ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ لأن الوضع حقيقة في الترك, فاستعاره للتشريع. فاشتق من الوضع بمعنى التشريع وضع بمعنى شرع على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: ذكر الخاص في قوله: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ بعد العام في قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ إظهارًا لمزيته لما فيه من كثير الفوائد، كما مرّ.
ومنها: التكرير في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ تقريرًا للنعم المعدودة، وتأكيدًا في التذكير بها كلها.
ومنها: الجناس المماثل بين الوزن والميزان في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾ لأنّه على تقدير لام العلة؛ أي: لئلا تطغوا.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾؛ أي: كالجبال في العظم. فقد ذكر أداة الشبه، وحذف وجه الشبه.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾؛ أي: ذاته. فإنه من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل.
ومنها: المقابلة بين الفناء والبقاء اللذين هما ضدان في قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ ويسمى هذا فن الافتنان، وهو أن يأتي المتكلم في كلامه بفنين إما متضادين كما هنا أو مختلفين أو متفقين، وقد جمع سبحانه بين التعزية والفخر إذ عَزّى جميع المخلوقات، وتمدح بالانفراد بالبقاء بعد فناء الموجودات مع وصفه ذاته بعد انفراده بالبقاء بالجلال والإكرام.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ حيث شبه انتهاء الدنيا، وما فيها من تدبير شؤون الخلق بالأمر والنهي، والإماتة، والإحياء، والمنع، والإعطاء، ومجيء أمر الآخرة من الأخذ في الجزاء، وإيصال الثواب والعقاب إلى المكلفين، وبقاء شأن واحد. وهو محاسبة الإنس والجن بفراغ من
стр. 13057
يشغله شأن عن شأن على سبيل التمثيل. لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ لأن الثقل الذي هو مفرد الثقلين حقيقة في حمل الدابة، قال ابن الشيخ: شبه الأرض بالحمولة التي تحمل الأثقال، وجعل الجن والإنس أثقالًا محمولة عليها.
ومنها: الأمر التعجيزي في قوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ ﴿فَانْفُذُوا﴾ فالأمر فيه أمر تعجيز.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾؛ أي: كالوردة في الحمرة حذف وجه الشبه وأداة التشبيه، فصار بليغًا.
ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ حيث شبه تلون السماء حال انشقاقها بالوردة، وشبهت الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن، واختلاف ألوانه.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ حيث استعاره للدخان مع أنه حقيقة في الصفر.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 13058
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ...﴾ الآيات, مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لمّا ذكر (١) ما يراه المشركون بربّهم والعاصون لأوامره ونواهيه من الأهوال من إرسال الشواظ من النار عليهم، ومن أخذهم بالنواصي والأقدام إهانة لهم واحتقارًا، ومن التنقل بهم بين النار والحميم الآني الذي يشوي الوجوه .. ذكر هنا ما أعده من النعيم الروحي والجسماني لمن خشي ربه، وراقبه في السر والعلن، من جنات متشابهة الثمار، والفواكه تجري من تحتها الأنهار جناها دان لمن طلبه وأحب نيله يجلس فيها على فرش بطائنها من الديباج، ومن نساء حسان لم يقرب منهن أحد لا من الإنس ولا من الجن، وهن كالياقوت صفاء، واللؤلؤ بياضًا. وذلك كفاء ما قدموا من صالح العمل، وما أسلفوا في الأيام الخالية، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
стр. 13059
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ...﴾ الآيات إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أنها تتميم لوصف الجنات بما يشوق الراغبين فيها ليعملوا ما يوصلهم إليها، ويرضي ربهم عنهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما روي عن ابن الزبير ﵁: أنه قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁، حين شرب لبنًا على ظمأ، فأعجبه، ثم أخبر أنه من غير حل فاستقاء، فقال ﷺ سمعه: "رحمك الله، لقد أنزلت فيك آية". يعني: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾. ودخل فيها كل من يهم بالمعصية، فيذكر الله، فيدعها من مخافة الله تعالى. ذكره في "عين المعاني".
التفسير وأوجه القراءة
٤٦ - ولما فرغ سبحانه من تعداد النعم الدنيوية على الثقلين ذكر نعمه الأخروية التي أنعم بها عليهم. فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾؛ أي: موقف ربه سبحانه. وهو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب، كما قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾. فالإضافة للاختصاص الملكي، إذ لا ملك يومئذٍ إلا لله تعالى. والمقام: اسم مكان كما فسرناه، أو مصدر ميمي؛ أي: خاف قيامه بين يدي ربه، وجزاءه على الأعمال خيرًا أو شرًا. وقيل: المعنى (٢): خاف قيام ربه عليه. وهو إشرافه على أحواله, واطلاعه صلى أفعاله وأقواله, كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾. قال مجاهد، والنخعي: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه.
والمعنى (٣): أي ولمن خشي ربه، وراقبه في أعماله، وأيقن بأنه مجازيه عليها يوم العرض والحساب يوم تجزى كل نفس بما كسبت، فإذا هو هم بمعصية ذكر
стр. 13060
الله، وأنه عليم بسره ونجواه، فتركها مخافة عقابه وشديد حسابه، فعل الخير وأحب الخير للناس.
﴿جَنَّتَانِ﴾ جنة روحية تصل به إلى حظيرة القدس، وجمال الملكوت، ورضا الله عنه ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. وجنة جسمانية بمقدار ما عمل في الدنيا من خير، وقدم من صالح عمل.
٤٧ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾؛ أي: بأي نعم ربكما أيها الثقلان تنكران، فإثابته المحسن منكم بما وصف، وعقابه العاصي بما عاقب من النعم العظمى والمنن الكبرى.
واختلف في الجنتين (١)، فقال مقاتل: يعني: جنّة عدن، وجنّة النعيم. وقيل: إحداهما التي خلقت له، والأخرى التي ورثها. وقيل: إحداهما: منزله، والأخرى: منزل أزواجه. وقيل: إحداهما: أسافل القصور، والأخرى: أعاليها. وقيل: جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني على طريق التوزيع. فإن الخطاب للفريقين، والمعنى: لكل خائفين منكما جنة.
وفيه (٢) نظر لقوله ﷺ : "إنَّ مؤمني الجن لهم ثواب، وعليهم عقاب، وليسوا من أهل الجنة مع أمة محمد، هم على الأعراف حائط الجنة، تجري فيه الأنهار، وتنبت فيه الأشجار والثمار". يقول الفقير: قد سبق في أواخر الأحقاف أن المذهب أن الجن في حكم بني آدم ثوابًا وعقابًا؛ لأنهم مكلفون مثلهم، وإن لم نعلم كيفية ثوابهم. فارجع إلى التفصيل في تلك السورة. وقيل: جنة لعقيدته التي يعتقدها، وأخرى لعمله الذي يعمله. أو جنة لفعل الطاعات، وأخرى لترك المعاصي. أو جنة يثاب بها، وأخرى يتفضل بها عليه. وهذا ما جاء مثنى بعد. وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة، والتثنية لأجل موافقة رؤوس الآي. قال النحاس: وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله تعالى. فإن الله يقول: ﴿جَنَّتَانِ﴾ ويصفهما بقوله: ﴿فِيهِمَا﴾ إلخ.
٤٨ - ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ صفة لجنتان (٣)، وما بينهما اعتراض وسط تنبيهًا على أن
стр. 13061
تكذيب كل من الموصوف والصفة موجب للإنكار والتوبيخ. و ﴿ذَوَاتَا﴾ تثنية ذات بمعنى صاحبة. والأفنان جمع فنّ. وهو النوع من كل شيء، أي: ذواتا أنواع من الأشجار والثمار. أو جمع فنن. وهو الغصن المستقيم طولًا أو الذي يتشعب من فروع الشجرة؛ أي: ذواتا أغصان متشعبة من فروع الشجرة، وتخصيصها بالذكر؛ لأنها التي تورق، وتثمر، وتمد الظل، وتجتنى منها الثمار. يعني: أن في الوصف تذكيرًا لها على سبيل الكناية، كأنّه قيل: ذواتا أوراق وأثمار وأظلال. وقيل (١): معنى ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾: ذواتا فضل وسعة على ما سواهما, قاله قتادة. وقيل: الأفنان: ظل الأغصان على الحيطان، روي هذا عن مجاهد، وعكرمة.
٤٩ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩)﴾ فإن كل واحد منهما .. ليس بمحل لتكذيب، ولا بموضع للإنكار.
٥٠ - ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ صفة أخرى لجنتان، فصل بينهما بقوله: ﴿فبأيّ ...﴾ إلخ، مع أنه لم يفصل به بين الصفات الكائنة من قبيل العذاب، حيث قال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ مع أن إرسال النحاس غير إرسال الشواظ.
أي: في كل واحدة من الجنتين عين جارية من ماء غير آسن، وعين من خمر لذة للشاربين، قاله عطية. وقال الحسن: إحداهما السلسبيل، والأخرى التسنيم تجريان، وتسيلان، وتسقيان تلك الأشجار والأغصان. وقال (٢) أبو بكر الوراق ﵀: فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله ، فتجريان في كل مكان شاء صاحبها، وإن علا مكانه كما تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها، وإن زاد علوها. وقيل: كل واحدة منهما مثل الدنيا أضعافًا مضاعفة.
٥١ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١)﴾ فإنَّ من جملتها هذه النعمة الكائنة في الجنة لأهل السعادة.
٥٢ - ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾؛ أي: صنفان رطب ويابس، لا ينقص أحدهما عن الآخر لذّة وطيبًا، بخلاف ثمار الدنيا؛ فإنّ الطازج فيها ألذ طعمًا وأشهى مأكلًا. وقيل: صنفان معهود وغريب، لم يره أحد، ولم يسمع به. وقيل: صنفان حلو وحامض. وقيل: لونان. وقيل: صنفان في المنظر دون المطعم.
стр. 13062
وعن ابن عباس ﵄: ما في الدنيا حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنّة، حتى الحنظلة، إلا أنه حلو؛ لأن ما في الجنة خلق من حلاوة العبادة والطاعات، فلا يوجد فيها المر المخلوق من مرارة السيئات كزقوم جهنم، ونحوه. ولكون الجنة دار الجمال لا يوجد فيها اللون الأسود أيضًا, لأنه من أثار الجلال. وهذه الجملة صفة ثالثة لجنتان.
