← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 12986–13025 · переход к 12991.

стр. 12986

الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة. ﴿فَتَعَاطَى﴾ فيه إعلال بالقلب. أصله: تعاطي بوزن تفاعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح؛ أي: فتناول السيف، وعقرها. ﴿فَعَقَرَ﴾ يقال: عقر البعير والفرس بالسيف فانعقر؛ أي: ضرب به قوائمه، وبابه ضرب. ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ الهشم: كحر الشيء الرخو، كالنبات. والهشيم بمعنى المهشوم؛ أي: المكسور. وهو اليابس المتكسر من الشجر وغيره. والحظر: جمع الشىء في حظيرة. والمحظور: الممنوع. والمحتظر بكسر الظاء: اسم فاعل، وهو الذي يتخذ حظيرة من الحطب وغيره، والحظيرة: الزربية، وفي "المختار": الحظيرة التي تعمل للإبل من شجر لتقيها البرد والربح. والمحتظر بكسر الظاء الذي يعملها. والمعنى: صاروا كيبيس الشجر المتفتت إذ تفتت. ﴿حَاصِبًا﴾؛ أي: ريحًا حصبتهم؛ أي: رمتهم بالحجارة، والحصباء. قال الفرزدق: مُسْتَقْبِليْنَ شِمَالَ الشَّامِ تَضْرِبُنَا ... بِحَاصِبٍ كَنَدِيْفِ القُطْنِ مَنْثُوْرِ وفي "المختار": الحصباء بالمد: الحصى. ومنه: المحصب. وهو موضع بالحجاز. والحاصب: الريح الشديدة تثير الحصى. والحصب بفتحتين: ما تحصب به النار؛ أي: ترمي. وكلل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به، وبابه ضرب. ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ سحر إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار. يقال: رأيت زيدًا سحرًا من الأسحار. ولو أريد من يوم معين لمنع من الصرف. لأنّه معرفة معدول عن السحر، فمنع منه للتعريف والعدل. لأن حقه أن يستعمل في المعرفة بأل. وفي "المفردات": السحر: اختلاط ظلام آخر الليل بصفاء النهار، وجعل اسمًا لذلك الوقت، وهو آخر الليل، أو السدس الأخير. فائدة: وقد اختلف في تعريف سحر الممنوع من الصرف، فقيل: إنه ممنوع من الصرف للتعريف والعدل، أما التعريف ففيه خلاف، فقيل: هو معرفة بالعلمية. لأنه جعل علما لهذا الوقت. وقيل: يشبه العلميّة؛ لأنه تعريف بغير أداة ظاهرة، كالعلم، وأما العدل فإن صيغته معدولة عن السحر المقرون بأل, لأنه لما أريد به معين كان الأصل فيه أن يذكر معرفًا بأل، فعدل عن اللفظ بأل، وقصد به التعريف، فمنع من الصرف. وقال السهيلي والشلوبين: الصغير معرف معروف. واختلف في

стр. 12987

منع تنوينه. فقال السهيلي: هو على نية الإضافة. وقال الشلوبين: على نية أل. ﴿فَتَمَارَوْا﴾ أصله: تماريوا بوزن تفاعلوا قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ﴾ المراودة: أن تنازع غيرك في الإرادة، فترود غير ما يروده. ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ الطمس: المحو، واستئصال أثر الشيء. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المبالغة في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ لأنَّ فيه زيادة مبالغة على قرب، كما أن في اقتدر زيادة مبالغة على قدر؛ لأن أصل افتعل إعداد المعنى بالمبالغة، نحو اشتوى إذا اتخذ شواء بالمبالغة في إعداده. ومنها: الإتيان بصيغة الماضي للدلالة على تحقق الانشقاق في زمن النبي ﷺ ويدل عليه قراءة حذيفة ﵁ ﴿وقد انشق القمر﴾، كما مرّ. ومنها: العدول عن المضارع إلى الماضي في قوله: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ بعد قوله: ﴿يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا﴾ بلفظ المستقبل مع أنَّ السياق يقتضي الإتيان بهما بلفظ المضارع لكونهما معطوفين على ﴿يُعْرِضُوا﴾ للإشعار بأنهما من عاداتهم القديمة. ومنها: التشبيه المرسل المفصل في قوله: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ لأنَّ الأركان الأربعة موجودة فيه، فقد شبههم بالجراد في الكثرة، والتموج. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾. ومنها: التلويح بقوله: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ بأنّ المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة من الشدّة، بل ذلك اليوم يوم يسير لهم، حيث أسند القول إلى الكفار فقط. ومنها: التفصيل بقوله: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ بعد الإجمال الذي قوله ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. ومنها: الإضافة إلى العظمة في قوله: ﴿عَبْدَنَا﴾ تفخيمًا لشأن نوح ﵇، وإشعارًا لرفعة منزلته، وزيادة تشنيع لمكذّبيه، فإن تكذيب عبد السلطان أشنع من تكذيب عبد غيره، وإشارة إلى أنه لا شيء أشرف من العبودية.

стр. 12988

ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾ شبه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السماء، وانشق بها أديم الخضراء بطريق الاستعارة التمثيلية. ومنها: إنابة الصفة مناب الموصوف في قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ فإنه كناية عن موصوف محذوف، تقديره وحملناه على سفينة ذات ألواح ومسامير. ومنها: تكرير قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ حثًّا على تجديد الاتعاظ عند سماع كل نبأ. ومنها: الاستفهام عن الحال في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ تعظيمًا للعذاب والإنذارات، أي: كانا على كيفية هائلة، بحيث لا يحيط بها الوصف. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. ومثله قوله: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾؛ أي: في إفنائهم، وإهلاكهم. ومنها: المبالغة في قوله: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾؛ أي: كثير الكذب، عظيم البطر؛ لأن فعالًا وفعلًا للمبالغة. ومنها: إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول في قوله: ﴿أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: مقسوم بينهم. ومنها: تغليب العقلاء على غيرهم في قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بينها, وبينهم. ومنها: الإبهام في قوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ ليكون الوعيد أحفل بالانتقام، والتهديد أشد أثرًا في النفوس. وأورده مورد الإبهام، وإن كانوا هم المعنيين؛ لأنه أراد وقت الموت، ولم يرد غدًا بعينه. وهو شائع في كلام العرب نثرًا ونظمًا. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 12989

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله (١) لمّا ذكر قصص قوم نوح، وعاد, وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، وفصل ما أصيبوا به من عذاب الله الذي لا مرد له بسبب كفرهم بآياته، وتكذيبهم لرسله .. أعقب هذا بتنبيه كفار قريش إلى أنهم إن لم توبوا إلى رشدهم، ويرجعوا عن غيهم، فستحل بهم سنتنا، ويحيق بهم من البلاء مثل ما حل بأضرابهم من المكذبين من قبلهم، ولا يجدون عنه محيصًا ولا مهربًا. ثم خاطبهم خطاب إنكار وتوبيخ، فقال لهم: علام تتكلون؟ وماذا تظنون أأنتم خير ممن سبقكم عددًا وكثرة مال وبطشًا وقوة؛ أم لديكم صك من ربكم بأنه لن يعذبكم مهما أشركتم واجترحتم من السيئات أم تظنون أنكم جمع كثير لا يمكن أن ينال بسوء، ولا تصل إلى أذاكم يد مهما أوتيت من القوة. كلا إن شيئًا من هذا ليس بكائن، وإنكم ستنهزمون، وتولون الأدبار في الدنيا، وسيحل بكم قضاء الله الذي لا مفر منه، وما سترونه في الآخرة أشد نكالًا، وأعظم وبالًا، فأفيقوا من غفلتكم، وأنيبوا إلى ربكم عسى أن يرحمكم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر تكذيب الأمم الماضية

стр. 12990

لرسلها؛ كما كذبت قول قريش نبيها وأعقبه بذكر ما أصابهم في الدنيا من العذاب والهوان .. أردف ذلك بذكر ما سينالهم من النكال والوبال في الآخرة, فبين أنهم سيساقون على وجوههم إلى جهنم سوقًا إهانة، وتحقيرًا لهم، ويقال لهم حينئذٍ توبيخًا وتعنيفًا: ذوقوا عذاب النار، وشديد حرها، ثم أعقبه ببيان أن كل شيء فهو بقضاء الله وقدره، وإذا أراد الله أمرًا فإنما يقول له: كن، فيكون. ثم نبههم إلى ما كان يجب عليهم أن يتنبهوا له من هلاك أمثالهم من الأمم التي كذبت رسلها من قبله، وفعلت فعلها، فأخذها أخذ عزيز مقتدر. ثم ختم السورة بذكر ما يتمتع به المتقون في جنات النعيم من إجلال وتعظيم، ويرون ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: قالوا يوم بدر: نحن جميع منتصر، فنزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ سبب نزولها: ما أخرجه مسلم، والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾. التفسير وأوجه القراءة ٤١ - ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾ اكتفى بذكرهم عن ذكره، للعلم بأنّه أولى بالنذر، أي: وعزّتي وجلالي، لقد جاءهم الإنذارات التي أنذرهم بها موسى وهارون ﵉. والمراد بها: الآيات التسع التي تقدم ذكرها. ٤٢ - كأنه قيل: فماذا فعلوا حينئذٍ؟ فقال: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ يعني: الآيات التسع. وهي اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل, والضفادع، والدم، وحلّ عقدة من لسانه،

стр. 12991

وانفلاق البحر، وانفجار الماء من الحجر. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب عند التكذيب ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ لا يغالب ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ لا يعجزه شيء. والمراد: أنَّ الله سبحانه هو العزيز المقتدر، ولذا أخذهم بتكذيبهم، ولم يمنعه من ذلك مانع. والمراد بالعذاب: هو الاغراق في بحر القلزم أو النيل. يقول الفقير: لعلّ (١) سر الغرق أن فرعون وصل إلى موسى بسبب الماء الذي ساقه إليه في تابوته، فلم يشكر لا نعمة الماء ولا نعمة موسى، فانقلب الحال عليه بضد ذلك، حيث أهلكه الله وقومَه بالماء الذي هو سبب الحياة لغيرهم. ٤٣ - والاستفهام في قوله: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ للإنكار، أي: هل كفاركم يا معشر العرب خير عند الله تعالى قوة، وشدة، وعُدَّة، وعِدِّة ﴿مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ الكفار المعدودين قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وآل فرعون. والمعنى: أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم فيما ذكر من الأمور، فهل تطمعون أن لا يصيبكم مثل ذلك، وأنتم شر منهم مكانًا، وأسوأ حالًا. أي (٢): أكفّاركم يا معشر قريش خير من أولئكم الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح، وعاد، وثمود، فيأملوا أن ينجوا من عذابي، ونقمتي على كفرهم بي، وتكذيبهم رسولي. وتلخيص المعنى: ما كفاركم خير ممن سبقهم. فهم ليسوا بأكثر منهم قوّةً، ولا أوفر عددًا، ولا ألين شكيمة في الكفر، والعصيان، والضلال، والطغيان. وقد أصاب من هم خير منهم ما أصابهم, فكيف يطمعون في المهرب من مثل ذلك. فليتوبوا إلى رشدهم، وليرجعوا عن غيهم قبل أن يندموا ولات ساعة مندم. ثم انتقل من توبيخهم الأوّل إلى توبيخ أشد منه، فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ و ﴿أم﴾ منقطعة بمعنى همزة الإنكار، وبل الاضرابية، فهو (٣) إضراب وانتقال

