﴿سَاهُونَ﴾ قال الراغب: السهو: خطأ عن غفلة، وذلك ضربان:
أحدهما: أن لا يكون من الإنسان جوالبه ومولداته كمجنون سبَّ إنسانًا.
والثاني: أن يكون مولداته منه، كمن شرب خمرًا، ثم ظهر منه منكر لا عن قصد إلى فعله، والأول معفو عنه، والثاني مأخوذ به، وعلى الثاني ذمَّ الله تعالى فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١)﴾ انتهى. وقوله: ساهون جمع ساه، وفعله سها يسهو، فأصل ساهٍ: ساهو، قلبت واوه ياء لتطرفها إثر كسرة، ثم أعلت إعلال قاض، أما ساهون، فأصله: ساهيون، وعلى هذا استثقلت الضمة على الياء، فحذفت فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الهاء لمناسبة الواو، فوزنه فاعون.
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾؛ أي: يحرقون ويعذّبون بها، كما يفتن الذهب بالنار، يقال: فتنت الشيء؛ أي: أحرقت خبثه لتظهر خلاصته، فالكافر كله خبث، فيحرق كله، قال الراغب: أصل الفتن: إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ومنه: قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾؛ أي: عذابكم، وتارةً يسمون ما يحصل منه العذاب فتنةً، فيستعمل فيه نحو قوله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾. وتارة في الاختبار نحو قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
﴿قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ والهجوع: النوم بالليل دون النهار، وبابه خضع، والهجعة: النومة الخفيفة، ويقال: أتيت فلانًا بعد هجعة؛ أي: بعد نومة خفيفة من الليل، كما في "المختار".
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ جمع سحر بفتح السين وسكون الحاء: السدس الأخير من الليل لاشتباهه بالضياء، كالسحر يشبه الحق، وهو باطل.
﴿لِلسَّائِلِ﴾؛ أي: المستجدي الطالب العطاء.
﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ هو المتعفّف الذي يحسبه الجاهل غنيًا فيحرم الصدقة من أكثر الناس، وفي "القاموس": المحروم: الممنوع من الخير، ومن لا ينهى له مالٌ،
стр. 12742
وفي "المفردات"؛ أي: الذي لم يوسَّع عليه في الرزق، كما وسع على غيره، بل منع من جهة الخير. انتهى.
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ والضيف للواحد والجماعة؛ لأنه في الأصل مصدر كالزور والصوم، وفي "القاموس": والضيف للواحد والجميع، وقد يجمع على أضياف وضيوف وضيفان، وهي ضيف وضيفة، أما الضيفن: فهو من يجيء مع الضيف متطفلًا، وفي "الأساس": ضاف إليه مال إليه، وضاف عنه مال عنه، وضاف السهم عن الهدف، وضافت الشمس، وضيَّفت وتضيَّفت: مالت إلى الغروب.
﴿فَرَاغَ﴾ رغ ذهب في خفية، وهذا من أدب المضيف ليبادر ضيفه بقراه، وفي "المصباح": وراغ الثغلب روغًا من باب قال، وروغانًا: ذهب يمنةً ويسرةً في سرعة وخديعةٍ، فهو لا يستقر في جهة، وراغ فلان إلى كذا: مال إليه سرًّا، وفيه إعلال بالقلب، أصله: روغ قلبت الواو ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
﴿بِعِجْلٍ﴾ والعجل: ولد البقرة، سمّي بذلك لتصور عجلته التي تعدم منه إذا صار ثورًا أو بقرةً. ﴿سَمِينٍ﴾ والسمين: ضد الهزيل.
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ الوجس: الصوت الخفيّ كالإيجاس، وذلك في النفس، أي: أضمر في نفسه خيفة؛ أي: خوفًا منهم.
﴿لَا تَخَفْ﴾ أصله: لا تخوف بوزن تفعل، مضارع خوف بكسر العين من باب فعل المكسور، نقلت حركة الواو إلى الخاء فسكنت، لكنّها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال، ثمّ حذفت لالتقائها ساكنة مع الفاء آخر الفعل المسكّن؛ لدخول الجازم عليه.
﴿بِغُلَامٍ﴾ والغلام: الطار. الشارب، والكهل: ضده، أو من حين يولد إلى أن يشب كما في "القاموس".
﴿فِي صَرَّةٍ﴾ والصرة بفتح الصاد: الصيحة الشديدة، يقال: صر يصر صريرًا: إذا صوت، ومنه: صرير الباب، وصرير القلم، وقيل: الصرّة: الجماعة من
стр. 12743
الناس كما مرّ.
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض، يقال: صكه: إذا ضربه شديدًا بعريض، أو عام كما في "القاموس".
﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾؛ أي: أنا كبيرة السنّ، سميت العجوز عجوزًا؛ لعجزها عن كثير من الأمور، وقال في "القاموس": العقم بالضم: هزمة تقع في الرحم فلا تقبل الولد، وفي "عين المعاني": العقيم: من سد رحمها، ومنه: الداء العقام، كما مرّ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة التصريحية التبعيّة في قوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾؛ أي: لعن الكذّابون، حيث شبّه اللعن بالقتل بجامع ذوات كل خير في كل منهما، فاشتق من القتل بمعنى اللعن قتل بمعنى لعن علي طريقة الاستعارة التصريحية التبعيّة، ففيه تشبيه الملعون الذي يفوته كل خير وسعادة بالمقتول الذي تفوته الحياة، وكل نعمة. اهـ "زاده".
ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾؛ لأنّ السائل الطالب والمحروم المتعفّف.
ومنها: الكناية عن الموصوف في قوله: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾؛ لأنّه كناية عن محذوف، وهو المكذّب الجاحد للحق، والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ للرسول أو للقرآن؛ أي: يصرف عنه من صرف صرفًا لا أشدَّ منه ولا أعظم، وفائدة الكناية هنا: أنّه لمّا خصَّص هذا بأنه هو الذي .. صرف أفهم أن غيره لا يصرف، فكأنه قال: لا يثبت الصرف في الحقيقة إلا لهذا، وكل صرف دونه يعتبر بمثابة المعدوم بالنسبة إليه.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾؛ لأن الغمرة حقيقة في
стр. 12744
الماء الكثير الساتر لمقرّه، فاستعير للجهالة التي تغمر صاحبها.
ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾؛ لأنّ أصله: متى مجيء يوم الجزاء، فحذف المضاف الذي هو المصدر وأقيم المضاف إليه الذي هو الظرف، والاستفهام فيه للاستعجال استهزاءً لا للاستعلام.
ومنها: الاستعارة المكنيّة في قوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ شبّه العذاب بطعام يؤكل، ثم حذف المشبه به، واستعير له شيء من لوازمه، وهو الذوق.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾؛ لإفادة التعظيم أو التكثير.
ومنها: زيادة ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾؛ لتأكيد معنى التقليل، فإنها تكون لإفادة التقليل.
ومنها: بناء الفعل على الضمير المفيد للتخصيص، في قوله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ إشعارًا بأنهم الأحقاء بأن يوصفوا بالاستغفار، كأنهم المختصون به لاستدامتهم له، وإطنابهم فيه، وفي "بحر العلوم": وتقديم الظرف فيه للاهتمام به، ولرعاية الفاصلة.
ومنها: تأكيد الخبر بالقسم وإن واللام في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ لكون المخاطب منكرًا، ويسمّى هذا الضرب إنكاريًا.
ومنها: ذكر لفظ الربّ في القسم دون غيره، لكون السياق في بيان التربية بالرزق.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾؛ لأنّه شبه تحقق ما أخبر به عنه بتحقق نطق الآدميّ، ومعناه: إنّه لحق كما أنت تتكلم.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾؛ أي: ألم يأتك حديث ... إلخ. فالاستفهام فيه تقريريّ لتفخيم الحديث، ولتجتمع نفس المخاطب، كما تبدأ المرء إذا أردت أن تحدثه بعجيب، فتقرره هل سمع ذلك أم لا، فكأنك تقتضي أن يقول: لا، ويطلب منك الحديث.
стр. 12745
ومنها: الحذف في قوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ وقد اختلف في تقرير المبتدأ لمحذوف، فقيل: إنّ الذي يناسب حال إبراهيم ﵇: أنه لا يخاطبهم بذلك، إذ فيه من عدم الأنس ما لا يخفى، بل يظهر أنه يكون التقدير: هؤلاء قوم منكرون.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ فإنّه قد سمّى الغلام عليمًا باعتبار ما يؤول إليه أمره إذا كبر.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الثامن والعشرون»
стр. 12748
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 12749
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٢٨]
стр. 12750
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 12751
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على نواله، والصلاة والسلام على نبيّه وآله، محمد ﷺ وصحبه وعترته.
أما بعد: فلمَّا فرغت من تفسير الجزء السادس والعشرين من القرآن الكريم .. تفرغت بعون الله تعالى لتفسير الجزء السابع والعشرين منه، مستمِدًّا من الله سبحانه التوفيق، والهداية لأقوم الطريق في تفسير كتابه الكريم، وأقول: وقولي هذا:
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾.
المناسبة
قد تقدّم أن قلنا غير مرة: إن الذين قسموا القرآن إلى أجزائه الثلاثين نظروا
стр. 12752
إلى العد اللفظي، ولم يعنوا بالنظر إلي الترتيب المعنوي، ومن ثم تجد جزءًا قد انتهى، وبدىء بآخر بأثناء القصّة كما هنا.
فبعد أن بشر الملائكة إبراهيم ﵇ بالغلام، سألهم ما شأنكم، وما الذي جئتم لأجله؟ قالوا: إنا أرسلنا إلي قوم لوط لنهلكهم بحجارة من سجيل، بها علامةٌ تدل على أنها أعدّت لأهلاكهم. ثم نأمر من كان فيها من المؤمنين بالخروج، من القرية حتى لا يلحقهم العذاب الذي سيصيب الباقين، وسنترك فيها علامةً تدل على ما أصابهم من الرجز، جزاء فسوقهم، وخروجهم من طاعة ربهم.
قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر (١) ما كان من قوم لوط من الفسوق والعصيان، وما أصابهم من الهلاك جزاءً وفاقًا لما اجترحوا من السيئات، تسليةً لرسوله ﷺ على ما يرى من قومه .. عطف على ذلك قصص جمع آخرين من الأنبياء لقوا من أقوامهم من الشدائد مثل ما لقي هذا الرسول الكريم.
فحقت على أقوامهم كلمة ربّهم، ونزل بهم عذاب الاستئصال، وصاروا كأمس الدابر عبرة ومثلًا للآخرين. فذكر أنه أرسل موسي إلي فرعون بشيرًا ونذيرًا، فأبى، واستكبر، واعتزّ بقوّته وجنده، وقال: أنا ربكم الأعلى، فأغرق هو وقومه في البحر. وأرسل هودًا إلى عادٍ، فكذَّبوه، فأهلكهم بريح صرصرٍ عاتية. وأرسل صالحًا إلى ثمود، فكذّبوه، فأخذتهم الصاعقة، ولم تبق منهم أحدًا. وبعث نوحًا إلى قومه، فلم يستجيبوا لدعوته، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما أثبت الحشر، وأقام الأدلة على أنه كائن لا محالة، أرشد إلى وحدانية الله، وعظيم قدرته .. فبيّن أنه خلق السماء بغير عمد، وبسط الأرض ودحاها لتصلح لسكنى الإنسان والحيوان , وخلق من كل نوع من أنواع الحيوان، زوجين ذكرًا وأنثى، ليستمرّ بقاء الأنواع إلي أن يشاء الله سبحانه فناء هذا العالم. ثمّ أمرهم أن يعتصموا بحبل الله، وأنذرهم شديد عقابه، وحذّرهم أن يجعلوا مع الله
стр. 12753
سبحانه ندًّا وشريكًا.
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمَّا ذكر أنَّ هؤلاء المشركين في قول مختلف، مضطرب، لا يلتئم بعضه مع بعض، فبينما هم يقولون: خالق السموات والأرض هو الله، إذا هم يعبدون الأصنام والأوثان، وطورًا يقولون: محمد ساحر، وطورا آخر يقولون: هو كاهن، إلى نحو ذلك .. قفى على ذلك، بأن ذكر أنَّ قومه ليسوا بدعًا في الأمم. فكما كذَّبت قريش نبيها فعلت الأمم التي كذبت رملها، فأحل الله بهم نقصته، كقوم نوح، وعاد، وثمود. ثم عجيب من حالهم، وقال: أتواصى بعضهم مع بعض بذلك!؟ ثم قال: لا بل هم قوم طغاة، متعدون حدود الله تعالى، لا يأتمرون بأمره، ولا ينتهون بنهجه. ثم أمر رسوله أن يعرض عن جدلهم ومرائهم. فإنه قد بلغ ما أمر به، ولم يقصر فيه فلا يلام على ذلك، وأن يذكر من تنفعه الذكرى، ولديه استعداد لقبول الإرشاد والهداية.
ثم أردف هذا أن ذكر أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليأمرهم، ويكلفهم بعبادته، لا لاحتياجه إليهم في تحصيل رزق، ولا إحضار طعام. فالله هو الرزّاق ذو القوّة. ثم ختم السورة بتهديد أهل مكة، بأنه سيصيبهم من العذاب مثل ما أصاب من قبلهم من الأمم السالفة. فأولى لهم أن لا يستعجلوه بقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فقد حقت عليهم كلمة ربك في اليوم الذي يوعدون، وسيقع عليهم من العذاب ما لا مرد له، ولا يجدون له دافعًا.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ سبب نزول هاتين الآيتين (١): ما أخرجه ابن منيع، وابن راهويه، والهيثم بن كليب بأسانيدهم من طريق مجاهد عن عليّ قال: لمَّا نزلت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة إذ أمر النبي ﷺ أن يتولى منّا، فنزلت: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾، فطابت أنفسنا.
стр. 12754
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أنه لما نزلت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ...﴾ الآية، اشتد على أصحاب رسول الله ﷺ ، ورأوا أن الرحي قد انقطع، وأنَّ العذاب قد حضر. فأنزل الله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٣١ - ﴿قالَ﴾ إبراهيم ﵇ لمَّا علم أنهم ملاتكة أرسلوا لأمر ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ أي: فما شأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة. فإنَّ الخطب يستعمل في الأمر العظيم الذي يكثر في التخاطب، وقلما يعبر به عن الشدائد والمكاره، حتى قل: خطوب الزمان، ونحو هذا. والفاء (١) فيه للتعقيب المتفرع على العلم بكونهم ملائكة.
﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ من جهة الله .
وقال الشوكاني: قوله: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ جملة (٢) مستأنفة جوابًا عن سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم بعد هذا القول من الملائكة؟ والخطب: الشأن والقصة.
والمعنى: فما شأنكم وما قصتكم أيّها المرسلون من جهة الله تعالى، وما ذاك الأمر الذي لأجله أرسلتم سوى هذه البشارة؟ انتهى.
وفي "المراح": (٣) فما أمركم العظيم الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة، فلعظمتكم لا ترسلون إلا في عظيم أيها المرسلون، فأتى إبراهيم ﵇ بما هو من آداب المضيف، حيث يقول لضيفه إذا استعجل في الخروج: ما هذه العجلة، وما شغلك الذي يمنعنا من التشرف بالاجتماع معك؟ ولا يسكت عند خروجهم لأنّ سكوته يوهم استثقالهم، انتهى.
٣٢ - فأجابوه عمّا سأل حيث: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾؛ أي: إلى قوم متمادين في إجرامهم وآثامهم مصرّين عليها. والمراد بهم: قوم لوط.
стр. 12755
وفي "فتح الرحمن": المجرم فاعل الجرائم، وهي صعاب المعاصي.
٣٣ - ﴿لِنُرْسِلَ﴾؛ أي: لننزل ﴿عَلَيْهِمْ﴾ من السماء ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ متحجّر كالآجرّ. وهو ما طبخ فصار في صلابة الحجارة، ومو السّجيل، يعني: (١) أنّ السّجيل حجارةٌ من طين طبخت بنار جهنم، مكتوب عليها أسماء القوم، ولو لم يقل: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ لتوهّم أنّ المراد من الحجارة: البرد بقرينة إرسالها من السماء، فلمّا قيل: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ اندفع ذلك الوهم؛ أي: لنرسل عليهم حجارة من طين بعدما قلبنا قراهم، وجعلنا عاليها سافلها.
قال السديّ ومقاتل: كانوا ست مئة ألف، فأدخل جبرائيل جناحه تحت الأرض فاقتلع قراهم - وكانت أربعة - ورفعها حتى سمع أهل السماء أصواتهم، ثم قلبها بأن جعل عاليها سافلها. ثم أرسل عليهم الحجارة فتتبعت الحجارة مسافريهم وشذاذهم؛ أي: المنفردين عن الجماعة.
٣٤ - وانتصاب (٢) ﴿مُسَوَّمَةً﴾ على كونه صفة ثانية لـ ﴿حِجَارَةً﴾، أو على الحال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، أو من الحجارة لكونها قد وصفت بالجار والمجرور. ومعنى ﴿مُسَوَّمَةً﴾: مرسلةً من عند ربك من سوّمت الماشية؛ أي: أرسلتها لترعى لعدم الاحتياج إليها. قال سعديٌ المفتي: فيه أنّ الظاهر حينئذٍ من عند ربك بإثبات من الحجارة، انتهى. أو معلمةً بعلامات تعرف بها، من السومة وهي العلامة، قيل: كانت مخططة بسواد وبياض، وقيل: بسواد وحمرة، وقيل: معروفة بأنها حجارة العذاب. وقيل: معلّمة بسيما تتميّز بها عن حجارة الأرض. وقيل: مكتوب على كل حجر منها اسم من يرمى بها ويهلك.
وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ظرف لـ ﴿مُسَوَّمَةً﴾؛ أي: معلّمة عنده، أو مخزونةً عنده في خزائنه التي لا يتصرّف فيها غيره تعالى. ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: للمجاوزين الحدَّ في الفجور؛ إذ لم يقنعوا بما أبيح لهم من النساء للحرث، بل أتوا الذكران. وعن ابن عباس ﵄: ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: للمشركين، فإنَّ الشرك أسرف الذنوب وأعظمها.
стр. 12756
٣٥ - ولمّا أراد سبحانه أن يهلك المجرمين .. ميّز عنهم المؤمنين، وأبعدهم عنهم كما قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ الفاء: عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فباشروا ما أمروا به. فأخرجنا بقولنا: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ...﴾ إلخ. فهو إخبار من الله سبحانه، وليس بقول الملائكة. ﴿مَنْ كَانَ فِيهَا﴾؛ أي: في قرى قوم لوط. وهي خمس على ما في تفسير الكاشفي. وإضمارها (١) بغير ذكرها لشهرتها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من آمن بلوط
٣٦ - ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا﴾؛ أي: في قرى قوم لوط ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ أي: غير أهل بيت واحد. وهو بيت لوط ﴿بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قيل: هم لوط، وابنتاه. وأما امرأته فكانت كافرة. وقيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر. قال العلماء (٢): يأتي النبي يوم القيامة ومعه أمّتة، وآخر معه قومه، وآخر معه رهطه، وآخر معه ابنه، وآخر معه رجل، وآخر استتبع ولم يتبع، ودعا فلم يجب، وذلك لإتيانه في الوقت الشديد الظلمة.
وفي الآية: إشارة إلى أن المسلم والمؤمن متحدان صدقًا وذاتًا لا مفهومًا. والمسلم أعمُّ من المؤمن. فإنّه ما من مؤمن إلا وهو مسلم من غير عكس، والعامّ والخاص قد يتصادقان في مادّة واحدة، وقال بعضهم: الإيمان: هو التصديق بالقلب: أي: إذعان الحكم المخبر، وقبوله، وجعله صادقًا، والإِسلام: هو الخضوع والانقياد بمعنى قبول الأحكام والإذعان. وهذا حقيقة التصديق كما لا يخفى على من له أدنى عقل وتأمل، وإنكار ذلك مكابرة.