٥٣ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾؛ أي: من هذه النعم اللذيذة. فإن في مجرد تعداد هذه النعم، ووصفها في هذا الكتاب العزيز من الترغيب إلى فعل الخير، والترهيب من فعل الشر، ما لا يخفى على من يفهم. وذلك نعمة عظمى، ومنة كبرى. فكيف بالتنعم به عند الوصول إليه.
٥٤ - وبعد أن ذكر طعامهم ذكر فراشهم، فقال: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من فاعل قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾. وإنما جمع حملًا على معنى ﴿من﴾. وقيل: عاملها محذوف، والتقدير: يتنعمون متكئين جالسين جلوس المتمكن المستريح.
والمعنى: يحصل لهم جنتان متكئين؛ أي: جالسين جلسة الملوك، جلوس راحة ودعة معتمدين ﴿عَلَى فُرُشٍ﴾ جمع فراش بالكسر. وهو ما يفرش، ويبسط، ويستمهد للجلوس والنوم. ﴿بَطَائِنُهَا﴾ ما يلي الأرض منها. جمع بطانة. وهي بالكسر من الثوب خلاف ظهارته. قال الزجاج: هي هنا ما يلي الأرض من الفرش. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غلظ من ثياب الحرير. وإذا كانت البطائن من إستبرق فكيف تكون الظهائر. قيل لسعيد بن جير: البطائن من إستبرق فما الظهائر؟ قال: هذا مما قال الله فيه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. قيل: إنما اقتصر على البطائن؛ لأنّه لم يكن أحد في الأرض يعرف ما في الظهائر. وقال الحسن: بطائنها من إستبرق، وظهائرها من نور جامد. وقيل: ظهائرها من سندس.
والمعنى: مضطجعين على فرش بطائنها من ديباج ثخين، وحيث كانت بطائنها كذلك فما ظنك بظهائرها؟ يعني: أنَّ الظهارة أشرف وأعلى. كما قال ﷺ : "لَمَناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذه الحلة". فذكر المنديل دون غيره تنبيهًا بالأدنى على الأعلى.
стр. 13063
وقرأ الجمهور (١): ﴿على فُرُش﴾ بضمتين. وأبو حيوة بسكون الراء. وقرأ ورش عن نافع, ورويس عن يعقوب ﴿من استبرق﴾ بحذف الألف وكسر النون لإلقاء حركة الهمزة عليها. والباقون بإسكان النون وكسر الألف وقطعها.
وإنما ذكر الإتكاء (٢)؛ لأنه هيئة تدل على صحة الجسم، وفراغ القلب. إذ العليل لا يستطيع أن يستلقي أو يستند إلى شيء وهو مشغول القلب يتحرك تحرك المحضر للعقاب.
﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾؛ أي: وثمرهما قريب منهم متى شاؤوا. فهي لا تمتنع ممن أرادها، بل تنحط إليه من أغصانها. ومثل الآية قوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾، وقوله: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾. وجنى (٣) بفتح الجيم اسم بمعنى المجني كالقبض بمعنى المقبوض. كما قال عليّ ﵁:
هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيْهِ ... وَكُلُّ جَانٍ يَدُهُ إِلَى فِيْهِ
ودان من الدنو. وهو القرب. أصله: دانوا، مثل: غازوا، أي: ما يجتنى من أشجارها من الخمار، قربب يناله القائم والقاعد والمضطجع. قال ابن عباس ﵁: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائمًا، وإن شاء قاعدًا، وإن شاء مضطجعًا. وقال قتادة: لا يرد يده بُعْدٌ ولا شوك.
وقرأ الجمهور (٤): ﴿جَنَى﴾ بفتح الجيم. وقرأ عيسى بن عمر بكسرها. وقرأ عيسى أيضًا بكسر النون مع فتح الجيم، كأنه أمال النون، وإن كانت الألف قد حذفت في اللفظ، كما أمال أبو عمرو ﴿حتى نرى الله﴾. يقول الفقير: إنَّ البعد إنما ينشأ من كثافة الجسم، ولا كثافة في الجنة، وأهلها أجسام لطيفة نورانية في صورة الأرواح. وأيضًا إن الطاعات في الدنيا كانت في مشيئة المطيع، فثمراتها أيضًا في الجنة تكون كذلك. فيتناولها بلا مشقة، بل لا تناول أصلًا فإن سهولة التناول تصوير لسهولة الأكل، فتلك الثمار تقع في الفم بلا أخذ على ما قاله البعض.
стр. 13064
والمعنى (١): أي وثمر الجنتين قريب، يناله القاعد والقائم في وقت واحد، ومكان واحد. فإن العجائب كلها من خواص الجنة، فكانت أشجارها دائرة عليهم سائرة إليهم، وهم ساكنون على خلاف ما كان في جنات الدنيا. فإن الإنسان فيها متحرك، ومطلوبه ساكن. والولي قد تصير الدنيا له أنموذجًا من الجنة، فإنه يكون ساكنًا في بيته، ويأتيه الرزق متحركًا إليه، دائرًا حواليه.
٥٥ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾ من هذه الآلاء اللذيذة الباقية، أبقدرة الله تعالى على ثني الأغصان، وتقريب الثمار تنكران أم بغيرها؟.
٥٦ - ثم ذكر أوصاف النساء اللواتي يمتعون بهن، فقال: ﴿فِيهِنَّ﴾؛ أي: في تلك الجنان المدلول عليها بقوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾. لما عرفت أنهما لكل خائفين من الثقلين، أو لكل خائف حسب تعدد عمله. وقد اعتبر الجمعية في قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ إذ كل (٢) فرد فرد له جنتان. فصح أنها جنان كثيرة، وإن كانت الجنتان. أريد بهما حقيقة التثنية، وأن لكل جنس من الجن والإنس جنة واحدة، فالضمير يعود على ما اشتملت عليه الجنة من المجالس، والقصور، والمنازل، وقيل: على الفرش؛ أي: فيهن معدات للاستمتاع. وهو قول حسن، قريب المأخذ.
﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ من (٣) إضافة اسم الفاعل إلى منصوبه تخفيفًا، ومتعلق القصر محذوف للعلم به، تقديره: على أزواجهن.
والمعنى: فيهن نساء يقصرن أبصارهن على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، وتقول كل منهن لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي، وجعلني زوجك. وقصر الطرف أيضًا من الحياء والغنج، وقد يقال: المعنى: قاصرات طرف غيرهن عليهن؛ أي: إذا رآهن أحد لم يتجاوز طرفه إلى غيرهن لكمال حسنهن.
والمعنى (٤): أي في الجنان نساء مانعات أعينهن من النظر إلى غير بعلهن. وللجنة اعتبارات ثلاثة، فلا تصال أشجارها، وعدم الأراضي الغامرة كأنها جنة
стр. 13065
واحدة، ولاشتمالها على النوعين ما في الدنيا وما ليس فيها, وما يعرف وما لا يعرف، وما يقدر على وصفه وما لا يقدر، ولذات جسمانية ولذات روحانية كأنها جنتان، ولسعتها وكثرة أماكنها، وأشجارها، وأنهارها، كأنها جنات كثيرة، فالضمير ها عائد إلى الجنتين، اهـ من "المراح".
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾؛ أي: لم يجامع تلك القاصرات ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبل أزواجهن ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ والجملة (١) صفة لقاصرات الطرف؛ لأن إضافتها لفظية.
والمعنى: أي في تلك الجنات نساء غضيضات الطرف عن غير أزواجهن. فلا يرين فيها شيئًا أحسن منهم. وهن أبكار لم يسمهن أحد قبل أزواجهن، لا من الجن ولا من الإنس؛ أي: لم يمس الإنسيات منهن أحد من الإنس، ولا الجنيات أحد من الجن. يقال: طمث المرأة من باب ضرب إذا افتضها بالتدمية لها؛ أي: أزال بكارتها. الطمث: الجماع المؤدي إلى خروج دم البكر، ثم أطلق على كل جماع طمث، وإن لم يكن معه دم، كما سيأتي.
فهن كالرياض الأنف (٢). وهي التي لم ترعها الدواب قط، وفيه ترغيب لتحصيلهن، إذ الرغبة للأبكار فوق الرغبة بالثيِّبات. ودليل على أن الجن من أهل الجنة, وأنهم يطمثون كما يطمث الإنس. فإن مقام الإمتنان يقتضي ذلك، إذ لو لم يطمثوا كمن قبلهم لم يحصل لهم الامتنان به. ولكن ليس له ماء كماء الإنسان، بل لهم هواء بدل الماء, وبه يحصل العلوق في أرحام إناثهن، كما في "الفتوحات المكية". وهذا يستدعي أنه لا تصح المناكحة بين الإنس والجن، وكذا العكس. وقد ذهب إلى صحتها جم غفير من العلماء. منهم: صاحب "آكام المرجان".
ثم إن هؤلاء؛ أي: قاصرات الطرف من حور الجنة المخلوقات ما يبتذلن، ولم يمسسن، وهذا قول الجمهور وهو المشهور (٣). وقال الشعبي والكلبيُّ: من نساء الدنيا؛ أي: لم يجامعهن بعد النشأة الثانية أحد، سواء كن في الدنيا ثيبات أو أبكارًا.
стр. 13066
وقرأ الجمهور (١): ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ بكسر الميم في الموضعين، وطلحة، وعيسى، وأصحاب عبد الله، وعلي، والكسائي بضمها. وقرأ ناس بضم الأول وكسر الثاني، وناس بالعكس، وناس بالتخيير. وقرأ الجحدري بفتح الميم في الموضعين.
٥٧ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧)﴾؛ أي: فبأيّ نوع من أنواع هذه النعم تنكران، فإن في مجرد هذا الترغيب في هذه النعم نعمة جليلة، ومنة عظيمة؛ فإن به يحصل الحرص على الأعمال الصالحة، والفرار من الأعمال الطالحة، فكيف بالوصول إلى هذه النعم، والتنعم بها في جنات النعيم بلا انقطاع ولا زوال.