стр. 12992

من التبكيت بما ذكر إلى التبكيت بوجه آخر، أي: بل ألكم براءة، وأمن من عذاب الله بمقابلة كفركم، ومعاصيكم، نازلة في الكتب السماوية، فلذلك تصرون على ما أنتم عليه، وتأمنون بتلك البراء. والمعنى به: الإنكار. يعني: لم ينزل لكم في الكتب السماوية أن من كفر منكم فهو في أمن من عذاب الله. ٤٤ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ جهلًا منهم ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ تبكيت آخر. والالتفات فيه للإيذان باقتضاء حالهم للإعراض عنهم، وإسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم. يقال: نصره من عدوه فانتصر؛ أي: منعه فامتنع؛ أي: بل أيقولون واثقين بشوكتهم نحن أولو حزم ورأي، أمرنا مجتمع لا نرام ولا نضام, أو منتصر من الأعداء منتقم منهم لا نغلب، أو متناصر ينصر بعضنا بعضًا على أن يكون افتعل بمعنى تفعل، كاختصم. والإفراد في ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ باعتبار لفظ الجميع. قال أبو جهل - وقد ركب يوم بدر فرسًا كميتًا كان يعلفه كل يوم فرقًا من ذرةٍ، وقد حلف أنه يقتل محمدًا ﷺ : نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه، فقتلوه يومئذٍ، وجر رأسه إلى رسول الله ابن مسعود رضي الله. والمعنى (١): أي أم لكم صك بالبراءة من تبعات ما تجترحون من السيئات، وأن ربكم لن يعاقبكم على ما تدسون به أنفسكم من الشرور والآثام، فأنتم على هذا الصك تعتمدون، وبهذا الوعد آمنون، حقًا إنكم لتطمعون في غير مطمع، وليس بين أيديكم ولا قلامة ظفر من هذا، فعلام تتكلون، أو إلام تستندون؟. ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾؛ أي: بل هم يقولون نحن واثقون بشوكتنا. فنحن قوم أمرنا مجتمع لا نرام ولا نضام، وإنا منصورون على من قصدنا بسوء، أو أراد حربنا وتفريق جمعنا. وجماع القول: إنه تعالى سد عليهم المسالك، ونقض جميع المعاذير التي ربما تعللوا بها في عدم تصديقهم بالرسول، وفي كفرهم بآيات ربهم، فقال لهم: لم لا تخافون أن يحل بكم مثل ما حل بمن قبلكم؟ أأنتم أقل كفرًا وعنادًا منهم،

стр. 12993

فيكون ذلك سبب الأمن من حلول مثل عذابهم بكم، أم أعطاكم الله براءة من عذابه أم أنتم أعز منهم جندًا، فأنتم تنتصرون على جند الله؟. ٤٥ - ثم رد عليهم مقالهم، وأبان لهم أنهم يعشيون في بحر من الأوهام، وأن قضاء الله سيحل بهم، وسيهزمون ولولون الأدبار متى جاء قضاؤه، فقال: ﴿سَيُهْزَمُ﴾ ويفرق، ويشتت ﴿الْجَمْعُ﴾؛ أي: جمع قريش. وهذا رد وإبطال لما سبق. والسين للتأكيد، أي: سيهزم جمع كفار مكة، أو جمع كفار العرب على العموم. ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾؛ أي: الأدبار. والتوحيد لإرادة الجنس، يعني: ينصرفون عن الحرب منهزمين، وينصر الله رسوله والمؤمنين، وقد كان كذلك يوم بدر. والمعنى (١): أي سيفرق شملهم، ويغلبون حين يلتقي جيشهم وجيش المؤمنين. وقد صدق وعده، فانهزموا، وولوا الأدبار يوم بدر. وكان هذا علمًا من أعلام النبوة؛ فإن الآية نزلت بمكة، ولم يكن له ﷺ جيش، بل كان أتباعه مشردين في الآفاق، يلاقون العذاب من المشركين في كل صوب. قال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ كنت لا أدري أي جمع، فلما كان يوم بدر رأيت رسول ﷺ يلبس الدرع ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾، فعرفت تأويلها. وهذا من معجزاته ﷺ . لأنه أخبر عن كيب فكان كما أخبر، قال ابن عباس ﵄: كان بين نزول هذه الآية وبين يوم بدر سبع سنين. فالآية على هذا مكيّة. وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ بياء الغيبة التفاتًا، وكذا ما بعده للغائب, وقرأ أبو حيوة، وموسى الأسواري، وأبو البرهشيم بتاء الخطاب للكفّار إتباعًا لما تقدم من خطابهم، وقرأوا ﴿ستهزِم الجمعَ﴾ بفتح التاء وكسر الزاي، وفتح العين خطابًا لرسول الله ﷺ . وقرأ أبو حيوة أيضًا، ويعقوب بالنون مفتوحةً، وكسر الزاي وفتح العين. وقرأ الجمهور ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ بالياء مبنيًا للمفعول، وضمّ العين، وعن أبي

стр. 12994

حيوة، وابن أبي عبلة أيضًا بفتح الياء مبنيًا للفاعل، ونصب العين؛ أي: سيهزم الله الجمع، وقرأ الجمهور ﴿وَيُوَلُّونَ﴾ بياء الغيبة، وأبو حيوة، وداود بن أبي سالم عن أبي عمرو بتاء الخطاب. والدبر هنا اسم جنس، وجاء في موضع آخر ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾. وهو الأصل، وحسن اسم الجنس هنا كونه فاصلةً، قال الزمخشري: وقرىء ﴿ويولون الأدبار﴾ بالجمع. ٤٦ - ثم بين أن هذا عذاب الدنيا، وسيلاقون يوم القيامة ما هو أشد منه نكالًا، فقال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾؛ أي (١): ليس هذا تمام عقوبتهم، بل القيامة موعد أصل عذابهم، وهذا من طلائعه. ﴿السَّاعَةُ﴾؛ أي: القيامة إظهارها في موضع إضمارها لتربية تمويلها. ﴿أَدْهَى﴾؛ أي: أعظم داهية، وفي أقصى غاية من الفظاعة. والداهية: الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص منه. ﴿وَأَمَرُّ﴾؛ أي: أشد مرارة، وفي أقصى نهاية من المرارة. وحاصله: إن موقف القيامة أهول من موقف بدر، وعذابها أشد وأعظم من عذابه؛ لأن عذاب الدنيا مثل الأسر، والقتل، والهزيمة، ونحوها أنموذج من عذاب الآخرة. كما أن نارها جزء من سبعين جزأ من نارها. والمعنى (٢): أي إن ما سيلاقونه من العذاب في الدنيا من الهزيمة، والقتل، والأسر هين إذا ما قيس على ما سيلاقونه من العذاب في الآخرة، فإن ذا أشد وآلم. فهو عذاب خالد دائم، وسيأتي بعد وصف ما فيه من فظاعة ونكر. روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أنّ النبي ﷺ قال وهو في قبَّة له يوم بدر: "أنشدك عهدك، ووعدك، اللهم إن شئت لن تعبد بعد اليوم في الأرض أبدًا" فأخذ أبو بكر ﵁ بيده، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك، فخرج وهو يثيب في الدرع، ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾. ٤٧ - ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: إنّ المشركين من الأولين والآخرين ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ وخطأ عن الحق في الدنيا ﴿و﴾ في ﴿سُعُرٍ﴾؛ أي: نيران مسعرة في الآخرة، جمع سعير.

стр. 12995

أو في ضلال عن الحق، وجنون في الشرك. والمعنى: أي إن المشركين بالله المكذبين لرسله في ضلال عن الصراط المستقيم، وعماية عن الهدى في الدنيا، وعذاب أليم في نار جهنم يوم القيامة. ٤٨ - ثم بين ما يلحقهم من الإهانة، والإذلال حينئذٍ , فقال: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ والظرف (١) منصوب إما بما يفهم من قوله ﴿فِي ضَلَالٍ﴾؛ أي: كائنون في ضلال وسعر يوم يجرّون ﴿فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. وإما بقول مقدر بعده؛ أي: يوم يسحبون يقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾؛ أي: قاسوا حر سقر، وشدة ألمها، فإن مسها سبب للتألم بها، فمس سقر مجاز عن ألمها بعلاقة السببية، وفي "القاموس": ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أي: أوَّل ما ينالكم منها، كقولك: وجد مسَّ الحمى؛ أي: ألمها، وحرارتها، انتهى. وسقر علم لجهنم، ولذلك لم يصرف. وقيل: اسم لطبقتها الخامسة. والمس كاللمس: إدراك الشيء بظاهر البشرة كما سيأتي. وقرأ محبوب عن أبي عمرو (٢): ﴿مسقر﴾ بإدغام سين ﴿مس﴾ في سين ﴿سقر﴾. قال ابن مجاهد إدغامه خطأ. لأنه مشدد، انتهى. والظن بأبي عمرو أنه لم يدغم حتى حذف إحدى السينين لاجتماع الأمثال، ثم أدغم. والمعنى (٣): أي يعذبون، ويهانون يوم يجرون على وجوههم في النار. ويقال لهم إيلامًا، وتضيفًا: ذوقوا حر النار، وآلامها جزاء وفاقًا لتكذيبكم رسل ربكم في كل ما جاؤوا به من الإنذار بهذا اليوم، والتحذير مما يقع فيه للكافرين من العذاب، والتبشير بما للمتقين فيه من ثواب. ٤٩ - ثم بين أن كل ما يوجد في هذه الحياة .. فهو لا يحدث اتفاقًا، وإنما يحصل بقضاء الله سبحانه وقدره. فقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ من الأشياء. وهو منصوب بفعل مقدر يفسره ما بعده. ﴿خَلَقْتَهُ﴾ حال كون ذلك الشيء متلبسًا ﴿بِقَدَرٍ﴾ متعين، اقتضته الحكمة التي عليها يدور أمر التكوين. فقدر بمعنى القدير (٤). وهو تسوية صورته، وشكله، وصفاته الظاهرة والباطنة على مقدار مخصوص

