← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12916–12955 · переход к 12921.

стр. 12916

"المفردات". ﴿إِذَا تُمْنَى﴾؛ أي: إذا تدفق، وتصب في الرحم والمعنى: أنه يقدر منها الولد. قال أبو عبيدة: ﴿إِذَا تُمْنَى﴾ إذا تقدر. يقال: منيت الشيء إذا قدرته، ومنى له إذا قدر له. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ ولم يقل: وأنه هو خلق، كما قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾؟ فالجواب: أن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان، وكذا الإماتة. وإن كان ذلك التوهم فيهما أبعد، لكن ربما يقول به جاهل، كما قال من حاج إبراهيم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. فأكد ذلك بالفصل. وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة، فلا يتوهم أحد أنه بفعل أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل. اهـ كرخي. والمعنى: أي وأنه خلق الذكر والأنثى من الإنسان وغيره من الحيوان من المنيّ الذي يدفق، ويصب في الأرحام. ٤٧ - ﴿وَ﴾ مما في صحفهما ﴿أَنَّ عَلَيْهِ﴾ ﴿النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾، أي: الخلقة الأخرى. وهو الإحياء بعد الموت وفاء بوعده، لا لأنّه يجب على الله كما يوهمه ظاهر كلمة على. وفيه تصريح بأن الحكمة الإلهية اقتضت النشأة الثانية الصورية للجزاء، والمكافأة، وإيصال المؤمنين بالتدرج إلى كمالهم اللائق بهم. ولو أراد تعجيل أجورهم في هذه الدار .. لضاقت الدنيا بأجر واحد منهم، فما ظنك بالباقي. ومن طلب تعجيل نتائج أعماله وأحواله في هذه الدار .. فقد أساء الأدب، وعامل الموطن بما لا يقتضيه حقيقته؛ أي: وإن عليه الإحياء بعد الإماتة ليجازي كلًّا من المحسن، والمسيء على ما عمل. وقرأ الجمهور (١) ﴿النَّشْأَةَ﴾ بالقصر بوزن الضربة. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالمد بوزن الكفالة. وهما على القراءتين مصدران. ٤٨ - ﴿وَ﴾ مما في صحفهما ﴿أَنَّهُ﴾ تعالى ﴿هُوَ﴾ وحده ﴿أَغْنَى﴾ من شاء من عباده بالأموال ﴿وَأَقْنَى﴾؛ أي: أفقر من شاء منها. ومثله قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، وقوله: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾؛ أي: وأنه تعالى يغني من يشاء من عباده، ويفقر من يشاء بحسب ما يرى من استعداد كل منهما ومقدرته على كسب المال بحسب السنن المعروفة في هذه الحياة.

стр. 12917

وفي هذا (١): تنبيه إلى كمال القدرة. فإن النطفة جسم متناسب الأجزاء في الظاهر، ويخلق الله تعالى منها أعضاء مختلفة، وطباعًا متباينة من ذكر وأنثى. ومن ثم لم يدع أحد خلق ذلك كما لم يدع خلق السموات والأرض كما قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. ونحو الآية قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ وقيل: أنه هو أغنى؛ أي: أعطى الغنى للناس بالأموال، وأقنى؛ أي: أعطى القنية. وهي ما يتأثل من الأموال؛ أي: يتخذ أصلًا، ويدخر بأن يقصد حفظه استثمارًا واستنماءً، وأن لا يخرج عن ملكه. وقال بعضهم: أغنى الناس بالكفاية والأموال، وأعطى القنية، وما يدخرونه بعد الكفاية. وقال الضحاك: أغنى بالذهب، والفضة، والمسكن، والثياب. وأقنى بالإبل، والبقر، والغنم، والدواب. قال أبو زيد: تقول العرب: من أعطي مئة من البقر .. فقد أعطي القنى، ومن أعطي مئة من الضأن .. فقد أعطي الغنى، ومن أعطي مئة من الإبل .. فقد أعطي المنى. وأفرد القنية بالذكر بعد قوله: ﴿أَغْنَى﴾؛ لأنها أشرف الأموال، وأفضلها. والأوفق لما قدمه من الآي المشتملة على مراعاة صنعة الطباق أن يحمل ﴿أقنى﴾ على معنى أفقر، على أن تكون الهمزة في ﴿أقنى﴾ للإزالة، كما قاله سعديٌّ المفتي. ٤٩ - ﴿وَ﴾ منه ﴿أَنَّهُ﴾ تعالى ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾؛ أي: رب معبودهم الشعرى. فاعبدوا الرب دون المربوب. والشعرى: كوكب نير خلف الجوزاء. يقال له: العبور بالمهملة بوزن الصبور. قال مجاهد، وابن زيد: هو مرزم الجوزاء. وهي المرادة هنا. وهي أشد ضياء من الغميصاء - بالغين المعجمة المضمومة - وفتح الميم والصاد المهملة". وهي إحدى الشعريين. يعني: أن الشعرى شعريان. أحدهما: الشعرى اليمانية، وتسمى أيضًا الشعرى العبور. وثانيتهما: الشعرى الشامية، وهي التي بالذراع. وتسمى أيضًا الشعرى الغميصاء، فصلت المجرة بينهما. تزعم العرب أن الشعريين أختا سهيل، وأن الثلاثة كانت مجتمعة فانحدر سهيل نحو اليمين،

стр. 12918

وتبعته العبور؛ فعبرت المغيرة، ولقب سهيلًا، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل؛ فغمصت عينها؛ أي: كانت أقل نورًا من العبور وأخفى. والغمص في العين ما سأل من الرمص. يقال: غمصت عينه بالكسر غمصًا. وكانت خزاعة تعبد الشعرى. سن لهم ذلك أبو كبشة رجل من أشرافهم. فقال: لقومه: إن النجوم تقطع السماء عرضًا، وهذه تقطعها طولًا، فليس شيء مثلها. فعبدتها خزاعة، وخالف أبو كبشة قريشًا في عبادة الأوثان، ولذلك كانت قريش تقول لرسول الله ﷺ ، ويسمونه: ابن أبي كبشة تشبيهًا له به، لا يريدون بذلك اتصال نسبه إليه، وإن كان الأمر كذلك؛ لأن أبا كبشة من أجداده ﷺ من قبل أمه. ومن ذلك قول أبي سفيان حين دخوله على هرقل: لقد أمِر أمر ابن أبي كبشة، بل يريدون بذلك موافقته ﷺ له في ترك عبادة الأوثان؛ وإحداث دين جديد. فالنبي ﷺ كما وافق أبا كبشة في مخالفة قريش بترك عبادة الأوثان خالفه أيضًا بترك عبادة الشعرى. والمعنى (١): أي وأنه تعالى رب هذا الكوكب الوهاج الذي يطلع خلف الجوزاء في شدة الحر. فاعبدوه، ولا تعبدوا الشعرى. وإنما خصها بالذكر من بين الأجرام السماوية، وفيها ما هو أكبر منها جرمًا، وأكثر ضوءًا لأنها عبدت من دون الله في الجاهلية. فقد عبدتها حمير، وخزاعة؛ كما مر آنفًا. ومن العرب من كانوا يعظمونها، ويعتقدون أن لها تأثيرًا في العالم، ويتكلمون على المغيبات حين طلوعها. وهي شعريان. إحداهما: شامية. وهي التي في الذراع. وثانيتهما: يمانية، وهي خلف الجوزاء. وهي المرادة في هذه الآية، وهي التي كانت تعبد من دون الله . وفي هذا إشارة إلى فساد قول من قال من الناس: إن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده. فمن كسب استغنى، ومن كسل افتقر. وبعضهم قال: إنّ ذلك بالبخت، وذلك بالنجوم. فردهم تعالى بقوله: هو تعالى محرك النجوم، ورب معبودهم الشعرى العبور. ٥٠ - ﴿وَ﴾ منه ﴿أَنَّهُ﴾ ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ هي (٢) قوم هود ﵇, أهلكوا بريح صرصر. وعاد الأخرى إرم بن سام بن نوح؛ كما قال: ﴿أَلَمْ

стр. 12919

تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾. وكانوا من أشدّ الأمم، وأقواهم، وأعتاهم على الله ورسوله. وقيل: الأولى القدماء؛ لأنهم أولى الأمم هلاكًا بعد قوم نوح؛ أي: فالمراد بعاد: جميع من انتسب إلى عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. ووصفهم بالأولية ليس للاحتراز عن عاد الأخيرة، بل لتقدم هلاكهم بحسب الزمان على هلاك سائر الأمم بعد قوم نوح. قال في "التكملة": وصف عاد بالأولى يدل على أن لها ثانية. فالأولى هي عاد بن إرم قوم هود. والثانية من ولدها، وهي التي قاتلها موسى ﵇ بأريحاء. كانوا تناسلوا من الهزيلة بنت معاوية، وهي التي بنت من قوم عاد مع بنيها الأربعة: عمر, وعمرو، وعامر، والعتيد. وكانت الهزيلة من العماليق، انتهى. وقرأ الجمهور (١): ﴿عَادًا الْأُولَى﴾ بتنوين عادًا وكسره لالتقاءه ساكنًا مع سكون لام الأولى، وتحقيق الهمزة بعد اللام. وقرأ قوم كذلك، غير أنهم نقلوا حركة الهمزة إلى اللام، وحذفوا الهمزة. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن محيصن وأبو عمرو بإدغام التنوين في اللام المنقول إليها حركة الهمزة المحذوفة. ٥١ - ﴿وَثَمُودَ﴾ معطوف على: ﴿عَادًا﴾. لأنَّ ما بعده لا يعمل فيه لمنع ما النافية عن العمل. وهم قوم صالح ﵇، أهلكهم الله سبحانه بالصيحة. ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ الله أحدًا من الفريقين. والمعنى: أي وأنه أهلك ثمود كما أهلك عادًا؛ فما أبقى منهم عينًا تطرف. ويجوز أن يكون المعنى: فما أبقى عليهما. فالإبقاء على هذا المعنى: الترحم عليهم. وإنما لم يترحم عليهم لكونهم من أهل الغضب، ورحمة الله لأهل اللطف دون القهر؛ أي: فما أبقى عليهم، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقرأ الجمهور (٢) ﴿وثمودًا﴾ مصروفًا. وقرأه غير مصروف: الحسن، وعاصم، وعصمة. ٥٢ - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ معطوف على ﴿عَادًا﴾ أيضًا؛ أي: وأنّه سبحانه أهلك قوم نوح ﵇ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل إهلاك عاد، وثمود. ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن قوم نوح ﴿كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ﴾ لنببهم ﴿وَأَطْغَى﴾؛ أي: أعتى لربهم من الفريقين، حيث كانوا