٥٨ - ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ والجملة صفة ثانية لقاصرات الطرف أو حال من ﴿هن﴾. شبههن سبحانه في صفاء اللون مع حمرته بالياقوت والمرجان. قد سبق بيان المرجان، وأما الياقوت، فهو حجر صلب شديد اليبس رزين صاف منه: أحمر، وأبيض، وأصفر، وأخضر، وأزرق، وهو حجر لا تعمل فيه النار لقلة دهنيته، ولا يثقب لغلظة رطومته، ولا تعمل فيه المبارد لصلابته، بل يزداد حسنًا على مر الليالي والأيام، وهو عزيز، قليل الوجود، سيما الأحمر وبعده الأصفر أصبر على النار من سائر أصنافه. وأما الأخضر: فلا صبر له على النار.
ومعنى الآية (٢): مشبهات بالياقوت في حمرة الوجنة والمرجان؛ أي: صفار الدر في بياض البشرة، وصفائها؛ فإن صغار الدر أنصع بياضًا من كباره. وقال قتادة: في صفاء الياقوت، وبياض المرجان.
وأخرج أحمد، وابن حبان، والحاكم، وصححه، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ قال: "تنظر إلى وجهها في خدرها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب. وإنه يكون عليها سبعون ثوبًا، وينفذها بصره، حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك".
٥٩ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩)﴾ فإنَّ نعمه كلها لا يمكن تكذيب شيء منها
стр. 13067
كانت ما كانت، فكيف بهذه النعم الجليلة، والمنن الجزيلة؟
٦٠ - ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾؛ أي: ما جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسان في الثواب، واعلم أن ﴿هَل﴾ يجيء (١) على أربعة أوجه. الأول: بمعنى قد، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى﴾. والثاني: بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ أي: فانتهوا. والثالث: بمعنى الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾. والرابع: بمعنى ما النافية، كما في هذه الآية. ونحو الآية قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.
وعن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾، وقال: "هل تدرون ما قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنّة". أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وروي عن ابن عباس: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله في الدنيا إلا الجنة في الآخرة.
٦١ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾ فإن من جملتها الإحسان إليكم في الدنيا والآخرة بالخلق، والرزق، والإرشاد إلى العمل الصالح، والزجر عن العمل الذي لا يرضاه.
٦٢ - ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ مبتدأ وخبر (٢)؛ أي: ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للخائفين المقربين جنتان أخريان لمن دونهم في الدرجة من أصحاب اليمين، فالخائفون قسمان: المقربون، وأصحاب اليمين، وهم دون المقربين بحسب الفضائل العلمية والعملية، ودون بمعنى الأدنى مرتبة ومنزلة، لا بمعنى غير. فالجنتان الأوليان أفضل من الأخريين، كفضل المقربين على الأبرار. وقيل: ليس "دون" من الدناءة، بل من الدنو. وهو القرب؛ أي: ومن دون هاتين الجنتين إلى العرش؛ أي: أقرب إليه منهما، وأرفع منهما؛ أي (٣): من أمامهما ومن قبلهما. وحمل بعض المفسرين ﴿دون﴾ على معنى غير. وقيل الجنتان الأوليان جنة عدن،
стр. 13068
وجنة النعيم. والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى. قال ابن جريج: هي أربع جنان جنتان منها للسابقين المقربين فيهما من كل فاكهة زوجان، وعينان تجريان. وجنتان لأصحاب اليمين، فيهما فاكهة، ونخل، ورمان، وفيهما عيان نضاختان. قال ابن زيد: إن الأوليين من ذهب للمقربين، والأخريين من ورق لأصحاب اليمين.
٦٣ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣)﴾ فإنها كلها حق ونعم لا يمكن جحدها.
٦٤ - ثم وصف سبحانه هاتين الجنتين الأخريين، فقال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ صفة لجنتان، وما بينهما اعتراض؛ أي (١): سوداوان يعني: علا لونها دهمة وسواد من شدة الخضرة والري. وإن شئت .. قلت: خضراوان، تضربان إلى السواد من شدة الخضرة.
فائدة: والنظر إلى الخضرة يجلو البصر، كما قال ﷺ : "ثلاث يجلون البصر: النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن". قال ابن عباس ﵄: والإثمد عند النوم. وهو الكحل الأسود. وأجوده الأصفهاني. وهو بارد يابس ينفع العين اكتحالًا، ويقوي أعصابها، ويمنع عنها كثيرًا من الآفات والأوجاع سيما الشيوخ والعجائز، وإن جعل معه شيء من المسك .. كان غاية في النفع، وينفع من حرق النار طلاء مع الشحم، ويقطع النزف، ويمنع الرعاف إذا كان من أغشية الدماغ. وفي الحديث: "خير أكحالكم الإثمد، ينبت الشعر، ويجلو البصر". اهـ "خريدة العجائب".
وفي قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ إشعار (٢) بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه. ودل هذا على فضل الأوليين على الأخريين.
والمعنى: أي ومن وراه هاتين الجنتين وأقل منهما فضلًا جنتان تنبتان الباب، والرياحين الخضراء التي تضرب إلى السواد من شدة خضرتها لكثرة الريّ. وأما الجنتان السابقتان ففيهما أشجار وفواكه. وفرق ما بين الجنتين.
٦٥ - فبأيّ هذه النعم تكذّبان، وهي نعم واضحة لا تجحد، تتمتع أبصاركم بخضرة نباتات هاتين الجنتين,
стр. 13069
وتنتفع أنوفكم بشم رياحينهما. وعن أبي أيوب الأنصاري قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾. قال: خضراوان، أخرجه الطبري، وابن مردويه.
قال الفقهاء: إذا قرأ في الصلاة آية واحدة هي كلمة واحدة، نحو قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ أو حرف واحد نحو ﴿ق﴾ و ﴿ص﴾ و ﴿ن﴾. فإن كل حرف منها آية عند البعض. فالأصح أنه لا يجزىء عن فرض القراءة. لأنه لا يسمى قارئًا؛ لأن القراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل.
٦٦ - ﴿فِيهِمَا﴾؛ أي: في هاتين الجنتين ﴿عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾؛ أي: فوارتان بالماء، لا تنقطعان. من نضحه كمنعه رشه، ونضح الماء اشتد فورانه من ينبوعه.
قال الحسن، ومجاهد: تنضخ على أولياء الله بالمسك، والعنبر، والكافور في دور أهل الجنة، كما ينضح رش المطر. وهذا يدل أيضًا على فضل الأوليين على الأخرين. لأنه تعالى قال في الأوليين: ﴿عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾، وفي الأخريين ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾. والنضخ دون الجري؛ لأن النضخ هو الفوران، وهو يتحقق بأن يكون الماء بحيث لو أخذ منه شيء فار آخر مكانه. ولا يكفي هذا القدر في جريانه. فلا شك أن الجري أبلغ منه، قال ابن عباس ﵄: نضَّاختان بالمسك والعنبر. وقال الكلبي: بالخير والبركة.
٦٧ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧)﴾ فإنها ليست بموضع للتكذيب، ولا بمكان لجحد، حيث يحصل لكم الريُّ من شراب تينك العينين.
٦٨ - ﴿فِيهِمَا﴾؛ أي: في هاتين الجنتين ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ عطف الأخيرين على الفاكهة، كعطف جبريل، وميكائيل على الملائكة بيانًا لفضلهما. فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء، ولأنهما يوجدان في الخريف والشتاء، ولأنهما فاكهة وإدام. فيحنث بأكل أحدهما من حلف لا يأكل فاكهة، كما قاله الشافعي، وأكثر العلماء خلافًا لأبي حنيفة ﵀. يعني: بحسب (١) حال الدنيا، وإلّا فالكل في الجنة للتفكه. والرمان من الأشجار، هي التي لا تقوى إلا بالبلاد الحارة، وأجوده الكبار الحلو، وهو حار رطب يلين الصدر والحلق، ويجلو المعدة، وينفع من الخفقان، ويزيد في الباءة. وقشره تهرب منه الهوام.
стр. 13070
وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى ضعف استعداد أهل اليمين بالنسبة إلى المقربين؛ لأنَّ الرمان للدواء لا للتفكه، وتهيئة الدواء في البيت تدل على ضعف مزاج ساكن البيت.
٦٩ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩)﴾ حيث هيَّأ لكم ما به تتلذذون من الفواكه. ومن جملتها هذه النعم التي في جنات النعيم، ومجرد الحكاية لها أثر في نفوس السامعين، وتجذبهم إلى طاعة رب العالمين.
٧٠ - ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ﴾ وهي صفة أخرى لجنتان كالجملة التي قبلها. والكلام في جمع الضمير كالذي مر فيما مرّ، و ﴿خَيْرَاتٌ﴾ مخففة من خيرات جمع خيّرة. لأنَّ خيرًا الذي بمعنى أخير لا يجمع، فلا يقال فيه: خيرون، ولا خيرات.
أي: في تلك (١) الجنان نساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه. روى الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أخبرني عن قوله تعالى: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾. قال: خيرات الأخلاق, حسان الوجوه. وقال الرازي: في باطنهن الخير، وفي ظاهرهن الحسن. وروي: أن الحور يغنين نحن الخيرات الحسان خلقن لأزواج كرام. وقيل في تفسير الخيرات (٢)؛ أي: لسن بدمرات، الدمر: النتن، ولا بخرات البخر بالتحريك: النتن في الفم، والإبط، وغيرهما. ولا متطلعات من التطلع على كلام من تكلم، ومنه قولهم: عافى الله من لم يتطلع في فمك؛ أي: لم يتعقب كلامك. ولا متشوفات من تشوف من السطح إذا تطاول، ونظر، وأشرف. ولا ذربات جمع ذرية بالكسر: السليطة اللسان من ذرب من باب فرح. ولا سليطات السلط والسليط: الشديد والطويل اللسان. ولا طماحات من طمح بصره كمنع، ارتفع. يقال: طمحت المرأة إذا نشزت. ولا طوافات في الطرق؛ أي: دوارات. حسان جمع حسنة وحسناء، أي: حسان الخلق والخلق. وهن من الحور، وقيل: من المؤمنات الخيرات. ويدل على الأول ما بعد الآية. وفي الحديث: "لو أن المرأة من نساء أهل الجنة .. اطلعت على السموات والأرض لأضاءت ما بينهما, ولملأت ما بينهما ريحًا, ولعصابتها على رأسها خير من الدنيا وما فيها".
