وخلق الحب. وجوزوا أن يكون ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ حالة الرفع، وحالة النصب على حذف مضاف؛ أي: وذو الريحان، حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. وقرأ حمزة، والكسائي، والأصمعيُّ عن أبي عمرو ﴿والرَّيحَانِ﴾ بالجر.
والمعنى: والحبّ ذو العصف الذي هو علف البهائم، والريحان الذي هو مطعم الناس. ويبعد دخول المشموم في قراءة الجر.
١٣ - ولما عدد تعالى نعمه خاطب الثقلين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾؛ أي: إن نعمه كثيرة لا تحصى، فبأيها تكذبان أيها الثقلان. وكان هذا الخطاب للثقلين؛ لأنهما داخلان في الأنام على أصح الأقوال، ثم خصص بهذا الخطاب من يعقل. ولقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾، ﴿خَلَقَ الْجَانَّ﴾. ويدل عليه قوله فيما سيأتي. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ وهذا ما عليه جمهور المفسرين. وقيل: الخطاب للإنس، وثناه على قاعدة العرب في خطاب الواحد بلفظ التثنية، كما في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ كما مر.
والآلاء: جمع إلى، وألى مثل معى وعصى. قال في "بحر العلوم": الآلاء: النعم الظاهرة والباطنة الواصلة إلى الفريقين. وبهذا يظهر فساد ما قيل: من أن الآلاء هي النعم الظاهرة، والنعماء هي النعم الباطنة. والصواب أنهما من الألفاظ المترادفة، كالأسود والليوث، والفلك والسفن. ومعنى تكذيبهم بالآلاء كفرهم بها. والتعبير عن الكفر بالتكذيب لما أن دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادة منها بذلك، فكفرهم بها تكذيب بها لا محالة. والفاء فيه للإفصاح؛ أي: فإذا كان الأمر كما فصل فبأي فرد من أفراد نعم ربكما، ومالككما، ومربيكما بتلك الآلاء أيها الجن، والإنس تنكران أنها ليست من الله، مع أن كلًّا منها ناطق بالحق، شاهد بالصدق، أفبتلك النعم المذكورة هنا أم بغيرها. والاستفهام للتقرير؛ أي: للحمل على الإقرار بتلك النعم، ووجوب الشكر عليها. وتكرار هذه الآية في هذه السورة لطرد الغفلة، وتأكيد الحجة، وتذكير النعمة، وتقرير الكرامة من قولهم: كم نعمة كانت لكم، كم وكم، وكقولك لرجل أحسنت إليه بأنواع الأيادي، وهو ينكرها، ألم تكن نقيرًا فأغنيتك أفتنكر هذا، ألم تكن عريانًا فكسوتك أفتنكر هذا، ألم تكن خاملًا فعززتك، أفتنكر هذا؟ وهذا أسلوب كثير الاستعمال في كلام العرب. فكأنه تعالى قال: ألم أخلق الإنسان، وأعلمه البيان، وأجعل الشمس
стр. 13022
والقمر بحسبان، وأنوع الشجر، وأبدع الثمر، وأعممها في البدو والحضر لمن آمن بي وكفر، وأسقيها حينًا بالمطر، وآونة بالجداول والنهر أفتنكرون ذلك أيها الإنس والجن. وقد جاء ثل هذا في أشعارهم. انظر قول مهلهل يرثي أخاه كليبًا:
عَلَى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا مَاضِيْمَ جِيْرَانُ الْمُجِيْرِ
عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا خَرَجَتْ مُخَبَّأَةُ الْخُدُوْرِ
عَلَى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا خِيْفَ الْمَخُوْفُ مِنَ الْثُغُوْرِ
عَلَى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِنْ كُلَيْبٍ ... إِذَا مَا خَارَ جَأْشُ الْمُسْتَجِيْرِ
وهي قصيدة طويلة على هذا النسق، ولها نظائر أيضًا في رثائه، ولولا خشية التطويل لأوردنا شيئًا منها. وعدلًا؛ أي: مثلًا ونظيرًا.
والمعنى (١): أي فبأي النعم المتقدمة يا معشر الثقلين من الجن والإنس تكذّبان، وتنكران. والمراد من تكذيب آلائه: كفرهم بربهم؛ لأنَّ إشراكهم آلهتهم به تعالى في العبادة دليل عى كفرانهم بها. إِذ من حق النعم أن تشكر. والشكر إنما يكون بعبادة من أسداها إليهم، والتعبير بالرب للإشارة إلى أنها نعم صادرة من المالك المربي لهما الذي ينميهما أجسامًا وعقولًا، فهو الحقيق بالحمد والشكر على ما أولى وأنعم, والعبادة له دون سواه. وقال في "برهان القرآن": تكررت (٢) هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، ثمان منها ذكرها عقيب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق، ومعادهم، ثم سبع منها عقيب آيات فيها ذكر النار، وشدائدها على عدد أبواب جهنم. وحسن ذكر الآلاء عقيها؛ لأن في خوفها ودفعها نعمًا توازي النعم المذكورة؛ أو لأنها حلت بالأعداء، وذلك يعد من أكبر النعماء. وبعد هذه السبع ثمان في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمان أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما. فمن اعتقد الثاني الأولى، وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله تعالى، ووقاه الله تعالى السبع السابقة.
يقول الفقير: من لطائف أسرار هذا المقام: أن لفظ أل في أول اسم الرحمن المعنون به هذه السورة الجليلة دل على تلك الإحدى والثلاثين، انتهى. قال
стр. 13023
القتيبي: إنَّ الله عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه. ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم، ويقررهم بها، كما تقول لمن تتابع له إحسانك وهو يكفره: ألم تكن فقيرًا فأغنيتك ... إلخ.
ويسن لسامع القارىء لهذه السورة أن يجيبه كلما قرأ هذه الآية (١). وهي مكررة في أحد وثلاثين موضعًا بأن يقول: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد؛ لأن رسول الله ﷺ أقر الجن على ذلك الجواب فيما روي عن جابر ﵁: أنه قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها، قال: "ما لي أراكم سكوتًا، لَلجن كانوا أحسن منكم ردًّا ما قرأت عليهم هذه الآية مرة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ إلَّا قالوا ولا شيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد". أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب.
١٤ - ولما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير وهو السماء والأرض وما فيهما ذكر العالم الصغير, فقال: ﴿خَلَقَ﴾ الله ﴿الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: آدم. فالمراد بالإنسان هنا: آدم. قال القرطبي باتفاق من أهل التأويل: ولا يبعد أن يراد (٢) الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم. ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ أي: من طين يابس له صلصلة؛ أي: صوت إذا نقر لشدة يبسه. وقيل: هو طين خلط برمل. وقيل: هو الطين المنتن. ﴿كَالْفَخَّارِ﴾؛ أي: شبيه بالخزف الذي طبخ بالنار في صوته إذا نقر، كأنه (٣) صور بصورة من يكثر التفاخر، أو لأنه أجوف. وقد خلق الله آدم ﵇ من تراب جعله طينًا، ثم حمأً مسنونًا، ثم صلصالًا، ثم صب عليه ماء الأحزان، فلا ترى ابن آدم إلا ويكابد حزنًا.
والمعنى: أنه خلق الإنسان من طين يشبه في يبسه الخزف.
فإن قلت (٤): كيف قال ذلك هنا، وقال في الحجر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾؛ أي: من طين أسود متغير، وقال في الصافات: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾؛ أي: لازم يلصق باليد، وقال في آل عمران: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾؟
стр. 13024
قلت: الآيات كلها متفقة المعنى؛ لأنه تعالى خلقه من تراب، ثم جعله طينًا ثم حمأً مسنونًا، ثم صلصالًا. فهذه مراحل وأطوار في خلق الإنسان، وفي كل سورة إشارة إلى بعض هذه الأطوار. فإنه تعالى أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء، فصار طينًا لازبًا؛ أي: متلاصقًا يلصق باليد، ثم تركه حتى صار حمأً مسنونًا أي: طينًا أسود منتنًا، ثم يبس، فصار كالفخار، له صوت وصلصلة.
إيضاح هذا (١): أن الطين المطبوخ مركب من الطين والحرارة التي أنضجته وسوته لتخفظ كيانه، وهكذا الإنسان، له شهوة الطعام والشراب والتزاوج, لتبقى بنيته، وتدوم حياته بالمادة الأرضية التي اجتذبها النبات من الأرض، وله قوة غضبية تورثه الشجاعة والقوة؛ ليحافظ على بقائه وحياته، ويمنع عن نفسه عاديات الكواسر، ومهاجمات الجيوش، والأعداء المحيطة به من كل جانب. وهذه القوة في الإنسان تقابل طبخ الطعام ليصير فخارًا، فتتماسك أجزاوه، ولولاها لما استطاع المحافظة علي هيكله المنصوب، وجسمه المحبوب من الكواسر، وأهل القسوة من بني الإنسان. ولأصبح قتيلًا في الفلوات تأكله الطير، أو تهوي بأجزائه الريح في مكان سحيق. كما أن الطين إذا لم يطبخ يتفتت، وتذروه الرياح، أو يذوب في أجزاء الأرض.
١٥ - ﴿وَخَلَقَ﴾ سبحانه ﴿الْجَانَّ﴾؛ أي: الجن أو أبا الجن أو إبليس، وبه قال الضحاك. وفي "الكشف": الجان: أبو الجن، كما أن الإنسان أبو الإنس، وإبليس أبو الشياطين. ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾؛ أي: من لهب صاف من الدخان. وقال مجاهد: المارج: هو المختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر، والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا وقدت من مرج أمر القوم إذا اختلط واضطرب. فمعنى ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾ من لهب مختلط. ﴿مِنْ نَارٍ﴾ بيان لـ ﴿مَارِجٍ﴾. كأنه قيل: من صاف من نار، أو مختلط من نار. وفي "كشف الأسرار": خلق الجن من مارج من نار، والملائكة من نورها، والشياطين من دخانها.
أي (٢): وخلق الجن من النار الصافية المختلط بعضها ببعض، فمن لهب أصفر إلى أحمر إلى مثوب بالخضرة. فكما أن الإنسان من عناصر مختلفات
стр. 13025
فالجان من أنواع من اللهب مختلطات. ولقد اظهر الكشف الحديث أنَّ الضوء مركب من ألوان سبعة، ولفظ ﴿المارج﴾ يشير إلى ذلك، وإلى أن اللهب مضطرب دائمًا.
١٦ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾ أيها الثقلان أَمِمَّا أفاض عليكما في تضاعيف خلقكما من سوابغ النعم حتى صيركما أفضل المركبات، وخلاصة الكائنات، أم من غيره تكذبان، فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما من ذلك بنعم لا تحصى.
١٧ - ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ قرأ الجمهور (١) ﴿رَبُّ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الذي فعل ما ذكر من الأفاعيل البديعة رب مشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما، ومن قضيته ان يكون رب ما بينهما من الموجودات قاطبة. يعني: أن ذكر غاية ارتفاعهما، وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناولان ما بينهما، كما إذا قلت في وصف ملك عظيم الملك: له المشرق والمغرب، فإنه يفهم منه أن له ما بينهما أيضًا. وقيل: مبتدأ، خبره ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾، وما بينهما اعتراض. والأول أولى. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بالخفض بدلًا من ﴿رَبِّكُمَا﴾. قال في "كشف الأسرار": أحد المشرقين هو الذي تطلع منه الثمس في أطول يوم من السنة، والثاني الذي تطلع منه في أقصر يوم, وبينهما مئة وثمانون مشرقًا، وكذا الكلام في المغربين. وقيل: أحد المشرقين للشمس، والثاني للقمر.