٣٧ - ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا﴾ أي: في تلك القرى ﴿آيَةً﴾؛ أي: علامةً دالةً، على ما أصابهم من العذاب. هي تلك الحجارة، أو ماء أسود منتن خرج من أرضهم. ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾؛ أي: من شأنهم أن يخافوه لسلامة فطرتهم ورقّة قلوبهم، دون من عداهم من ذوي القلوب القاسية، فإنهم لا يعتدون بها, ولا يعدونها آيةً. كما شاهدَنا أكثر الحجاج حين المرور بمدائن صالح ﵇.
وكان ﷺ يبكي حين المرور بمثل هذا الموضع، وينكس رأسه، ويأمر بالبكاء والتباكي، ودلت الآية على كمال قدرته تعالى على إنجاء من يؤيّد دينه، والانتقام من أعدائه ولو بعد حين، وعلى أنّ المعتبر في باب النجاة والحشر مع أهل الفلاح
стр. 12757
والرشاد هو حبّهم، وحسن اتباعهم، وهو الاتصال المعنوي لا الاختلاط الصوري، وإلا لنجت امرأة نوح ولوط. وقد قال تعالى في حقهما: ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.
ومعنى الآيتين (١): أي وبعد أن ذهبت رسلنا إلى قوم لوط، ووقعت بينهم وبينهم محاورات .. أخرجوا من كان في القرى من المؤمنين تخليصًا لهم من العذاب، ولم يجدوا فيها سوى بيت واحد أسلم وجهه لله ظاهرًا وباطنًا، وانقاد لأوامره، واجتنب نواهيه.
وهو بيت لوط بن هاران أخ إبراهيم ﵇. ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً ...﴾ إلخ، أي: وجعلناها عبرة بما أنزلنا بها من العذاب والنكال، وحجارة السجيل، وخسف الأرض بهم حتى صارت قريتهم بحيرة منتنة خبيثة. وهي بحيرة طبرية لتكون ذكرى لمن يخشى الله، ويخاف عذابه.
وفي الآية: إيماء إلى أنّ الكفر متى غلب، والفسق إذا انتشر، لا تنفع معه عبادة المؤمنين، أمّا إذا كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة، وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويفجرون .. فإن الله لا يأخذ الكثرة الصالحة بذنب العدد القليل من الفاجرين.
٣٨ - وقوله: ﴿وَفِي مُوسَى﴾ معطوف (٢) على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ على معنى وجعلنا في إرسال موسى إلى فرعون، وإنجائه مما لحق فرعون وقومه من الغرق آية. كقوله: "علفتها تبنًا وماءً باردًا: أي: وسقيها ماءً باردًا، وإلا فقوله ﴿فِي مُوسَى﴾ لا يصح كونه معمولًا لـ ﴿تركنا﴾. إذ لا يستقيم أن يقال: تركنا في موسى آيةً، كما يصح أن يقال: تركنا في تلك القرية آيةً. لأنّ الترك ينبىء عن الإبقاء، فإذا لم يبق موسى كيف يبقى ما جعل فيه؟ وقيل: معطوف على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾. فقصة إبراهيم ولوط ﵉ معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه تسلية لرسول الله ﷺ من تكذيبهم، ووعدًا له بإهلاك أعدائه الأفاكين. كما أهلك قوم لوط. وقيل: غير ذلك. والأول أولى.
стр. 12758
وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ﴾ ظرف لـ ﴿جَعَلْنَا﴾ المقدّر؛ أي: وجعلنا في إرسال موسي، وإنجائه مع قومه، وإهلاك فرعرن وقومه آية للذين يخافون العذاب الأليم وقت إرسالنا إيّاه. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ صاحب مصر حال كون موسى متلبسًا ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحجة واضحة ظاهرة دالة على صدقه. وهو ما ظهر على يديه من المعجزات الباهرة: كالعصا، واليد البيضاء، وغيرهما. والسلطان مصدر يطلق على المتعدد.
٣٩ - ﴿فَتَوَلَّى﴾ فرعون ﴿بِرُكْنِهِ﴾؛ أي: ثنى بعطفه وجانبه. وهو كناية عن الإعراض؛ أي: فأعرض عن الإيمان به وازورَّ، فالتولي بمعنى الإعراض، والباء في ﴿بِرُكْنِهِ﴾ للتعدية كما في قوله: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. فإنها معدية لـ ﴿نَأَى﴾ بمعنى بعد. فيكون الركن بمعنى الطرف والجانب، والمراد بهما: نفسه؛ أي: أعرض بنفسه عن الإيمان بموسى. فإنه كثيرًا ما يعبر بطرف الشيء وجانبه عن نفسه، وفي "الصحاح": ركن الشيء جانبه الأقوى كالمنكب بالنسبة إلى الإنسان. وقيل: فتولى بما يتقوى به من ملكه وعساكره. فإنّ الركن اسم لما يركن إليه الإنسان، ولكن من مال، وجند، وقوة، فالركن مستعار لجنوده تشبيهًا لهم بالركن الذي يتقوى به البنيان، وعلى هذا الباء للسببية، أو للملابسة والمصاحبة.
﴿وَقَالَ﴾ فرعون في حق موسى هو؛ أي: موسى ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ فردد فيما رآه من أحوال موسى بين كونه ساحرًا أو مجنونًا، وهذا (١) من اللعين مغالطة وإبهام لقومه, فإنه يعلم أن ما رآه من الخوارق لا يتيسر على يد ساحر، ولا يفعله من به جنون، وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو, لأنّه قد قال ذلك جميعًا، ولم يتردد. قاله المؤرج والفراء كقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾.
٤٠ - ﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾؛ أي: أخذنا فرعون ﴿وَجُنُودَهُ﴾؛ أي: قومه وعساكره ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: فطرحناهم في بحر القلزم مع كثرتهم، كما يطرح أحدكم فيه حصيات أخذهن في كفه، لا يبالي بها، وبزوالها عنه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾؛ أي: أخذناه، والحال أنه آت بما يلام عليه صغيرةً أو كثيرةً، حيث كذب الرسل، وادعى الربوبية, إذ كل صاحب ذنب ملوم على مقدار ذنبه.
стр. 12759
والمعنى (١): أي وفي قصص موسى عبرة لقوم يعقلون؛ إذ أرسلناه إلى فرعون بحجج ظاهرةٍ، وآيات باهرة فأعرض، ونأى, وكذب ما جاء به معتزًّا بجنده، وقوته، وجبروته. وقال حينًا تحقيرًا لشأن موسى: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، وقال حينًا آخر: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. وما مقصده من هذا إلا صرفهم عن النظر والتأمّل فيما جاء به من الآيات خوفًا على ملكه أن ينهار، وعلى دولته أن يلحقها الدماء، وإبقاء على ما له من النفوذ والسلطان في البلاد.
ثم ذكر جزاءه هو وقومه على ما صنع، فقال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ ...﴾ إلخ؛ أي: فألقينا فرعون وجنوده في البحر، وهو آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان. وفي هذا إيماء إلى عظمة القدرة على إذلال الجبابرة، وسوء عاقبتهم جزاء عتوهم واستكبارهم وعصيانهم أمر خالقهم.
٤١ - ثم ذكر قصص عاد، فقال: ﴿وَفِي عَادٍ﴾؛ أي (٢): وجعلنا في عاد قوم هود آيةً على تقدير كونه معطوفًا على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَة﴾، أو وفي قوم هود ﴿آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ إن كان معطوفًا على ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ ظرف لـ ﴿جعلنا﴾ المقدر ﴿عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: على أنفسهم أصالة، وعلى دورهم وأموالهم وأنعامهم تبعًا. ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾؛ أي: المعقم. أي: المهلك لكل شيء، أو العاقم: أي: القاطع لكل خير. وهي التي لا خير فيها ولا بركة، لا تلقح شجرًا، ولا تحمل مطرًا إنما هي ريح الإهلاك والعذاب، وفي "بحر العلوم": ولعله سمّاها عقيمًا لأنّها كانت سبب قطع الأرحام من الولادة بإهلاكها إيّاهم، وقطعها دابرهم، وهي ريح العذاب والهلاك، وهي (٣) النكباء على قول عليّ ﵁. وهي التي انحرفت ووقعت بين ريحين، أو بين الصبا والشمال، وهو الدبور على قول ابن عباس ﵄. ويؤيده قوله ﷺ : "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". وهي ريح تقابل الصَّبا. أي: ريح تجيء من جانب المغرب. فإنَّ الصَّبَا تجيء من جانب المشرق. وقال ابن المسيب: الريح العقيم: هي الجنوب مقابل الشمال. وهي ريح تجيء من شمال من يتوجه إلى المشرق. وهي كثيرة في فصل الشتاء، وآخر فصل الخريف.
стр. 12760
٤٢ - ثم وصف سبحانه هذه الريح، فقال: ﴿مَا تَذَرُ﴾؛ أي: ما تترك تلك الريح ﴿مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: مرَّت عليه من أنفسهم، وأنعامهم، وأموالهم ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي: كالشيء البالي المتفتت. والرميم: كل ما رم، وبلي، وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك، وقال قتادة (١): الرميم: ما ديس من يابس النبات. وقال السديُّ، وأبو العالية: إنه التراب المدقوق. وقال قطرب: إنه الرماد. وأصل الكلمة: من رم العظم إذا بلي، فهو رميم. والرمة: العظام البالية كما سيأتي.
وعن ابن عباس ﵄: ما أرسل على عاد من الريح إلا مثل خاتمي هذا. يعني: أنّ الريح العقيم تحت الأرض، فأخرج منها مثل ما يخرج من الخاتم من الثقب، فأهلكهم الله تعالى.