стр. 13071
وروي: "لو أن حوراء بزقت في بحر لعذب ذلك البحر من عذوبة ريقها". وروي: "أنهن يقلن: نحن الناعمات، فلا نبأس الراضيات فلا نسخط، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا". وفي الأثر: "إذا قلن هذه المقالة أجابتهن المؤمنات من نساء الدنيا: نحن المصليات وما صليتن، ونحن الصائمات وما صمتن، ونحن المتصدقات وما تصدقتن، فغلبنهن والله غلبنهن".
وفي هذا بيان أن هاتين الجنتين دون الأوليين (١)؛ لأنه تعالى قال في الأوليين في صفة الحور العين: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾، وفي الآخريين: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾. وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿خَيْرَاتٌ﴾ بالتخفيف. وقرأ قتادة, وابن السميقع، وأبو رجاء العطارديُّ، وبكر بن حببب السهمي، وابن مقسم، وأبو عثمان النهديُّ بالتشديد. فعلى القراءة الأولى هي جمع خيرة بزنة فعلة بسكون العين، ويقال امرأة خيرة، وأخرى شرة أو جمع خيرة مخفف خيرة، وعلى القراءة الثانية جمع خيرة بالتشديد.
٧١ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١)﴾ وقد أنعم عليكم بما فيه تستمتعون من النساء. فإنَّ شيئًا منها كائنًا ما كان لا يقبل التكذيب.
٧٢ - ﴿حُورٌ﴾ بدل (٣) من ﴿خَيْرَاتٌ﴾، جمع حوراء. وهي البيضاء، ووصفت في غير هذه الآية بالعِين. وهي جمع عيناء بمعنى واسعة العين. ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ قصرن في خدورهن، وحبسن فيها. يقال: امرأة مقصورة؛ أي: مخدرة مستورة لا تخرج، ومقصورات الطرف على أزواجهن لا يبغين بهم بدلًا. وفيه إشارة إلى أنهن لا يظهرن لغير المحارم، وإن لم تكن الجنة دار التكليف؛ وذلك لأنهن من قبيل الأسرار، وهي تصان عن الأغيار غيرة عليها، والخيام جمع خيمة، وهي القبة المضروبة على الأعواد، هكذا جمع خيام الدنيا. وهي لا تشبه خيام الدنيا إلا بالاسم، فإنه قد قيل: إن الخيمة من خيامهن درة مجوفة عرضها ستون ميلًا في كل زاوية منها أهلون، ما يرون إلا حين يطوف عليهم المؤمنون. وقال ابن مسعود: لكل زوجة
стр. 13072
خيمة، طولها ستون ميلًا.
والمعنى: أي وهؤلاء الخيرات الحسان واسعات العيون، مع صفاء البياض حول السواد محبوسات في الحجال، فلسن بطوافات في الطرقات. والعرب يمدحون النساء اللازمات للبيوت للدلالة على شدة الصيانة.
٧٣ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣)﴾ وقد خلق من النعم ما هن مقصورة ومحبوسة لكم. فإنها كلها نعم لا تكفر، ومنن لا تجحد.
٧٤ - ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ ولم يجامعهن ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾؛ أي: قبل أصحاب الجنتين دل عليهم ذكر الجنتين، أو قبل أزواجهن. ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ والكلام هنا كالذى مر في نظيره في جميع الوجوه. قال في "كشف الأسرار" (١): كرر ذلك زيادة في التشويق، وتأكيدًا للرغبة. وفيه إنه ليس بتكرير؛ لأنَّ الأول في أزواج المقربين وهذا في أزواج الأبرار. قال محمد بن كعب: إن المؤمن يزوج ألف ثيب، وألف بكر، وألف حوراء.
٧٥ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥)﴾ مع أنها ليست كنعم الدنيا. إذ قد تطمث المرأة في الدنيا، ثم يتزوجها آخر ثيبًا فهن نعم باكورة. فيا لها من طيب وصالها، وبالها، وبراعة جمالها, لا يقدر أحد على حكايتها, ولا يبلغ وصف إلى نهايتها، والعقول فيها حيارى، والقلوب سكارى.
٧٦ - ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال صاحبه محذوف، يدل عليه الضمير في ﴿قَبْلَهُمْ﴾، تقديره: لم يطمثهن أحد غير أزواجهن حال كونهم متكئين وجالسين ﴿عَلَى رَفْرَفٍ﴾ وفرش ﴿خُضْرٍ﴾ والرفرف (٢) إما اسم جنس أو اسم جمع، واحده رفرفة. قيل: هو ما تدلى من الأسرة من عالي الثياب، أو ضرب من البسط أو الوسائد، أو الرقيق من الديباج.
قال في "المفردات": الرفرف ضرب من الثياب، مشبه بالرياض، انتهى. ومن معاني الرفرف: الرياض. وكان بساط أنو شروان ستين ذراعا في ستين ذراعًا، يبسط له في إيوانه منظومًا باللؤلؤ والجواهر الملونة على ألوان زهر الربيع، وينشر إذا
стр. 13073
عدمت الزهور.
وقرأ الجمهور ﴿رَفْرَفٍ﴾ بالأفراد. وقرأ (١) عثمان بن عفان، والحسن، ونصر بن عاصم، والجحدري ومالك بن دينار، وابن محيصن، وزهير العرقي وغيرهم ﴿رفارف﴾ على صيغة منتهى الجموع. والخضر صفة لرفرف، وهو بسكون الضاد جمع أخضر، كحمر جمع أحمر، أي: صاحب خضرة. والخضرة: اللون بين البياض والسواد والحمرة. وهو إلى السواد أقرب، فلهذا سمي الأسود أخضر، والأخضر أسود. وقرأ ابن هرمز ﴿خضُر﴾ بضم الضاد. قال صاحب "اللوامح": وهي لغة قليلة، انتهى.
﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ معطوف على ﴿رَفْرَفٍ﴾، والمراد به: الجنس، ولذا وصف بالجمع وهو قوله: ﴿حِسَانٍ﴾ حملًا على المعنى. وهو جمع حسن. والعبقري منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد كثير الجن، فينسبون إليه كل شيء نفيس عجيب. وقال قطرب: ليس هو من المنسوب، بل هو بمنزلة كرسي، وبختيٍّ. قال في "القاموس": عبقر موضع كثير الجن، وقرية ثيابها في غاية الحسن. والعبقريُّ ضرب من البسط، كالعباقري. انتهى.
وفي "فتح الرحمن": العبقريُّ: بسط حسان، فيها صور، وغير ذلك. وقرأ الجمهور ﴿وعبقريٌّ﴾. وقرأ عثمان بن عفان، والحسن، والجحدريُّ ﴿عباقريُّ﴾. وقرىء ﴿عباقر﴾.
والمعنى: حال كونهم متكئين (٢) على ثياب ناعمة، وفرش رقيقة النسج من الديباج, ووسائد عظيمة، وبسط لها أطراف فاخرة غاية في كمال الصنعة، وحسن المنظر. وخص (٣) الأخضر بالذكر؛ لأن النفس أميل إليها في الدنيا, ولأنه يحصل فيه الألوان الثلاثة: الأبيض، والأسود، والأحمر. فالأبيض يفرق البصر، والأسود يجمع البصر، كالأحمر. فلما اجتمع في الأخضر الأمور الثلاثة دفع بعضها أذى بعض.
стр. 13074
وقوله تعالى في الأوليين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ مع ترك ذكر الظهارة لرفعة شأنها، وخروجها عن كونها مدركة بالعقول والأفهام. وفي الأخريين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ﴾ يعلم به تفاوت ما بينهما.
قال أبو عبد الله الحكيم الترمذي: روي لنا في حديث المعراج: أن رسول الله ﷺ لما بلغ سدرة المنتهى .. جاءه الرفرف، فتناوله من جبريل، وطار به إلى مستقر العرش، وذكر أنه قال: "طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بين يدي ربي، ثم لما حان الانصراف .. تناوله فطار به خفضًا ورفعًا يهوي به، حتى أداه إلى جبريل صلوات الله علبهما، وجبريل يبكي، ويرفع صوته بالتحميد". والرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى، له خواص الأمور في محل الدنو والقرب، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا الرفرف الذي سخره الله لأهل الجنتين وهو متكأهم وفرشهم، يرفرف بالولي، ويطير به على حافات تلك الأنهار، وحيث يشاء من خيامه، وأزواجه، وتصوره. انتهى من "نوادر الأصول" في الأصل التاسع والثمانين.
وقال الترمذي الحكيم أيضًا: وبلغنا في الرواية: أن سحابة مطرت من العرش، فخلقت الحور من قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة منهن خيمة على شاطىء الأنهار، سعتها أربعون ميلًا، وليس لها باب حتى إذا دخل ولي الله الجنة، انصدعت الخيمة عن باب، ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدام لم تأخذها، فهي مقصورة قد قصرها بها عن أبصار المخلوقين. وهو معنى قوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾. والله أعلم. اهـ قرطبي.
٧٧ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧)﴾؛ أي (١): بأيَّ نعم ربكما المحسن الذي لا محسن غيره، ولا إحسان إلا منه تكذبان أبشيء من هذه النعم أم بغيرها، وقد هيأ لكم ما تتكئون عليه، فتستريحون، فإن كل واحد منها أجل أن يتطرق إليه التكذيب، وأعظم من أن يجحده جاحد أو ينكره منكر.
٧٨ - وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾؛ أي: تقدس، وتنزه عن كل ما لا يليق به تقديسٌ
стр. 13075
وننزيهٌ له تعالى (١). فيه تقرير لما ذكر في السورة الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام، أي: تعالى اسمه الجليل الذي من جملته ما صدرت به السورة من اسم الرحمن المنبىء عن إفاضة الآلاء المفصلة، وارتفع عما لا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها: جحود نعمائه، وتكذيبها. وإذا كان حال اسمه بملابسة دلالته عليه، كذلك فما ظنك ذاته الأقدس الأعلى؟ وقيل: الاسم بمعنى الصفة؛ أي: تنزهت، وتقدست صفات ربك عن النقائص، كالعلم من الجهل، والقدرة من العجز. وقيل: لفظ ﴿اسم﴾ مقحم كقوله:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السلامِ عليكُما ... وَمَن يَبْكِ حَوْلًا كاملًا فقَدِ اعْتَذَرْ
أي: ثم السلام عليكما.