فإن قلت (٢): لِمَ كرر ذكر الرب هنا دون سورتي المعارج والمزمل؟
قلت: كرره هنا تأكيدًا. وخص ما هنا بالتأكيد لأنه موضع الامتنان، وتعديد النعم، ولأن الخطاب فيه من جنسين، هما الإنس والجن، بخلاف ذينك.
والمعنى (٣): أي هو سبحانه رب مشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما اللذين يترتب عليهما تقلب الفصول الأربعة، وتقلب الهواء، وتنوعه, وما يلي ذلك من الأمطار، والشجر، والنبات، والأنهار الجاريات،
١٨ - فبأي نعمة من هذه النعم تكذبان أيها الثقلان، أفتنكران الأمطار وفوائدها؟ أم تكران ما لاختلاف الفصول من منافع
стр. 13026
فيها تختلف صنوف المزروعات من صيفية إلى شتوية، أم تنكران ما لاختلاف الأجواء من مزايا في تنظيم مزاج الإنسان والحيوان.
١٩ - ولما ذكر نعمه التي تترى على عباده في البر أعقبها بنعمه عليهم في البحر، فقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: أرسلهما من منبعهما، من مرجت الدابة إذا أرسلتها، وخليتها للرعي.
والمعنى: والله سبحانه أرسل البحر الملح، والبحر العذب ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ حال من البحرين، قريبة من الحال المقدرة؛ أي (١) حال كونهما يتجاوران، ويتماس سطوحهما، لا فصل بينهما في مرأى العين. وذلك كدجلة تدخل البحر، فتشقه، فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها. وقيل: أرسل بحر فارس والروم يلتيقان في المحيط؛ لأنهما خليجان يتشعبان منه. قال سعدي المفتي: وعلى هذا فقوله: ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ إما حال مقدرة إن كان المراد: إرسالهما إلى المحيط، أو المعنى: اتحاد أصليهما إن كان المراد: إرسالهما منه. فلكل وجه. وقال ابن جريج: هما البحر المالح، والأنهار العذبة. وقيل: بحر المشرق والمغرب. وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان. وقيل: بحر الأرض، وبحر السماء. قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام. وقيل: يلتقي طرفاهما.
والمعنى (٢): أنه أرسل كل واحد منهما يلتقيان؛ أي: يتجاوران، لا فصل بينهما في رأي العين، ومع ذلك فلم يختلطا,
٢٠ - ولهذا قال: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾؛ أي: حاجز من قدرة الله أو من الأرض يحجز بينهما. والجملة الاسمية يجوز أن تكون مستأنفة أو حالًا. ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾؛ أي: لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة، وإبطال الخاصية مع أن شأنهما الاختلاط على الفور، بل يبقيان على حالهما زمانًا يسيرًا مع أن شأنهما الاختلاط، وانفعال كل واحد منهما عن الآخر على الفور، أو لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما من الأرض لتكون الأرض بارزة يتخذها أهلها مسكنًا ومهادًا. فقوله: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ إما من الابتغاء، وهو الطلب؛ أي: لا يطلبان غير ما قدر لهما، أو من البغي، وهو مجاوزة كل واحد منهما ما حد له.
стр. 13027
والمعنى (١): أي أرسل سبحانه البحر الملح، والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا يبغي أحدهما على الآخر، فلا الملح يطغى على العذب فيجعله ملحًا، ولا العذب يجعل البحر الملح مثله. فقد حجر بينهما ربهما بحاجز من قدرته، أو بحاجز من الأجرام الأرضية، فترى نهر النيل بمصر يخرج من جبال الحبشة، ويجري شمالًا، حتى يصب في البحر الأبيض التوسط، ولا يبغي أحدهما على الآخر.
٢١ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١)﴾؛ أي: فبأيّ هذه المنافع تكذبان إذ لو بغى الملح على العذب لم نجد ماء للشرب، ولا لسقي الحيوان والنبات، ولم نجد ما نقتات به، فنهلك جوعًا. ولو بغى العذب على الملح .. لم نجد ما يصلح الهواء ويمنع عاديات الجراثيم التي فيه. وليس من البحرين شيء يقبل الكذيب لما فيه من الفوائد والعبر، هذا وهما جمادان لا نطق لهما, ولا إدراك، فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها العقلاء!.
وقال الخطيب: ومعنى ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾؛ أي: لا يتجاوز كل واحد منهما ما حده له خالقه، لا في الظاهر ولا في الباطن، حتى إن العذب الداخل في الملح باق على حاله لم يمتزج بالملح. فمتى حفرت في جنب الملح في بعض الأماكن .. وجدت الماء العذب. قال البقاعي: بل كلما قربت الحفرة من الملح كان الماء الخارج منها أحلى. فخلطهما الله تعالى في رأي العين، وحجز بينهما في غيب القدرة، اهـ.
٢٢ - ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾؛ أي: من البحرين ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾؛ أي: الدر المخلوق في الأصداف. ﴿وَالْمَرْجَانُ﴾؛ أي: الخرز الأحمر المشهور. وقيل: اللؤلؤ كبار الدر، والمرجان صغاره.
واعلم (٢): أنه إن أريد بالبحرين هنا بحر فارس، وبحر الروم، فلا حاجة في قوله: ﴿مِنْهُمَا﴾ إلى التأويل. إذ اللؤلؤ والمرجان بمعنييه يخرجان منهما. لأن كلا منهما ملح، ولا عذب في البحار السبعة إلا على قول من قال في الآية: يخرج من
стр. 13028
مالح بحري فارس والروم، ومن عذب بحر الصين. وفي "بحر العلوم": أنَّ اللؤلؤ يخرج من بحر فارس، والمرجان يخرج من بحر الروم. يعني: لا من كليهما. وقال أبو علي الفارسي: الكلام على حذف مضاف؛ أي: يخرجان من أحدهما، وهو المالح. لأنه إذا خرج من أحدهما .. فقد خرج منهما. كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى، وإنما تلده الأنثى. وقيل: يخرج؛ أي: يحدث، ويتكون من التقائهما واجتماعهما اللؤلؤ والمرجان كما قال الرازي: يكون العذب كاللقاح للملح. ونقل عن ابن عباس، وعكرمة مولاهُ: تتكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر؛ لأن الصدف تفتح أفواهها للمطر، فيكون الأصداف كالأرحام للنطف، وماء البحر كالجسد الغادي. ويدل على أنه من المطر ما اشتهر من أن السنة إذا أجدبت .. هزلت الحيتان، وقلت الأصداف والجواهر. وعلى هذا فالبحران: بحر السماء وبحر الأرض، فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر انعقد لؤلؤًا فصار خارجًا منهما.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَخْرُجُ﴾ مبيًا للفاعل. ونافع, وأبو عمرو، وأهل المدينة مبنيًا للمفعول. والجعفي عن أبي عمرو بالياء مضمومة، وكسر الراء؛ أي: يخرج الله. وعنه, وعن أبي عمرو، وعن ابن مقسم ﴿نخرج﴾ بالنون واللؤلؤ والمرجان نصب في هاتين القراءتين. وقرأ طلحة ﴿اللُّؤْلِؤُ﴾ بكسر اللام الثالثة. وهي لغة. وعبد الولي بقلب الهمزة المتطرفة ياء ساكنة بعد كسرة ما قبلها. وهي لغة، قاله أبو الفضل الرازي.
وقد ثبت في الكشف (٢): أن اللؤلؤ كما يستخرج من البحر الملح يستخرج من البحر العذب، وكذلك المرجان، وإن كان الغالب أنه لا يستخرج إلا من الماء الملح.
٢٣ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾؛ أي: فبأيّ هذه النعم تكذبان. فإن في ذلك من الآيات ما لا يستطيع أحد تكذيبه، ولا يقدر على إنكاره؛ أي: أبكثرة النعم من خلق المنانع في البحر، وإخراج الحلي العجيبة أم بغيرها.
٢٤ - ﴿وَلَهُ﴾ سبحانه السفن ﴿الْجَوَارِ﴾ في البحر. وهذه (٣) اللام لها معنيان:
стр. 13029
أحدهما: أنها لام الملك، والثاني: أنها لام الاستحسان والتعجب، كقولهم: لله أنت، لله درك كما في "كشف الأسرار". ﴿الْجَوَارِ﴾ (١) بكسر الراء. أصله: الجواري بالياء: جمع جارية. وهي السفن. وقرىء بحذف الياء ورفع الراء كقول الشاعر:
لَهَا ثَنَايَا أَرْبعٌ حِسَانُ ... وَأَرْبعٌ فَكُلُّهَا ثَمَانُ
والمعنى: وله السفن الجاريات في البحر. فحذف (٢) الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. قال ابن الشيخ: واعلم: أنَّ الأركان أربعة: التراب، والماء، والهواء، والنار. فالله بين بقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ أن التراب أصل لمخلوق شريف مكرم عجيب الشأن. وبين بقوله: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ أن النار أيضًا أصل لمخلوق آخر عجيب الآن. وبين بقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ أن الماء أيضًا أصل لمخلوق آخر، له قدر وقيمة. ثم ذكر أن الهواء له تأثير عظيم في جري السفينة كالأعلام، فقال: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾. وخصها بالذكر مع أن جميع ما في السموات والأرض له لا لغيره؛ لأنَّ جريانها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك فيقولون: "لك الفلك ولك الملك". وإذا خافوا الغرق دعوا خاصة. وسميت السفينة جارية؛ لأن شأنها الجري في البحر، وإن كانت واقفة في السواحل والمراسي. كما تُسَمَّى المملوكة أيضًا جارية؛ لأنَّ شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها.
وقرأ الجمهور: ﴿الْجَوَارِ﴾ بكسر الراء، وحذف الياء لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن مسعود، والحسن، وأبو عمر في رواية عنه برفع الراء تناسيًا للحذف. وقرأ يعقوب بإثبات الياء.
﴿الْمُنْشَآتُ﴾ قرأ الجمهور (٣) بفتح الشين اسم مفعول بمعنى المحدثات؛ أي: أنشأها الله تعالى, وأحدثها أو الناس أو المرفوعات الشرع؛ أي: القلع على أنه من أنشأه إذا رفعه. والشرع بضمتين: جمع شراع، نظير كتب وكتاب؛ أي: المرفوعات التي رفع بعض خشبها على بعض، وركب حتى ارتفعت وطالت، حتى صارت في
стр. 13030
البحر كالأعلام. وهي الجبال. ولا يبعد أن يكون معنى ﴿الْمُنْشَآتُ﴾؛ أي: المرفوعات على الماء، فتكون جارية على ما هي له. وقرأ الأعمش، وحمزة، وزيد بن عليّ، وطلحة، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشين؛ أي: الرافعات الشراع، أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن، أو التي تنىء السفر إقبالًا وإدبارًا، وشدد الشين ابن أبي عبلة، وقرأ الحسن ﴿المنشأة﴾ وحَّد الصفة، ودل على الجمع الموصوف، كقوله: أزواج مطهرة، وقلب الهمزة ألفًا.
والمعنى: وله الجواري المنشئات؛ أي: المصنوعات ﴿فِي الْبَحْر﴾ حالة كونها ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ جمع علم. وهو الجبل الطويل؛ أي: كالجبال الشاهقة عظمًا وارتفاعًا، وهو حال من ضمير ﴿الْمُنْشَآتُ﴾. والسفن في البحر كالجبال في البر، كما أن الإبل في البر كالسفن في البحر.