والمعنى (٢): أي وفي عاد آية لكل ذي لب. إذ أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا عاتية لم تبق منهم ديَّارًا، ولا نافخ نار، ولا تركت شيئًا من الأبنية والعروش إلا جعلته كالشيء الهالك البالي.
٤٣ - ثم ذكر قصص ثمود فقال: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾؛ أي: وجعلنا في ثمود قوم صالح آيةً، أو وفي قوم صالح آيات للموقنين. وقوله: ﴿إِذْ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿جعلنا﴾؛ أي: جعلنا فيهم آية وقت إذ ﴿قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا﴾؛ أي: انتفعوا بالحياة الدنيا ﴿حَتَّى حِينٍ﴾؛ أي: إلى وقت نزول العذاب. وهو آخر ثلاثة أيّام الأربعاء، والخميس، والجمعة. فإنهم عقروا الناقة يوم الأربعاء، وهلكوا بالصيحة يوم السبت. وقد فسر بقوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾. قيل: قال لهم صالح ﵇: تصبح وجوهكم غدًا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب، فكان كذلك.
وإنما (٣) تبدلت ألوانهم بما ذكر؛ لأنهم كانوا كل يوم في الترقي إلى سوء الحال. ولا شك أنّ الأبيض يصير أصفر ثم أحمر ثم أسود. والسواد من ألوان الجلال والقهر، وأيضًا لون جهنم، فإنّها سوداء مظلمة، فعند الهلاك صاروا إلى لون جهنم لأنّها مقرّهم، ونعوذ بالله منها.
стр. 12761
٤٤ - ﴿فَعَتَوْا﴾ أي: استكبروا ﴿عَنْ﴾ امتثال ﴿أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ وهو ما أمروا به على لسان صالح ﵇ من قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾. والفاء ليست للعطف على ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾. فإنّ العتوّ لم يكن بعد التمتع، بل قبله. وإنما هو تفسير وتفصيل لما أجمله في قوله: ﴿وَفِي ثَمُودَ ...﴾ إلخ. فإنّه يدلّ إجمالًا على أنه تعالى جعل فيهم آيةً، ثم بين وجه الآية وفصّلها.
قال في "شرح الرضيّ": إنّ الفاء العاطفة للجمل قد تفيد كون المذكور بعدها كلامًا مرتّبًا على ما قبلها في الذكر, لأنّ مضمونها عقيب مضمون ما قبلها في الزمان، انتهى.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾؛ أي: أهلكتهم النار النازلة من السماء ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم ينظرون إليها، ويعاينونها. لأنّهم جاءتهم معاينة بالنهار، فينظرون من النظر بالعين. وفيه ترجيح لكون المراد بالصاعقة: حقيقة النار. لأنّها حين ظهرت رأوها بأعينهم، والصيحة لا ينظر إليها، وإنما تسمع بالأذن. والظاهر: أنّ الصاعقة لا تنافي أن يكون معها صيحة جبرئيل. وقيل: هو الانتظار؛ أي: ينتظرون ما وعدوا به من العذاب، حيث شاهدوا علامات نزوله من تغيّر ألوانهم في تلك الأيّام. ويقال: سمعوا الصيحة وهم ينظرون: أي: يتحيّرون.
وقرأ الجمهور (١): ﴿الصَّاعِقَةُ﴾. وقرأ عمر، وعثمان ﵄، وحميد، وابن محيصن، ومجاهد، والكسائي، وزيد بن علي ﴿الصعقة﴾. قيل (٢): لمَّا رأوا العلامات التي بيَّنها صالح من اصفرار وجوههم، واحمرارها، واسودادها عمدوا إلى قتله ﵇ فنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة اليوم الرابع تحنطوا، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة جبرئيل ﵇ كما صرح بها في قوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة﴾. فهلكوا. فالمراد بالصاعقة: الصيحة لا حقيقتها. وهي نار تنزل من السماء فتحرق ما أصابته. وقيل: أتتهم صيحة من السماء، فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم. وقال بعضهم: أهلكوا بالصاعقة حقيقة بأن جاءت نار من السماء
стр. 12762
فأهلكتهم جميعًا، كما مرَّ.
والمعنى (١): أي وفي ثمود عظة لمن تدبر، وفكر في آيات ربّه؛ إذ قال لهم نبيهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾. ثم يحل بكم من العذاب ما لا قبل لكم به، فكذبوه، واستكبروا، وعتوا عن أمر ربهم. فأرسل عليهم صاعقة من السماء أهلكتهم جميعًا، وهم ينظرون إليها جزاء ما اكتسبت أيديهم من الآثام، وارتكاب الخطايا، والأوزار.
٤٥ - ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾؛ أي: لم يقدروا على القيام. قال قتادة: من نهوض يعني: لم ينهضوا من تلك الصرعة. والمعنى: أنهم عجزوا عن القيام فضلًا عن الهرب. ومثله قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾؛ أي: لاصقين بمكانهم من الأرض، لا يقدرون على الحركة والقيام فضلًا عن الهرب. فالقيام ضد القعود.
﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾؛ أي: ممتنعين من عذاب الله بغيرهم كما لم يمتنعوا بأنفسهم.
والخلاصة: فما استطاعوا من هرب، ولم يجدوا مفرًّا ولا نصيرًا يدفع عنهم عذاب الله تعالى.
٤٦ - ثم ذكر موجزًا لقصص قوم نوح ﵇، فقال: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أي: وأهلكنا قوم نوح، فإنَّ ما قبله يدل عليه. ويجوز أن يكون منصوبًا باذكر المقدر. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هؤلاء المهلكين ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إنّ قوم نوح ﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾؛ أي: خارجين عن الحدود فيما كانوا فيه من الكفر والمعاصي. وهو علة لإهلاكهم.
والمعنى: وأهلكلنا قوم نوحٍ بالطوفان قبل هؤلاء المذكورين بسبب فسقهم، وفجورهم، وانتهاكهم حرمات الله تعالي. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ بالجر عطفًا علي ما تقدم؛ أي: وفي قوم نوح آية. وهي قراءة عبد الله وقرأ (٢) باقي السبعة، وأبو عمرو في رواية بالنصب. قيل: عطفًا على الضمير في ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾. وقيل: عطفًا على ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾؛ لأنَّ معنى كل منهما فأهلكناهم.
стр. 12763
وقيل: منصوب بإضمار فعل، تقديره: وأهلكنا قوم نوح. لدلالة معنى الكلام عليه. وقيل: باذكر مضمرة. وروى عبد الوارث، ومحبوب، والأصمعيّ عن أبي عمرو، وأبو السمال، وابن مقسم ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ بالرفع على الابتداء. والخبر محذوف؛ أي: أهلكناهم.
٤٧ - والنصب في قوله (١): ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ على الاشتغال؛ أي: وبنينا السماء ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ حال كوننا متلبسين ﴿بِأَيْدٍ﴾؛ أي: بقوة وقدرة قاهرة. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: كقوله: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾. فهو (٢) حال من الفاعل أو حالة كون السماء متلبسة بقوة وإحكام، فيكون حالًا من المفعول. ويجوز أن تكون الباء للسببية: أي: بسبب قدرتنا، فتتعلق ببنيناها, لا بالمحذوف، والقوة هنا بمعنى القدرة. فإنّ القوة عبارة عن شدة البينة وصلابتها المضادة للضعف. واللأ تعالى منزه عن ذلك. والقدرة هي الصفة التي بها يتمكن الحي من الفعل وتركه بالإرادة. والأيد: مصدر: آد يئيد أيدًا إذا اشتد وقوي. قال في "القاموس": الآد: الصلب والقوة كالأيد، وأيدته مؤايدة، وأيدته تأييدًا فهو مؤيد قويته، انتهى. قال الراغب: ولما في اليد من القوة قيل: أنا يدك وأيدتك، قويت يدك اهـ.
﴿إِنَّا﴾ نحن ﴿لُموسِعونَ﴾؛ أي: لقادرون على إيساعها من الوسع بمعنى الطاقة. والموسع: القادر على الإنفاق. يقال: أوسع الله عليك؛ أي: أغناك. فيكون قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ حالًا مؤكدة، أو تذييلًا إثباتًا لسعة قدرته كل شيء فضلًا عن السماء. أو لموسعون السماء؛ أي: جاعلوها واسعة في نفسها، أو واسعون ما بينها وبين الأرض، أو واسعون الرزق فيها على خلقنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾.
وقرأ أبو السمال (٣)، ومجاهد، وابن مقسم برفع السماء، ورفع الأرض على الابتداء. وقرأ الجمهور نصبهما.
والمعنى: أي ولقد بنينا السماء ببديع قدرتنا، وعظيم سلطاننا، وإنا لقادرون
стр. 12764
على ذلك، لا يمسنا نصب ولا لغوب. وفي ذلك تعريض باليهود الذين قالوا: إنّ الله خلق السموات والأرض في ستّة أيّام، واستراح في اليوم السابع مستلقيًا على عرشه.
٤٨ - ﴿وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: وفرشنا الأرض ﴿فَرَشْنَاهَا﴾؛ أي: مهدناها، وبسطناها على الماء من تحت الكعبة مسيرة خمس مئة عام ليستقروا عليها, ويتقلبوا فيها كما يتقلب أحدهم على فراشه ومهاده. ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾؛ أي: فنعم الفارشون نحن. والمخصوص بالمدح محذوف كما قدرنا؛ أي: هم نحن، فحذف المبتدأ والخبر من غير أن يقوم شيء مقامهما.
