهما منصوبان بفعل مضمر من لفظهما؛ أي: بصر وذكر، وقرأ زيد بن عليّ ﴿تبصرة﴾ بالرفع، و ﴿ذكرى﴾ معطوف عليه؛ أي: ذلك الخلق على ذلك الوصف تبصرة.
والمعنى: يتبصر بذلك، ويتذكر كل عبد منيب؛ أي: راجع إلى ربه، مفكر في بدائع صنعه.
والمعنى: فعلنا ذلك لتبصرة العبد المنيب وادّكاره فإنّ رفْعنا السماء وتزيينها بالكواكب؛ فلاستبصاره، وإنّ بسْطنا الأرض وإرساء الجبال وإنبات النبات؛
стр. 12639
فلاعتباره.
٩ - ﴿وَنَزَّلْنَا﴾ عبر بصيغة التفعيل لإفادة التكرير ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أي: نزلنا من السماء ماء كثير البركة والخير لانتفاع الناس به في غالب أمورهم؛ أي: أنزلنا ماءً كثير المنافع حياة الأناسي والدواب والأرض الميتة، وفي "كشف الأسرار": مطرًا يثبت في أجزاء الأرض، فينبع طول السنة. ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾؛ أي: أخرجنا بذلك الماء ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين كثيرة؛ أي: أشجارًا ذوات ثمار، فذكر المحل وأراد الحال، قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾؛ أي: وحبَّ الزرع المحصود، فهو (١) من حذف الموصوف وإقامة صفته على ما هو المختار عند البصريين، كباب الجامع؛ أي: المسجد الجامع، لئلّا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه، وأصل الحصد: قطع الزرع، والحصيد بمعنى المحصود، وهو هنا مجاز باعتبار الأول.
والمعنى: وحبّ الزرع الذي شأنه أن يحصد من البر والشعير وأمثالهما، مما يقتات به، وتخصيص إنبات حبه بالذكر؛ لأنه المقصود بالذات.
١٠ - ﴿وَالنَّخْلَ﴾ معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾ وتخصيصها بالذكر، مع اندارجها في الجنات؛ لبيان فضلها على سائر الأشجار، وقد سبق بعض أوصافها في سورة يس، وتوسيط الحبّ بينهما؛ لتأكيد استقلالها، وامتيازها عن البقية، مع ما فيه من مراعاة الفواصل.
وقوله: ﴿بَاسِقَاتٍ﴾؛ أي: طوالًا في السماء عجيبة الخلق، حال مقدّرة من ﴿النخل﴾. فإنها وقت الإنبات لم تكن طوالًا، من بسقت الشجرة سوقًا إذا طالت، ويجوز أن يكون معنى ﴿بَاسِقَاتٍ﴾: حوامل من أبسقت الشاة إذا حملت، فيكون من باب أفعل، فهو فاعل.
وجملة قوله: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾؛ أي: منضود متراكم بعضه فوق بعض، حال مقدرة من النخل أيضًا، والمراد: (٢) تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من الثمر،
стр. 12640
وذلك قبل أن ينفتح، فهو نضيد في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه. فليس بنضيد، والطلع: شيء يخرج من النخل، كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود، والطرف محدد، أو هو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها، وقشره يسمى الكفرة بضم الكاف والفاء معا، وتشديد الراء، وما في داخله الإغريض؛ لبياضه، كما في "القاموس".
١١ - وقوله: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ علة لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾؛ أي: فأنبتنا هذه الأشياء لرزقهم، أو منصوب بفعله المحذوف؛ أي: رزقناهم رزقًا، والأول أولى وأوضح، وفي تعليله بذلك بعد تعليل أنبتنا الأول بالتبصرة، والتذكرة، تنبيه على أنَّ الواجب على العبد أن يكون انتفاعه بذلك من حيث التذكر والاستبصار أهم، وأقدم من تمتعه به من حيث الرزق.
والمقصود من الآية الأولى: هو الاستدلال على القدرة بأعظم الأجرام، كما دل عليه النظر، وذكر الإنبات فيها بطريق التبع، فناسب التعليل بالتبصرة والتذكير، ومن الثانية بيان الانتفاع بمنافع تلك الأجرام، فناسب التعليل بالرزق، ولذا أخرت عن الأولى, لأنَّ منافع الشيء مترتبة على خلقه، قال أبو عبيدة: نخل الجنة نضيد ما بين أصلها إلى فرعها، بخلاف نخل الدنيا، فإن ثمارها في رؤوسها، كلما نزعت رطبة عادت ألين من الزبد، وأحلى من العسل، فنخل الدنيا تذكير لنخل الجنة، وفي كل منهما رزق للعباد، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
والمعنى (١): ونزلنا من السماء ماء كثير المنافع، إذ أنبتنا به جنات غناء، وحدائق فيحاء، وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالشعير، والقمح وغيرهما، وأنبتنا به النخل الطوال التي لها طلع منضود، متراكم بعضه فوق بعض، لأقوات العباد وأرزاقهم، ولم يقيد العباد هنا بالإنابة كما قيد به في قوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾؛ لأن التذكرة لا تكون إلا لمنيب، والرزق
стр. 12641
يعمّ كل أحد، غير أنّ المنيب يأكل ذاكرًا وشاكرًا للإنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام، ولذلك لم يخصص الرزق بقيد.
﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾؛ أي: بذلك الماء ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ تذكير ﴿مَيْتًا﴾ باعتبار البلد والمكان؛ أي: أرضًا جدبة لا نماء فيها أصلًا، بأن جعلناها بحيث ربت، وأنبتت أنواع النبات والأزهار، فصارت تهتز بها بعدما كانت جامدة.
وقرأ الجمهور: ﴿مَيْتًا﴾ (١) بالتخفيف، وقرأ أبو جعفر، وخالد: بالتثقيل؛ أي: وأحيينا بذلك الماء الأرض المجدبة التي لا نبات فيها، فتربو وتنبت من كل زوج بهيج.
ثمّ جعل ما سلف كالدليل على البعث؛ لأنّه شبيه به، فقال: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ جملة قدّم فيها الخبر للقصد إلى القصر، وذلك إشارة إلى الحياة المستفادة من الإحياء؛ أي: مثل تلك الحياة البديعة حياتكم بالبعث من القبور، لا شيء مخالف لها، وفي التعبير عن إخراج النبات من الأرض بالإحياء، وعن إحياء الموتى بالخروج؛ تفخيم لشان الإنبات، وتهوين لأمر البعث، وتحقيق للمماثلة بين إخراج النبات وإحياء الموتى، لتوضيح منهاج القياس، وتقريبه لأفهام الناس، وقد روي: "أنّ الله يمطر السماء أربعين ليلة كمنيّ الرجال، يدخل في الأرض، فينبت لحومهم وعروقهم وعظامهم، ثم يحييهم، ويخرجهم من تحت الأرض".
١٢ - ثم ذكر سبحانه الأمم المكذّبة لرسلها، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾؛ أي: قبل أهل مكة ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾؛ أي: كذبوا نوحًا وجميع الرسل؛ لأنّ تكذيبه تكذيب لهم لاتفاقهم في أصول الدين. ﴿و﴾ كذّب قبلهم ﴿أَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ رسولهم، قيل: كانت الرس (٢) بئرًا بعدن لأمة من بقايا ثمود، وكان لهم ملك عدل حسن السيرة، يقال له: العنيس بوزن زبير، وكانت البئر تسقي المدينة كلها وباديتها، وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك؛ لأنّها كانت بكرات كثيرة منصوبة
стр. 12642
عليها، جمع بكرة بالفتح: وهي خشبة مستديرة في وسطها محزٌّ يستقى عليها، ورجال كثيرون موكلون بها، وأبازن بالزاي والنون من رخام، وهي تشبه الحياض كثيرة تملأ للناس، قال في "القاموس": الأبزن مثلثة الأول: حوض يغتسل فيه، وقد يتخذ من نحاس، معرب آب زن، انتهى. وآخر للدواب، وآخر للبقر والغنم والهوام يستقون عليها بالليل والنهار، يتداولون ولم يكن لهم ماء غيره، فطال عمر الملك، فلمّا جاءه الموت .. طلي بدهن لتبقى صورته ولا تتغير، وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت، وكان ممن يكرم عليهم، فلمّا مات .. شقَّ ذلك عليهم، ورأوا أن أمرهم قد فسد، وضجوا جميعًا بالبكاء، واغتنمها الشيطان منهم، فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة، فكلمهم وقال: إني لم أمت، ولكني قد تغيبت عنكم، حتى أرى صنيعكم بعدي، ففرحوا أشد الفرح، وأمر لخاصته أن يضربوا حجابًا بينه وبينهم، ويكلمهم من ورائه، كيلا يعرف الموت في صورته، فنصبوه صنمًا من وراء حجاب لا يأكل ولا يشرب، وأخبرهم أنه لا يموت أبدًا، وأنه إله لهم، وذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه، فصدق كثير منهم، وارتاب بعضهم، وكان المؤمن المكذب منهم أقل من المصدق، فكلما تكلم ناصح منهم .. زجر وقهر، فاتفقوا على عبادته، فبعث الله لهم نبيًّا كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة، وكان اسمه حنظلة بن صفوان، فأعلمهم أنَّ الصورة صنم لا روح له، وأنّ الشيطان فيه، وقد أضلَّهم الله سبحانه، وأنّ الله تعالى لا يتمثل بالخلق، وأنَّ الملك لا يجوز أن يكون شريكًا لله، وأوعدهم ونصحهم، وحذَّرهم سطوة ربهم ونقمته، فآذوه وعادوه، وهو يتعهدهم بالموعظة والنصيحة حتى قتلوه، وطرحوه في بئر، وعند ذلك حلت عليهم النقمة، فباتوا شباعى رواء من الماء، وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها، وتعطلى رشاؤها، وهو بالكسر الحبل، فصاحوا بأجمعهم، وضج النساء والولدان، وضجت البهائم عطشًا، حتى عمهم الموت، وشملهم الهلاك، وخلفهم في أرضهم السباع، وفي منازلهم الثعالب والضباع، وتبدلت لهم جناتهم وأموالهم بالسدر والشوك شوك العضاة بالكسر: أم غيلان أو نحوه، والقتاد بوزن سحاب: شجر صلب شوكه كالإبر، فلا تسمع فيها إلا عزيف الجن؛ أي: صوتهم، وهو جرس يسمع في
стр. 12643
المفاوز في الليل، وإلا زئير الأسد؛ أي: صوته من الصدر، نعوذ بالله من سطواته، ومن الإصرار على ما يوجب نقماته، كذا في "التكملة" نقلًا عن "تفسير المقري". وقيل: الرّسّ: بئر قرب اليمامة، أو بئر بأذربيجان، أو وادٍ، كما قال الشاعر:
فَهُنَّ لِوَادِيْ الرَّسْسِ كَالْيَدِ لِلْفَمِ
وقد سبق بعض الكلام عليه في سورة الفرقان، فأرجع إليه.