стр. 12996

اقتضته الحكمة، وترتبت عليه المنفعة المنوطة بخلقه. أو خلقناه مقدرا مكتوبًا في اللوح قبل وقوعه، لا يغير ولا يبدل. والمعنى: أنَّ كل شيء من الأشياء خلقه الله سبحانه متلبسًا بقدر قدره أزلًا , وقضاءٍ قضاه سبق في علمه، مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه فيما لا يزال. والقدر: التقدير الأزلي. والقضاء إيجاده فيما لا يزال على وقف القدر السابق أزلًا. فالمراد بالقدر: تقديره في علمه الأزليّ، وكتبه في اللوح المحفوظ، وهو القدر المستعمل في جنب القضاء. وقيل: القضاء: وجود جميع المخلوقات في اللوح المحفوظ مجتمعة. والقدر: وجودها متفرقة في الأعيان بعد وجود شرائطها, ولذا عبّر بالخلق؛ فإنه إنما يتعلق بالوجود الظاهري في الوقت المعين. وقيل: هما مترادفان. وقرأ الجمهور (١): ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالنصب على الاشتغال. وقرأ أبو السمال، وقال ابن عطية، وقوم من أهل السنة بالرفع. قال النواويّ رحمه الله تعالى: اعلم أنَّ مذهب أهل الحق إثبات القدر. ومعناه: أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه، وعلى صفات مخصوصة. فهي تقع على حسب ما قدرها تعالى أزلًا. وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه لم يقدرها، ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم؛ أي: إنما يعلمها بعد وقوعها. وكذبوا على الله عن أقوالهم الباطلة علوًا كبيرًا، انتهى. ٥٠ - ﴿وَمَا أَمْرُنَا﴾ لشيء نريد تكوينه. والمراد بالأمر هنا: ضد النهي بدليل ذكر متعلقه بقولنا: ﴿شَيْءٍ﴾. والشيء هو المأمور به بأن يوجد أو يعدم. ﴿إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾؛ أي: (٢) كلمة واحدة لا تثنى سريعة التكوين. وهو قوله تعالى: ﴿كُن﴾، أو إلا فعلة واحدة. وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ في اليسر، والسرعة. فإن اللمح النظر بالعجلة، فمعنى ﴿كَلَمْحٍ﴾: كنظر سريع. قال في "القاموس": لمح إليه كمنع اختلس النظر كالمح. وفي "المفردات": اللمح: لمعان البرق، ورأيته لمحة برق.

стр. 12997

قال ابن الشيخ: لما اشتملت الآيات السابقة على وعيد كفار أهل مكة بالإهلاك عاجلًا وآجلًا، والوعد للمؤمنين بالانتصار منهم جيء بقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ تأكيدًا للوعيد والوعد. يعني: أنّ هذا الوعيد والوعد حق وصدق، والموعود مثبت في اللوح المحفوظ مقدر عند الله تعالى، لا يزيد، ولا ينقص، وذلك على الله يسير؛ لأن قضاءه في خلقه أسرع من لمح البصر. وقيل معنى الآية: أي معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾؛ أي: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر. والمعنى: أي إنا إذا أردنا أمرًا قلنا له: كن، فإذا هو كائن. ولا يحتاج إلى تأكيد الأمر بثانية، ولا ثالثة. ولله در القائل: إِذَا أَرَادَ الله أَمْرًا فَإِنَّمَا ... يَقُوْلُ لَه قَوْلَ "كُنْ" فَيَكوْنُ وهذا (١): تمثيل لسرعة نفاذ المشيئة في إيجاد الخلق. فهي في السرعة كلمح البصر، لا إبطاء ولا تأخير. ٥١ - ثم أنبهم على ما هم فيه من غفلة وعماية عن الحق بعد وضوحه، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا﴾ وأفنينا، واستأصلنا ﴿أَشْيَاعَكُمْ﴾ وأشباهكم، ونظراءكم في الكفر بي، والتكذيب لرسلي ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ومتعظ يتعظ بذلك، فيخاف العقوبة، وأن يحل به مثل ما حل بهم. والأشياع: جمع شيعة، وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره، كما سيأتي. والمعنى: أي وعزتي وجلالي .. لقد أهلكنا، وأفنينا، واستأصلنا أشباهكم ونظراءكم يا معشر قريش من المكذبين لأنبيائهم من الأمم الخالية، المتتابعة في مذهب ودين، واستأصلنا شأفتهم بحسب سنتنا في أمثالهم بشتى العقوبات، ومختلف الوسائل ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾. أفما كان لكم في ذلك مزدجر تعتبرون به، فتنيبوا إلى ربكم وتسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون، ونحو الآية: قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾.

стр. 12998

٥٢ - ثم بين لهم أن كل أعمالهم محصاة عليهم، وسيحاسبون على النقير والقطمير فقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ من الكفر، والمعاصي، مكتوب على التفصيل ﴿فِي الزُّبُرِ﴾؛ أي: في ديوان الحفظة. جمع زبور بمعنى الكتاب. فهو بمعنى مزبور، كالكتاب بمعنى المكتوب. أو في اللوح المحفوظ عبر عنه بالجمع تفخيمًا لشأنه؛ أي: جميع ما فعلته الأمم من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ، أو في كتب الحفظة. وقال الغزالي رحمه الله تعالى: كل شيء فعلته الأمم في كتب أنبيائهم المنزلة عليهم، كأفعال كفار زماننا في كتابنا، انتهى. ٥٣ - ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ وحقير، وجليل من الأعمال ﴿مُسْتَطَرٌ﴾؛ أي: مسطور في اللوح المحفوظ بتفاصيله؛ أي: وكل شيء من أعمال الخلق أقوالهم وأفعالهم مكتوب في اللوح المحفوظ صغيره، وكبيره، جليله، وحقيره. والمعنى: أي وكل شيء يفعلونه، فيدسون به أنفسهم من الكفر والمعاصي ويدنسونها به من الأرجاس والآثام، فهو مقيد لدى الكرام الكاتبين، كما قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾. فما من صغيرة ولا كبيرة إلا وهي مسطورة في دواوينهم، وصحائف أعمالهم. فليحذروا ما هم عليه قادمون من الحساب العسير على الجليل والحقير ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾. روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبًا". وقد قيل: لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الذُّنُوْبِ صَغِيْرَا ... إِنَّ الصَّغِيرَ غَدًا يَعُوْدُ كَبِيْرَا إِنَّ الصَّغِيرَ وَإنْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... عِنْدَ الإلَهِ مُسَطَّرٌ تَسْطِيْرَا فَأسْأَلْ هِدَايَتَكَ الإِلَهَ فَتَتَّئِدْ ... فَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيْرَا ولقد أحسن من قال: خَلِّ الذُّنُوْبَ صَغِيْرَهَا ... وَكَبِيْرَهَا ذَاكَ التُّقَى وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ... ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى

стр. 12999

لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيْرَةً ... إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى وقرأ الأعمش (١)، وعمران بن حدير، وعصمة عن أبي بكر بشد راء ﴿مستطرٌّ﴾. قال صاحب "اللوامح": يجوز أن يكون من طر النبات والشارب إذا ظهر ونبت بمعنى كل شيء ظاهر في اللوح المحفوظ، مثبت فيه. ويجوز أن يكون من الاستطار، لكن شدد الراء للوقف على لغة من يقول: جعفر، وتفعل بالتشيد وقفًا، انتهى. ووزنه على التوجيه الأول استفعل، وعلى الثاني افتعل. ٥٤ - وبعد أن ألمع إلى ما يصيب الكافرين من الإهانة في ذلك اليوم، أردفه بما يناله المتقون من الكرامة عند ربهم , وما يحفظون به من الشرف والزلفى بحسب سنة القرآن من ذكر الثواب إثر العقاب، والعكس بالعكس. فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: من الكفر، والمعاصي ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين عظيمة الشأن بحيث لا يوصف نعيمها، وما أعد فيها لأهلها. ﴿وَنَهَرٍ﴾؛ أي: أنهار كذلك. يعني: أنهار الماء، واللبن، والخمر، والعسل. والإفراد للأفراد للاكتفاء باسم الجنس مراعاة للفواصل. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَنَهَرٍ﴾ على الإفراد، والهاء مفتوحة. والأعرج، ومجاهد، وحميد، وأبو السمال، والفياض بن غزوان بسكونها. والمراد به: الجنس إن أريد الأنهار، أو يكون معنى ﴿وَنَهَرٍ﴾، أي: وسعة في الأرزاق والمنازل. وقرأ (٣) زهير العرقبي, والأعمش، وأبو نهيك، وأبو مجلز، واليماني بضم النون والهاء، جمع نهر، كرهن ورهن، أو نهر كأسد وأسد. وهو المناسب لجمع جنات. وقيل: نهر جمع نهار. ولا ليل في الجنة وهو بعيد. ٥٥ - ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ خبر بعد خبر. وهو (٤) من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع. والصدق بمعنى الجودة؛ أي: في مكان مرضي, ومجلس حقٍّ سالم من اللغو والتأثيم. بخلاف مجالس الدنيا، فقل أن تسلم من ذلك. حال

стр. 13000

كونهم ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ والمراد من العندية: قرب المنزلة والمكان، لا قرب المكان والمسافة. والمليك أبلغ من المالك. والتنكير فيه للتعظيم. والمعنى: حال كونهم مقربين عند عزيز الملك واسعه لا يقادر قدر ملكه، فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته، فأي منزلة أكرم من تلك، وأجمع للغبطة كلها، والسعادة بأسرها، وقرأ الجمهور ﴿فِي مَقْعَدِ﴾ بالإفراد، يراد به: اسم الجنس، وقرأ عثمان البتي ﴿في مقاعد﴾ على الجمع. ﴿مُقْتَدِرٍ﴾؛ أي: قادر لا يعجزه شيء، عال أمره في الاقتدار. والمعنى (١): أي إن الذين اتقوا عقاب ربهم، فأطاعوه، وأدوا فرائضه، واجتنبوا معاصيه، وأخلصوا له العمل في السر والعلن، يثبهم بما عملوا جنات تجري من تحتها الأنهار، يحلون فيها من أساور من ذهب، ويجلسون على فرش بطائنها من إستبرق، ويجدون فيها من النعيم ما لا يخطر على قلب بشر كفاء ما بذلوا من الصبر على سياق الطاعات، وحرموا منه أنفسهم من اللذات. كما قيل للربيع بن خيثم، وقد صلى حتى ورمت قدماه، وتهجد حتى غارت عيناه: أتعبت نفسك، فقال: راحتها أطلب. كما ينالون الزلفى عند ربهم القادر على جزائهم بإحسانه وجوده ومنته، فكل شيء تحت قبضته وسلطانه، لا يمانع، ولا يغالب. وهو العزيز الحكيم. اللهم احشرنا في زمرتهم، واجعلنا ممن يسمعون القول، فيتبعون أحسنه. إنّك أنت السميع المجيب ذو الطول العظيم. الإعراب ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿جَاءَ﴾ فعل ماض، ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ مفعول به ﴿النُّذُرُ﴾ فاعل. والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الاعراب. وجملة القسم مستأنفة. ﴿كَذَّبُوا﴾ فعل، وفاعل، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾، ﴿كُلِّهَا﴾ توكيد لـ