وقد اختلف القدماء في هيئة الأرض وشكلها (١)، فذكر بعضهم أنها مبسوطة مستوية السطح في أربع جهات: المشرق، والمغرب، والجنوب، والشمال. وزعم آخرون أنها كهيئة المائدة، ومنهم من زعم أنها كهيئة الطبل، وذكر بعضهم أنها تشبه نصف الكرة كهيئة القبة، وأنّ السماء مركبة على أطرافها. وزعم قوم أن الأرض مقعرة وسطها كالجام. والذي عليه الجمهور أنَّ الأرض مستديرة كالكرة، وأنّ السماء محيطة بها من كل جانب إحاطة البيضة بالمح. فالصفرة بمنزلة الأرض، وبياضها بمنزلة السماء، وجلدها بمنزلة السماء الأخرى. غير أنَّ خلقها ليس فيه استطالة كاستطالة البيضة، بل هي مستديرة كاستدارة الكرة المستوية الخرط حتى قال مهندسوهم: لو حفر في الوهم وجه الأرض، لأدى إلى الوجه الآخر، ولو ثقب مثلًا ثقب بأرض الأندلس لنفذ الثقب بأرض الصين.
واختلف في كمية عدد الأرضين. فروي في بعض الأخبار: أنَّ بعضها فوق بعض. وغلظ كل أرض مسيرة خمس مئة عام، حتى عد بعضهم لكل أرض أهلًا على صفة وهيئة عجيبة. وسمى كل أرض باسم خاص كما سمى كل سماء باسم خاص. وزعم بعضهم أن في الأرض الرابعة حيات أهل النار، وفي الأرض السادسة حجارة أهل النار.
وعن عطاء بن يسار: في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال:
стр. 12765
في كل أرض آدم كآدمكم، ونوح مثل نوحكم، وإبراهيم مثل إبراهيمكم. وليس هذا القول بأعجب من قول الفلاسفة: إن الشموس شموس كثيرة، والأقمار أقمار كثيرة. ففي كل أقليم شمس وقمر ونجوم. وقال القدماء: سبع على المجاورة والملاصقة وافتراق الأقاليم لا على المطابقة والمكابسة. وأهل النظر من المسلمين يميلون إلى هذا القول. ومنهم من يقول: سبع على الانخفاض والارتفاع كدرج المراقي. ويزعم بعضهم أن الأرض مقسومة لخمس مناطق. وهي المنطقة الشمالية، والجنوبية، والمستوية، والمعتدلة، والوسطى.
واختلفوا في مبلغ الأرض، وكمّيتها. فروي عن مكحول أنه قال: ما بين أقصى الدنيا إلى أدناها مسيرة خمس مئة عام مئتان من ذلك في البحر، ومئتان ليس يسكنها أحد, وثمانون فيها يأجوج ومأجوج، وعشرون فيها سائر الخلق.
وعن قتادة قال: الدنيا أربعة وعشرون ألف فرسخ، فملك السودان - يعني: إفريقيا كلها منها - اثنا عشر ألف فرسخ، وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ، وملك العجم والترك ثلاثة آلاف فرسخ، ملك العرب ألف فرسخ. وعن عبد الله بن عمر ﵄: ربع من لا يلبس الثياب من السودان أكثر من جميع الناس. وقال بطليموس: بسيط الأرض كلها مئة واثنان وثلاثون ألف ألف وست مئة ألف ميل. فتكون مئتي ألف وثمانية وثمانين ألف فرسخ. فإن كان حقًا فهو وحي من الحق أو إلهام، وإن كان قياسًا واستدلالًا فهو قريب من الحق أيضًا. وأما قول قتادة، ومكحول فلا يوجب العلم اليقيني، الذي يقطع على الغيب، كذا في "خريدة العجائب". وكل هذه الأقاويل ظنية لا مستند لها ولا أصل.
والمعنى (١): أي ومهدنا الأرض وجعلناها صالحة لسكنى الإنسان والحيوان، وجعلنا فيها الأرزاق، والأقوات من الحيوان والنبات، وغيرهما مما يكفل بقاءهما إلى حين، ووضعنا فيها من المعادن في ظاهرها وباطنها ما فيه زينة لكم. فتبنون المساكن من حجارتها، وتتخذون العلي من ذهبها وفضتها وأحجارها الكريمة، وتصنعون آلات الحرب، والسفن، والطائرات من حديدها ومعادنها الأخرى.
стр. 12766
وفي الآية: إشارة إلى أنَّ دحو الأرض كان بعد خلق السماء؛ لأنّ بناء البيت يكون قبل الفرش، وهذا ما يثبته العلم الحديث الآن. وقد تقدم ذكر ذلك غير مرّة.
ثم مدح سبحانه نفسه على ما صنع، فقال: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾؛ أي: فنعم ما فعلنا، وأجمل ما خلقنا مما فيه عظة لمن يتذكر ويتدبر.
٤٩ - ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي: من أجناس الموجودات. فالمراد بالشيء: الجنس. وقيل: من الحيوان ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾؛ أي: صنفين ونوعين مختلفين كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، والصيف والشتاء، والبر والبحر، والسهل والجبل، والإنس والجن، والنور والظلمة، والأبيض والأسود، والدنيا والآخرة، والإيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والحق والباطل، والحلو والمر، والموت والحياة، والرطب واليابس، والجامد والنامي، والناطق والصامت، والجود والبخل، والعزّ والذلّة، والعرش والكرسي، واللوح والقلم، إلى غير ذلك مما لا يدخل تحت حصر.
وفي قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ تنبيه على أن الأشياء كلها مركبة من جوهر وعرض، ومادّة وصورة، وأن لا شيء يتحرى منها، إذ الأشياء كلها مركبة من تركيب يقتضي كونه مصنوعًا. وأنه لا بد له من صانع تنبيهًا على أنه تعالى هو الفرد وإنما ذكر هاهنا ﴿زَوْجَيْنِ﴾ تنبيهًا على أنه وإن لم يكن له ضد، ولا مثل فإنه لا ينفك من تركب صورة ومادة، وذلك زوجان. قال الخراز ﵀: أظهر معنى الربوبية والوحدانية بأن خلق الأزواج ليخلص له الفردانية.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: فعلنا ذلك كله من البناء، والفرش، وخلق الأزواج كي تتذكروا فتعرفوا أنه خالق الكل، ورازقه، وأنه المستحق للعبادة، وأنه قادر على إعادة الجميع. فتعملوا بمقتضاه.
والمعنى: أي وإنا خلقنا لكل ما خلقنا من الخلق ثانيًا له مخالفًا له في مبناه والمراد منه، وكل منهما زوج للآخر. فخلقنا السعادة والشقاوة، والهدى والضلال إلى غير ذلك لتتذكروا، وتعتبروا، فتعلموا أنَّ الله ربكم الذي ينبغي لكم أن تعبدوه وحده، لا شريك له، هو الذي يقدر على خلق الشيء وخلافه، وابتداع زوجين من كل شيء، لا ما لا يقدر على ذلك.
стр. 12767
٥٠ - ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ والفاء فيه فاء الفصيحة؛ أي: قل لهم يا محمد: إذا علمتم أن الله تعالى فرد لا نظير له، وأن هذه المذكورة شؤونه وأفعاله، فاهربوا إلى الله الذي هذه شؤونه بالإيمان والطاعة كي تنجوا من عقابه، وتفوزوا بثوابه. وقيل (١): معنى ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: أخرجوا من مكة. وقال الحسين بن الفضل: احترزوا من كل شيء غير الله، فمن فر إلى غيره .. لم يمتنع به. وقيل: فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن. وقيل: فروا من الجهل إلى العلم.
وجملة قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ﴾؛ أي: من جهته تعالى ﴿نَذِيرٌ﴾؛ أي: منذر مخوف من عذاب الله ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: بين كونه منذرًا منه تعالى بالمعجزات الظاهرة على يديه، أو مظهر لما يجب إظهاره من العذاب المنذر به. تعليل للأمر بالفرار.
وفي أمره (٢) للرسول ﷺ بأن يأمرهم بالهرب إليه من عقابه، وتعليله بأنّه ﷺ ينذرهم من جهته تعالى لا من تلقاء نفسه وعد كريم بنجاتهم من المهروب، وفوزهم بالمطلوب.
٥١ - وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ نهي موجب للفرار من سبب العقاب بعد الأمر بالفرار نفسه. فقد نهاهم عن الشرك بالله بعد أمرهم بالفرار إلى الله. كأنّه قيل: وفروا من أن تجعلوا معه تعالى اعتقادًا، أو تقولوا: إلهًا آخر. وجملة قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ﴾، أي: من الجعل المنهي عنه ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، أي: بيِّن الإنذار. تعليل للنهي المذكور. وفيه تأكيد لما قبله من الفرار من العقاب إليه تعالى، لا بطريق التكرير بل بالنهي عن سببه، وإيجاب الفرار منه. وفي "المراح": ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي: (٣) بل وحِّدوا الله سبحانه. فإنَّ التوحيد بين التعطيل والتشريك. فالمعطل يقول: لا إله. والمشرك يقول: إنّ في الوجود آلهةً. فقوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أثبت وجود الله. وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ نفي الأكثر من الواحد، فصح التوحيد بالآيتين؛ ولهذا قال مرتين: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: أي: لا أقول شيئًا إلا بدليل ظاهر. فالرسول نذير من الله في المقامين عند الأمر بالطاعة، وعند النهي عن الشرك. وذلك ليعلم أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان،
стр. 12768
وأنه لا يفوز عند الله إلا الجامع بينهما، انتهى.
وحاصل معنى الآيتين: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: (١) فالجؤوا إلى الله، واعتمدوا عليه في جميع أموركم، واتبعوا أوامره، واعملوا على طاعته. ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ﴾ من الله أنذركم عقابه، وأخوفكم عذابه الذي أحله بهؤلاء الأمم التي قص عليكم قصصها، وإني مبين لكم ما يجب عليكم أن تحذروه، ولا تجعلوا مع معبودكم الذي خلقكم معبودًا آخر سواه؛ فإنَّ العبادة لا تصلح لغيره، إني لكم نذير ومخوف من عقابه على عبادتكم غيره. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
٥٢ - وقوله: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ...﴾ إلخ (٢)، تسلية لرسول الله ﷺ ببيان أنَّ هذا شأن الأمم المتقدمة، وأنَّ ما وقع من العرب من التكذيب لرسول الله ﷺ ، ووصفه بالسحر والجنون قد كان عن قبلهم لرسلهم. و ﴿كَذَلِكَ﴾ في محل رفع، خبر لمبتدأ محذوف: أي: أمر الأمم السابقة عند مجيء الرسل إليهم مثل أمر كفّار قومك الذين بعثت إليهم من تكذيبهم إيّاك، وتسميتهم لك ساحرًا، أو مجنونًا. أو في محل نصب نعت لمصدر محذوف: أي: أنذركم إنذارًا كإنذار من تقدمني من الرسل الذين أنذروا قومهم. والأول أولى.