﴿و﴾ كذّبت قبلهم ﴿ثَمُودُ﴾؛ أي: قوم ثمود صالحًا، وجميع الرسل، وهو ثمود بن عاد، وهو عاد الآخرة.
١٣ - ﴿و﴾ كذبت قبلهم ﴿عَادٌ﴾؛ أي: قوم عاد هودًا، وجميع الرسل، وهو عاد إرم، وهو عاد الأولى. ﴿و﴾ كذب قبلهم ﴿فِرْعَوْنُ﴾ موسى وهارون وجميع الرسل.
والمراد: هو وقومه القبط ليلائم ما قبله وما بعده من الجماعة. ﴿و﴾ كذب قبلهم ﴿إِخْوَانُ لُوطٍ﴾؛ أي: أصهاره؛ لأنه صاهرهم، وتزوج منهم لوط وجميع الرسل، جمع صهر، والصهر: زوج بنت الرجل، وزوج أخته، وقيل: إخوانه قومه؛ لاشتراكهم في النسب لا في الدين، قال عطاء: ما من أحد من الأنبياء إلا ويقوم معه يوم القيامة قومه، إلا لوطًا ﵇، يقوم وحده.
١٤ - ﴿و﴾ كذّب قبلهم ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ شعيبًا وجميع الرسل، وهم من بعث إليهم شعيب ﵇ غير أهل مدين، وكانوا يسكنون أيكة؛ أي: غيضة تنبت السدر الأراك، وقد مر ما فيه في سورة الحجر. ﴿و﴾ كذّب قبلهم ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ تبعًا وجميع الرسل، وهذا على تقدير رسالة تبع ظاهر، وأما على تقدير عدمها وهو الأظهر، فمعنى تكذيب قومه الرسل: تكذيبهم لمن قبلهم من الرسل المجمعين على التوحيد والبعث، وإلى ذلك كان يدعوهم تبّع، وهو أبو كرب أسعد الحميري ملك اليمن، سُمِّي تبعًا لكثرة أتباعه.
﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كل قوم من هؤلاء الأقوام المذكورين ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾؛ أي: كذّبوا رسلهم، وكذّب جميعهم جميع الرسل بالمعنى المذكور أولًا، كما أشرنا إليه في الحلّ، وإفراد الضمير في ﴿كَذَّبَ﴾ باعتبار لفظ الكل، أو كل واحد منهم
стр. 12644
كذب جميع الرسل، لاتفاقهم على التوحيد والإنذار بالبعث والحشر، فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل. ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾؛ أي: فوجب وحل عليهم وعيدي، وحق بهم ما قدره الله عليهم من الخسف والمسخ والإهلاك، والوعيد يستعمل في الشر خاصةً، بخلاف الوعد، فإنه يكون في الخير والشر، وفي الآية: تسلية لرسول الله ﷺ ؛ يعني: لا تحزن، ولا تكثر غمك لتكذيب الكفار إيّاك؛ لأنّك لست بأول نبيّ كذب، وكل أمة كذبت رسولها، واصبر على أذاهم كما صبروا، تظفر بالمراد كما ظفروا، وتهديد لأهل مكة؛ يعني: احذروا يا أهل مكة من مثل عذاب الأمم الخالية، فلا تكذبوا رسول الله، فإنّ الاشتراك في العمل يوجب الاشتراك في الجزاء.
والحاصل (١): أنّ الله سبحانه هدّد كفار قريش بما أحله بأشباههم ونظرائهم من المكذبين قبلهم، من النقم والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فقد أغرق قوم نوح بالطوفان، وأهلك جميع من ذكروا بعدهم من الأمم التي كذبت رسلها بضروب شتى من العذاب، وحقّ عليهم وعيده، ونصر رسله، وأعلى كلمتهم، وكانت العاقبة لهم، كما قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقد تقدمت هذه القصص في مواضع متفرقة من الكتاب الكريم.
١٥ - ثم ذكر سبحانه ما يؤكد صحة البعث، فقال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ و ﴿الهمزة﴾ فيه: للاستفهام (٢) الإنكاري، داخلة على مقدر، ينبىء عنه العيُّ من القصد والمباشرة، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير: أقصدنا الخلق الأول وهو الإبداء، فعجزنا عنه، حتى يتوهم عجزنا عن الخلق الثاني وهو الإعادة؛ أي: ليس الأمر كذلك، وما هنا في "الشوكاني": في الاستفهام و ﴿الفاء﴾: غير صواب.
وجملة قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: معطوفة على مقدر يدلّ عليه ما قبله، كأنه قيل: هم غير منكرين لقدرتنا على الخلق الأول، بل هم في خلط
стр. 12645
وحيرة وشبهة وشك في خلق مستأنف، وهو بعث الأموات لما فيه من مخالفة العادة، إذ لم تجر العادة بالإعادة في هذه الدار، وهذا قياس فاسد، كما لا يخفى، وتنكير ﴿خَلْقٍ﴾؛ لتفخيم شأنه، والإشعار بخروجه عن حدود العادات، أو الإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه، ويهتم بمعرفته، ولا يقعد على لبس.
وقرأ الجمهور: ﴿أَفَعَيِينَا﴾ (١) بياء مكسورة بعدها ياء ساكنة، ماضي عيي، بوزن رضي، وقرأ ابن أبي عبلة والوليد بن مسلم والقورصبيُّ عن أبي جعفر والسمار عن شيبة وأبو بحر عن نافع: بتشديد الياء من غير إشباع في الثانية، هكذا قال أبو القاسم الهذلي في كتاب "الكامل". وقال ابن خالويه في كتاب "شواذ القراءات" له: ﴿أفعَيِّنا﴾ بتشديد، قرأ ابن أبي علة، وفكرت في توجيه هذه القراءة، إذ لم يذكر أحد توجيهها، فخرجتها على لغة من أدغم الياء في الياء في الماضي، فقال: عيَّ في عيي، وحيَّ في حيي، فلما أدغم .. ألحقه ضمير المتكلم المعظم نفسه، ولم يفك الإدغام، فقال: عيّنا، وهي لغة لبعض بني بكر بن وائل، يقولون في رددت، وردنا: ردت وردّنا، فلا يفكون، وعلى هذه اللغة تكون الياء المشددة مفتوحة، فلو كان ضمير نصب .. لاجتمعت العرب على الإدغام، نحو: ردّنا زيد.
والمعنى: أي أفأعجزنا ابتداء الخلق حتى يشكّوا في الإعادة؛ أي: إنّ ابتداء الخلق لم يعجزنا، والإعادة أسهل من الابتداء، فلا حقّ لهم في تطرق الشبهة إليهم، والشك فيه، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾. وقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾. وجاء في الحديث القدسي، يقول الله تعالى: "يؤذيني ابن آدم، يقول: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته".
стр. 12646
١٦ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: وعزّتي وجلالي، لقد أوجدنا الإنسان، وأنشأناه من العدم المحض، والمراد بالإنسان: الجنس، وقيل: آدم. ﴿تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾؛ أي: ما تحدث به نفسه، وهو ما يخطر بالبال، والوسوسة: الصوت الخفي، والخطرة الرديئة، ومنه: وساوس الحلي، والمراد بها هنا: ما يختلج في سره وقلبه وضميره، أي: نعلم ما يخفي ويكن في نفسه، والضمير (١) في ﴿بِهِ﴾ لما إنْ جُعلت موصولة، والباء صلة كالباء في صوّت بكذا، وهمس به؛ أي: نعلم الخاطر الذي توسوسه نفسه، أو للإنسان إن جعلت مصدرية، والباء للتعدية؛ أي: ونعلم وسوسة نفسه به.
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى الإنسان ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وهو حبل العاتق وعرقه، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان عن يمين وشمال، وقال الحسن: الوريد: الوتين، وهو عرق معلق بالقلب، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان؛ أي: نحن أقرب إليه من حبل وريده إليه، والإضافة بيانية؛ أي: حبل هو الوريد، والوريدان: عرقان مكتنفان لصفحتي العنق في مقدّمها متصلان بالوتين، والوتين: عرق في القلب، إذا انقطع .. مات صاحبه، يردان من الرأس إليه، فالوريد بمعنى الوراد، وقيل: سمى وريدًا؛ لأنّ الروح الحيواني يرده، فالوريد حينئذٍ بمعنى المورود، وفي "المفردات": الوريد: عرق متصل بالكبد والقلب، وفيه مجاري الروح، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾؛ أي: من روحه. انتهى. وفي "التأويلات النجمية": حبل الوريد أقرب أجزاء نفسه إلى نفسه، يشير إلى أنه تعالى أقرب إلى العبد من نفس العبد إلى العبد، فكما أنه كل وقت يطلب نفسه يجدها؛ لأنّها قريب منه، فكذلك كل وقت يطلب ربه يجده لأنّه قريب منه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. وفي الزبور: ألا من طلبني وجدني.
أي: (٢) أنه تعالى قادر على بعث الإنسان؛ لأنّه خالقه، وعالم بجميع
стр. 12647
أموره، حتى إنه ليعلم ما تسوس به نفسه من الخير والشر. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: ونحن أعلم به، وبخفيات أحواله، لا يخفى علينا شيء من أمره من علمكم بحبل الوريد؛ لأنّ العرق تحجبه أجزاء من اللحم، وعلم الله لا يحجب عنه شيء.
أي: ونحن (١) أقرب إلى الإنسان من العرق الذي يجري فيه الدم، ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن بعلمنا بحاله، وبنفوذ قدرتنا فيه، يجري فيه أمرنا كما يجري الدم في عروقه.
