يأخذوا بما فيه حيث يوصل إلى سعادتهم في المعاش والمعاد من المعتقدات الحقة، وقصص الأولين المذكرة بأمور الآخرة، وما فيها من نعيم مقيم، أو عذاب أليم. واقتصروا على شؤون الدنيا، ورضوا بزخرفها، وجدوا في بلوغ أسمى المراتب فيها كما فعل النضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة، وأضرابهما.
والخلاصة: لا تبالغ في الحرص على هدى من تولى عن ذكرنا، وانهمك في أمور الدنيا، وجعلها منتهى همته، وأقصى أمنيته، وقصارى سعيه فلا سبيل إلى إيمان مثله، فلا تبخع نفسك على مثله أسفًا وحزنًا، كما قال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾.
٣٠ - ثم أكد ما مضى من أن همتهم مقصورة على الحياة الدنيا بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ التولي, وقصر الإرادة على الحياة الدنيا ﴿مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾؛ أي: غاية علمهم، ونهايته، لا يكادون يجاوزونه إلى غيره، حتى يجديهم الدعوة والإرشاد كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. فـ ﴿مبلغ﴾ اسم مكان، وجمع الضمير في ﴿مَبْلَغُهُمْ﴾ باعتار معنى ﴿مِنَ﴾ كما أنّ إفراده فيما سبق باعتبار لفظها.
قال الفرّاء: أي ذلك قدر عقولهم، ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة. وقيل: الإشارة بذلك إلى جعلهم للملائكة بنات الله، وتسميتهم لهم تسمية الأنثى. والأول أولى. والمراد بالعلم هنا: مطلق الإدراك الذين يندرج تحته الظن الفاسد. والجملة مستأنفة لتقرير جهلهم، واتباعهم مجرد الظن. وقيل: معترضة بين المعلل والعلة. وهي قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ﴾ وحاد ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وأعرض عن الحق الذي هو التوحيد والطاعة. والمراد ﴿بِمَنْ ضَلَّ﴾: هو من أصر عليه، ولم يرجع إلى الهدى أصلًا.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ فقبل الحق، وأقبل عليه، وعمل به. فإن هذا تعليل للأمر بالأعراض. فهو سبحانه مجازٍ كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشرًا. وفيه تسلية لرسول الله ﷺ ، وإرشاد له بأنه لا يتعب نفسه في دعوة من أصر على الضلالة، وسبقت له الشقاوة؛ فإن الله سبحانه قد علم حال هذا الفريق الضالّ، كما علم حال الفريق الراشد.
стр. 12882
وحاصل معنى الآية: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾؛ أي (١): إن منتهى علمهم أن يتفهموا شؤون الحياة الدنيا، ويتمتعوا باللذات، ويتصرفوا في التجارات ليحصلوا على ما يكون لهم فيها من بسطة في المال، وسعة في الرزق، ويكونوا ممن يشار إليهم بالبنان، وما به يذكرون لدى الناس، ولا يعنون بما وراء ذلك. فشؤون الآخرة دبر أذنهم، ووراء ظهورهم لا يعرفون منها قبيلًا من دبر.
روى أحمد عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال سول الله ﷺ : "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له". وفي الدعاء المأثور: "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا". ثم ذكر السبب في الأمر بالإعراض عنهم فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ...﴾ إلخ؛ أي: إن ربك يا محمد هو العليم بمن واصل ليله بنهاره، وصباحه بمسائه مفكرًا في آياته في الكون، وفيما جاء على ألسنة رسله، حتى اهتدى إلى الحقال في ينجيه في آخرته، ويبلغه رضوان ربه، ويبلغه سعادة الدنيا بالسير على السنن الذي وضعها في خليقته، فاحتذى حذوها، وسار على أثرها. وبمن حاد عن طريق النجاة، وجعل إلهه هواه، وركب رأسه فلم يلو على شيء معا جاء به الداعي الناصح الأمين. وإنه لمجاز كلًّا بما كسب، واكتسب. وسيجزيه على الجليل، والحقير، والصغير, والكبير، بحسب ما أحاط به واسع علمه، وبمقدار فضله على من أخبت إليه. كما قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. ونكاله بمن دسى نفسه، واجترح السيئات مصداقًا لقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.
والخلاصة: أن هؤلاء قوم لا تجدي فيهم الذكرى، ولا تؤثر فيهم العظة فلا تبتئس بما كانوا يفعلون.
٣١ - ثم أخبر سبحانه عن سعة قدرته، وعظيم ملكه، فقال: ﴿وَلِلَّهِ﴾ سبحانه ملكًا، وخلقًا، وعبيدًا، لا لغيره أصلًا لا استقلالًا، ولا اشتراكًا ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: جميع ما في السموات من العالم العلوي، وجيمع ما في الأرض من العالم السفلي. فهو المالك لذلك، والمتصرِّف فيه، لا يشاركه فيه أحد. واللام (٢) في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ وأشركوا، متعلقة بعا دل عليه الكلام. كأنه قيل: هو
стр. 12883
مالك ذلك يضل من يشاء، يهدي من يشاء ليجزي المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه. وقيل (١): متعلّقة بما دلّ عليه ﴿أعلم﴾ ... إلخ، وما بينهما اعتراض مقرر لما قبله. فإن كون الكل مخلوقًا له تعالى مما يقرر علمه تعالى بأحوالهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾. كأنه قيل: فيعلم ضلال من ضل واهتداء من اهتدى، ويحفظهما ليجزى الذين أساؤوا، وضلّوا.
﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: بعقاب ما عملوا من الشرك والضلال الذي عبَّر عنه بالإساءة بيانًا لحاله. شبه نتيجة علمه بكل واحد من الفريقين. وهي مجازاته على حسب حاله بعلته الغائية. فأدخل لام العلة عليها، وصح بذلك تعلقها بقوله: ﴿أعلم﴾.
﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾؛ أي: وحدوا، واهتدوا ﴿بِالْحُسْنَى﴾؛ أي: بالمثوبة الحسنى التي هي الجنة. والباء لتعدية الجزاء أو بسبب أعمالهم الحسنى، فالباء للسببية والمقابلة. وإنما قدر على مجاراة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك كامل القدرة، فلذلك قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. والحسنى تأنيث الأحسن. وقرأ زيد بن عليّ ﴿لنجزي﴾ بالنون فيهما. وقرأ الجمهور بالياء فيهما.
ومعنى الآية (٢): أي إنّ ما في السموات وما في الأرض تحت قبضته وسلطانه، وله التصرف فيه خلقًا، وملكًا، وتدبيرًا. فهو العليم به، لا تخفى عليه خافية من أمره. فلا تظنوا أنه يهمل أمركم، كلًّا فإنه مجار كل نفس بما كسبت من خير أو شر. وهذا ما عناه سبحانه بقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا ...﴾ إلخ؛ أي: فهو يجازي بحسب علمه المحيط بكل شيء. المحسن بالإحسان" ويدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار، ويمتعه بنعيم لا يخطر على قلب بشر. والمسيء بصنيع ما أساؤوا، وبما دسى به نفسه من ضروب الشرك والمعاصي، وبما ران على قلبه من كبائر الذنوب والآثام. وقد أصله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوةً.
٣٢ - ثم وصف هؤلاء المحسنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾؛ ويبتعدون
стр. 12884
عنها. فالموصول في محل نصب على أنه نعت للموصول الأوّل أعني قوله: ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾. وقيل: بدل منه. وقيل: بيان له. وقيل: منصوب على المدح بإضمار أعني، أو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين يجتنبون كبائر الإثم. وقرأ الجمهور (١) ﴿كَبَائِرَ﴾ على الجمع. وقرأ حمزة، والكسائي، والأعمش، ويحيى بن وثّاب ﴿كبير الإثم﴾ على الإفراد. وصية الاستقبال (٢) في صلة هذا الموصول، دون صلة الموصوف، أو المبدل منه للدلالة على تجدد الاجتناب واستمراره. يعني: للإشعار بأن ترك المعصية سواء كانت بارتكاب المحرمات أو بترك الواجبات ينبغي أن يستمر عليه المؤمن، ويجعل الاجتناب عنها دأبًا له وعادة، حتى يستحق المثوبة الحسنى. فإن من اجتنب عنها مرة، وانهمك عليها في باقي الأزمان لا يستحقها بخلاف الحسنات المتطوع بها. فإن من أتى بها ولو مرة يؤجر عليها.
قال سعدي المفتي: لا حسن في جعل الذين يجتنبون مقصودًا بالنسبة، وجعل الذين أحسنوا في حكم المسكوت عنه على القول: بأنه بدل منه، ولو كان النظم على العكس .. لكان لها وجه، انتهى.
يقول الفقير: الاجتناب من باب التخلية بالمعجمة. وهي أقدم من التحلية بالحاء المهملة، فلذا جعلت مقصودًا بالنسبة.
وكبائر الإثم: ما بكبر عقابه من الذنوب. وهو ما ترتب عليه الوعيد بخصوصه كالشرك والزنا مطلقًا خصوصًا بحليلة جاره، وقتل النفس مطلقًا لا سيما الأولاد. وهي الموؤدة. وقيل: ما ذم فاعله ذمًّا شديدًا. وقيل: الكبيرة: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب أو حدّ في الدنيا أو أقدم صاحبه عليه من غير استشعار خوف أو ندم أو ترتب عليه مفاسد كبيرة. ولو كان في نظر الناس صغيرًا. من أمسك إنسانًا ليقتله ظالم، أو دل العدو على عورات البلاد، فقد فعل أمرًا عظيمًا. فيكون أكل مال اليتيم إذا قيس على هذين قليلًا مع أنه من الكبائر. ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل. وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها.
стр. 12885
والمشهور: أنّ الكبائر سبع. روي ذلك عن عليّ كرم الله وجهه، واستدلوا عليه بما روي في الصحيحين: "اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله تعالى، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق؛ وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وروى الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنَّ رجلًا قال له: الكبائر سبعٌ، فقال: هي إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، اهـ.
والإثم: قيل: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب. وقيل: هو اسم للأفعال المبطئة عن الثواب. وقيل: هو فعل ما لا يحل. وقيل: الإثم جنس يشتمل كبائر وصغائر؛ وجمعه آثام.
وقوله: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ معطوف على ﴿كَبَائِرَ﴾. جمع فاحشة. وهي ما فحش من كبائر الذنوب: كالزنا، ونحوه. نهو من قبيل التخصيص بعد التعميم. وقال مقاتل: كبائر الإثم: كل ذنب ختم بالنار. والفواحش: كل ذنب فيه الحد. وقيل: الكبائر: الشرك. والفواحش: الزنا.
والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ منقطع؛ أي: إلا ما قل وصغر من الذنوب لأن المراد باللمم: الصغائر. وهي لا تدخل في الكبائر. وذلك كالنظرة، والكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، والضحك في الصلاة المفروضة، والنياحة، وشق الجيب في المصيبة، والتبختر في المشي، والجلوس بين الفساق إيناسًا بهم، وإدخال مجانين وصبيان ونجاسةٍ المسجد إذا كان يغلب تنجيسهم له، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة، اهـ خطيب.