стр. 12920

يؤذونه، وينفرون الناس عنه. وكانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، وكانوا يضربونه ﵇، حتى لا يكون به حراك. وما أثرت فيهم دعوته قريبًا من ألف سنة، وما آمن معه إلا قليل. والمعنى: أي وأهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود، وكانوا أظلم وأطغى من الفريقين، أو أظلم وأطغى من جميع الفرق الكفرية، أو أظلم وأطغى من مشركي العرب. وإنما كانوا أظلم لأنهم بدؤوا بالظلم. وفي الحديث: "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها". لأنهم أول من كذب الرسل. وقد كان الرجل منهم يأخذ بيد ابنه؛ ويمشي به إلى نوح، ويحذره منه، ويقول: يا بني إن أبي مشى بي إلى هذا الرجل، وأنا مثلك يومئذٍ، ويقول: فإياك أن تصدقه، فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه، لا يتأثر من دعوة نوح له. وكانوا أطغى؛ أي: أكثر طغيانًا وتمردًا على الله، وأكثر تجاوزًا للحد؛ لأنهم سمعوا المواعظ، وطال عليهم الأمد، ولم يرتدعوا، حتى دعا عليهم نبيهم بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. ٥٣ - وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ منصوب عطفًا على ﴿عَادًا﴾؛ أي: وأنّه أهلك المؤتفكة، أي: قرى قوم لوط ﵇. سميت مؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها؛ أي: انقلبت بهم. وقيل: هو منصوب بقوله: ﴿أَهْوَى﴾؛ أي: أسقطها الله إلى الأرض مقلوبة بعد أن رفعها على جناح جبريل إلى السماء. وقال الزجّاج: ألقاها في الهاوية. ٥٤ - ﴿فَغَشَّاهَا﴾، أي: فغشى الله سبحانه المؤتفكة، وغطاها، وألبسها ﴿مَا غَشَّى﴾؛ أي؛ ما غشاها؛ أي: ما ألبسها من فنون العذاب، والحجارة الذي وقعت عليها. وفي هذه العبارة من التهويل والتفظيع ما لا غاية وراءه. وقوله (١): ﴿مَا غَشَّى﴾ مفعول ثان إن قلنا: إن التضعيف للتعدية، أي: ألبس الله سبحانه المؤتفكة ما ألبسها إياه من العذاب كالحجارة المنضودة المسوّمة، فمفعولا الفعل الأول مذكوران، والثاني محذوفان. وإن قلنا: إنه للمبالغة والتكثير هو فاعل كقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.

стр. 12921

والمعنى: وأهلك الله سبحانه قوم لوط بانقلاب قريتهم عليهم، وجعل عاليها سافلها، ثم أمطر علبهم حجارة من سجيل منضود، كما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾. وهذا ما عناه سبحانه بقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾. خلاصة ما هنا: وجملة ما ذكره سبحانه مما تضمنته صحف إبراهيم وموسى ﵉ أربعة عشر: ١ - أن لا يؤاخذ امرؤ بذنب غيره. ٢ - أن لا يثاب امرؤ إلا بعمله. ٣ - أن العامل يرى عمله في ميزانه خيرًا كان أو شرًّا. ٤ - أنه يجازى عليه الجزاء الأوفى، فتضاعف له حسناته إلى سبع مئة ضعف ويجازى بمثل سيئاته. ٥ - أن الخلائق كلهم راجعون يوم المعاد إلى ربهم، ومجازون بأعمالهم. ٦ - أنه تعالى خلق الضحك والبكاء والفرح والحزن. ٧ - أنه سبحانه خلق الذكر والأنثى من نطفة تصب في الأرحام. ٨ - أنه تعالى خلق الموت والحياة. ٩ - أنه هو الذي أعطى الغنى والفقر، وكلاهما بيده، وتحت قبضته. ١٠ - أنه هو رب الشعرى، وكانت خزاعة تعبدها. ١١ - أنه أهلك عادًا الأولى، وقد كانوا أول الأمم هلاكًا بعد قوم نوح. ١٢ - أنه أهلك ثمود فما أبقاهم، بل أخذهم بذنوبهم. ١٣ - أنه أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، وقد كانوا أظلم وأطغى من الفريقين. ١٤ - أنه أهلك المؤتفكة. وهي قرى قوم لوط، وقد انقلبت بأهلها، وغطّاها بحجارة من سجيل. ٥٥ - ﴿فَبِأَيِّ الَاءِ رَبِّكَ﴾؛ أي: فبأيّ نعماء ربك، وخالقك التي أنعم بها عليك أيها المخاطب ﴿تَتَمَارَى﴾؛ أي: تتجاحد، وتمتري، وتكذب. ونحو الآية قوله: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 12922

الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾، وقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، وقوله: ﴿فَبِأَيِّ الَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾. والمراد بالنعم (١): ما عدَّده من قبل، وجعلت كلها نعمًا، وبعضها نقم لما في النقم من المواعظ والعبر للمعتبرين من الأنبياء والمؤمنين. والخلاصة: أنها كلها دالة على وحدانية ربك وربوبيته، ففي أيها تتشكك على وضوحها للناظرين، ووجوه دلالتها للمعتبرين. وهذا خطاب للإنسان المكذب؛ أي: فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تشكك، وتمتري. وقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ تعريضًا لغيره على حدّ قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. أو لكل واحد، وإسنار فعل التماري إلى الواحد باعتبار تعدده بحسب تعدد متعلقه. وعبارة "الروح": وجعل الأمور المعدودة الطاء مع أن بعضها نقم لما أنها أيضًا نعم، من حيث إنها نصرة للأنبياء والمؤمنين، وانتقام لهم. وفيها عظات، وعبر للمعتبرين. قال في "بحر العلوم": وهلاك أعداء الله تعالى؛ والنجاة من صحبتهم وشرهم، والعصمة من مكرهم من أعظم آلاته تعالى الواصلة إلى المؤمنين. قال المتنبي: وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ... عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ وقد أمر نوحًا بالحمد على ذلك في قوله: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقد حمد هو بنفسه على ذلك في موضع آخر تعليمًا لعباده حيث قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾. وقد سجد ﷺ سجدة الشكر حين رأى رأس أبي جهل قد قطعت في غزوة بدر. وقرأ الجمهور: (٢) ﴿تَتَمَارَى﴾ بتائين من غير إدغام. وقرأ يعقوب، وابن محيصن ﴿تمارى﴾ بتاء واحدة مشددة. والفاء في قوله: ﴿فَبِأَيِّ الَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ للإفصاح؛ لأنّها وقعت في جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت يا محمد هذه المذكورات، وكنت شاكًّا فيها على سبيل الفرض .. فأقول لك: بأيّ نعمة من نعم ربك تتشكك بأنها ليست من عند الله تعالى، أو في كونها نعمة. فكما نصرت

стр. 12923

إخوانك من الأنبياء الماضين، ونصرت أولياءهم، وأهلكت أعداءهم، فكذلك أفعل بك. فلا يكن قلبك في ضيقٍ وحرج مما رأيت من إصرار هؤلاء القوم على شركهم وعنادهم واستكبارهم. ٥٦ - والإشارة في قوله: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾ إما للرسول. والنذير بمعنى المنذر؛ أي: هذا الرسول (١) محمد ﷺ منذر لكم من عذاب الله، ومبشر لمن آمن منكم؛ أي: نذير كائن من جنس النذر المتقدمين. ووصفهم بالأولى على تأويلهم بالجماعة لمراعاة الفواصل. وقد علمتم أحوال قومهم المنذرين فلكم أيها المشركون ما لهم، كذا قال ابن جريج، ومحمد بن كعب، وغيرهما. والمعنى: أي إن محمدًا ﷺ منذر من حاد عن طريق الهدى، وسلك طريق الضلال والهوى بسيء العواقب في العاجل والاجل. وهو كمن قبله من الرسل الذين أرسلم ربهم لهداية خلقه، فكذبوهم، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وحل بهم البوار والنكال كفاء تكذيبهم وجحودهم آلاء ربهم ونعمه الذي تترى عليهم. ونحو الآية: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، وقوله ﷺ : "أنا النذير العريان"، أي: الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس شيئًا، وبادر إلى إنذار قومه، وجاءهم مسرعًا. وإما إشارة إلى القرآن، والنذير بمعنى الإنذار؛ أي: هذا القرآن الذي تشاهدونه إنذار كائن من قبيل الإنذارات المتقدمة التي سمعتم عاقبتها، كذا قال قتادة، أو إلى ما سبق في السورة؛ أي: هذا الذي أخبرنا به من أخبار الأمم تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك، كذا قال أبو مالك الغفاري، وقال أبو صالح: إنّ الإشارة بقوله: ﴿هَذَا﴾ إلى ما في صحف موسى وإبراهيم. والأول أولى. لأنه لما افتتح به أول السورة اختتم به ﷺ . ٥٧ - ولما ذكر إهلاك من تقدم ذكره، وذكر قوله: ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾: ذكر أن الذي أنذر به قريب الوقوع، فقال: ﴿زِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾؛ أي؛ قربت الساعة الموصوفة بالقرب في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وهي القيامة، ودنت. وسماها ازفة لقرب قيامها كما في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ أخبرهم بذلك ليستعدوا لها.

стр. 12924

وفي "الروح": قوله: ﴿زِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ في إيراده (١) عقيب المذكورات إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، تعظيمًا للنبي ﷺ ، وإن كانوا معذبين في الدنيا في الجملة. واللام فيه للعهد، فلذا صح الإخبار بدنوها, ولو كانت للجنس لما صح؛ لأنه لا فائدة في الإخبار بقرب آزفة ما. فإن قلت: الإخبار بقرب الآزفة المعهودة لا فائدة فيه أيضًا. قلتُ: فيه فائدة، وهو التأكيد، وتقرير الإنذار. والمعنى: (٢) أي اقتربت الساعة، ونصب الميزان, وستجازى كل نفس بما عملت من خير أو شر، فاحذروا أن تكونوا من الهالكين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؛ يوم لا يغني مولى عن مولى شيئًا ولا هم ينصرون. ونحو الآية: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾. وفي الحديث: "مثلي ومثل الساعة كهاتين" وفرَّق بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام. ٥٨ - ﴿لَيْسَ لَهَا﴾؛ أي: للساعة ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ﴿كَاشِفَةٌ﴾؛ أي: نفس (٣) قادرة على كشفها؛ أي: إزالتها، وردها عند وقوعها في وقتها المقدر لها إلا الله سبحانه، لكنه لا يكشفها؛ من كشف التفسير إذا أزاله بالكلية. فالكاشفة: اسم فاعل، والتاء للتأنيث، والموصوف مقدر. أو المعنى: ليس لها الآن نفس كاشفة؛ أي: قادرة بتأخيرها إلا الله سبحانه. فإنه المؤخر لها. يعني: لو وقعت الآن لم يردها إلى وقتها أحد إلا لله. فالكشف بمعنى الإزالة لا بالكلية، بل بالتأخير إلى وقتها. أو المعنى: ليس لها كاشفة لوقتها إلا الله؛ أي: عالمة به من كشف الشيء إذا عرف حقيقته، أو مبينة له متى تقوم. وفي القرآن: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. أو المعنى: ليس لها من غير الله كشف على أن كاشفة مصدر كالعافية والخائنة. وأما جعل التاء للمبالغة كتاء علامة فالمقام يأباه لإبهامه ثبوت أصل الكشف لغيره تعالى. والمعنى الأول أولى. والمعنى (٤): أي ليس هناك من يعرف وقت حلول الآزفة إلا هو فاستعدوا