١٧ - و ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾: منصوب (٢) بأذكر، وهو أولى لبقاء قوله: ﴿وَنَحْنُ ...﴾ إلخ. على إطلاقه، أو هو متعلق بما في ﴿أَقْرَبُ﴾ من معنى الفعل، والتلقي: الأخذ، والتلقن بالحفظ والكتابة.
والمعنى: أنه تعالى لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس، ولا شيء أخفى منها، وهو أقرب إلى الإنسان من كل قريب حين يتلقى، ويتلقن، ويأخذ ويكتب الملكان الحفيظان الموكلان بالعبد ما يتلفظ به العبد ويفعله.
وفيه (٣): أي على الوجه الثاني، إيذان بأن استحفاظ الملكين أمر هو سبحانه غنيّ عنه، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات؟! وإنما ذلك الاستحفاظ لحكمة، وهي ما في كتب الملكين وحفظهما لأعمال العبد، وعرض صحائف العمل يوم القيامة، وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطته تعالى بتفاصيل أحواله، خيرًا أو شرًا، من زيادة اللطف له في الانتهاء عن السيئات، والرغبة في الحسنات، والحال أنّ أحدهما ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾؛ أي: عن يمين العبد، وجانبه قعيد ﴿و﴾ الآخر منهما ﴿عَنِ الشِّمَالِ﴾؛ أي: شمال العبد ﴿قَعِيدٌ﴾، أي: مقاعد كالجليس بمعنى المجالس لفظًا ومعنى، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وقيل: يطلق الفعيل على الواحد والمتعدد، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ
стр. 12648
ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾؛ أي: (١) فالله أقرب إلى الإنسان من عرقه المخالط لة في وقت أخذ الملكين الحافظين من قوله وفعله، فلهما عن اليمين مقاعد، وعن الشمال مقاعد، وفي هذا إشارة إلى أنّ المكلّف غير متروك سدى، قال الحسن وقتادة، ومجاهد: المتلقيّان ملكان يتلقَّيان عملك، أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك، وقال مجاهد أيضًا: وكّل الله بالإنسان ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره.
١٨ - ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾؛ أي: ما يتكلم الإنسان من كلام، فيلفظه ويرميه من فيه ﴿إِلَّا لَدَيْهِ﴾؛ أي: إلا لدى ذلك اللافظ ﴿رَقِيبٌ﴾؛ أي: ملك حافظ يرقب قوله ذلك ويكتبه، والقول أعم من الكلمة والكلام، والرقيب: الحافظ المتتبع لأمور الإنسان، الذي يكتب ما يقوله ويفعله من خير أو شر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشر هو ملك الشمال. ﴿عَتِيدٌ﴾؛ أي: حاضر ذلك الملك الرقيب لا يفارقه، معد مهيأٌ لكتابة ما أمر به من خير أو شر، فهو حاضر معه أينما كان، فالرقيب بمعنى الحافظ، والعتيد بمعنى الحاضر، والإفراد (٢) حيث لم يقل: رقيبان عتيدان مع وقوفهما معًا على ما صدر عنه، لما أنَّ كلًّا منهما رقيب لما فوض إليه، لا لما فوض إلى صاحبه، كما ينبىء عنه قوله تعالى: ﴿عَتِيدٌ﴾. وتخصيص القول بالذكر، لإثبات الحكم في الفعل بدلالة النص، واختلف فيما يكتبانه، فقيل: يكتبان كل شيء، حتى أنينه في مرضه، وقيل: إنَّما يكتبان ما فيه أجر ووزر، وهو الأظهر، قيل (٣) إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه، وعند جِماعه؛ ولذا كره الكلام في الخلاء، وعند قضاء الحاجة أشد كراهة؛ لأنّ الملائكة تتأذى بالحضور في ذلك الموضع الكريه لأجل كتابة الكلام، فإن سلم عليه في هذه الحالة .. قال الإِمام أبو حنيفة ﵀: يردّ السلام بقلبه لا بلسانه، لئلا يلزم كتابة الملائكة، فإنهم لا يكتبون الأمور القلبية، وكذا يحمد الله بقلبه عند العطاس في بيت الخلاء، وكذا يكره الكلام عند الجماع، وكذا
стр. 12649
الضحك في هذه الحالة، فلا بدّ من حفظ اللسان، وفي الحديث: "من حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
قال الحسن البصري (١): وتلا هذه الآية: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ يا ابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذ من طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾. ثم قال: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك.
وروى أبو أسامة: أنّ رسول الله ﷺ قال: "كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة .. كتبها ملك اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة .. قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات، لعلّه يسبّح أو يستغفر".
١٩ - وبعد أن ذكر استبعادهم البعث للجزاء، وأزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه .. أعلمهم بأنهم يلاقون صدق ذلك حين الموت، وحين قيام الساعة فقال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: وكشفت لك سكرة الموت عن اليقين الذي كنت تمتري فيه، وأنّ البعث لا شكّ فيه، والباء (٢) في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾: إما للتعدية كما في قولك: جاء الرسول بالخبر، والمعنى: حضرت الموت؛ أي: شدته التي تجعل الإنسان كالسكران، بحيث تغشاه وتغلب على عقله، وكشفت له حقيقة الأمر الذي نطق به كتاب الله، وأخبرت به رسله، أو حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة الميت وشقاوته، وإما للملابسة، كالتي في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾؛ أي: حالة كونها متلبسةً بالحق؛ أي: بحقية الأمر أو بالحكمة والغاية الجميلة، وقرىء: ﴿وجاءت سكرة الحق بالموت﴾. ويقال للميت لسحان الحال، أو تقول
стр. 12650
له الملائكة.
﴿ذَلِكَ﴾ الموت أيها الإنسان ﴿مَا﴾: موصولة؛ أي: الأمر الذي ﴿كُنْتَ﴾ في الدنيا ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بقوله: ﴿تَحِيدُ﴾؛ أي: تميل وتفرّ وتهرب منه، بل تحسب أنه؛ أي: الموت، لا ينزل عليك بسبب محبّتك الحياة الدنيا، كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾؛ أي: أقسمتم بألسنتكم بطرًا وأشرًا، وجهلًا وسفهًا، أو بألسنة الحال، حيث بنيتم مشيدًا، وأملتم بعيدًا، ولم تحدثوا أنفسكم بالانتقال منها إلى هذه الحالة، فكأنكم ظننتم أنكم ما لكم من زوال مما أنتم عليه من التمتّع بالحظوظ الدنيوية، فالخطاب (١) في الآية للإنسان المتقدم على طريق الالتفات، فإنّ النفرة عن الموت شاملة لكل فرد من أفراده طبعًا، ويضعده ما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: أخذت أبا بكر غشية من الموت، فبكيت عليه، فقلت:
مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعَا ... لَا بُدَّ يَوْمًا أَنَّهُ مُهْرَاقُ
فأفاق أبو بكر ﵁ فقال: بل جاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. وجوَّز في "الكشاف" أن تكون الإشارة إلى الحق، والخطاب للفاجر، وهذا هو الظاهر؛ لأنّ الكلام في الفجار. قاله سعدي المفتي.
٢٠ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هي النفخة الثانية، وهي نفخة البعث والنشور، والنافخ هو إسرافيل ﵇، وقد سبق الكلام في الصور. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: وقت ذلك النفخ على حذف المضاف ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾؛ أي: يوم إنجاز الوعيد الواقع في الدنيا وتحقيقه، والوعيد: التهديد، أو يوم وقوع الوعيد على أنه عبارة عن العذاب الموعود، وتخصيص الوعيد بالذكر، مع أنه يوم الوعد أيضًا؛ لتهويله، ولذا بدىء ببيان حال الكفرة.
٢١ - ﴿وَجَاءَتْ﴾ في ذلك اليوم ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من النفوس البرة والفاجرة ﴿مَعَهَا﴾ إلخ. محله النصب على الحالية من ﴿كُلُّ﴾ لإضافته إلى ما هو في حكم المعرفة، كأنه قيل: كل النفوس؛ أي: حالة كون كل نفس معها
стр. 12651
﴿سَائِقٌ﴾؛ أي: ملك يسوقها إلى المحشر ﴿و﴾ ملك ﴿شَهِيدٌ﴾ يشهد بعملها خيرًا أو شرًّا، وفي "كشف الأسرار": يسوق الكافر سائقه إلى النار، ويشهد الشهيد عليه بمعصيته، ويسوق المؤمن سائقه إلى الجنة، ويشهد الشهيد له بطاعته، وهل الملكان الكاتبان في الدنيا هما اللذان ذكرهما الله في قوله: ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، أو غيرهما؟. فيه خلاف كما في "فتح الرحمن" أو معها ملك جامع بين الوصفين، كأنه قيل: معها ملك يسوقها ويشهد لها أو عليها،
٢٢ - ويقال له: والله ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ أيها الإنسان في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ وسهوِ ﴿مِنْ هَذَا﴾ اليوم وغوائله، وفي "فتح الرحمن": من هذا النازل بك اليوم، وقال ابن عباس: من عاقبة الكفر، وفي "عين المعاني": أي: من السائق والشهيد، وخطاب الكل بذلك؛ لما أنه ما من أحد إلا وله غفلة ما من الآخرة، وقيل؛ الخطاب للكافر، وقرىء: ﴿كنت﴾ بكسر التاء على اعتبار تأنيث النفس، وكذا الخطابات الآتية، كما سيأتي، وقال ابن زيد (١): الخطاب للنبيّ ﷺ ؛ أي: لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة، وقال أكثر المفسرين: المراد به: جميع الخلق برّهم وفاجرهم، واختار هذا ابن جرير.
﴿فَكَشَفْنَا﴾؛ أي: أزلنا ورفعنا ﴿عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ وحجابك الذي كان على بصرك في الدنيا؛ يعني: رفعنا الحجاب الذي كان بينك وبين أمور الآخرة، ورفعنا ما كنت فيه من الغفلة عن ذلك ﴿فَبَصَرُكَ﴾ أيها الإنسان ﴿الْيَوْمَ﴾؛ أي: في هذا اليوم الذي يعرض فيه العباد على الله ﴿حَدِيدٌ﴾؛ أي: حاد نافذ، تبصر ما كنت تنكره، وتستبعده في الدنيا لزوال المانع للإبصار، ولكن لا ينفعك، وهذا كقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾.