والمعنى: إلا ما قلَّ وصغر من الذنوب. فإنه مغفور ممن يجتنب الكبائر. يعني: إن الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، إذا اجتنب الكبائر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. وقيل: هي النظر بلا تعمد، فإن أعاد النظر فليس بلمم، وهو مذنب. والغمزة والقبلة كما روي أن نبهان التمّار أتته امرأة لتشتري التمر، فقال لها: أدخلي الحانوت، فعانقها وقبلها، فقالت المرأة: خنت أخاك، ولم تصب حاجتك، فندم، وذهب إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت
стр. 12886
الآية. وقيل: هي الخطرة من الذنب؛ أي: ما خطره من الذنب على القلب بلا عزم. وقيل: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدًّا ولا عذابًا. وقال بعضهم: اللمم والإلمام: ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين ولا يكون له عادة، ولا إقامة عليه. وقال ابن عباس ﵄: معناه: إلا أن يلم بالفاحشة مرة، ثم يتوب ولم يثبت عليها. فإن الله يقبل توبته. ويؤيده تمثل النبي ﷺ قول أمية (١):
إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا
أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وبه قال مجاهد؛ والحسن، والزهري، وغيرهم.
واختار هذا القول الزجاج والنحاس. فالاستثناء على هذا متصل. والراجح الأول. واللمم: مأخوذ من قولهم: ألممت بكذا؛ أي: نزلت به وقاربته من غير مواقعة. قال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب.
وجملة قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وكثيرها، تعليل لما تضمنه الاستثناء؛ أي: إنّ ذلك، وإن خرج عن حكم المؤاخذة، فليس يخلو عن كونه ذنبًا يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاج إلى رحمته، بل لسعة المغفرة الربانية. وقيل معناه: إنّه سبحانه يغفر لمن تاب عن ذنبه فيغفر ما يشاء من الذنوب بعد التوبة الصادقة، والندم على ما فرط من مرتكبها، إذا أخبت لربه، وتجافى عن ذنبه. ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾.
ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه بأحوال عباده، فقال: ﴿هُوَ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِكُمْ﴾؛ أي: بأحوالكم يعلمها ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ﴾؛ أي: خلقكم في ضمن إنشاء أبيكم آدم ﵇ ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ إنشاء إجماليًا. وقيل: المراد: آدم. فإنه خلقه من طين ﴿و﴾ هو سبحانه أعلم بأحوالكم ﴿إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾، أي: وقت كونكم أجنة ﴿في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ على أطوار مختلفة مترتبة، لا يخفى عليه حال من
стр. 12887
أحوالكم، وعمل من أعمالكم التي من جملتها اللمم الذي لولا المغفرة الواسعة لأصابكم وباله، وضرره. والأجنّة: جمع جنين مثل؛ أسرَّة وسرير، وسيأتي بسط الكلام فيه في مبحث اللغة والصرف.
والفاء في قوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لترتيب (١) النهي عن تزكية النفس على ما سبق من أن عدم المؤاخذة باللمم، ليس لعدم كونه من قبيل الذنوب، بل لمحض مغفرته تعالى مع علمه بصدوره عنكم، أي: إذا كان الأمر كذلك .. فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة من المعصية بالكلية، أو بما يستلزمها من زكاء العمل، ونماه الخير، ولا تمدحوها بحسن الأعمال، ولا تبرئوها عن الآثام. فإن ترك تزكية النفس أبعد من الرياء، وأقرب إلى الخشوع. بل اشكروا الله تعالى على فضله ومغفرته.
وقال الحسن رحمه الله تعالى: علم الله من كل نفس ما هي صانعة، إلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، ولا تطهروها من الآثام، ولا تمدوحها بحسن الأعمال. لأن كل واحد من التخلية والتحلية إنما يعتد به إذا كان خالصًا لله تعالى، وإذا كان هو أعلم بأحوالكم منكم فأيُّ حاجة إلى التزكية.
وأما من زكاه الغير، ومدحه فقد ورد فيه "احثوا في وجه المداحين - أي: الذين يمدحون بما ليس في الممدوح - التراب" على حقيقته، أو مجاز عن ردهم عن المدح، لئلا يغتر الممدوح فيتجبر. وقيل: المراد به: أن لا يعطوهم شيئًا لمدحهم. أو معناه: الأمر بدفع المال إليهم لينقطع لسانهم، ولا يشتغلوا بالهجو، وفيه إشارة إلى أن المال حقير في الواقع كالتراب.
قال أبو الليث في "تفسيره": المدح على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يمدحه في وجهه، فهو الذي نهى عنه.
والثاني: أن يمدحه في غير حضرته، ويعلم أنه يبلغه فهذا أيضًا منهي عنه.
والثالث: مدح يمدحه في حال غيبته، وهو لا يبالي بلغه أم لم يبلغه، ومدح يمدحه بما هو فيه فلا بأس بهذا، انتهى. وأمَّا المدح بعد الموت فلا بأس إذا لم يجاوز الحد، كالروافض في مدح أهل البيت.
وجملة قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ المعاصي جميعًا، مستأنفة مقرّرة للنهي
стр. 12888
ومشعرة بأن فيهم من يتقيها بأسرها. وقيل: كان ناس يعملون أعمالًا حسنة، ثم يقولون: صلاتنا، وصيامنا، وحجنا، فنزلت فيهم هذه الآية، وهذا إذا كان بطريق الإعجاب أو الرياء أو السمعة. فأما من اعتقد أن ما عمله من الأعمال الصالحة من الله تعالى، وبتوفيقه وتأييده، ولم يقصد به التمدح لم يكن من المزكين أنفسهم. فإن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر.
ومعنى الآية (١): هو بصير بأحوالكم، علبم بأقوالكم وأفعالكم، حين ابتدأ خلقكم من التراب، وحين صوركم في الأرحام على أطوار مختلفة وصور شتى. ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: فإذا علمتم ذلك فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة من المعاصي، أو بزكاة العمل وزيادة الخير، بل اشكروا على فضله ومغفرته. فهو العليم بمن اتقى المعاصي، ومن ولغ فيها، ودن نفسه باجتراحها.
الإعراب
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾.
﴿وَالنَّجْمِ﴾ ﴿الواو﴾ حرف جر وقسم، ﴿النجم﴾ مقسم به، مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: أقسم بالنجم. وجملة القسم مستأنفة. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرّد عن معنى الشرط، متعلق بفعل القسم المحذوف، ﴿هَوَى﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿النجم﴾. والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، والتقدير: أقسم بالنجم وقت هويه. وقيل: الظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿النجم﴾؛ أي: أقسم بالنجم حال كونه مستقرًّا في زمان هويّه. وقيل: غير ذلك. وفي كلٍ منها إشكال ذكرت مع الأجوبة عنها في المطولات. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ فعل، وفاعل. والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَا غَوَى﴾ معطوف على ﴿مَا ضَلَّ﴾. ﴿وَمَا﴾
стр. 12889
الواو: عاطفة، ﴿يَنْطِقُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿صَاحِبُكُمْ﴾، ﴿عَنِ الْهَوَى﴾ متعلق بـ ﴿يَنْطِقُ﴾. والجملة معطوفة على ﴿مَا ضَلَّ﴾. ﴿إِنْ﴾ نافية، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿وَحْيٌ﴾ خبر ﴿هُوَ﴾. والجملة مستأنفة. وجملة ﴿يُوحَى﴾ صفة لـ ﴿وَحْيٌ﴾. ﴿عَلَّمَهُ﴾ فعل، ومفعول به، ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ فاعل، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: علم صاحبكم ذلك الوحى ملك شديد القرى. والجملة الفعلية صفة ثانية لـ ﴿وَحْيٌ﴾. ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ صفة لـ ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، مرفوع بالواو، ﴿فَاسْتَوَى﴾ الفاء: عاطفة، ﴿استوى﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ كما يشير إليه صنيع القرطبي. ونصّه ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي: ارتفع جبرئيل، وعلا إلى مكانه في السماء بعد أن علمه محمدًا ﷺ ، اهـ. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿بِالْأُفُقِ﴾ خبر، ﴿الْأَعْلَى﴾ صفة لـ ﴿الأفق﴾. والجملة في محل النصب، حال من فاعل ﴿استوى﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ، ﴿دَنَا﴾، فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾. والجملة معطوفة على جملة ﴿استوى﴾. ﴿فَتَدَلَّى﴾ الفاء: عاطفة، ﴿تَدَلَّى﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾. والجملة معطوفة على جملة ﴿دَنَا﴾. ﴿فَكَانَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿كان﴾ فعل ماض، واسمه ضمير يعود على ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ولكنه على تقدير مضافات. ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ خبرها. والجملة معطوفة على جملة ﴿تدلى﴾، والتقدير: فَكَانَ مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف وشكّ، أو بمعنى بل، ﴿أَدْنَى﴾ معطوف على ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾. ﴿فَأَوْحَى﴾ الفاء: عاطفة، ﴿أوحى﴾ فعل ماض، وفعل مستتر يعود على ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، أو إلى الله. ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ متعلق بأوحى. والجملة معطوفة على جملة كان. ﴿مَا﴾ موصولة أو مصدرية، مفعول به على الأول، أو مفعول مطلق على الثاني. وجملة ﴿أوحى﴾ صلة لما على كلا الوجهين. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿مَا﴾ موصولة، مفعول به لكذب، وجملة ﴿رَأَى﴾ صلته، و ﴿رَأَى﴾ بصرية، ومفعوله محذوف؛ أي: ما رآه.
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾.
стр. 12890
﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف. والجملة المحذوفة جملة طلبيّة، لا محل لها من الإعراب. ﴿تمارونه﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على الجملة المحذوفة، ﴿عَلَى مَا﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تمارون﴾، وحقه أن يتعدّى بفي، ولكن ضمَّنه معنى الغلبة فعداه بعلى. وجملة ﴿يَرَى﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: حالية، واللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿رَآهُ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. وجملة القسم في محل النصب، حال من مفعول ﴿تمارونه﴾. ﴿نَزْلَةً﴾ إما منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ ﴿رَآهُ﴾؛ أي: مرّةً أخرى، أو على المفعولية المطلقة؛ أي: رؤية أخرى، و ﴿أُخْرَى﴾ صفة لـ ﴿نَزْلَةً﴾، ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿رَآهُ﴾، ﴿الْمُنْتَهَى﴾ مضاف إليه، أو حال من الفاعل أو المفعول أو منهما معًا. ﴿عِنْدَهَا﴾ خبر مقدم، ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب على الظرفية الزمانية، والظرف متعلق بـ ﴿رَآهُ﴾ ﴿يَغْشَى﴾ فعل مضارع، ﴿السِّدْرَةَ﴾ مفعول به، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل. والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. وجملة ﴿يَغْشَى﴾ صلة لما الموصولة ﴿مَا﴾ نافية، ﴿زَاغَ الْبَصَرُ﴾ فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا طَغَى﴾ معطوف على ﴿مَا زَاغَ﴾. ﴿لَقَدْ﴾ اللام: موطئة للقسم المحذوف، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿رَأَى﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على محمد. والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ﴾ حال من الصفعول مقدّمة عليه، ﴿الْكُبْرَى﴾ مفعول به، والتقدير: لقد رأى الآيات الكبرى حال كونها من جملة آيات ربّه. ويحتمل أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ صفة آيات ربّه، لا مفعولًا به، ويكون المرئي محذوفًا لتفخيم الأمر وتعظيمه، كأنه قال: لقد رأى من آيات ربّه الكبرى أمورًا عظامًا لا يحيط بها الوصف، والحذف في مثل هذا أبلغ وأهول، لأنَّ فيه تفخيمًا لآيات الله الكبرى، وأنّ فبها ما رآه وما لم يره. وهو على الوجه الأول يكون مقتضاه أنه رأى جميع الآيات الكبرى على الشمول والعموم، مع أنَّ آيات الله مما لا يحيط أحد بجملتها.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)
стр. 12891
تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف؛ والتقدير: أعقب ما سمعتم آثار قدرة الله تعالى أنكرتم وحدانيته، فرأيتم، وظننتم هذه الأصنام شركاء لله سبحانه. ﴿رأيْتم﴾ فعل، وفاعل، ﴿اللَّاتَ﴾ مفعول أول، ﴿وَالْعُزَّى﴾ ﴿وَمَنَاةً﴾ معطوفان عليه، ﴿الثَّالِثَةً﴾ صفة مؤكدة لمناة، ﴿الْأُخْرَى﴾ صفة ذمّ للثالثة، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: شركاء لله وجملة ﴿رأيتم﴾ معطوفة على تلك المحذوفة، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿أَلَكُمُ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿لكم﴾ خبر مقدم، ﴿الذَّكَرُ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة جملة طلبية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَهُ﴾ خبر مقدم، ﴿الْأُنْثَى﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، ﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء بمعنى إذ الظرفية، مهمل حرف لا محل لها من الإعراب؛ أي: إذ جعلتم له البنات ولكم البنين. ﴿قِسْمَةٌ﴾ خبر، ﴿ضِيزَى﴾ صفة لـ ﴿قِسْمَةٌ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾.