стр. 13001

﴿آياتنا﴾، مجرور، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا واقفًا في جواب سؤال مقدر نشأ من حكاية مجيء النذر، كأنّه قيل: فماذا فعلوا حينئذٍ؟ فقيل: كذّبوا بآياتنا. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾. ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿أخذناهم﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ مفعول مطلق، ﴿عَزِيزٍ﴾ مضاف إليه. وهو من إضافة مصدر إلى فاعله. ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ صفة ﴿عَزِيزٍ﴾. ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾. ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، ﴿كفاركم﴾ مبتدأ، ﴿خَيْرٌ﴾ خبره. والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى همزة الإنكار، وبل الإضرابية، ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿بَرَاءَةٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ صفة لـ ﴿بَرَاءَةٌ﴾. والجملة جملة إضرابية، لا محل لها من الإعراب. ﴿أَمْ﴾ منقطعة أيضًا بمعنى همزة الإنكار، وبل الإضرابية، ﴿يَقُولُونَ﴾ فعل، وفاعل. والجملة إضرابية. ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ ﴿جَمِيعٌ﴾ خبره، ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ صفة ﴿جَمِيعٌ﴾. لأنّه بمعنى جميع، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول ليقولون. ﴿سَيُهْزَمُ﴾ السين حرف استقبال، ﴿يهزم﴾ فعل مضارع، مغير الصيغة، ﴿الْجَمْعُ﴾ نائب فاعل. والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿وَيُوَلُّونَ﴾ فعل، ونائب فاعل، معطوف على ﴿يهزم﴾، ﴿الدُّبُرَ﴾ مفعول به. ولم يقل: الأدبار، لموافقة رؤوس الآي، ولأنّه اسم جنس، كما مر. ﴿بَلِ﴾ حرف ابتداء وإضراب، ﴿السَّاعَةُ﴾ مبتدأ، ﴿مَوْعِدُهُمْ﴾ خبره. والجملة إضرابية. ﴿وَالسَّاعَةُ﴾ الواو: عاطفة، ﴿السَّاعَةُ﴾ مبتدأ، ﴿أَدْهَى﴾ خبر، ﴿وَأَمَرُّ﴾ معطوف على أدهى. والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها, ولك أن تجعل ﴿الواو﴾ للحال. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ ناصب واسمه، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ خبره، ﴿وَسُعُرٍ﴾ معطوف على ﴿ضَلَالٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾. ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية، متعلق يقول محذوف، تقديره: يقال لهم: يوم يسحبون. ﴿يُسْحَبُونَ﴾ فعل مضارع، ونائب فاعل ﴿فِي النَّارِ﴾، متعلق بـ ﴿يُسْحَبُونَ﴾،

стр. 13002

وجملة ﴿يُسْحَبُونَ﴾ في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ جار ومجرور، حال من واو ﴿يُسْحَبُونَ﴾. ﴿ذُوقُوا﴾ فعل أمر، مبنيّ على حذف النون، والواو: فاعل، ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ مفعول به، ﴿سَقَرَ﴾ مضاف إليه، مجرور بالفتحة للعلمية والتأنيث المعنوي. والجملة الفعية في محل النصب، مقول للقول المقدر. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ منصوب على الاشغال بفعل محذوف وجوبًا، يفسّره المذكور، تقديره: إنّا أوجدنا كل شيء، وجملة الفعل المحذوف في محل الرفع خبر ﴿إِنَّا﴾. وجملة ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ مفسرة، لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة. ﴿بِقَدَرٍ﴾ متعلق بمحذوف حال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: حالة كونه مقدّرًا محكمًا مرتبًّا. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿أَمْرُنَا﴾ مبتدأ، ﴿إلا﴾ أداة حصر ﴿وَاحِدَةٌ﴾ خبر أمرنا. والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إِنَّا﴾. ﴿كَلَمْحٍ﴾ حال من متعلق الأمر. وهو الشيء المأمور بالوجود، أي: حال كونه يوجد سريعًا، ﴿بِالْبَصَرِ﴾ متعلق بـ ﴿لمح﴾. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. ﴿فَهَلْ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿هل﴾ حرف استفهام، ﴿مِن﴾ زائدة، ﴿مُدَّكِرٍ﴾ مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: موجود. والجملة معطوفة على جواب القسم قبلها. ﴿وَكُلُّ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ مبتدأ ومضاف إليه، وجملة ﴿فَعَلُوهُ﴾ صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ خبر. والجملة الاسمية معطوفة على جملة جواب القسم. ﴿وَكُلُّ﴾ الواو: عاطفة، ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ، ﴿صَغِيرٍ﴾ مضاف إليه، ﴿وَكَبِيرٍ﴾ معطوف على ﴿صَغِيرٍ﴾، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ خبر المبتدأ. والجملة معطوفة على جواب القسم. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ ناصب واسمه، ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿وَنَهَرٍ﴾ معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾، مستأنفة. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، بدل من قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ بدل بعض من كل, لأنّ المقعد بعض الجنات. ولك أن تجعله خبرًا ثانيًا لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ ظرف متعلق بمحذوف،

стр. 13003

صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ أو لـ ﴿مَقْعَدِ﴾، وقيل: هو خبر ثان أو ثالث لـ ﴿إِنَّ﴾، ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ صفة لـ ﴿مَلِيكٍ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾ النذر بمعنى الإنذار، أو جمع نذير باعتبار الآيات التسع، فإنَّ كل واحدة منها نذير؛ أي؛ إنذار على حدة، اهـ كرخي. ﴿أَخْذَ عَزِيز﴾ مصدر مضاف إلى فاعله؛ أي: أخذ غالب لا يغالب، ولا يغلب. ﴿مُقْتَدِرٍ﴾؛ أي: لا يعجزه شيء. ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أصله: يوليون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت للتخفيف، فالتقى ساكنان فحذفت الياء وضمت اللام لمناسبة الواو. ﴿بَرَاءَةٌ﴾ أي: صك مكتوب بالنجاة من العذاب. ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ أي: في الكتب السماوية. جمع زبور بمعنى مزبور؛ أي: مكتوب. ﴿جَمِيعٌ مُنْتَصِر﴾ اسم فاعل من انتصر الخماسي، يقال: نصره من عدوه فانتصر؛ أي: منعه فامتنع. ﴿الدُّبُرَ﴾؛ أي: الأدبار. والدبر هنا اسم جنسن. لأن كل واحد يولي دبره. وحسن إفراده كونه فاصلة. ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى﴾ أفعل التفضيل من الداهية. وفيه إعلال بالقلب، أصله: أدهى بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَأَمَرُّ﴾؛ أي: أشد مرارة، أصله: أَمْرَر بوزن أفعل، نقلت حركة الراء الأولى إلى الميم فسكنت فأدغمت في الراء الثانية. وهو أفعل التفضيل أيضًا من المرارة، أي: أشد مرارة في الذوق. والمراد: الشدة والهول. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ المراد بهم: المشركون، كما جاء في قوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾. من الإجرام بمعنى القطع. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ في الدنيا عن الحق. ﴿وَسُعُرٍ﴾؛ أي: نيران في الآخرة، جمع سعير بمعنى نار مسعرة؛ أي: موقدة. ﴿يُسْحَبُونَ﴾ يجرون. ﴿مَسَّ﴾ مسها حرها. ﴿سَقَرَ﴾ علم لجهنم، مشتق من سقرته الشمس أو النار، أي: لوحته أي: غيرته، ويقال: صقرته بالصاد، وهي مبدلة من السين. وهي غير منصرف للعلمية والتأنيث. والمس كاللمس. وهو إدراك الشيء بظاهر البشرة، كما مر. ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ واللمح: النظر بالعجلة. وفي "المصباح": لمحه إذا أبصره بنظر خفيف، أي: فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه فيه، فكذلك الأفعال

стр. 13004

كلها عندنا، بل أيسر، اهـ خطيب. وفي "القاموس": لمح إليه كمنع اختلس النظر كألمح. وفي "المفردات": اللمح: لمعان البرق، ورأيته لمحة برق، اهـ. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ جمع شيعة. وهم من يتقوى بهم الإنسان من الأتباع. وفي "القاموس": شيعة الرجل بالكسر أتباعه، وأنصاره، والفرقة على حدة، وبقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ اسم مفعول من استطره إذا كتبه، كما في "القاموس". ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ هو من إضافة الموصوف إلى صفته، كمسجد الجامع، وصلاة الوسطى؛ أي: مكان مرضيِّ. ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ صيغة مبالغة من ملك الثلاثي؛ أي: عزيز الملك واسعه. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾. ومنها: الالتفات من الخطاب في قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ للإيذان باقتضاء حالهم للإعراض عنهم، واسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية قبائحهم لغيرهم. ومنها: الإفراد في قوله: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ حيث لم يقل: منصورون لرعاية الفاصلة. ومنها: الإفراد في قوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ حيث لم يقل: الأدبار لإرادة الجنس. لأنَّ كل واحد يولي دبره. وحسن إفراده كونه فاصلةً، وقد جاء مجموعًا في قوله: ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى﴾ لتربية تهويلها، وزيادة تخويفها. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَأَمَرُّ﴾ لأنه استعارة لصعوبة الشيء على النفس. ومنها: المقابلة بين المجرمين والمتقين في قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾.