وفي الآية (٢): إشارة إلى أنَّ الإنسان وإن خلق من عالمي الغيب والشهادة، فالغالب عليه في البداية الشهادة، وهي العالم الحسّي، فيرى بالحواس الظاهرة العالم المحسوس مع اختلاف أجناسه، وهو بمعزل عن إدراك عالم الغيب، فمن
стр. 12652
الناس من يكشف الله غطاءه عن بصر بصيرته، فيجعل بصره حديدًا يبصر رشده، ويحذر شرّه، وهم المؤمنون من أهل السعادة، ومنهم من يكشف الله عن بصر بصيرته يوم القيامة يوم لا ينفع نفسًا إيمانها، وهم الكفار من أهل الشقاوة، ومن كلمات أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب ﵁: لو كشف الغطاء .. ما ازددت يقينًا.
وقرأ الجمهور (١): بفتح التاء من ﴿كُنْتَ﴾ وفتح الكاف في ﴿عَنْكَ﴾ ﴿غِطَاءَكَ﴾، ﴿فَبَصَرُكَ﴾ حملًا على ما في لفظ كل من التذكير، وقرأ الجحدري وطلحة بن مصرّف: بالكسر في الجميع على أنّ المراد: النفس، ولاكتساب كل التأنيث من المضاف إليه.
والمعنى: أي والله لقد كنت أيها الإنسان في غفلة عن هذا الذي عاينت اليوم من الأهوال والشدائد، فجلَّينا ذلك لك، وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت عنك هذه الغفلة، وقد جعل سبحانه الغفلة غطاء غطي به الجسد كلّه، أو غشاوة غشي بها عيينه، فلا يبصر شيئًا، فإذا كان يوم القيامة .. تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها، فأبصر ما لم يكن يبصره من الحق.
٢٣ - ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾؛ أي: قال الملك الموكل به في الدنيا، الكاتب لعمله، الشهيد عليه للربّ سبحانه ﴿هَذَا﴾ المكتوب من عمله، مبتدأ خبره: ﴿مَا﴾ وهي نكرة موصوفة (٢). و ﴿لَدَيَّ﴾ ظرف صفة أولى لما ﴿عَتِيدٌ﴾ صفة ثانية لها، والتقدير: هذا شيء ثابت لديّ عتيد حاضر قد هيأته، ويجوز أن يكون ﴿عَتِيدٌ﴾ صفة لـ ﴿مَا﴾ و ﴿لَدَيَّ﴾ متعلقًا بـ ﴿عَتِيدٌ﴾؛ أي: هذا المتكوب شيء عيتد لديّ؛ أي: حاضر، ويجوز أن تكونا ﴿مَا﴾ موصولة بمعنى الذي، و ﴿لَدَيَّ﴾ صلتها و ﴿عَتِيدٌ﴾: خبر الموصول، والموصول وصلته: خبر اسم الإشارة.
والمعنى: أي وقال الملك الموكل به في الدنيا: هذا الذي وكّلتني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، قاله مجاهد. أو قال شيطانه
стр. 12653
الذي قيّض له في الدنيا مشيرًا إليه هذا الشخص: ما عندي، وفي ملكي وسيطرتي، عتيد لجهنم حاضر قد هيأته لها بإغوائي وإضلالي إياه.
وقرأ الجمهور: ﴿عَتِيدٌ﴾ بالرفع، وعبد الله: بالنصب على الحال، والأولى حينئذٍ أن تكون ﴿ما﴾ موصولة.
٢٤ - ويقول الله سبحانه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾: خطابٌ (١) من الله تعالى للسائق والشهيد، أو لملكين من خزنة النار، أو لواحد وهو الملك الجامع للوصفين، أو خازن النار على تنزيل تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل، وتكريره للتأكيد، كأنه قيل: ألقِ ألق، حذف الفعل الثاني، ثم أتى بفاعله وفاعل الفعل الأول على صورة ضمير الاثنين متصلًا بالفعل الأول، أو على أن الألف بدل من نون التوكيد الخفيفة على إجراء الوصل مجرى الوقف، ويؤيده أنه قرىء: ﴿ألقين﴾ بالنون الخفيفة، مثل: ﴿لنسفعًا﴾ فإنه إذا وقف على النون .. تنقلب ألفًا، فتكتب بالألف على الوقف، وفيه وجه آخر، وهو أنَّ العرب أكثر ما يرافق الرجل منهم اثنان؛ يعني: أدنى الأعوان في السفر اثنان، فأكثر في ألسنتهم أن يقولوا: خليليّ، وصاحبيّ، وقفا وأسعدا، حتى خاطبوا الواحد خطاب الاثنين، كما قال امرىء القيس:
خَلِيْلِيَّ مُرَّا بِيْ عَلَى أُمِّ جُنْدُبِ ... لِنَقْضِيَ حَاجَاتِ الْفُؤَادِ الْمُعَذَّبِ
أَلَمْ تَرَ أَنِّيْ كُلَّمَا جِئْتُ طَارِقًا ... وَجَدْتُ بِهَا طِيْبًا وَإِنْ لَمْ تَطَيَّبِ
وقوله:
قِفَا نَبْكِ مِن ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُوْلِ فَحَوْمَلِ
فثنى في البيت الأول، ووحد في البيت الثاني، وثنّى في البيت الثالث أيضًا.
وقرأ الحسن (٢): ﴿ألقين﴾ بنون التوكيد الخفيفة خطابًا لواحد من خزنة
стр. 12654
النار، وهي شاذة مخالفة لنقل التواتر بالألف.
﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾؛ أي (١): كل مبالغ في الكفر بالمنعم والنعم، جاحد بالتوحيد، معرض عن الإيمان, وقيل: كل كافر حامل غيره على الكافر ﴿عَنِيدٍ﴾؛ أي: معاند للحق، يعرف الحق فيجحده، والعناد أقبح الكفر، وقال قتادة: منحرف عن الطاعة.
٢٥ - ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾؛ أي: كثير المنع للمال عن حقوقه مفروضة زكاة أو غيرها؛ أي: طبع على الشره والإمساك، كما أنَّ الكافر طبع على الكفر، والعنيد طبع على العناد، أو منّاع لجنس الخير عن أن يصل إلى أهله، يحول بينه وبينهم، وقيل: المراد بالخير هنا: الإِسلام، فإنّ الآية نزلت في الوليد بن المغيرة لمَّا منع بني أخيه منه، وكان يقول: من دخل منكم فيه لم أنفعه بخير ما عشت. ﴿مُعْتَدٍ﴾؛ أي: ظالم متخطّ للحق، معاد لأهله. ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: شاكّ في الله وفي دينه، فهو صيغة نسبة بمعنى ذي شكّ وريب؛ أي: موقع في الريبة، وقيل: متّهم.
أي (٢): ألقيا في جهنم كل كافر بالله، معاند لآياته، مانع للناس من اتباع الرسول ﷺ ، ومن الإنفاق على من عنده، ظالم بالإيذاء وكثرة الهذاء، شاكٍّ في اليوم الآخر، فلا يظنّ أنّ الساعة آتية، فكل كافر موصوف بهذه الصفات.
٢٦ - ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ يجوز أن يكون بدلًا من ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ أو منصوبًا على الذم، أو بدلًا من ﴿كَفَّارٍ﴾، أو هو مبتدأ متضمّن معنى الشرط، خبره: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. وقوله: ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾: تكرير للتوكيد، و ﴿الفاء﴾؛ للإشعار بأنّ الإلقاء للصفات المذكورة.
٢٧ - ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾؛ أي: الشيطان الذي قيض لهذا الكافر: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ وما أضللته، وما أغويته، قيل (٣): هذا جواب لكلام مقدر، وهو أنّ الكافر حين يلقى في النار، يقول: ربّنا أطغاني شطاني، فيقول الشيطان: ربّنا ما أطغيته. ﴿وَلَكِنْ كَانَ﴾ هذا الإنسان ﴿فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق، فدعوته فاستجاب لي، ولو كان
стр. 12655
من عبادك الصالحين .. لم أقدر عليه، فيتبرأ منه شيطانه، وقال ابن عباس: قرينه: الملك الموكّل به، الكاتب لأعماله؛ يعني؛ يقول الكافر: ربّ إنّ الملك زاد عليّ في الكتابة، فيقول الملك: ربّنا ما أطغيته؛ أي: ما زدت عليه، وما كتبت إلا ما قال وعمل، ولكن كان في ضلال بعيد؛ أي: طويل لا يرجع عنه إلى الحقّ، فأعنته عليه بالإغواء والدعوة إليه من غير قسر وإلجاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ والأول أولى، وعليه الجمهور، وقال أبو حيان (١): ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ لم تأت هذه الجملة بالواو بخلاف ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ قبله: لأنّ هذه استؤنفت كما استؤنفت الجمل في حكاية التقاول في مقاولة موسى وفرعون، فجرت مقاولة بين الكافر وقرينه، فكأنّ الكافر قال: ربّ هو أطغاني، قال قرينه: ربّنا ما أطغيته، وأما ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ فعطفت للدلالة على الجمع بين معناها، ومعنى ما قبلها في الحصول؛ أعني: مجيء كل نفس مع الملكين، وقول قرينه ما قال له.
٢٨ - وجملة قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾: مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال الله؟ فقيل: قال الله سبحانه لهم: لا تختصموا أيها الكفّار والقرناء لديّ؛ أي: في موقف الحساب والجزاء، إذ لا فائدة في ذلك، قال بعضهم (٢): هذا الخطاب في الكفار فقط، وأما قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ ففي المؤمنين في الظالم فيما بينهم؛ لأنّ الاختصام في الظالم مسموع، وهذا في الموقف، وأما قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ ففي جهنم، فظهر التوفيق بين الآيات.
وجملة قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ في محل نصب على الحال؛ أي: والحال أنّي قد قدمت إليكم بالوعيد والتهديد من العذاب بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، و ﴿الباء﴾ في ﴿بِالْوَعِيدِ﴾: مزيدة للتأكيد، أو معدّية على أنّ قدّم بمعنى تقدّم.