﴿إِنْ﴾ نافية، ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿أَسْمَاءٌ﴾، خبر هي والجملة مستأنفة ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول ثان والمفعول الأول محذوف تقديره: سميتم بها أصنامًا وجملة ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾: في محل الرفع، صفة لـ ﴿أَسْمَاءٌ﴾ ﴿أَنْتُمْ﴾ تأكيد لتاء الفاعل في ﴿سميتم﴾ ليصح عطف ﴿وَآبَاؤُكُمْ﴾ عليها على حد قوله:
وَإِنْ عَلَى ضَمِيْرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ ... عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيْرِ الْمُنْفصِلْ
﴿مَا﴾ نافية، ﴿أَنْزَلَ الله﴾ فعل، وفاعل. والجملة صفة ثانية لـ ﴿أَسْمَاءٌ﴾، ﴿بِهَا﴾ حال ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿سُلْطَانٍ﴾ مفعول به لـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿إنْ﴾ نافية، ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ فعل، وفاعل، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿الظَّنَّ﴾ مفعول به. والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب، معطوف على الظنّ، ويصح جعلها مصدرية، ﴿تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ فعل، وفاعل. والجملة صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: وما تهواه الأنفس. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: حالية، أو اعتراضية، واللام
стр. 12892
موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿جَاءَهُمْ﴾ فعل، ومفعول به ﴿مِنْ رَبِّهِمُ﴾ متعلق بـ ﴿جَاءَهُمْ﴾. ﴿الْهُدَى﴾ فاعل. والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. وجملة القسم معرضة، أو حال من فاعل ﴿يَتَّبِعُونَ﴾. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الإنكار، ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ خبر مقدم، ﴿مَا﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة إضرابية، لا محل لها من الإعراب. ﴿تَمَنَّى﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الإنسان. والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما تمنّاه. ﴿فَلِلَّهِ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿لله﴾ خبر مقدم، ﴿الْآخِرَةُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَالْأُولَى﴾ معطوف على ﴿الْآخِرَةُ﴾. والجملة معطوفة على ما قبلها.
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾.
﴿وَكَمْ﴾ الواو: استئنافية ﴿كم﴾ خبرية، في محل الرفع، مبتدأ، ﴿مِنْ﴾ زائدة في تمييزكم، ﴿مَلَكٍ﴾ تمييز لكم، ﴿في السَّمَاوَاتِ﴾ صفة لـ ﴿مَلَكٍ﴾، ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ فعل، وفاعل، ﴿شَيْئًا﴾ مفعول ﴿تُغْنِي﴾ أو مفعول مطلق، أي: شيئًا من الإغناء. والجملة في محل الرفع، خبر لكم الخبرية. والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلق بـ ﴿تُغْنِي﴾، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿يَأْذَنَ الله﴾ فعل، وفاعل، منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية. والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: إلا من بعد إذن الله سبحانه. ﴿لِمَنْ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يَأْذَنَ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة لمن الموصولة، ﴿وَيَرْضَى﴾ معطوف على ﴿يَشَاءُ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صلة الموصول، ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿لَيُسَمُّونَ﴾ اللام حرف ابتداء، ﴿يسمون الملائكة﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة. ﴿تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ مفعول مطلق.
﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾.
﴿وَمَا﴾ الواو: حالية، ﴿ما﴾ نافية، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿بِهِ﴾ متعلق بعلم،
стр. 12893
﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿عِلْمٍ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة في محل النصب، حال من فاعل ﴿يسمون﴾. ﴿إِنْ﴾ نافية ﴿يَتَّبِعُونَ﴾؛ فعل، وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿الظَّنَّ﴾ مفعول به، ﴿وَإِنَّ﴾ الواو: حالية، ﴿إِنَّ الظَّنَّ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يُغْنِي﴾ خبر ﴿إنّ﴾. ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ متعلق بـ ﴿يُغْنِي﴾، ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، أو مفعول مطلق. وجملة ﴿إِنّ﴾ في محل النصب حال من الظنّ. ﴿فَأَعْرِضْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك من أحوالهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك أعرض ﴿أعرض﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿عَنْ مَنْ﴾ متعلق بـ ﴿أعرض﴾. والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿تَوَلَّى﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿من﴾ الموصولة. والجملة صلة لمن الموصولة. ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ متعلق بـ ﴿تَوَلَّى﴾ فعل ماض، ﴿وَلَمْ﴾، الواو: عاطفة، ﴿لَمْ﴾ حرف جزم، ﴿يُرِدْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستر، مجزوم بـ ﴿لم﴾. والجملة معطوفة على ﴿تَوَلَّى﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿الْحَيَاةً﴾ مفعول به، ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الْحَيَاةً﴾، ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ متعلق بـ ﴿مَبْلَغُهُمْ﴾. والجملة الاسمية جملة اعتراضية، لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين الأمر وهو ﴿أعرض﴾، وبين تعليله الآتي بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿أَعْلَمُ﴾ خبره، ﴿بِمَنِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ صلة الموصول. وجملة ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾ مبتدأ وخبر، ﴿بِمَنْ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿اهْتَدَى﴾ صلة لـ ﴿مِنْ﴾ الموصولة. والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾.
﴿وَلِلَّهِ﴾ خبر مقدم، و ﴿مَا﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة مستأنفة. ﴿في السَّمَاوَاتِ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿مَا في السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام حرف جر وتعليل، ﴿يجزي﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، يعود
стр. 12894
على الله، منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام, والجار والمجرور متعلق بمعلول محذوف معلوم من السياق، تقديره: يضل من يشاء، ويهدي من يشاء لجزائه الذين أساؤوا الخ. وجملة ﴿أَسَاءُوا﴾ صلة الموصول، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿يجزي﴾، وجملة؛ ﴿عَمِلُوا﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿يجزي﴾ الأول. وجملة ﴿أَحْسَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿بِالْحُسْنَى﴾ متعلق بـ ﴿يجزي﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾، أو عطف بيان له كما سبق بسطه. ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة صلة الموصول. ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ معطوف على ﴿كَبَائِرَ﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿اللَّمَمَ﴾ منصوب على الاستثناء، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ناصب واسمه، ﴿وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مسوقة لتعليل استثناء ﴿اللَّمَمَ﴾، لا محل لها من الإعراب. ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة مستأنفة. ﴿بِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ أيضًا، ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلق به. والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿وَإِذْ﴾ معطوف على ﴿إِذْ﴾ الأولى، ﴿أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ الظرفية، ﴿في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ صفة لـ ﴿أَجِنَّةٌ﴾، ﴿فَلَا تُزَكُّوا﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنّ الله سبحانه أعلم بكم في جميع أحولكم، وأردتم بيان ما هو اللائق بكم .. فأقول لكم لا تزكّوا. ﴿لا تزكّوا﴾ ﴿لا﴾. ناهية جازمة، ﴿تُزَكُّوا﴾ فعل مضارع، وفاعل مجزوم بلا الناهية ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ مفعول به. والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة. ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ مبتدأ، وخبر، ﴿بِمَنِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿اتَّقَى﴾ صلة الموصول. والجملة الاسمية جملة تعيلية، لا محل لها من الإعراب.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالنَّجْمِ﴾ النجم معروف، وجمعه نجوم، وأنجم، وأنجام، ونجم. وهو الكوكب. وعند الإطلاق الثريّا، وهي المراد به هنا.
стр. 12895
أقوال منها: أنَّ المراد به هنا: جماعة النجوم، إذا هوت؛ أي: سقطت، وغابت عن الحس. وأراد به: الجنس.
وقيل: أراد الثريّا، وأقسم بها إذا سقطت، وغابت مع الفجر.
والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة. قال ابن دريد: والثريّا سبعة أنجم، ستة ظاهرة، وواحد خفي، يمتحن الناس به أبصارهم. وقيل: أراد به: القرآن إذ أنزله نجومًا متفرقة على رسول الله ﷺ في ثلاث وعشرين سنة. وسمي الكوكب نجمًا لطلوعه. وكل طالع نجم، يقال: نجم السنن, والبنت والقرن إذا طلع، اهـ خطيب. وبابه قعد كما في "المصباح".
﴿إِذَا هَوَى﴾؛ أي: سقط. يقال: هوى يهوي من الثاني هَويًّا بوزن قبول إذا كرب. فإنَّ الهويَّ سقوط من علو إلى أسفل، وهُويًّا بوزن دخول إذا علا، وصعد ويقال: هوى يهوى إذا صبا. وقال الراغب: الهَويُّ سقوط من علو، ثم قال: والهوي ذهاب في انحدار، والهُوي ذهاب في ارتفاع. وقيل: هوى في اللغة: خرق الهواء، ومقصده السفل، أو مصيره إليه، وإن لم يقصده، اهـ سمين. وأصله: هوي بوزن فعل، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
﴿وَمَا غَوَى﴾ الغيُّ هو: الجهل المركب. قال الراغب: الغي جهل من اعتقاد فاسد؛ وذلك أنَّ الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد أصلًا لا صالحًا ولا فاسدًا، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد. وهذا الثاني يقال له: غي. فعطفه على ﴿مَا ضَلَّ﴾ من عطف الخاص على العام؛ للاهتمام بشأن الاعتقاد بمعنى أنه فرق بين الغي والضلال، وليسا بمعنى واحد. فإن الغواية في الخطأ في الاعتقاد خاصة، والضلال أعم منها، يتناول الخطأ في الاعتقاد، والأقوال، والأفعال، كما مر. وأصله: غوي بوزن فعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ يقال: نطق ينطق نطقًا ومنطقًا ونطوقًا إذا تكلم بصوت وحروف يعرف بها المعاني، كما في "القاموس". فلا يستعمل في الله تعالى لأن التكلم بالصوت والحروف من خواص المخلوق. والهوى مصدر هويه، من باب علم إذا أحبه، واشتهاه، ثم غلب على الميل إلى الشهوات والمستلذات من غير داعية الشرع. منه قيل: صاحب الهوى للمبتدع. لأنّه مائل إلى ما يهواه في أمر
стр. 12896
الدين. فالهوى هو الميل المخصوص المذموم. وأصله: الهوي، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفًا فصار الهوى.