والمعنى: تقدس، وتنزه، وتعالى ربك عن كل ما لا يليق به من جميع النقائص. وقال في "فتح الرحمن": وهذا الموضع مما أريد فيه بالاسم مسماه؛ أي: تبارك مسمى ربك، وذاته الأقدس عن النقائص. وفي "التأويلات النجمية": وهذا يدل على أن الاسم هو المسمى؛ لأن المتعالي هو المسمى في ذاته لا الاسم، وكذا الموصوف بالقهر، واللطف، والجلال، والإكرام هو المسمى فحسب، انتهى.
وقوله: ﴿ذِي الْجَلَالِ﴾؛ أي: ذي العظمة والكبرياء ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾؛ أي: ذي الإفضال التام والإحسان العام. وصف به الرب تكميلًا لما ذكر من التنزيه والتقرير.
قال الزروقي: من عرف أنه تعالى ذو الجلال والاكرام هابه لمكان الجلال، وأنس به لمكان الإكرام، فكان بين الخوف والرجاء. وهو اسم الله الأعظم. وقال بعضهم: أسماء الله تعالى كلها أعظم لدلالتها على العظيم، فإنه إذا عظم الذات والمسمى عظم الأسماء والصفات، ويا ذا الجلال والإكرام من الأسماء التي جاء في الحديث أن يدعى الله بها، فقد قال ﷺ : "أَلِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام". وقرأ الجمهور ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ على أنه صفة لربك، وابن عامر، وأهل الشام ﴿ذو﴾
стр. 13076
صفة للاسم. وفي حرف عبد الله، وأبي ﴿ذِي الْجَلَالِ﴾ كقرائتهما في الموضع الأول.
والمعنى (١): أي تعالى ربك ذو الجلال والعظمة والتكريم على ما أنعم به، وتفضل من نعم غوال، ومنن عظام. وهذا تعليم منه لعباده بأن كل هذا من رحمته، فهو قد خلق السماء، والأرض، والجنة، والنار. وعذب العاصين، وأثاب المطيعين، وآتاهم من فضله ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
الإعراب
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾.
﴿وَلِمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لِمَنْ﴾ جار ومجرور، خبر مقدم، ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿جَنَّتَانِ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابه. ﴿ذَوَاتَا﴾ صفة لـ ﴿جَنَّتَانِ﴾، مرفوع بالألف؛ لأنه مثنى ذات، ﴿أَفْنَانٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم إعرابه. ﴿فِيهِمَا﴾ خبر مقدم، ﴿عَيْنَانِ﴾ مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿تَجْرِيَانِ﴾ صفة لـ ﴿عَيْنَانِ﴾. والجملة الاسمية صفة ثانية لـ ﴿جَنَّتَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ، تقدّم إعرابه. ﴿فِيهِمَا﴾ خبر مقدم، ﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ حال من ﴿زَوْجَانِ﴾؛ لأنّه صفة قدمت على النكرة، ﴿زَوْجَانِ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية صفة لـ ﴿جَنَّتَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابه. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾؛ لأنَّ ﴿مَنْ﴾ فيها معنى الجمع، وقيل: عاملها محذوف، دل عليه قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾؛ أي: يتنعمون فيهما حال كونهم متكئين؛ أي: مضطجعين
стр. 13077
أو متربعين. ﴿عَلَى فُرُشٍ﴾ متعلق بـ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، ﴿بَطَائِنُهَا﴾ مبتدأ، ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ خبر. والجملة الاسمية صفة لـ ﴿فُرُشٍ﴾. ﴿وَجَنَى﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة أو حالية، ﴿جنى الجنتين﴾ مبتدأ ومضاف إليه، ﴿دَانٍ﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾، أو حال من الضمير المستكن في الخبر من الجملة المذكورة. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابه. ﴿فِيهِنَّ﴾ خبر مقدم، والضمير إلى ﴿الْجَنَّتَيْنِ﴾ لأنه بمعنى الجنان، كما مر. ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع صفة لـ ﴿جَنَّتَانِ﴾. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ جازم، وفعل مضارع، ومفعول به، ﴿إِنْسٌ﴾ فاعل، ﴿قَبْلَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَطْمِثْهُنَّ﴾، ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ معطوف على ﴿إِنْسٌ﴾ والجملة صفة لـ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾؛ لأنَّ إضافته لفظية أو حال منه؛ لأنه تخصص بالإضافة. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابه. ﴿كَأَنَّهُنَّ﴾ ناصب واسمه، ﴿الْيَاقُوتُ﴾ خبره، ﴿وَالْمَرْجَانُ﴾ معطوف على ﴿الْيَاقُوتُ﴾. والجملة صفة ثانية لـ ﴿قَاصِرَاتُ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابه. ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام للاستفهام الإنكاري؛ لأنّه بمعنى النفي، ﴿جَزَاءُ الْإِحْسَانِ﴾ مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿الْإِحْسَانُ﴾ خبره. والجملة مستأنفة. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ، تقدم إعرابه.
﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾.
﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿من دونهما﴾ خبر مقدم، ﴿جَنَّتَانِ﴾ مبتدأ مؤخّر. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابها. ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ صفة لـ ﴿جَنَّتَانِ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابها. ﴿فِيهِمَا﴾ خبر مقدم، ﴿عَيْنَانِ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ صفة ﴿عَيْنَانِ﴾. والجملة صفة ثانية لـ ﴿جَنَّتَانِ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابها. ﴿فِيهِمَا﴾ خبر مقدم، ﴿فَاكِهَةٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ معطوفان على ﴿فَاكِهَةٌ﴾ عطف خاص
стр. 13078
على عام، والجملة صفة أخرى لـ ﴿جَنَّتَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابه. ﴿فِيهِنَّ﴾ خبر مقدم ﴿خَيْرَاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿حِسَانٌ﴾ صفة ﴿خَيْرَاتٌ﴾. والجملة صفة أخرى لـ ﴿جَنَّتَانِ﴾ لأنَّ الجنتين بمعنى الجنان. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابه. ﴿حُورٌ﴾ بدل من ﴿خَيْرَاتٌ﴾، ويجوز لك أن تعرب حورًا خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: هن حور، ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾ صفة ﴿حُورٌ﴾، ﴿في الْخِيَامِ﴾ متعلق بـ ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابه. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ فعل، ومفعول, ﴿إِنْسٌ﴾ فاعل، ﴿قَبْلَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَطْمِثْهُنَّ﴾، ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ معطوف على ﴿إِنْسٌ﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع, صفة أخرى لـ ﴿حُورٌ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدم إعرابه. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال، عامله محذوف يدلّ عليه قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾، تقديره: يتنعمون فيها حال كونهم ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. ﴿عَلَى رَفْرَفٍ﴾ متعلق بـ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، ﴿خُضْرٍ﴾ نعت لـ ﴿رَفْرَفٍ﴾. لأنه جمع رفرفة، ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ معطوف على ﴿رَفْرَفٍ﴾، ﴿حِسَانٍ﴾ صفة ﴿عَبْقَرِيٍّ﴾. لأنّه جمع عبقرية. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ ...﴾ إلخ تقدّم إعرابه. ﴿تَبَارَكَ﴾ فعل ماض, ﴿اسْمُ رَبِّكَ﴾ فاعل. والجملة مستأنفة. ﴿ذِي﴾ صفة لـ ﴿رَبِّكَ﴾، ﴿الْجَلَالِ﴾ مضاف إليه، ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ معطوف على الجلال. وقيل: اسم مقحم. والمعنى: تبارك ربّك؛ أي: تزايد خيره وإحسانه. والله أعلم بأسرار كتابه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ الخوف في الأصل: توقع المكروه عند ظهور أمارة مظنونة أو محققة. وضده الأمن. ويراد به هنا: الكف عن المعاصي مع فعل الطاعات. و ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ قيامه عليه، وإطلاعه على أعماله.
وفي تفسير المقام ثلاث احتمالات:
الأوّل: أنه اسم مكان بمعنى موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب، كما قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.
والثاني: أنه مصدر بمعنى قيامه تعالى، وإطلاعه على أعمال عباده.
والثالث: أنه مصدر بمعنى قيام الخلائق بين يديه تعالى.
﴿جَنَّتَانِ﴾؛ أي: جنة روحية لقلبه، وجنة جسمانية على شاكلة ما عمل في
стр. 13079
الدنيا. وقيل: إنهما منزلان، يتنقل بينهما لتتوفر دواعي لذته، وتظهر آثار كرامته.
﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ وذوات مثنى ذات بمعنى صاحبة، وأصل ذات: ذوية، قلبت ﴿الواو﴾ ألفًا لتحركها بعد فتح. وفي تثنيتها لغتان. الرد على الأصل، فإن أصلها ذوية؛ لأنها مؤنثة ذوي. والتثنية على اللفظ بأن يقال: ذاتا، والأفنان: جمع فن بمعنى نوع؛ أي: ذواتا أنواع من الأشجار والثمار. يقال: افتن فلان في حديثه إذا أخذ في فنون منه، وضروب مختلفة، أو جمع فنن بمعنى غصن؛ أي: ذواتا أغصان دقيقة التي تتفرع من فروع الشجر، وخصت بالذكر؛ لأنها التي تورق، وتثمر، وتمد الظل.
﴿زَوْجَانِ﴾؛ أي: صنفان، رطب ويابس. ولا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ﴾ جمع فراش. وهو البساط ﴿بَطَائِنُهَا﴾ جمع بطانة ضد الظهارة، ولكن المراد هنا: ما يلي الأرض، كما مرّ. والهمزة فيه بدلة عن الألف الواقعة حرف مد ثالثًا زائدًا في اسم مؤنث جمع على فعائل.
﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ والإستبرق: ما غلظ من الحرير. قيل: استفعل من البريق. وهو الإضاءة. وقيل: من البرقة. وهو اجتماع ألوان، وجعل اسمًا وأعرب إعرابه.
﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ﴾ والجنى: الثمرة التي قد أدركت على الشجرة. وهو اسم بمعنى المجني، كالقبض بمعنى المقبوض. وفيه إعلال بالقلب, أصله: جني قلبت الياه ألفًا لتحركها بعد فتح. وقوله: ﴿دَانٍ﴾ من الدنو بمعنى القرب، أصله: دانوا، مثل: غازو، فوزنه فاع لأعلاله إعلال غاز.
﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ وهو من إضافة اسم الفاعل إلى منصوبه تخفيفًا، ومتعلق القصر محذوف، كما مر؛ أي: نساء يقصرن أبصارهن على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم. والطرف: أصله مصدر، فلذلك وحد. وقيل: الطرف طرف غيرهن؛ أي: قصرن عيني من ينظر إليهن عن النظر إلى غيرهن.
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾؛ أي: لم يفتضهن. يقال: طمث المرأة من باب ضرب إذا افتضها بالتدمية؛ أي: أزال بكارتها. فالطمث: الجماع المؤدي إلى خروج دم البكر، ثم أطلق على كل جماع طمث، وإن لم يكن معه. وفي "المصباح" طمث
стр. 13080
الرجل امرأته طمثًا من بابر ضرب وقتل افتضها، وافترعها. ولا يكون الطمث نكاحًا إلا بالتدمية. وعليه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾، اهـ. وفي "القاموس": الطمث: المس. والمعنى: لم يمس الإنسيّات أحد من الإنس، ولا الجنيّات أحد من الجن.
﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ﴾ الياقوت: جوهر نفيس أحمر اللون. يقال: إن النار لا تؤثر فيه، من خواصه: أنه يقطع جميع الحجارة إلا الماس. فإنه يقطعه لصلابته، وقلة مائه، وشدة الشعاع، والثقل، والصبر على النار. قال بعضهم في مليح: اسمه ياقوتٌ:
يَاقُوتُ يَا قُوتَ قَلْبِ المُسْتَهَامِ بِهِ ... مِنَ الْمُرُوءَةِ أنْ لَا يُمْنَعَ الْقُوتُ
سَكَنْتَ قَلْبِيْ وَمَا تَخْشَى تَلَهُّبَهُ ... وَكَيْفَ يَخْشَى لَهِيْبَ النَّارِ يَاقُوْتُ
﴿وَالْمَرْجَانُ﴾ صغار اللؤلؤ. وهو أشد بياضًا، أي: كأنهن الياقوت في الصفاء، والمرجان في البياض.
﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ مثنى مدهامة. وهي مؤنث مدهام، وصف من ادهام السداسي اسم فاعل. والأصل: مدهاممتان، أدغمت الميم الأولى في الثانية. يقال: ادهام الشيء يدهام ادهيامًا فهو مدهام، ذكره في "تاج المصادر" في باب الإفعيلال. وفي "المختار": دهمهم الأمر غشيهم، وبابه فهم، وكذا دهمتهم الخيل، ودهمهم بفتح الهاء لغة. والدهمة: السواد يقال: فرس أدهم، وبعير أدهم، وناقة دهماء. وادهام ادهيامًا؛ أي: اسود قال الله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾؛ أي: سوداوان من شدة الخضرة من الري. والعرب تقول لكل شيء أخضر: أسود. وسميت قرى العراق سوادًا لكثرة خضرتها. والشاة الدهماء الحمراء الخالصة الحمرة. ويقال للقيد: أدهم. وفي "القاموس": حديقه دهماء، ومدهامة خضراء تضرب إلى السواد نعمةً وريًّا. ومنه: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾.
﴿نَضَّاخَتَانِ﴾؛ أي: فوارتان بالماء لا تنقطعان. والنضخ أكثر من النضح؛ لأن النضح بالحاء المهملة: الرش، وبالخاء المعجمة كالبزل والنضاخة: الفوارة التي ترمي بالماء صعدًا.
﴿حُورٌ﴾ واحدتهن حوراء؛ أي: بيضاء. قال ابن الأثير: الحوراء: هي
стр. 13081
الشديدة بياض العين، والشديدة سوادها. ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾ قصرن، وحبسن في خدورهن، يقال: امرأة قصيرة، وقصورة، ومقصورة؛ أي: مخدرة. ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ في "القاموس": والخيمة: أكمة فوق أبانين، وكل بيت مستدير، أو ثلاثة أعواد، أو أربعة يلقى عليها الثمام، ويستظل بها في الحر أو كل بيت يبني من عيدان الشجر. والجمع خيمات، وخيام، وخيم، وخَيَم بالفتح، وكعنب. يقال: أخامها وأخيمها بناها، وخيموا دخلوا فيها، وبالمكان أقاموا. وخيم الشيء غطاه بشيء كي يعبق، وخام عنه يخيم خيمًا وخيمانًا وخيومًا وخيومة وخيامًا نكص، وجبن. وكاد كيدًا فرجع عليه. وفي "القرطبي": قال عمر ﵁: الخيمة: درة مجوفة.
﴿عَلَى رَفْرَفٍ﴾ والرفرف: اسم جمع أو اسم جنس جمعي، وكذا يقال: في ﴿عبقري﴾. وعبارة "السمين": الرفرف اسم جنس. وقيل: اسم جمع نقلهما مكي. والواحدة رفرفة. وهي ما تدلى من الأسرة من غالي الثياب. واشتقاقه من رفرف الطائر؛ أي: ارتفع في الهواء، انتهت. وقال غيره: الرفرف: بسط أو وسائد "مخدات". ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ والعبقري: العجيب النادر الموشى من البسط، منسوب إلى عبقر. وتزعم العرب أنه اسم لبلد الجن، فينبون إليه كل شيء عجيب.
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾؛ أي: تقدس، وتنزه ربنا الذي أفاض على عباده نعمه الجليلة والحقيرة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإضافة في قوله: ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ للدلالة على الاختصاص الملكي؛ إذ لا ملك يومئذٍ إلا لله تعالى.
ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿وجنى الجنتين﴾ لتغير الشكل، والحروف.
ومنها: الإيجاز بالحذت في قوله: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ فإنَّ فيه حذف الموصوف، وإبقاء الصفة؛ أي: نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن. وفيه أيضًا
стр. 13082
إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله طلبًا للتخفيف اللفظي.
ومنها: الإرداف في قوله: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ وهو أن يريد المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الموضرع له، بل بلفظ هو ردف المعنى الخاص، وتابعه قريب من لفظ المعنى الخاص قرب الرديف من الردف.
والمعنى في الآية: فيهن عفيفات قد قصرف عفتهن طرفهن على بعولتهن. وعدل عن المعنى الخاص إلى لفظ الأرداف؛ لأن كل من عف غض الطرف عن الطموح. فقد يمتد نظر الإنسان إلى شيء، وتشتهيه نفسه، ويعف عنه مع القدرة عليه لأمر آخر. وقصر طرف المرأة على بعلها أو قصر طرفها حياء وخفرًا، أو قصر عيني من ينظر إليهن عن النظر إلى غيرهن أمر رائد على العفة؛ لأنَّ من لا يطمح طرفها لغير بعلها، أو لا يطمح حياء وخفرًا: فإنها ضرورة تكون عفيفة. فكل قاصرة الطرف عفيفة، وليست كل عفيفة قاصرة الطرف. فلذلك عدل عن اللفظ الخاص إلى لفظ الإرداف.
ومنها: التنبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ لذكر الأداة، وحذف وجه الشبه. وهو الصفاء والبياض.
ومنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ إظهارًا لفضله، وميزته. فإن في فصلهما بالواو عن الفاكهة بيانًا لفضلها على سائر الفواكه، كما مرَّ. حتى كأنهما من المزيّة جنسان آخران، كقوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾. ولكن اختلف هل هو من عطف الخاص على العام أو عطف ما تضمنه الأول عليه. والظاهر: أن الآية ليست من عطف الخاص على العام؛ لأن النكرة في سياق الإثبات لا تعم عمومًا شموليًّا.
والله أعلم
* * *
стр. 13083
خلاصة ما تضمنته هذه السورة
١ - ذكر تعليم القرآن، وخلق الإنسان، وتعليمه البيان.
٢ - ذكر جريان الشمس والقمر بحسبان، وسجود النجم والشجر خضوعًا له تعالى.
٣ - وضع الميزان، والأمر بإقامته، وعدم الإخسار فيه.
٤ - بسط الأرض للأنام مع خلق ضروب الفواكه، وأنواع الزروع فيها لهم.
٥ - بيان مادة خلق الإنسان، ومادة خلق الجان.
٦ - ذكر ما يتعلق بالبحرين.
٧ - ذكر فناء المخلوق، وبقاء الخالق.
٨ - ذكر احتياج من في السموات والأرض إليه وكونه سبحانه في تدبير شؤونهم.
٩ - أمر الثقلين بخروجهم من أقطار السموات والأرض أمر تعجيز.
١٠ - ذكر أحوال يرم القيامة، وبيان أحوال المجرمين فيه.
١١ - ذكر ما أعده للمقربين والأبرار من الثقلين مطعمًا، وملبسًا، ومنكحًا إلى آخر السورة. اللهم يا ذا الجلال والإكرام صل وسلم على من أرسلته رحمة للأنام سيدنا محمد، وآله، وصحبه الكرام ما تعاقبت الليالي والأيام صلاة وسلامًا متلازمين دائمًا بلا انصرام (١).
والله أعلم
* * *
стр. 13084
سورة الواقعة
سورة الواقعة مكية، نزلت بعد طه في قول الحسن (١)، وعكرمة، وجابر، وعطاء، وقال ابن عباس، وقتادة: مكية إلا آية منها نزلت بالمدينة. وهي قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾. وقال الكلبيّ: إنها مكيّة، إلّا أربع آيات منها: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾، وقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾.
وآيها: ست أو سبع وتسعون آية (٢). وكلماتها: ثلاث مئة وثمان وسبعون كلمة. وحروفها: ألف وسبع مئة وثلاثة أحرف.
مناسبتها لما تجلها من ثلاثة أوجه (٣):
١ - إنّ في كل منهما وصف القيامة، والجنة، والنار.
٢ - إنه ذكر في السورة السابقة عذاب المجرمين، ونعيم المتقين، وفاضل بين جنتي بعض المؤمنين، وجنتي بعض آخر منهم، وبين هنا انقسام المكلفين إذ ذاك إلى أصحاب ميمنة، وأصحاب مشئمة، وسابقين.
٣ - إنه ذكر في سورة الرحمن انشقاق السماء، وذكر هنا رج الأرض. فكأن السورتين لتلازمهما، واتحادهما موضوعًا سورة واحدة مع عكس في الترتيب. فقد ذكر في أول هذه ما في آخر تلك، وفي آخر هذه ما في أول تلك. وعبارة أبي حيان: مناسبة هذه السورة لما قبلها (٤): أنَّ ما قبلها تتضمن العذاب للمجرمين، والنعيم للمؤمنين، وفاضل بين جنتي بعض المؤمنين، وجنتي
стр. 13085
بعض بقوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾. فانقسم العالم بذلك إلى كافر ومؤمن مفضول ومؤمن فاضل. وهكذا جاء ابتداء هذا السورة من كونهم أصحاب ميمنة وأصحاب مشئمة وسباق. وهم المقربون وأصحاب اليمين، والمكذبون المختتم بهم آخر هذه السورة.