стр. 12925

لهذا اليوم قبل أن تأخذكم الساعة بغتة وأنتم لا تشعرون، فتندموا ولات ساعة مندم، وجدوا بالعمل قبل حلول الأجل. وقد أشار في هذه الآيات إلى أصول الدين الثلاثة: ١ - وحدانية الله بقوله: ﴿فَبِأَيِّ الَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾. ٢ - إثيات نبوّة محمد ﷺ بقوله: ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾. ٣ - إثبات الحشر والبعث بقوله: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾. ٥٩ - ثم أنكر على المشركين تعجبهم من القرآن، واستهزاءهم به، وإعراضهم عنه، فقال: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩)﴾ والمراد بالحديث: القرآن؛ أي: كيف تعجبون منه أيها المشركون تكذيبًا ٦٠ - ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ منه استهزاء مع كونه غير محل للتكذيب. ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾ خوفًا وانزجارًا لما فيه من الوعيد الشديد. والهمزة في قوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتكذبون نبوة محمد ﷺ ، فتعجبون من هذا القرآن الذي أنزل عليه، وتضحكون من تلاوته عليكم، ولا تبكون خوفًا من الوعيد الذي اشتمل عليه، وحزنًا على ما فرطتم في شأنه، وخوفًا من أن يحيق بكم مثل ما حاق بالأمم المذكورة هنا. وقرأ الحسن (١): ﴿تُعجِبون﴾ ﴿تُضحِكون﴾ بغير واو، وبضم التاء، وكسر الجيم والحاء. ٦١ - وجملة قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ حال من فاعل ﴿لا تبكون﴾؛ أي: ولا تبكون والحال أنكم سامدون؛ أي: لاهون (٢) عما في القرآن، أو مستكبرون من استماعه من سمد البعير في مسيره إذا رفع رأسه، أو مغنون لتشغلوا الناس عن استماعه من السمود بمعنى الغناء على لغة حمير. وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء واللهو ليشغلوا الناس عن الاستماع. أو خاشعون جامدون من السمود بمعنى الجمود والخشوع. ومضمون هذه الجملة الحالية على الوجه الأخير قيد للنفي. والإنكار وارد على نفي البكاء والسمود معًا، وعلى الأوجه الأول قيد للنفي.

стр. 12926

والإنكار متوجه إلى نفي البكاء ووجود السمود. والوجه الأول أوفى بحق المقام، فتدبر كما في "الإرشاد". والمعنى (١): أفينبغي لكم بعد ذلك أن تعجبوا من هذا القرآن، وقد جاءكم بما فيه هدايتكم إلى سواء السبيل، وإرشادكم إلى الطريق المستقيم. وكيف تسخرون منه، وتستهزئون به، ولا تكونوا كالموقنين الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾. وكيف تلهون عن استماع عبره، وتغفلون عن مواعظه، وتتلقونها تلقي اللاهي الساهي المعرض عما يسمع غير المكترث بما يلقى إليه. أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩)﴾ الآية، بكى أصحاب الصفة، حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله ﷺ حنينهم بكى معهم، فبكينا ببكائه، فقال ﷺ : "لا يلج النار من بكى من خشية الله تعالى، ولا يدخل الجنّة مصر على معصيته، ولو لم تذنبوا .. لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون، فيغفر لهم". وروي: أنه ﷺ لم ير ضاحكًا بعد نزول هذه الآية. وفي قوله: ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾ حث على البكاء عند سماع القرآن. ٦٢ - ثم بين ما يجب عند سماع القرآن من الإجلال والتعظيم، فقال: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾؛ أي: صلّوا مخلصين لله. ﴿وَاعْبُدُوا﴾؛ أي: أفردوه بالعبادة، ولا تعبدوا اللات، والعزى، ومناة، والشعرى، وغيرها من الأصنام. والفاء في قوله: (٤) ﴿فَاسْجُدُوا﴾ لترتيب الأمر، أو موجبه على ما تقرر من بطلان مقابلة القرآن بالإنكار، والاستهزاء، ووجوب تلقيه بالإيمان والإذعان مع كمال الخضوع والخشوع؛ أي: وإذا كان الأمر من الكفّار كذلك، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: اسجدوا لله الذي أنزله، واعبدوه، ولا تعبدوا غيره من ملَكٍ أو بشر، فضلًا عن جماد لا يضرّ ولا ينفع كالأصنام، والكواكب. قال في "عين المعاني": فاسجدوا؛ أي: في الصلاة. والأصحّ: أنه على الانفراد. وهي

стр. 12927

سجدة التلاوة، انتهى. والمعنى: أي فاخضعوا، وأخلصوا له العمل حنفاء غير مشركين به. فهو الذي أنزله على عبده ورسوله هاديًا وبشيرًا لكم لعلكم ترحمون. ودعوا ما أنتم عليه من عبادة الأوثان، والأصنام التي لا تغني عنكم شيئًا، لا تدفع عنكم ضرًّا، ولا تجديكم نفعًا، كما قال آمرًا رسوله أن يقول لهم: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. وهذا محل السجود عند أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁. روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قرأ والنجم، فسجد فيها وسجد من كان معه غير أنّ شيخًا من قريش أخذ كفًّا من حصباء أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرًا. زاد البخاري في رواية له قال: أول سورة نزلت فيها السجدة النجم، وذكره، وقال في آخره: وهو أميّة بن خلف. وروى البخاري عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ سجد بالنجم؛ وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن والإنس. ولم يرها مالك لما روى الشيخان عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قرأت على رسول الله ﷺ النجم فلم يسجد فيها. نفي هذا الحديث دليل على أن سجود التلاوة غير واجب. وهو قول الشافعي، وأحمد. وقال عمر بن الخطاب ﵁: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. وذهب قوم إلى وجوبها على القارىء، والمستمع. وهو قول سفيان، وأصحاب الرأي. والله أعلم. الإعراب ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾. ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ الهمزة للاستفهام التقريري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة

стр. 12928

على ذلك المحذوف، والتقدير: أفكرت يا محمد في شأن هؤلاء المعاندين فرأيت الذي تولى. ﴿رأيت﴾ فعل، وفاعل، ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محمد النصب، مفعول أول لـ ﴿رأيت﴾، وجملة ﴿رأيت﴾ معطوفة على تلك المحذوفة، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿تَوَلَّى﴾ فعل، وفاعل مستتر، يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، ﴿وَأَعْطَى﴾ معطوف على ﴿تَوَلَّى﴾، ﴿قَلِيلًا﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: عطاء قليلًا, ولك أن تجعله مفعولًا به لـ ﴿أعطى﴾؛ لأنه بمعنى وهب. ﴿وَأَكْدَى﴾ معطوف على ﴿أعطى﴾. ﴿أَعِنْدَهُ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿عنده﴾ خبر مقدم، ﴿عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة في موضع نصب على أنها مفعول ثان لي ﴿رأيت﴾. ﴿فَهُوَ﴾ الفاء: عاطفة سببية، ﴿هو﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَرَى﴾ خبره. والجملة معطوفة على جملة ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾، فهي داخلة في حيّز الاستفهام. ﴿أَمْ﴾، منقطعة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الإنكار، ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وجزم، ﴿يُنَبَّأْ﴾ فعل مضارع، مغير الصيغة، مجزوم بلم، ونائب فاعله ضمير مستتر يعود على ﴿الَّذِي تَوَلَّى﴾. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يُنَبَّأْ﴾، على أنه مفعول ثان له. والجملة الإضرابية مستأنفة. ﴿في صُحُفِ مُوسَى﴾ جار ومجرور، صلة الموصول، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ معطوف على ﴿مُوسَى﴾، ﴿الَّذِي﴾ صفة لـ ﴿إبراهيم﴾، و ﴿وَفَّى﴾ صلة الموصول، ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ أن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وجملة ﴿لا تزر﴾ خبرها, ﴿وَازِرَةٌ﴾ فاعل ﴿تَزِرُ﴾، ﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾ مفعول ﴿تَزِرُ﴾. وجملة ﴿أن﴾ المخفّفة من اسمها وخبرها في محل الجرّ، بدل من ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿بِمَا في صُحُفِ مُوسَى﴾، أو في محل رفع خبر لمتدأ محذوف، أي: هو أن لا تزر وازرة. ﴿وَأَنْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿أَنْ﴾ مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص، ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ خبرها مقدم، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿مَا﴾ اسم موصول، في محل الرفع اسم ليس مؤخر، ﴿سَعَى﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على ﴿الإنسان﴾. والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: إلا ما سعاه، ويصح أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية، وجملة ليس في محل الرفع خبر أن المخفّفة، وجملة أن المخفّفة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾. ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿سَوْفَ﴾ حرف تنفيس واستقبال، وجملة ﴿يُرَى﴾ في محل الرفع خبر أنّ، وجملة أنّ معطوفة على جملة ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب، ﴿يُجْزَاهُ﴾ فعل مضارع، مغير

стр. 12929

الصيغة، ومفعول ثانٍ له، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿الإنسان﴾، ﴿الْجَزَاءَ﴾ مفعول مطلق، ﴿الْأَوْفَى﴾ صفة له، أو هو بدل من الضمير الذي وقع مفعولًا ثانيًا. والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿سَوْفَ يُرَى﴾. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾. ﴿وَأَنَّ﴾ عاطف، وناصب، ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ خبره مقدم، ﴿الْمُنْتَهَى﴾ اسمه مؤخر. والجملة معطونة على جملة قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾. ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿أَضْحَكَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، يعود على الله. والجملة في محل الرفع خبر هو، وجملة هو في حل الرفع خبر ﴿أنّ﴾؛ وجملة أنّ معطوفة على قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾. ﴿وَأَبْكَى﴾ معطوف على ﴿أَضْحَكَ﴾، ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أَمَاتَ﴾ خبره، ﴿وَأَحْيَا﴾ معطوف على ﴿أَمَاتَ﴾. والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿أنَّ﴾، وجملة ﴿أنَّ﴾ معطوفة على ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾. ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ فعل وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ معطوفة على ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾. ﴿الذَّكَرَ﴾ بدل من الزوجين، ﴿وَالْأُنْثَى﴾ معطوف عليه، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾، ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بخلق، ﴿تُمْنَى﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿نُطْفَةٍ﴾. والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾؛ أي: خلق من نطفة وقت إمنائها في الرحم. ﴿وَأَنَّ﴾ عاطف وناصب، ﴿عَلَيْهِ﴾ خبر مقدم لـ ﴿أنَّ﴾، ﴿النَّشْأَةً﴾ اسمها مؤخر، ﴿الْأُخْرَى﴾ صفة لـ ﴿نشأة﴾. وجملة ﴿أنَّ﴾ معطونة على ما تقدم. ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أَغْنَى﴾ خبره. والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة أن معطوفة على ما تقدم. وجملة ﴿وَأَقْنَى﴾ معطوفة على ﴿أَغْنَى﴾. ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ خبره. والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ معطوفة على ما تقدم. ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب

стр. 12930

واسمه، ﴿أَهْلَكَ عَادًا﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿الْأُولَى﴾ صفة لـ ﴿عَادًا﴾، وجملة ﴿أَهْلَكَ﴾ خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ معطوفة على ما تقدم. ﴿وَثَمُودَ﴾ معطوف على ﴿عَادًا﴾ ﴿فَمَا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿أَبْقَى﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، والجملة معطوفة على ﴿أَهْلَكَ﴾. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ معطوف على ﴿عَادًا﴾، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور، حال من ﴿قوم نوح﴾. ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿هُمْ﴾ ضمير فصل، لا محل له، أو تأكيد للضمير في ﴿كَانُوا﴾، ﴿أَظْلَمَ﴾ خبر ﴿كَانُوا﴾. ﴿وَأَطْغَى﴾ معطوف على ﴿أَظْلَمَ﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ مفعول مقدم لـ ﴿أَهْوَى﴾، و ﴿أَهْوَى﴾ فعل ماض, وفاعل مستتر يعود على الله. والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَهْلَكَ عَادًا﴾. ﴿فَغَشَّاهَا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿غشاها﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، ومفعول به أول. والجملة معطوفة على جملة ﴿أَهْوَى﴾. ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿غَشَّاهَا﴾، وجملة ﴿غَشَّى﴾ صلة ﴿ما﴾ الموصولة، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ الموصولة فاعلًا لـ ﴿غشاها﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾. ﴿فَبِأَيِّ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت يا محمد هذه المذكورات، وكنت شاكًّا فيها على سبيل الفرض .. فأقول لك في أيّ نعمة من نعم ربّك تشكك بأنها ليست من عند الله تعالى، أو في كونها نعمة من عند الله تعالى. وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿بأي آلاء ربك﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعق بـ ﴿تَتَمَارَى﴾، و ﴿تَتَمَارَى﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر. والجملة في محل النصب؛ مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة مستأنفة. ﴿مِنَ النُّذُرِ﴾ نعت لـ ﴿نَذِيرٌ﴾، ﴿الْأُولَى﴾ صفة لـ ﴿النُّذُرِ﴾، ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص، ﴿لَهَا﴾ خبرها مقدم ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ حال من ﴿كَاشِفَةٌ﴾، و ﴿كَاشِفَةٌ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل النصب، حال من ﴿الْآزِفَةُ﴾. ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على

стр. 12931

ذلك المحذوف، ﴿من هذا الحديث﴾ متعلق بـ ﴿تعجَبُونَ﴾ وجملة ﴿تعجَبُونَ﴾ معطوفة على تلك المحذوفة، والتقدير: أتكذّبون نبوة محمد ﷺ فتعجبون من هذا الحديث. والجملة المحذوفة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿تَعْجَبُونَ﴾، ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾ معطوف على تضحكون، أو الجملة حال من فاعل ﴿تَضْحَكُونَ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ مبتدأ وخبر. والجملة في محل النصب، حال من فاعل ﴿تَبْكُونَ﴾. ﴿فَاسْجُدُوا﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان شأن المشركين وحالهم ما ذكر، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم اسجدوا لله. ﴿اسْجُدُوا﴾ فعل أمر، مبنيّ على حذف النون، والواو: فاعل، ﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿اسْجُدُوا﴾. والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأتفة. ﴿وَاعْبُدُوا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿اسْجُدُوا﴾ من عطف العام على الخاص. التصريف ومفردات اللغة ﴿تَوَلَّى﴾؛ أي: أعرض عن اتباع الحق، والثبات عليه. ﴿وَأَكْدَى﴾؛ أي: قطع العطاء، وأمسك بخلًا، من أكدى الحافر؛ أي: حافر البئر إذا بلغ الكدية؛ أي: الصلابة كالصخرة، فلا يمكنه أن يحفر، ثم استعمل في كل من طلب شيئًا فلم يصل إليه، فلم يتممه، ولم يبلغ آخره. وفي "القاموس": أكدى بخل، أو قل خيره، أو قل عطاءه. وأصل ﴿تَوَلَّى﴾ تولي بوزن تفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وكذلك أصل ﴿أَعْطَى﴾ أعطى قلبت الياء التي أصلها واو ألفًا لتحركها بعد فتح، وإنما قلبت الواو ياء لوقوعها رابعة. وكذلك أصل ﴿أَكْدَى﴾ أكدي بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾ جمع صحيفة. قال الراغب: الصحيفة: المبسوطة من كل شيء، كصحيفة الوجه، والصحيفة التي كان يكتب فيها. وجمعها صحائف، وصحف. والمصحف: ما جعل جامعًا للصحف المكتوبة. وقال القهستاني: المصحف مثلث الميم ما جمع فيه قرآن، والصحف. ﴿وَفَّى﴾ يقال: أوفاه حقه، ووفاه بمعنى؛ أي: أعطاه تامًّا وافيًا. ويجوز أن يكون التشديد فيه للتكثير والمبالغة في الوفاء بما عاهد الله.

стр. 12932

﴿إِلَّا مَا سَعَى﴾ والسعي: المشي السريع. وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر خيرًا كان أو شرًّا. ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾ أصله: يرأي بوزن يفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفت تخفيفًا، فوزنه يفل. ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ أصله: يجزي بوزن يفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿الْأَوْفَى﴾ اسم تفضيل، وزنه أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. والمعنى: يجزى سعيه. يقال: جزاه الله بعمله، وجزاه على عمله، وجزاه عمله. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ المنتهى مصدر ميمي بمعنى الانتهاء؛ أي: إليه الانتهاء، والرجوع في المعاد. وأصله: المنتهي بوزن مفتعَل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ والضحك: انبساط الوجه، وتكشر الأسنان من سرور النفس. ولظهور الأسنان عنده سميت مقدمات الأسنان الضواحك. والبكاء بالمد: سيلان الدمع عن حزن وعويل. ويقال: البكاء بالمد إذا كان الصوت أغلب كالرغاء , وسائر هذه الأبنية الموضوعة للصوت. وبالقصر يقال: إذا كان الحزن أغلب. وأصل ﴿أَبْكَى﴾ أبكي بوزن أفعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿أَمَاتَ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكن والقلب، أصله: أموت بوزن أفعل، نقلت حركة الواو إلى الميم فسكنت، لكنها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. ﴿وَأَحْيَا﴾ أصله: أحيي بوزن افعل، قلبت الياء الأخيرة ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ والنطفة: الماء الصافي. ويعبر بها عن ماء الرجل، كما في "المفردات". ﴿إِذَا تُمْنَى﴾؛ أي: تصب في الرحم. وفي "القاموس": مني وأمني ومنَّي بمعنًى، يقال: أمنى الرجل ومنى: إذا صب المني، أو معنى ﴿تُمْنَى﴾ يقدر منها الولد من مناه الله يَمْنِيه قدره. إذ ليس كل مني يصير ولدًا. وأصل ﴿تُمْنَى﴾ تمني بوزن تفعل، فأعل كنظائره السابقة. ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾؛ أي: أغنى من شاء، وأفقر من شاء.

стр. 12933

وأصلهما: أغني وأقني بوزن أفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا. ﴿الشِّعْرَى﴾ هي الشعرى العبور. وهي النجم الوضاء الذي يقال له: مرزم الجوزاء. وقد عبدته طائفة من العرب. وعادًا الأولى: هم قوم هود، وهم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. وعاد الأخرى: هم من ولد عاد الأولى، وهم قوم صالح. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ وهي قرى قوم لوط. سميت بذلك لأنها ائتفكت بأهلها؛ أي: انقلبت بهم. ومنه: الإفك. لأنه قلب الحق. ﴿أَهْوَى﴾؛ أي: أسقطها على الأرض مقلوبة. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ الآلاء: النعم. واحدها إلى بوزن معى. وفيه إعلال بالإبدال. أصله: ألاى، أبدلت الياء همزة لظرفها بعد ألف زائدة. والمدة فيه بدل من همزة، إذ أصله: أألاى، أبدلت الهمزة الثانية الساكنة حرف مد من حسن حركة الأولى. وقوله: ﴿تَتَمَارَى﴾ فيه إعلال بالقلب. أصله: تتماري بوزن تتفاعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. والتماري، والمماراة، والامتراء: المحاجة فيما فيه مرية، أي: شك وتردد. ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧﴾ يقال: أزف الترحل كفرح أزفًا وأزوفًا إذا دنا. والأزف محركًا: الضيق. وفي "المصباح": أزف الرحيل أزوفًا من باب تعب، وأزفًا أيضًا دنا وقرب، وأزفت الآزفة دنت الدانية؛ أي: قربت القيامة. ﴿كَاشِفَةٌ﴾ من كشف الضر إذا أزاله. ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩)﴾ قال الراغب: العجب، والتعجب: حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ولهذا قال بعض الحكماء: العجب: ما لا يعرف سببه. ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾ أصله: تبكيون، أستثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت فحذفت لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، ثم ضمت الكاف لمنسبة الواو. ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ السمود: اللهو. وقيل: الإعراض، وقيل: الاستكبار. وقال أبو عبيدة: السمود: الغناء بلغة حمير، يقولون: يا جارية اسمدي لنا؛ أي: غني لنا. وقال الراغب: والسامد: اللاهي الرافع رأسه من قولهم: بعير سامد في مسيره , وقيل: سمد رأسه وجسده؛ أي: استأصل شعره. وفي "المختار":

стр. 12934

والسامد: اللاهي، بابه دخل. وفسر الزمخشري السمود بالبرطمة. وهي عامية فصيحة. ففي "الصحاح": البرطمة: الانتفاخ من الغضب. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة التصريحية التبعية؛ لأنه استعار التولي والإدبار والإعراض لعدم الدخول في الإيمان. فاشتق من التولي بمعنى عدم الإيمان تولى بمعني أعرض عن الإيمان على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ويمكن أن يكون هذا ضابطًا لذكر التولي في القرآن، فحيث ورد في القرآن مطلقًا غير مقيد يكون معناه عدم الإيمان. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾ حيث شبه من يعطي قليلًا ثم يمسك عن العطاء بمن يكدي أي: يمسك عن الحفر بعد أن حيل دونه بصلابة كالصخرة على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: الطباق بين: ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ وبين: ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ وبين: ﴿أعطى وأكدى﴾ وبين: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. وهو في السورة جميعها متعدد، ولهذا يدخل في باب المقابلة. وقد زاد هذا الطباق حسنًا أنه أتى في معرض التسجيع الفصيح لمجيء المناسبة التامة في فواصل الآي. ومنها: التضعيف في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ لإفادة الكبير والمبالغة في الوفاء بما عاهد الله. ومنها: الجناس المغاير، وجناص الاشتقاق في قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾. وجناس الاشتقاق بين: ﴿سَعَى﴾، و ﴿سَعْيَهُ﴾ في قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ لأنّهما كنايتان عن الفرح والسرور، كأنّه قيل: وأنه هو أفرح وأحزن, لأنَّ الفرح يجلب الضحك،