стр. 13005

ومنها: الاسلوب التهكمي في قوله: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ لأنه مجاز عن حرارتها وألمها بعلاقة السببية، والظاهر من تقرير الكشاف: أنه من الاستعارة بالكناية، اهـ كرخي. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ حذفت منه وجه الشبه. فهو مجمل. ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾. ومنها: الإفراد في قوله: ﴿وَنَهَرٍ﴾ للاكتفاء باسم الجنس مراعاة للفواصل، وكان مقتضى السياق أن يقال وأنهار لمناسبة جنات. ومنها: الكناية في قوله: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ لأنه كناية عن تقريب المكانة والرتبة؛ أي: مقربين عند من تعالى أمره في الملك والاقتدار. ومنها: التنكير في قوله: ﴿مَلِيكٍ﴾ للتعظيم. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 13006

خلاصة موضوعات هذه السورة الكريمة اشتملت هذه السورة على الموضوعات التالية: ١ - الإخبار بقرب مجيء الساعة. ٢ - تكذيب المشركين للرسول، وقولهم في معجزاته: إنها سحر مفترى. ٣ - غفلتهم عمّا في القرآن من الزواجر. ٤ - أمر الرسول ﷺ بالإعراض عنهم، حتى يأتي قضاء الله فيهم. ٥ - إنذارهم بأنهم سيحشرون أذلاء ناكسي الرؤوس مسرعين كأنهم جراد منتشر. ٦ - قصص المكذّبين من سالفي الأمم: كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم فرعون، وما لاقوه من الجزاء على تكذيبهم. ٧ - توبيخ المشركين على ما هم فيه من الغفلة عن الاعتبار بهذه النذر. ٨ - ما يلاقونه من الجزاء في الآخرة إهانة وتحقيرًا لهم. ٩ - بيان أن كل ما في الوجود فهو بقضاء الله، وقدره. ١٠ - نفاذ مشيئة الله، وسلطانه في الكون. ١١ - بيان أن كل أعمال المرء في كتاب الله، قد خطّه الكرام الكاتبون. ١٢ - ما أوتيه المتقون من الكرامة عند ربهم، وما لهم من الزلفى لديه (١). والله أعلم * * *

стр. 13007

سورة الرحمن سورة الرحمن، وتسمى عروس القرآن، مكية، نزلت بعد سورة الرعد. قال القرطبيّ: كلها مكية في قول الحسن، وعروة بن الزبير، وعكرمة، وعطاء، وجابر. قال: قال ابن عباس: مكية إلا آيةً منها، وهي قوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وقال ابن مسعود، ومقاتل: هي مدنية كلها. والأول (١) أصح. ويدل عليه ما أخرجه النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة الرحمن بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزل بمكة سورة الرحمن، ويؤيّد القول الثاني ما أخرجه ابن الضريس، وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس قال: نزلت سورة الرحمن بالمدينة. ويمكن الجمع بين القولين بأنّه نزل بعضها بمكة، وبعضها بالمدينة. وآيها ست أو سبع أو ثمان وسبعون آية، وكلماتها ثلاث مئة وإحدى وخمسون كلمة، وحروفها ألف وست مئة وستة وثلاثون حرفًا. وسميت سورة الرحمن لابتدائها بلفظ الرحمن. مناسبة هذه السورة لما قبلها من أوجه (٢): ١ - أن فيها تفصيل أحوال المجرمين، والمتقين التي أشير إليها في السورة السابقة إجمالًا في قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾. ٢ - أنّه عدد في السورة ما نزل بالأمم التي قد خلت من ضروب النقم، وبين عقب كل ضرب منها أن القرآن قد يسر لتذكر الناس، وإيقاظهم، ثم نعى عليهم إعراضهم. وهنا عدد ما أفاض الله على عباده من ضروب النعم الدينية والدنيوية في

стр. 13008

الأنفس والآفاق، وأنكر عليهم إثر كل منها إخلالهم بموجب شكرها. ٣ - أن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ كأنه جواب سائل يقول: ماذا صنع المليك المقتدر؟ وما أفاد برحمته أهل الأرض؟. وعبارة أبي حيّان: مناسبة هذه لما قبلها (١): أنه تعالى لما ذكر مقر المتقين في جنات ونهر عند مليك مقتدر ذكر شيئًا من آيات الملك، وآثار القدرة. ثم ذكر مقر الفريقين على جهة الإسهاب. إذ كان في آخر السورة ذكره على جهة الاختصار والإيجاز. ولما ذكر قوله: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ فأبرز هاتين الصفتين بصورة التنكير، فكأنه قيل: من المتصف بذلك فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ فذكر ما نشأ من صفة الرحمة. وهو تعليم القرآن الذي هو شفاء للقلوب، انتهى. قال محمد بن حزم رحمه الله تعالى: جميع هذه السورة محكم، لا ناسخ ولا منسوخ فيها. فضلها: ومن فضائلها: ما أخرجه البيهقي في "الشعب" عن عليّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لكل شيء عروس، وعروس القرآن الرحمن". والله أعلم * * *

стр. 13009

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾. المناسبة مناسبة أوّل هذه السورة لأوّل ما تقدم كما مرّ: أن الله لمّا ذكر في آخر السابقة المليك المقتدر بيّن (١) هنا ما صنعه المليك المقتدر من النعم لعباده رحمةً بهم، فأفاد: ١ - أنه علم القرآن، وأحكام الشرائع لهداية الخلق، وإتمام سعادتهم في

стр. 13010

معاشهم ومعادهم. ٢ - إنه خلق الإنسان على أحسن تقويم، وكمله بالعقل والمعرفة. ٣ - أنه علم النطق، وإفهام غيره، ولا يتم هذا إلا بنفس وعقل. ٤ - أنه سخَّر له الشمس والقمر والنجوم على نظام بديع، ووضع أنيق لحاجته إليها في دنياه ودينه. ٥ - أنه سخر النجم والشجر ليقتات منها. ٦ - أنه رفع السماء، وأقامها بالحكمة والنظام. ٧ - أنه أوجد الأرض وما فيها من نخل، وفاكهة، وحبّ ذي عصف وريحان. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمَّا عدد كثيرًا من النعم، وكان بعضها يحتاج إلى زيادة إيضاح وبيان كخلق الإنسان، وحساب الشمس والقمر، وأسباب نمو الزرع والشجر .. فصل أحوالها على الترتيب السابق. قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما (١) ذعر النعم التي أنعم بها على عباده في البر والبحر، وفي السماء والأرض .. أردف ذلك ببيان أنَّ هذه النعم تفنى، ولا تبقى، فكل شيء يفنى إلا ذاته تعالى، وكل من في الوجود مفتقر إليه. فهو المدبر أمره والمتصرف فيه. فهو يحيي قومًا ويميت آخرين، ويرفع قومًا، ويخفض آخرين. قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما عدد نعماءه على عباده في البر والبحر، وفي الأرض والسماء ليشكروه على ما أنعم، ويعبدوه وحده على ما أعطى وتمم، وذكر أنهم مفتقرون إليه تعالى آناء الليل وأطراف النهار، ثم أرشد إلى أن هذه النعم لا تدوم، بل هي إلى زوال، فكل ما على وجه الأرض سيفنى، وتبدل الأرض غير الأرض والسموات .. نبههم إلى أنه في يوم القيامة سيلقى كل عامل جزاء ما عمل، وثواب ما اكتسب، ولا مهرب حينئذٍ من العقاب، ولا سبيل إلى الامتناع منه، وسيكون جزاء االمشركين به العاصين لأوامره نارًا تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى الذي كفر بربه، وكذب

стр. 13011

برسله. فاستعدوا لهذا اليوم في أن تندموا ولات ساعة مندم. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما عدد نعماءه على عباده (١) ، وما يجب من شكرهم عليها، ثم أرشدهم إلى أن هذه النعم لا بقاء لها, ولا ثبات، ثم ذكر أن الناس محاسبون على الصغير والكبير من أعمالهم، وسيلقون الجزاء عليها, ولا مهرب حينئذٍ منها, ولا نصير لهم ينقذهم مما سيحل بهم عن العذاب .. ذكر هنا أنه إذا جاء ذلك اليوم اختل نظام العالم، فتتصدع السموات، ويحمر لونها، وتصير مذابة غير متماسكة، كالزيت ونحوه مما يدهن به، ويكون للمجرمين حينئذٍ علامات يمتازون بها عن سواهم، فيتعرفهم الرائي لهم دون حاجة إلى سؤال نكالًا وخزيًا لهم، ثم يجرون إلى جهنم من نواصيهم وأرجلهم، ويقال لهم توبيخًا وتقريعًا: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها، وينتقل بهم من جهنم إلى ماء حار كالمهل يشوي الوجوه، ومن عذاب إلى ما هو أشد منه. أسباب النزول سبب نزول هذه السورة؛ فيما قال مقاتل (٢): أنه لما نزل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ الآية، قالوا: ما نعرف الرحمن. فنزلت: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾. وقيل: لما قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ أكذبهم الله تعالى، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾. التفسير وأوجه القراءة ١ - ولمَّا (٣) كانت هذه السورة الكاملة شاملة لتعداد النعم الدنيوية والأخروية، والجسمانية والروحانية .. طرزها بطراز اسم الرحمن الذي هو اسم الذات المشتمل على جميع الأسماء والصفات ليسند إليه النعم المختلفة بعده، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾ مرفوع على أنه مبتدأ، وما بعده من الأفعال مع ضمائرها أخبار له. وإخلاؤها عن العاطف لمجيئها على نمط التعداد، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي:

стр. 13012

المليك المقتدر هو الرحمن . قال الغزالي رحمه الله تعالى: الرحمن هو العطوف على العباد بالإيجاد أوّلًا, وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السعادة ثانيًا، وبالإسعاد في الآخرة ثالثًا، والإنعام بالنظر إلى وجهه الكريم رابعًا، انتهى. ٢ - ولمَّا (١) كان القرآن أعظم النعم شأنًا لأنه مدار جميع السعادات، ولذا قال ﷺ : "أشراف أمتي حملة القرآن"؛ أي: ملازمو قراءته، وأصحاب الليل، وقال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وفيه جميع حقائق الكتب السماوية. وكان تعليمه من آثار الرحمة الواسعة، وأحكامها بدأ به. فقال: ﴿عَلَّمَ﴾ محمدًا ﷺ ﴿الْقُرْآنَ﴾ بواسطة جبريل ﵇، وبواسطة محمد ﷺ علم غيره من الأمة. وقيل: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾؛ أي (٢): يسره للذكر ليحفظ ويتلى. وذلك أن الله سبحانه عدد نعمه على عباده، فقدم أعظمها نعمة، وأعلاها رتبة. وهو القرآن العزيز؛ لأنه أعظم وحي الله تعالى إلى أنبيائه, وأشرفه منزلة عند أوليائه وأصفيائه، وأكثره ذكرًا، وأحسنه في أبواب الدين. وهو سنام الكتب المنزلة على أفضل البرية. قال ابن عطاء رحمه الله تعالى: لما قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أراد أن يخص أمة محمد ﷺ بخاصية مثله، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾؛ أي: الذي علم آدم الأسماء وفضله بها على الملائكة هو الذي علمكم القرآن، وفضلكم به على سائر الأمم. وفي الآية: إشارة إلى أن التعليم والتسهيل إنما هو من الله تعالى، لا من المعلمين والحافظين. وقد علم آدم الأسماء، ووفقه لتعلمها، وسهله بإذنه، وعلم داود صنعة الدرع كما قال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾، وعلم عيسى علم الطب كما قال: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وعلم الخضر العلم اللدني كما قال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، وعلم نبينا محمدًا ﷺ القرآن، وأسرار الألوهية كما قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾، وعلم الإنسان البيان. قال في "فتح الرحمن": ومن الدليل على أن القرآن غير مخلوق: أن الله تعالى ذكره في كتابه العزيز في أربعة وخمسين موضعًا ما فيها موضع صرح فيه بلفظ