ثم فسر ما أجمله بقوله: ﴿مَا أَتَى﴾؛ أي: ما جاء الأمم ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل قريش ﴿مِنْ﴾ زائدة؛ أي: ﴿رَسُولٍ﴾ من رسل الله تعالى ﴿إِلَّا قَالُوا﴾ في حقه هو ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ فلا تأس على تكذيب قومك إيَّاك.
٥٣ - ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ الاستفهام فيه للإنكار والتعجيب من حالهم، واتفاقهم مع تفرق أزمانهم على تلك الكلمة الشنيعة التي لا تكاد تخطر ببال أحد من العقلاء فضلًا عن التفوه بها في حق الأنبياء؛ أي: هل وصى الأولون الآخرين بعضهم بعضًا بهذا القول، حتى اتفقوا عليه. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾؛ أي: مجاوزون الحد في الطغيان والفساد إضراب عن كون مدار اتفاقهم على الشر. تواصيهم بذلك لبعد الزمان وعدم تلاقيهم في وقت واحد. وإثبات لكونه أمرًا أقبح من التواصي، وأشنع منه. وهو الطغيان الشامل للكل الدال على أنّ صدور تلك الكلمة الشنيعة عن كل واحد منهم بمقتضى
стр. 12769
جبلته الخبيثة لا بموجب وصية من قبلهم بذلك من غير أن يكون ذلك مقتضى طباعهم.
وفيه (١) إشارة إلى أنَّ أرباب النفوس المتمردة من الأولين والآخرين مركوزة في جبلتهم طبيعة الشيطة من التمرد، والإباء، والاستكبار. فما أتاهم رسول من الأنبياء إلا أنكروا عليه، وقالوا: ساحر بريد أن يسحرنا، أو مجنون لا عبرة بقوله. كأنَّ بعضهم أوصى بعضهم بالتمرد، والإنكار، والجحود؛ لأنهم خلقوا على طبيعة واحدة. بل هم قوم طاغون بأنهم وجدوا أسباب الطغيان من السعة، والتنعم، والبطر، والغنى. قال الشاعر:
إِنَّ الشَّبَابَ وَالفَرَاغَ وَالْجِدَهْ ... مَقسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَهْ
فعكسوا الأمر، وكان ينبغي لهم أن يصرفوا العمر والشباب والغنى في تحصيل المطلوب الحقيقيّ.
والمعنى (٢): أي كما كذبك قومك من قريش, وقالوا: ساحر أو مجنون فعلت الأمم التي كذبت رسلها من قبلهم، وقالوا مثل مقالتهم. فهم ليسوا ببدع في الأمم، ولا أنت ببدع في الرسل. فكلهم قد كذبوا، وأوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله تعالى. وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ على احتمال الأذى والإعراض عن جدالهم؛ فإنهم قد أبطرتهم النعمة، وغرهم الإمهال فلا تجدي فيهم العظة، ولا تنفعهم الذكرى. ثم تعجب من إجماعهم على إنكار نبوة محمد ﷺ , فقال: أَأوْصَى أولهم آخرهم بتكذيب محمد ﷺ فقبلوا ذلك منهم. ثم أضرب عن أن الذي جمعهم على هذا القول هو التواصي إلى أنّ الذي جمعهم على ذلك هو الطغيان، فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾؛ أي: بل الذي جمعهم على ذلك هو الطغيان، وتجاوز حدود الدين والعقل. فقال متأخرهم: مثل مقالة متقدمهم. ثم سلى رسوله بقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾.
٥٤ - ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بالأعراض عنهم فقال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: أعرض عنهم، وكف عن جدالهم ودعائهم إلى الحق. فقد فعلت ما أمرك الله به،
стр. 12770
وبلغت رسالته، وكررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإباء والاستكبار ﴿فَمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِمَلُومٍ﴾ عند الله سبحانه على هذا التولي والإعراض بعد بذل المجهود؛ لأنك قد أديت ما عليك. وهذا منسوخ بآية السيف.
٥٥ - ثم بعدما أمره بالاعراض عنهم أمره بأن لا يترك التذكير والموعظة بالتي هي أحسن فقال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ قال الكلبي: أي: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم. وقال مقاتل: عظ كفار مكة، فإن الذكرى تنفع من سبق في علم الله أنه يؤمن. وقيل: ذكرهم بالعقوبة، وأيام الله. وخص المؤمنين بالذكير لأنّهم المنتفعون به.
والمعنى (١): فأعرض عنهم أيّها الرسول، ولا تأسَّف على تخلفهم عن الاسلام فإنك لم تأل جهدًا في الدعوة. وهم ما زادوا إلا عتوا واستكبارًا، وطغيانًا، وإعراضًا، ودم على العظة والنصح، فإنَّ الذكرى تنفع من في قلوبهم استعداد للهداية والرشاد.
٥٦ - وجملة قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ...﴾ إلخ (٢)، مستأنفة مقررة لما قبلها. لأنَّ كون خلقهم لمجرد العبادة مما ينشط رسول الله ﷺ للتذكير، وينشطهم للإجابة؛ أي؛ وما خلقت المؤمنين من الجن والإنس ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي، إلا ليطيعونني، ويعرفونني. قال القشيري: والآية دخلها التخصيص بالقطع؛ لأنَّ المجانين لم يؤمروا بالعبادة، ولا أرادها منهم. وقد قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة. فالآية محمولة على المؤمنين منهم. ويدل عليه قراءة ابن مسعود، وأبيِّ بن كعب ﴿وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون﴾.
وقال مجاهد: إنّ المعنى: إلا ليعرفوني. قال الثعلبيّ: وهذا قول حسن؛ لأنّه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده. وروي عن مجاهد أنه قال:
المعنى: إلا لآمرهم وأنهاهم ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. واختار هذا
стр. 12771
الزجاج. وقال الواحدي: مذهب أهل المعاني في معنى الآية: إلا ليخضعوا لي، ويتذللوا. ومعى العبادة في اللغة: الذل والانقياد. وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله تعالى، مذلل لمشيئته، خلقه على ما أراد، ورزقه كما قضى، لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه.
والحاصل (١): أنهم خلقوا للعبادة تكليفًا واختيارًا لا جبلة وإجبارًا. فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها، وعمل بما خلق له. وفي الحديث: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، كما في "عين المعاني".
فينبغي للعبد أن يعبد ربَّه، ويتذلل لخالقه بأيّ وجه كان من الفرائض، والواجبات، والسنن, والمستحبّات على الوجه الذي أمره أن يقوم فيه. فإذا كملت فرائضه، وكمالها فرض عليه، فيتفرغ فيما بين الفرضين لنوافل الخيرات كانت ما كانت. ولا يحقر شيئًا من عمله؛ فإنّ الله تعالى ما احتقره حين خلقه وأوجبه، فإنَّ الله تعالى ما كلَّفك بأمر إلا وله بذلك الأرم اعتناء وعناية، حتى كلفك به، وإذا واظب على أداء الفرائض؛ فإنه يتقرب إلى الله بأحب الأمور المقرّبة إليه. وورد في الخبر الصحيح عن الله تعالى: "ما تقرَّب إليَّ عبد بشيء أحب إلى مما افترضته، وما يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أُحبَّهُ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر، ريده التي بها يبطش، ورجله التي بها يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته".
روجه تقديم الجن على الإنس هاهنا تقدم وجودهم على الإنس (٢).
٥٧ - ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من الجن والإنس في وقت من الأوقات ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ لي، ولا لأنفسهم، ولا لغيرهم يحصّلونه بكسبهم. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ولا أنفسهم ولا غيرهم. وأصله: ﴿أن يطعموني﴾ بياء المتكلم. وهو بيان لكون شأنه تعالى مع عباده متعاليًا عن أن يكون كسائر السادة مع عبيدهم، حيث يهلكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم، وتهيئة أرزاقهم فإنَّ منهم من يحتاج إلى كسب
стр. 12772
عبده في نيل الرزق، ومنهم من يكون له مال وافر يستغني به عن حمل عبده على الاكتساب، لكنه يطلب من العبد قضاء حوائجه من طبخ الطعام، وإصلاحه، وإحضاره بين يديه. وهو تعالى مستغن عن جميع ذلك. ونفع العباد وغيره إنما يعود عليهم.
فإن قلت: ما فائدة تكرار لفظ ﴿مَا أُرِيدُ﴾؟
قلت: فائدته إفادة حكم زائد على ما قبله. إذ المعنى: ما أريد منهم أن يطعموا أنفسهم، وما أريد منهم أن يطعموا عبيدي. وإنما أضاف تعالى الإطعام إلى نفسه؛ لأنّ الخلق عياله وعبيده، ومن أطعم عيال غيره فكأنما أطعمه. ويؤيده خبر: إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: "يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني" أي: استطعمتك عبدي فلم تطعمه، انتهى من "فتح الرحمن".
والمعنى (١): ما أريد أن أصرفهم في تحمل رزقي, ولا رزقهم، ولا في تهيئته بل أتفضل عليهم رزقهم، وبما يصلحهم، ويعيشهم من عندي، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي. وفي الآية تعريض بأصنامهم؛ فإنّهم كانوا يحضرون لها المأكل فربما أكلتها الكلاب فبالت على الأصنام، ثم لا يصدهم ذلك عن عبادتها.