стр. 12935

والحزن يجلب البكاء. ومنها: تقديم الذكر على الأنثى في قوله: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ رعاية للفاصلة، ولشرفه الرتبي. ومنها: فن التنكيت في قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ وهو أن يقصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسد مسده لأجل نكتةٍ في المذكور ترجح مجيئه على غيره. وقد خص الله سبحانه هنا الشعرى بالذكر دون غيرها من النجوم. وهو رب كل شيء وخالفه لما تقدم في مبحث التفسير من أن العرب كان قد ظهر فيهم رجل يعرف بأبي كبشة عبد الشعرى، ودعا الناس إلى عبادتها، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. ومنها: الإبهام في قوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ إفادة للتهويل الشديد، والتفظيع البليغ. ومنها: إسناد فعل التماري إلى الواحد مع إفادته الماركة نظرًا لتعدده بحسب تعدد متعلقه. ومنها: الخطاب للرسول ﷺ بقوله: ﴿تَتَمَارَى﴾ على طريق الإلهاب والتعريض للغير. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾؛ لأنّه شبه إنذار القرآن أو الرسول بإنذار الكتب الماضية، أو الرسل المتقدمة. ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾. ومنها: وصف القيامة بالآزفة للتأكيد، وتقرير الإنذار. ومنها: فن التمثيل في قوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ فقد أخرج الكلام مخرج المثل السائر يتمثل به في الوقائع. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 12936

خلاصة ما تضمنته هذه السورة الكريمة من الأسرار والأحكام اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية: ١ - إنزال الوحي على رسوله. ٢ - أن الذي علمه إياه هو جبرئيل شديد القوى. ٣ - قرب رسوله من ربه. ٤ - أن النبي ﷺ رأى جبرئيل على صورته الملكية مرتين. ٥ - تقريع المشركين على عبادتهم للأصنام. ٦ - توبيخهم على جعل الملائكة إناثًا، وتسميتهم إياهم بنات الله. ٧ - مجازاة كل من المحسن والمسيء بعمله. ٨ - أوصاف المحسنين. ٩ - إحاطة علمه تعالى بما في السموات والأرض. ١٠ - النهي عن تزكية المرء نفسه. ١١ - الوصايا التي جاءت في صحف إبراهيم وموسى. ١٢ - النعي على المشركين في إنكارهم الوحدانية، والرسالة، والبعث، والنشور. ١٣ - التعجب من استهزاء المشركين بالقرآن حين سماعه, وغفلتهم عن مواعظه. ١٤ - أمر المؤمنين بالخضوع لله، والإخلاص له في العمل. والله أعلم * * *

стр. 12937

سورة القمر سورة القمر مكية كلّها عند الجمهور، نزلت بعد الطارق. وقال مقاتل: هي مكيّة إلا ثلاث آيات من قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾ إلى قوله: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ فمدنية. وآيها خمس وخمسون، وكلماتها ثلاثمائة واثنتان وأربعون كلمة، وحروفها ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفًا. مناسبتها لما قبلها من وجوه (١): ١ - حسن التناسق بين النجم والقمر. ٢ - مشاكلة آخر السورة السابقة لأوَّل هذه. فقد قال هناك: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾، وقال هنا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. ٣ - أنَّ هذه قد فصلت ما جاء في سابقتها. ففيها إيضاح أحوال الأمم التي كذبت رسلها، وتفصيل هلاكهم الذي أشار إليه في السابقة بقوله: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)﴾، فما أشبهها مع سابقتها بالأعراف بعد الأنعام، والشعراء بعد الفرقان. وقال أبو حيان: مناسبة أوّل السورة لآخر ما قبلها ظاهرة، قال أوّلًا: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾، وقال هنا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. تسميتها: سمّيت سورة القمر لذكر انشقاق القمر فيها , وتسمي أيضًا: سورة اقتربت. وكلها محكم، ليس فيها منسوخ إلا قوله: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)﴾.

стр. 12938

فضلها: ومن فضائلها: ما أخرجه البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس ﵄ قال: اقتربت تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها يوم تبيض الوجوه. قال البيهقي: منكر. وأخرج ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة رفعه: "من قرأ اقتربت الناس في كل ليلتين بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر". وأخرج ابن الضريس نحوه عن ليث بن معن عن شيخ من همدان رفعه. وقد تقدم أنّ النبي ﷺ كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة في الأضحى والفطر. والله أعلم * * *

стр. 12939

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ...﴾ الآيات، يخبر (١) سبحانه في هذه الآيات باقتراب الساعة، وفراغ الدنيا، وانقضائها، وأنَّ الأجرام العلوية يختل نظامها على

стр. 12940

نحو ما جاء في قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾. روى أنس: أنّ النبى ﷺ خطب أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس تغرب، ولم يبق منها إلا سف يسير، فقال: "والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه". وروى أحمد عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بعثت أنا والساعة هكذا وأشار بأصبعيه السبّابة والوسطى". ثمّ ذكر أنّ الكافرين كلّما رأوا علامة من علامات نبوتك أعرضوا، وكذّبوا بها، وقالوا: إن هذا إلا سحر منك يتلو بعضه بعضًا. ثم أخبر أنّ أمرهم سينتهي بعد حين، ويستقر أمرك، وسينصرك الله عليهم نصرًا مؤززًا. ثم أعقب هذا بأن عبر الماضيين، وإهلاك الله لهم بعد تكذيبهم أنبياءهم كانت جد كافية لهم لو أن لهم عقولًا يفكرون بها فيما هم قادمون عليه، ولكن أنى تغني الآيات والنذر عن قوم قد أضلهم الله على علم، وختم على قلوبهم، وجعل على سمعهم وبصرهم غشاوة. ثم أمر رسوله بالإعراض عنهم، وسيخرجون عن قبورهم أذلاء ناكسي الرؤوس مسرعين إلى إجابة الداعي، يقول الكافرون منهم: هذا يوم شديد حسابه، عسر عقابه. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لما ذكر (١) فيما سلف أنه جاءهم من الأخبار ما فيه زاجر لهم لو تذكروا، لكن لم تغنهم تلك الزواجر شيئًا .. أردف هذا بذكر قصص من قبلهم من الأمم: كقوم نوح، وعاد، وثمود ليبين لرسوله أنهم ليسوا ببدع في الأمم، بل كثير منهم فعلوا فعلهم، بل كانوا أشد منهم عتوًا واستكبارًا، وأن الأنبياء قبله قد لاقوا منهم من البلاء ما لاقيت، فلا تأس على ما فرط منهم، ولا تبتئس بما كانوا يفعلون، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾. وفي هذا وعيد للمشركين من أهل مكة وغيرهم على تكذيبهم رسولهم، وأنهم إن لم ينيبوا إلى ربهم فسيحل بهم من العذاب مثل ما حل بمن قبلهم، وينجي نبيه والمؤمنين، كما نجى من قبله من الرسل، وأتباعهم من نقمه التي أحلها بأممهم.

стр. 12941

قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمّا ذكر قصص قوم نوح، وما فيه من العبرة لمن تدبر وفكر .. أعقبه بقصص عاد قوم هود ليبين للمكذّبين أنَّ عاقبة كلّ مكذب الهلاك والبوار، وإن تعددت أسبابه. وَمنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ... تَعدَّدَتِ الأَسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدُ فقد أرسل الله عليهم ريحًا عاصفًا لصوتها صرير، حين هبوطها في يوم شؤم عليهم، واستمر بهم البلاء حتى حل بهم الدمار، وكانت الريح لشدتها تقتلع الناس من الأرض، وترفعهم إلى السماء، ثم ترمي بهم على رؤوسهم، فتندق رقابهم، وتبين من أجسامهم. فانظروا أيها المكذبون إلى ما حل بهم من العذاب جزاء تكذيبهم لرسولهم كما هي سنة الله في أمثالهم من المكذبين. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) ...﴾ الآيات، لما فرغ الله سبحانه من ذكر قصة عاد .. قص علينا قصص ثمود مع نبيها صالح إذ قالوا: أنحن العدد الجم والكثرة الساحقة، نتبع واحدًا منا لا امتياز له عنا، إنا إذا فعلنا ذلك لفي ضلال وبعد عن محجة الصواب، وإنه لكاذب فيما يدعيه من الوحي عن ربه، وما هو إلا بشر، وليس بملك. فقال لهم ربهم: ستعلمون بعد حين قريب من الكذاب البطر. وقد جعلنا ناقة فتنة واختبارًا لهم، فأمرناه أن يخبرهم بأن ماء البئر يقسم بينها وبينهم، فلها يوم ولهم يوم آخر. فما ارتضوا هذا، وقام فاسقهم قدار، وعقر الناقة، فخرت صريعة، فجازاهم الله تعالى، فأرسل عليهم العذاب فصاروا كالهشيم الذي يتفتت حين بناء حظيرة الماشبة. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) ...﴾ الآيات، لما فرغ الله سبحانه من قصة ثمود .. ذكر هنا تكذيب قوم لوط لنبيهم، ومخالفتهم إيّاه، واجتراحهم من السيئات ما لم يسبقهم به أحد من العالمين بإتيانهم الذكران دون النساء، ثم أردف ذكر عذابهم بإرسال حجارة من سجيل عليهم إلا من آمن منهم، فقد نجاهم بسحر، وما أهلكهم إلا بعد أن أنذرهم عذابه على لسان رسوله، فكذبوه.