стр. 13013

الخلق، ولا أشار إليه. وذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعًا كلها يدل على خلقه، وقد اقترنا في هذه السورة على هذا النحو، قاله المولى أبو السعود رحمه الله تعالى. ٣ - ثم امتن بعد هذه النعمة بنعمة الخلق الذي هي مناط كل الأمور، ومرجع جميع الأشياء، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: آدم من أديم الأرض، قاله ابن عباس. ٤ - ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾؛ أي: ألهمه الله بيان كل شيء، وأسماء كل دابة تكون على وجه الأرض. وفي "بحر العلوم": ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: آدم، وعلمه الأسماء واللغات كلها، وكان آدم يتكلم بسبع مئة لغة، أفضلها العربية، انتهى. يقول الفقير: وفيه إشارة إلى أن الله تعالى قد تكلم بجميع اللغات سواء كان التعليم بواسطة أم لا، فإن قلت (١): كيف يتكلم الله باللغات المختلفة، والكلام النفسي عار عن جميع الأكسية؟ قلت: نعم، ولكنه في مراتب التنزلات والاسترسالات لا بد له من الكسوة. فالعربية مثلًا كسوة عارضة بالنسبة إلى الكلام في نفسه، وقد ذقنا في أنفسنا أنه يجيء الإلهام والخطاب تارة باللفظ العربي، وأخرى بالفارسيّ، وبالتركي مع كونه بلا واسطة ملك؛ لأن الأخذ عن الله لا ينقطع إلى يوم القيامة. وذلك بلا واسطة، وإن كان الغالب وساطة الملك من حيث لا يرى، فاعرف ذلك. وقيل (٢): المراد بالإنسان: الجنس، وأراد به جميع الناس. فعلى هذا يكون معنى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾؛ أي: علمه النطق الذي يتميز به عن سائر الحيوانات، وقيل: علمه الكتابة، والفهم، والإفهام، حتى عرف ما يقول، وما يقال له. وقيل: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. وقيل: أراد بالإنسان: محمدًا ﷺ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ يعني: بيان ما يكون وما كان. لأنّه ﷺ ينبىء عن خبر الأولين والآخرين، وعن يوم الدين. وقيل: علمه بيان الأحكام من الحلال والحرام، والحدود والأحكام. والأولى حمل الإنسان على الجنس، وحمل البيان على تعليم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به.

стр. 13014

والمعنى (١): أي إنَّ الله علم محمدًا ﷺ القرآن بواسطة جبريل، وعلم أمته بواسطته، وخلق هذا الجنس الإنساني، وعلمه التعبير عما يختلج بخاطره ويدور بخلده، ولولا ذلك ما علم محمد القرآن لأمته. ٥ - ولما كان الإنسان مدنيًا بيبعه لا يعيش إلا مجتمعًا بسواه كان لا بد له من لغة يتفاهم بها مع سواه من أبناه جنسه، ويكتب إليه في الأقطار النائية، والبلاد النازحة، ويحفظ علوم السلف لينتفع بها الخلف، ويزيد فيها اللاحق على ما فعل السابق. وهذه منة روحية كبرى، لا تعدلها منة أخرى في هذه الحياة. ومن ثم قدمها على النعم الأخرى الآتية. وقد بدأ أوّلًا بما يتعلم، وهو القرآن الذي به السعادة، ثم ثنى بالتعلم، ثم ثلث بطريق التعلم وكيفيته، ثم انتقل إلى ذكر الأجرام العلوية التي ينتفع بها الناس في معاشهم. فقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ يجريان ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ مبتدأ وخبر، أي: يجريان بحسبان مقدر معلوم في بروجهما ومنازلهما، بحيث ينتظم بذلك أمور الكائنات السفلية، ويختلف الفصول والأوقات، ويعلم السنون والحساب، فالسنة القمرية ثلاث مئة وأربعة وخمسون يومًا، والشمسية ثلاث مئة وخمسة وستون يومًا وربع يوم أو أقل. وبهذا (٢) الحسبان انتفع بهما الناس في شؤون الزراعات كمواعيد البذر والحصاد، وما ينفع منها في كل فصل من الفصول الأربعة، وفي الأمور المالية من بيع وشراء لآجال محدودة من شهور وسنين، وفي تقدير الأعمار والآجال التي تقدمت، وجاءت في أخبار الماضين، والشعبي ستكون للحاضرين. ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب. لأن الدهر يكون كله ليلًا أو نهارًا. ٦ - وبعد أن ذكر أن الشمس والقمر طوع قدرته، وقد جعل لهما النظم الدقيقة في الحسبان .. أردفه بانقياد العوالم الأرضية له، فقال: ﴿وَالنَّجْمُ﴾؛ أي: النبات الذي ينجم؛ أي: يطلع من الأرض ولا ساق له. مثل القمح والشعير، والقرع، والبطيخ، ونحو ذلك. وقيل (٣): النجم: هو الكوكب، وسجوده طلوعه. والقول الأول أظهر؛

стр. 13015

لأنه ذكره مع الشجر في مقابلة الشمس والقمر، ولأنهما أرضيان في مقابلة سمائيين. ﴿وَالشَّجَرُ﴾ الذي له ساق يبقى في الشتاء. وفي "المنتقى": كل نابت إذا ترك حتى يبرز انقطع .. فليس بشجر، وكل شيء يبرز ولا ينقطع من سنته فهو شجر. ﴿يَسْجُدَانِ﴾؛ أي: ينقادان له تعالى فيما يريد بهما طبعًا انقياد الساجد من المكلفين طوعًا أو يسجد ظلهما على ما بين في قوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾. وذكر سبحانه هنا في مقابلة النعمتين السماويتين اللتين هما الشمس والقمر نعمتين أرضيتين (١)، وهما: النجم والشجر، وكلاهما من قبيل النبات الذي هو أصل الرزق من الحبوب، والثمار، والحشيش للدوابّ. وإخلاء الجمل الأولى عن العطف لورودها على منهاج التعداد تنبيهًا على تقاعده في الشكر، كما في قولك: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد. وأما عطف جملة ﴿وَالنَّجْمُ﴾ على ما قبلها فلتناسبها من حيث التقابل لما أن الشمس والقمر علويان، والنجم والشجر سفليان، ومن حيث إن كلا من حال العُلويين وحال السفليين من باب الانقياد لأمر الله تعالى. ولما كانت هذه الأربعة مغايرة لجنس الإنسان في ذاته وصفاته غير النظم بإيرادها في صورة الاسمية تحقيقًا للتغاير بينهما وضعًا، وطبعًا، وصورة، ومعنى. والمعنى (٢): أي والزرع والشجر ينقادان لله سبحانه فيما أراد بهما طبعًا كما ينقاد المكلف اختيارًا. فما اختلاف ثمرهما في الشكل، والهيئة، واللون، والمقدار، والطعم، والرائحة إلا انقياد للقدرة التي أرادت ذلك. وقال الفرّاء (٣): المراد بسجودهما: أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت، ثم يميلان معها حين ينكسر الفيء. وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما، كما في قوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾. وقال الحسن، ومجاهد: المراد بالنجم: نجم السماء، وسجوده طلوعه.

стр. 13016

ورجح ابن جرير هذا، ومر ما فيه آنفًا. وقيل: سجوده أفوله، وسجود الشجر تمكينها من الاجتناء لثمارها، وهذه الجملة والتي قبلها خبران آخران لـ ﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾، وترك الرابط فيهما لظهوره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له. ولما ذكر ما به حياة الأرواح من تعليم القرآن .. ذكر ما به حياة الأشباح من النبات الذي له ساق. وكان تقديم النجم، وهو ما لا ساق له؛ لأنّه أصل القوت، والذي له ساق ثمره يتفكه به غالبًا. ٧ - ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾، أي: خلقها مرفوعة فوق الأرض، حيث جعلها مصدر قضاياه، ومسكن ملائكته الذين ينزلون بالوحي على أنبيائه. ونبه بذلك على عظم شأنه، وملكه. وقرأ الجمهور (١) ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ بالنصب على الاشتغال روعي مشاكلة الجملة التي تليه، وهي ﴿يَسْجُدَانِ﴾. وقرأ أبو السمال ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ بالرفع، راعى مشاكلة الجملة الابتدائية. أي: خلقها مرفوعة محلًّا، كما هو محسوس مشاهد، وكذا رتبه، حيث جعلها منشأ أحكامه، وقضاياه، وتنزل أوامره، ومحل ملائكته. وقال بعضهم: رفعها من السفل إلى العلو سقفًا لمصالح العباد، وجعل ما بينهما مسيرة خمس مئة عام. وذلك لأن السماء دخان فار به موج الماء الذي كان تحت الأرض. ﴿وَوَضَعَ﴾ الله سبحانه في الأرض ﴿الْمِيزَانَ﴾؛ أي (٢): شرع العدل وأمر به بأن وفر كل مستحق لما استحقه، ووفى كل ذي حق حقه حتى انتظم به أمر العالم، واستقام. كما قال ﵇: "بالعدل قامت السموات والأرض". قيل: فعلى هذا الميزان هو القرآن. وقيل: هو ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان، ومكيال، ونحوهما. فالمعنى: خلق كل ما توزن به الأشياء، ويعرف به مقاديرها موضوعًا مخفوضًا على الأرض، حيث علق به أحكام عباده، وقضاياهم، وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم. قال سعدي المفتي: وأنت خبير بأن قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ أشد ملاءمة