الناسخ والمنسوخ منها: أجمع (١) المفسّرون على أن لا ناسخ فيها، ولا منسوخ إلا قول مقاتل بن سليمان، فإنه قال نسخ منها قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾، الآية (١٤) من الواقعة، نسخ بقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ الآية (٤٠) من الواقعة.
واسمها: سورة الواقعة، سميت بها لذكر الواقعة فيها. وهو اسم من أسماء القيامة.
ومن فضائلها: ما أخرجه أبو يعلى، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل لية لم تصبه فاقة أبدًا". ومنها: ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "سورة الواقعة سورة الغنى فاقرؤوها، وعلموها أولادكم". وأخرج الديلمي عن أن قال: قال رسول الله ﷺ : "علموا نساؤكم سورة الواقعة، فإنها سورة الغنى".
ومنها: ما روى هلال بن يساف عن مسروق قال: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والأخرين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ أهل الدنيا، ونبأ أهل الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
ومنها: ما ذكر أبو عمر ابن عبد البر في "التمهيد" و"التعليق"، والثعلبيُّ أيضًا: أن عثمان دخل على ابن مسعود يعوده في مرضه الذي مات منه، فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: أفلا ندعو لك طبيبًا؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا نأمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه، حبسته عني في حياتي، وتدفعه عند مماتي. قال: يكون لبناتك من بعدك، قال: أتخشى على
стр. 13086
بناتي الفاقة من بعدي، إني أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة كل ليلة. فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا"، اهـ قرطبيّ. وقد روى هذا الحديث البيهقيُّ، وغيره كما مرّ آنفًا، إنما أعدناه لهذه القصة. قال سعدي المفتي: هذا حديث صحيح.
وفي رواية أخرى: من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدًا. قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، ومن فهمه يشتغل بالاستعداد للآخرة.
قال الغزالي رحمه الله تعالى في "منهاج العابدين": قراءة هذه السورة عند الشدّة في أمر الرزق والخصاصة شيء وردت به الأخبار المأثورة عن النبيّ ﷺ ، وعن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حتى ابن مسعود ﵁ حين عوتب في أمر أولاده؛ إذ لم يترك لهم في الدنيا، قال: لقد خلفت لهم سورة الواقعة.
فإن قلت: إرادة متاع الدنيا بعمل الآخرة لا تصح.
قلت: مراده أن يرزقهم الله تعالى قناعة أو قوة يكون لهم عدة على عبادة الله تعالى، وقوّة على درس العلم. وهذا من جملة إرادة الخير دون الدنيا فلا رياء، انتهى كلامه.
والله أعلم
* * *
تزلزل، فيندك ما عليها من جبال وأبنية، وأنَّ الجبال تتفتت، وتصير كالغبار المنتشر في الجو، وأن الناس إذ ذاك ينقسمون أفواجًا ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشئمة، والسابقون.
قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لما ذكر (١) أنَّ الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: سابقون، وأصحاب ميمنة، وأصحاب مشأمة .. أعقب ذلك بذكر ما يتمتع به السابقون من النعيم في فرشهم، وطعامهم، وشرابهم، ونسائهم، وأحاديثهم التي تدل على صفاء النفس، وأدب الخلق، وسمو العقل.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لما ذكر حال السابقين، وبين ما لهم من نعيم مقيم في جنّات النعيم .. أردف ذلك بذكر حال أصحاب اليمين، فبين أنهم في جنات يتخللها السدر المخضود، والموز المنضد بعضه فوق بمعنى، والفاكهة الكثيرة التي لا تنقطع أبدًا، ولا تمتنع عنهم متى شاؤوا، وفيها فرش وثيرة مرتفعة عالية، ونساء حسان أبكار في سن واحدة.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لما ذكر زوجين من الأزواج الثلاثة، وبين ما يلقاه كل منهم من عز مقيم وشرف عظيم في جنات ونعيم، في جملة شؤونهم في مآكلهم، ومشاربهم، وفرشهم، وأزواجهم .. أردف ذلك بذكر الزوج الثالث، وبين ما يلقاه من النكال، والوبال، وسوء الحال. فهو يتلظى في السموم، ويشرب ماء كالمهل يشوي الوجوه، ثم أعقبه بذكر السبب في هذا بأنهم كانوا في دنياهم مترفين غارقين في ذنوبهم، منكرين هذا اليوم يوم الجزاء. ثم أمره أن يخبرهم بأن هذا اليوم واقع حتمًا، وأن مأكلهم سيكون من شجر الزقوم، يملؤون منه البطون، ثم يشربون؛ ولا يرتوون كالإبل الهيم. وهذا ما أعد لهم من كرم وحسن وفادة في هذا اليوم.
стр. 13089
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١ ٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه أحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بسند فيه من لا يعرف عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ شق ذلك على المسلمين، فنزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾.
وأخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" بسند فيه نظر من طريق عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ وذكر فيها ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ قال عمر: يا رسول الله ثلة من الأوّلين وقليل منَّا. فأمسك آخر السورة سنة، ثم نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾. فقال رسول الله ﷺ : "يا عمر تعال، فاسمع ما أنزل الله تعالى، أنزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ ". وأخرجه ابن حاتم عن عروة بن رويم مرسلًا.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، والبيهقي في "البعث" عن عطاء ومجاهد قالا: لمّا سأل أهل الطائف الوادي يحمى لم، وفيه عسل ففعل، وهو واد معجب، فسمعوا الناس يقولون: إن في الجنة كذا وكذا. قالوا: يا ليت لنا في الجنّة مثل هذا الوادي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) ...﴾ الآيات.
وأخرج البيهقي من وجه اخر عن مجاهد قال: كانوا يعجبون بوج "واد بالطائف"، وظلاله، وطلحه، وسدره. فأنزل الله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ وانتصاب ﴿إِذَا﴾ بجوابها المحذوفة، تقديره: إذا
стр. 13090
قامت القامة، وحدثت، وحصلت وذلك عند النفخة الثانية يكون من الأهوال ما لا يفي به المقال.
سمّاها (١) واقعة مع أنَّ دلالة اسم الفاعل على الحال، والقيامة مما سيقع في الاستقبال لتحقق وقوعها. ولذا اختار ﴿إِذَا﴾، وصيغة الماضي. فالواقعة من أسماء القيامة، كالصاخة، والطامة، والآزفة. سميت واقعة؛ لأنها كائنة لا محالة، أو لقرب وقوعها، أو لكثرة ما يقع فيها من الشدائد. وقال أبو الليث: سميت القيامة واقعة لصوتها. وقيل: منصوب باذكر محذوف، أي: إذكر وقت وقوع الواقعة، أو بالنفي المفهوم من
٢ - قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾؛ أي: لا يكون عند وقوعها تكذيب. والكاذبة مصدر كالعاقبة، أي: ليس لمجيئها وظهورها كذب أصلًا. وقيل: إنها شرطية، والعامل فيها الفعل الذي بعدها على تقدير فاء الربط لكون الجواب فعلًا جامدًا؛ أي: إذا وقعت الواقعة .. فليس هناك تكذيب لوقوعها لمشاهدتها كما وقع تكذيبها في الدنيا من المشركين. ويحتمل أن يكون الكاذبة اسم فاعل، واللام للتوقيت، والمعنى؛ أي: لا يكون عند وقوعها نفس تكذب على الله، وتفتري بالشريك، والولد، والصاحبة، وبأنه لا يبعث الموتى. لأن كل نفس حينئذٍ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كاذبة مكذبة.
ومعنى الآية (٢): أنها إذا وقت النفخة الآخرة عند البعث لم يكن هناك تكذيب بها أصلًا، أو لا يكون هناك نفس تكذب على الله، وتكذب بما أخبر عنه من أمور الآخرة. وقال الزجاج ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾، أي: لا يردها شيء، وبه قال الحسن، وقتادة. وقال الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقال الكسائي: ليس لها تكذيب؛ أي: لا ينبغي أن يكذب بها أحد.
وعبارة "المراغي": أي إذا قامت القيامة ليس لوقعتها ارتداد، ولا رجعة كالجملة الصادرة من ذي سطوة قاهر. قاله الحسن، وقتادة. وقد يكون المعنى: ليس في وقت وقوعها كذب. لأنّه حق لا شبهة فيه.
стр. 13091
٣ - ثم هول شأنها، وعظم أمرها. فقال: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾؛ أي: هي خافضة لأقوام، رافعة لآخرين. وهو (١) تقرير لعظمتها على سبيل المجاز؛ فإن الوقائع العظام يرتفع فيها أناس إلى مراتب، ويتضع أناس. وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل. قال بعضهم: خافضة لأعداء الله إلى النار، رافعة لأولياء الله إلى الجنة، أو تخفض أقوامًا بالعدل، وترفع أقوامًا بالفضل. وعن ابن عباس ﵄: تخفض أقوامًا كانوا مرتفعين في الدنيا، وترفع أقومًا كانوا متضعين فيها، اهـ. كما يشاهد ذلك في تبدل الدول من ذل الأعزة وعز الأذلة. وفي هذا إيماء إلى ما يكون يومئذٍ من حط الأشقياء إلى الدركات ورفع السعداء إلى درجات الجنات. ومن ثم قال عمر بن الخطاب ﵁: خفضت أعداء الله إلى النار؛ ورفعت أولياءه إلى الجنة.
وقرا الجمهور: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ برفعهما (٢) على إضمار مبتدأ، أي: هي خافضة رافعة. وقرأ زيد بن على؛ والحسن، وعيسى الثقفي، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، وابن مقسم، والزعفراني، واليزيدي في اختياره بنصبهما على الحال؛ وصاحب الحال الواقعة، والعامل فيها ﴿وَقَعَتِ﴾. وتستعمل العرب الخفض والرفع في المكان والمكانة، والعز، والإهانة. ونسبة الخفض والرفع إليها على سبيل المجاز؛ كما مرّ؛ لأن الخافض والرافع في الحقيقة هو الله .