стр. 12942

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه الشيخان، والحاكم، واللفظ له عن ابن مسعود قال: رأيت القمر منشقًّا شقين بمكة قبل مخرج النبيّ ﷺ فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. وأخرج الترمذي عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آيةً، فانشق القمر بمكة مرتين. فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ إلى قوله: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾؛ أي: (٢) دنت القيامة، وقرب قيامها ووقوعها؛ لأنه ما بقي من الدنيا إلا قليل، كما قال ﷺ : "إنَّ الله جعل الدنيا كلها قليلًا، فما بقي منها قليل من قليل، ومثل ما بقي مثل الثغب - أي: الغدير - شرب صفوه، وبقي كدره". فالاقتراب يدل على مضي الأكثر، ويمضي الأقل كما مضى الأكثر. والساعة جزء من أجزاء الزمان، عبر بها عن القيامة تشبيهًا لها بذلك لسرعة حسابها، أو لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنَّها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم، أو لغير ذلك. والحكمة في ذكر اقتراب الساعة تحذير المكلف، وحثه على الطاعة تنبيهًا لعباده على أن الساعة من أعظم الأمور الكونية على خلقه من أهل السموات والأرض. وأما تعيين وقت الساعة: فقد انفرد الحق سبحانه بعلمه، وأخفاه عن عباده؛ لأنه أصلح لهم، ولذا كان كل نبي قد أنذر أمته الدجال. يقول الفقير: فإن قلت: فكم عمر الدنيا بأسرها، وما قول العلماء فيه؟ قلت: اتفقوا على حدوث الدنيا، وما قطعوا بشيء في مدتها. ﴿وَ﴾ قد ﴿انْشَقَّ الْقَمَرُ﴾؛ أي: انفصل بعضه من بعض معجزة له ﷺ . ودلت

стр. 12943

صيغة الماضي على تحقق الانشقاق في زمن النبي ﷺ . ويدل عليه قراءة حذيفة ﵁ ﴿وقد انشق القمر﴾؛ أي: اقتربت الساعة، وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، وقد خطب حذيفة بالمدائن، ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم ﷺ . وحذيفة بن اليمان صاحب سرّ رسول الله ﷺ كابن مسعود ﵄. وعلى هذا القول عامّة الصحابة ومن بعدهم، وبه أخذ أكثر المفسّرين. فلا عبرة بقول من قال: إنه سينشق يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾. والتعبير بالماضي للدلالة على تحققه، على أنا نقول: يجوز أن يكون انشقاقه مرتين: مرة في زمانه ﷺ إشارة إلى قرب الساعة، ومرة يوم القيامة، حين انشقاق السماء. قال الواحديّ: وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد ﷺ ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة. قال ابن كيسان: في الكلام تقديم وتأخير، أي: انشق القمر، واقتربت الساعة. وقال جمع من المفسرين: إن هذا الانشقاق حدثٌ قد حصل، وأن القمر صار فرقتين على عهد رسول الله ﷺ قبل الهجرة بخمس سنين. فقد صح من رواية الشيخين، وابن جرير عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء - جبل بمكة - بينهما. وفي "الصحيحين"، وغيرهما من حديث ابن مسعود: "وانشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فرقة على الجبل، وفرقة دونه. فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا". وجاء عنه أيضًا: "انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فقال رجل: انتظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس، فجاء السفار، فأخبروهم بذلك" رواه أبو داود، والطيالسي. وفي رواية البيهقي: فسألوا السفار، وقد قدموا من كل وجه، فقالوا: رأيناه، فأنزل الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. والحاصل (١): أنَّا إذا نظرنا إلى كتاب الله فقد أخبرنا بأنه قد انشق، ولم يخبرنا بأنه سينشق، وإن نظرنا إلى سنة رسول الله ﷺ فقد ثبت في الصحيح وغيره

стр. 12944

من طريق متواترة: أنه قد كان ذلك في أيام النبوة، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم .. فقد اتفقوا على هذا, ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ، واستبعاد من استبعد. وقال قوم - منهم عثمان بن عطاء -: المراد: انشقاقه يوم القيامة، والمعنى عليه (١): اقتربت الساعة، وسينشق القمر، وينفصل بعضه عن بعض، حين يختل نظام هذا العالم، وتبدل الأرض غير الأرض. ونحو هذا قوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، وقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾؛ وكثير غيرهما من الآيات الدالة على الأحداث الكبرى التي تكون حين خراب هذا العالم، وقرب قام الساعة، والذي يدل على أن هذا إخبار عن حدث مستقبل لا عن انشقاق ماض أمورٌ: ١ - أن الإخبار (٢) بالانشقاق أتى إثر الكلام على قرب مجيء الساعة. والظاهر: تجانس الخبرين، وأنهما خبران عن مستقبل لا عن ماضٍ. ٢ - أن انشقاق القمر من الأحداث الكونية الهامة التي لو حصلت .. لرآها من الناس من لا يحصى كثرة من العرب وغيرهم، ولبلغ حدًّا لا يمكن أحدًا أن ينكره، وصار من المحسوسات التي لا تدفع، ولصار من المعجزات التي لا يسع مسلمًا ولا غيره إنكارها. ٣ - ما ادّعى أحدٌ من المسلمين إلا من شذ أن هذه معجزة بلغت حد التواتر، ولو كان قد حصل ذلك .. ما كان رواته آحادًا، بل كانوا لا يعدّون كثرة. ٤ - أنَّ حذيفة بن اليمان، وهو الصحابي الجيل خطب الناس يوم الجمعة في المدائن حين فتح الله فارس. فقال: ألا إنّ الله ﵎ يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإنّ القمر قد انشقّ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدًا السباق، ألا وإن الغاية النار, والسابق من سبق إلى الجنة. فهذا الكلام من حذيفة في معرض قرب مجيء الساعة، وتوقع أحداثها لا في كلام عن أحداث قد حصلت تأييدًا للرسول، وإثباتًا لنبوتّه, لأنَّ ذلك كان في معرض العظة والاعتبار.

стр. 12945

وقيل (١): معنى ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾: وضح الأمر، وظهر. وقيل: انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه، وطلوعه في أثنائها كما يسمى الصبح فلقًا لانفلاق الظلمة عنه. ٢ - وبعد أن ذكر قرب مجيء الساعة، وكان ذلك مما يستدعي انتباههم من غفلتهم والتفكير في مصيرهم، والنظر فيما جاءهم به الرسول من الأدلّة المثبتة لنبوته، والمؤيّدة لصدقه، لكنهم مع كل هذا ما التفتوا إلى الداعي لهم إلى الرشاد، والهادي لهم إلى سواء السيل، بل أعرضوا، وتولوا مستكبرين كما قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾؛أي: وإن ير هؤلاء المشركون علامة تدلهم على حقيقة نبوتك، وترشدهم إلى صدق ما جئت به من عند ربك كانشقاق القمر، ونظائره. ووجه تسمية ما جاءت به الأنبياء معجزة هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها. وقرىء (٢) ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ مبنيًا للمفعول؛ أي: من شأنهم ومن حالهم أنهم متى رأوا ما يدل على صدق الرسول ﷺ من الآيات الباهرة ﴿يُعْرِضُوا﴾ عن التأمل فيها ليقفوا على حققتها، وعلو طبقتها، فيؤمنوا، ويتولّوا مكذّبين بها منكرين أن يكون ذلك حقًّا. ﴿وَيَقُولُوا﴾ تكذيبًا منهم بها هذا الذي ظهر على يد محمد ﷺ ﴿سِحْرٌ﴾ سحرنا به، وخيال غشّنا به. ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾؛ أي: (٣) مطرد دائم يأتي به على ممرّ الزمان، لا يكاد يختلف بحال كسائر أنواع السحر. فالاستمرار بمعني الاطراد، يقال: اطّرد الشيء تبع بعضه بعضًا، وجرى. وهو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، حتى قالوا ذلك. وفيه تأييد أن انشقاق القمر قد وقع، لا أنه سينشق يوم القيامة، كما قاله بعضهم. وذلك لأنه لو لم يكن الانشقاق من جنس الآيات .. لم يكن ذكر هذا القول مناسبًا للمقام. أو مطّردًا بالنسبة إلى جميع الأشخاص والبلاد، حيث رأوه منشقًّا. وقال الكسائي والفراء، واختاره النحاس (٤): إنَّ المراد بالمستمر: الذاهب الزائل عن قرب. إذ هم قد عللوا أنفسهم، ومنوها بالأماني الفارغة. وكأنهم قالوا: إنَّ حاله ﷺ ، وما ظهر من معجزاته إن هي إلا سحابة صيف عن قريب تقشع، ولكن هيهات هيهات .. فقد غرتهم الأماني. ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ

стр. 12946

نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣ ٢)﴾. ٣ - ثم أكد ما سبق بقوله: ﴿وَكَذَّبُوا﴾؛ أي: بالنبي ﷺ ، وما عاينوه من المعجزات التي أظهرها الله على يده. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: شهواتهم التي زيّنها الشيطان لهم من رد الحق بعد ظهوره. أو كذبوا الآية التي هي انشقاق القمر، واتبعوا أهواءهم، وقالوا: سحر القمر أو سحر أعيننا، والقمر بحاله، ولم يصبه شيء، أو إنه خسوف في القمر, وظهور شيء من جانب آخر من الجو يشبه نصف القمر. فهذه أهواؤهم الباطلة اتبعوها لجهلهم وسخف عقولهم. والخلاصة: أنهم كذّبوا النبي ﷺ ، وتركوا حججه، وقالوا: هو كاهن، يقول عن النجوم، ويختار الأوقات للأفعال، وساحر يسترهب الناس بسحره إلى أشباه هذا من مقالاتهم التي تدل على العناد، وعدم قبول الحق. وذكرهما (١) بلفظ الماضي؛ أي: بعد "يعرضوا، ويقولوا" بلفظ المستقبل للإشعار بأنهما من عادتهم القديمة. ثم سلى رسوله، وهدد المشركين بقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ﴾ من الأمور ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾؛ أي: منته إلى غاية يستقر عليها لا محالة. ومن جملتها: أمر النبي ﷺ ، فسيصير إلى غاية يتبين عندها حقيقته، وعلو شأنه. وإبهام المستقر عليه للتنبيه على كمال ظهور الحال، وعدم الحاجة إلى التصريح به. أو كل أمر من أمرهم، وأمره ﷺ مستقر؛ أي: سيثبت، ويستقر على حالة خذلان، أو نصرة في الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة. فإن الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت واستقر، يعني: أن الاستقرار كناية عن ملزومه. وهو الانتهاء إلى الغاية. فإن عنده يتبين حقيقة كل شيء من الخير والشر، والحق والباطل، والهوى، والحجة. وينكشف جلية الحال، ويضمحل الشبه والالتباس؛ فإنّ الحقائق إنما تظهر عند العواقب. فهذا وعيد للمشركين، ووعد وبشارة للرسول والمؤمنين. ونظيره قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾؛ أي: كل نبأ وإن طالت مدته فلا بد أن ينتهي إلى غايته، وتنكشف حقيقته من حق أو باطل. وفي عين المعاني: وكل أمر وعدهم الله تعالى كائن في وقته, لأنه مستقر لا يزول.