стр. 12656
والمعنى: أي قال الله سبحانه للإنسيِّ، وقرينه من الجن حين اختصمها، فقال الإنسي: ربّ إنّ هذا أضلَّني عن الذكر بعد إذ جاءني، وقال الشيطان: ربّنا ما أطغيته، ولكن كان في ضلال بعيد عن الحقّ، فأعنته عليه بالإغواء من غير قسرٍ ولا إلجاء: لا تختصموا الآن عندي في موقف الحساب والجزاء، وقد قدمت إليكم بالوعيد على الطغيان في دار الكسب والتكليف، فقد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب وقامت عليكم الحجج، فما تركت لكم حجة عليَّ، فلا تطمعوا في الخلاص منه بما أنتم فيه من التعلل بالمعاذير الباطلة، والجملة: حال فيها معنى التعليل للنهي على معنى ﴿لَا تَخْتَصِمُوا﴾ وقد صحَّ عندكم وعلمتم أني قدمت إليكم بالوعيد، حيث قلت لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ فاتبعتموه معرضين عن الحق، فلا وجه للاختصام في هذا الوقت، وإنما قدّر المعنى هكذا ليصح جعله حالًا، فإن مقارنة الحال لصاحبها من الزمان واجبة، ولا مقارنة بين تقديم الوعيد في الدنيا والاختصام في الآخرة.
٢٩ - ﴿مَا يُبَدَّلُ﴾ ولا يغير ﴿الْقَوْلُ﴾ والقضاء ﴿لَدَيَّ﴾؛ أي: عندي (١)؛ أي: لا يغير قولي في الوعد والوعيد، فما يظهر في الوقت هو الذي قضيته في الأزل، لا مبدل له، والعفو عن بعض المذنبين لأسباب داعية إليه ليس بتبديل، فإنَّ دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد؛ يعني: ولا مخصص في حق الكفار، فالوعيد على عمومه في حقهم، قال الجلال الدواني في "شرح العضد": ذهب بعض العلماء إلى أن الخلف في الوعيد جائز على الله تعالى، لا في الوعد، وبهذا وردت السنة، حيث قال النبيّ ﷺ : "من وعد لأحد على عمله ثوابًا فهو منجز له، ومن أوعده على عمله عقابًا .. فهو بالخيار". والعرب لا تعد عيبًا ولا خلفًا أن يعد شرًّا ثم لا يفعله، بل ترى ذلك كرمًا وفضلًا، وإنما الخلف أن يعد خيرًا ثم لا يفعله، كما قال:
وَإِنِّي إِذَا أَوْعَدْتُة أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيْعَادِيْ وَمُنَجِزُ مَوْعِدِيْ
стр. 12657
ولقد أحسن يحيى بن معاذ ﵁ في هذا المعنى، حيث قال: الوعد والوعيد حقّ، فالوعد حقّ العباد على الله سبحانه، ضمن لهم إذا فعلوا ذلك أن يعطيهم كذا ومن أولى بالوفاء من الله، والوعيد حقّه على العباد، قال لا تفعلوا كذا فأعذّبكم ففعلوا، فإن شاء .. عفا، وإن شاء .. أخذ؛ لأنّه حقه، وأولاهما العفو والكرم؛ لأنه غفور رحيم، فالله تعالى لا يغفر أن يشرك به، فينجز وعيده في حق المشركين، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فيجوز أن يخلف وعيده في حق المؤمنين.
﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾؛ أي: وما أنا بمعذب للعبيد ظلمًا بغير جرم اجترموه، ولا ذنب أذنبوه، والتعبير عنه بالظلم، مع أنّ تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم، على ما تقرّر من قاعدة أهل السنة، فضلًا عن كونه ظلمًا مفرطًا لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك، بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه من الظلم، وصيغة المبالغة؛ لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم، وقيل: هي لرعاية جمعيّة العبيد من قولهم: فلان ظالم لعبده، وظلّام لعبيده على أنها مبالغة كمًّا لا كيفًا، وقيل: إنّ الظلاّم هنا بمعنى الظالم، كالتمّار بمعنى التامر.
٣٠ - والظرف في قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾: متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد لقومك، ويشمل كل من شأنه الذكر يوم نقول بما لنا من العظمة ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ دار العذاب، وسجن الله للعصاة ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ يا جهنم بمن ألقي فيك؟ وهل أوفيتك ما وعدتك؟. وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وقوله: لكل واحدة منكما ملؤها. فهذا السؤال من الله لتصديق خبره، وتحقيق وعده، والتقريع لأهل عذابه، والتنبيه لجميع عباده. ﴿وَتَقُولُ﴾ جهنم مجيبة بالاستفهام تأدبًا، وليكون الجواب وفق السؤال ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾؛ أي: هل من زيادة من الجن والإنس موجودة، فيكون مصدرًا كالمحيد، أو من يزاد فيكون مفعولًا كالمبيع، ويجوز أن يكون ﴿يَوْمَ﴾: ظرفًا لمقدر مؤخر؛ أي: يوم نقول لجهنم: هل امتلأت إلخ، يكون من الأحوال والأهوال ما يقصر عنه المقال، وقيل: العامل فيه ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾. وقيل:
стр. 12658
المعنى؛ أي: قد امتلأت، ولم يبق فيَّ موضع لم يمتلىء، وبهذا قال عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان. وقيل: إنّ المعنى: أنها طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها، واختلف العلماء في أنَّ الخطاب والجواب، هل هما على الحقيقة أو لا؟ فقال بعضهم: هما على الحقيقة، فينطقها الله بذلك كما ينطق الجوارح، وهو المختار، فإنَّ الله على كل شيء قدير، وأمور الآخرة كلها أو جلها على خلاف ما تعورف في الدنيا، وقد دلت الأحاديث على تحقق الحقيقة، فلا وجه للعدول إلى المجاز، كما روي من زفرتها وهجومها على الناس في الموقف، وجرّها الملائكة بالسلاسل، وقولها: "جُزْ يا مؤمن فإنّ نورك أطفأ لهبي". ونحو ذلك مما يدلّ على حياتها الحقيقية وإدراكها.
والمعنى: أي وأنذر قومك: يوم نقول لجهم هل امتلأت بما ألقي إليك فوجًا بعد فوج؟ فتقول: لا مزيد بعد ذلك، وفي هذا بيان أنها مع اتساعها، وتباعد أقطارها يطرح فيها من الجِنة والناس جماعات بعد جماعات، حتى تمتلىء، ولا تقبل الزيادة.
وقرأ الجمهور: ﴿نَقُولُ﴾ بالنون، وقرأ نافع والأعرج وشيبة وأبو بكر والحسن وأبو رجاء وأبو جعفر والأعمش: ﴿يقول﴾ بياء الغيبة، وقرأ عبد الله والحسن والأعمش أيضًا: ﴿يقال﴾ مبنيًا للمفعول، وقرأ الحسن أيضًا: ﴿أقول﴾ بالهمزة.
الإعراب
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾.
﴿ق﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه سورة قاف إن قلنا: إنه علم على السورة، والجملة: مستأنفة، وإن قلنا: من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه .. فلا محل له من الإعراب؛ لأنّ الإعراب فرع عن المعنى، والمعنى غير معلوم لنا. ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿الْقُرْآنِ﴾: مقسم به مجرور
стр. 12659
بواو القسم. ﴿الْمَجِيدِ﴾: صفة لـ ﴿الْقُرْآنِ﴾، الجار والمجرور: متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: أقسم بالقرآن المجيد، وجواب القسم: محذوف، دلّ عليه ما بعده، تقديره: إنك جئتهم منذرًا بالبعث، فلم يقبلوا، بل عجبوا، وقيل: هو مذكور، واختلفوا فيه، فقيل: هو ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾، وقيل: هو قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ والأول أولى وأرسخ عرفًا في البلاغة، وقدّره أبو البقاء: لتبعثنّ، أو لترجعنّ، على ما دلّ عليه سياق الآيات. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب، أضرب به عن جواب القسم المحذوف لبيان حالتهم الزائدة في الشناعة والقبح. ﴿عَجِبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على جواب القسم المحذوف. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿جَاءَهُمْ﴾: فعل ومفعول به في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾: المصدرية. ﴿مُنْذِرٌ﴾: فاعل. ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لـ ﴿مُنْذِرٌ﴾. والجملة الفعلية. مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية: في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، تقديره: أي: بل عجبوا مجيء منذر إياهم؛ أي: من مجيئه. ﴿فَقَالَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿عَجِبُوا﴾. ﴿هَذَا شَيْءٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿عَجِيبٌ﴾: صفة ﴿شَيْءٌ﴾. والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾.
﴿أَإِذَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على الجواب المحذوف، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿مِتْنَا﴾: فعل فاعل، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف: متعلق بالجواب المحذوف المدلول عليه بما بعده؛ أي: أإذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونبعث؛ أي: نبعث ونرجع قت موتنا وكوننا ترابًا. ﴿وَكُنَّا تُرَابًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره معطوف على ﴿مِتْنَا﴾. وجملة ﴿إذا﴾: في حل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿بَعِيدٌ﴾: صفة ﴿رَجْعٌ﴾. والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿عَلِمْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل لنصب مفعول به؛ لأنّ علم بمعنى
стр. 12660
عرف. ﴿تَنْقُصُ الْأَرْضُ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَنْقُصُ﴾. والجملة الفعلية: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: ما تنقصه الأرض. وَعِندَنَا ﴿الواو﴾: حالية، عندنا: خبر مقدم. ﴿كِتَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿حَفِيظٌ﴾: صفة ﴿كِتَابٌ﴾ والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿عَلِمْنَا﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب إضرابًا انتقاليًا مما هو شنيع إلى ما هو أشنع وأقبح، وهو تكذيب النبوّة بعد إنكار البعث. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق به، والجملة الإضرابية: معطوفة على جملة الإضراب في قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾. ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى حين متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾، ﴿جَاءَهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هم﴾: مبتدأ، ﴿فِي أَمْرٍ﴾: خبر، ﴿مَرِيجٍ﴾: صفة ﴿أَمْرٍ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾: عطف اسمية على فعلية.
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾.