٤ - والظرف في قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾؛ أي: زلزلت الأرض زلزالًا، متعلق (٣) بـ ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾، مجردة عن معني الشرط؛ أي: خافضة رافعة إذا حركت الأرض تحريكًا شديدًا، بحيث ينهدم ما فوقا من بناء وجبل، ولا نسكن زلزلتها حتى تلقي جميع ما في بطنها على ظهرها. والرج: تحريك الشيء، وازعاجه؛ أي: تخفض، وترفع وقت رج الأرض، وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يرتفع ما هو منخفض، وينخفض ما هو مرتفع. وقيل: إن الظرف بدل من الظرف الأول، ذكره الزجاج. فيكون معنى وقوع الواقعة: هو رج الأرض، وبس الجبال.
стр. 13092
٥ - وقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾؛ أي: فتت الجبال فتا، معطوف على ﴿رُجَّتِ﴾؛ أي: فتتت حتى صارت كالدقيق المبسوس؛ أي: المبلول؛ أي: مثل السويق الملتوت من بس السويق إذا لته، والبسيسة: سويق يلت، فيتخذ زادًا، وقيل: صارت كثيبًا مهيلًا بعد أن كانت شامخة. وقيل: معناه: قلعت من أصلها، وسيّرت على وجه الأرض حتى ذهب بها.
٦ - ﴿فَكَانَتْ﴾؛ أي: صارت الجبال بسبب ذلك ﴿هَبَاءً﴾؛ أي: غبارًا. وهو ما يسطع من حوافر الخيل، أو الذي يرى في شعاع الكوّة، أو الهباء: ما يتطاير من شرر النار، أو ما ذرته الريح من الأوراق. ﴿مُنْبَثًّا﴾؛ أي: منتشرًا متفرّقًا. وروي: أن الله تعالى يبعث ريحًا من تحت الجنة، فتحمل الأرض والجبال، وتضرب بعضها ببعض، ولا تزال كذلك حتى تصير غبارًا، ويسقط ذلك الغبار على وجوه الكفار. كقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾. وقال بعضهم: إنّ هذه الغبرة هي التراب الذي أشار إليه تعالى: ﴿لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. وسيجيء تحقيقه في محله. والكلام على الشبيه؛ أي: فصارت كالهباء المنبث الذي ذرته الريح، وفرقته.
وقرأ زيد بن علي (١): ﴿رَجَّت﴾ و ﴿بسَّتْ﴾ مبنيًا للفاعل. و ﴿إذا رجَّت﴾ بدل من ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾، وجواب الشرط عندي ملفوظ به. وهو قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾.
والمعنى: إذا كان كذا وكذا، فأصحاب الميمنة ما أسعدهم، وما أعظم ما يجازون به، أي: إن سعادتهم، وعظم رتبتهم عند الله تعالى تظهر في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وقرأ الجمهور ﴿مُنْبَثًّا﴾ بالثاء المثلثة. وقرأ مسروق، والنخعيُّ، وأبو حيوة ﴿منبتًا﴾ بالتاء المثناة من فوق؛ أي: منقطعًا من قولهم: بتَّه الله؛ أي: قطعه.
٧ - ثم ذكر سبحانه أحوال الناس، واختلافهم. فقال: ﴿وَكُنْتُمْ﴾ إمَّا خطاب للأمة الحاضرة، والأمم السالفة تغليبًا أو للحاضرة فقط ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: أصنافًا ﴿ثَلَاثَةً﴾ اثنان في الجنة، وواحد في النار. وكل صنف يكون مع صنف آخر في الوجود، أو في الذكر يسمى زوجًا فردًا كان كالعينين والرجلين. فكل منهما يسمى زوجًا، وهما
стр. 13093
معًا زوجان أو شفعًا كما هنا. فهاهنا أزواج ثلاثة.
٨ - ثم فصل سبحانه هذه الأصناف الثلاثة، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)﴾؛ أي: أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين. ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ مبتدأ، خبره ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ على أن ﴿مَا﴾ الاستفهامية مبتدأ ثان، وما بعده خبره. وتكرير المبتدأ هنا بلفظه مغن عن الضمير الرابط، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾، و ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾. والاستفهام للتعظيم والتفخيم. والأصل: ما هم؛ أي: أيُّ شيء هم في حالهم وصفتهم. ولا يجوز مثل هذا إلا في مواضع التفخيم والتعظيم أو التهويل والتفظيع.
٩ - والكلام في قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩)﴾ كالكلام في قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)﴾.
وأصحاب الميمنة: هم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وأصحاب المشأمة: هم الذين يأخذون بشمائلهم. أو الذين يكونون على يمين العرش، فيأخذون طريق الجنة، والذين يكونون على شمال العرش فيفضى بهم إلى النار. أو أصحاب الميمنة: أصحاب المنزلة السنيّة، وأصحاب المشأمة: أصحاب المنزلة الدنيّة أخذًا من تيّمنهم بالميامن؛ أي: بطرف اليمين، وتشؤمهم بالشمائل؛ أي: بجانب الشمال. كما تقول: فلان منّي باليمين، أو بالشمال. إذا وصفته عندك بالرفعة أو الضمة. تريد ما يلزم من جهتي اليمين والشمال من رفعة القدر وانحطاطه. أو أصحاب اليمن، وأصحاب الشؤم. فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم، والأشقياء مشائيم عليها بمعاصيهم، أو أصحاب الميمنة الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق، حين أخرجت ذريته من صلبه، قال تعالى في حقهم: "هؤلاء من أهل الجنة ولا أبالي". وأصحاب المشأمة: هم الذين كانوا على شماله، وقال تعالى فيهم: "هؤلاء من أهل النار ولا أبالي".
والمراد من هذا الكلام: تعجيب السامع من حال الفريقين في الفخامة، والفظاعة. كأنَّه قيل: فأصحاب الميمنة في نهاية السعادة، وحسن الحال. وأصحاب المشأمة في نهاية الشقاوة، وسوء الحال. فكأنه قيل: ما عرفت حاله، أي شيء هي، فاعرفها وتعجب منها.
١٠ - ثم ذكر سبحانه الصنف الثالث، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ والتكرير فيه
стр. 13094
للتفخيم والتعظيم؛ كما مر في القسمين الأوليين. كما تقول: أنت أنت، وزيد زيد. وهم القسم الثالث من الأزواج الثلاثة. أخر ذكرهم ليقترن ببين محاسن أحوالهم.
وأصل السبق: المتقدم في السير، ثم تجوز به في غيره من المتقدم. والجملة مبتدأ وخبر.
والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم. كقوله: أنا أبو النجم وشعري شعري. أو السابقون الأول مبتدأ، والثاني تأكيد له، كرر تعظيمًا لهم؛ والخبر جملة قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلخ. وفي البرهان: التقدير عند بعضهم: السابقون ما السابقون، فحذف ﴿ما﴾ لدلالة ما قبله عليه.
ومعنى الآيات: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾؛ أي (١): وصرتم أيها الخلائق في ذلك اليوم ثلاثة أصناف: اثنان في الجنة، وواحد في النار. ثم بينهم بقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ...﴾ إلخ؛ أي: فأهل الجنة الذين يعطون كتابهم بيمينهم، أيُّ شيء هم في حالهم. فهم في غاية حسن الحال في الكرامة؛ والسرور؛ وأهل النار الذين يعطون كتابهم بشمالهم أيُّ شيء هم في حالهم فهم في غاية سوء الحال، وهم في الهوان والعذاب. والسابقون الذين لا حساب عليهم هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت محاسنهم. فهم يسبقون الخلق إلى الجنّة من غير حساب. فالسابقون إلى الخيرات في الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى.
قال ابن عباس ﵄: هم السابقون إلى الهجرة، السابقون في الآخرة إلى الجنّة. وقيل: هم السابقون إلى الإسلام. وقيل: هم الذين صلُّوا إلى القبلتين من المهاجرين والأنصار. وقيل: هم السابقون إلى الصلوات الخمس. وقيل: إلى الجهاد. وقيل: هم المسارعون إلى التوبة؛ وإلى ما دعا الله إليه من أعمال البرّ والخير. وقيل: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة.
فإن قلت (٢): لم أخر ذكر السابقين، وكانوا أولى بالتقديم على أصحاب اليمين؟
قلت: فيه لطيفة، وذلك أنَّ الله تعالى ذكر في أوّل السورة من الأمور الهائلة
стр. 13095
عند قيام الساعة تخويفًا لعباده. فأما المحسن فيزداد رغبة في الثواب، وأما المسيء فيرجع عن إساءته خوفًا من العقاب. فلذلك قدم ﴿أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ ليسمعوا، ويرغبوا. ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا. ثم ذكر السابقين وهم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ليجتهد أصحاب اليمين في القرب من درجتهم.
١١ - وقيل (١): وجه تأخير هذا الصنف الثالث مع كونه أشرف من الصنفين الأوليين ليقرنه بما هو لهم المذكور بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفة الجليلة. وهو مبتدأ، خبره ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ أي: الذين قربت إلى العرش العظيم درجاتهم، وأعليت مراتبهم، ورقيت إلى حظائر القدس نفوسهم الزكية. يقول الفقير: عرف هذا المعنى من قوله ﷺ : "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس": فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن. فإنه يظهر منه أن الفردوس مقام المقربين لقربه من العرش الذي هو سقف الجنة. ولم يقل: أولئك المتقرّبون؛ لأنهم بتقريب ربهم سبقوا لا بتقرب أنفسهم. ففيه إشارة إلى الفضل العظيم في حقّ هؤلاء، يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
١٢ - وقوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ إما (٢) متعلق بـ ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ أي: مقرّبون عند الله في جنات النعيم، أو خبر ثان لأولئك، أو حال من الضمير في ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: كائنين في جنّات النعيم.
والمعنى (٣): أي والسابقون الذين يتقدّمون غيرهم إلى الطاعات هم الذين اشتهرت أحوالهم، وعرفت فخامة أمورهم. وقد يكون المعنى: والسابقون إلى طاعة الله تعالى هم السابقون إلى رحمته سبحانه. فمن سبق في هذه الدنيا إلى فعل الخير كان في الآخرة من السابقين إلى دار الكرامة. فالجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.
وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "الذين إذا أعطوا الحق