﴿يُوحَى﴾ أصله: يوحي بوزن يفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. ﴿بِالْأُفُقِ﴾ والأفق: ناحية السماء، وجمعه آفاق. وقال قتادة: هو الموضع الذي تأتي منه الشمس، وكذا قال سفيان: هو الموضع الذي تطلع منه الشمس. وبقال: أفق مثل: عسْر وعسُر. ﴿الْأَعْلَى﴾ أصله بعد فلب الواو الواقعة رابعة ياء الأعلي، قلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح. ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾؛ أي: حصافة؛ أي: استحكام في عقله ورأيه، ومتانة في دينه. قال الراغب: أمررت الحبل إذا، فتلته والمرير والمُمَر: المفتول. ومنه: فلان ذو مرة، كأنه محكم الفتل.
وفي "القاموس": المرّة بالكسر: قوة الخلق، وشدته. والجمع مِرر، وأمرار. والعقل، والأصالة، والإحكام، وطاقة الحبل كالمريرة. وذو مرة جبرئيل ﵇. والمريرة: الحبل الشديد الفتل.
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ﴾ والأفق: هي الدائرة التي تفصل بين ما يرى من الفلك، وما لا يرى. والأفق الأعلى: مطلع الشمس، كما أن الأفق الأدنى مغربها كما سبق.
﴿ثُمَّ دَنَا﴾ من دنا يدنو دنوا، إذا قرب. والدنو: القرب بالذات أو بالحكم، وبستعمل في الزمان، والمكان، والمنزلة، كما في "المفردات". وفيه إعلال بالقلب، أصله: دنو بوزن فعل، من الدنو، قلبت ﴿الواو﴾ ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿فَتَدَلَّى﴾ أصله: تدلي بوزن تفعل، قلبت ياءه ألفا لتحركها بعد فتح.
﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ والقاب والقيب، والقاد والقيد: المقدار. قال الزجاج: إنَّ العرب قد خوطبوا على لغتهم، ومقدار فهمهم، قيل لهم في هذا ما يقال للذي يحدد.
فالمعنى: فكان على ما تقدرونه أنتم قدر قوسين أو أقل من ذلك.
وقال ابن السكيت: قاس الشيء يقوسه قوسًا لغة في قاسه يقيسه، إذا قدره. وقد جاء تقديرهم بالقوس، والرمح، والسوط، والذراع، والباع، والخطوة، والشبر، والفتر، والإصبع.
وفي "القرطبي": والقاب: ما بين المقبض والسية، ولكل قوس قابان. وقال
стр. 12897
بعضهم: في قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ أراد قابي قوس، فقلبه. وفي "المصباح": سية القوس، خفيفة الياء، ولامها محذوفة. وترد في النسة فيقال: سيوى، والهاء عوض عنها طرفها المنحني. قال أبو عبيدة: وكان رؤبة يهمزه، العرب لا تهمزه. ويقال: لِسِيَتها العليا يدها, ولِسِيَتها السفلى رجلها، اهـ. ﴿فَتَدَلَّى﴾ التدلي: استرسال مع تعلق. يقال: تدلت الثمرة، ودلى رجليه من السرير.
﴿فَكَانَ﴾ أصله: كون بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿قَابَ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: قوب بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ أصله: أدني بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. وهو أفعل تفضيل، والمفضل عليه محذوف؛ أي: أو أدنى من قاب قوسين، و ﴿أَوْ﴾ بمعنى بل. أي: بل أدنى.
﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ على ما يراه معاينةً؛ أي: أفتجادلونه من المماراة. والمراء والمماراة: المجادلة بالباطل، فكان حقه أن يتعدى بقي، يقال: جادلته في كذا، لكنه ضمن معنى الغلبة، فتعدى تعديتها؛ لأنَّ المماري يقصد بفعله غلبة الخصم. واشتقاته من مري الناقة كأن كلًّا من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه. يقال: مريت الناقة مريًا مسحت ضرعها لتدر، ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده من الجري أو غيره.
﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ النزلة بوزن فعلة، اسم للحرة من الفعل الذي هو النزول. ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ شجرة نبق. والمنتهى: مصدر ميمي بمعنى الانتهاء، كما قال الزمخشري. أو اسم مكان بمعنى موضع الانتهاء، كأنها في منتهى الجنة.
وقد اختلف في سبب تسميتها بذلك على ثمانية أقوال، تفصيلها في المطولات. والمنتهى: أصله منتهي بوزن مفتعل قلبت ياءه ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾؛ أي: الجنة التي يأوي إليها المتقون يوم القيامة. فالإضافة فيها كإضافة مسجد الجامع. يقال: أويت منزلي وإليه أويًا وأويًّا عدت إليه، وأويته نزلته بنفسي. والمأوى: المكان. فالمأوى: أصله مأوي بوزن مفعل قلبت ياؤه ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
стр. 12898
فائدة: قال بعضهم: آدم ﵇ أنزل من جنّة المأوى التي هي اليوم مقام الروح الأمين جبرئيل ﵇. وهي اليوم برزخ لذرية آدم، ونزل إليها جبرئيل من السدرة بنزول آدم. وهذه الجنة لا تقتضي الخلود لذاتها، فلذلك أمكن خروج آدم منها, ولذلك تأثَّر بالاشتياق إلى أن يكون ملكًا بعد سجود الملائكة له بغرور إبليس إياه، ووعده في الخلود رغبة في الخلود والبقاء مع جبرئيل، والجنة التي عرضها السموات والأرض تقتضي الخلود لذاتها، يعلم من دخلها أنه لا يمكن الخروج منها؛ إذ لا سبيل للكون والفساد إليها. قال تعالى في وصف عطائها: إنه ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: غير منقطع، انتهى. فالجنة التي عرضها السموات والأرض أرضها الكرسيّ الذي وسع السموات والأرض، وسقفها العرش المحيط. فهي محيطة بالجنان الثمان، وليست هي الجنة التي أنزل منها آدم، كذا قاله أيضًا صاحب كتاب "تلقيح الأذهان".
﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةً﴾؛ أي: يغطي. والغشيان بمعنى التغطية والستر، ومنه: الغواشي. وأصله: يغشي بوزن يفعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾؛ أي: ما مال. وأصل الزيغ: الميل عن الاستقامة. وفيه إعلال بالقلب، أصله: زيغ بوزن فعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح، أي: ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها، ومكن منها، وما مال يمينًا ولا شمالًا. ﴿وَمَا طَغَى﴾؛ أي: وما جاوز ما أمر به. وأصله: طغي بوزن فعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾ قال الراغب: أصل اللات: اللاه، فحذفوا منه الهاء، وأدخلوا التاء فيه، فأنَّثوهُ تنبيهًا على قصوره عن الله، وجعلوه مختصًا بما يتقرب به إلى الله في زعمهم. وقال غيره: أصله: لوية، فأسكنت الياء، وحذفت لالتقاء الساكنين، فبقيت لوة، فقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت لاة. فهي فعلة من لوى؛ لأنهم كانوا يلوون إليها أعناقهم، ويطوفون بها، وكانت على صورة آدمي. وعلى هذا فالتاء زائدة فيه. لأنه من لوى يلوى. وقيل: التاء فيه أصلية لام الكلمة كالباء في الباب؛ لأنه من لات يليت، فألفها عن ياء. فإن مادة لَ يَ تَ موجودة، فإن وجدت مادة من لَ وَتَ جاز أن تكون منقلبة من واو. وهل هي والعزى علمان بالوضع أو صفتان غالبتان فيه خلاف. ويرتب على ذلك جواز حذف الألف واللام
стр. 12899
في اللات؛ وعدمه. فإن قلنا: إنهما ليسا وصفين في الأصل، فلا تحذف منهما أن وإن قلنا: إنهما صفتان، وإنّ أل للمح الصفة جاز. وبالتقديرين فأل زائدة. وقد اختلف القراء في الوقف على تائها، فوقف الكسائي عليها بالهاء؛ والباقون بالتاء. وهو مبني على القولين المتقدمين. فمن جعلها تاء أصلية أقرها في الوقف كتاء بيت. ومن جعلها زائدة وقف عليها هاء. والعامة على تخفيف تائها. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، ومنصور بن المعتمر، وأبو الجوزاء، وأبو صالح؛ وابن كثير في رواية بتشديد التاء. فقبل: هو رجل كان يلت السويق، ويطعمه الحاج. فهي اسم فاعل في الأصل، غلب على هذا الرجل، وكان يجلس عند حجر، فلما مات سمي الحجر باسمه، وعكفوا على قبره يعبدونه؛ ثم صنعوا له صورة، وعبدوها. والعزى: فعلى من العز. وهي تأنيث الأعز، كالفضلى والأفضل. وهي اسم صنم أو شجرة تعبد. وأما مناة فاشتقاقها على قراءة العامة من منى يمني، إذا صب؛ لأن دماء النسائك كانت تصب عندها. وقال أبو البقاء: وألفه من ياء، كقولك: منى يمني إذا قدر، ويجوز أن تكون من الواو. ومنه: منوان. فوزنها على قراءة القصر فعلة، اهـ سمين. وقال بعضهم: قوله: ﴿وَمَنَاةً﴾ يحتمل أن تكون الألف فيه منقلبة عن واو، كما يرشد لذلك رسمها في المصحف، وعليه يكون أصلها منوة بوزن فعلة، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، وأن تكون منقلبة عن ياء، فيكون أصلها منية، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾؛ أي: جائرة ظالمة. من ضازه يضيزه إذا ضامه وجار عليه. وعلى هذا فتحتمل وجهين:
أحدهما: تكون صفة على فعلى بضم الفاء، وإنما كسرت الفاء؛ لتصح الياء، كبيض. فإن قيل: وأيُّ ضرورة تدعو إلى أن يقدر أصلها ضم الفاء، ولم لا قيل فعلى بالكسر؟. فالجواب: أن سيبويه حكى: أنه لم يرد في الصفات فعلى بكسر الفاء، وإنما ورد بضمها، نحو: حبلى، وأنثى، وربا، وما أشبهه. إلا أن غيره حكى في الصفات ذلك. حكى ثعلب: ميتة حيكي، ورجل كيسي. وحكى غيره: امرأة عزهي، وامرأة سعلي. وهذا لا ينقض على سيبويه؛ لأن سيبويه يقول في حيكي وكيسي كقوله في ضيزى لتصح الياء. وأمَّا عزهي وسعلي فالمشهور فيهما عزهاة وسعلاة.