وهذه الآية دليل على أنّ الرزق أعم من الأكل (٢)، كما في تفسير المناسبات. وتال بعضهم: معنى ﴿أَنْ يُطْعِمُونِ﴾: أن يطعموا أحدًا من خلقي. إنما أسند الإطعام إلى نفسه؛ لأنّ الخلق عيال الله، ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. كما جاء في الحديث: يقول الله: "استطعمتك فلم تطعمني"؛ أي: لم تطعم عبدي. كما مرّ آنفًا. وذلك أنَّ الاستطعام وسؤال الرزق يستعمل في وصف الله.
٥٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ لا رازق سواه، ولا معطي غيره. فهو الذي يرزق مخلوقاته.
والجملة (٣): تحليل لعدم إرادة الرزق منهم. وهو من قصر الصفة على الموصوف؛ أي: لا رزاق إلا الله الذي يرزق كل ما يفتقر إلى الرزق. وفيه تلويح
стр. 12773
بأنه غني. ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ على جميع ما خلق. تعليل لعدم إرادته منهم أن يعملوا ويسعوا في إطعامه. لأنَّ من يستعين بغيره في أموره يكون عاجزًا لا قوة له. ﴿الْمَتِينُ﴾؛ أي: الشديد القوّة؛ لأنَّ القوة تمام القدرة، والمتانة: شدّتها. وهو بالرفع على أنه نعت للرزّاق، أو لذو، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. وفي التأويلات النجمية: إنّ الله هو الرزاق لجميع الخلائق، ذو القوة المتين في خلق الأرزاق والمرزوقين. وقد سبق أنَّ القوة في الأصل عبارة عن شدّة البينة، وصلابتها المضادة للضعف. والله تعالى منزه عن ذلك. فهي في حقه تعالى بمعنى القدرة التامّة.
وقرأ الجمهور (١): ﴿الرَّزَّاقُ﴾ بصيغة المبالغة. وقرأ ابن محيصن ﴿الرازق﴾ بميغة اسم الفاعل. كما قرأ ﴿وفي السماء رازقكم﴾ اسم فاعل، وهي قراءة حميد. وقرأ الجمهور ﴿الْمَتِينُ﴾ بالرفع. وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش بالجر صفة للقوة على معنى الاقتدار، قاله الزمخشري، أو كأنه قال: ذو الأيد. وقيل: التذكير لكون تأنيثها غير حقيقي. قال الفراء: كان حقه المتينة، فذكرها لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرم المحكم الفتل. يقال: حبل متين؛ أي؛ محكم الفتل. ومعنى المتين هنا: الشديد القوّة كما مرّ آنفًا. وأجاز أبو الفتح أن تكون صفة لذو. وخفض على الجوار كقولهم: هذا حجر ضبٍّ خربٍ.
والمعنى (٢): أنه تعالى غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم؛ لأنّه خالقهم، ورازقهم، وهو ذو القدرة القاهرة، والقوّة التامّة، الغالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلًا ولم أسد فقرك".
٥٩ - ولما أقسم سبحانه في أول السورة على الصدق في وعيدهم أخبر بإيقاع هذا الوعيد بهم يوم القيامة، فقال: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بتعريضها للعذاب بسب تكذب محمد ﷺ ، أو وضعوا مكان الصديق تكذيبًا، وهم أهل مكة. ﴿ذَنُوبًا﴾؛ أي: حظًّا وافرًا من العذاب ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾؛ أي: مثل أنصباء نظرائهم من
стр. 12774
الأمم الماضية المحكية. وهو (١) مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالذَّنوب. وهو الدلو العظيم المملوء. قال الشاعر:
لَنَا ذَنُوْبٌ وَلَكُمْ ذَنُوْبٌ ... فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَنَا الْقَلِيْبُ
والفاء في قوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فاء الفصيحة. لأنَّها أفصحت عن جواب شرط محذوف، تقديره: إذا عرفت حال الكفرة المتقدمين من عاد, وثمود، وقوم نوح وأردت بيان حال كفرة قومك فأقول لك: فإنَّ لهؤلاء المكذبين لك نصيبًا مثل نصيبهم. وعبر عن النصيب بالذنوب ليشبهه به في أنه يصب عليهم العذاب كما يصب الذنوب. قال تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ انتهى "من الفتوحات" بتصرف.
﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أصله: فلا يستعجلوني بياء المتكلم؛ أي: فلا يطلبوا منّي أن أعجل في المجيء به؛ لأنَّ له أجلًا معلومًا، فهو نازل بهم في وقته المحتوم. يقال: استعجله إذا طلب وقوعه بالعجلة.
والمعنى: فإنَّ للذين ظلموا أنفسهم باشتغالهم بغير ما خلقوا له من العبادة، وإشراكهم بالله ، وتكذيبهم رسوله نصيبًا من العذاب مثل نصيب نظرائهم من الأمم السالفة التي كذبت رسلها. فلا يطلبوا منى أن أعجل بالإتيان به، فإني لا أخاف الفوت، ولا يلحقني عجز. وهذا جواب عن قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وكان النضر بن الحارث يستعجل بالعذاب، فأمهل إلى بدر ثم قتل في ذلك اليوم، وصار إلى النار، فعذب أولًا بالقتل ثم بالنار.
٦٠ - ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ أي: فشدّة عذاب. ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بما جاء به محمد ﷺ وهم أهل مكة. ﴿مِنْ يَوْمِهِمُ﴾ من للتعليل؛ أي: من أجل يومهم ﴿الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ العذاب يه. وهو يوم بدر. وهو الأوفق لما تقدم من حيث إنه من العذاب الدنيوي أو يوم القيامة. وهو الأنسب لما في صدر السورة الآتية. وأيّا ما كان فالعذاب آت، وكل آت قربب. ووضع الموصول موضع ضميرهم تسجيلًا عليهم بما في حيز الصلة من
стр. 12775
الكفر، وإشعارًا بعلة الحكم. والفاء لترتيب ثبوت الويل لهم على أنَّ لهم عذابًا عظيمًا. كما أنَّ الفاء الأولى لترتيب النهي عن الاستعجال على ذلك؛ أي: فويل لهم من حلول ذلك العذاب الذي وعدوه يوم القيامة. حين لا تغني نفس عن نفس شيئًا ولا هم ينصرون.
وقرأ يعقوب (١): ﴿لِيَعْبُدُونِي﴾، ﴿أَنْ يُطْعِمُونِي﴾، ﴿فلا يستعجلوني﴾ بالياء وقفًا ووصلًا. ووافقه سهل في الوصل. وقرأ الباقون بغير ياء في الحالين.
الإعراب
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة ﴿فَمَا﴾ الفاء: فاه الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إن كنتم ملائكة كما تقولون فأقول لكم: ما خطبكم وشأنكم. ﴿ما﴾ اسم استفهام في محل الرفع، مثلًا ﴿خَطْبُكُمْ﴾ خبره. ﴿أَيُّهَا﴾ ﴿أيّ﴾: منادى نكرة مقصودة، حذف منه حرف النداء للتخفيف، والهاء حرف تنبيه زائد، ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ صفة لـ ﴿أيّ﴾، أو بدل منها. والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدَّرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب، مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿أُرْسِلْنَا﴾ فعل ماض مغير، ونائب فاعل، ﴿إِلَى قَوْمٍ﴾ متعلق به، ﴿مُجْرِمِينَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾ في محل النصب، مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿لِنُرْسِلَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل، ﴿نرسل﴾ فعل مضارع، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الملائكة، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿نرسل﴾، ﴿حِجَارَةً﴾ مفعول به، ﴿مِنْ طِينٍ﴾ صفة لـ ﴿حِجَارَةً﴾. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لإرسالنا عليهم حجارة من طين. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نرسل﴾. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ صفة ثانية لـ ﴿حِجَارَةً﴾، ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ظرف متعلق بمسوَّمة، ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ متعلق به أيضًا.
стр. 12776
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾.
﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فباشروا ما أمروا به. فأخرجنا بقولنا: ﴿فأَسْرِ بِأَهْلِكَ ...﴾ إلخ. فهو إخبار من الله تعالى، وليس من كلام الملائكة. كما مرَّ في مبحث التفسير. ﴿أَخْرَجْنَا﴾ فعل، وفاعل. والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول ﴿أَخْرَجْنَا﴾، ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿فِيهَا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في خبر ﴿كَانَ﴾، أو ﴿مَنْ﴾ اسمها. وجملة ﴿كاَنَ﴾ صلة لمن الموصولة. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، "ما" نافية، ﴿وَجَدْنَا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿أَخْرَجْنَا﴾؛ أي: أردنا إخراجهم فما وجدنا حين الإخراج. ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ مفعول به لـ ﴿وَجَدْنَا﴾. لأنّه من وجدان الضالّة. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ صفة ﴿بَيْتٍ﴾، ﴿وَتَرَكْنَا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿أَخْرَجْنَا﴾، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿تَرَكْنَا﴾، ﴿آيَةً﴾ مفعول به، ﴿لِلَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿آيَةً﴾، ﴿يَخَافُونَ الْعَذَابَ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، ﴿الْأَلِيمَ﴾ صفة للعذاب. والجملة صلة الموصول.
﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩)﴾.
﴿وَفِي مُوسَى﴾ معطوف على قوله: ﴿فِيِهَا﴾ بإعادة الجار. لأنّ المعطوف عليه ضمير مجرور، فيتعلق بـ ﴿تركنا﴾ من حيث المعنى. ويكون التقدير: وتركنا في قصة موسى آية. أو معطوف على ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ على معنى: وجعلنا في إرسال موسى آيةً. على حد قوله: علقها تبنًا وماءً باردًا. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف. لأنّه صفة لـ ﴿آيَةً﴾؛ أي: آية كائة في وقت إرسالنا إيّاه، أو متعلق بجعلنا المقدر. ﴿أَرْسَلْنَاهُ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول. والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَاهُ﴾، ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ حال من ضمير ﴿أَرْسَلْنَاهُ﴾؛ أي: مؤيدًا بسلطان. ﴿مُبِينٍ﴾ صفة لـ ﴿سُلْطَانٍ﴾. ﴿فَتَوَلَّى﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿تولى﴾ فعل ماض, وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾. والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَاهُ﴾. ﴿بِرُكْنِهِ﴾ حال من ضمير فرعون؛ أي: متلبسًا بركنه. ﴿وَقَالَ﴾
стр. 12777
معطوف على ﴿تولى﴾، ﴿سَاحِرٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو؛ أي: موسى ساحر. ﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ معطوف على ساحر. والجملة في محل النصب، مقول قال. و ﴿أَوْ﴾ هنا للإبهام على السامع، أو للشك نزل نفسه منزلة الشاكّ مع أنه يعرفه نبيًا حقًا تمويهًا على قومه.