стр. 13017

لهذا المعنى، ولهذا اقتصر عليه الزمخشري. ٨ - و ﴿أن﴾ في قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾ ناصبة، و"لا" نافية، ولام العلة مقدرة متعلقة بوضع الميزان, أي: وضع الله سبحانه الميزان في الأرض لئلا تطغوا وتعتدوا, ولا تجاوزوا الإنصاف. قال ابن الشيخ (١)، الطغيان: مجاوزة الحد. فمن قال: الميزان العدل .. قال: طغيانه الجور، ومن قال: إنه الميزان الذي هو آلة التسوية قال: طغيانه البخس؛ أي: النقص، وقيل: ﴿أن﴾ مفسرة لأنّ في الوضع معنى القول. وقرأ الجمهور ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ فعلًا ماضيًا ناصبًا الميزان؛ أي: أقره وأثبته. وقرأ إبراهيم ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ بالخفض وإسكان الضاد، انتهى من "البحر". ومعنى الآية (٢): أي وجعل العالم العلوي رفيع القدر. إذ هو مبتدأ أحكامه، ومتنزل أوامره ونواهيه لعباده، وسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه. وجعل نظم العالم الأرضيّ تسير على نهج العدل فعدل في الاعتقاد كالتوحيد إذ هو وسط بين إنكار الإله والشرك به، وعدل في العبادات والفضائل والآداب، وعدل بين القوى الروحية والبدنية، فأمر عباده بتزكية نفوسهم، وأباح لهم كثيرًا من الطيبات لحفظ البدن، ونهى عن الغلو في الدين، والإسراف في حب الدنيا. وهكذا ترى أن عدله شامل لكل ما في هذا العالم، لا يغادر الصغير منه، ولا الكبير. وقوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾؛ أي: فعل ذلك لئلا تعتدوا، وتتجاوزوا ما ينبغي من العدل والنصفة، وجري الأمور وفق ما وضع لكم من سنن الميزان في كل أمر، فترقى شؤونكم، وتنتظم أعمالكم وأخلاقكم. قال قتادة في هذه الآية: اعدل يا ابن آدم كما تحب أن يعدل عليك، وأوف كما تحب أن يوفى لك. فإنَّ في العدل صلاح الناس. ٩ - ثم أكد هذا بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾؛ أي: قوموا وزنكم ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل؛ أي: اجعلوه مستقيمًا له. وفي "المفردات": الوزن: معرفة قدر الشيء، والمتعارف في الوزن عند العامة ما يقدر بالقسطاس والقبان. وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ

стр. 13018

بِالْقِسْطِ﴾ إشارة إلى مراعاة العدل في جميع ما يتحراه الإنسان من الأفعال والأقوال، وقيل: المعنى: أقيموا لسان الميزان بالعدل. وقيل: المعنى: إنه وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾؛ أي: لا تنقصوه؛ لأنَّ من حقه أن يسوى؛ لأنه المقصود من وضعه. قال سعدي المفتي: المراد: لا تنقصوا الموزون في الميزان لا الميزان نفسه، أمر أوّلًا بالتسوية، ثم نهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، ثم عن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان، وكرر لفظ الميزان تشديدًا للتوصية به، وتأكيدًا للأمر باستعماله، والحث عليه. وقرأ الجمهور (١): ﴿تُخْسِرُوا﴾ بضم التاء وكسر السين، من أخسر إذا أفسد ونقص، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾؛ أي: ينقصون. وقرأ بلال بن أبي برزة، وأبان بن عثمان، وزيد بن عليّ ﴿تَخْسَرُوا﴾ بفتح التاء والسين من خسر من باب سمع. وهما لغتان، يقال: أخسرت الميزان, وخسرته، وقرىء أيضًا ﴿تُخْسُرُوْا﴾ بفتح التاء وضم السين لما منع من الزيادة. وهو الطغيان. وفي "فتح الرحمن": قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ قرنه برفع السماء؛ لأنّه تعالى عدد نعمه على عباده، ومن أجلها الميزان الذي هو العدل الذي به نظام العالم وقوامه، وقيل: هو القرآن، وقيل: هو العقل، وقيل: ما يعرف به المقادير كالميزان المعروف، والمكيال والذراع. إن قلت: ما فائدة تكرار لفظ ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ ثلاث مرات مع أن القياس بعد الأولى الإضمار؟ قلت: فائدته بيان أنَّ كلًّا من الآيات مستقلة بنفسها، أو أن كلًّا من الألفاظ الثلاثة مغاير لكل من الآخرين، إذ الأول ميزان الدنيا، والثاني ميزان الآخرة، والثالث ميزان العقل؛ أي: العدل. فإن قلت: قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾؛ أي: لا تجاوزوا فيه العدل، مغن عن الجملتين المذكورتين بعده؟

стр. 13019

قلت: الطغيان فيه أخذ الزائد، والإخسار: إعطاء الناقص، والقسط: التوسط بين الطرفين المذمومين، انتهى. ١٠ - وبعد أن ذكر نعمه الدالة على قدرته برفع السماء ذكر مقابلها، وهو الأرض. فقال: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾؛ أي: والأرض بسطها على وجه الماء لسكنى الحيوان من كل ما له روح، وفيه حياة لينتفع بما في ظاهرها ومافي باطنها في معايشه على ضروب مختلفة وأشكال لا حصر لها. ولا وجه لتخصيص الأنام بالإنس والجن كما قيل. وهو جمع لا واحد له من لفظه بمعنى الخلق، والجن، والإنس مما على الأرض كما في "القاموس". فهي كالفراش والمهاد لهم، ينقلبون عليها، ويتصرفون فوقها. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالْأَرْضَ﴾ بالنصب على الاشتغال. وقرأ أبو السمال بالرفع على الابتداء. ١١ - وجملة قوله: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿فَاكِهَةٌ﴾؛ أي: ضروب كثيرة مما يتفكه به، ويتلذذ من أنواع الثمار، فلفظ فاكهة يشعر باختلاف الأنواع، في محل نصب على أنها حال مقدرة من الأرض، وقيل: مستأنفة لتقرير مضمون الجملة التي قبلها. ثم أفرد سبحانه النخل بالذكر لشرفه، ومزيد فائدته على سائر الفواكه، فقال: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾؛ أي: وفيها النخل صاحبة الغلاف الذي يكون فيه الثمر أول ظهوره. والأكمام: جمع كم بالكسر. وهو وعاء الثمر. قال الحسن: ذات الأكمام؛ أي: ذات الليف. فإن النخلة تكتم بالليف، وكمامها ليفها، وقال ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتق، وقال عكرمة: ذات الأحمال؛ أي: وفيها النخل ذات الأوعية لثمرها حين ظهوره، وأفردها بالذكر لكثرتها بالبلاد العربية، وكثرة فوائدها؛ لأنّه ينتفع بثمارها رطبة ويابسة, وينتفع بجميع أجزائها، فيتخذ من خوصها السلال والزنابيل، ومن ليفها الحبال، ومن جريدها سقف البيوت، ويؤكل جمارها. ومن ثم ذكرها باسمها، وذكر الفاكهة دون أشجارها. ١٢ - ﴿وَ﴾ فيها ﴿الْحَبُّ﴾؛ أي: جميع الحبوب التي يقتات بها: كالحنطة،

стр. 13020

والشعير، والذرة ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾؛ أي: صاحب الورق على سنابلها, وسوقها لعلف الدواب. ﴿وَ﴾ فيها ﴿الرَّيْحَانُ﴾؛ أي: كل نبت مشموم تطيب رائحته. وقال الحسن: الريحان: هو ريحانكم هذا الذي يشم. وهو كل ما طابت رائحته من النبات، وعند الفقهاء: الريحان: ما لساقه رائحة طيبة كما لورقه، والورد ما لورقه رائحة طيبة فقط، كالياسمين، كذا في المغرب. وقال ابن الشيخ: الريحان: كل بقلة طيبة الرائحة، سميت ريحانًا؛ لأن الإنسان يراح لها رائحة طيبة أي: يشم. وذكر أولًا الفاكهة (١)؛ لأنها للتفكه فحسب، ثم النخل لأن ثمرها فاكهة وغذاء، ثم الحب الذي عليه المعول في الغذاء في جميع البلاد. فهو أتم نعمة لموافقته لمزاج الإنسان. ومن ثم خلقه الله تعالى في سائر البلاد، وجعل النخل في البلاد الحارة دون غيرها. قال أبو حيان: وبدأ بقوله (٢): ﴿فَاكِهَةٌ﴾ إذ هو من باب الابتداء بالأدنى، والترقي إلى الأعلى. ونكر لفظها؛ لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما يذكر بعدها. ثم ثنى بالنخل، فذكر الأصل، ولم يذكر ثمرتها، وهو التمر لكثرة الانتفاع بها من ليف، وسعف، وجريد، وجذوع، وجمار، وثمر. ثم أتى ثالثًا بالحب الذي هو قوام عيش الإنسان في أكثر الأقاليم. وهو البر، والشعير وكل ما له سنبل وأوراق متشعبة على ساقه. ووصفه بقوله: ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾ تنبيهًا على إنعامه عليهم بما يقوتهم من الحب، ويوقت بهائهم من ورقه الذي هو التبن. وبدأ بالفاكهة، وختم بالمشموم، وبينهما النخل والحب ليحصل ما به يتفكه، وما به يتقوت، وما به تقع اللذاذة من الرائحة الطيبة. وذكر النخل باسمها، والفاكهة دون شجرها لعظم المنفعة بالنخل من جهات متعددة، وشجرة الفاكهة بالنسبة إلى ثمرتها حقيرة, فنص على ما يعظم به الانتفاع من شجرة النخل، ومن الفاكهة دون شجرتها، انتهى. وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ برفع الثلاثة عطفًا على المرفوع قبله. وقرأ ابن عامر، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة بنصب الثلاثة؛ أي:

стр. 13021

وخلق الحب. وجوزوا أن يكون ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ حالة الرفع، وحالة النصب على حذف مضاف؛ أي: وذو الريحان، حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. وقرأ حمزة، والكسائي، والأصمعيُّ عن أبي عمرو ﴿والرَّيحَانِ﴾ بالجر. والمعنى: والحبّ ذو العصف الذي هو علف البهائم، والريحان الذي هو مطعم الناس. ويبعد دخول المشموم في قراءة الجر. ١٣ - ولما عدد تعالى نعمه خاطب الثقلين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾؛ أي: إن نعمه كثيرة لا تحصى، فبأيها تكذبان أيها الثقلان. وكان هذا الخطاب للثقلين؛ لأنهما داخلان في الأنام على أصح الأقوال، ثم خصص بهذا الخطاب من يعقل. ولقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾، ﴿خَلَقَ الْجَانَّ﴾. ويدل عليه قوله فيما سيأتي. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ وهذا ما عليه جمهور المفسرين. وقيل: الخطاب للإنس، وثناه على قاعدة العرب في خطاب الواحد بلفظ التثنية، كما في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ كما مر. والآلاء: جمع إلى، وألى مثل معى وعصى. قال في "بحر العلوم": الآلاء: النعم الظاهرة والباطنة الواصلة إلى الفريقين. وبهذا يظهر فساد ما قيل: من أن الآلاء هي النعم الظاهرة، والنعماء هي النعم الباطنة. والصواب أنهما من الألفاظ المترادفة، كالأسود والليوث، والفلك والسفن. ومعنى تكذيبهم بالآلاء كفرهم بها. والتعبير عن الكفر بالتكذيب لما أن دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادة منها بذلك، فكفرهم بها تكذيب بها لا محالة. والفاء فيه للإفصاح؛ أي: فإذا كان الأمر كما فصل فبأي فرد من أفراد نعم ربكما، ومالككما، ومربيكما بتلك الآلاء أيها الجن، والإنس تنكران أنها ليست من الله، مع أن كلًّا منها ناطق بالحق، شاهد بالصدق، أفبتلك النعم المذكورة هنا أم بغيرها. والاستفهام للتقرير؛ أي: للحمل على الإقرار بتلك النعم، ووجوب الشكر عليها. وتكرار هذه الآية في هذه السورة لطرد الغفلة، وتأكيد الحجة، وتذكير النعمة، وتقرير الكرامة من قولهم: كم نعمة كانت لكم، كم وكم، وكقولك لرجل أحسنت إليه بأنواع الأيادي، وهو ينكرها، ألم تكن نقيرًا فأغنيتك أفتنكر هذا، ألم تكن عريانًا فكسوتك أفتنكر هذا، ألم تكن خاملًا فعززتك، أفتنكر هذا؟ وهذا أسلوب كثير الاستعمال في كلام العرب. فكأنه تعالى قال: ألم أخلق الإنسان، وأعلمه البيان، وأجعل الشمس