стр. 12900
والوجه الثاني: أن تكون مصدرًا كذكرى. قال الكسائي: يقال: ضاز يضيز ضيزى، كذكر يذكر ذكرى. وقرىء ﴿ضِئْزَى﴾ بهمزة ساكنة. ومعنى ضأزه يضأزه نقصه ظلمًا وجورًا. وهو قريب عن الأول. وفي "المختار": ضاز في الحكم جار، وضازه فيه نقصه وبخسه، وبابهما باع. وقال بعضهم: قوله: ﴿ضيزى﴾ يحتمل أن تكون أصلها ضيزى بوزن فعلى بضم الفاء، فقلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء. ويحتمل أن يكون أصلها ضوزى بوزن فعلى بكسر الفاء، ثم قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة. ويحتمل أن يكون أصلها ضوزى مثل: طوبى، بكسر أوله، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة. ومنشأ هذا الخلاف هل الكلمة واوية العين أو يائية؟ وعلى أنها يائية لا قلب، اهـ.
﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾ أصله: تمني بوزن تفعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. والتمني: تقدير شيء في النفس، وتصويره فيها. وذلك قد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون عن رؤية وبناء على أصل. لكن لما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك. فأكثر التمني تصوير ما لا حقيقة له.
﴿لَيُسَمُّونَ﴾ أصله: ليسميون، استثقلت الضمة علي الياء فحذفت، ثم حذفت لما التقت ساكنة بواو الجماعة، وضمت الميم لمناسبة الواو. ﴿تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ مصدر قياسي لسمي؛ لأنه قياس فعل المستعل اللام، فحذفت ياء التفعيل منه، وعوض عنها إياه في آخره، نظيره زكى تزكية، وورى تورية.
﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال الفراء: اللمم: أن يفعل الإنسان الشيء في الحين، ولا يكون عادة له. ومنه: إلمام الخيال.
﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ والأجنة: جمع جنين، مثل: أسرة وسرير. وأصله: أجننة بوزن أفعلة، نقلت حركة النون الأولى إلى الجيم فسكنت؛ وأدغمت في النون الثانية، فوزنه أفعلة. والجنين: الولد ما دام في البطن. وهو فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مدفون مستتر. والجنين: الدفين في الشيء المستتر فيه من جنه إذا ستره. وإذا خرج من بطن أمه لا يسمى إلا ولدًا أو سقطًا. وفي الأشباه: هو جنين ما دام في بطن أمه، فإذا انفصل ذكرًا فصبي، ويسمى رجلًا، كما في آية المراث إلى البلوغ. فغلام إلى تسعة عشر، فشاب إلى أربعة وثلاثين، فكهل إلى إحدى وخمسين؛ فشيخ
стр. 12901
إلى آخر عمره.
﴿فَلَا تُزَكُّوا﴾ أصله: تزكيون، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت فالتقى ساكان، فحذفت الياء وضمت الكاف لمناسبة الواو، وحذفت نون الرفع.
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ أصله: اوتقي بوزن افتعل، فقلبت ﴿الواو﴾ تاء، وأدغمت في تاء الافتعال، وقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ فالأول ﴿هَوَى﴾ بمعنى خر وسقط، والثاني بمعنى هوى النفس.
ومنها: إيراده ﷺ بعنوان صاحبيته لهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله، وإحاطتهم خبرًا ببراءته ﷺ مما نفي عنه بالكلية، وباتصافه بغاية الهدى والرشاد. فإن طول صحبتهم له، ومشاهدتهم محاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتمًا، كما في "الإرشاد".
ومنها: عطف الخاص الذي هو الغواية: وهو الخطأ في الاعتقاد فقط على الضلال الذي هو العام. لأنه خطأ في الاعتقاد، والأقوال، والأفعال، والأخلاق في قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾.
ومنها: الإتيان بصيغة الماضي أولًا في قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ وبصيغة المستقبل ثانيًا في قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ بيانًا لحاله قبل البعثة وبعدها؛ أي: ما ضلَّ وما غوى حين اعتزلكم، وما تعبدون قبل أن يبعث رسولًا، وما ينطق عن الهوى الآن، حين يتلو عليكم آيات ربه، قاله ابن الشيخ. وقال صاحب الروح: والظاهر: أن صيغة الماضي باعتبار قولهم: قد ضل وغوى إشارة إلى تحقق ذلك في زعمهم. وأمَّا صيغة المضارع، فباعتبار تجدد النطق في كل حال، والله أعلم بكل حال.
ومنها: التأكيد لرفع احتمال المجاز في قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ فإنَّ
стр. 12902
﴿يُوحَى﴾ صفة موكدة لوحي، رافعة لاحتمال المجاز، مفيدة للاستمرار التجددي يعني: أن فائدة الوصف التنبيه على أن وحي حقيقة، لا أنه يسمى به مجازًا. والوحي قد يكون اسمًا بمعنى الكتاب الإلهي، وقد يكون مصدرًا. وله معان: الإرسال، والإلهام، والكتابة، والكلام، والإشارة، والإفهام.
ومنها: إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها في قوله: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وحذف الموصوف؛ أي: ملك شديد قواه.
ومنها: فن القلب في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ وهو من المقلوب الذي تقدم فيه ما يوضحه التأخر، وتأخر ما يوضحه التقديم؛ أي: تدلى فدنا. لأنه تدلى للدنوّ، ودنا بالتدلي.
ومنها: الإبهام للتعظيم والتهويل في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ ومثله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾، وكذلك قوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾.
ومنها: الاستفهام التوبيخي مع الإزراء بعقولهم في قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾. والاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾.
ومنها: الإضمار قبل الذكر في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ لغاية ظهوره، كما في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾؛ أي: على ظهر الأرض. والمراد بالعبد المشرف بالإضافة إلى الله: هو الرسول ﷺ ، كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾.
ومنها: تمثيل ملكة الاتصال، وتحقيق استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس من قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾. وفيه أيضًا: الجناس المغاير بين: ﴿دَنَا﴾ ﴿أَدْنَى﴾.
ومنها: الجناس المماثل بين ﴿يَرَى﴾، و ﴿رَأَى﴾ في قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ﴾.
ومنها: إضافة الموصوف إلى الصفة في قوله: ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾؛ أي: الجنّة التي يأوي إليها المتقون، فهو مثل: مسجد الجامع كما مرّ.
стр. 12903
ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ لحكاية الحال الماضية استحضارًا لصورتها البديعة، أو للإيذان باستمرار الغشيان بطريق التجدد.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾.
ومنها: الالتفات من الخطاب في قوله: ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ للإيذان بأن تعداد قبحائهم اقتضى الإعراض عنهم، وحكاية جناياتهم لغيرهم.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ لإفادة إرادة الجنس.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ بتكرير قوله: ﴿أَعْلَمُ﴾ لزيادة التقرير، والإيذان بكمال تباين المعلومين.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. وفيه الإطناب أيضًا بتكرار لفظ ﴿يجزي﴾.
ومنها: الإتيان بصيغة الاستقبال في صلة الموصول الذي وقع بدلًا أعني: قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ دون صلة الموصول الذي وقع مبدلًا منه أعني: قوله: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ للدلالة على تجدد الاجتناب واستمراره.
ومنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ اهتمامًا بشأن الخاص.
ومنها: الإتيان بلام التعريف في الملائكة في قوله: ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ﴾ لإفادة الاستغراق.
ومنها: تعليق التسمية بعدم الإيمان بالآخرة إشعارًا بأنّها في الشناعة، والفظاعة، واستتباع العقوبة في الآخرة بحيث لا يجترىء عليها إلا من لا يؤمن بها.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ فإن قيل: الجنين إذا كان اسمًا له ما دام في البطن، فما فائدة قوله تعالى: ﴿في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾؟ قلنا: فائدته
стр. 12904
المبالغة في بيان كمال علمه، وقدرته. فإن بطون الأمهات في غاية الظلمة. ومن علم حال الجنين فيها لا يخفى عليه شيء من أحواله.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 12905
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله (١) لمّا بيّن علمه، وقدرته، وأن الجزاء واقع على الإساءة والإحسان, وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم. وهذا لا يعرف إلا بالوحي من الله تعالى .. ذكر هنا أن من العجب العجاب بعد هذا أن يسمع سامع، ويرجو عاقل أن غيره يقوم مقامه في تحمل وزره، ويعطيه جعلًا. لكنه ما أعطاه إلا قليلًا، حتى وقف عن العطاء .. ومن ثم وبخه على ذلك بأن علم هذا لا يكون إلا بوحي. فهل علم منه صحة ما اعتقده؟ كلا فجميع الشرائع المعروفة لكم كشريعة موسى، وإبراهيم على غير هذا. وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، فمن أين وصل له أن ذلك مجز له؟.
قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لما ذكر قبل ما جاء في صحف موسى وإبراهيم من أن الإحياء، والإماتة بيد الله سبحانه، وأنه هو الذي يصرف أمور العالم خلقًا، وتدبيرًا،
стр. 12906
وملكًا، فيفقر قومًا ويغني آخرين، وأن أمر المعاد تحت قبضته، وأن الخلق إذ ذاك يرجعون إليه، وأن بعض الأمم كذبت رسلها، وأنكرت الخالق فأصابها ما أصابها .. قفى على هذا بالتعجيب من أمر الإنسان، وأنه كيف يتشكك في هذا، ويجادل فيه منكرًا له، وتد جاء النذير به فعليكم أن تصدقوه، وتؤمنوا به قبل أن يحل بكم عذاب يوم عظيم قد أزف، ولا يقدر على كشفه أحد إلا هو، فلا تعجبوا من القرآن منكرين، ولا تضحكوا منه مستهزئين، وابكلوا حزنًا على ما فرطتم في جنب الله، وعلى غفلتكم عن مواعظه وحكمه التي فيها سعادتكم في دنياك وآخرتكم، واسجدوا شكرًا لبارىء النسم الذي أوجدها من العدم، واعبدوه بكرةً وعشبًا شكرًا على آلائه، وتقلبكم في نعمانه.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ...﴾ الآيات، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة: أنّ النبي ﷺ خرج في غزوة، فجاء رجل يريد أن يحمل، فلم يجد ما يخرج عليه، فلقي صديقًا له، فقال: أعطني شيئًا فقال: أعطيك بكري هذا على أن تتحمل ذنوبي، فقال له: نعم. فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣)﴾ الآيات.
وقال مجاهد، وابن زيد (٢): إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد سمع قراءة رسول الله ﷺ ، وجلس إليه، ووعظه، فلان قلبه للإسلام، فطمع فيه رسول الله ﷺ ، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين، وقال له: أأتترك ملة آبائك ارجع إلى دينك، واثبت عليه، وأنا أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطبني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإِسلام، وضل ضلالًا بعيدًا، وأعطى بعض المال لذلك الرجل، ثم أمسك عنه وشحَّ.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال (٣): إنّ رجلًا أسلم، فلقيه بعض من يعيره،
стр. 12907
قال: أتركت دين الأشياخ، وضللتهم، وزعمت أنهم في النار؛ قال: إني خشيت عذاب الله، قال: أعطني شيئًا، وأنا أحمل كل عذاب كان عليك، فأعطاه شيئًا، فقال: زدني، فتعاسرا حتى أعطاه، وكتب كتابًا وأشهد له. ففيه نزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانوا يقرون على رسول الله ﷺ وهو يصلي شامخين، فنزلت: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٣٣ - ولما بين سبحانه جهالة المشركين على العموم خصَّ بعضهم بالذم، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ يا محمد، أو أيها المخاطب؛ أي: هل أخبرت، وعلمت يا محمد ﴿الَّذِي تَوَلَّى﴾؛ أي: شأن وحال الذي تولى عن الخير، وأعرض عن اتباع الحق. فالفاء استئنافية، والهمزة للاستفهام التقريري.
٣٤ - ﴿وَأَعْطَى﴾، لمن يتحمل عنه الأوزار شيئًا ﴿قَلِيلًا﴾ من ماله أو إعطاه قليلًا. ﴿وَأَكْدَى﴾؛ أي: قطع عطاءه عنه، وأمسك بخلًا.
٣٥ - والاستفهام في قوله: ﴿أَعِنْدَهُ﴾؛ أي: هل عند ذلك المتولي ﴿عِلْمُ الْغَيْبِ﴾؛ أي: علم ما غاب عنه من أمر العذاب للإنكار.
والفاء في قوله (١): ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ سببية. والرؤية قلبية؛ أي: هل عنده علم بالأمور الغيبية التي من جملتها تحمل صاحبه عنه يوم القيامة. فهو يعلم أن صاحبه يتحمل عنه. قال ابن الشيخ: أرأيت بمعنى أخبرت، و ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ مفعوله الثاني؛ أي: هل أخبرت، وعلم يا محمد هذا المعطي المكدي هل عنده علم ما غاب عنه من أحوال الآخرة؟ فهو يعلم أن صاحبه يتحمل أوزاره على أن قوله: ﴿يَرَى﴾، بمعنى يعلم، حذف مفعولاه لدلالة المقام عليهما. وقيل: الهمزة في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ للاستفهام التقريري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفكرت يا محمد في حال بعض المعاندين فرأيت الذي تولى وأعطى قليلًا وأكدى هل عنده علم الغيب فهو يرى أن صاحبه يتحمل عنه أوزاره؛
стр. 12908
أي: فكر في حاله، وأخبرني عن شأنه هل عنده علم الغيب، أم لا؟.
والمعنى (١): أي أعلمت شأن هذا الكافر، وهل بلغك شأنه العجيب؟ فقد أشرف على الإيمان, واتباع هدى الرسول، فوسوس له شيطان من شياطين الإنس بأن لا يقبل نصح الناصح، ويرجع إلى دين آبائه، ويتحمل ما عليه من وزر إذا هو أعطاه قليلًا من المال، فقبل ذلك منه، لكنه ما أعطاه إلا قليلًا، حتى امتنع من إعطائه شيئًا بعد ذلك. أفعنده علم بأمور الغيب، فهو يعلم أن صاحبه يتحمل عنه ما يخاف من أوزاره يوم القيامة.
وقصارى ذلك (٢): أخبرني بأمر هذا الكافر، وحاله العجيبة. إذ قبل أن سواه يحمل أوزاره، إذا أدى له أجرًا معلومًا أأنزل عليه وحي فرأى أن ما صنعه حق؟.
٣٦ - ثم أكد هذا الإنكار، فذكر أن الشرائع التي يعرفونها على غير هذا، فقال: ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام؛ أي: بل أهو جاهل ﴿لَمْ يُنَبَّأْ﴾؛ أي: لم يخبر ﴿بِمَا في صُحُفِ مُوسَى﴾، أي: أسفار التوراة. جمع صحيفة. وهي التي يكتب فيها،
٣٧ - ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ معطوف على موسى؛ أي: وبما في صحف إبراهيم ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ صفة لإبراهيم، أي: الذي وفر، وأكمل، وأتم ما ابتلي به من الكلمات، كما مر في سورة البقرة. قال المفسرون؛ أي: بلغ قومه ما أمر به، وأداه إليهم. وقيل: بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه؛ لأنّ التشديد يأتي للتكثير والمبالغة.
وتخصيصه بذلك (٣) لاحتماله ما لم يحتمل غيره كالصبر على نار نمرود، حتى إنه أتاه جبريل حين ألقي في النار، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وعلى ذبح الولد، وعلى الهجرة، وعلى ترك أهله وولده بواد غير ذي زرع. ونعم ما قيل هنا: ﴿وَفَّى﴾ ببذل نفسه للنيران، وقلبه للرحمن، وولده للقربان، وماله للضيفان. وروي: أنه كان يمشي كل يوم فرسخًا يرتاد ضيفًا، فإن وجده أكرمه، وإلا نوى الصوم.
وروي: "ألا أخبركم لم سمى الله خليله ﴿الَّذِي وَفَّى﴾؟ كان يقول إذا أصبح،
стр. 12909
وأمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ حتى يختم الآيتين". ذكره أحمد في "مسنده" الآيات الثلاث. وفي "عين المعاني": عن أبي ذرٍّ الغفاري ﵁ قال: قلت يا رسول الله: كم من كتاب أنزل الله؟ قال: مئة كتاب وأربعة كتب. أنزل الله على آدم عشر صحائف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف. وأنزل الله التوراة، والإنجيل والزبور، والفرقان. قال: قلت: يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؛ قال: "كانت أمثالًا منها: أيّها الملك المبتلى المغرور إني لم أبعثك، فتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك كيلا ترد دعوة المظلوم، فإني لا أردها، وإن كانت من كافر" الحديث.
وإنما ذكر ما جاء في شريعتي هذين البيين فحسب؛ لأن المشركين كانوا يدعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم، وأهل الكتاب كانوا يدعون أنهم متبعون ما في التوراة وصحفها قريبة العهد منهم.
فإن قلت: لم قدم موسى هنا على إبراهيم، وعكس في سورة الأعلى؟.
قلت: إنما قدم موسى هنا لما أنَّ صحفه التي هي التوراة أشهر عندهم وأكثر، وأيضًا هو من باب الترقي من الأقرب إلى الأبعد لكون الأقرب أعرف، وأيضًا أن موسى صاحب كتاب حقيقة بخلاف إبراهيم. وقدم إبراهيم على موسى في سورة الأعلى لغرض الفاصلة.
وقرأ الجمهور ﴿وَفَّى﴾ بتشديد الفاء. وقرأ أبو أمامة الباملي، وسعيد بن جبير، وأبو مالك الغفاري، وابن السميقع، وزبد بن علي بتخفيفها. ولم يذكر متعلق ﴿وَفَّى﴾ إفادة للعموم، ذكره في "البحر".
٣٨ - ثم بين سبحانه ما في صحفهما، فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾؛ أي: والذي في صحفهما أنه لا تزر، ولا تحمل نفس ﴿وَازِرَةٌ﴾؛ أي: حاملة وزرًا وحملًا ﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾، أي: حمل نفس أخرى. ومعناه: لا تؤخذ نفس بذنب نفس أخرى. وأصله (١): أن لا تزر؛ على أن ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة المنفية خبرها. ومحل الجملة الجر، على أنها بدل عن ﴿مَا﴾ في قوله:
стр. 12910
﴿بِمَا في صُحُفِ مُوسَى﴾، أو الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: أي شيء في صحفهما؛ فقيل: هو أنه؛ أي: الشأن لا تحصل نفس من شأنها الحمل حمل نفس أخرى، من حيث إنه تتعرى منه المحمول عنها، ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره؛ ليتخلص الثاني من عقابه، فالمراد بالوازرة: هي التي يتوقع منها الوزر والحمل، لا التي وزرت وحملت ثقلًا، وإلا فكان مقتضى المقام أن يقال: لا تحمل فارغة وزر أخرى. إذ لا تحمل مثقلة بوزرها غير الذي عليها.
وفي هذا (١): إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أنه يحمل عنه الإثم. وقال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، كان الرجل يقتل بقتل أبيه، وابنه، وأخيه، وامرأته، وعبده حتى كان إبراهيم ﵇ فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله تعالى أن لا تزر وازرة وزر أخرى.
ولا يعارض (٢) هذه الآية قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. إذ ليس المعنى: أنَّ عليه إثم مباشرة سائر القاتلين، بل المعنى: أنَّ عليه فوق إثم مباشرته للقتل المحظور إثم دلالته، وسببيته لقتل هؤلاء، وهما ليستا إلا من أوزاره، فهو لا يحمل إلا وزر نفسه.
وكذا لا يعارضها أيضًا قوله ﷺ : "مَن سنَّ سنةً سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". فإن ذلك وزر الإضلال الذي هو وزره.
٣٩ - وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ معطوف على قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ إلخ. و ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة كأختها السابقة، ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ خبر ﴿لَيْسَ﴾، و ﴿إِلَّا مَا سَعَى﴾ اسمها و ﴿ما﴾ مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة.
والمعنى: وأنه - أي: الشأن - ليس للإنسان في الآخرة إلا سعيه في الدنيا من العمل، والنية، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير لا يثاب بفعله. فهو بيان لعدم انتفاع الإنسان بعمل غيره من حيث جلب النفع إثر بيان عدم انتفاعه، من حيث دفع
стр. 12911
الضرر عنه. وظاهر الآية (١): يدل على أنه لا ينفع أحدًا عمل أحد. وهذا العموم مخصوص بمثل قوله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد، ومشروعية دعاء الأحياء للأموات، ونحو ذلك. ولم يصب من قال: إنَّ هذه الآية منسوخة بمئل هذه الأمور. فإن الخاص لا ينسخ العام، بل يخصصه. فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به، وهو من غير سعيه كان مخصصًا لما في هذه الآية من العموم.
وقال الربيع بن أنس (٢): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ يعني: الكافر. وأما المؤمن فله ما سعى، وما سعى له غيره. وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول. وفي "فتح الرحمن": واختلف الأئمة فيما يفعل من القرب: كالصلاة، والصوم، وقراءة القرآن، والصدقة، ويهدى ثوابه للميت المسلم. فقال أبو حنيفة وأحمد: يصل ذلك إليه، ويحصل له نفعه بكرم الله ورحمته. وقال مالك، والشافعي: يجوز ذلك في الصدقة، والعبادة المالية، وفي الحجّ. وأما غير ذلك كالصلاة، والصوم، وقراءة القرآن، وغيره فلا يجوز، ويكون ثوابه لفاعله. وعند المعتزلة: ليس للإنسان جعل ثواب عمله مطلقًا لغيره، ولا يصل إليه، ولا ينفعه لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِثإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾، ولأن الثواب هو الجنة، وليس في قدرة العبد أن يجعلها لنفسه فضلًا عن غيره.
ومعنى الآية (٣): أي كما لا يحمل على الإنسان وزر غيره لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب لنفسه. ومن هذا استنبط مالك، والشافعي، ومن تبعهما: أن القراءة لا يصح إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنّه ليس من عملهم ولا كسبهم، وهكذا جميع العبادات البدنية كالصلاة، والصوم، والتلاوة. ومن ثم لم يندب إليها رسول الله ﷺ أمته، ولا حثهم عليها، ولا أرشدهم إليها بنصٍّ، ولا إيماءٍ، ولم ينقل من أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. أما الصدقة فإنها تقبل.
وما رواه مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة من قوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم
стр. 12912
انقطع عمله، إلا من ثلاث: ولد صالح بدعو له، وصدقة جاربة من بعده، وعلم ينتفع به" فهي في الحقيقة من سعيه، وكده، وعمله، كما جاء في الحديث: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولد الرجل من كسبه"، والصدقة الجارية كالوقف، ونحوه من أعمال البر هي من آثار عمله والعلم نشره في الناس فاقتدوا به، واتبعوه هو من سعيه. فقد ثبت في "الصحيح": "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من اتبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا".
ومذهب أحمد بن حنبل، وجماعة من العلماء: أن ثواب القراءة يصل إلى الموتى إن لم تكن القراءة بأجر، أما إذا كانت به، كما يفعله الناس اليوم من إعطاء الأجر للحفاظ للقراءة على المقابر، وغيرها فلا يصل إلى الميت ثوابها. إذ لا ثواب لها حتى يصل إليهم لحرمة أخذ الأجر على قراءة القرآن، وإن لم يحرم على تعليمه.
قال الشيخ تقي الدين أبو العباس (١): من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعصله، فقد خرق الإجماع. وذلك باطل من وجوه كثيرة:
أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره. وهو انتفاع بعمل الغير.
والثاني: أن النبي ﷺ يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها, ولأهل الكبائر في الإخراج من النار. وهذا الانتفاع بسعي الغير.
والثالث: أن كل نبي وصالح له شفاعة. وذلك انتفاع بعمل الغير.
والرابع: أن الملائكة يدعون، ويستغفرون لمن في الأرض. وذلك منفعة بعمل الغير.
والخامس: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط بمحض رحمته. وهذا انتفاع بغير عملهم.
والسادس: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم. وذلك انتفاع بمحض عمل الغير.
وكذا الميت بالصدقة عنه، وبالعتق بنص السنة والإجماع. وهو من عمل غيره. وأن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه عنه بنص السنة. وكذا تبرأ
стр. 12913
ذمة الإنسان من ديون الخلق إذا قضاها عنه قاض، كما قال الشافعي: إذا أنا من فليغسلني فلان؛ أي: من الدين. وذلك انتفاع بعمل الغير. وكذا من عليه تبعات ومظالم، إذا حلل منها سقطت عنه. وأن الجار الصالح ينتفع بجواره في الحياة والممات، كما جاء في الأثر: وأن جليس أهل الذكر يرحم بهم، وهو لم يكن منهم، ولم يجلس معهم لذلك، بل لحاجة أخرى. والأعمال بالنيات، وكذا الصلاة على الميت، والدعاء له فيها ينتفع بها الميت مع أن جميع ذلك انتفاع بعمل الغير. ونظائر ذلك كثيرة لا تحصى. والآيات الدالة على مضاعفة الثواب كثيرة أيضًا، فلا بد من توجيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾. فإنه لاشتماله على النفي والاستثناء، يدل على أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمل نفسه، ولا يجزى على عمله إلا بقدر سعيه، ولا يزداد. وهو يخالف الأقوال الواردة في انتفاعه بعمل غيره، وفي مضاعفة ثواب أعماله. ولا يصح أن يؤول بما يخالف صريح الكتاب، والسنة، وإجماع الأمّة.
فأجابوا عنه بوجوه:
منها: أنه في حق الكافر. والمعنى عليه: ليس له من الخير إلا ما عمل هو، فيثاب عليه في الدنيا، بأن يوسع عليه في رزقه، ويعافى في بدنه، حتى لا يبقى له في الآخرة حسنة يثاب عليها.
ومنها: أنه بالنسبة إلى العدل، لا الفضل.
ومنها: أن الإنسان إنما ينتفع بعمل غيره؛ إذا نوى الغير أن يعمل له، حيث صار بمنزلة الوكيل عنه القائم مقامه شرعًا، فكان سعي الغير بذلك كأنه سعيه. وأيضًا أن سعي الغير إنما لم ينفعه إذا لم يوجد له سعي قط, فإذا وجد له سعي بأن يكون مؤمنًا صالحًا كان سعي الغير تابعًا لسعيه، فكأنه سعي بنفسه. فإن علقة الإيمان وصلة وقرابة، كما قال ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
والحاصل: أنه لما كان مناط منفعة كل ما ذكر من الفوائد عمله الذي هو الإيمان, والعمل الصالح، ولم يكن شيء منه نفع ما بدونهما جعل النافع نفس عمله، وإن كان بانضمام غيره إليه.
стр. 12914
٤٠ - ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ﴾؛ أي: سعي الإنسان. وهو عمله، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾. وهو مع خبره معطوف على ما قبله من قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ إلخ، على معنى: أنّ المذكورات كلها في الصحف، أي: ومما في صحفهما أن سعيه ﴿سَوْفَ يُرَى﴾؛ أي: يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته، وميزانه. من أريته إذا عرضته عليه. أو يراه أهل الموقف، ويطلعون عليه تشريفًا للمحسن وتوبيخًا للمسيء.
٤١ - ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾ أي: ثم يجزى الإنسان سعيه؛ أي: جزاء عمله. فالضمير المرفوع عائد إلى الإنسان، والمنصوب إلى سعيه. ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾؛ أي: الجزاء الأوفر الكامل الأتم، إن خيرًا فخبر، وإن شرًا فشر. وهو مفعول مطلق مبين للنوع. وفي قوله: ﴿الْأَوْفَى﴾ وعيد للكافر، ووعد للمؤمن.
٤٢ - ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾؛ أي: ومما في صحفهما أن انتهاء الخلق في رجوعهم إلى الله تعالى بعد الموت إلى ربك، لا إلى غيره لا استقلالًا، ولا اشتراكًا، فيجازيهم بأعمالهم. وفي الحقيقة انتهاء الخلق إليه تعالى في البداية والنهاية ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. إذ لا إله إلا هو؛ أي: وأن مرجع الأمور يوم المعاد إلى ربك. فيحاسبهم على النقير والقطمير، ويثيبهم أو يعاقبهم بالجنة أو النار، وفي هذا تهديد بليغ للمسيء، وحث شديد للمحسن، وتسلية لقلبه ﷺ . كأنّه يقول له: لا تحزن أيها الرسول، فإن المنتهى إلى الله سبحانه. وقرأ الجمهور (١) ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ﴾، وما بعدها من ﴿وأنّه﴾، و ﴿أنّ﴾ بفتح الهمزة عطفًا على ما قبلها، وقرأ أبو السمال بالكسر فيهن.
٤٣ - ﴿وَ﴾ مما في صحفهما ﴿أَنَّهُ﴾ ﴿هُوَ﴾ وحده ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾، أي: خلق قوتي الضحك والبكاء في الإنسان منهما ينبعث الضحك والبكاء. والإنسان لا يعلم ما تلك القوة. والضحك (٢): انبساط الوجه، وتكشر الأسنان من سرور النفس. والبكاء بالمد: سيلان الدمع عن حزن. وقيل: هما كنايتان عن السرور، والحزن. كأنه قل: أفرح، وأحزن. لأنَّ الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء، أو عما يسر ويحزن. وهو الأعمال الصالحة، والأعمال السيئة. أو
стр. 12915
أضحك في الدنيا أهل النعمة، وأبكى أهل الشدة والمصيبة، أو أضحك في الجنة أهلها، وأبكى في النار أهلها. أو أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر، أو أضحك الأشجار بالأنوار، والسحاب بالأمطار، أو القراطيس بالأرقام والأقلام بالمداد، أو أضحك القرد، وأبكى البعير، أو أضحك بالوعد، وأبكى بالوعيد، أو أضحك المطيع بالرضى، وأبكى العاصي بالسخط، أو أضحك الأسنان، وأبكي الجنان. أو بالعكس. قال الشاعر:
السِّنُّ تَضْحَكُ وَالأَحْشَاءُ تَحْتَرِقُ ... وَإِنَّمَا ضِحْكُهَا زُوْرٌ وَمُخْتَلَقُ
يَا رُبَّ بَاكٍ بِعَيْنٍ لَا دُمُوْعَ لَهَا ... وَرُبَّ ضَاحِكِ سِنٍّ مَا بِهِ رَمَقُ
والمعنى (١): أي وأنه خلق في عباده الضحك والبكاء، وسببهما. والمراد: أنه خلق ما يسر وما يحزن من الأعمال الصالحة والأعمال الطالحة.
٤٤ - ﴿وَ﴾ مما في صحفهما ﴿أَنَّهُ﴾ سبحانه ﴿هُوَ﴾ وحده ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾؛ أي: قضى أسباب الموت والحياة، ولا يقدر على ذلك غيره لا خلقًا، ولا كسبًا. فإن أثر القاتل هو نقض البنية، وتفريق الاتصال، وإنما يحصل الموت عنده بفعل الله سبحانه على العادة. فللعبد نقض البنية كسبًا دون الإماتة. وقيل: خلق نفس الموت والحياة كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾. وقيل: أمات الآباء، وأحيا الأبناء. وقيل: أمات في الدنيا، وأحيا للبعث. وقيل: المراد بما: النوم واليقظة. وقال عطاء: أمات بعدله، وأحيا بفضله، وقيل: أمات الكافر، وأحيا المؤمن كما في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾.
٤٥ - ﴿وَ﴾ مما في صحفهما ﴿أَنَّهُ﴾ سبحانه ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ أي: الصنفين ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ بدل من الزوجين. وفي بعض التفاسير من كل الحيوان. وفيه (٢) أن كل حيوان لا يخلق من النطفة، بل بعضه من الريح كالطير؛ فإن البيضة المخلوقة منها الدجاجة مخلوقة من ريح الديك. ولا يدخل في ذلك آدم وحواء. فإنهما لم يخلقا من النطفة.
٤٦ - ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ متعلق بخلق. هي الماء الصافي، ويعبر بها عن ماء الرجل كما في
стр. 12916
"المفردات". ﴿إِذَا تُمْنَى﴾؛ أي: إذا تدفق، وتصب في الرحم والمعنى: أنه يقدر منها الولد. قال أبو عبيدة: ﴿إِذَا تُمْنَى﴾ إذا تقدر. يقال: منيت الشيء إذا قدرته، ومنى له إذا قدر له. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ ولم يقل: وأنه هو خلق، كما قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾؟ فالجواب: أن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان، وكذا الإماتة. وإن كان ذلك التوهم فيهما أبعد، لكن ربما يقول به جاهل، كما قال من حاج إبراهيم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. فأكد ذلك بالفصل. وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة، فلا يتوهم أحد أنه بفعل أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل. اهـ كرخي.
والمعنى: أي وأنه خلق الذكر والأنثى من الإنسان وغيره من الحيوان من المنيّ الذي يدفق، ويصب في الأرحام.
٤٧ - ﴿وَ﴾ مما في صحفهما ﴿أَنَّ عَلَيْهِ﴾ ﴿النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾، أي: الخلقة الأخرى. وهو الإحياء بعد الموت وفاء بوعده، لا لأنّه يجب على الله كما يوهمه ظاهر كلمة على. وفيه تصريح بأن الحكمة الإلهية اقتضت النشأة الثانية الصورية للجزاء، والمكافأة، وإيصال المؤمنين بالتدرج إلى كمالهم اللائق بهم. ولو أراد تعجيل أجورهم في هذه الدار .. لضاقت الدنيا بأجر واحد منهم، فما ظنك بالباقي. ومن طلب تعجيل نتائج أعماله وأحواله في هذه الدار .. فقد أساء الأدب، وعامل الموطن بما لا يقتضيه حقيقته؛ أي: وإن عليه الإحياء بعد الإماتة ليجازي كلًّا من المحسن، والمسيء على ما عمل. وقرأ الجمهور (١) ﴿النَّشْأَةَ﴾ بالقصر بوزن الضربة. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالمد بوزن الكفالة. وهما على
القراءتين مصدران.