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾.
﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿أَخَذْنَاهُ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿تَوَلَّى﴾. ﴿وَجُنُودَهُ﴾ معطوف على ضحبر المفعول. ويجوز أن يكون مفعولًا معه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿نَبَذْنَاهُمْ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿أَخَذْنَاهُ﴾، ﴿فِي الْيَمِّ﴾ متعلق بـ ﴿نَبَذْنَا﴾. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هُوَ مُلِيمٌ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿نَبَذْنَاهُمْ﴾، أو من مفعول ﴿أَخَذْنَاهُ﴾. والفرق بين الحالين: أنَّ ﴿الواو﴾ في الأولى واجبة لازمة. إذ ليس فيها ذكر ضمير يعود على صاحب الحال. وفي الثانية ليست واجبة لازمة إذ في الجملة ذكر ضمير يعود عليه. ﴿وَفِي عَادٍ﴾ معطوف على ما تقدم. ويقال فيها: ما قيل: ﴿وفى موسى إذ أرسلناه﴾؛ أي: وجعلنا في عاد آيةً، وعبرةً للذين يخافون العذاب الأليم. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ جعلنا المقدر، أو صفة لآية، ﴿أَرْسَلْنَا﴾ فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ ﴿الرِّيحَ﴾ مفعول به، ﴿الْعَقِيمَ﴾ صفة لـ ﴿الرِّيحَ﴾. والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿تَذَرُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الريح. والجملة في محل النصب حال من الريح. ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿شَيْءٍ﴾، مفعول به لـ ﴿تَذَرُ﴾، ﴿أَتَتْ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الريح، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَتَتْ﴾. وجملة ﴿أَتَتْ﴾ صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾: ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناه مفرّغ لـ ﴿جعل﴾ ﴿كَالرَّمِيمِ﴾ مضاف إليه للكاف؛ أي: مثل الرميم؛ وجملة جعل في محل النصب مفعول ثان ﴿جَعَلَتْهُ﴾ فعل، وفاعل مستتر يعود على الريح، ومفعول أول، ﴿كَالرَّمِيمِ﴾ الكاف اسم بمعنى مثل، في محل النصب، مفعول ثان لـ ﴿تَذَرُ﴾. كأنّه قيل: ما تترك شيئًا أتت عليه إلا مجعولًا مثل الرميم.
﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ
стр. 12778
يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾.
﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ معطوف على ما تقدم أيضًا. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى، متعلق بجعلنا المقدّر أو صفة لـ ﴿ءَايَةً﴾، ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض، مغير الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿تَمَتَّعُوا﴾ إلى آخره نائب فاعل، محكيّ لـ ﴿قِيلَ﴾. ويجوز أن يكون ﴿لَهُمْ﴾ نائب فاعل، و ﴿تَمَتَّعُوا﴾ الخ مقولًا. وجملة ﴿قِيلَ﴾ في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. وإن شئت قلت: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ فعل أمر، وفاعل، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَمَتَّعُوا﴾. والجملة في محل الرفع، نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿فَعَتَوْا﴾ ﴿لفاء﴾ حرف عطف وتفصيل لإجحال ما تضمّنه قوله: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ الخ. والتقدير: وجعلنا في ثمود آية، إذ قيل لهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فعتوا عن أمر ربهم، وقيل لهم: تمتعوا حتى حين. ﴿عَتَوْا﴾ فعل وفاعل؛ معطوف على ذلك المحذوف، ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿عتوا﴾، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فعل، ومفعول به، وفاعل، معطوف على ﴿عَتَوْا﴾، ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ خبره. والجملة في محل النصب، حال من مفعول ﴿أَخَذَتْهُمُ﴾.
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾.
﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿ما﴾ نافبة، ﴿اسْتَطَاعُوا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿أخذتهم﴾، ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿قِيَامٍ﴾: مفعول به، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿مَا﴾ نافية، ﴿كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، معطوف على ﴿مَا اسْتَطَاعُوا﴾. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿قوم نوح﴾ منصوب بفعل محذوف مفهوم ضمنًا؛ أي: وأهلكنا قوم نوح. ولك أن تقدّره: وأذكر قوم نوح. وقرىء بالجر عطفًا على ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور حال من ﴿قوم نوح﴾؛ أي: وأهلكنا قوم نوح حالة كونهم من قبل عاد وثمود، أو متعلق بـ ﴿أهلكنا﴾ المقدر ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ خبره. وجملة إنّ مستأنفة مسوقة لتعليل الإهلاك، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا، والتقدير: وبنينا السماه بنيناها. والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ فعل، وفاعل، ومفعول والجملة جملة مفسّرة للمحذوف، لا محل لها من الاعراب. ﴿بِأَيْدٍ﴾ جار ومجرور، حال من فاعل ﴿بَنَيْنَاهَا﴾؛ أي: متلبسين بأيد، أو
стр. 12779
من مفعوله؛ أي: متلبسةً بقوّة. ويجوز أن يتعلق ببنيناها، فتكون الباء للسببية؛ أي: بسبب قدرتنا. ﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿وَإِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ اللام حرف ابتداء، ﴿موسعون﴾ خبره. والجملة في محل النصب، حال من فاعل ﴿بَنَيْنَاهَا﴾. ﴿وَالْأَرْضَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿الْأَرْضَ﴾ منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: وفرشنا الأرض. والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ ﴿فَرَشْنَاهَا﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة مفسّرة؛ لا محل لها من الإعراب. ﴿فَنِعْمَ﴾ الفاء استئنافية، ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماض من أفعال المدح، ﴿الْمَاهِدُونَ﴾ فاعل. والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: نحن، وجملة ﴿نِعْمَ﴾ خبره. والجملة إنشائية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾.
﴿وَمِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾ ومضاف إلِيه. ويجو أن يكون حالًا من ﴿زَوْجَيْنِ﴾؛ لأنّه في الأصل صفة له. ﴿خَلَقْنَا﴾ فعل، وفاعل، ﴿زَوْجَيْنِ﴾ مفعول به. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ناصب واسمه؛ وجملة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ خبره. والجملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿فَفِرُّوا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا علمتم أنّ الله فرد لا نظير له ولا نديد، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم فأقول لكم: فرّوا إلى طاعة الله. ﴿فِرُّوا﴾ فعل أمر، وفاعل. والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدَّرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿فَفِرُّوا﴾ ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نَذِير﴾، ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به أيضًا، ﴿نَذِيرٌ﴾ خبر إنّ، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة ﴿نَذِيرٌ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في فصل النصب مقول لجواب إذا المقدرة .. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لَا﴾ ناهية جازمة، ﴿تَجْعَلُوا﴾ فعل، وفاعل؛ مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. والجملة معطوفة على جملة ﴿فِرُّوا﴾. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ظرف متعلق بمحذوف في موضع المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾. ﴿إِلَهًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، ﴿آخَرَ﴾ صفة لـ ﴿إِلَهًا﴾. وجملة ﴿لَا تَجْعَلُوا﴾ معطوف على ﴿فِرُّوا﴾. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ و ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به أيضًا, ﴿نَذِيرٌ﴾ خبر ﴿إنّ﴾، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة لـ ﴿نَذِيرٌ﴾. وجملة إنَّ مستأنفة مسوقة لتعليل النهي.
стр. 12780
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف جوازًا، تقديره: الأمر والشأن كذلك؛ أي: أمر الأمم المكذبة في تكذيب رسولهم، وشأنها كذلك المذكور من تكذيب قومك إيّاك. والجملة مستأنفة. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿أَتَى﴾ فعل ماض، ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صلة الموصول، ﴿مِنْ﴾ صلة زائدة، ﴿رَسُولٍ﴾ فاعل. والجمله مفسرة لجملة ﴿كَذَلِكَ﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿قَالُوا﴾ فعل، وفاعل. والجملة في محل النصب، حال من ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: ما أتاهم رسول إلا حالة قولهم: هو ساحر أو مجنون. ﴿سَاحِرٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو ساحر، ﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ معطوف على ﴿سَاحِرٌ﴾. والجمله الاسمية في محل النصب، مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَتَوَاصَوْا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري التعجبي، ﴿تَوَاصَوْا﴾ فعل ماض، والواو فاعل، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تواصوا﴾. والجملة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. والمعنى: ما وقع منهم وصية بذلك؛ لأنّهم لم يتلاقوا في زمان واحد، ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب، ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، ﴿قَوْمٌ﴾؛ خبر، ﴿طَاغُونَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمٌ﴾. والجملة الإضرابية معطوفة على محذوف، تقديره: هم غير متواصين بذلك بل هم قوم طاغون. ﴿فَتَوَلَّ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كان هذا شأنهم، وأردت ببان ما هو النصيحة لك .. فأقول لك: تولّ عنهم؛ أي: أعرض عن جدالهم. ﴿تَوَلّ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿تَوَلّ﴾. والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية، ﴿ما﴾ نافية حجازية، ﴿أَنْتَ﴾ في محل الرفع، اسمها، ﴿بِمَلُومٍ﴾ خبرها، و ﴿الباء﴾ زائدة. والجملة تعليل للأمر بالتولي، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾.
﴿وَذَكِّرْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، معطوف على ﴿فَتَوَلَّ﴾. ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية، ﴿إِنَّ الذِّكْرَى﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبره. والجملة تعليلية، لا محل لها من الأعراب. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية،