← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12776–12815 · переход к 12781.

стр. 12776

﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾. ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فباشروا ما أمروا به. فأخرجنا بقولنا: ﴿فأَسْرِ بِأَهْلِكَ ...﴾ إلخ. فهو إخبار من الله تعالى، وليس من كلام الملائكة. كما مرَّ في مبحث التفسير. ﴿أَخْرَجْنَا﴾ فعل، وفاعل. والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول ﴿أَخْرَجْنَا﴾، ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿فِيهَا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في خبر ﴿كَانَ﴾، أو ﴿مَنْ﴾ اسمها. وجملة ﴿كاَنَ﴾ صلة لمن الموصولة. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، "ما" نافية، ﴿وَجَدْنَا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿أَخْرَجْنَا﴾؛ أي: أردنا إخراجهم فما وجدنا حين الإخراج. ﴿غَيْرَ بَيْتٍ﴾ مفعول به لـ ﴿وَجَدْنَا﴾. لأنّه من وجدان الضالّة. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ صفة ﴿بَيْتٍ﴾، ﴿وَتَرَكْنَا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿أَخْرَجْنَا﴾، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿تَرَكْنَا﴾، ﴿آيَةً﴾ مفعول به، ﴿لِلَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿آيَةً﴾، ﴿يَخَافُونَ الْعَذَابَ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، ﴿الْأَلِيمَ﴾ صفة للعذاب. والجملة صلة الموصول. ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩)﴾. ﴿وَفِي مُوسَى﴾ معطوف على قوله: ﴿فِيِهَا﴾ بإعادة الجار. لأنّ المعطوف عليه ضمير مجرور، فيتعلق بـ ﴿تركنا﴾ من حيث المعنى. ويكون التقدير: وتركنا في قصة موسى آية. أو معطوف على ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ على معنى: وجعلنا في إرسال موسى آيةً. على حد قوله: علقها تبنًا وماءً باردًا. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف. لأنّه صفة لـ ﴿آيَةً﴾؛ أي: آية كائة في وقت إرسالنا إيّاه، أو متعلق بجعلنا المقدر. ﴿أَرْسَلْنَاهُ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول. والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَاهُ﴾، ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ حال من ضمير ﴿أَرْسَلْنَاهُ﴾؛ أي: مؤيدًا بسلطان. ﴿مُبِينٍ﴾ صفة لـ ﴿سُلْطَانٍ﴾. ﴿فَتَوَلَّى﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿تولى﴾ فعل ماض, وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾. والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَاهُ﴾. ﴿بِرُكْنِهِ﴾ حال من ضمير فرعون؛ أي: متلبسًا بركنه. ﴿وَقَالَ﴾

стр. 12777

معطوف على ﴿تولى﴾، ﴿سَاحِرٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو؛ أي: موسى ساحر. ﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ معطوف على ساحر. والجملة في محل النصب، مقول قال. و ﴿أَوْ﴾ هنا للإبهام على السامع، أو للشك نزل نفسه منزلة الشاكّ مع أنه يعرفه نبيًا حقًا تمويهًا على قومه. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾. ﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿أَخَذْنَاهُ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿تَوَلَّى﴾. ﴿وَجُنُودَهُ﴾ معطوف على ضحبر المفعول. ويجوز أن يكون مفعولًا معه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿نَبَذْنَاهُمْ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿أَخَذْنَاهُ﴾، ﴿فِي الْيَمِّ﴾ متعلق بـ ﴿نَبَذْنَا﴾. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هُوَ مُلِيمٌ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿نَبَذْنَاهُمْ﴾، أو من مفعول ﴿أَخَذْنَاهُ﴾. والفرق بين الحالين: أنَّ ﴿الواو﴾ في الأولى واجبة لازمة. إذ ليس فيها ذكر ضمير يعود على صاحب الحال. وفي الثانية ليست واجبة لازمة إذ في الجملة ذكر ضمير يعود عليه. ﴿وَفِي عَادٍ﴾ معطوف على ما تقدم. ويقال فيها: ما قيل: ﴿وفى موسى إذ أرسلناه﴾؛ أي: وجعلنا في عاد آيةً، وعبرةً للذين يخافون العذاب الأليم. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ جعلنا المقدر، أو صفة لآية، ﴿أَرْسَلْنَا﴾ فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ ﴿الرِّيحَ﴾ مفعول به، ﴿الْعَقِيمَ﴾ صفة لـ ﴿الرِّيحَ﴾. والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿تَذَرُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الريح. والجملة في محل النصب حال من الريح. ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿شَيْءٍ﴾، مفعول به لـ ﴿تَذَرُ﴾، ﴿أَتَتْ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الريح، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَتَتْ﴾. وجملة ﴿أَتَتْ﴾ صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾: ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناه مفرّغ لـ ﴿جعل﴾ ﴿كَالرَّمِيمِ﴾ مضاف إليه للكاف؛ أي: مثل الرميم؛ وجملة جعل في محل النصب مفعول ثان ﴿جَعَلَتْهُ﴾ فعل، وفاعل مستتر يعود على الريح، ومفعول أول، ﴿كَالرَّمِيمِ﴾ الكاف اسم بمعنى مثل، في محل النصب، مفعول ثان لـ ﴿تَذَرُ﴾. كأنّه قيل: ما تترك شيئًا أتت عليه إلا مجعولًا مثل الرميم. ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ

стр. 12778

يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾. ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ معطوف على ما تقدم أيضًا. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى، متعلق بجعلنا المقدّر أو صفة لـ ﴿ءَايَةً﴾، ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض، مغير الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿تَمَتَّعُوا﴾ إلى آخره نائب فاعل، محكيّ لـ ﴿قِيلَ﴾. ويجوز أن يكون ﴿لَهُمْ﴾ نائب فاعل، و ﴿تَمَتَّعُوا﴾ الخ مقولًا. وجملة ﴿قِيلَ﴾ في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. وإن شئت قلت: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ فعل أمر، وفاعل، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَمَتَّعُوا﴾. والجملة في محل الرفع، نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿فَعَتَوْا﴾ ﴿لفاء﴾ حرف عطف وتفصيل لإجحال ما تضمّنه قوله: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ الخ. والتقدير: وجعلنا في ثمود آية، إذ قيل لهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فعتوا عن أمر ربهم، وقيل لهم: تمتعوا حتى حين. ﴿عَتَوْا﴾ فعل وفاعل؛ معطوف على ذلك المحذوف، ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿عتوا﴾، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فعل، ومفعول به، وفاعل، معطوف على ﴿عَتَوْا﴾، ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ خبره. والجملة في محل النصب، حال من مفعول ﴿أَخَذَتْهُمُ﴾. ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿ما﴾ نافبة، ﴿اسْتَطَاعُوا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿أخذتهم﴾، ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿قِيَامٍ﴾: مفعول به، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿مَا﴾ نافية، ﴿كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، معطوف على ﴿مَا اسْتَطَاعُوا﴾. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿قوم نوح﴾ منصوب بفعل محذوف مفهوم ضمنًا؛ أي: وأهلكنا قوم نوح. ولك أن تقدّره: وأذكر قوم نوح. وقرىء بالجر عطفًا على ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور حال من ﴿قوم نوح﴾؛ أي: وأهلكنا قوم نوح حالة كونهم من قبل عاد وثمود، أو متعلق بـ ﴿أهلكنا﴾ المقدر ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ خبره. وجملة إنّ مستأنفة مسوقة لتعليل الإهلاك، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا، والتقدير: وبنينا السماه بنيناها. والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ فعل، وفاعل، ومفعول والجملة جملة مفسّرة للمحذوف، لا محل لها من الاعراب. ﴿بِأَيْدٍ﴾ جار ومجرور، حال من فاعل ﴿بَنَيْنَاهَا﴾؛ أي: متلبسين بأيد، أو

стр. 12779

من مفعوله؛ أي: متلبسةً بقوّة. ويجوز أن يتعلق ببنيناها، فتكون الباء للسببية؛ أي: بسبب قدرتنا. ﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿وَإِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ اللام حرف ابتداء، ﴿موسعون﴾ خبره. والجملة في محل النصب، حال من فاعل ﴿بَنَيْنَاهَا﴾. ﴿وَالْأَرْضَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿الْأَرْضَ﴾ منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: وفرشنا الأرض. والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ ﴿فَرَشْنَاهَا﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة مفسّرة؛ لا محل لها من الإعراب. ﴿فَنِعْمَ﴾ الفاء استئنافية، ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماض من أفعال المدح، ﴿الْمَاهِدُونَ﴾ فاعل. والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: نحن، وجملة ﴿نِعْمَ﴾ خبره. والجملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾. ﴿وَمِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾ ومضاف إلِيه. ويجو أن يكون حالًا من ﴿زَوْجَيْنِ﴾؛ لأنّه في الأصل صفة له. ﴿خَلَقْنَا﴾ فعل، وفاعل، ﴿زَوْجَيْنِ﴾ مفعول به. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ناصب واسمه؛ وجملة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ خبره. والجملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿فَفِرُّوا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا علمتم أنّ الله فرد لا نظير له ولا نديد، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم فأقول لكم: فرّوا إلى طاعة الله. ﴿فِرُّوا﴾ فعل أمر، وفاعل. والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدَّرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿فَفِرُّوا﴾ ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نَذِير﴾، ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به أيضًا، ﴿نَذِيرٌ﴾ خبر إنّ، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة ﴿نَذِيرٌ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في فصل النصب مقول لجواب إذا المقدرة .. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لَا﴾ ناهية جازمة، ﴿تَجْعَلُوا﴾ فعل، وفاعل؛ مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. والجملة معطوفة على جملة ﴿فِرُّوا﴾. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ظرف متعلق بمحذوف في موضع المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾. ﴿إِلَهًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، ﴿آخَرَ﴾ صفة لـ ﴿إِلَهًا﴾. وجملة ﴿لَا تَجْعَلُوا﴾ معطوف على ﴿فِرُّوا﴾. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ و ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به أيضًا, ﴿نَذِيرٌ﴾ خبر ﴿إنّ﴾، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة لـ ﴿نَذِيرٌ﴾. وجملة إنَّ مستأنفة مسوقة لتعليل النهي.

стр. 12780

﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف جوازًا، تقديره: الأمر والشأن كذلك؛ أي: أمر الأمم المكذبة في تكذيب رسولهم، وشأنها كذلك المذكور من تكذيب قومك إيّاك. والجملة مستأنفة. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿أَتَى﴾ فعل ماض، ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صلة الموصول، ﴿مِنْ﴾ صلة زائدة، ﴿رَسُولٍ﴾ فاعل. والجمله مفسرة لجملة ﴿كَذَلِكَ﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿قَالُوا﴾ فعل، وفاعل. والجملة في محل النصب، حال من ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: ما أتاهم رسول إلا حالة قولهم: هو ساحر أو مجنون. ﴿سَاحِرٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو ساحر، ﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ معطوف على ﴿سَاحِرٌ﴾. والجمله الاسمية في محل النصب، مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَتَوَاصَوْا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري التعجبي، ﴿تَوَاصَوْا﴾ فعل ماض، والواو فاعل، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تواصوا﴾. والجملة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. والمعنى: ما وقع منهم وصية بذلك؛ لأنّهم لم يتلاقوا في زمان واحد، ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب، ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، ﴿قَوْمٌ﴾؛ خبر، ﴿طَاغُونَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمٌ﴾. والجملة الإضرابية معطوفة على محذوف، تقديره: هم غير متواصين بذلك بل هم قوم طاغون. ﴿فَتَوَلَّ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كان هذا شأنهم، وأردت ببان ما هو النصيحة لك .. فأقول لك: تولّ عنهم؛ أي: أعرض عن جدالهم. ﴿تَوَلّ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿تَوَلّ﴾. والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية، ﴿ما﴾ نافية حجازية، ﴿أَنْتَ﴾ في محل الرفع، اسمها، ﴿بِمَلُومٍ﴾ خبرها، و ﴿الباء﴾ زائدة. والجملة تعليل للأمر بالتولي، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾. ﴿وَذَكِّرْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، معطوف على ﴿فَتَوَلَّ﴾. ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية، ﴿إِنَّ الذِّكْرَى﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبره. والجملة تعليلية، لا محل لها من الأعراب. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية،

стр. 12781

﴿ما﴾ نافية، ﴿خَلَقْتُ الْجِنَّ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول، ﴿وَالْإِنْسَ﴾ معطوف على الجن. والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾؛ أداة استثناء مفرغ، ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ اللام: حرف جر وتعليل، ﴿يَعْبُدُونِ﴾ فعل مضارع، منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والنون المذكورة للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاءًا عنها بكسرة نون الوقاية، أو للفاصلة في محل النصب مفعول به. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل الجار والمجرور متعلق بـ ﴿خَلَقْتُ﴾؛ أي: وما خلقتهما إلا لعبادتي. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿أُرِيد﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله سبحانه، ﴿منهم﴾ متعلق بـ ﴿أُرِيد﴾، ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿رِزْقٍ﴾ مفعول به. والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿أُرِيدُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿أُرِيد﴾ الأول، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿يُطْعِمُونِ﴾ فعل مضارع، منصوب بأن المصدرية، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والنون المذكورة للوقاية، وباء المتكلم المحذوفة اجتزاء كها بكسرة نون الوقاية، في محل النصب، مفعول به. والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، أي: وما أريد منهم إطعامهم إيّاي. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، ﴿الرَّزَّاقُ﴾ خبره. والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ خبر ثان لـ ﴿إنّ﴾ ﴿الْمَتِينُ﴾ خبر ثالث لها. وقيل: نعت لـ ﴿الرَّزَّاقُ﴾ أو لـ ﴿ذُو﴾، ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حال الكفرة المتقدمين من عاد، وثمود، وقوم نوح، وأردت بيان حال كفرة قومك فأقول لك: ﴿إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. ﴿إن﴾ حرف نصب، ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر مقدم لـ ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول، ﴿ذَنُوبًا﴾ اسم ﴿إنّ﴾ مؤخر، ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ صفة لـ ﴿ذَنُوبًا﴾. وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَلَا﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع ﴿لا﴾ ناهية، ﴿يَسْتَعْجِلُونِ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والنون المذكورة للوقاية، والياء المحذوفة مفعول به. والجملة الفعلية معطوفة مفرّعة على جملة ﴿إنّ﴾. ﴿فَوَيْلٌ﴾ الفاء: عاطفة

стр. 12782

تفريعية، ﴿ويل﴾ مبتدأ. وسوّغ الابتداء بالنكرة ما فيه من معنى الدعاء. ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر المبتدأ. والجملة معطوفة مفرّعة على جملة ﴿إنّ﴾ أيضًا. وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿مِنْ يَوْمِهِمُ﴾ جار ومجرور، صفة لويل، و ﴿من﴾ بمعنى في؛ أي: في يومهم. ﴿الَّذِي﴾ صفة ليومهم، ﴿يُوعَدُونَ﴾ فعل مضارع، مبني للمجهول، والواو: نائب فاعل. والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: يوعدونه؛ أي: يوعدون العذاب فيه. التصريف ومفردات اللغة ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾؛ أي: شأنكم. والخطب: الشأن الخطير، والأمر الجليل. ومنه: الخطبة؛ لأنها كلام بليغ يستهدف أمورًا جليلة؛ أي: فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة. ﴿إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ هم قوم لوط. وفي "فتح الرحمن": المجرم فاعل الجرائم. وهي صعاب المعاصي، وكبارها، وفاحشها. ﴿من طِينِ﴾؛ أي: من طين متحجِّر. وهو ما طبخ، وصار في صلابة الحجارة. وهو السجيل، فإنَّ السجيل حجارة من طين طبخت بنار جهنم. ﴿مُسَوَّمَةً﴾؛ أي: معلمة من السؤمة. وهي العلامة؛ أي: معلمة ببياض أو حمرة أو بسيما تتميز بها عن حجارة الأرض أو بكتابة اسم من يرمى بها أو مرسلة من سومت الماشية إذا أرسلتها لترعى لعدم الاحتياج إليها. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي: في خزائنه، لا يتصرف فيها غيره تعالى. ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: للمجاوزين الحد في الفجور. إذ لم يقنعوا بما أبيح لهم من النسوان للحرث، بل أتوا الذكران. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ممن آمن بلوط. ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحجة واضحة. وهي ما ظهرت على يديه من المعجزات الظاهرة: كاليد والعصا. والسلطان: مصدر يطلق على المتعدّد. ﴿بِرُكْنِهِ﴾ والركن: ما يركن إليه الشيء، ويتقوى به. والمراد هنا: جنوده وأعوانه، ووزراؤه. كما جاء في سورة هود: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. وفي "الصحاح": ركن الشيء .. جانبه الأقوى؛ كالمنكب بالنسبة إلى الإنسان. وقيل: فتولى بما يتقوى به من ملكه وعساكره. فإنّ الركن اسم لما يركن إليه الإنسان. ويكون من مال، وجد، وقوة. فالركن ها مستعار لجنوده تشبيهًا لهم بالركن الذي يتقوى به

стр. 12783

البنيان. ﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ والمجنون: ذو الجنون. وهو زوال العقل وفساده كأنه نسب ما ظهر على يديه من الخوارق العجيبة إلى الجن، وتردد في أنه حصل باختياره وسعيه أو بغيرهما. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ والنبذ: إلقاء الشيء، وطرحه لقلة الاعتداد به؛ أي: فطرحناهم في بحر القلزم. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾؛ أي: ملام، أي: آتٍ بما يلام عليه. أصله: ملوم بوزن مفعل اسم فاعل، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى اللام، فسكنت إثر كسرة فقلبت ياء حرف مد. وفي "المصباح": ألام الرجل فعل ما يستحق عليه اللوم، اهـ. وفي "المختار": اللوم: العذل، تقول: لامه على كذا، من باب قال، ولومه أيضًا فهو ملوم، واللائمة، والملامة. وألام الرجل أتى بما يلام عليه. اهـ. ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾؛ أي: التي لا خير فيها ولا بركة، فلا تلقح شجرًا، ولا تحمل مطرًا. سميت عقيمًا؛ لأنّها أهلكتهم وقطعت دابرهم. من العقم بالضم. وهو هزمة "يُبْسٌ" تقع في الرحم، فلا تقبل الولد، كما في "القاموس". ﴿مَا تَذَرُ﴾؛ أي: ما تترك. يقال: ذره؛ أي: دعه، يذره تركًا، ولا تقل؛ وذرًا. وأصله: وذره يذره نحو: وسعه يسعه، لكن ما نطقوا بماضيه، ولا بمصدره، ولا باسم الفاعل. ﴿كَالرَّمِيمِ﴾ والرميم: الشيء البالي من عظم ونبات وغير ذلك؛ أي: كالشيء البالي المتفتت. وفي "القاموس": رمَّ العظم يرم رمة بالكسر، ورمًا ورميمًا، وأرم بلي، فهو رميم. وفي "المفردات": الرمة بالكسر تختص بالعظم، والرمة بالضم بالحبل البالي، والرم بالكسر بالفتات من الخشب والحشيش والتبن. ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ يقال: عتا عتوا وعتيًا وعتيا استكبر، وجاوز الحد، فهو عات وعتي. وأصله: عتووا بواوين: الأولى لام الكلمة، والثانية: واو الجماعة. قلبت الأولى منهما ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت لالتقائهما ساكنة مع واو الجماعة. ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ نار تنزل من السماء بالاحتكاكات الكهربية. ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا﴾ أصله: استطوعوا بوزن استفعلوا، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الطاء، ثم أبدلت ألفًا لتحركها أصالة وفتح ما قبلها في الحال. ﴿مِنْ قِيَامٍ﴾: أصله: قوام، أبدلت ﴿الواو﴾، في المصدر ياء لوقوعها بعد كسرة، وقبل ألف، كما في صيام ونيام مثلًا.

стр. 12784

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ وفي "المختار": آد الرجل اشتد، وقوي, وبابه بلع. والأيد والآد: القوة، اهـ. فالأيد مصدر، لكن يكتب في المصحف بيائين بعد الهمزة وقبل الدال كما نبَّه عليه الخطيب. ورسم المصحف سنة متبعة، وإن لم يعلم له وجه، اهـ شيخنا. ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ وفي "المصباح": وسع الله عليه رزقه يوسع وسعًا من باب نفع، بسطه وكثره، وأوسعه ووسعه بالألف، والتشديد مثله. وأوسع الرجل بالألف صار ذا سعة وغنى، اهـ. ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ والفرش كناية عن البسط، والتسوية، اهـ شهاب؛ أي: بسطناها ومهدناها. ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ من مهدت الفراش إذا بسطه، ووطأته. وتمهيد الأمور تسويتها. وفي "المختار": المهد: مهد الصبيّ، والمهاد: الفرش. ومهد الفراش بسطه ووطأه. وبابه قطع. وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها، وتمهيد العذر بسطه وقبوله، اهـ. ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: من كل جنس من الحيوان. ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾؛ أي: أمرين متقابلين ذكرًا وأنثى. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ بحذف إحدى التاءين. أصله: تتذكرون. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ وفي "المصباح": فرّ من عدوه يفر من باب ضرب فرارًا إذا هرب، وفر الفارس فرًّا أوسع الجولان للإنعطاف، وفر إلى الشيء ذهب إليه. ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ أصله: أتواصيوا بوزن تفاعلوا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة. والتواصي: أن يوصي القوم بعضهم إلى بعض. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أصله: طاغيون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فسكنت فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الغين لمناسبة الواو. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فيه إعلال بحذف حرف العلة لام الفعل المناسبة بناء الأمر على ذلك. ﴿بِمَلُومٍ﴾ أصله: ملووم اسم مفعول من لام، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى اللام فسكنت فالتقى ساكنان: ﴿الواو﴾ عين الكلمة، وواو مفعول، فحذفت ﴿الواو﴾ الأولى على قول، أو الثانية على قول. فوزنه مفعول على كل حال، أو مفعل. ﴿الْمَتِينُ﴾ من المتانة. وهو شدة القوة. والمتنان: مكتنفا الصلب، وبه شبه المتن من الأرض، ومتنته ضربت متنه، ومتن قوي متنه فصار متينًا. ومنه قيل: حبل متين. ﴿ذَنُوبًا﴾ قال في "المفردات": الذنوب: الدلو الذي له ذنب، واستعير للنصيب

стр. 12785

كما أستعير السجل. وهو الدلو العظيم. وفي "القاموس": الذنوب: الفرس الوافر الذنب، ومن الأيام الطويل الشر. وهو صفة على زنة فعول. والدلو أو فيها ماء، أو الملأى أو دون الملأى، والحظ، والنصيب. والجمع أذنبة وذنائب وذناب، انتهى. ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ يقال: استعجله حثه على العجلة، وأمره بها. ويقال: استعجله؛ أي: طلب وقوعه بالعجلة. ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ﴿فَوَيْلٌ﴾ والويل: الأشد من العذاب، والشقاء، والهم. ويقال: واد في جهنم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإضمار، بلا ذكر مرجع الضمير في قوله: ﴿مَنْ كَانَ فِيهَا﴾؛ أي: في قرى قوم لوط لشهرتها، وعلمها من السياق. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ فالركن حقيقة فيما يتقوى به البنيان. فاستعاره للجنود، والجموع. لأنّه يحصل بهم التقوي والاعتماد كما يعتمد على الركن في البناء. ومنها: الكناية في التولي في قوله: ﴿فَتَوَلَّى﴾ لأنه كناية عن الإعراض، أي: فأعرض عن الإيمان بموسى. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾؛ أي: آتٍ بما يلام عليه على حد عيشة راضية. فأطلق اسم الفاعل على اسم المفعول؛ أي: ملام على طغيانه. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ حيث شبه ما في الريح من الصفة التي تمنع من إنشاء مطر أو إلقاح شجر بما في المرأة من الصفة المذكورة التي تمنع الحمل. ثم قيل: العقيم، وأريد به ذلك المعنى بقرينة وصف الريح به. فالمستعار له الريح، والمستعار مه ذات النتاج، والمستعار العقم. وهو عدم النتاج. والمشاركة بين المستعار له والمستعار منه في عدم النتاج. وهي استعارة محسوس لمحسوس للإشتراك في أمر معقول. وهي من ألطف الاستعارات. وفي "الشهاب": أصل العقم: اليبس المانع من قبول الأثر، كما قاله الراغب. وهو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول كما مرّ. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ لأنّ الفرش كناية عن البسط

стр. 12786

والتسوية. ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾؛ أي: إلا مهيئين ومستعدين للعبادة. وذلك أنني خلقت فيهم العقل؛ وركزت فيهم الحواس والقدرة التي تمكنهم من العبادة. وهذا لا ينافي تخلف العبادة بالفعل عن بعضهم. لأنَّ هذا البعض المتخلف، وإن لم يعبد الله مركوز فيه الاستعداد والتهيؤ الذي هو الغاية في الحقيقة. وقد شجر خلاف بين أهل السنة والاعتزال حول هذه الآية فلا نطيل الكلام به. ومنها: التعريض في قوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ فإنَّ فيه تعريضًا بأصنامهم. فإنهم كانوا يحضرون لها المآكل، فربما أكلتها الكلاب، ثم بالت على الأصنام، كما مرّ. ومنها: الإطناب بتكرار ﴿أُرِيدُ﴾ في قوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ للمبالغة والتأكيد. ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ وهو من قصر الصفة على الموصوف؛ أي: لا رزّاق إلا الله سبحانه. وفيه أيضًا التلويح بأنه سبحانه غني عن كل ما سواه. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾، فإنّه حقيقة في الدلو العظيم، استعارة للحظ والنصيب. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾؛ أي: لهم نصيب من العذاب مئل نصيب أسلافهم المكذبين لأنبيائهم في الشدة والغلظة. لأنّه حذف منه وجه الشبه فهو مجمل. ومنها: وضع الموصول موضع ضميرهم في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تسجيلًا عليهم بما في حيز الصلة من الكفر؛ وإشعارًا بعلة الحكم. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 12787

خلاصة ما تضمنته هذه السورة الكريمة اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية: ١ - دلائل البعث من العجائب الطبيعية، والعلوم النفسية. ٢ - جزاء المتقين بما يلقونه من النعيم يوم القيامة. ٣ - أخبار الأمم السالفة التي كذبت رسلها. ٤ - تسلية رسول الله ﷺ على ما يلقاه من أذى قومه. ٥ - الفرار إلى الله من هذه الدنيا المحفوفة بالمخاطر. ٦ - النهي عن الإشراك بالله تعالى. ٧ - إخبار رسوله ﷺ بأن قومه ليسوا ببدع في التكذيب بك فقد كذب رسل من قبلك. ٨ - أمره ﷺ بالإعراض عنهم، وتذكير تنفعه الذكرى من المؤمنين. ٩ - إخباره بأن الله ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه. ١٠ - وعيد الكافرين بأن العذاب سيحل بهم يوم القيامة. ١١ - أن المشركين سينالهم نصيب من العذاب مثل نصب نظرائهم من المكذبين (١). والله أعلم * * *

стр. 12788

سورة الطور سورة الطور مكية، نزلت بعد السجدة. قال القرطبي: مكية في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس، والنحاس؛ وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الطور بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وهي (١) تسع أو ثمان وأربعون آية، وثلاث مئة واثنتا عشرة كلمة، وألف وخمس مئة حرف. مناسبتها لما قبلها: ١ - إنّ في (٢) ابتداء كل منهما وصف حال المتقين. ٢ - إنّ في نهاية كل منهما وعيدًا للكافرين. ٣ - إنّ كلاًّ منهما بدأت بقسم بآية من آياته تعالى الكونية التي تتعلق بالمعاش أو المعاد. ففي الأولى أقسم بالرياح الذاريات التي تنفع الإنسان في معاشه، وهنا أقسم بالطور الذي أنزلت يه التوراة النافعة للناس في معادهم. ٤ - في كل منهما أمر النبي ﷺ بالتذكير، والإعراض عمّا يقول الجاحدون من قول مختلف. ٥ - تضمّنت كلتاهما الحجاج على التوحيد والبعث إلى نحو ذلك من المعاني المتشابهة في السورتين، انتهى من المراغي. وقال أبو حيان: مناسبتها لآخر ما قبلها ظاهرة (٣)؛ إذ في آخر تلك: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾، وقال هنا: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾. تسميتها: سمّيت سورة الطور لذكر الطور - الذي هو جبل طور سيناء - فيها

стр. 12789

أقسم الله به تشريفًا وتكريمًا ونذكيرًا بما فيه من الآيات. وهو أحد جبال الجنّة، قاله السدّي. فضلها: ومن فضائلها: ما أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور. وأخرج البخاري وغيره عن أمّ سلمة: أنها سمعت رسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت بالطور وكتاب مسطور. وعنه ﷺ : "من قرأ سورة الطور كان حقًّا على الله أن يؤمّنه من عذابه، وأن ينعمه في جنته". وفيه مقال. الناسخ والمنسوخ فيها: وقال محمد بن حزم: سورة الطور كلها محكم، إلا آيةً واحدةً. وهي قوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ...﴾ الآية (٤٨) نسخ الصبر منها بآية السيف. والله أعلم * * *

стр. 12790

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾. المناسبة وقد تقدّم لك آنفًا بيان مناسبة أوّل هذه السورة لآخر السابقة، وأقسم سبحانه بمخلوقاته (١) العظيمة الدالّة على كمال قدرته، وبديع صنعته، وعدَّ منها أماكن ثلاثةً: الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور لأنبياء ثلاثة كانوا ينفردون للخلوة بربهم, والخلاص من الخلق لمناجاة الخالق. فانتقل موسى إلى الطور، وخاطب ربَّه، وقال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾؛ وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. وانتقل محمد إلى البيت المعمور، وناجى ربه، وقال: "سلام علينا وعلى عباد الله

стр. 12791

الصالحين"، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أئنيت على نفسك". وكلَّم يونس ربه في البحر، وقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقرن الكتاب بالطور؛ لأنَّ موسى كان ينزل عليه الكتاب وهو به. وقرن السقف المرفوع بالبيت المعمور، ليعلم عظمة شأن محمد ﷺ . وأقسم بكل هذا علي أن العذاب يوم القيامة نازلٌ بأعدائه الذين يخوضون في الباطل، ويتخذون الدين هزوًا ولعبًا فيدفعون إلى النار دفعًا عنيفًا، ويقال لهم: هذه هي النار التي كنتم بها تكذّبون، ادخلوها، وقاسوا شدائدها، وسواء علكيم أجزعتم أم صبرتم ما لكم منها مهرب ولا خلاص. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بيّن ما يصيب الكافرين من العذاب الأليم الذي لا دافع له، ولا مهرب مه .. ذكر ما يتمتع به المؤمنون في ذلك اليوم من صرف اللذّات في المساكن، والمآكل، والمشارب، والفرش، والأزواج بحسب سنن القرآن من ذكر الثواب بعد العقاب ليتم أمر الترغيب بعد الترهيب، حتى يكون المرء بين عاملين عامل الرهبة من بطش ربّه، وعامل الرغبة في رحمته. وكلاهما لا غنى للمرء عنه؛ ليكمل صلاحه، ويرعوي عن غيّه، ولا يقنط من رحمة ربّه. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّه لما ذكر ما يتمغ به أهل الجنة من المطاعم والمشارب والأزواج كرمًا منه وفضلًا .. أردف ذلك ذكر ما زاده لهم من الفضل والإكرام. وهو أن يلحق بهم ذريتهم المؤمنة في المنازل والدرجات وإن لم تبلغ بهم أعمالهم ذلك لتقربهم أعينهم إذا رأوهم في منازلهم على أحسن الأحوال. فيرفع الناقص في عمله إلى الكامل فيه، ولا ينقص من عمله هو، ولا منزلته. قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله (١) لمّا ذكر فيما سلف أنّ العذاب واقع بالكافرين لا محالة، وأنّ الفريقين المصدقين والمكذبين مجزيون

стр. 12792

بأعمالهم، وأنَّ الرسول على الحق المبين الذي من كذبه باء بغضب من الله، ومن صدقه استحق رضوانه ومغفرة من لدنه .. أمر رسوله هنا بالثبات على التذكير والموعظة، وعدم المبالاة بما يكيد به أولئك الكائدون فإنه هو الغالب حجة وسيفًا في هذه الدار، ومنزلة ورفعة في دار القرار. ثم ذكر تناقض أقوالهم لينبه إلى فساد آرائهم، إلى أنهم ما أعرضوا عن الحق إلا اتباعًا للهوى، لا اتباعًا للدليل والبرهان. وفي ذلك تسلية لرسوله ﷺ ؛ كما لا يخفى؛ إذ ما أبعد حال من كان أرجحهم عقلًا، وأبينهم قولًا منذ ترعرع إلى أن بلغ الأشد من الجنون والكهانة إلى ما في هذا من التناقض والاضطراب. فإن الكهان كانوا من الكملة، وكان قولهم مقنعًا. فأين هذا من الجنون! ثم ترقوا في نبته إلى الكذب، فقالوا: إنه شاعر، وأعذب الشعر أكذبه. ثم قالوا: فلنصبر عليه، ولنتربص صروف الدهر وأحداثه فسيكون حاله حال زهير، والنابغة، وأضرابهم ممن انقرضوا، وصاروا كأمس الدابر. ثم أمره بتهديدهم بمثل صنيعهم بقوله ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾. ثم زاد في تسفيه أحلامهم بأن مصدر هذا الكذيب إما كتاب أنزل عليهم بذلك، وإما أن عقولهم تأمرمم بما يقولون، لا بل الحق أنهم قوم طاغون يفترون، ويقولون ما لا دليل عله لا من كتاب ولا مقتضى له من عقل. ثم زادوا في الإنكار، ونسبوه إلى التقول والافتراء. فإن صح ما يقولون فليأتوا بمثل أقصر سورة من مئل هذا المفترى إن كانوا صادقين، لا بل هم قوم جاحدون لا يؤمنون فليقولوا ما تسوله لهم أنفسهم فإن الله قد أعصى بصائرهم، فهم لا أحلام لهم تميز الحق من الباطل، والغث من السمين. فامض لشأنك، ولا تأبه لمقالتهم، فالله معك ولن يترك شيئًا من أعمالك. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن عباس ﵄

стр. 12793

قال: إنّ قريشًا لمّا اجتمعوا إلى دار الندوة في أمر النبي ﷺ قال قائل منهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم. فأنزل الله في ذلك: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿وَالطُّورِ (١)﴾ ﴿الواو﴾ للقسم. والطور (١) بالسريانية: الجبل. وقال بعضهم: هو عربي فصيح، ولذا لم يذكره الجواليقي في "المعربات". وقال ابن عباس ﵄: الطور: كل جبل ينبت. قال الشاعر: لَوْ مَرَّ بِالطُّوْرِ بَعْضُ نَاعِقَةٍ ... مَا أَنْبَتَ الطُّوْرُ فَوْقَهُ وَرَقَهْ وقيل: بل هو جبل محيط بالأرض. والأظهر الأشهر: أنه اسم جبل مخصوص، هو طور سينين. يعني: الجبل المبارك، وهو جبل مدين، واسمه زبير، سمع فيه موسى ﵇ كلام الله تعالى، ولذا أقسم الله تعالى به. لأنّه محل قدم الأحباب وقت سماع الخطاب. وقال في "خريدة العجائب": جبل طور سينا هو بين الشام ومدين. قيل: إنه بالقرب من أيلة. وهو المكلم عليه موسى ﵇. كان إذا جاء موسى للمناجاة ينزل عليه غمام، فيدخل في الغمام ويكلم ذا الجلال والإكرام. وهو الجبل الذي دك عند التجلي، وهناك خر موسى ﵇ صعقًا. وهذا الجبل إذا كسرت حجارته يخرج من وسطها شجرة العوسج على الدوام. وتعظيم اليهود لشجرة العوسج لهذا المعنى. ويقال لشجرة العوسج: شجرة اليهود، انتهى كلام "الخريدة". والعوسج جمع عوسجة. وهو شجر الشوك، كما في "القاموس". ٢ - ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾؛ أي: مكتوب على وجه الانتظام. فإنَّ السطر ترتيب الحروف المكتوبة. والمراد به: القرآن أو ألواح موسى. وهو الأنسب بالطور أو اللوح المحفوظ. وقيل: جميع الكتب المنزلة، أو ما يكتبه الحفظة يخرج إليهم يوم القيامة منثورًا. فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله. نظيره قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

стр. 12794

كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾. ٣ - ﴿فِي رَقٍّ﴾ متعلق بمسطور؛ أي: مكتوب في رق؛ أي: في جلد رقيق. ﴿مَنْشُورٍ﴾؛ أي: مبسوط. وقرأ الجمهور (١) ﴿فِي رَقٍّ﴾ بفتح الراء. وقرأ أبو السَّمال في ﴿رق﴾ بكسرها. قال الجوهري: الرق بالفتح: ما يكتب فيه. وهو جلد رقيق، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾. وقال المبرد: الرق: ما رق من الجلد ليكتب فيه. والمخشور: المبسوط. قال أبو عبيدة: وجمعه رقوق. وأما الرق بالكسر: فهو المملوك. يقال: عبد رق، وعبد مرقوق. ٤ - ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ في السماء السابعة. وقيل: في سماء الدنيا. ويسمى الضراح (٢) بضم الضاد المعجعة. لأنّه ضرح؛ أي: رفع وأبعد، حيث كان في السابعة. ووصفه بالعمارة باعتبار من يدخل إليه من الملائكة، ويعبد الله فيه. وقيل: الكعبة، ووصفها بالعمارة باعتبار عمارتها بالحجاج، والعمار، والمجاورين فيها. وقال بعضهم: المراد باليت المعمور: قلب المؤمنين، وعمارته بالمعرفة والإخلاص. فإنَّ كل قلب ليس فيه ذلك فهو خراب، فكأنه لا قلب. ٥ - ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾؛ أي: السماء المرفوعة عن الأرض مقدار خمس مئة عام. قال تعال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾. سمَّاها سقفًا لكونها كالسقف للأرض. وقيل: هو العرش. ولا يخفى (٣) حسن موقع العنوان المذكور من حيث اجتماع السقف مع البيت، ومن حيث أن العرش على التقدير الثاني، والبيت المعمور مقاربان تقارب السقف بالبيت. ٦ - ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾؛ أي: المملوء ماء. وهو البحر المحيط الأعظم الذي منه مادة جميع البحار المتصلة والمنقطعة. وهو بحر لا يعرف له ساحل، ولا يعلم عمقه إلا الله تعالى. والبحار التي على وجه الأرض خلجان منه. وفي هذا البحر عرش إبليس لعنه الله. وفيه مدائن تطفو على وجه الماء. وهي آهلة من الجن في مقابلة الربع الخراب من الأرض. وفيه من الجزائر المسكونة والخالية ما لا يعلمه

стр. 12795

إلا الله تعالى. وقيل: معناه: والبحر المحبوس ماؤه من أن يفيض فيغرق جميع ما في الأرض من حيوان ونبات. وقيل: المسجور بمعنى الموقد من السجر. وهو إيقاد النار في التنور، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾. وقد روي: أنّ البحار تسجر يوم القيامة، فتكون نارًا. وهذا على أن يكون البحر بحر الدنيا وبحر الأرض. وقال عليّ ﵁، وعكرمة: هو بحر تحت العرش عمقه كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين، ماء غليظ، يقال له: بحر الحيوان. وهو بحر مكفوف، أي: عن السيلان، يمطر منه على الموتى ماء كالمني بعد النفخة الأولى أربعين صباحًا، فينبتون في قبورهم. ٧ - ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾، أي: لنازل حتمًا. وهو جواب القسم. قال في "فتح الرحمن": المراد: عذاب الآخرة للكفّار، لا العذاب الدنيوي؛ أي: كائن لا محالة لمن يستحقه. ٨ - ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ يدفعه، ويرده عن أهل النار. وهو كقوله تعالى: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾. وهذه الجملة خبر ثان لـ ﴿إن﴾، أو صفة لواقع. و"من" مزيدة للتأكيد. والفرق بين الدفع والرفع: أن الدفع بالدال يستعمل قبل الوقوع، والرفع بالراء يستعمل بعد الوقوع. ووجه تخصيص هذه الأمور بالأقسام بها لما أنها من أمور عظام تنبىء عن عظم قدرة الله تعالى وكمال علمه، وحكمته الدالة على إحاطته بتفاصيل أعمال العباد، وضبطها الشاهدة بصدق أخباره الذي من جملتها الجملة المقسم عليها. والمعنى: أي أقسم لك يا محمد بهذا الجبل العظيم الشأن، الذي كلمت فوقه موسى، وأنزلت عليه التوراة التي كتبت بنظام بديع مرتب الحروف في رق منشور، سهل على كل أحد أن يطلع على ما فيها من حكم وأحكام وآداب وأخلاق، وبالكعبة التي يعمرها عشرات الآلاف الذين يهرعون لها كل عام من أرجاء المعمورة، وينسلون إليها من كل حدب كما يعمرها المجاورون لا تبركًا بالعبادة فيها، وطلبًا لقبولها عند ربهم، والسقف المرفوع، أي: بالعالم العلوي، وما حوى من شموس، وأقمار، وكواكب ثاتبة، وسيارت، وما فيه من عرشه، وكرسيه، وملائكته الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وبالبحر المحبوس من أن يفيض ماؤه فيغرق جميع ما على الأرض، ولا يبقى ولا يذر من حيوان ونبات، فيفسد نظام العالم، وتعدم الحكمة الذي لأجلها خلق. وقد يكون المعنى:

стр. 12796

وبالبحر الموقد في باطن الأرض بمنزلة التنور المحمي. ثم ذكر ما أقسم عليه، فقال: من عذاب ربك يا محمد المحيط بالكافرين المكذبين بالرسل لواقع يوم القيامة، لا يدفعه عنهم دافع، ولا يجدون من دونه مهربًا جزاء ما دسوا به أنفسهم من الشرك والآثام، ودسوا به أرواحهم أو التكذيب بالرسل. ٩ - ﴿يَوْمَ تَمُوُر﴾ وتضطرب وتتحرك ﴿السَّمَاءُ مَوْرًا﴾؛ أي: اضطرابًا. وهو ظرف لواقع، مبين لكيفية الوقوع مُنَبِّىء عن كمال هوله وفظاعته، لا لدافع؛ لأنّه يوهم أنّ أحدًا يدفع عذابه في غير ذلك اليوم. والغرض: أنّ عذاب الله لا يدفع في كل وقت. والمور: الاضطراب والتردد في المجيء والذهاب، والجريان السريع؛ أي: تضطرب، وتجيء، وتذهب. قيل: تدور السماء كما تدور الرحى، وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. وقيل: يختلج أجزاؤها بعضها في بعض، ويموج أهلها بعضهم في بعض، ويختلطون، وهم الملائكة. وذلك من الخوف. والمعنى (١): أي ليس للعذاب دافع في ذلك اليوم الذي ترتج فيه السماء. وهي في أماكنها، وتتحققون أنه لا مانع من عذاب الله، ولا مهرب منه. ١٠ - ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ﴾ عن أماكنها ﴿سَيْرًا﴾ كسير السحاب، وتزول عن مواضعها، وتطير في الهواء، ثم تقع على الأرض مفتتة كالرمل، ثم تصير كالعهن - الصوف المندوف - ثم تطيرها الرياح، فتكون هباء منثورًا. كما دل على ذلك ما جاء في سورة النمل. والحكمة في مور السماء، وسير الجبال: الإعلام والإنذار بأن لا رجوع ولا عودة إلى الدنيا لخرابها، وعمارة الآخرة. وتأكيد (٢) الفعلين بمصدريهما للإيذان بغرابتهما، وخروجهما عن الحدود المعهودة؛ أي: مورًا عجيبًا وسيرًا بديعًا، لا يدرك كنههما، كما سيأتي في مبحث البلاغة. ١١ - والفاء في قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط

стр. 12797

مقدر، تقديره: إذا عرفت مور السماء، وسير الجبال في ذلك اليوم وأردت بيان ما سيقع للمكذّبين فأقول لك ويل، وشدة عذاب. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يقع ذلك المور والسير واقع ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالله ورسوله وباليوم الآخر. وهذا (١) لا ينافي تعذيب غير المكذبين من أهل الكبائر. لأن المعنى: أنَّ الويل والعذاب الشديد خاص بالمكذبين. ١٢ - ثم وصف المكذبين بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ﴾ أي: في اندفاع وانغماس عجيب في الأباطيل والأكاذيبـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: يلهون، ويتشاغلون بكفرهم؛ أي: الذين هم يلعبون، ويلهون، ويتشاكلون في أباطيل، فأفعالهم مثل أفعال الخائض في الماء، فهو لا يدري أين يضع رجله. قال في "فتح الرحمن": الخوض: التخبط في الأباطيل، شبه بخوض الماء، وغوصه. والمعنى: أنهم يخوضون في أمر محمد ﷺ بالتكذيب والاستهزاء. وقيل: يخوضون في أسباب الدنيا، ويعرضون عن الآخرة. وفي "الروح": قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ﴾ ليس صفة قصد بها تخصيص المكذبين وتمييزهم، وإنما هو للذم كقولك: الشيطان الرجيم. والمعنى: أي فإذا حدث ما ذكر من مور السماء، وسير الجبال فهلاك يومئذٍ للمكذبين الذين يخوضون في الباطل، ويندفعون فيه، لاهين عن الآخرة، لا يذكرون حسابًا، ولا يخافون عقابًا. ١٣ - والظرف في قوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ إما بدل من ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ أي: إنّ عذاب ربك لواقع للمكذبين يوم يدعون، ويدفعون ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ ويساقون إليها ﴿دَعًّا﴾؛ أي: دفعًا عنيفًا شديدًا بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النار دفعًا عنيفًا على وجوههم وفي أقفيتهم، حتى يردوها. قرأ الجمهور (٢) بفتح الدال وتشديد العين. وقرأ علي، والسلميّ وأبو رجاء، وزيد بن عليّ، وابن السميقع بسكون الدال وتخفيف العين مفتوحة. من الدعاء؛ أي: يدعون إلى النار، أو متعلق بقول مقدر قبل ١٤ - قوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ﴾؛ أي: يقال لهم يوم

стр. 12798

يدعون إلى نار جهنم دعا: هذه النار التي تشاهدونها الآن هي ﴿الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا؛ أي: تكذبون الوحي الناطق بها. والقائل لهم بهذه المقالة هم خزنة النار. أي: إنَّ عذاب ربك لواقع يوم يدفعون؛ ويساقون إلى نار جهنم دفعا عنيفًا. فإذا دنوا منها تقول لهم خزنتها تقريعًا وتوبيخا: هذه النار التي تشاهدونها هي التي كنتم بها تكذبون في الدنيا. وتكذيبهم بها تكذيب للرسول الذي جاء بخبرها، وللوحي الناطق بها. ١٥ - ثم وبخهم سبحانه أو أمر ملائكته بتوبيخهم، فقال: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ الذي ترون، وتشاهدون الآن كما كنتم تقولون لرسل الله المرسلة، ولكتبه المنزلة. وقدم الخبر هنا على المبتدأ؛ لأنَّه الذي وقع الاستفهام عنه، وتوجه التوبيخ إليه. ﴿أَمْ أَنْتُمْ﴾ عمي عن هذا ﴿لَا تُبْصِرُونَ﴾ به؛ كما كنتم عميًّا عن الحق في الدنيا. والهمزة في قوله: ﴿أَفَسِحْرٌ﴾ للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف. والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أكنتم تقولون للوحي: هذا سحر؟ فهذا المصداق؛ أي: هذه النار التي ترونها الآن سحر. والمصداق: ما يصدق الشيء، وأحوال الآخرة ومشاهدتها تصدق أقوال الأنبياء في الإخبار عنها. يعني: أنَّ الذي ترونه من عذاب النار حق. ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾؛ أي: أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عميًّا عن الخبر، أو أم سدت أبصاركم كما سدت في الدنيا على زعمكم، حيث كنتم تقولون: إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون. وعبارة زاده: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾؛ أي: هل في المرئي تلبيس وتمويه، حتى قيل لكم: إنه نار، مع كونه ليس بنار في نفس الأمر، أم هل في بصركم خلل. فكلمة "أم" متصلة، والاستفهام للإنكار؛ أي: ليس شيء منهما ثابتًا. فثبت أنكم قد بعثتم وجوزيتم بأعمالكم، وأنَّ الذي ترونه حق. فهو تقريع شديد، وتهكم فظيع. ١٦ - وبعد هذا التقريع يقال لهم: ﴿اصْلَوْهَا﴾ إلخ؛ أي: ادخلوها، وقاسوا حرها وشدائدها ﴿فَاصْبِرُوا﴾ عليها إن شئتم ﴿أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ إن شئتم؛ أي: ادخلوها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه. فإنه لا خلاص لكم منها. وهذا على جهة قطع رجائهم. وكان المشركون في الدنيا ينسبون إلى محمد ﷺ أنه يسحر العقول، ويغطي

стр. 12799

الأبصار، فَأَنَّبهم على ما قالوا مستهزئًا بهم، وقال لهم: هل ما ترونه بأعينكم الآن مما كنتم تنبئون به في الدنيا من العذاب حق، أو سحرتم أيضًا كما كان يفعل بكم محمد في الدنيا، أو قد غطيت أبصاركم فلا ترى شيئًا، بلى إنه لحق فلم تسحر أعينكم ولم تغط أبصاركم. والخلاصة: هل في المرئي شك، أو في أبصاركم علل، لا واحد منهما بموجود. فالذي ترونه حق فاصلوها إلخ؛ أي: إذا لم يمكن لكم إنكارها، وتحققتم أن ذلك ليس بسحر، ولم يكن في أبصاركم خلل .. فالآن ادخلوها، وقاسوا شدائدها. فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا، وافعلوا ما شئتم. فالأمران ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ في عدم النفع. قيل أيضًا: تفول لهم الملائكة هذا القول. و ﴿سَوَاءٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمران سواء. ويجوز أن يكون مبتدأ؛ والخبر محذوف؛ أي: سواء عليكم الصبر وعدمه. وفي قوله (١): ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ بيان لعدم الخلاص، وانتفاء لعدم المناص. فإن من لا يصبر على شيء يحاول دفعه إما بإبعاده عنه، وإما بمحقه وإزالته. ولا شيء من ذلك بحاصل يوم القيامة؛ لأنّ عذاب الآخرة ليس كعذاب الدنيا. فإن المعذب في الدنيا إن صبر انتفع بصبره. إما بالجزاء في الآخرة، وإما بالحمد في الدنيا فيقال: ما أشجعه، وما أقوى قلبه. وإن جزع ذم. وقيل فيه: يجزع كالصبيان والنسوان. وأما في الآخرة فلا مدح ولا ثواب على الصبر. ثم علل استواء الصبر وعدمه بقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الخير والشر، لا الذي تعملون في الآخرة من الصبر، والخضوع، والخشوع، والتضرع؛ والدعاء. فإنه لا ينفع شيء منها. وإذا كان الجزاء واقعًا حتمًا .. كان الصبر وعدمه سواء. والمعنى (٢): سواء عليكم الأمران: أجزعتم أم صبرتم في عدم النفع، لا بدفع العذاب، ولا بتخفيفه. إذ لا بد أن يكون الصبر حين ينفع، وذلك في الدنيا، لا غير. فمن صبر هنا على الطاعات لم يجزع هناك؛ إذ الصبر وإن كان مرًّا بصلًا لكن

стр. 12800

آخره حلو عسل. ١٧ - ولما فرغ سبحانه من ذكر حال المجرمين ذكر حال المتقين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ عن الكفر والمعاصي ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ وبساتين خالدة ﴿وَنَعِيمٍ﴾ مقيم وملاذ دائمة. وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة. ويجوز أن تكون من جملة ما يقال للكفّار زيادة في غمهم وحسرتهم. والتنوين في "جنات ونعيم" إما للتفخيم؛ أي: جنات، أيُّ جنّة، ونعيم، أي نعمة بمعنى الكامل في الصفة. وإما للتنويع؛ أي: في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين. والجنة مع كونها أشرف المواضع قد يتوهم أن من يدخلها إنما يدخلها ليعمل فيها، ويصلحها، ويحفظها لصاحبها كما هو شأن ناطور الكرم؛ أي: مصلحه وحافظه. فلما قال: ﴿وَنَعِيمٍ﴾ أفاد أنهم فيها متنعمون كما هو شأن المتفرج بالبستان، لا كالناطور والعمال. ١٨ - حالة كونهم ﴿فَاكِهِينَ﴾؛ أي: ناعمين متلذذين ﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ وأعطاهم من إنعامه، ورضاه عنهم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وذلك أن المتنعم قد يستغرق في النعم الظاهرة، وقلبه مشغول بأمر ما. فلمَّا قال: ﴿فَاكِهِينَ﴾ تبين أن حالهم محض سرور وصفاء وتلذّذ، ولا يتناولون شيئًا من النعيم إلا تلذّذًا، لا لدفع ألم جوع أو عطش. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَاكِهِينَ﴾ بالألف، وبالنصب على الحال، وخبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾. وقرأ خالد ﴿فاكهون﴾ بالرفع على أنه خبر بعد خبر لـ ﴿إِنَّ﴾ عند من يجيز تعدد الخبر، أو هو خبر، و ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ متعلق به. وقرأ ابن عباس ﴿فكهين﴾ بغير ألف. والفكه: طيب النفس، كلما تقدم في الدخان. ويقال للأشر والبطر. ولا يناسب التفسير به هنا. والمعنى (٢): أي إنّ الذين خافوا ربهم، وأخلصوا له العبادة في السر والعلن، وأدوا فرائضه، وتحلوا بآداب دينه، وانتهوا عن معاصيه، ولم يدنسوا أنفسهم بالمعاصي، والآثام، ولم يدسوا أرواحهم بالذنوب يجازيهم ربهم جزاء وفاقًا بجنات يتنعمون فيها، ويجدون ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر

стр. 12801

كفاء ما قاسوا به من جليل الأعمال في الدنيا، وما حرموا منه أنفسهم من لذاتها، وما صبروا عليه من مكارهها ابتغاء رضوانه. وهم فيها قريرو الأعين، طيبو النفوس، لا يشغلهم شاغل، ولا يجدون هما ولا نصبًا، ولا يكدر صفو عيشهم مكدر. وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ لبيان (١) أنَّ حالهم كحال من يتمتع بالبستان، لا كالناطور الذي يحرسه. وقوله: ﴿فَاكِهِينَ﴾ إشارة إلى أن قلوبهم لا يشغلها هم ولا نصب، بل هم في لذة وسرور وفرح وحبور. ثم ذكر أنهم تمتعوا بنعمة أخرى قبل هذه فقال: ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ والوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه، ويضره. والجحمة: شدة تأجج النار، ومنه الجحيم؛ أي: جهنم؛ لأنه من أسمائها. وهو معطوف على ﴿آتَاهُمْ﴾ على أنّ "ما" مصدرية؛ أي: متلذذين بسبب إيتاء ربهم، ووقايتهم عذاب الجحيم. فإنها إن جعلت موصولة يكون التقدير: بالذي وقاهم ربهم عذاب الجحيم، فيبقى الموصول بلا عائد، أو معطوف على خبر إنّ، أو الجملة في محل نصب على الحال بإضمار قد. وإظهار الرب في موضع الإضمار مضافًا إلى ضميرهم للتشريف والتعليل. وقرأ أبو حيوة ﴿ووقّاهم﴾ بالتشديد. ١٩ - وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ على إضمار القول؛ أي: يقال لهم من قبل خزنة الجنة دائمًا: كلوا واشربوا أكلا وشربًا. ﴿هَنِيئًا﴾؛ أي: مأمون العاقبة من التخم والسقم. فـ ﴿هنيئًا﴾ صفة لمصدر محذوف، أو طعاما وشرابا هنيئًا. فهو صفة مفعول به محذوف. فإنّ في ترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بسبه أو بدله (٢). وقيل: الباء زائدة، و"ما" فاعل هنيئًا. والمعنى عليه: هناكم ما كنتم تعملون؛ أي: جزاؤه. والمعنى (٣): كلوا مما رزقكم ربكم من الطيبات، واشربوا مما لذ وطاب بلا تعب في تحصيل الطعام والشراب، وبلا داء في تناولهما، وبلا خوف نفاد، وبلا إثم كما تشاهدون ذلك في طعام الدنيا وشرابها كفاء ما قدمتم من صالح الأعمال،

стр. 12802

وآثرتم من تعب الدنيا لراحة الآخرة. فلا منَّ عليكم في هذا اليوم، وإنما منتي عليكم في الدنيا إذ هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة؛ لأنّ هذا إنجاز الوعد. قيل للربيع بن خيثم، وقد صلى طوال الليل: أتعبت نفسك، فقال: راحتها أطلب. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾. وفي قوله: ﴿هَنِيئًا﴾ إشارة (١) إلى خلو المآكل والمشارب مما ينغصهما، فإنّ الآكل قد يخاف المرض فلا يهنأ له الطعام، أو يخاف النفاد فيحرص عليه، أو يتعب في تحصيله وتهيئته بالطبخ والإنضاج، ولا يكون شيء من هذا في الآخرة. وفي قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إيماء إلى أن هذا إنجاز لما وعدهم ربهم به في الدنيا، فلا من عليهم فيه، بل كان المن عليهم في الدنيا بهدايتهم للإيمان. وتوفيقهم لصالح الأعمال. كما قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. ٢٠ - ثمّ ذكر ما يتمتعون به من الفرش، فقال: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أي: معتمدين ومستندين ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ جمع سرير. وفي الكلام حذف، تقديره: متكئين على نمارق على سرر مصفوفة. وهو الذي يجلس عليه. وهو من السرور إذا كان ذلك لأولى النعمة. وسرير الميت تشبيه به في الصورة، وللتفاؤل بالسرور الذي يلحق الميت برجوعه إلى الله، وخلاصه من سجنه المشار إليه بقوله ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن". وقرأ أبو السَّمال (٢): ﴿على سرر﴾ بفتح الراء. وهي لغة لكلب في المضعف فرارًا من توالي ضمّتين مع التضعيف. ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾؛ أي: مصطفة، قد صف بعضها إلى جنب بعض، أو مرمولة؛ أي: مزينة بالذهب، والفضة، والجواهر. والظاهر (٣): أنّ جمع السرر مبني على أن يكون لكل واحد منهم سرر متعددة مصطفة معدة لزائريهم. فكل من اشتاق إلى صديقه يزوره في منزله. قال الكلبيّ: طولها مئة ذراع في السماء؛ يتقابلون عليها في الزيارة، وإذا أراد

стр. 12803

أحدهم القعود عليها تطامت واتضعت، فإذا قعد عليها ارتفعت إلى أصل حالها. والمعنى (١): أي يجلسون على سرر مصفوف بعضها بجوار بعض جلسة المتكىء الذي لا كلفة عليه، ولا تكلف لديه. فإن من يكون عنده من يكلف له يجلس ولا يتكىء ومن يكون في مهم لا يتفرغ للاتكاء فحالهم حال اطمئنان، ورفع كلفة، وخلو بال. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. ثم ذكر ما يتمتعون به من الأزواج، فقال: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾؛ أي: قرناهم ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾؛ أي: جعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات حسانات، واسعات العيون. واحد الحور: حوراء، وواحد العين: عيناء. وإنما سمين حورًا؛ لأنَّ الطرف يحار في حسنهن، وعينًا لأنهن الواسعات الأعين مع جمالها. والتزويج هنا ليس على أصل معناه: وهو عقد النكاح. بل بمعنى تصييرهم أزواجًا. لأنّه ليس في الجنة تزويج كالدنيا؛ لأنّ الجنة ليست دار تكليف. فشأن تزوج أهل الجنّة بالحور بقبول بعضهم بعضًا، لا بأن يعقد بينهم عقد النكاح. وقرأ عكرمة (٢): ﴿بحور عين﴾ على الإضافة. ٢١ - ولمّا فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة على العموم .. ذكر حال طائفة منهم على الخصوص، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، خبره ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾. ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾؛ أي: نسلهم، معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ ﴿بِإِيمَانٍ﴾ متعلق بـ ﴿اتبعوا﴾. والتنكير فيه (٣) للتقليل؛ أي: بشيء من الإيمان. وتقليل الإيمان ليس مبنيًا على دخول الأعمال فيه، بل المراد: قلة ثمرته، ودناءة قدره بذلك. فالتقليل فيه بمعنى التحقير. والمعنى: واتبعتهم ذريتهم بإيمان في الجملة، قاصرين عن رتبة إيمان الآباء. واعتبار هذا القيد للإيذان بثبوت الحكم في الإيمان الكامل أصالةً، لا إلحاقًا. ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: أولادهم الصغار والكبار في الدرجة. كما روي: أنه ﷺ قال: "أنه تعالى يرفع ذرية المؤمن في درجته"، وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه؛ أي: يكمل سروره. ثم تلا هذه الآية.

стр. 12804

وفي الآية: دلالة بينة على أن الولد يحكم بإيمانه تبعًا لأحد أبويه، وتحقيقًا للحوقه به. فإنه تعالى إذا جعلهم تابعين لآبائهم، ولا حقين بهم في أحكام الآخرة، فينبغي أن يكونوا تابعين لهم، ولا حقين بهم في أحكام الدنيا أيضًا. قال في "فتح الرحمن": إن المؤمنين اتبعتهم أولادهم الكبار والصغار بسبب إيمانهم. فكبارهم بإيمانهم بأنفسهم، وصغارهم بأن اتبعوا في الإِسلام بآبائهم بسبب إيمانهم؛ لأنّ الولد يحكم بإسلامه تبعًا لأحد أبويه إذا أسلم. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد. وقال مالك: يحكم بإسلامه تبعًا لإسلام أبيه دون أمه. وقيل (١): إنّ الضمير في ﴿بِهِمْ﴾ راجع إلى الذرية المذكورة أولًا؛ أي: ألحقنا بالذرية المتبعة لآبائهم بإيمان ذريتهم. وقيل: المراد بالذين آمنوا: المهاجرون والأنصار فقط. وظاهر الآية العموم، ولا يوجب تخصيصها بالمهاجرين والأنصار كونهم السبب في نزولها إن صح ذلك. فالاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ بإسناد الفعل إلى الذريّة. وقرأ أبو عمرو ﴿أَتْبَعْنَاهم﴾ بإسناد الفعل إلى المتكلّم كقوله: ﴿أَلْحَقْنَا﴾. وقرأ الجمهور ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بالإفراد. وقرأ ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب بالجمع، إلا أن أبا عمرو قرأ بالنصب على المفعولية لكونه قرأ ﴿وأَتْبَعْناهم﴾. ورويت قراءة الجمع هذه عن نافع والمشهور عنه كقراءة الجمهور. والمعنى: أي إن المؤمنين إذا اتبعتهم ذريتهم في الإيمان .. يلحقهم ربهم بآبائهم في المنزلة فضلًا منه وكرمًا، وإن لم يبلغوا بأعمالهم منزلتهم لتقر بهم أعينهم، ويكمل بهم فرحهم وحبورهم لوجودهم بينهم. وروى ابن مردويه، والطبراني عن ابن عباس ﵄: أنّ النبي ﷺ قال: "إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه، وزوجته، وولده فيقال له: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به". ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾؛ أي (٣): وما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق، وإلا لأبغضوهم في

стр. 12805

الدنيا شحًا، كما في "عين المعاني". من ألت يألت كضرب يضرب. ﴿مِنْ عَمَلِهِمْ﴾؛ أي: من ثواب عملهم ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من الأولى متعلقة بألتناهم، والثانية زائدة. والمعنى: ما نقصناهم من عملهم شيئًا بأن أعطينا بعض مثوباتهم أبنائهم، فتنتقص مثوبتهم، وتنحط درجتهم. وإنما رفعناهم إلى درجتهم ومنزلتهم بمحض الفضل والإحسان. وقرأ الجمهور (١): ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ بفتح اللام، من ألات. والحسن، وابن كثير بكسرها. وابن هرمز ﴿آلتناهم﴾ بالمد، من آلت على وزن أفعل. وابن مسعود، وأبي ﴿لتناهم﴾ من لات. وهي قراءة طلحة، والأعمش. ورويت عن شبل، وابن كثير، وعن طلحة، والأعمش أيضًا ﴿لتَنْاهم﴾ بفتح اللام. قال سهل لا يجوز فتح اللام من غير ألف بحال. وأنكر أيضًا آلتناهم بالمد كما قرأ ابن هرمز. وقال: لا يروى عن أحد، ولا يدل عليها تفسير ولا عربية. وليس كما ذكر بل قد نقل أهل اللغة آلت بالمد. وقرىء ﴿وما ولتناهم﴾ ذكره ابن هارون. قال ابن خالويه: فيكون الحرف هنا من لات يليت، وولت يلت، وألت يألت، وألات يليت ويؤلت. وكلها بمعنى نقص. ويقال: ألت بمعنى غلظ. نقد قام رجل إلى عمر ﵁ فوعظه فقال رجل: لا تألت أمير المؤمنين؛ أي: لا تغلظ عليه. والمعنى (٢): أي وما أنقصنا مثوبات الآباء، وحططنا درجاتهم، بل رفعنا منزلة الأبناء تفضلًا منّا وإحسانًا. وبعد أن أخبر عن مقام الفضل، وهو رفع درجة الذريّة إلى منزلة الآباء من غير عمل لهم .. أخبر عن مقام العدل. وهو أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد فقال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾؛ أي: كل امرىء مرتهن بعمله، لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس سواء كان أبًا أو ابنًا. وقد جعل العمل كأنه دين، والمرء كأنه رهن به. والرهن لا ينفك ما لم يؤد الدين. فإن كان العمل صالحًا .. فقد أدى الدين؛ لأنّ العمل الصالح يقبله الله سبحانه ويصعد إليه، وإن كان غير صالح فلا أداء ولا خلاص. إذ لا يصعد إليه غير الطيب. ونحو الآية قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)

стр. 12806

إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾؛ أي: إنّ كل نفس رهن بعملها عند الله، لا يفك رهنها إلا أصحاب اليمين. فإنهم فكوا عنه رقابهم بما أطاعوه من عملهم وكسبهم. والرهن (١): ما يوضع وثيقة للدَّين. ولما كان الرهن يتصور منه حبسه أستعير ذلك للمحتبس، أيَّ شيء كان. وقال ابن الشيخ: ﴿ما﴾ مصدرية. والفعيل بمعنى المفعول، والعمل الصالح بمنزلة الدين الثابت على المرء، من حيث أنه مطالب به. ونفس العبد مرهونة به. فكما أن المرتهن ما لم يصل إليه الدين لا ينفك منه الرهن كذلك العمل الصالح ما لم يصل إلى الله لا تتخلص نفس العبد المرهونة. فالمعنى: كل امرىء مرهون عند الله بالعمل الصالح الذي هو دين عليه. فإن عمله، وأداه كما هو المطلوب منه فك رقبته من الركن، وإلّا أهلكها. وفي الآية: وجه آخر، وهو أن يكون الرهين فعيلًا بمعنى فاعل. فيكون المعنى: كل امرىء بما كسب راهن دائم ثابت مقيم. إن أحسن .. ففي الجنة مؤبّدًا، وإن أساء .. ففي النار مخلَّدًا؛ لأنّ في الدنيا دوام الأعمال بدوام الأعيان. فإنّ العرَض لا يبقى إلا في جوهر، ولا يوجد إلا فيه. وفي الآخرة دوام الأعيان بدوام الأعمال. فإنّ الله يبقي أعمالهم لكونها عند الله تعالى من الباقيات الصالحات، وما عند الله باق. والباقي من الأعيان يبقى ببقاء عمله. قال في "الإرشاد": وهذا المعنى أنسب بالمقام. فإنّ الدوام يقتضي عدم المفارقة بين المرء وعمله. ومن ضرورته أن لا ينقص من ثواب الآباء شيء. فالجملة تعليل لما قبلها، انتهى. ٢٢ - وبعد أن ذكر وجوه النعيم فيما سلف ذكر أنّه يزيدهم على ذلك حينًا فحينًا مما يشتهون من فنون النعماء، فقال: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾؛ أي: زدناهم على ما كان لهم من النعيم ﴿بِفَاكِهَةٍ﴾ متنوعة كثيرة. والفاكهة: هي الثمار كلها. والتنوين فيها للتكثير؛ أي: بفاكهة لا تنقطع كلما أكلوا ثمرة عاد مكانها مثلها. ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾؛ أي: من اللحوم التي يشتهونها ويستطيبونها، وإن لم يقترحوا ولم يطلبوا. والمعنى: وزدناهم عل ما كان من مبادي التنعم وقتًا فوقتًا مما يشتهون من