٤٨ - ﴿وَ﴾ مما في صحفهما ﴿أَنَّهُ﴾ تعالى ﴿هُوَ﴾ وحده ﴿أَغْنَى﴾ من شاء من عباده بالأموال ﴿وَأَقْنَى﴾؛ أي: أفقر من شاء منها. ومثله قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، وقوله: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾؛ أي: وأنه تعالى يغني من يشاء من عباده، ويفقر من يشاء بحسب ما يرى من استعداد كل منهما ومقدرته على كسب المال بحسب السنن المعروفة في هذه الحياة.
стр. 12917
وفي هذا (١): تنبيه إلى كمال القدرة. فإن النطفة جسم متناسب الأجزاء في الظاهر، ويخلق الله تعالى منها أعضاء مختلفة، وطباعًا متباينة من ذكر وأنثى. ومن ثم لم يدع أحد خلق ذلك كما لم يدع خلق السموات والأرض كما قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. ونحو الآية قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ وقيل: أنه هو أغنى؛ أي: أعطى الغنى للناس بالأموال، وأقنى؛ أي: أعطى القنية. وهي ما يتأثل من الأموال؛ أي: يتخذ أصلًا، ويدخر بأن يقصد حفظه استثمارًا واستنماءً، وأن لا يخرج عن ملكه. وقال بعضهم: أغنى الناس بالكفاية والأموال، وأعطى القنية، وما يدخرونه بعد الكفاية. وقال الضحاك: أغنى بالذهب، والفضة، والمسكن، والثياب. وأقنى بالإبل، والبقر، والغنم، والدواب. قال أبو زيد: تقول العرب: من أعطي مئة من البقر .. فقد أعطي القنى، ومن أعطي مئة من الضأن .. فقد أعطي الغنى، ومن أعطي مئة من الإبل .. فقد أعطي المنى.
وأفرد القنية بالذكر بعد قوله: ﴿أَغْنَى﴾؛ لأنها أشرف الأموال، وأفضلها. والأوفق لما قدمه من الآي المشتملة على مراعاة صنعة الطباق أن يحمل ﴿أقنى﴾ على معنى أفقر، على أن تكون الهمزة في ﴿أقنى﴾ للإزالة، كما قاله سعديٌّ المفتي.
٤٩ - ﴿وَ﴾ منه ﴿أَنَّهُ﴾ تعالى ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾؛ أي: رب معبودهم الشعرى. فاعبدوا الرب دون المربوب. والشعرى: كوكب نير خلف الجوزاء. يقال له: العبور بالمهملة بوزن الصبور. قال مجاهد، وابن زيد: هو مرزم الجوزاء. وهي المرادة هنا. وهي أشد ضياء من الغميصاء - بالغين المعجمة المضمومة - وفتح الميم والصاد المهملة". وهي إحدى الشعريين. يعني: أن الشعرى شعريان. أحدهما: الشعرى اليمانية، وتسمى أيضًا الشعرى العبور. وثانيتهما: الشعرى الشامية، وهي التي بالذراع. وتسمى أيضًا الشعرى الغميصاء، فصلت المجرة بينهما. تزعم العرب أن الشعريين أختا سهيل، وأن الثلاثة كانت مجتمعة فانحدر سهيل نحو اليمين،
стр. 12918
وتبعته العبور؛ فعبرت المغيرة، ولقب سهيلًا، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل؛ فغمصت عينها؛ أي: كانت أقل نورًا من العبور وأخفى. والغمص في العين ما سأل من الرمص. يقال: غمصت عينه بالكسر غمصًا. وكانت خزاعة تعبد الشعرى. سن لهم ذلك أبو كبشة رجل من أشرافهم. فقال: لقومه: إن النجوم تقطع السماء عرضًا، وهذه تقطعها طولًا، فليس شيء مثلها. فعبدتها خزاعة، وخالف أبو كبشة قريشًا في عبادة الأوثان، ولذلك كانت قريش تقول لرسول الله ﷺ ، ويسمونه: ابن أبي كبشة تشبيهًا له به، لا يريدون بذلك اتصال نسبه إليه، وإن كان الأمر كذلك؛ لأن أبا كبشة من أجداده ﷺ من قبل أمه. ومن ذلك قول أبي سفيان حين دخوله على هرقل: لقد أمِر أمر ابن أبي كبشة، بل يريدون بذلك موافقته ﷺ له في ترك عبادة الأوثان؛ وإحداث دين جديد. فالنبي ﷺ كما وافق أبا كبشة في مخالفة قريش بترك عبادة الأوثان خالفه أيضًا بترك عبادة الشعرى.
والمعنى (١): أي وأنه تعالى رب هذا الكوكب الوهاج الذي يطلع خلف الجوزاء في شدة الحر. فاعبدوه، ولا تعبدوا الشعرى. وإنما خصها بالذكر من بين الأجرام السماوية، وفيها ما هو أكبر منها جرمًا، وأكثر ضوءًا لأنها عبدت من دون الله في الجاهلية. فقد عبدتها حمير، وخزاعة؛ كما مر آنفًا. ومن العرب من كانوا يعظمونها، ويعتقدون أن لها تأثيرًا في العالم، ويتكلمون على المغيبات حين طلوعها. وهي شعريان. إحداهما: شامية. وهي التي في الذراع. وثانيتهما: يمانية، وهي خلف الجوزاء. وهي المرادة في هذه الآية، وهي التي كانت تعبد من دون الله .
وفي هذا إشارة إلى فساد قول من قال من الناس: إن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده. فمن كسب استغنى، ومن كسل افتقر. وبعضهم قال: إنّ ذلك بالبخت، وذلك بالنجوم. فردهم تعالى بقوله: هو تعالى محرك النجوم، ورب معبودهم الشعرى العبور.
٥٠ - ﴿وَ﴾ منه ﴿أَنَّهُ﴾ ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ هي (٢) قوم هود ﵇, أهلكوا بريح صرصر. وعاد الأخرى إرم بن سام بن نوح؛ كما قال: ﴿أَلَمْ
стр. 12919
تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾. وكانوا من أشدّ الأمم، وأقواهم، وأعتاهم على الله ورسوله. وقيل: الأولى القدماء؛ لأنهم أولى الأمم هلاكًا بعد قوم نوح؛ أي: فالمراد بعاد: جميع من انتسب إلى عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. ووصفهم بالأولية ليس للاحتراز عن عاد الأخيرة، بل لتقدم هلاكهم بحسب الزمان على هلاك سائر الأمم بعد قوم نوح. قال في "التكملة": وصف عاد بالأولى يدل على أن لها ثانية. فالأولى هي عاد بن إرم قوم هود. والثانية من ولدها، وهي التي قاتلها موسى ﵇ بأريحاء. كانوا تناسلوا من الهزيلة بنت معاوية، وهي التي بنت من قوم عاد مع بنيها الأربعة: عمر, وعمرو، وعامر، والعتيد. وكانت الهزيلة من العماليق، انتهى.
وقرأ الجمهور (١): ﴿عَادًا الْأُولَى﴾ بتنوين عادًا وكسره لالتقاءه ساكنًا مع سكون لام الأولى، وتحقيق الهمزة بعد اللام. وقرأ قوم كذلك، غير أنهم نقلوا حركة الهمزة إلى اللام، وحذفوا الهمزة. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن محيصن وأبو عمرو بإدغام التنوين في اللام المنقول إليها حركة الهمزة المحذوفة.
٥١ - ﴿وَثَمُودَ﴾ معطوف على: ﴿عَادًا﴾. لأنَّ ما بعده لا يعمل فيه لمنع ما النافية عن العمل. وهم قوم صالح ﵇، أهلكهم الله سبحانه بالصيحة. ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ الله أحدًا من الفريقين.
والمعنى: أي وأنه أهلك ثمود كما أهلك عادًا؛ فما أبقى منهم عينًا تطرف. ويجوز أن يكون المعنى: فما أبقى عليهما. فالإبقاء على هذا المعنى: الترحم عليهم. وإنما لم يترحم عليهم لكونهم من أهل الغضب، ورحمة الله لأهل اللطف دون القهر؛ أي: فما أبقى عليهم، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقرأ الجمهور (٢) ﴿وثمودًا﴾ مصروفًا. وقرأه غير مصروف: الحسن، وعاصم، وعصمة.
٥٢ - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ معطوف على ﴿عَادًا﴾ أيضًا؛ أي: وأنّه سبحانه أهلك قوم نوح ﵇ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل إهلاك عاد، وثمود. ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن قوم نوح ﴿كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ﴾ لنببهم ﴿وَأَطْغَى﴾؛ أي: أعتى لربهم من الفريقين، حيث كانوا
стр. 12920
يؤذونه، وينفرون الناس عنه. وكانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، وكانوا يضربونه ﵇، حتى لا يكون به حراك. وما أثرت فيهم دعوته قريبًا من ألف سنة، وما آمن معه إلا قليل.
والمعنى: أي وأهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود، وكانوا أظلم وأطغى من الفريقين، أو أظلم وأطغى من جميع الفرق الكفرية، أو أظلم وأطغى من مشركي العرب. وإنما كانوا أظلم لأنهم بدؤوا بالظلم. وفي الحديث: "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها". لأنهم أول من كذب الرسل.
وقد كان الرجل منهم يأخذ بيد ابنه؛ ويمشي به إلى نوح، ويحذره منه، ويقول: يا بني إن أبي مشى بي إلى هذا الرجل، وأنا مثلك يومئذٍ، ويقول: فإياك أن تصدقه، فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه، لا يتأثر من دعوة نوح له. وكانوا أطغى؛ أي: أكثر طغيانًا وتمردًا على الله، وأكثر تجاوزًا للحد؛ لأنهم سمعوا المواعظ، وطال عليهم الأمد، ولم يرتدعوا، حتى دعا عليهم نبيهم بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾.
٥٣ - وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ منصوب عطفًا على ﴿عَادًا﴾؛ أي: وأنّه أهلك المؤتفكة، أي: قرى قوم لوط ﵇. سميت مؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها؛ أي: انقلبت بهم. وقيل: هو منصوب بقوله: ﴿أَهْوَى﴾؛ أي: أسقطها الله إلى الأرض مقلوبة بعد أن رفعها على جناح جبريل إلى السماء. وقال الزجّاج: ألقاها في الهاوية.
٥٤ - ﴿فَغَشَّاهَا﴾، أي: فغشى الله سبحانه المؤتفكة، وغطاها، وألبسها ﴿مَا غَشَّى﴾؛ أي؛ ما غشاها؛ أي: ما ألبسها من فنون العذاب، والحجارة الذي وقعت عليها. وفي هذه العبارة من التهويل والتفظيع ما لا غاية وراءه.
وقوله (١): ﴿مَا غَشَّى﴾ مفعول ثان إن قلنا: إن التضعيف للتعدية، أي: ألبس الله سبحانه المؤتفكة ما ألبسها إياه من العذاب كالحجارة المنضودة المسوّمة، فمفعولا الفعل الأول مذكوران، والثاني محذوفان. وإن قلنا: إنه للمبالغة والتكثير هو فاعل كقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.