стр. 12947

والخلاصة (١): أي وكل شيء ينتهي إلى غاية تشاكله، فأمرهم سينتهي إلى الخذلان في الدنيا، والعذاب الدائم في الآخرة. وأمرك سينتهي إلى النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. وهذه قاعدة عامّة تنضوي تحتها حركات الكواكب، والأفلاك، ونظم العمران، وأعمال الأفراد والأمم. وقصارى ذلك: أن أمر محمد ﷺ سيصل إلى غاية يتبين عندها أنه الحق , وأنَّ ما سواه هو الباطل. فقد جرت سنة الله بأن الحق يثبت والباطل يزهق بحسب ما وضعه، في نظم الخليقة: البقاء للأصلح. وقرأ الجمهور (٢): ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ بكسر القاف. وهو مرتفع على أنه خبر المبتدأ. وهو كل. وقرأ أبو جعفر. وزيد بن علي بجر ﴿مُسْتَقِرٍ﴾ على أنه صفة للأمر. وقرأ شيبة بفتح القاف، ورويت هذه القراءة عن نافع. قال أبو حاتم: ولا وجه لها. وقيل: لها وجه بتقدير مضاف محذوف؛ أي: وكل أمر ذو استقرار أو ذو زمان استقرار، أو ذو مكان استقرار على أنه مصدر أو ظرف زمان، أو ظرف مكان. ٤ - ثمّ ذكر أنهم في ضلال بعيد. فإنَّ ما جاء في القرآن من أخبار الماضين قد كان فيه مزدجر لهم لو كانوا يعقلون، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾؛ أي: وعزّتي وجلالي .. لقد جاء أهل مكة، أو الكفار على العموم في القرآن ﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾؛ أي: من أنباء القرون الخالية، أو أنباء الآخرة، وما وصف من عذاب الكفّار. فالألف واللام (٣) عوض عن المضاف إليه، و ﴿من﴾ للتبعيض. وهو حال مما بعده. ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾؛ أي: ازدجار وارتداع من تعذيب إن أريد بالأنباء: أنباء القرون الخالية، أو وعيد إن أريد أنباء الآخرة على أنه مصدر ميمي. ويجوز أن يكون اسم مكان؛ أي: جاءهم ما فيه موضع ازدجارٌ على أنّ ﴿في﴾ تجريدية؛ أي: أنه في نفسه موضع ازدجار، ومظنّة له كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؛ أي: هو في نفسه أسوة حسنة. وقرىء (٤) ﴿مزّجر﴾ بإبدال تاء الافتعال زايًا وإدغام الزاي فيها. وقرأ زيد بن عليّ ﴿مزجر﴾ اسم فاعل من أزجر؛

стр. 12948

أي: صار ذا زجر، كأعشب؛ أي: صار ذا عشب. والمعنى: أي ولقد جاء هؤلاء المشركين الذين كذبوا بك، واتبعوا أهواءهم من الأخبار عن الماضين الذين كذبوا الرسل، فأحلَّ الله بهم من العقوبات ما قصه في كتابه ما يردعهم، ويزجرهم عما هم فيه من القبائح؛ إذ أبادهم في الدنيا، وسيعذبهم يوم الدين جاء وفاقًا لما دنسوا به أنفسهم من الشرك بربهم، وعصيان رسله، واجتراحهم للسيئات. ٥ - ثم بين الذي جاءهم به، فقال: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾؛ أي: هذه الأنباء حكمة بالغة غايتها متناهية في كونها حكمة، لا خلل ولا نقص فيها. أو قد بلغت الغاية في الإنذار، والنهي، والموعظة، والإرشاد إلى طريق الحق، لمن اتبع عقله وعصى هواه. وهو بدل من ﴿ما﴾، أو خبر لمحذوف. وقرأ الجمهور (١): ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ برفعهما، وجوزوا أن تكون ﴿حِكْمَةٌ﴾ بدلًا من ﴿مُزْدَجَرٌ﴾، أو من ﴿مَا﴾، أو خبر مبتدأ محذوف. وقرأ اليماني ﴿حكمةً بالغةً﴾ بالنصب فيهما حالًا من ﴿مَا﴾، سواء كانت موصولة أم موصوفة تخصصت بالصفة. ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ نفى للإعتداء (٢). فمفعول ﴿تُغْنِ﴾ محذوف؛ أي: لم تغن النذر شيئًا. أو استفهام إنكار فما مخصوبة على أنها مفعول مقدم لتغني، أي: فأي إغناء تغني النذر إذ خالفوا أو كذبوا؛ أي: لا تنفع. كقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾. والنذر: جمع نذير بمعني المنذر أو مصدر بمعني الإنذار. والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجيء الحكمة البالغة. أي: إنَّ النذر والرسل (٣) لم يبعثوا ليلجئوا الناس إلى قبول الحق، وإنما أرسلوا مبلغين فحسب. فليس عليك، ولا على الأنبياء قبلك الإغناء والإلجاء إلى اتباع سبيل الهدى. فإذا بلغت .. فقد أتيت بما عليك من الحكمة البالغة التي أمرت بها في نحو قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وتول عنهم بعدئذٍ.

стр. 12949

ونحو الآية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. ٦ - ثم أمر رسوله أن لا يجادلهم، ولا يناظرهم. فإن ذلك لا يجدي نفعًا فقال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين المكذّبين بك، ولا تحاجهم فإنهم قد بلغوا حدًّا لا يقنعون معه بحجة ولا برهان، فأحرى بك أن لا تلتفت إلى نصحهم وإرشادهم. فقد عييت بأمرهم، وبرمت بعنادهم. وهذه الآية منسوخة بآية السيف. والظرف في قوله (١): ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ متعلق بـ ﴿يَخْرُجُونَ﴾ أو باذكر محذوفًا أو بقوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ ويكون ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ اعتراضًا أو بقوله: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ﴾ أو بقوله: ﴿خُشَّعًا﴾. وهو يوم القيامة. والداعي إسرافيل ﵇، ينفخ في الصور قائمًا على صخرة بيت المقدس، ويدعو الأموات, وينادي قائلًا: أيتها العظام البالية، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، أو إنَّ إسرافيل وجبريل يدعو وينادي بذلك. وعلى كلا القولين فالدعا على حقيقته. وقال بعضهم: هو مجاز كالأمر في قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. يعني: أنَّ الدعاء في البعث والإعادة مثل: "كن" في التكوين والابتداء بأن لا يكون ثمة داع إسرافيل أو غيره، بل يكون الدعاء عبارة عن نفاذ مشيئته، وعدم تخلف مراده عن إرادته كما لا يتخلف إجابة دعاء الداعي المطاع. يقول الفقير: الأولى بقاؤه على حقيقته؛ لأنَّ إسرافيل مظهر الحياة، وبيده الصور، والله تعالى ربط الأسياء بعضها ببعض، وإن كان الكل بإرادته ومشيئتة، انتهى. وأصل ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾: يدعو الداعي بالواو والياء، ولما حذفت الواو من ﴿يدعو﴾ في التلفظ لاجتماع الساكنين حذفت في الخط أيضًا تباعًا للفظ، وأسقطت الياء من الداعي للاكتفاء بالكسرة تخفيفًا. قال بعضهم: حذفت الياء من الداعي مبالغة في التخفيف إجراء لأل مجرى ما عاقبها. وهو التنوين. فكما يحذف الياء مع التنوين كذلك مع ما عاقبه. ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ بضمّتين، صفة على فعل، وقرىء (٢) بسكون الكاف

стр. 12950

وكلاهما بمعني المنكر؛ أي: إلى شيء منكر فظيع، تنكره النفوس لعدم العهد بمثله. وهو هول يوم القيامة. ومنه: منكر ونكير لفتاني القبر؛ لأنه لم يعهد عند الميت مثلهما. وقد جرت العادة أن من ينصح شخصًا لا يؤثر فيه النصح أن يعرض عنه، ويقول لغيره ما فيه نصح للمعرض عنه، وهدايته، وإرشاده لو أراد. وقرأ الجمهور (١) ﴿نُكُرٍ﴾ بضم الكاف. وهو صفة على فعل. وهو قليل في الصفات. ومنه: رجل شلل أي: خفيف في الحاجة، وناقة أحد، ومشية سجح، وروضة أنف. وقرأ الحسن، وابن كثير، وشبل بإسكان الكاف، كما قالوا: شغل وشغل، وعسر وعسر. وقرأ مجاهد, وأبو قلابة، والجحدري، وزيد بن عليّ ﴿نُكِرَ﴾ فعلًا ماضيًا مبنيًا للمفعول؛ أي: جهل فنكر. ٧ - ثم ذكر حال الكافرين في ذلك اليوم، فقال: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ حال من فاعل ﴿يَخْرُجُونَ﴾ والتقديم؛ لأن العامل فعل متصرف. وفيه دليل عى بطلان مذهب الجرمي؛ لأنه لا يجوز تقدم الحال على الفعل، وإن كان متصرفًا. ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ جمع جدث، محركًا. هو القبر، أي: يخرجون من قبورهم حال كونهم أذلة أبصارهم من شدة الهول، خاضعة عند رؤية العذاب. والخشوع (٢): الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد في الجوارح. والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب. كما روي: إذا ضرع القلب .. خشعت الجوارح. وخصَّ الأبصار بالخشوع؛ لأنّه فيها أظهر منه في سائر الجوارح وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أو خوف ونحوه إنما يظهر في البصر. وقرأ الجمهور (٣): ﴿خُشَّعًا﴾ جمع تكسير. وابن عباس، وابن جبير، ومجاهد والجحدري، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي ﴿خاشعًا﴾ بالإفراد. وقرأ أبي، وابن مسعود "خاشعة". وجحع التكسير أكثر في كلام العرب. وقال الفراء، وأبو عبيدة: كله جائز، انتهى. وقرىء "خُشَّعٌ أبصارُهم" وهي جملة في موضع الحال و"خشع" خبر مقدم.

стр. 12951

﴿كَأَنَّهُمْ﴾ لكثرتهم، واختلاط بعضهم ببعض ﴿جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾؛ أي: منبث في الأقطار، متفرق فيها، مختلط بعضه ببعض؛ أي: يخرجون من قبورهم ذليلة أبصارهم من هول ما يرون كأنهم في انتشارهم، وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي جراد قد انتشر في الآفاق. وجاء (١) تشبيههم في الآية الأخرى بالفراش في قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾. وهم يكونون أوّلًا كالفراش، حين يخرجون فزعين، لا يهتدون أين يتوجهون؛ لأن الفراش لا جهة لها تقصدها, ثم يكونون كالجراد المنتشر إذا توجهوا للحشر. فهما تشبيهان باعتبار وقتين. حكي ذلك عن مكي بن أبي طالب. ٨ - وقوله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ حال أيضًا من فاعل ﴿يَخْرُجُونَ﴾؛ أي: يخرجون من الأجداث حال كونهم مسرعين إلى جهة الداعي والمنادي. وهو إسرافيل، مادي أعناقهم أو ناظرين إليه، لا يقلعون أبصارهم عنه. وجملة قوله: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ﴾ منهم إما حال من ضمير ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أو من فاعل ﴿يَخْرُجُونَ﴾، والرابط مقدر كما قدرناه آنفًا، أو مستأنفة استئنافًا بيانيًّا واقعًا في جواب سؤال مقدر نشأ من وصف اليوم بالأهوال، وأهله بسوء الحال. كأنه قيل: فماذا يكون حينئذٍ؟ فقيل: يقول الكافرون ﴿هَذَا﴾ اليوم ﴿يَوْمٌ عَسِر﴾؛ أي: صعب شديد علينا. فيمكثون بعد الخروج من القبور واقفين أربعين سنة كما روي، يقولون: أرحنا من هذا ولو إلى النار. ثم يؤمرون بالحساب. وفي إسناد القول المذكور إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة من الشدة، بل ذلك اليوم يوم يسير لهم ببركة إيمانهم، وأعمالهم الصالحة؛ أي: مسرعين إلى الداعي، لا يخالفون، ولا يتأخّرون، ويقولون: هذا يوم شديد الهول سيء المنقلب. ونحو الآية قوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ وفي هذا إيماء إلى أنّه هين على المؤمن، لا عسر فيه, ولا مشقة.

стр. 12952

قصص قوم نوح ﵇ ٩ - ثم ذكر سبحانه تفصيل بعض ما تقدم من الأنباء المجملة، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾؛ أي: قبل قومك يا محمد ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا. فالمفعول محذوف. وهذا شروع في تعداد بعض الأنباء الموجبة للازدجار، وتسلية لرسول الله ﷺ ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ نوحًا ﵇. وهذا تفسير لذلك التكذيب المبهم أوّلًا, كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ ...﴾ إلخ. فالمكذب في المقامين واحد. والفاء تفسيرية، تفصيلية، تعقيبية في الذكر. فإن التفصيل يعقب الإجمال. وفيه مزيد تقرير وتأكيد. وقيل: المعنى: كذبت قوم نوح الرسل، فكذبوا عبدنا نوحًا بتكذيبهم للرسل. فإنه منهم. وفي "فتح الرحمن": إن قلت: ما فائدة إعادة التكذيب فيه؟ تلف: فائدته حكايه الواقع، وهو أنهم كذبوا تكذيبًا بعد تكذيب، أو الأوّل تكذيبهم بالتوحيد، والثاني: بالرسالة، أو الأول تكذيبهم بالله، والثاني: برسول الله. وفي ذكره بعنوان العبودية مع الإضافة إلى نون العظمة تفخيم له ﵊، ورفع لمحله، وزيادة تشنيع لمكذبيه. فإن تكذيب عبد السلطان أشنع من تكذيب عبد غيره. وفيه إشارة إلى أنه لا شيء أشرف من العبودية. فإن الذلة الحقيقية التي يقابلها مقام الربوبية مختصة بالله تعالى، فكذا العبودية مختصة بالعبد. وهي المرادة بالتواضع. وهي غير التملق. فإن التملق لا عبرة به. ﴿وَقَالُوا﴾ في حقه هو ﴿مَجْنُونٌ﴾ أو قالوا له: إنك مجنون. أي: لم يقتصروا على مجرد الكذيب، بل نسبوه إلى الجنون، واختلال العقل. وهو مبالغة في التكذيب. لأنَّ من الكاذبين من يخبر بما يوافق العقل، ويقبله. والمجنون لا يقول إلا ما لا يقبله العقل، ويأباه. ﴿وَازْدُجِرَ﴾ عطف (١) على ﴿قالوا﴾. فهو من كلام الله تعالى. أي: وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية. مئل الشتم، والضرب، والخنق، والوعيد بالرجم. قال الراغب: ﴿وَازْدُجِر﴾؛ أي: طرد. واستعمال الزجر فيه لصياحهم بالمطرود، نحو أن

стр. 12953

يقال: أغرب عنّي، وتنح، ووراءك. وقيل: هو من جملة ما قالوه؛ أي؛ هو مجنون، وقد ازدجرته الجن، وتخبطته؛ أي: أفسدته، وتصرفت فيه، وذهبت بلبه، وطارت بقلبه. والأول أولى. وفيه إشارة إلى أن كل داعي حق لا بد وأن يكذب لكثرة أهل البطلان، وغلبة أهل البدع والأهواء والطغيان. وذلك في كل عصر وزمان؛ أي: فكذبوا عبدنا نوحًا، ونسبوه إلى الجنون، وزجروه، وتوعدوه لئن لم ينته .. ليكونن من المرجومين. ١٠ - ثم بين أنه عيل بهم صبرًا، وضاق بهم ذرعًا، فقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾؛ أي: لما زجروا نوحًا عند الدعوة، وبلغ مدة التبليغ تسع مئة وخمسين سنة دعا ربه ﴿أَنِّي﴾؛ أي: بأني ﴿مَغْلُوبٌ﴾ من جهة قومي، ما لي قدرة على الانتقام منهم ﴿فَانْتَصِر﴾؛ أي: فانتقم لي منهم. وذلك بعد تقرّر يأسه منهم. فقد روي: أنَّ الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه، حتى يخر مغشيًا، فيفيق، ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". فلما أذن الله له في الدعاء للإهلاك دعا. فأجيب كما قال في الصافات: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾. وقرأ الجمهور (١): ﴿أَنِّي﴾ بفتح الهمزة؛ أي: بأنّي. وقرأ ابن أبي إسحاق، والأعمش بكسرة الهمزة، ورويت هذه القراءة عن عاصم بتقدير إضمار القول؛ أي: فقال إنيّ. والمعنى (٢): أي فدعا نوح ربه قائلًا: إن قومي قد غلبوني لتمردهم وعتوهم، ولا طاقة لي بهم، فانتصر منهم بعقاب من عندك على كفرهم بك. وقصارى ذلك: انتصر لك ولدينك، فإني قد غلبت، وعجزت عن الانتصار لهما. ١١ - ثم أخبر سبحانه أنه أجاب دعاءه، وعاقبهم بقوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: طرق السماء ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾؛ أي: بماء كثير منصب انصبابًا شديدًا يقال: انهمر الماء إذا انسكب، وسال؛ أي: منصب انصبابًا شديدًا كما ينصب من أفواه القرب لم ينقطع أربعين يومًا. وكان مثل الثلج بياضًا وبردًا. وهو تمثيل لكثرة الأمطار،

стр. 12954

وشدة انصبابها سواء جعلت الباء في قوله: ﴿بِمَاءٍ﴾ للاستعانة وجعل الماء كالآلة لفتح أبواب السماء، وهو ظاهر، أو للملابسة، قرأ الجمهور (١) ﴿فتحنا﴾ مخففًا. وقرأ ابن عامر، ويعقوب بالتشديد. ١٢ - ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾؛ أي: جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة؛ أي: جارية. وكان ماء الأرض مثل الحميم حرارة. وأصل الكلام. وفجرنا عيون الأرض. فغير عن المفعولية إلى التمييز قضاء لحقّ المقام من المبالغة؛ لأنّ قولنا: فجرنا عيون الأرض يكفي في صحة تفجر ما فيها من العيون، ولا مبالغة فيه، بخلاف فجرنا الأرض عيونًا فإنّ معناه: فجرنا أجزاء الأرض كلها بجعلها عيون الماء. ولا شك في أنه أبلغ. وقرأ الجمهور (٢) ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ بتشديد الجيم. وعبد الله، وأصحابه، وأبو حيوة، والمفضل عن عاصم بالتخفيف. قال عبيد بن عمير: أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها، فتفجرت بالعيون. ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾؛ أي: ماء السماء، وماء الأرض، وارتفع على أعلى جبل في الأرض ثمانين ذراعًا. والإفراد حيث لم يقل: الماءان لتحقيق أنَّ التقاء الماءين .. لم يكن بطريق المجاورة والتقارب، بل بطريق الالتقاء والاتحاد. وقرأ الجمهور (٣): ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾. وهو اسم جنس. وقرأ عليّ بن أبي طالب، والحسن، ومحمد بن كعب، والجحدري ﴿الماءان﴾. وقرأ الحسن أيضًا ﴿الماءان﴾. وقال الزمخشري: وقرأ الحسن ﴿ماوان﴾ بقلب الهمزة واوًا، كقوله: علباوان، انتهى. شبه الهمزة الذي هي بدل من هاء في الماء بهمزة الإلحاق في علباء. وعن الحسن أيضًا ﴿المايان﴾ بقلب الهمزة ياء. وفي كلتا القرائتين شذوذ. حالة كون الماء كائنًا ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾؛ أي: على حالة ورتبة قد فصلت في الأزل. وقيل: على مقادير قد رتبت وقت التقائه. فروي: أن ماء الأرض كان على سبعة عشر ذراعًا، ونزل ماء السماء على تكملة أربعين ذراعًا. وقيل: كان ماء الأرض أكثر. وقيل: كانا متساويين نزل من السماء قدر ما خرج من الأرض.

стр. 12955

وقيل: على أمرٍ قد قدر في اللوح المحفوظ أنه يكون. وهو هلاك قوم نوح ﵇ بالطوفان. وهذا هو الراجح؛ لأن كل قصة ذكرت بعد هذه القصة ذكر الله هلاك مكذبي الرسل فيها. فيكون هذا كناية عن هلاك قوم نوح، ولذلك ذكر نجاة نوح بعدها في قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ فكلمة ﴿عَلَى﴾ هذا للتعليل؛ أي: التقى الماء لأجل أمر قد قدره الله في الأزل. وهو هلاكهم بالطوفان. يقول الفقير: إنما وقع (١) العذاب بالطوفان العام؛ لأنَّ الماء إشارة إلى العلم، فلما لم ينتفعوا بعلم نوح ﵇ في المدة الطويلة، ولم تغرق أرواحهم فيه أخذوا بالماء، حتى غرقت أجسادهم. وتأئير الطوفان يظهر في كل ثلاثين سنة مرة واحدة، لكن على الخفة. فيقع مطر كثير، ويغرق بعض القرى، والبيوت من السيل. وقرأ أبو حيوة ﴿قُدِرَ﴾ بتشديد الدال، والجمهور بتخفيفها. والخلاصة (٢): أنّ الله أرسل ماء السحاب مدرارًا، وأخرج من الأرض ماء ثجاجًا، فالتقى الماءان، فأحدثا طوفانًا على وجه الأرض، فأغرق به قوم نوح , ونجا نوحًا بركوب سفينته التي بناها، كما أشار إلى ذلك في هود بالتفصيل. ١٣ - وأشار إليه هنا بقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾؛ أي: نوحًا ومن آمن معه ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾؛ أي: على سفينة صاحبة أخشاب عريضة. فإن الألواح جمع لوح. وهو كل صحيفة عريضة خشبًا أو عظمًا. وكانت سفينة نوح من ساج. وهو شجر عظيم ينبت في أرض الهند. ﴿وَدُسُرٍ﴾؛ أي: ومسامير. جمع دسار (٣)، من الدسر. وهو الدفع الشديد، سمي به المسمار؛ لأنه يدسر به منفذها؛ أي: يدفع. قال في "عين المعاني": دسرت بها السفينة؛ أي: شدت، أو لأنّها تدسر أي: تدفع بالدقّ. فقوله: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ صفة للسفينة، أقيمت مقامها بأن يكنى بها عنها كما يكنى عن الإنسان بقولهم: هو مستوي القامة عريض الأظفار. أي: وأنقذناه من الطوفان، فحملناه على سفينة ذات خشب ومسامير. وفي
следующие страницы →