والمعنى: أي وله تعالى السفن الكبار التي رفعت شرعها في الهواء كالجبال الشاهقة تجري في البحر بما ينفع الناس، فتنقل المتاجر من بلد إلى آخر، والأقوات من إقليم هي كثيرة فيه إلى آخر هو محروم منها. وبذا يتم تبادل السلع، وسد حاجات الأمم في أقواتها ومشاربها.
٢٥ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾ أي: (١) فبأيّ هذه النعم تكذّبان أبخلق مواد السفن، أم بكيفية تركيبها، أم بإجرائها في البحر يابسات بأسباب لا يقدر عليها غيره سبحانه لقطع المسافات الكثيرة في الأوقات القليلة.
أي: عبادي هل ظننتم أن مجرد الإيمان كاف لكم في شكر هذه النعم؟ فهل خلقت الشمس والقمر، والنجم، والشجر، والزرع، والحب، والأنهار، والبحار، والدر، والمرجان لقوم لا يعقلون أم خلقتها لقوم يقبلون مني النعمة، وكيف يقبلونها دون أن يعرفوها.
٢٦ - ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾؛ أي: على الأرض من الحيوانات والمركبات. فعبر (٢) بمن تغليبًا للعقلاء أو من الإنس والجن. والضمير عائد على الأرض في قوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ وإن بعد. ﴿فَانٍ﴾؛ أي: هالك لا محالة. والفناء عبارة عن
стр. 13031
إعدام جميع الموجودات من حيوان وغيره.
ولما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك بنو آدم، فلما نزلت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أيقنوا بهلاك أنفسهم. فإن لهم أجسامًا لطيفة، وأرواحًا متعلقة بتلك الأجسام كأرواح الإنسان. وأما الأرواح المجردة المهيمنة العالية فلا تفنى.
٢٧ - ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾؛ أي: ذات ربك يا محمد أو أيها المخاطب. والوجه هنا بمعنى الذات, نظير قولهم: كرم الله وجهه؛ أي: ذاته. فالوجه عبارة عن العضو المعروف، استعير للذات؛ لأنه أشرف الأعضاء، ومجمع المشاعر، وموضع السجود، ومظهر آثار الخشوع.
قال القاضي: ولو استقريت جهات الموجودات، وتفحصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حد ذاتها، إلا وجه الله الذي يلي جهته، انتهى، أي: يلي مقصده، ويحتمل (١) أن يكون الوجه بمعنى القصد؛ أي: ويبقى كل ما يقصد، وينوى به الله سبحانه، وأن يكون بمعنى الجهة؛ أي: كل من عليها من الثقلين، وما اكتسبوه من الأعمال هالك منعدم إلا ما توجهوا به جهة الله، وعملوه ابتغاء لمرضاته.
وقوله: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾؛ أي: ذو الاصتغناء المطلق أو ذو العظمة في ذاته وصفاته. ومعناه: الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه. ﴿وَ﴾ ذو ﴿الْإِكْرَامِ﴾؛ أي: ذو الفضل التام، والطول العام، ومعناه: المكرم لأنبيائه وأوليائه وجميع خلقه بلطفه وإحسانه إليهم مع جلاله وعظمته، اهـ من "الخازن". صفة لوجه. وقرأ الجمهور ﴿ذُو﴾ بالواو صفة للوجه. وقرأ أبي، وعبد الله ﴿ذي﴾ بالياء صفة للرب. والظاهر: أن الخطاب في قوله: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾ للرسول ﷺ . وفيه تشريف عظيم له ﷺ . وقيل: الخطاب لكل سامع. ومعنى ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه، وعن أفعالهم، أو الذي يتعجب من جلاله، أو الذي عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده. قال الطيبي: كيف (٢) أفرد الضمير في قوله: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾، وثناه في ﴿رَبِّكُمَا﴾ والمخاطب واحد؟
قلت: اقتضى الأول تعميم الخطاب لكل من يصلح للخطاب لعظم الأمر وفخامته، فيندرج فيه الثقلان اندراجًا أوليًا، ولا كذلك الثاني، فتركه على ظاهره.
стр. 13032
والمعنى (١): أي إنَّ جميع أهل الأرض يذهبون ويموتون، وكذلك أهل السموات. ولا يبقى سوى وجه ربك الجليل الكريم، فإنه الحي الذي لا يموت أبدًا. قال قتادة: أنبأ بما خلق، ثم أنبأ أن ذلك كله فان. وقد ورد في الدعاء المأثور: "يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك نستغيت أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين, ولا إلى أحد من خلقك".
ثم وصف سبحانه نفسه بالاستغناء الحطلق، والفضل العام، وأنه ذو الجود والكبرياء، يعطي خلقه من النعم والإكرام ما يليق بحالهم، ولا يحجب فضله عن مخلوق خلقه، انظر إلى (٢) هذه النجوم الثواقب في ظلمات الليل تراها مشرقة ساطعة تتلألأ نورًا تشرح له الصدور، وتقر به العيون، فتتجلى لك عظمة الخالق وكبرياؤه، تموت الأحياء وتلك النجوم باقية، والأرض لم تتغير على ما نشاهد، وهذا مظهر الجلال والعظمة, جمال في النجوم، بهجة في الإشراق، مناظر باهرة، أنوار ساطعة، أجسام عظيمة، أحوال تتقلب، وأهوال تتعاقب، والناس من بينها يخرون صعقين. فهذا لعمرك هو الجلال والعظمة، فسبحان الخلاق العظيم!.
٢٨ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨)﴾؛ أي: فبأيّ هذه النعم تكذّبان، فالفناء باب للبقاء، وللحياة الأبدية، والنعم السرمدية، ولولا تحليل أجسامنا بالموت لتعطلت الحياة؛ إذ المادة الأرضية إذا بقيت على حال واحدة كانت قواها محدودة، لكن انبعاث الصور الكثيرة، وتعاقبها جيلًا بعد جيل يلبس المادة جميع الصور والأشكال، ويجعل العالم في تجدد مستمر، وقال مقاتل: وجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. انظر إلى بني الإنسان مثلًا إذ توالدوا جيلًا بعد جيل، ولم يمت منهم أحد فلا تمضي إلا أجيال معدودة، حتى يكون على القدم ألف قدم، وتمتلىء الأرض بالآدميين، فلا يكفيهم حيوان أرضي ولا نبات مأكول، ولا يجدون وسيلة للعيش، إلا أن يأكل بعضهم بعضًا، وتمتلىء الأرض رممًا آدمية من السغب والمخمصة.
стр. 13033
والخلاصة: أنّ في الفناء نعمتين: نعمة الرحعة بتعاقب الأجيال، ونعمة الخروج من سجن المادة إلى فسيح العالم الروحيّ، وإلى التمتع بنعيم آخر بعد الموت.
٢٩ - ولما كان ما ذكر يتضمن الافتقار المتجدد إليه تعالى أوضحه بقوله: ﴿يَسْأَلُهُ﴾ ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قاطبة من ملك وإنس وجن ما يحتاجون إليه من ذواتهم ووجوداتهم حدوثًا وبقاءً، وسائر أحوالهم سؤالًا مستمرًا بلسان المقال أو بلسان لحال، فلا يستغني أحد عنهم عنه تعالى. فإنهم من حيث حقائقهم الممكنة بمعزل عن استحقاق الوجود، وما يتفرع عليه من الكمالات بالمرة، بحيث لو انقطع ما بينهم وبين العناية الإلهية من العلائق .. لم يشموا رائحة الوجود أصلًا، فهم في كل آنٍ مستمرون على الاستدعاء والسؤال.
قال ابن عباس ﵁: فأهل السماء يسألونه لأهل الأرض المغفرة، وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة، وقيل: كل أحد يسأله الرحمة، وما يحتاج إليه في دينه أو دنياه، وفيه إشارة إلى كمال قدرته تعالى، وأن كل مخلوق وإن جل وعظم، فهو عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه، مفتقر إلى الله تعالى.
والحاصل: أنه يسأله كل مخلوق من مخلوقاته بلسان المقال، أو بلسان الحال ما يطلبونه من خيري الدنيا والآخرة أو من خيري إحداهما.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾؛ أي: كل وقت من الأوقات (١). وهو اليوم الإلهي الذي هو الآن الغير المنقسم. ﴿هُوَ﴾ ﴿فِي شَأْنٍ﴾ من الشؤون، وأمر من الأمور التي من جملتها إعطاء ما سألوا. فإنه تعالى لا يزال ينشىء أشخاصًا، ويفني آخرين، ويأتي بأحوال، ويذهب بأحوال من الغنى، والفقر، والعزة، والذلة، والنصب، والعزل، والصحة، والمرض، ونحو ذلك حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح البالغة. وانتصاب ﴿كُلَّ﴾ بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، والتقدير: استقر سبحانه في شأن كل وقت من الأوقات.
روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس ﵄ قال: إن مما خلق
стр. 13034
عز وجل لوحًا من درة بيضاء ودفتاه من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور ينظر الله فيه كل يوم ثلاث مئة وستين نظرة، يخلق ويرزق، يحيي ويميت، ويعز ويذل, ويفعل ما يشاء. فذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
وقال سفيان بن عيينة: الدهر عند الله سبحانه يومان:
يوم الدنيا، وشأنه فيه الاختبار بالأمر والنهي، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع.
وشأن يوم القيامة الجزاء والحساب، والثواب والعقاب.
وقال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت، ومعناه: أنه تعالى كتب ما يكون في كل يوم، وقدر ما هو كائن، فإذا جاء ذلك الوقت تعلقت إرادته بالفعل، فيوجده في ذلك الوقت.
وعن عبد الله بن منيب قال: تلا علينا رسول الله ﷺ هذه الآية، فقلنا: يا رسول الله وما ذلك الشأن؟ قال: "أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين". أخرجه الحسن بن سفيان، والبزّار، وابن جرير، والطبراني، وأبو نعيم، وابن عساكر. وسأل عبد الله بن طاهر الحسين بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وما صح من قوله ﷺ : "جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة". فقال: شؤون يبديها, لا شؤون يبتديها.
والحاصل (١): أنّ المادّة دائمًا تلبس جديدًا، وتخلع قديمًا. فأجسامنا، وأجسام الحيوان على هذا المنوال فهما في حاجة إلى بقاء الأجسام، وتغذيتها. وإذا انحل جسم افتقر إلى شيء يعوض ما ذهب. فالتغيرات المستمرة افتقار، وهذا الافتقار مستمر في كل لحظة. وذلك يدعو إلى السؤال من الواهب المعطي، إما بالنطق، وإما بتوجه النفس، وطلبها العون والمدد والفيض من فضله.
وجماع القول: أنّ المادّة مفتقرة إلى بقاء ما يناسبها، فالنبات في كل لحظة مفتقر إلى ما يبقيه من ماء، وهواء، ومواد أخرى، والحيوان يطلب ما يحتاج إليه، والإنسان يسأل ما هو في حاجة إليه إما سؤال حال، وإما سؤال مقال في كل وقت
стр. 13035
وأوان.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فمن شؤونه أنه يحيى ويميت، يخلق ويرزق، يعز ويذل، يمرض ويشفي، يعطي ويمنع، يغفر ويعاقب، يرحم ويغضب إلى نحو أولئك. ومن شؤونه إعطاء أهل السموات والأرض ما يطلبون منه على اختلاف حاجاتهم، وتباين أغراضهم.