﴿أَفَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أغفلوا فلم ينظروا، والجملة المحذوفة: جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَنْظُرُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿يَنْظُرُوا﴾، ﴿فَوْقَهُمْ﴾: حال مؤكدة من ﴿السَّمَاءِ﴾. والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب مفعول ثان مقدم لـ ﴿بَنَيْنَاهَا﴾، أو في محل النصب حال من مفعول ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ وهي معلقة بالنظر قبلها. ﴿بَنَيْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، وجملة ﴿بَنَيْنَاهَا﴾: بدل من ﴿السَّمَاءِ﴾. ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿بَنَيْنَاهَا﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَهَا﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿فُرُوجٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في محل
стр. 12661
النصب حال من مفعول ﴿بَنَيْنَاهَا﴾. ﴿وَالْأَرْضَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿الْأَرْضَ﴾: معطوف على محل ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ وهو النصب على المفعولية. ﴿مَدَدْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب حال من ﴿الْأَرْضَ﴾، ولك أن تنصب ﴿الْأَرْضَ﴾ بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: ومددنا الأرض مددناها، فهو من باب الاشتغال. ﴿وَأَلْقَيْنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿مَدَدْنَاهَا﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَلْقَيْنَا﴾. ﴿رَوَاسِىَ﴾ مفعول به، ﴿وَأَنْبَتْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿مَدَدْنَاهَا﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَنْبَتْنَا﴾: ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿كُلِّ زَوْجٍ﴾: مفعول به. ﴿بَهِيجٍ﴾: صفة لـ ﴿زَوْجٍ﴾، ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾: مفعولان من أجله لـ ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ وما بعده؛ أي: لتبصير أمثالهم، وتذكير أمثالهم، وقيل: منصوبان بفعل مقدر من لفظهما؛ أي: بصّرناهم تبصرةً، وذكّرناهم تذكرةً، وقيل: حالان من فاعل الأفعال المذكورة؛ أي: مبصّرين ومذكّرين، وقيل: حال من المفعول؛ أي: ذات تبصرة وتذكير لم يراها. ﴿لِكُلِّ﴾: متعلق بـ ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ على سبيل التنازع. ﴿عَبْدٍ﴾: مضاف إليه. ﴿مُنِيبٍ﴾: صفة لـ ﴿عَبْدٍ﴾.
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾.
﴿وَنَزَّلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ أو على ﴿أَلْقَيْنَا﴾. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿نَزَّلْنَا﴾، ﴿مَاءً﴾: مفعول به، ﴿مُبَارَكًا﴾: صفة ﴿مَاءً﴾، ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿نَزَّلْنَا﴾، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْبَتْنَا﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾، وهو من حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه؛ أي: وحب الزرع المحصود. ﴿وَالنَّخْلَ﴾: معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾. ﴿بَاسِقَاتٍ﴾: حال مقدرة من النخل؛ لأنها في وقت الإنبات لم تكن طوالًا. ﴿لَهَا﴾: خبر مقدم. ﴿طَلْعٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿نَضِيدٌ﴾: صفة ﴿طَلْعٌ﴾ والجملة: في محل النصب حال ثانية من النخل الباسقات بطريق الترادف، أو من الضمير في ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ على طريق التداخل. ﴿رِزْقًا﴾: مفعول لأجله لـ ﴿أَنْبَتْنَا﴾ أو مفعول مطلق معنوي لـ ﴿أَنْبَتْنَا﴾ على أنه مصدر من معنى ﴿أَنْبَتْنَا﴾، أو حال من
стр. 12662
﴿جَنَّاتٍ﴾، وما بعده؛ على تأويله بمرزوقًا، أو ذا رزق. ﴿لِلْعِبَادِ﴾: صفة لـ ﴿رِزْقًا﴾، أو متعلق به على أنه مصدر. ﴿وَأَحْيَيْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾. ﴿بِهِ﴾ متعلقان به ﴿بَلْدَةً﴾: مفعول به، ﴿مَيْتًا﴾: صفة ﴿بَلْدَةً﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾: خبر مقدم. ﴿الْخُرُوجُ﴾. مبتدأ مؤخر، والجملة التشبيهية: مستأنفة مفيدة للحصر.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾.
﴿كَذَّبَتْ﴾: فعل ماض. ﴿قَبْلَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾: فاعل، والجملة: مستأنفة لبيان حقيقة راهنة عن البعث، واتفاق جميع الرسل عليه. ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾: معطوف على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ وكذا ﴿وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾: معطوفات على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ وسوغ الابتداء به قصد العموم، أو إضافته المقدرة؛ أي: كل هذه الأمم. ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على ﴿كُلٌّ﴾ وأفرد الضمير نظرًا إلى لفظ ﴿كُلٌّ﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر عن ﴿كُلٌّ﴾ والجملة: مستأنفة مسوقة لتأكيد ما قبلها. ﴿فَحَقَّ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿حَقَّ﴾: فعل ماض. ﴿وَعِيدِ﴾: فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة الممنوعة بسكون الوقف؛ لأنه مضاف إلى ياء المتكلم، وأصله: وعيدي، فحذفت الياء، فبقيت الكسرة دليلًا عليها، والجملة الفعلية: معطوفة على جملة ﴿كَذَّبَ﴾ والعائد: محذوف، تقديره: عليهم. ﴿أَفَعَيِينَا﴾ ﴿الهمزة﴾: اللاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أقصدنا الخلق فعجزنا عنه حتى يتوهم أحد عجزنا إعادته، والجملة المحذوفة: مستأنفة مقررة لصحة البعث الذي حكيت أحوال المنكرين له من الأمم المهلكة. ﴿عيينا﴾: فعل وفاعل معطوف على تلك المحذوفة. ﴿بِالْخَلْقِ﴾: متعلق بـ ﴿عيينا﴾ ﴿الْأَوَّلِ﴾: صفة لـ ﴿الْخَلْقِ ﴿بَلْ﴾: عاطفة على مقدر مستأنف مسوق لبيان
стр. 12663
شبهتهم، وفضح سفسطتهم، والتقدير: هم غير منكرين لقدرتنا، بل هم في خلط وشبهة. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِي لَبْسٍ﴾: خبر. ﴿مِنْ خَلْقٍ﴾: صفة لـ ﴿لَبْسٍ﴾ و ﴿جَدِيدٍ﴾: نعت لـ ﴿خَلْقٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة. ﴿وَنَعْلَمُ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿نَعْلَمُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة الفعلية: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: ونحن نعلم، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقْنَا﴾ ولا يصح أن يكون ﴿نعلم﴾ حالًا بنفسه؛ لأنه مضارع مثبت باشرته الواو، كما في "الكرخي" ولك أن تجعل ﴿الواو﴾: استئنافية، فتكون الجملة مستأنفة. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿تُوَسْوِسُ﴾: فعل مضارع. ﴿بِهِ﴾: متعلق به. ﴿نَفْسُهُ﴾: فاعل، وجملة ﴿تُوَسْوِسُ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد: ضمير ﴿بِهِ﴾ ولك أن تجعل ﴿مَا﴾ مصدرية، والتقدير: ونعلم وسوسة نفسه له. ﴿وَنَحْنُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ. ﴿أَقْرَبُ﴾: خبره. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَقْرَبُ﴾. ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: متعلق بـ ﴿أَقْرَبُ﴾ أيضًا ومضاف إليه، والجملة: معطوفة على جملة ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿أَقْرَبُ﴾ أو متعلق باذكر محذوفًا؛ أي: واذكر يا محمد لقومك حين يتلقى المتلقيّان. ﴿يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾: خبر مقدم. ﴿وَعَنِ الشِّمَالِ﴾: معطوف عليه. ﴿قَعِيدٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية. في محل النصب على الحال من ﴿الْمُتَلَقِّيَانِ﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يَلْفِظُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الإنسان، والجملة: مستأنفة. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿قَوْلٍ﴾: مفعول به ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿لَدَيْهِ﴾: ظرف مكان خبر مقدم. ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾: مبتدأ مؤخر؛ لأنهما
стр. 12664
وصفان لشيء واحد، كأنه قيل: إلا لديه ملك موصوف بأنه رقيب عتيد؛ أي: حافظ حاضر، كقولهم في الخبر: هذا حلو حامض، فالمبتدأ هنا مجموع الوصفين، والجملة الاسمية: في محل النصب على الحال من فاعل ﴿يَلْفِظُ﴾.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾.
﴿وَجَاءَتْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿جَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: حالة كونها متلبسةً بالحق. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر المبتدأ. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ماض ناقص واسمه. ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿تَحِيدُ﴾. وجملة ﴿تَحِيدُ﴾: خبر ﴿كُنْتَ﴾، وجملة ﴿كُنْتَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال له في وقت الموت: ذلك الأمر الذي رأيته الآن هو الذي كنت منه تحيد، وتفرّ في حياتك، فلم ينفعك الهرب، وما أنجاك الفرار. ﴿وَنُفِخَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿نُفِخَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿فِي الصُّورِ﴾: نائب فاعل، والجملة: معطوفة على ﴿جَاءَتْ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة.
﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾.
﴿وَجَاءَتْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾. ﴿مَعَهَا﴾: خبر مقدم. ﴿سَائِقٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَشَهِيدٌ﴾: معطوف عليه، والجملة الاسمية: في محل الرفع صفة لـ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أو حال منه على أنّه تخصّص بالإضافة. ﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾: خبره. ﴿مِنْ هَذَا﴾: متعلق بـ ﴿غَفْلَةٍ﴾ والجملة: جواب القسم، وجواب القسم: مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال لكل نفس: لقد كنت إلخ. ﴿فَكَشَفْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿كَشَفْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كُنْتَ﴾، ﴿عَنْكَ﴾: متعلق بـ ﴿كَشَفْنَا﴾،
стр. 12665
﴿غِطَاءَكَ﴾: مفعول به، ﴿فَبَصَرُكَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿بَصَرُكَ﴾: مبتدأ، ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿بصرك﴾. ﴿حَدِيدٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿كَشَفْنَا﴾: عطف اسمية على فعلية. ﴿وَقَالَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جاءت كل نفس﴾. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿مَا﴾: نكرة موصوفة في محل الرفع خبر المبتدأ. ﴿لَدَيَّ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿عَتِيدٌ﴾. و ﴿عَتِيدٌ﴾: صفة لـ ﴿مَا﴾ الموصوفة؛ أي: هذا شيء عتيد لديّ؛ أي: حاضر عندي، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ويجوز أن يكون ﴿لَدَيَّ﴾: صفة أولى لـ ﴿مَا﴾، و ﴿عَتِيدٌ﴾: صفة ثانية لها، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو عتيد؛ أي: هذا شيء ثابت لديّ عتيد؛ أي: حاضر، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾: موصولة بمعنى الذي. و ﴿لَدَيَّ﴾: صلتها. و ﴿عَتِيدٌ﴾: خبر الموصول، والموصول وصلته: خبر اسم الإشارة، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ بدلًا من ﴿هَذَا﴾ موصولة أو موصوفة بـ ﴿لَدَيَّ﴾، و ﴿عَتِيدٌ﴾: خبر ﴿هَذَا﴾.
﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾.
﴿أَلْقِيَا﴾: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، لاتصاله بألف الاثنين، والألف فاعل. ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾: متعلق بـ ﴿أَلْقِيَا﴾، والجملة: في محل النصب مقول لقول محذوف؛ أي: يقال ألقيا في جهنم. ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾: مفعول به. ﴿عَنِيدٍ﴾: صفة لـ ﴿كَفَّارٍ﴾، ﴿مَنَّاعٍ﴾: صفة ثانية لـ ﴿كَفَّارٍ﴾، ﴿لِلْخَيْرِ﴾: متعلق بـ ﴿مَنَّاعٍ﴾، ﴿مُعْتَدٍ﴾: صفة ثالثة له. ﴿مُرِيبٍ﴾: صفة رابعة. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب بدل من ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾، أو في محل الجر بدل من ﴿كَفَّارٍ﴾. ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة: صلة الموصول. ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: ظرف في محل المفعول الثاني ﴿إِلَهًا﴾: مفعول أول. ﴿آخَرَ﴾: صفة لـ ﴿إِلَهًا﴾. ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾ ﴿الفاء﴾: زائدة. ﴿أَلْقِيَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿فِي الْعَذَابِ﴾: متعلق بـ ﴿ألقيا﴾، ﴿الشَّدِيدِ﴾: صفة لـ ﴿الْعَذَابِ﴾. والجملة الفعلية: جملة مؤكدة لجملة قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ توكيدًا لفظيًّا، ويجوز أن يكون الموصول مبتدأ، وجملة
стр. 12666
﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾: خبره، و ﴿الفاء﴾: رابطة لشبه الموصول بالشرط في العموم، والأوّل: أرجح.
﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾.
﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: جملة مستأنفة، أو جوابية، لا محل لها من الإعراب؛ لأنها وقعت في جواب قول الكافر حين يلقي في النار: ربّنا أطغاني قريني وشيطاني. قال قرينه وشيطانه: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَطْغَيْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك مهمل. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على الكافر. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿بَعِيدٍ﴾: صفة ﴿ضَلَالٍ﴾ وجملة الاستدراك معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾.
﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة: مستأنفة. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَخْتَصِمُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والواو: فاعل ﴿لَدَيَّ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تَخْتَصِمُوا﴾. والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿قَدَّمْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿قَدَّمْتُ﴾. ﴿بِالْوَعِيدِ﴾: مفعول به لـ ﴿قَدَّمْتُ﴾، و ﴿الباء﴾: زائدة، والجملة الفعلية: في محل النصب حال من فاعل ﴿تَخْتَصِمُوا﴾. ﴿مَا﴾ نافية. ﴿يُبَدَّلُ الْقَوْلُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿الْقَوْلُ﴾: نائب فاعل. ﴿لَدَيَّ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يُبَدَّلُ﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: حجازية. ﴿أَنَا﴾: في محل الرفع اسمها. ﴿بِظَلَّامٍ﴾ ﴿الباء﴾: زائدة ﴿ظَلَّامٍ﴾: خبر ﴿مَا﴾ الحجازية. ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ متعلق بـ ﴿ظَلَّامٍ﴾
стр. 12667
والجملة الاسمية: معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿ظَلَّامٍ﴾؛ لأنّه إذا لم يظلم في هذا اليوم .. فنفي الظلم عنه في غيره أولى، أو متعلق باذكر مقدرًا؛ أي: واذكر يا محمد لقومك أهوال يوم نقول لجهنم إلخ. ﴿نَقُولُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿لِجَهَنَّمَ﴾: متعلق بـ ﴿نَقُولُ﴾. ﴿هَلِ﴾: حرف استفهام للاستفهام التقريري، فإنّ الله سبحانه يقرّرها بأنها قد امتلأت، ولمّا خاطبها بصورة الاستفهام .. أجابته بصورة استفهام أيضًا، ومرادها الإخبار عن امتلائها، والإقرار به. ﴿امْتَلَأْتِ﴾: فعل وفاعل و ﴿التاء﴾: ضمير المؤنثة المخاطبة في محل الرفع فاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿نَقُولُ﴾. ﴿وَتَقُولُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿تقول﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿جَهَنَّمَ﴾، معطوف على ﴿نَقُولُ﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿مَزِيدٍ﴾: مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: موجود، والجملة: في محل النصب مقول ﴿نَقُولُ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾؛ أي: ذي المجد والشرف على سائر الكتب على أن يكون للنسب كلابن وتامر، قال الراغب: والمجد: السعة في الكرم، من قولهم: مجدت الإبل: إذا وقعت في مرعى كثير واسع، وصف به القرآن؛ لكثرة ما تضمنه من المكارم الدنيوية والأخروية، أو لأنّ من علم معانيه وعمل بما فيه مَجُد عند الله تعالى وعند الناس وشرف، قال الإِمام الغزالي ﵀: المجيد: هو الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونواله، فكان شرف الذات إذا قارنه حسن الفعال .. سمي مجيدًا، وهو الماجد أيضًا، ولكن أحدهما أدل على المبالغة.
﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ والعجب: نظر النفس لأمر خارج عن العادة.
﴿شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ العجيب: الأمر الذي يتعجّب منه، وكذلك العجاب بالضم، والعجّاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة، قال قتادة: عجبهم أن
стр. 12668
دعوا إلى إله واحد، وقيل: من إنذارهم بالبعث والنشور، والذي نص عليه القرآن أولى.
﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾؛ أي: بعث. ﴿بَعِيدٌ﴾ عن الأوهام، والرجع متعدّ بمعنى الرد بخلاف الرجوع. ﴿مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ﴾؛ أي: ما تأكل من لحوم موتاهم وعظامهم.
﴿حَفِيظٌ﴾؛ أي: حافظ لتفاصيل الأشياء.
﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ من مرج الخاتم في أصبعه: إذا جرح، بالجيمين كفرح؛ أي: قلق واضطراب من سعته بسبب الهزال، وفي "المختار": مرج الأمر والدين: اختلط، وبابه طرب، وأمر مريج. مختلط.
والمعنى: أنهم لا يثبتون على رأي واحد، فتارةً يقولون: شاعر، وتارةً: ساحر، وتارةً: كاهن.
﴿بَنَيْنَاهَا﴾؛ أي: أحكمنا بناءها، فجعلناها بغير عمد، جمع عماد كأهب جمع إهاب. ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالكواكب. ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾؛ أي: شقوق، جمع فرج، وهو الشقّ بين الشيئين كفرجة الحائط، والفجر: ما بين الرجلين، وكني به عن السوءة، وكثر حتى صار كالصريح فيه، واستعير الفرج للثغر، وكل مخافة، وسمي القباء المشقوق فروجًا، ولبس رسول الله ﷺ فروجًا من حرير ثم نزعه.
﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ من رسا الشيء يرسو؛ أي: ثبت، والتعبير عنها بهذا الوصف؛ للإيذان بأنّ إلقاءها لإرساء الأرض بها، وفي ﴿رَوَاسِيَ﴾ إعلال بالقلب، أصله: رواسو، قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة.
﴿بَهِيجٍ﴾؛ أي: حسن طيّب من البهجة، وهو حسن اللون، وظهور السرور فيه، وابتهج بكذا؛ أي: سر به سرورًا: بأن أثره على وجهه، كما في "المفردات".
﴿مُنِيبٍ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: منوب، نقلت حركة الواو إلى النون فسكّنت إثر كسرة فقلبت ياءً حرف مدّ. ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾؛ أي: الذي من شأنه أن يحصد، وأصل الحصد: قطع الزرع، والحصيد بمعنى المحصود.
стр. 12669
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ البسوق: الطول، يقال: بسق فلان على أصحابه، من باب دخل؛ أي: وطال عليهم في الفضل، وبسقت الشاة ولدت، وأبسقت الناقة؛ وقع في ضرعها اللبأ قبل النتاج، ونوق بساق من ذلك. اهـ "سمين". وفي "المصباح": بسقت النخلة بسوقًا، من باب قعد؛ طالت، فهي باسقة، والجمع باسقات وبواسق، وبسق الرجل: مهر في علمه. اهـ، ويجوز أن يكون معنى ﴿بَاسِقَاتٍ﴾: حوامل، من أبسقت الشاة: إذا حملت، فيكون من باب أفعل، فهو فاعل.
﴿نَضِيدٌ﴾؛ أي: متراكب بعضه فوق بعض، يقال: نضدت المتاع بعضه على بعض ألقيته فهو منضود ونضد، المنضد: السرير الذي ينضد عليه المتاع، ومنه استعير ﴿طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾، كما في "المفردات". ﴿طَلْعٌ﴾ قال في "بحر العلوم": والطلع: ما يطلع من النخلة، وهو الكم قبل أن يشق، ويقال لما يظهر من الكم: طلع أيضًا، وهو شيء أبيض يشبه بلونه الأسنان، وبرائحته المني.
﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ والرس: البئر التي لم تطو؛ أي: لم تبن. ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ والأيكة: الغيضة الملتفّة الشجر. ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ العيُّ بالأمر العجز عنه، يقال: عيّ بالأمر، وعيي به إذا لم يهتد لوجه علمه، وعيي عن حجته يعيا من باب تعب: إذا عجز عنه، وقد يدغم الماضي، فيقال: عيَّ، فالرجل عيُّ، وعيِّ على فعل وفعيل، وعيي بالأمر لم يهتد لوجهه، وأعياني بالألف أتعبني، فأعييت يستعمل لازمًا ومتعديًا، قال الكسائي: تقول: أعييت من التعب، وعييت من العجز عن الأمر، وانقطاع الحيلة.
﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾؛ أي: شك شديد وحيرة واختلاط. ﴿مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يقال: جددت الثوب: إذا قطعته على وجه الإصلاح، وثوب جديد أصله المقطوع، ثم جعل لكل ما حدث إنشاؤه، وخلق جديد، إشارة إلى النشأة الثانية، وقوبل الجديد بالخلق لما كان المقصود بالجديد القريب العهد بالقطع من الثوب.
﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الوسوسة: الصوت الخفيّ، ومنه: وسواس
стр. 12670
الحليّ، والمراد بها هنا: حديث النفس، وما يخطر بالبال من شتى الشؤون.
﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وهو عرق كبير في العنق، وللإنسان وريدان، والوريدان: عرقان مكتنفان بصفحي العنق في مقدّمهما متصلان بالوتين، سميّا بذلك؛ لأنهما يردان من الرأس، أو لأنّ الروح تردهما، فالوريد إما بمعنى الوارد، وإما بمعنى المورود، وقال الزمشخري: وهو في القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر، وفي الذراع والفخذ الأكحل والنَّساء، وفي الخنصر الأسيلم، وقال أيضًا: وحبل الوريد مثل في فرط القرب، كقولهم: هو منّي مقعد القابلة، ومعقد الإزار، وقال ذو الرمة:
هَلْ أَغْدُوَنْ فِيْ عِيْشَةٍ رَغِيْدِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى لِيْ مِنَ الْوَرِيْدِ
أي: لا أكون في عيشة واسعة، والحال أنَّ الموت أقرب إلى من الوريد.
﴿قَعِيدٌ﴾؛ أي: مقاعد، كالجليس بمعنى المجالس وزنًا ومعنى، وقيل: يطلق الفعيل على الواحد والمتعدد كما في قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
﴿عَتِيدٌ﴾؛ أي: حاضر، وفي "المصباح": عتد الشيء بالضم عتادًا بالفتح حضر فهو عند بفتحتين، وعتيد أيضًا، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، فيقال: اعتده صاحبه وعتده: إذا أعده وهيأه، وفي التنزيل: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ أصله: جيأ بوزن فعل، قلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح.
﴿تَحِيدُ﴾ أصله: تحيد بوزن تفعل، نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت، فصارت حرف مدّ، من حاد عنه يحيد حيدًا من باب باع: إذا مال عنه وفرَّ وهرب.
﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾؛ أي: يوم إنجاز الوعيد والوعد، ففيه اكتفاء.
﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ سائق فيه إعلال بالقلب، أصله: ساوق، قلبت الواو همزةً في الوصف حملًا له على فعله: ساق في الإعلال.
стр. 12671
﴿كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ الغفلة: معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور، وفي "المفردات": الغفلة: سهو يعتري من قلة التحفظ والتيقظ. ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ والغطاء: الحجاب المغطي لأمور المعاد، وهو الغفلة والانهماك في المحسوسات، والألفة بها، وقصر النظر عليها، قال في "المفردات": الغطاء: ما يجعل فوق الشيء من لباس ونحوه، كما أنّ الغشاء كذلك، وقد استعير للجهالة، قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا ...﴾ الآية. وفيه إعلال بالإبدال، أصله؛ غطاي، أبدلت الياء همزةً لتطرفها إثر ألف زائدة.
﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ يقال: حددت السكين: رققت حدَّها، ثم يقال لكل حاد في نفسه من حيث الخلقة، أو من حيث المعنى، كالبصر والبصيرة، فيقال: هو حديد النظر، وحديد الفهم، ويقال: لسان حديد، نحو: لسان صارم وماض، وذلك إذا كان يؤثر تأثير الحديد.
﴿عَنِيدٍ﴾؛ أي: معاند للحق، وقال السدي: مشتق من العند، وهو عظم يعترض في الحلق، أو معجب بما عنده، كأنه من قولهم: عندي كذا، كما في "عين المعاني". وقال في "المفردات": العنيد: المعجب بما عنده، والمعاند: المتباهي بما عنده، والعنود؛ الذي يعند عن القصد؛ أي: يميل عن الحق، ويردُّه عارفًا به.
﴿مُعْتَدٍ﴾ من الاعتداء، وهو مجاوزة الحق؛ أي: متجاوز للحق ظالم.
﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: شاك في الله، وفي دينه. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ القرين هنا الشيطان المقيد له.
﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾؛ أي: لا يجادل بعضكم بعضًا عندي.
﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾؛ أي: على الطغيان في دار الدنيا في كتبي، وعلى ألسنة رسلي. ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أصله: مزيد بوزن مفعل بكسر العين مصدر ميمي، أو اسم مكان، نقلت حركة الياء فيه إلى الزاي، فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مدّ.
стр. 12672
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ لما فيه من وصف الشيء بوصف صاحبه؛ لأنّ المجد حال المتكلّم.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ والإضمار في موضع الإظهار، في قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ فإضمار الكافرين أولًا؛ للإشعار بتعيّنهم بما أسند إليهم من المقال، وأنه إذا ذكر شيء خارج عن سنن الاستقامة .. انصرف إليهم، إذ لا يصدر إلا عنهم، فلا حاجة إلى إظهار ذكرهم، وإظهارهم ثانيًا؛ للتسجيل عليهم بالكفر بموجبه.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ لاستبعاد البعث بعد الموت.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ مثل علمه تعالى بكلّيات الأشياء وجزئياتها بعلم من عنده كتاب محيط يتلقى منه كل شيء.
ومنها: الإضراب الانتقالي، من بيان شناعتهم السابقة، إلى بيان ما هو أشنع منه وأفظع، في قوله ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ وهو تكذيبهم للنبوّة الثابتة بالمعجزات الباهرة، فالأفظعية لكون الثاني تكذيبًا للأمر الثابت من غير تدبّر، بخلاف الأول، فإنه تعجّب.
ومنها: الإتيان بالكلمة المفيدة للتوقّع في قوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ إشعارًا بانهم علموا بعد علو شأنه، وإعجازه الشاهد على حقّيته، فكذّبوا به بغيًا وحسدًا.
ومنها: الإتيان بصيغة التفعيل في قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ لإفادة تكرير النزول.
ومنها: ذكر المحل وإرادة الحال في قوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾؛ أي: أشجارًا ذوات ثمرات، كما قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
стр. 12673
ومنها: حذف الموصوف، وإقامة صفته مقامه، في قوله: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ فحذف الموصوت للعلم به، وأصله: وحب الزرع المحصود.
ومنها: المجاز المرسل في قوله ﴿الْحَصِيدِ﴾ فإنه مجاز باعتبار الأول؛ لأنّ المعنى: وحبّ الزرع الذي شأنه أن يحصد.
ومنها: تخصيص إنباته بالحبّ في قوله: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾؛ لكونه المقصود بالذات.
ومنها: تخصيص النخل بالذِّكرِ في قوله ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ مع اندراجها في الجنات؛ لبيان فضلها على سائر الأشجار.
ومنها: توسيط الحبّ بين جنّات والنخل؛ لتأكيد استقلالها، وامتيازها عن البقية مع ما فيه من مراعاة الفواصل.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾؛ لأنّ النضيد في الأصل: السرير الذي ينضد عليه المتاع، فاستعير للطلع النضيد.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ شبه إحياء الموتى بإخراج النبات من الأرض الميتة.
وفيه أيضًا: تقديم الخبر للقصد إلى الحصر، كما في "أبي السعود".
ومنها: تنكير ﴿خَلْقٍ﴾ في قوله: ﴿خَلْقٍ جَدِيد﴾ لتفخيم شأنه، والإشعار بخروجه عن حدود العادات، أو الإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه، ويهتم بمعرفته، ولا يقعد على لبس.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ مثّل علمه تعالى بأحوال العبد، وبخطرات النفس بحبل الوريد القريب من القلب، وهو تمثيل للقرب بطريق الاستعارة، كقول العرب: هو منى مقعد القابلة، وهو منّي معقد الإزار.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ حيث شبه العرق بواحد من الحبال من حيث الهيئة، ثم استعار له اسمه.
стр. 12674
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أصله: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
ومنها: الطباق بين اليمين والشمال، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ حيث استعار لفظ السكرة للهول والشدة التي يلقاها المحتضر عند وفاته، بجامع إذهاب العقل في كلٍ، وإنما لم يجعل الموت استعارة بالكناية، ثمّ إثبات السكرة له، تخييلًا؛ لأنّ المقام أدعى للاستعارة التحقيقية. كذا في "روح البيان".
ومنها: التعبير عن وقوعها بالماضي، إيذانًا بتحقّقها، وغاية اقترابها، حتى كأنه قد أتت وحضرت، كما قيل: قد أتاكم الجيش؛ أي: قرب إتيانه.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ حيث استعار الغفلة للجهالة بجامع مَنْع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ حيث استعار الغطاء للغفلة عن أمور المعاد؛ لأنّ الغطاء حقيقة في كل ما يجعل فوق الشيء من لباس ونحوه، فاستعاره للغفلة والجهالة بجامع الستر في كلٍّ.
ومنها: الجناس الناقص بين: ﴿عَنِيدٍ﴾، و ﴿عَتِيدٌ﴾ لتغاير حرفي النون والتاء.
ومنها: توافق الفواصل والسجع اللطيف غير المتكلّف به، مثل: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾، ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ وهو من المحسنات البديعية لما فيه من جميل الوقع على السمع.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 12675
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر (١) الحوار بين الكافر وقرينه من الشياطين، واعتذار الكافر، ورد القرين عليه، وأنَّ الله سبحانه نهاهم عن الاختصام لديه؛ لأنه لا فائدة فيه بعد أن أوعدهم .. ذكر أن الجَنَّة تكون قريبة من المتقين، بحيث يرونها رأي العين، فتطمئن إليها نفوسهم، وتثلج لمرآها صدورهم، ويقال لهم: هذا هو الثواب الذي وعدتم به على ألسنة الأنبياء والرسل، وهو دائم لا نفاد له، ولا حصر فكل ما يريدون من لذة ونعيم فهو حاضر، ولهم فوق هذا رضوان من ربهم ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمَّا أنذرهم (٢) بما بين أيديهم من اليوم العظيم، والعذاب الأليم .. أنذرهم بما يعجل لهم في الدنيا من ضروب العذاب،