стр. 12807

فنون النعماء، وضروب الآلاء. وذلك أنه تعالى لما قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ ونفى النقصان يصدق بإيصال المساوى دفع هذا الاحتمال بقوله: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾؛ أي: ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوي بل بالزيادة على ثواب أعمالهم، والإمداد لهم. و ﴿ما﴾ (١) في ﴿مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ للعموم لأنواع اللحوم. وفي الخبر: "إنك لتشتهي الطير في الجنة فيخرُّ بين يديك مشويًّا". وقيل: يقع الطائر بين يدي الرجل في الجنة فيأكل منه قديدًا ومشويًّا، ثم يطير إلى النهر. وذكر الفاكهة واللحم دون أنواع الطعام الأخرى؛ لأنهما طعام المترفين في الدنيا. ٢٣ - وبعد أن ذكر طعامهم أردفه بذكر شرابهم، وسرورهم لدى إحتسائهم له، فقال: ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾؛ أي: يتعاطون ﴿فِيهَاَ﴾؛ أي: في الجنات، ويتداولون هم وجلساؤهم بكمال رغبة واشتياق. كما ينبىء عنه التعبير بالتنازع الذي هو التعاطي والتداول على طريق التجاذب. يعني: تجاذب الملاعبة لفرط السرور والمحبّة. وفيه نوع لذة. إذ لا يتصور في الجنة التنازع بمعنى التخاصم. ﴿كَأْسًا﴾؛ أي: يتعاطون ويتناولون فيها كؤوسًا من خمر، ويتجاذبونها هم وجلساؤهم تجاذب ملاعبة كما يفعل الندامى في الدنيا فيما بينهم لشدّة سرورهم. والكأس: قدح فيه شراب، ولا يسمى كأسًا إلا إذا كان فيه شراب، كما لا يسمّى مائدة إلا إذا كان فيه طعام. والمعنى (٢): ﴿كَأْسًا﴾؛ أي: خمرًا تسمية لها باسم محلها. ولما كانت الكأس مؤنثة مهموزة أنّث الضمير في قوله: ﴿لَا لَغْوٌ﴾؛ أي: لا باطل من الكلام؛ ولا ساقط منه. ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في شرب تلك الكأس. فلا يتكلّمون في أثناء الشرب بلغو الحديث، وسقط الكلام. قال الراغب: اللغو من الكلام: ما لا يُعتدّ به. وهو الذي يورد لا عن روية وفكر. فيجري مجرى اللغا. وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور. ﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ في شربها؛ أي: لا يفعلون ما يأثم به فاعله؛ أي: ينسب إلى الإثم لو فعله في دار

стр. 12808

التكليف من الكذب، والسبّ، والفواحش. كما هو ديدن المنادمين في الدنيا. وإنما يتكلّمون بالحِكَم وأحاسن الكلام، ويفعلون ما يفعله الكرام؛ لأنّ عقولهم ثابتة غير زائلة. قرأ الجمهور (١): ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ بالرفع، والتنوين فيهما. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وأبو عمرو بفتحهما من غير تنوين. ومعنى ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾؛ أي: لا فضول من الكلام فيها. ﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾؛ أي: لا سِبَابَ ولا تَخاصم فيها. وقد أخبر سبحانه في موضع آخر عن حسن منظرها، وطيب مطعمها، فقال: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾، ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾، وقال: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾. ٢٤ - ثم ذكر ما لهم من خدم وحشم في الجنّة، فقال: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: يدور على أهل الجنة بالكؤوس، والفواكه، والأطعمة. من الطواف. وهو المشي حول الشيء. ومنه الطائف لمن يدور حول البيت. وقال هنا، وفي الإنسان: ﴿وَيَطُوفُ﴾ بالواو. حيث قال في الإنسان: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لأنه معطوف على ما قبله. وقال في الواقعة بلا واو، حيث قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾. لأنّه حال أو خبر بعد خبر، انتهى "فتح الرحمن". ﴿غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ أي: مماليك مخصوصون بهم. ولم يضفهم (٢) بأن يقول: غلمانهم؛ لئلا يظن أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا، فيشفق كل من خدم أحدًا في الدنيا أن يكون خادمًا له في الجنة، فيحزن لكونه لا يزال تابعًا. وأفاد التنكير أن كل من دخل الجنّة؛ وجد له خدم لم يعرفهم، كما في "حواشي سعدي المفتي". وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ ...﴾ إلخ، حال من ﴿غلمان﴾. لأنّهم قد وصفوا؛ أي: كأنهم في الحسن، والبياض، والصفاء ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾؛ أي: درّ مستور مصون في الصدف لم تمسه الأيدي. من كننت الشيء إذا سترته، وصنته من الشمس؛ لأنّه رطبا أحسن، وأصفى إذ لم تمسه الأيدي، ولم يقع عليه غبار. أو لؤلؤ مخزون؛ لأنه لا يخزن إلَّا الثمين الغالي القيمة.

стр. 12809

قيل لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر لية البدر على سائر الكواكب". أخرجه ابن جرير، وابن المنذر. وعنه ﷺ : "إنّ أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه لبّيك لبيك". والمعنى (١): أي ويطوف عليهم بالكؤوس مماليك لهم يتصرّفون فيهم بالأمر والنهي والاستخدام، كأنهم اللؤلؤ الرطب المكنون في الأصداف في الحسن، والبهاء. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾. ٢٥ - ثمّ بيّن أنهم في الجنة يتذاكر بعضهم مع بعض في أحوال الدنيا، فقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾؛ أي: بعض أهل الجنة ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ آخر، حال كونهم ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: يسأل كل بعض منهم بعضًا آخر عن أحواله، وأعماله، وما استحق به نيل ما عند الله سبحانه من الكرامة. وذلك تلذّذًا واعترافًا بالنعمة العظيمة على حسب الوصول إليها على ما هو عادة أهل المجلس يشرعون في التحادث ليتمَّ به اشتئناسهم. فيكون كل بعض سائلًا ومسؤولًا، لا أنه يسأل بعض عين منهم بعضًا آخر معيّنًا. أي (٢): يسأل بعضهم بعضًا في الجنة عن حاله، وما كان فيه من تعب الدنيا وخوف العاقبة، فيحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن، والخوف، والهمِّ، وما كانوا فيه من الكدِّ والنكدِ بطلب المعاش، وتحصيل ما لا بدَّ منه من الرزق. وقيل: يقول بعضهم لبعض: بم صِرتم في هذه المنزلة الرفيعة؟ وقيل: إنّ التساؤل بينهم عند البعث من القبور. والأوّل أولى لدلالة السياق على أنهم قد صاروا في الجنة. ٢٦ - وجملة قوله: ﴿قَالُوا ...﴾ إلخ، مستأنفة استئنافًا بيانيًا. كأنَّه قيل: ماذا قال بعضهم لبعض عند التساؤل؟ فقيل: قالوا؛ أي: المسؤولون. وهم كل واحد منهم في الحقيقة: ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ في الدنيا ﴿قَبْلُ﴾؛ أي: قبل دخول الجنة ﴿فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾؛ أي: خائفين، وجلين من عذاب الله تعالى. أو كنا خائفين من عصيان الله معتنين بطاعة الله. قيّد (٣) بقوله: ﴿فِي أَهْلِنَا﴾ فإنّ كونهم بين أهليهم مظنة الأمن. فإذا

стр. 12810

خافوا في تلك الحال فلأن يخافوا في سائر الأحوال والأوقات أولى. يقول الفقير: الظاهر أنَّ هذا الكلام وارد على عرف الناس. فإنهم يقولون: شأننا بين قومنا وقبيلتنا كذا. فهم كانوا في الدنيا بين قبائلهم وعشائرهم على صفة الإشفاق. وفيه تعريض بأن بعض أهليهم لم يكونوا على صفتهم، ولذا صاروا محرومين. ويدلّ (١) على هذا أنّ الأهل يفسّر بالأزواج، والأولاد، وبالعبيد والإماء، وبالأقارب، وبالأصحاب، وبالمجموع. كما في "شرح المشارق لابن الملك". أخرج البزّار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدّثان، فيتكيء ذا ويتكىء ذا، فيتحدثان بما كانوا في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان أتدري أي يوم غفر الله لنا اليوم الذي كنّا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا، ثم فصل ما يجيب به بعضهم بعضا، فقال: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ﴾ في الدنيا، ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه. ٢٧ - ﴿فَمَنَّ الله﴾ سبحانه؛ أي: تفضل وأنعم ﴿عَلَيْنَا﴾ بالمغفرة والرحمة، أو بالهداية والتوفيق لطاعته. يقول الفقير: الظاهر: أنّ المنَّ والإنعامَ إنَّما هو بالجنة ونعيمها، كما دلّ عليه قوله: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾؛ أي: (٢) حفظنا من عذاب النار النافذة في المسامّ؛ أي: ثقب الجسد كالمنخر، والفم، والأذن نفوذ السموم. وهي الريح الحارّة التي تدخل المسام. فأطلق على جهنم لنفوذ حرّها في المسام كالسموم. وقرأ أبو حيوة ﴿ووقّانا﴾ بتشديد القاف. روي: أنَّ عائشة قالت: لو فتح الله على أهل الأرض من عذاب السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها. ٢٨ - ثم تمموا العلة في استحقاقهم للكرامة في تلك الدار بقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ في الدنيا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل لقاء الله سبحانه، والمصير إليه ﴿نَدْعُوهُ﴾، أي:

стр. 12811

نعبده, ونسأله أن يمنّ علينا بالمغفرة والرحمة، فاستجاب دعائنا، وأعطانا سؤلنا. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: لأنّه هو المحسن الكثير الرحمة الواسع الفضل الذي إذ عُبد أثاب، وإذا سئل أجاب. وكل من المؤمن والكافر لا ينسى ما كان له في الدنيا. وتزداد لذّة المؤمن إذا رأى نفسه قد انتقلت من سجن الدنيا إلى نعيم الجنة، ومن الضيق إلى السعة. وتزداد آلام الكافر إذا رأى نفسه انتقل من الترف إلى التلف، ومن النعيم إلى الجحيم. وقرأ الحسن وأبو جعفر، ونافع، والكسائي (١): ﴿أنه﴾ بفتح الهمزة؛ أي: لأنّه. وقرأ باقي السبعة ﴿إِنَّهُ﴾ بكسر الهمزة. وهي قراءة الأعرج، وجماعة، وفيها معنى التعليل. ٢٩ - والفاء في قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدّر تقديره: إذا عرفت يا محمد أن في الوجود قوما يخافون الله سبحانه، ويشفقون في أهليهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: أثبت ودم على ما أنت عليه من تذكير المشركين بما أنزل إليك من الآيات والذكر الحكيم، ولا تكثرت بحسب يقولون مما لا خير فيه من الأباطيل. ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾؛ أي: بسبب إنعام الله عليك بالنبوّة، ورجاحة العقل ﴿بِكَاهِنٍ﴾؛ أي: بمخبر عن المغيبات بلا وحي. ﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾؛ أي: ولا زائل عقل، ولا فاسده. والباء (٢) متعلقة بمحذوف هو حال؛ أي: ما أنت متلبّسًا بنعمة ربك التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل بكاهن ولا مجنون. وقيل: متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام؛ أي: ما أنت في حال إذكارك بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون. وقيل: الباء سببية متعلقة بمضمون الجملة المنفية. والمعنى: انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك. كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله. وقيل: الباء للقسم متوسطة بين اسم ﴿ما﴾ وخبرها. والتقدير: ما أنت ونعمة الله بكاهن ولا مجنون. والكاهن: هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي؛ أي: ليس ما تقوله كهانة. فإنك إنما تنطق بالوحي الذي

стр. 12812

أمرك الله بإبلاغه. والمقصود من الآية: ردّ ما يقوله المشركون: إنه كاهن أو مجنون. والمعنى: أي (١) فذكر أيها الرسول من أرسلت إليهم من قومك وغيرهم، وعظهم بالآيات والذكر الحكيم، ولا تكثرت بما يقولون فيك من الأكاذيب. وقد انتفت عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك. والمقصود بذلك: الرد على القائلين بذلك، وإبطاله. فإن ما أوتيته من رجاحة العقل، وعلو الهمة، وكرم الفعال، وصدق النبوّة لكاف جد الكفاية في دحض هذا، وأشباهه. وممن قال: إنه كاهن: شيبة بن ربيعة. وممن قال: إنه مجنون: عقبة بن أبي معيط. ٣٠ - ثم ذكر أنهم ترقوا في الإنكار عليه، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ و ﴿أَمْ﴾ (٢) المكرّرة في هذه الآيات منقطعة بمعنى بل الأضرابية، وهمزة الاستفهام. وقال في "برهان القرآن": أعاد أم خَمْس عَشْرَةَ مرّة. وكلّها إلزامات وليس للمخاطبين بها عنها جواب. وفي "عين المعاني": ﴿أَمْ﴾ هاهنا خمسة عشر. وكلّها استفهام. أربعة للتحقيق والتقرير مع التوبيخ بمعنى بل: ١ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾. ٢ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ وقد قالوها. ٣ - ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. ٤ - ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾. وقد فعلوهما. وسائرها للإنكار. وفي "فتح الرحمن": جميع ما في هذه السورة من ذكر ﴿أم﴾ استفهام غير عاطفة. واستفهم تعالى مع علمه بهم تقبيحًا عليهم وتوبيخًا لهم، كقول الشخص لغيره: أجاهل أنت؟ مع علمه بجهله؛ أي: بل أيقول كفّار مكة: هو؛ أي: محمد ﷺ ﴿شَاعِرٌ﴾ يتقوّل الكلام من تلقاء نفسه. وصفوه بالشعر؛ لأنهم يعدُّون الشعر دناءة. لأنّ الشعر كان مكسبة وتجارة. وفيه وصف اللئيم عند الطمع بصفة الكريم، والكريم عند تأخر صلته بوصف اللئيم. ومما يدل على شرف النثر أنَّ الإعجاز وقع في النثر دون النظم؛ لأنّ زمن النبيّ ﷺ زمن الفصاحة. فإن قلت: فإذا كان الإعجاز واقعًا في النثر، فكيف قالوا في حقّ القرآن: شعر، وفي حقّه ﷺ : شاعر؟ قلت: ظنوا أنه ﷺ كان يرجو الأجر على التبليغ. ولذا قال تعالى: ﴿قُلْ مَا

стр. 12813

أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. فكان ﷺ عندهم بمنزلة لشاعر، حيث إنّ الشاعر إنما يستجلب بشعره في الأغلب المال، وأيضًا لمّا كانوا يعدون الشعر دناءة حملوا القرآن عليه. ومرادهم عدم الإعتداد به. قال ابن الشيخ: قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ إلخ، من باب الترقي إلى قولهم فيه: "إنه شاعر". لأنّ الشاعر أدخل في الكذب من الكاهن والمجنون. وقد قيل: أحسن الشعر أكذبه. وكانوا يقولون لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره. وإنا نصبر ونتربص موته وهلاكه كما هلك من قبله من الشعراء. وحينئذٍ تتفرق أصحابه، وإن أباه مات شابًّا، ونحن نرجوا أن يكون موته كموت أبيه. وذلك قوله تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ﴾؛ أي: ننتظر ﴿بِهِ﴾؛ أي: بذلك الشاعر. والجملة صفة لشاعر. ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾؛ أي: تقلبات الزمان، وحوادث الدهر، ونزول الموت. فإنه إن كان شاعرًا فصروف الزمان قد تضعف ذهنه، فيتبين كساد شعره. وقد سبق آنفًا أنَّ ﴿أَمْ﴾ هنا بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام التقريري. والمعنى: أي بل قال كفّار قريش: هو شاعر نتربّص، وننتظر به نوائب الدهر. فيهلك كما هلك غيره من الشعراء: زهير، والنابغة، وطرفة، وغيرهم. أو ننتظر به الموت كما مات أبوه شابًّا. وذلك كما تتمنى الصبيان في المكتب موت معلمهم ليتخلصوا من يده، فويل لمن أراد هلاك معلمه في الدين، وكان محرومًا من تحصيل اليقين. روي: أنّ قريشًا اجتمعت في دار الندوة، وذهبت مذاهب شتى في صدّ دعوته ﷺ ، ومقابلة هذا الخطر الداهم عليهم، وماذا يفعلون في الخلاص منه. فقال قائل من بني عبد الدار: تربصوا به ريب المنون. فإنّه شاعر، وسيهلك كما هلك زهير، والنابغة، والأعشى. ثم افترقوا على هذه المقالة. فنزلت الآية. وخلاصة هذا: أنا نبتعد من إيذائه، ونتقي لسانه مخافة أن يغلبنا بقوّة شعره. وإنما سبيلنا معه أن نصبر عليه، ونتربص موته كما مات الشعراء من قبله. ٣١ - فأمره الله سبحانه أن يهددهم، ويتهكم بهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد جوابًا لهم ﴿تَرَبَّصُوا﴾؛ أي: انتظروا وتمهلوا في ريب المنون. وهذا أمر تهديد. ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾؛ أي: فإني متربص منتظر معكم قضاء الله سبحانه فيَّ وفيكم،

стр. 12814

وستعلمون لمن تكون له حسن العاقبة، والظفر في الدنيا والآخرة. وفي هذا عِدَةٌ كريمة بإهلاكهم. قرأ الجمهور (١): ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ بإسناد الفعل إلى جماعة المتكلمين. وقرأ زيد بن عليّ ﴿يتربص﴾ بالياء مبنيًا للمفعول، ﴿ريب المنون﴾ بالرفع على النيابة. وقد أهلكوا قبل رسول الله ﷺ في يوم بدر، وفي غيره من الأيّام. وقيل (٢): إنَّ معنى الآية: إني أخاف الموت، ولا أتمناه لا لنفسي، ولا لأحد، وإنما أنا نذير فتربصوا موتي، وأنا متربصه. ولا يسرنكم ذلك لعدم حصول ما تتمون بعدي. ٣٢ - ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ﴾؛ أي: بل أتأمرهم ﴿أَحْلَامُهُمْ﴾؛ أي: عقولهم السخيفة السفيهة ﴿بِهَذَا﴾ المقال المتناقض، حيث قالوا في حقّ الرسول: هو كاهن مجنون شاعر. فإنّ الكاهن يكون ذا فطنة، ودقة نظر في الأمور، والمجنون مغطى عقله مختل فكره، والشاعر ذو كلام موزون، متسق، مخيل فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في رجل واحد. فالشاعر غير الكاهن وغير المجنون (٣). وفرق عظيم بين من زال عقله، ومن يقول الشعر الحكيم الرصين، ومن يجعل قوله حجة في معرفة أخبار الغيب، ويعقد أن الجن توحي إليه بما يقول. وقصارى هذا: أنهم لا أحلام لهم ولا عقول، فدع تفوههم بهذه الأقوال الزائغة المتناقضة. وفي الآية إشارة إلى التربص في الأمور، ودعوة الخلق إلى الله تعالى، والتوكل على الله فيما يجري على عباده، والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. إذ كل يجري على ما قضاه الله تعالى. ثم ذكر السبب الحق في كل ما يعملون، فقال: ﴿أَمْ هُمْ﴾؛ أي: بل أهم ﴿قَوْمٌ طَاغُونَ﴾؛ أي: مجاوزون الحدود في المكابرة والعناد مع ظهور الحقّ، لا يحومون حول الرشد والسداد. ولذلك يقولون ما يقولون من الأكاذيب الخارجة عن دائرة العقول والظنون، أي: بل الحق أن الذي حملهم على أن يقولوا ما قالوا هو طغيانهم، وعنادهم، وضلالهم عن الحق. وقرأ مجاهد (٤) ﴿بل هم﴾ مكان ﴿أم هم﴾.

стр. 12815

٣٣ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ محمد ﷺ ؛ أي: اختلق القرآن من تلقاء نفسه. ثم قال: إنه من عند الله افتراء عليه تعالى، وليس الأمر كما زعموا. ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ البتة؛ لأن الله سبحانه ختم على قلوبهم. وفي "الإرشاد": فلكفرهم وعنادهم يرمونه بهذه الأباطيل التي لا يخفى على أحد بطلانها، كيف لا وما رسول الله ﷺ إلا واحد من العرب، أتى بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم، وفي كون ذلك مبنيًا على العناد إشارة إلى أنهم يعلمون بطلان قولهم، وتناقضه؛ أي: إنَّ كفرهم هو الذي حملهم على هذه المطاعن، وزين لهم أن يقولوا ما قالوا. ٣٤ - ثم رد عليهم جميع ما زعموا، وتحداهم في دحض ما قالوا، فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ والفاء فيه فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره؛ أي: (١) إذا كان الأمر كما زعموا من أنه كاهن أو مجنون أو شاعر، ادّعى الرسالة وتقول القرآن من عند نفسه، فليأتوا بكلام مثل القرآن في النعوت التي استقل بها من حيث النظم، ومن حيث المعنى. قال في "التكملة": والمشهور عند القراء ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ بتنوين حديث، فيكون الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ راجعًا إلى القرآن. وقرأ الجحدري (٢)، وأبو السمال ﴿بحديث مثله﴾ بالإضافة، فيكون الضمير راجعًا إلى الرسول ﷺ ؛ أي (٣): بحديثِ رجل مثل الرسول في كونه أميًّا لم يصحب أهل العلم، ولا رحل عن بلده، أو مثله في كونه واحدًا منهم. فلا يجوز أن يكون مثله في العرب فصاحة فليأت بمثل ما أتى به، ولن يقدر على ذلك أبدًا. ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ فيما زعموا. فإن صدقهم في ذلك يستدعي قدرتهم على الإتيان بمثله بقضيّة مشاركتهم له ﷺ في البشرية والعربية مع ما بهم من طول الممارسة للخطب، والأشعار، وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام. ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به، ودواعي الأمر بذلك. والمعنى (٤): أي إن كان شاعرًا .. فلديكم الشعراء الفصحاء، أو كاهنًا ..
следующие страницы →