٣٠ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾ مع مشاهدتكم لما ذكر من إحسانه، أي: فبأيّ هذه النعم تكذّبان. فكم من سؤال أجبته، وكم من جديد أحدثته، وكم من ضعيف في الحياة أرحته، إما بصحة تسعده، أو بموت من سجن المادة يخرجه.
٣١ - ولما ذكر تعالى ما أنعم به من تعليم العلم، وخلق الإنسان والسماء والأرض، وما أودع فيهما، وفناء ما على الأرض ذكر ما يتعلق بأحوال الآخرة، والجزاء. فقال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾؛ أي (١): سنتجرد لحسابكم وجزائكم يوم القيامة عند انتهاء شؤون الخلق المشار إليها بقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. فلا يبقى حينئذٍ إلا شأن واحد. وهو الجزاء. فعبر عنه بالفراغ لهم على المجاز المرسل. فإن الفراغ يلزمه التجرد، وإلا فليس المراد الفراغ من الشغل؛ لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن. وقيل: هو مستعار من قول المهدد لصاجه سأفرغ لك؛ أي: سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه. والمراد: التهيؤ للنكاية فيه، والانتقام منه، وعلى هذا فالخطاب للمجرمين منهما، بخلافه على الأول.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿سَنَفْرُغُ﴾ بنون العظمة، وضمّ الراء، من فرغ بفتح الراء. وهي لغة الحجاز. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو حيوة، وزيد بن عليّ بالتحتية مفتوحة مع ضمّ الراء؛ أي: ﴿سيفرُغ﴾ الله تعالى لكم. وقرأ قتادة، والأعرج بالنون وفتح الراء، مضارع فرغ بكسرها. وهي لغة تميمية، وقرأ عيسى الثقفي، وأبو السمال بكسر النون وفتح الراء، قال أبو حاتم: وهي سفلى مضر. وقرأ الأعمش، وأبو حيوة بخلاف عنهما، وابن أبي عبلة، والزعفراني وإبراهيم بضم الياء وفتح الراء مبنيًا للمفعول. وقرأ عيسى أيضًا بفتح النون وكسر الراء، والأعرج أيضًا بفتح الياء، وفتح الراء، وهي رواية يونس، والجعفي وعبد الوارث عن أبي عمرو.
стр. 13036
﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾؛ أي: أيها الإنس والجن. سميا (١) بذلك لأنهما ثقلا الأرض. يعني: أنهما شبها بثقل الدابة. وفي حواشى ابن الشيخ: شبه الأرض بالحمولة التي تحمل الأثقال، والإنس والجن جعلا أثقالًا محمولة عليها، وجعل ما سواهما كالعلاوة، أو لرزانة آرائهما، أو لأنهما مثقلان بالتكليف أو لعظم قدرهما في الأرض. كما في الحديث: "إني خلفت فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي". وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهما يثقلان بالذنوب، أو لما فيهما من الثقل. وهو عين تأخرهما بالوجود؛ لأنَّ من عادة الثقيل الإبطاء، كما أن من عادة الخفيف الإسراع، والإنس أثقل من الجن، للركن الأغلب عليهم أو لثقل الإنس، وسمي الجن ثقلًا لمجاورة الأنس.
وجمع في قوله (٢): ﴿لَكُمْ﴾، ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾؛ لأنهما فريقان. وكل فريق جمع. وقرأ الجمهور ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ بفتح الهاء. وقرأ أهل الشام بضمها.
٣٢ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ التي من جملتها التنبيه على ما سيلقونه يوم القيامة للتحذير عما يؤدي إلى سوء الحساب ﴿تُكَذِّبَانِ﴾ بأقوالكما, وأفعالكما. قال في "كشف الأسرار": اعلم: أن بعض هذه السورة ذكر فيه الشدائد والعذاب والنار، والنعمة فيها من وجهين:
أحدهما: في صرفه عن المؤمنين إلى الكفار. وتلك نعمة عظيمة تقتضي شكرًا عظيمًا.
والثاني: أن في التخويف منها، والتنبيه عليها نعمة عظيمة. لأن اجتهاد الإنسان رهبة مما يؤلمه أكثر من اجتهاده رغبة فيما ينعمه.
والمعنى (٣): أي سنقصد لحسابكم، ومجازاتكم على أعمالكم, وهذا وعيد شديد، وتهديد من الله لعباده. كما يقول القائل لمن يهدده: إذًا أتفرغ لك؛ أي: أقصد قصدك، والفراغ هنا بحعنى القصد للشيء، لا بمعنى الفراغ منه؛ إذ معنى الفراغ من الشيء بذل الحجهود فيه. وهذا لا يقال في حقه تعالى، هذا وإن شأن
стр. 13037
الآخرة ما هو إلا شأن من الشؤون، فلا يشغله شأن عن شأن، وهو القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾، والقائل: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾. فبأيّ نعم ربكما تكذبان يا معشر الثقلين. ومن جملتها التنبيه إلى ما ستلقونه من الجزاء في هذا اليوم تحذيرًا مما سيؤدي إلى سوء الحساب، وشديد العقاب.
٣٣ - ثم ذكر أنه لا مهرب في هذا اليوم من جزاء كل عامل على عمله، فقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾؛ أي: يا جماعة الإنس والجنّ. وهذا (١) كالترجمة لقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ خوطبا باسم جنسهما لزيادة التقرير؛ ولأنّ الجن مشهورون بالقدرة على الأفاعيل الشاقة. فخوطبوا بما ينبىء عن ذلك؛ لبيان أن قدرتهم لا تفي لما كلفوه. والمعشر: الجماعة العظيمة، كما سيأتي في مبحث اللغة. وقدم الجن على الإنس في هذه الآية لتقدم خلقه. لأن أباهم الجان خلق قبل آدم. وقدم الإنس على الجن في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ لفضله. فإن التقديم يقتضي الأفضلية.
قال ابن الشيخ: لما بين الله تعالى أنه سيجيء وقت يتجرد فيه لمحاسبتهم ومجازاتهم، وهددهم بما يدل على شدة اهتمامه بها، كان مظنة أن يقال: فلم ذلك مع ما له من كمال الاهتمام به؟ فأشار إلى جوابه بما محصوله: هم جميعًا في قبضة قدرته وتصرفه، لا يفوته منهم أحد، فلم يتحقق باعث يبعثه على الاستعجال؛ لأن ما يبعث المستعجل إنما هو خوف الفوات، وحيث لم يخف ذلك قسم الدهر كله إلى قسمين. أحدهما: مدة أيام الدنيا، والآخر: يوم القيامة. وجعل المدة الأولى أيام التكليف والابتلاء، والمدة الثانية للحساب والجزاء. وجعل كل واحدة من الدارين محل الرزايا، والمصائب، ومنبع البلايا، والنوائب. ولم يجعل لواحد من الثقلين سبيلًا للفرار منهما، والهرب مما قضاه فيهما. فقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ متعلق بقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾، فكانا بمنزلة كلام واحد.
﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ لم يقل (٢): إن استطعتما بلفظ التثنية؛ لأن كل واحد منهما فريق، كقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: كل فريق منهم يختصم فجمع الضمير هنا نظرًا إلى معنى الثقلين، وثناه في قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ كما سيأتي نظرًا
стр. 13038
إلى اللفظ؛ أي: إن قدرتم على ﴿أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض، ونواحيهما هاربين من الله تعالى، فارين من قضائه ﴿فَانْفُذُوا﴾؛ أي: فاخرجوا منها، وخلصوا أنفسكم من عقابي، وهو أمر تعجيز، والمراد: أنهم لا يفوتونه، ولا يعجزونه، حتى لا يقدر عليهم.
والمعنى (١): إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض فاهربوا، واخرجوا منها، فحيثما كنتم يدرككم الموت. وقيل: يقال لهم: هذا يوم القيامة.
والمعنى: إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فاخرجوا. وقيل: معناه: إن استطعتم أن تهربوا من قضائي، وتخرجوا من ملكي، ومن سمائي وأرضي فافعلوا.
ثم قال تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ﴾؛ أي: لا تقدرون على النفوذ والخروج ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾؛ أي: إلا بقوّة، وقهر، وغلبة. وأنى لكم ذلك؟ لأنكم حيثما توجهتم كنتم في ملكي وسلطاني، وأنتم من ذلك بمعزل بعيد.
وقال ابن عباس ﵄: معناه: إن استطعتم ان تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا, ولن تعلموه إلا بسلطان؛ أي: إلا ببينة من الله تعالى نصبها، فتعرجون عليها أفكاركم، روي: أن الملائكة تنزل، فتحيط بجميع الخلائق، فيهرب الإنس والجن، فلا يأتون وجهًا إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، فتقول لهم الملائكة ذلك، فكما لا يقدر أحد على الفرار يوم القيامة، كذلك لا يقدر في الدنيا، فيدركه الموت والقضاء لا محالة.
٣٤ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ التي من جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير والتهديد. فإنها تزيد المحسن إحسانًا، وتكف المسيء عن إساءته. والمساهلة والعفو مع كمال الفدرة على العقوبة. ﴿تُكَذِّبَانِ﴾ وتنكران، وقرأ الجمهور ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ على خطاب الجماعة. لأنّ كلًّا من الفريقين تحته أفراد كثيرة، كقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. وقرأ زيد بن علي ﴿إن استطعتما﴾ على خطاب تثنية الثقلين، ومراعاة
стр. 13039
الجن والإنس.
والخلاصة (١): أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض هاربين من عقاب الله، فارين من عذابه فافعلوا، والمراد أنكم لا تسطيعون ذلك. فهو محيط بكم لا تقدرون على الخلاص منه، فأينما ذهبتم أحيط بكم. ثم بين السبب في عدم إمكان الهرب، فقال: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾؛ أي: إنّ المهرب إنما يكون بالقوة والقهر، وأنى لكم بهما، وممن تستمدونهما، وأنتم لا تجدون إذ ذاك حولًا ولا طولًا. فبأيّ نعم ربكما التي من جملتها التحذير، والتهديد تكذّبان مع أن من حذركم، وأنذركم قادر على الإيقاع بكم دون مهلة، والعفو عن المذنب مع كمال القدرة عليه من أجل النعم التي يسديها الله تعالى إلى عباده.
٣٥ - ثم بين السبب في طلب المهرب فقال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ أيها الثقلان ﴿شُوَاظٌ﴾؛ أي: لهب خالص لا دخان فيه. وقيل: هو اللهب الأخضر المنقطع من النار ﴿مِنْ نَارٍ﴾ صفة لشواظ ﴿وَنُحَاسٌ﴾؛ أي: دخان لا لهب معه أو صفر مذاب يصب على رؤوسهم، يسوقانكما إلى المحشر. ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾؛ أي: لا تمتنعان من ذلك العذاب؛ أي: لا تقدران على الامتناع من عذاب الله تعالى.
والمعنى: أي يُصب عليكما ألوان من النيران، فمن لهب خالص يضيء كضوء السراج إلى نار مختلطة بالدخان، فلا تستطيعان المهرب منها، بل يسوقكم إلى المحشر سوقا.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يُرْسَلُ﴾ بالتحتية، مبنيًا للمفعول. وقرأ زيد بن عليّ ﴿نُرْسل﴾ بالنون مبنيًا للفاعل، ﴿عَلَيْكُمَا شُواظًا﴾ بالنصب من نار، و ﴿نحاسا﴾ بالنصب عطفًا على ﴿شواظًا﴾. وقرأ الجمهور ﴿شُوَاظٌ﴾ بضم الشين. وقرأ عيسى، وابن كثير وشبل بكسرها. وقرأ الجمهور ﴿وَنُحَاسٌ﴾ بالرفع عطفًا على شواظ، وقرأ ابن أبي إسحاق، والنخعيّ، وابن كثير، وأبو عمرو بالجر عطفًا على نار. وقرأ الكلبي، وطلحة، ومجاهد بكسر نون نحاس والسين. وقرأ ابن جبير ﴿ونحس﴾ كما تقول: يوم نحس. وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق أيضًا
стр. 13040
بالحركات الثلاث في الحاء على التخيير. وقرأ حنظلة بن نعمان، ﴿ونَحسِ﴾ بفتح النون وكسر السين. وقرأ الحسن، وإسماعيل ﴿ونُحُسٌ﴾ بضمتين والكسر.