стр. 13022

والقمر بحسبان، وأنوع الشجر، وأبدع الثمر، وأعممها في البدو والحضر لمن آمن بي وكفر، وأسقيها حينًا بالمطر، وآونة بالجداول والنهر أفتنكرون ذلك أيها الإنس والجن. وقد جاء ثل هذا في أشعارهم. انظر قول مهلهل يرثي أخاه كليبًا: عَلَى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا مَاضِيْمَ جِيْرَانُ الْمُجِيْرِ عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا خَرَجَتْ مُخَبَّأَةُ الْخُدُوْرِ عَلَى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا خِيْفَ الْمَخُوْفُ مِنَ الْثُغُوْرِ عَلَى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا مَا خَارَ جَأْشُ الْمُسْتَجِيْرِ وهي قصيدة طويلة على هذا النسق، ولها نظائر أيضًا في رثائه، ولولا خشية التطويل لأوردنا شيئًا منها. وعدلًا؛ أي: مثلًا ونظيرًا. والمعنى (١): أي فبأي النعم المتقدمة يا معشر الثقلين من الجن والإنس تكذّبان، وتنكران. والمراد من تكذيب آلائه: كفرهم بربهم؛ لأنَّ إشراكهم آلهتهم به تعالى في العبادة دليل عى كفرانهم بها. إِذ من حق النعم أن تشكر. والشكر إنما يكون بعبادة من أسداها إليهم، والتعبير بالرب للإشارة إلى أنها نعم صادرة من المالك المربي لهما الذي ينميهما أجسامًا وعقولًا، فهو الحقيق بالحمد والشكر على ما أولى وأنعم, والعبادة له دون سواه. وقال في "برهان القرآن": تكررت (٢) هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، ثمان منها ذكرها عقيب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق، ومعادهم، ثم سبع منها عقيب آيات فيها ذكر النار، وشدائدها على عدد أبواب جهنم. وحسن ذكر الآلاء عقيها؛ لأن في خوفها ودفعها نعمًا توازي النعم المذكورة؛ أو لأنها حلت بالأعداء، وذلك يعد من أكبر النعماء. وبعد هذه السبع ثمان في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمان أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما. فمن اعتقد الثاني الأولى، وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله تعالى، ووقاه الله تعالى السبع السابقة. يقول الفقير: من لطائف أسرار هذا المقام: أن لفظ أل في أول اسم الرحمن المعنون به هذه السورة الجليلة دل على تلك الإحدى والثلاثين، انتهى. قال

стр. 13023

القتيبي: إنَّ الله عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه. ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم، ويقررهم بها، كما تقول لمن تتابع له إحسانك وهو يكفره: ألم تكن فقيرًا فأغنيتك ... إلخ. ويسن لسامع القارىء لهذه السورة أن يجيبه كلما قرأ هذه الآية (١). وهي مكررة في أحد وثلاثين موضعًا بأن يقول: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد؛ لأن رسول الله ﷺ أقر الجن على ذلك الجواب فيما روي عن جابر ﵁: أنه قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها، قال: "ما لي أراكم سكوتًا، لَلجن كانوا أحسن منكم ردًّا ما قرأت عليهم هذه الآية مرة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ إلَّا قالوا ولا شيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد". أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب. ١٤ - ولما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير وهو السماء والأرض وما فيهما ذكر العالم الصغير, فقال: ﴿خَلَقَ﴾ الله ﴿الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: آدم. فالمراد بالإنسان هنا: آدم. قال القرطبي باتفاق من أهل التأويل: ولا يبعد أن يراد (٢) الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم. ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ أي: من طين يابس له صلصلة؛ أي: صوت إذا نقر لشدة يبسه. وقيل: هو طين خلط برمل. وقيل: هو الطين المنتن. ﴿كَالْفَخَّارِ﴾؛ أي: شبيه بالخزف الذي طبخ بالنار في صوته إذا نقر، كأنه (٣) صور بصورة من يكثر التفاخر، أو لأنه أجوف. وقد خلق الله آدم ﵇ من تراب جعله طينًا، ثم حمأً مسنونًا، ثم صلصالًا، ثم صب عليه ماء الأحزان، فلا ترى ابن آدم إلا ويكابد حزنًا. والمعنى: أنه خلق الإنسان من طين يشبه في يبسه الخزف. فإن قلت (٤): كيف قال ذلك هنا، وقال في الحجر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾؛ أي: من طين أسود متغير، وقال في الصافات: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾؛ أي: لازم يلصق باليد، وقال في آل عمران: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾؟

стр. 13024

قلت: الآيات كلها متفقة المعنى؛ لأنه تعالى خلقه من تراب، ثم جعله طينًا ثم حمأً مسنونًا، ثم صلصالًا. فهذه مراحل وأطوار في خلق الإنسان، وفي كل سورة إشارة إلى بعض هذه الأطوار. فإنه تعالى أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء، فصار طينًا لازبًا؛ أي: متلاصقًا يلصق باليد، ثم تركه حتى صار حمأً مسنونًا أي: طينًا أسود منتنًا، ثم يبس، فصار كالفخار، له صوت وصلصلة. إيضاح هذا (١): أن الطين المطبوخ مركب من الطين والحرارة التي أنضجته وسوته لتخفظ كيانه، وهكذا الإنسان، له شهوة الطعام والشراب والتزاوج, لتبقى بنيته، وتدوم حياته بالمادة الأرضية التي اجتذبها النبات من الأرض، وله قوة غضبية تورثه الشجاعة والقوة؛ ليحافظ على بقائه وحياته، ويمنع عن نفسه عاديات الكواسر، ومهاجمات الجيوش، والأعداء المحيطة به من كل جانب. وهذه القوة في الإنسان تقابل طبخ الطعام ليصير فخارًا، فتتماسك أجزاوه، ولولاها لما استطاع المحافظة علي هيكله المنصوب، وجسمه المحبوب من الكواسر، وأهل القسوة من بني الإنسان. ولأصبح قتيلًا في الفلوات تأكله الطير، أو تهوي بأجزائه الريح في مكان سحيق. كما أن الطين إذا لم يطبخ يتفتت، وتذروه الرياح، أو يذوب في أجزاء الأرض. ١٥ - ﴿وَخَلَقَ﴾ سبحانه ﴿الْجَانَّ﴾؛ أي: الجن أو أبا الجن أو إبليس، وبه قال الضحاك. وفي "الكشف": الجان: أبو الجن، كما أن الإنسان أبو الإنس، وإبليس أبو الشياطين. ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾؛ أي: من لهب صاف من الدخان. وقال مجاهد: المارج: هو المختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر، والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا وقدت من مرج أمر القوم إذا اختلط واضطرب. فمعنى ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾ من لهب مختلط. ﴿مِنْ نَارٍ﴾ بيان لـ ﴿مَارِجٍ﴾. كأنه قيل: من صاف من نار، أو مختلط من نار. وفي "كشف الأسرار": خلق الجن من مارج من نار، والملائكة من نورها، والشياطين من دخانها. أي (٢): وخلق الجن من النار الصافية المختلط بعضها ببعض، فمن لهب أصفر إلى أحمر إلى مثوب بالخضرة. فكما أن الإنسان من عناصر مختلفات

стр. 13025

فالجان من أنواع من اللهب مختلطات. ولقد اظهر الكشف الحديث أنَّ الضوء مركب من ألوان سبعة، ولفظ ﴿المارج﴾ يشير إلى ذلك، وإلى أن اللهب مضطرب دائمًا. ١٦ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾ أيها الثقلان أَمِمَّا أفاض عليكما في تضاعيف خلقكما من سوابغ النعم حتى صيركما أفضل المركبات، وخلاصة الكائنات، أم من غيره تكذبان، فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما من ذلك بنعم لا تحصى. ١٧ - ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ قرأ الجمهور (١) ﴿رَبُّ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الذي فعل ما ذكر من الأفاعيل البديعة رب مشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما، ومن قضيته ان يكون رب ما بينهما من الموجودات قاطبة. يعني: أن ذكر غاية ارتفاعهما، وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناولان ما بينهما، كما إذا قلت في وصف ملك عظيم الملك: له المشرق والمغرب، فإنه يفهم منه أن له ما بينهما أيضًا. وقيل: مبتدأ، خبره ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾، وما بينهما اعتراض. والأول أولى. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بالخفض بدلًا من ﴿رَبِّكُمَا﴾. قال في "كشف الأسرار": أحد المشرقين هو الذي تطلع منه الثمس في أطول يوم من السنة، والثاني الذي تطلع منه في أقصر يوم, وبينهما مئة وثمانون مشرقًا، وكذا الكلام في المغربين. وقيل: أحد المشرقين للشمس، والثاني للقمر. فإن قلت (٢): لِمَ كرر ذكر الرب هنا دون سورتي المعارج والمزمل؟ قلت: كرره هنا تأكيدًا. وخص ما هنا بالتأكيد لأنه موضع الامتنان، وتعديد النعم، ولأن الخطاب فيه من جنسين، هما الإنس والجن، بخلاف ذينك. والمعنى (٣): أي هو سبحانه رب مشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما اللذين يترتب عليهما تقلب الفصول الأربعة، وتقلب الهواء، وتنوعه, وما يلي ذلك من الأمطار، والشجر، والنبات، والأنهار الجاريات، ١٨ - فبأي نعمة من هذه النعم تكذبان أيها الثقلان، أفتنكران الأمطار وفوائدها؟ أم تكران ما لاختلاف الفصول من منافع
следующие страницы →