والنحاس (١): الصفر المذاب، يصب على رؤوسهم، قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما، وقال سعيد بن جبير: هو الدخان الذي لا لهب له، وبه قال الخليل، وقال الضحاك: هو درديُّ الزيت المغلي، وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة، وقيل: هو المهل.
٣٦ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؛ أي: فبأيّ هذه النعم ﴿تُكَذِّبَانِ﴾ فإن التهديد لطف. والتمييز بين المطيع والعاصي بالإنعام على الأول، والانتقام من الثاني من أجل نعم الإله القادر على جزاء عباده.
٣٧ - ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾؛ أي: انصدعت يوم القيامة، وانفك بعضها من بعض لقيام الساعة أو انفرجت، فصارت أبوابًا لنزول الملائكة، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾؛ أي: صارت كوررة حمراء في اللون، وهي الزهرة المعروفة التي تشم، والغالب على الوردة الحمرة، قال الماوردي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل، وبعد المسافة ترى بهذا اللون الأزرق. ﴿كَالدِّهَانِ﴾ خبر ثان لكانت، أي (٢): كدهن الزيت، فكانت في حمرة الوردة، وفي جريان الدهن؛ أي: تذوب، وتجري كذوبان الدهن وجريه، فتصير حمراء من حرارة جهنم، وتصير مثل الدهن في رقته, وذوبانه. وهو إما جمع دهن أو اسم لما يدهن به كالإدام لما يؤتدم به. وجواب إذا محذوف؛ أي: يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به دائرة المقال. قال سعدي المفتي: ناصب إذا محذوف؛ أي: كان ما كان من الأمر الهائل الذي لا يحيط به نطاق العبارة، أو رأيت أمرًا عظيمًا هائلًا. وبهذا الاعتبار تتسبب هذه الجملة عما قبلها؛ لأن إرسال الواظ يكون سببًا لحدوث الأمر الهائل أو رؤيته في ذلك الوقت.
٣٨ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مع عظم شأنها؛ فإن من جملتها ما في هذا
стр. 13041
التهديد والتخويف من حسن العاقبة بالإقبال على الخير، والإعراض عن الشر. وقرأ عبيد بن عمير ﴿وَرْدَةً﴾ بالرفع بمعنى: فحصلت سماء وردة. وهو من الكلام الذي يسمى بالتجريد.
٣٩ - ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾؛ أي (١): يوم إذا انشقت السماء حسب ما ذكر ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ لأنهم يعرفون بسيماهم، فلا يحتاج في تمييز المذنب عن غيره إلى أن يسأل عن ذنبه إن أراد أحد أن يطلع على أحوال أهل المحشر، وذلك أول ما يخرجون من القبور، ويحشرون إلى الموقف فوجًا فوجًا على اختلاف مراتبهم. وأما قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ ونحوه في موقف المناقشة والحساب. وعن ابن عباس ﵄: لا يسألهم هل عملتم كذا، وكذا. فإنه أعلم بذلك منهم، ولكن يسألهم لم عملتم كذا، وكذا، وعنه أيضًا: لا يسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ. وضمير ﴿ذَنْبِهِ﴾ للإنس لتقدمه رتبةً. وإفراده لما أن المراد فرد من الإنس. كأنه قيل: لا يسأل عن ذنبه إنسي ولا جني. وأراد بالجان: الجن، كما يقال: تميم، ويراد ولده.
والمعنى (٢): فيوم إذ انشقت السماء لا يسأل أحد من الإنس، ولا من الجن عن ذنبه. لأنهم يعرفون عند خروجهم من قبورهم. ونحو الآية قوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. والجمع بين هذه الآية، وبين نحو قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ أنَّ ما هنا يكون في موقف، والسؤال يكون في موقف آخر. لأن لأن مواقف القيامة مختلفة الأحوال والأهوال. وقرأ الحسن (٣)، وعمرو بن عبيد ﴿ولا جأن﴾ بالهمز فرارًا من التقاء الساكنين, وإن كان التقاؤهما على حده.
٤٠ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠)﴾؛ أي: فبأيّ هذه النعم تكذّبان؛ فإن تخويف المجرم نعمة عليه، حتى يرتدع عن ذنبه، ويثوب إلى رشده، ويثوب إلى ربه.
٤١ - وجملة قوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل عدم السؤال. والسيماء: العلامة، كما سيأتي؛ أي: يعرف المشركون يومئذٍ بعلاقاتهم، وهي سواد
стр. 13042
الوجوه، وزرقة العيون، وقيل: بما يعلوهم من الكآبة والحزن، كما يعرف الصالحون بأضداد ذلك، وقرأ حماد بن أبي سليمان ﴿بسيمائهم﴾ بالمد, والجمهور ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ بالقصر.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي﴾ جمع ناصية (١). وهي مقدم الرأس، والمراد هنا: شعرها، والجار والمجرور هو القائم مقام الفاعل. ﴿وَالْأَقْدَامِ﴾ جمع قدم. يقال: أخذه إذا كان المأخوذ مقصودًا بالأخذ، ومنه: قوله تعالي: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، ونحوه. وأخذ به إذا كان المأخوذ شيئًا من ملابسات المقصود بالأخذ. ومنه: قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾، وقول المستغيث: خذ بيدي أخذ الله بيدك.
والمعنى: تأخذ الملائكة بنواصيهم؛ أي: بشعور مقدم رؤوسهم، وأقدامهم، فيقذفونهم في النار, أو تسحبهم الملائكة إلى النار تارةً تأخذ بالنواصي، وتجرهم على وجوههم، أو يجمع بين نواصيهم وأقدامهم في سلسلة من وراء ظهورهم.
٤٢ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢)﴾ من المواعظ والزواجر، فإن من جملتها هذا الترهيب الشديد، والوعيد البالغ الذي ترجف له القلوب، وتضطرب لهوله الأحشاء.
والمعنى (٢): أي يعرف المجرمون حينئذٍ بعلامات يمتازون بها عن سواهم، فلا حاجة حينئذٍ إلى السؤال والجواب؛ لأنَّ السيما ميزت كل مجرم بنوع جرمه، ولقد اهتدى الإنسان بعقله إلى فوائد هذه العلامات في الدنيا، فأنشأت الحكومات إدرات خاصة لعلامات المشتبه في سلوكهم, ومعتادي الإجرام فتأخذ إبهاماتهم, وتحفظها في أضابير خاصة بهم. ولكل امرىء خطوط في إبهامه، لا تشابه خطوط غيره فيه، ولا يحصل فيها التباس، فمتى أحدث أحدهم حدثًا، وجاء بجرم روجع ملفه الخاص, واستخرجت صورة إبهامه من ملفه، وطبقت على الصورة الخارجية، ولاقى في المحاكم ما يستحقه من عقاب.
والخلاصة: أنّ لكل امرىء أحوالًا تخصه في جسمه، وعقله، وأخلاقه. يعرف الناس منها الآن قليلًا، وبقية علمها عند الله تعالى، يعلمها ملائكته يوم القيامة، فيعرفون المجرمين بها.
стр. 13043
ثم تسحبهم الملائكة تارة بأخذ النواصي، وأخرى بأخذ الأقدام. روي عن الضحاك: أن الملك يجمع بين ناصية أحدهم وقدميه في سلسلة من وراء ظهره، ثم يكسر ظهره، ويلقيه في النار، وقيل: تأخذ الملائكة ﵈ بعضهم سحبًا بالناصية، وبعضهم سحبًا بالقدم، ولا نجزم بشيء من ذلك إلا بالنص القاطع، وهذا الوضع معهم سبيل من سبل الإهانة، والإذلال، والنكال.
٤٣ - ويقال لهم على سبيل التأنيب والتوبيخ: ﴿هَذِهِ﴾ النار التي تلقون فيها الآن ﴿جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: جهنم التي كنتم تكذبون بها في الدنيا، فها أنتم الآن قد شاهدتموها، ورأيتموها رأي العين. فذوقوا عذابها، وهذه الجملة مستأنفة (١) واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا يقال لهم عند الأخذ بالنواصي والأقدام؟ فقيل: يقال لهم: هذه جهنم تقريعًا لهم، وتوبيخًا.
٤٤ - وجملة قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا﴾؛ أي: بين جهنم، فتحرقهم ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ فتصب على وجوههم. حال من المجرمين أو مستأنفة؛ أي: يدورون بين النار، يحرقون بها، وبين حميم آن؛ أي: ماء بالغ من الحرراة أقصاها ونهايتها، يصب عليهم أو يسقون منه؛ أي: يطوفون من النار إلى الحميم، ومن الحميم إلى النار دهشًا وعطشًا أبدًا. والحميم: الماء الحار. والآني الذي قد انتهى حره، وبلغ غايته، من أنى يأني فهو آنٍ. مثل: تضى يقضي فهو قاض. قال أبو الليث: يسلط عليهم الجوع، فيؤتى بهم إلى الزقوم التي طلعها كرؤوس الشياطين، فأكلوا منها، فأخذت في حلوقهم، فاستغائوا بالماء، فأوتوا به من الحميم. فإذا قربوه إلى وجوههم تناثر لحم وجوههم، ويشربون، فتغلي أجوافهم، ويخرج جميع ما فيها. ثم يلقى عليهم الجوع، فمرة يذهب بهم إلى الجحيم، ومرة إلى الزقوم، وقيل: هو واد من أودية جهنم، يجمع فيه صديد أهل النار، فيغمسون فيه،
٤٥ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾ فإنَّ من جملتها النعمة الحاصلة بهذا التخويف، وما يحصل به من الترغيب في الخير، والترهيب من الشر.
فإن قلت (٢): هذه الأمور المذكورة في هذه الآيات من قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ إلى هنا ليست نعمًا، فكيف عقبها بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢)﴾؟
стр. 13044
قلت: المذكور في هذه الآيات مواعظ، وزواجر، وتخويف. وكل ذلك نعمة من الله تعالى, لأنها تزجر العبد عن المعاصي، فصارت نعمًا. فحسن ختم كل آية منها بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
وقرأ عليٌّ، والسلميّ (١): ﴿يطافون﴾. والأعمش، وطلحة، وابن مقسم ﴿يُطوِّفون﴾ بضم الياء، وفتح الطاء، وكسر ﴿الواو﴾ مشدّدة. وقرىء ﴿يطوفون﴾ أصله: يتطوفون. وقرأ الجمهور ﴿يَطُوفُونَ﴾ مضارع طاف الثلاثي.
الإعراب
﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾.
﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾ مبتدأ، وجملة ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ خبره. وقد تعددت الأخبار في الأفعال التي وردت خالية من العاطف على نمط التعديد وإقامة الحجة على الكافرين. وهذا عند من لا يرى ﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾ آية. ومن عدّها آية أعرب ﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الله الرحمن أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي. الرحمن ربّنا. و ﴿عَلَّمَ﴾ يتعدّى إلى مفعولين، حذف أولهما لشموله؛ أي: علم من يتعلم. وهذا أولى من تخصيص المفعول الأول المحذوف بواحد معين. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة معطوفة بعاطف مقدر على جملة ﴿عَلَّمَ﴾، على كونها خبر المبتدأ. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعولان، معطوف على جملة ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾. ﴿الشَّمْسُ﴾ مبتدأ، ﴿وَالْقَمَرُ﴾ معطوف عليه، ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ خبر المبتدأ. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾. ﴿وَالنَّجْمُ﴾ الواو: عاطفة، ﴿النَّجْمُ﴾ مبتدأ، ﴿وَالشَّجَرُ﴾ معطوف عليه، وجملة ﴿يَسْجُدَانِ﴾ خبر المبتدأ، وما عطف إليه. والجملة معطوفة على جملة ﴿الرَّحْمَنُ﴾. ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا يفسّره المذكور بعد، أي: ورفع السماء.
стр. 13045
والجملة معطوفة على جملة ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾. ﴿رَفَعَهَا﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة مفسّرة، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾ مصدرية، ﴿لا﴾ نافية، ﴿تَطْغَوْا﴾ فعل مضارع منصوب بأن المصدرية، والواو: فاعل. والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المقدّرة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿وضع﴾، على كونه مفعولًا لأجله؛ أي: وضع لأجل عدم طغيانكم. ويجوز أن تكون ﴿أن﴾ مفسّرة، و ﴿لا﴾ ناهية، و ﴿تَطْغَوْا﴾ مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. فإن قيل: إنَّ من شرط المفسرة أن تكون مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه. قلنا: إنّ ﴿وَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ يستدعي كلامًا من الأمر بالعدل فيه. ﴿فِي الْمِيزَانِ﴾ متعلقان بـ ﴿تَطْغَوْا﴾.
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾.
﴿وَأَقِيمُوا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أَقِيمُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل، ﴿الْوَزْنَ﴾ مفعول به، ﴿بِالْقِسْطِ﴾ حال من الوزن؛ أي: أقيموه حال كونه متلبسًا بالقسط والعدل. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا﴾. ﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿لا﴾ ناهية، ﴿تُخْسِرُوا﴾ فعل، وفاعل، مجزوم بلا الناهية، ﴿الْمِيزَانَ﴾ مفعول به. والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿وَالْأَرْضَ﴾ الواو: عاطفة، ﴿الْأَرْضَ﴾ منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: ووضع الأرض. والجملة معطوفة على جملة ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾. ﴿وَضَعَهَا﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿لِلْأَنَامِ﴾ متعلق به والجملة مفسرة، لا محل لها من الإعراب. ﴿فِيهَا﴾ خبر مقدم, ﴿فَاكِهَةٌ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة في محل النصب، حال من الأرض. ﴿وَالنَّخْلُ﴾ معطوف على فاكهة، ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ صفة لـ ﴿النَّخْلُ﴾، ﴿وَالْحَبُّ﴾ معطوف على ﴿فَاكِهَةٌ﴾، ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾ صفة لـ ﴿الْحَبُّ﴾، ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ معطوف على ﴿فَاكِهَةٌ﴾ أيضًا. هذا على قراءة الرفع. وأما على قراءة النصب، فالثلاثة منصوبة بفعل محذوف، تقديره: خلق. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم من النعم،
стр. 13046
وأردتم تذكيركم وتنبيهكم فأقول لكم: بأيّ آلاء ربكما. ﴿بأي﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿أيّ﴾ مضاف ﴿آلَاءِ﴾ مضاف إليه، ﴿آلَاءِ﴾ مضاف، ﴿رَبِّكُمَا﴾ مضاف إليه، ﴿تُكَذِّبَانِ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبات النون، وألف التثنية فاعل، والخطاب للثقلين: الإنس والجن. والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. والاستفهام فيه للتقرير.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ فعل، وفاعل مستتر، يعود على الله، ومفعول به، ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾، ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ صفة لصلصال. والجملة الفعلية مستأنفة، مسوقة لتوبيخهم على إخلائهم بواجب شكر المنعم على إنعامه. ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾. ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾ متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾، و ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، ﴿مِنْ نَارٍ﴾ صفة لـ ﴿مَارِجٍ﴾، و ﴿مِنْ﴾ للبيان أو للتبعيض. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعراب هذه الآية آنفًا. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو رب المشرقين، ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ معطوف عليه، والجملة مستأنفة. وقيل: هو مبتدأ, خبره جملة ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾. والأوّل أولى. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعرابها. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ فعل ماض, وفاعل مستتر، ومفعول به. والجملة الفعلية مستأنفة. وجملة ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ في محل النصب حال من البحرين. وهي قريبة من الحال المقدرة. ويجوز أن تكون مقارنة. ﴿بَيْنَهُمَا﴾ ظرف, ومضاف، متعلق بمحذوف، خبر مقدم، ﴿بَرْزَخٌ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة في محل النصب، حال من الضمير في ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾، أو مستأنفة. ﴿لَا﴾ نافية، ﴿يَبْغِيَانِ﴾ فعل، وفاعل، والجملة في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾. ومعنى ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ كل منهما لا يتعدى حدوده. فالعذب منفرد بعذوبته, والملح منفرد بملوحته. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدّم إعرابها. ﴿يَخْرُجُ﴾ فعل مضارع، ﴿مِنْهُمَا﴾ متعلق بـ ﴿يَخْرُجُ﴾، ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾ فاعل، ﴿وَالْمَرْجَانُ﴾ معطوف عليه. والجملة مستأنقة. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدّم إعرابها.
стр. 13047
﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾.
﴿وَلَهُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿له﴾ خبر مقدم، ﴿الْجَوَارِ﴾ مبتدأ موخر، مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها الثقل؛ لأنّه اسم منقوص، وحذفت الياء خطًّا تبعًا لرسم المصحف العثماني. والجملة مستأنفة. ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ صفة لـ ﴿الْجَوَارِ﴾، ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ متعلق بـ ﴿الْمُنْشَآتُ﴾. ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ حال من الجوار أو من الضمير في ﴿الْمُنْشَآتُ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدّم إعرابها. ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، في محل الجر مضاف إليه، ﴿عَلَيْهَا﴾ جار ومجرور، صلة لمن الموصولة. ﴿فَانٍ﴾ خبر ﴿كُلُّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلّص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها الثقل؛ لأنه اسم منقوص. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَيَبْقَى﴾ الواو: عاطفة، ﴿يَبْقَى﴾ فعل مضارع، ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾ فاعل، ومضاف إليه. والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية ﴿ذُو﴾ صفة: لـ ﴿وَجْهُ﴾، ﴿الْجَلَالِ﴾ مضاف إليه، ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ معطوف على الجلال. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعرابها. ﴿يَسْأَلُهُ﴾ فعل مضارع، ومفعول أوّل، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: يسأله من في السموات المغفرة لأهل الأرض، ومن في الأرض المغفرة والرزق. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، فاعل، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ صلته، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على السماوات. والجملة مستأنفة. ولك أن تجعله حالًا من ﴿وَجْهُ﴾، والعامل فيه ﴿يَبْقَى﴾؛ أي: يبقى وجه ربّك حال كونه مسؤولًا لأهل السموات والأرض. ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ ظرف، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر هو، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿فِي شَأْنٍ﴾ خبره. والجملة مستأنفة. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدّم إعرابها.
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾.
﴿سَنَفْرُغُ﴾ السين: حرف استقبال، ﴿نفرغ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، يعود
стр. 13048
على الله، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نفرغ﴾. والجملة مستأنفة. مسوقة للتهديد والوعيد. ﴿أَيُّهَ﴾ ﴿أيّ﴾ منادى نكرة مقصودة، حذف منه حرف النداء، والهاء: حرف تنبيه، زائد تعويضًا عمّا فات أيّ من الإضافة، مبنيّ بسكون على الألف المحذوفة لفظًا لالتقاء الساكنين، وخطًّا تبعًا لرسم المصحف العثماني. ﴿الثَّقَلَانِ﴾ بدل من "أيّ". وجملة النداء جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعرابها. ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء، ﴿معشر الجن﴾ منادى مضاف، ﴿وَالْإِنْسِ﴾ معطوف على ﴿الْجِنِّ﴾ وجملة النداء مستأنفة. ﴿إِنِ﴾ حرف شرط، ﴿اسْتَطَعْتُمْ﴾ فعل، وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿تَنْفُذُوا﴾ فعل مضارع، وفاعل، منصوب بـ ﴿أَنْ﴾. والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: إن استطعتم نفوذكم من أقطار السموات والأرض. ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿تَنْفُذُوا﴾ ﴿فَانْفُذُوا﴾ الفاء: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿لا﴾ نافية، ﴿تَنْفُذُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو: فاعل، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ متعلق بـ ﴿تَنْفُذُونَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعرابها.
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠)﴾.
﴿يُرْسَلُ﴾ فعل مضارع، مغيّر الصيغة، ﴿عَلَيْكُمَا﴾ متعلق بـ ﴿يُرْسَلُ﴾، ﴿شُوَاظٌ﴾ نائب فاعل، ﴿مِنْ نَارٍ﴾ صفة لـ ﴿شُوَاظٌ﴾، ﴿وَنُحَاسٌ﴾ بالرفع معطوف على ﴿شُوَاظٌ﴾. وقرىء بالجرّ عطفًا على ﴿نَارٍ﴾، ولكنه على حذف موصوف، أي: وشيء من نحاس، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿فَلَا﴾ الفاء: عاطفة، و ﴿لا﴾ نافية، ﴿تَنْتَصِرَانِ﴾ فعل مضارع، مرفوع بالنون، والألف فاعل. والجملة معطوفة على جملة ﴿يُرْسَلُ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعرابها. ﴿فَإِذَا﴾ الفاء: استئنافية، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها, ﴿فَكَانَتْ﴾ الفاء: عاطفة،
стр. 13049
﴿كانت﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على السماء، ﴿وَرْدَةً﴾ خبرها، ﴿كَالدِّهَانِ﴾ صفة لـ ﴿وَرْدَةً﴾، أو خبر ثان لكان أو حال من اسم ﴿كانت﴾. وجملة ﴿كانت﴾ معطوفة على جملة ﴿انْشَقَّتِ﴾، وجواب إذا محذوف، تقديره: رأيت أمرًا عظيمًا، وأهوالًا هائلة، وجملة إذا مستأنفة، أو الجواب جملة قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعرابها. ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ الفاء: استئنافية، أو رابطة لجواب إذا الشرطية جوازًا، ﴿يومَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ ﴿يُسْأَلُ﴾ الآتي، ﴿ويوم﴾ مضاف، ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر، مضاف إليه، بنيّ بسكون مقدّر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلّص من التقاء الساكنين، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿يُسْأَلُ﴾ فعل مضارع، مغير الصيغة، ﴿عَنْ ذَنْبِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُسْأَلُ﴾، ﴿إِنْسٌ﴾ نائب فاعل، ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ معطوف عليه. والجملة الفعلية مستأنفة. أو جواب إذا، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعرابها.
﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾.
﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ﴾ فعل، ونائب فاعل. والجملة مستأنفة. ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُعْرَفُ﴾. والجملة مستأنفة، ﴿فَيُؤْخَذُ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿يؤخذ﴾ فعل مضارع، مغير الصيغة، ﴿بِالنَّوَاصِي﴾ جار ومجرور، في محل الرفع، نائب فاعل، لـ ﴿يؤخذ﴾، ﴿وَالْأَقْدَامِ﴾ معطوف على النواصي. والجملة معطوفة على جملة ﴿يُعْرَفُ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعرابها. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة مستأنفة. ﴿الَّتِي﴾ صفة لجهنم، ﴿يُكَذِّبُ﴾ فعل مضارع، ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿يُكَذِّبُ﴾، ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ فاعل لـ ﴿يُكَذِّبُ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿يَطُوفُونَ﴾ فعل، وفاعل، والجملة في محل النصب، حال من المجرمين، أو مستأنفة. ﴿بَيْنَهَا﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَطُوفُونَ﴾، ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ ظرف، ومضاف إليه، معطوف على بينها، و ﴿آنٍ﴾ صفة لـ ﴿حَمِيمٍ﴾، مجرور، وعلامة جرّه كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها الثقل. لأنّه اسم منقوص نظير قاض. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعرابها.
стр. 13050
التصريف ومفردات اللغة
﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾ اسم من أسماء الله تعالى الحسنى. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ والإنسان هو هذا النوع المعرّف بالحيوان الناطق. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ والبيان في اللغة: هو المنطق الفصيح المعرب عمّا في الضمير. وفي الاصطلاح: أحد فنون البلاغة الثلاثة، وهو يبحث في التشبيه، والاستعارة، والمجاز، والكناية، وقد تقدمت أمثلتها من القرآن في هذا الكتاب غير ما مرّة، وقال الراغب: البيان: هو الكشف عن الشيء، وهو أعم من النطق؛ لأنّ النطق مختص بالإنسان، وسمي الكلام بيانًا لكشفه عن المعنى المقصود، وإظهاره، انتهى. والمراد بالبيان هنا تعبير الإنسان عمّا في ضميره، وإفهامه لغيره.
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾؛ أي: يجريان بحساب دقيق منظم، والحساب يجوز فيه وجهان.
أحدهما: كونه مصدرًا بمعنى الحساب كالغفران، والكفران، والشكران، والرجحان. يقال: حسبه إذا عده، وبابه نصر حسابًا بالكسر، وحسبانًا بالضم. وأما الحسبان بالكسر فمصدر بمعنى الظن، من حسب بالكسر بمعنى ظن.
والثاني: أنه جمع حساب كشهاب وشهبان، ورغيف ورغفان.
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ﴾ والنجم: ما ليس له ساق قويّ، ولا يدوم فوق سنة أو سنتين كالزروع من الحنطة، والشعير، ونحوهما، وسائر العشب، والبقول، والأبازير. وأصل النجم الطلوع، يقال: نجم القرن والنبات إذا طلعا، وبه سمي نجم السماء. وقيل: المراد به: نجم السماء، وحده وأراد به جميع النجوم. والمراد بسجوده: أفوله من جانب الغرب. والشجر: ما له ساق قوي، ويدوم أكثر من سنتين فما فوق كالنخل، والمشمش، والتفاح، والتين، والزيتون.
﴿يَسْجُدَانِ﴾؛ أي: ينقادان لله طبعًا كما ينقاد المكلفون اختيارًا. ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾؛ أي: خلقها مرفوعة المحل والمرتبة. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾؛ أي: أثبت العدل, وشرعه، وأوجبه. والميزان: العدل في النظام. وأصله: الموزان, لأنه من وزن فهو مفعال من الوزن، قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة. ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾
стр. 13051
أصله: تطغيوا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت لالتقاء الساكنين.
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ أصله: وأقوموا، نقلت حركة الواو إلى القاف فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مد، وفي "المفردات": الوزن: معرفة قدر الشيء. والمتعارف في الوزن عند العامّة ما يقدر بالقسطاس والقبان. ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: اجعلوه مستقيمًا بالعدل، وقال أبو عبيدة: الإقامة باليد، والقسط بالقلب. ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ يقال خسرت الشيء بالفتح، وأخسرته نقصته، وبابه ضرب. وأما خسر في البيع فبالكسر كما في "المختار". وقال في "القاموس": خسر كفرح، وضرب ضل. والخسر والإخسار: النقص؛ أي: لا تنقصوه. لأن من حقه أن يسوى. لأنه المقصود من وضعه.
فائدة: والفرق بين الطغيان والإخسار والقسط أن الطغيان: أخذ الزائد، والإخسارة إعطاء الناقص، والقسط: التوسط بين الطرفين المذمومين، اهـ كرخي.
﴿لِلْأَنَامِ﴾؛ أي: لمنافع الأنام. وهو جمع لا واحد له من لفظه بمعنى الخلق والجن، والإنس مما على الأرض، كما في "القاموس". ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ والفاكهة: كل ما يتفكه به الإنسان من الثمار. ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ والأكمام: جمع كم بالكسر. وهو وعاء الزهرة قبل التفتق، وفي "الصحاح": والكم بالكسر والكمامة: وعاء الطلع، وغطاء النور، والجمع كمام، وأكمة، وأكمام، وأكاميم أيضًا والكمام بالكسر والكمامة أيضًا: ما يكم به فم البعير لئلا يعض. بقال منه: بعير مكموم؛ أي: محجوم، وتكممت الشيء غطيته. والكم: ما ستر شيئًا، وغطاه، ومنه: كم القميص بالضم. والجمع كمام، وكممة. والكمة: القلنسوة المدورة لأنها تغطي الرأس.
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ والحب: كل ما يتغدى به، ويقتات كالحنطة والشعير ونحوهما. والعصف: ورق الزرع أو ورق النبات اليابس. وقيل: ورق النبات على السنبلة كالتبن. وقيل: العصف: كل ما يعصف فيؤكل من الزرع. وقيل: ورق كل شيء يخرج منه الحب. ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ والريحان: كل مشموم طيب الرائحة من النبات. وقال في "المفردات": الريحان: كل ما له رائحة. وقيل: الرزق، ثم يقال
стр. 13052
للحب المأكول ريحان كما في قوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾. وقيل: للأعرابيّ: إلى أين؟ قال: أطلب ريحان الله؛ أي: رزقه. والأصل: ما ذكرنا، انتهى. والريحان عند الفقهاء: ما لساقه رائحة طيبة كما لورقه. كالآس. والورد: ما لورقه رائحة طيبة نقط، كالياسمين. كذا في المغرب. قال ابن الشيخ: الريحان: كل بقلة طيبة الرائحة، سميت ريحانًا لأن الإنسان يراح لها رائحة طيبة؛ أي: يشم، يقال: راح الشيء يراحه، وبرحيه، وأراح الشيء يريحه إذا وجد ريحه، والريحان في الأصل: ريوحان كفيعلان، من روح، فقلبت الواو ياء وأدغم، ثم خفف بحذف عين الكلمة كما في ميت، أو كفوعلان قلبت واوه ياء للتخفيف أو للفرق بينه وبين الروحان. وهو ما له روح.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ الآلاء جمع إلى بكسر الهمزة وسكون اللام، كحمل وأحمال وأجمع ألى بضم الهمزة وسكون اللام كقفل وأقفال أو جمع إلى كمعي وأمعاء، أو جمع ألى كعصي. أربع لغات. أصله: أألا أبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة، وأبدلت الهمزة الساكنة الثانية حرف مد لوقوعها إثر فتح، فصار آلاء. وتكرار هذه الآية في هذه السورة لطرد الغفلة، وتأكيد الحجة، وتذكير النعمة، وتقريرها. كما في قوله:
لَا تَقْطَعَنَّ الصَّدِيْقَ مَا طَرَفَتْ ... عَيْنَاكَ مِنْ قَوْلٍ كَاشِحٍ أَشِرِ
وَلاَ تَمَلَّنَّ مِنْ زَيارَتهِ ... زُرْهُ وَزُرْهُ زُرْ ثمَّ زُرْ وَزُرِ
﴿صَلْصَالٍ﴾ والصلصال: الطين اليابس له صلصلة؛ أي: صوت ليبسه إذا نقر. ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ الفخار: الخزف. وهو الطين المطبوخ بالنار كالآجر. ﴿الْجَانَّ﴾ أبو الجنّ. وأل فيه للجنس. ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾ المارج: اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل: هو المختلط بسواد النار من مرج الشيء إذا اضطرب، واختلط. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾؛ أي: مشرقي الشمس صيفًا وشتاءً. ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مغربيهما كذلك.
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: أرسلهما، وأجراهما من قولك: مرجت الدابة في المرعى؛ أي: أرسلتها فيه. وقيل: معنى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: خلطهما العذب والملح في مرأى العين. ومع ذلك لا يتجاوز أحدهما على الآخر، وأصل المرج: الإهمال كما تمرج الدابة في المرعى. وفي "المصباح": والمرج أرض ذات نبات
стр. 13053
ومرعى، والجمع مروج. مثل: فلس وفلوس، ومرجت الدابة تمرج مرجًا من باب قتل رعت في المرج ومرجتها مرجًا أرسلتها ترعى في المرج يتعدى، ولا يتعدى. ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾؛ أي: يتجاوزان، وتتماس سطوحهما، لا فصل بينهما في رأي العين.
﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾؛ أي: حاجز. والبزرخ: الحائل بين الشيئين، وجمعه برازخ. ومنه: سمي القبر برزخًا؛ لأنه بين الدنيا والآخرة، وقيل للوسوسة: برزخ الإيمان. لأنها طائفة بين الشك واليقين. ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ واللؤلؤ: الدر المخلوق في الأصداف، والمرجان: الخرز الأحمر. وهو اسم أعجمي معرب. وقيل: عروق حمر تطلع من البحر كأصابع الكف. وقال في "خريدة العجائب": اللؤلؤ يتكوَّن في بحر الهند وفارس. والمرجان ينبت في البحر كالشجر، وإذا كلس المرجان عقد الزئبق، فمنه: أبيض، ومنه: أحمر، ومنه: أسود، وهو يقوي البصر كحلًا، وينشف رطوبة العين. انتهى. وقيل: اللؤلؤ: كبار الدر، والمرجان: صغاره.
﴿الْجَوَارِ﴾ السفن الكبار، جحع جارية. ﴿الْمُنْشَآتُ﴾؛ أي: المصنوعات. ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ الجبال، واحدها علم، وهو الجبل العالي كما في قول الخنساء:
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ... كأنَّهُ عَلَمٌ فِيْ رَأْسِهِ نَارُ
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ أصله: فاني، أستثقلت الضمة على الياء ثم حذفت فالتقى ساكنان، ثم حذفت الياء لبقاء دالها وهو كسرة النون، فصار فان. ﴿وَيَبْقَى﴾ فيه إعلال بالقلب. أصله: يبقى بوزن يفعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾، أي: يطلبون منه ما يحتاجون إليه في ذواتهم حدوثًا وبقاءً، وفي سائر أحوالهم بلسان المقال أو بلسان الحال، ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾؛ أي: في أمر من الأمور، فيحدث أشخاصًا، ويجدد أحوالًا. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾؛ أي: سنتجرد لحسابكم وجزائكم يوم القيامة. والمراد: التوفر على الجزاء والانتقام منهما. قال الزجاج: الفراغ في اللغة على ضربين. أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر: القصد إلى الشيء، والإقبال عليه كما هنا اهـ. ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ قال الراغب: الثقل والخفة متقابلان، وكل ما يترجح على ما يوزن به أو يقدر به. يقال: هو ثقيل. وأصله في الأجسام، ثم يقال في المعاني، أثقله الغرم،
стр. 13054
الوزر، انتهى. والمراد هنا: الإنس والجن. سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض، يعني: أنهما شبهًا بثقل الدابة، وهو تثنية ثقل بفتحتين فعل بمعنى مفعل، لأنهما أثقلا الأرض أو بمعنى مفعول؛ لأنهما أثقلا بالتكاليف؛ أي: أتعبا، اهـ شيخنا.
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ والمعشر: الجماعة العظيمة، سميت به لبلوغه غاية الكثرة، فإن الشر هو الحدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلا بتركيبه بما فيه من الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون وثلاثون؛ أي: اثنتا عشرات وثلاث عشرات. فإذا قيل: معشر فكأنه قيل: محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أصله: استطوعتم، بوزن استفعلت، نقلت حركة الواو إلى الطاء فسكنت، لكنها حذفت لما التقت ساكنة بآخر الفعل المسكن، لمناسبة إسناد الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك. ﴿أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال في "القاموس": النفاذ: جواز الشيء عن الشيء، والخلوص منه كالنفوذ. ومخالطة السهم جوف الرمية، وخروج طرفه من الشق الآخر، وسائره فيه كالنفذ ونفذهم جازهم وتخلفهم، كأنفذهم، والنافذ الماضي في جميع أموره, انتهى. الأقطار: جمع قطر. وهو الناحبة. يقال: طعنه فقطره، إذا ألقاه على أحد قطريه. وهما جانباه. ﴿بِسُلْطَانٍ﴾؛ أي: بقوة، وقهر، وغلبة. ﴿شُوَاظٌ﴾ الشواظ بضم الشين وكسرها. قال أبو عبيدة: هو اللهب الخالص الذي لا دخان فيه. ﴿وَنُحَاسٌ﴾ والنحاس: الدخان الذي لا لهب فيه قال النابغة الذبياني:
تُضِيء كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِيْـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَلِ الله فِيْهِ نُحَاسَا
وقيل: النحاس: الصفر المذاب، يصب على رؤوسهم. ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾؛ أي: فلا تمتنعان من الله، ولا يكون لكما منه ناصر. ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾؛ أي: انصدعت، وانفك بعضها من بعض. ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾؛ أي: كوردة حمراء في اللون. وهي الزهرة المعروفة التي تشم. والغالب على الورد الحمرة، قال الشاعر:
وَلَوْ كُنْتُ وَرْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتنِيْ ... وَلَكِنَّ رَبِّيْ شَانَنِي بِسَوَادِيَا
﴿كَالدِّهَانِ﴾ إما جمع دهن أو اسم لما يدهن به كالإدام لما يؤتدم به كما مر. وقيل: هو الأديم الأحمر.
стр. 13055
﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ السيما بالكسر والقصر، والسيماء بالكسر والمد: العلامة، وزنه عفلي بتقديم عين الكلمة على فائها. لأنه من الوسم، قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة. فالأصل: وسمي، ثم صار سومي، ثم صار سيمي. ففيه قلب مكاني، وقلب حرفي، ﴿بِالنَّوَاصِي﴾ جمع ناصية. وهو مقدم الرأس، والمراد هنا: شعرها. ﴿يَطُوفُونَ﴾ أصله: يطوفون بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى الطاء فسكنت إثر ضمة، فصارت حرف مد. ﴿آنٍ﴾ وزنه فاع لحذف لامه بسبب التقاء الساكنين. لأنه من أنى يأني، مثل: قضى يقضي فهو قاض إذا انتهى. في الحر والفيح.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الحذف إفادة للعموم في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ فقد حذف المفعول الأول لدلالة المعنى عليه؛ لأنَّ النعمة في التعليم، لا في تعليم شخص دون شخص. كما يقال: فلان يطعم إشارة إلى كرمه، ولا يبين من أطعمه.
ومنها: الإيهام في قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ وهو عبارة عن إتيان المتكلم بكلام يوهم أنه أراد بالكلمة معنى يناسب ما قبلها، أو ما بعدها مع أنه ليس مرادًا له؛ فإن ذكر الشمس والقمر يوهم السامع أن النجم أحد نجوم السماء مع أن المراد به: النبت الذي لا ساق له.
ومنها: الجناس بين النجم والشجر.
ومنها: المقابلة اللطيفة بين قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾، وكذلك المقابلة بين ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾، وبين ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾.
ومنها: تكرير لفظ ﴿الْمِيزَانَ﴾ في قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾ تشديدًا للتوصية به، وتأكيدًا للأمر باستعماله، والحث عليه.
стр. 13056
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ لأن الوضع حقيقة في الترك, فاستعاره للتشريع. فاشتق من الوضع بمعنى التشريع وضع بمعنى شرع على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: ذكر الخاص في قوله: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ بعد العام في قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ إظهارًا لمزيته لما فيه من كثير الفوائد، كما مرّ.
ومنها: التكرير في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ تقريرًا للنعم المعدودة، وتأكيدًا في التذكير بها كلها.
ومنها: الجناس المماثل بين الوزن والميزان في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾ لأنّه على تقدير لام العلة؛ أي: لئلا تطغوا.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾؛ أي: كالجبال في العظم. فقد ذكر أداة الشبه، وحذف وجه الشبه.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾؛ أي: ذاته. فإنه من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل.
ومنها: المقابلة بين الفناء والبقاء اللذين هما ضدان في قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ ويسمى هذا فن الافتنان، وهو أن يأتي المتكلم في كلامه بفنين إما متضادين كما هنا أو مختلفين أو متفقين، وقد جمع سبحانه بين التعزية والفخر إذ عَزّى جميع المخلوقات، وتمدح بالانفراد بالبقاء بعد فناء الموجودات مع وصفه ذاته بعد انفراده بالبقاء بالجلال والإكرام.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ حيث شبه انتهاء الدنيا، وما فيها من تدبير شؤون الخلق بالأمر والنهي، والإماتة، والإحياء، والمنع، والإعطاء، ومجيء أمر الآخرة من الأخذ في الجزاء، وإيصال الثواب والعقاب إلى المكلفين، وبقاء شأن واحد. وهو محاسبة الإنس والجن بفراغ من
стр. 13057
يشغله شأن عن شأن على سبيل التمثيل. لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ لأن الثقل الذي هو مفرد الثقلين حقيقة في حمل الدابة، قال ابن الشيخ: شبه الأرض بالحمولة التي تحمل الأثقال، وجعل الجن والإنس أثقالًا محمولة عليها.
ومنها: الأمر التعجيزي في قوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ ﴿فَانْفُذُوا﴾ فالأمر فيه أمر تعجيز.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾؛ أي: كالوردة في الحمرة حذف وجه الشبه وأداة التشبيه، فصار بليغًا.
ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ حيث شبه تلون السماء حال انشقاقها بالوردة، وشبهت الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن، واختلاف ألوانه.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ حيث استعاره للدخان مع أنه حقيقة في الصفر.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 13058
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ...﴾ الآيات, مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لمّا ذكر (١) ما يراه المشركون بربّهم والعاصون لأوامره ونواهيه من الأهوال من إرسال الشواظ من النار عليهم، ومن أخذهم بالنواصي والأقدام إهانة لهم واحتقارًا، ومن التنقل بهم بين النار والحميم الآني الذي يشوي الوجوه .. ذكر هنا ما أعده من النعيم الروحي والجسماني لمن خشي ربه، وراقبه في السر والعلن، من جنات متشابهة الثمار، والفواكه تجري من تحتها الأنهار جناها دان لمن طلبه وأحب نيله يجلس فيها على فرش بطائنها من الديباج، ومن نساء حسان لم يقرب منهن أحد لا من الإنس ولا من الجن، وهن كالياقوت صفاء، واللؤلؤ بياضًا. وذلك كفاء ما قدموا من صالح العمل، وما أسلفوا في الأيام الخالية، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
стр. 13059
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ...﴾ الآيات إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أنها تتميم لوصف الجنات بما يشوق الراغبين فيها ليعملوا ما يوصلهم إليها، ويرضي ربهم عنهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما روي عن ابن الزبير ﵁: أنه قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁، حين شرب لبنًا على ظمأ، فأعجبه، ثم أخبر أنه من غير حل فاستقاء، فقال ﷺ سمعه: "رحمك الله، لقد أنزلت فيك آية". يعني: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾. ودخل فيها كل من يهم بالمعصية، فيذكر الله، فيدعها من مخافة الله تعالى. ذكره في "عين المعاني".
التفسير وأوجه القراءة
٤٦ - ولما فرغ سبحانه من تعداد النعم الدنيوية على الثقلين ذكر نعمه الأخروية التي أنعم بها عليهم. فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾؛ أي: موقف ربه سبحانه. وهو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب، كما قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾. فالإضافة للاختصاص الملكي، إذ لا ملك يومئذٍ إلا لله تعالى. والمقام: اسم مكان كما فسرناه، أو مصدر ميمي؛ أي: خاف قيامه بين يدي ربه، وجزاءه على الأعمال خيرًا أو شرًا. وقيل: المعنى (٢): خاف قيام ربه عليه. وهو إشرافه على أحواله, واطلاعه صلى أفعاله وأقواله, كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾. قال مجاهد، والنخعي: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه.
والمعنى (٣): أي ولمن خشي ربه، وراقبه في أعماله، وأيقن بأنه مجازيه عليها يوم العرض والحساب يوم تجزى كل نفس بما كسبت، فإذا هو هم بمعصية ذكر
стр. 13060
الله، وأنه عليم بسره ونجواه، فتركها مخافة عقابه وشديد حسابه، فعل الخير وأحب الخير للناس.
﴿جَنَّتَانِ﴾ جنة روحية تصل به إلى حظيرة القدس، وجمال الملكوت، ورضا الله عنه ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. وجنة جسمانية بمقدار ما عمل في الدنيا من خير، وقدم من صالح عمل.
٤٧ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾؛ أي: بأي نعم ربكما أيها الثقلان تنكران، فإثابته المحسن منكم بما وصف، وعقابه العاصي بما عاقب من النعم العظمى والمنن الكبرى.
واختلف في الجنتين (١)، فقال مقاتل: يعني: جنّة عدن، وجنّة النعيم. وقيل: إحداهما التي خلقت له، والأخرى التي ورثها. وقيل: إحداهما: منزله، والأخرى: منزل أزواجه. وقيل: إحداهما: أسافل القصور، والأخرى: أعاليها. وقيل: جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني على طريق التوزيع. فإن الخطاب للفريقين، والمعنى: لكل خائفين منكما جنة.
وفيه (٢) نظر لقوله ﷺ : "إنَّ مؤمني الجن لهم ثواب، وعليهم عقاب، وليسوا من أهل الجنة مع أمة محمد، هم على الأعراف حائط الجنة، تجري فيه الأنهار، وتنبت فيه الأشجار والثمار". يقول الفقير: قد سبق في أواخر الأحقاف أن المذهب أن الجن في حكم بني آدم ثوابًا وعقابًا؛ لأنهم مكلفون مثلهم، وإن لم نعلم كيفية ثوابهم. فارجع إلى التفصيل في تلك السورة. وقيل: جنة لعقيدته التي يعتقدها، وأخرى لعمله الذي يعمله. أو جنة لفعل الطاعات، وأخرى لترك المعاصي. أو جنة يثاب بها، وأخرى يتفضل بها عليه. وهذا ما جاء مثنى بعد. وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة، والتثنية لأجل موافقة رؤوس الآي. قال النحاس: وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله تعالى. فإن الله يقول: ﴿جَنَّتَانِ﴾ ويصفهما بقوله: ﴿فِيهِمَا﴾ إلخ.
٤٨ - ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ صفة لجنتان (٣)، وما بينهما اعتراض وسط تنبيهًا على أن