← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 13126–13165 · переход к 13131.

стр. 13126

بعينه. قال في "القاموس": المعن: الماء الظاهر، ومعن الماء أساله، وأمعن الماء جرى. والمعنان بالضم: مجاري الماء في الوادي. والمراد: أنها لم تعصر كخمر الدنيا. ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾؛ أي: لا يحصل لهم صداع بسبب شربها، كما يحدث ذلك في خمر الدنيا. والصداع: هو الداء الذي يأخذ الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه. والصدع: شق في الأجسام الصلبة كالزجاج، والحديد، ونحوهما. ومنه استعير الصداع. وهو الانشقاق في الرأس من الوجع. ومنه: الصديع للفجر. ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ من أنزف الشارب إذا نفد عقله أو شرابه. فالنفاد إما للعقل. وهو من عيوب خمر الدنيا. أو للشراب. فإن بنفادهما تختل الصحبة. يقال: نزف الرجل بالبناء للمجهول؛ أي: ذهب عقله سكرًا. ويقال للسكران: نزيف ومنزوف. ونزف الرجل دمًا رعف فخرج دمه كله، كلاهما وارد. ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾؛ أي: يختارون، ويرضون. يقال: تخيرت الشىء أخذت خيره. ﴿مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أصله: يشتهيون بوزن يفتعلون؛ استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فلما سكنت التقى ساكنان، فحذفت الياء لذلك. ﴿وَحُورٌ﴾ جمع حوراء، كحمر جمع حمراء. فمعنى الحور: النساء شديدات البياض؛ أي: بياض أجسادهن. والعين: جمع عيناء. فمعنى العين: شديدات سواد العيون مع سعتها، مثل: أعين الظباء والبقر. قال الأصمعي: وليس في بني آدم حور عين، وإنما قيل للنساء: حور تشبيهًا بالظباء والبقر، اهـ. وقوله: ﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء، كسرت فاؤه لمناسبة الياء، وإلا فقياسه أن يجمع كما جمعت حمراء. فأصل "عين" عين بضم العين؛ لأنه نظير حمر جمع حمراء، فخفف بإبدال ضمة فائه كسرة لتصح الياء؛ وإنما لم تبدل ياؤه واوًا وكما فعلوا في موقن وموسر. أصلها: ميقن وميسر؛ لأن الجمع أثقل من المفرد، والواو أثقل من الياء. فيجتمع حيئذٍ ثقلان. قال في الخلاصة: وَيُكْسَرُ الْمَضْمُوْمُ فِيْ جَمْعٍ كَمَا ... يُقَالُ هِيْمٌ عِنْدَ جَمْعِ أَهْيَمَا ﴿الْمَكْنُونِ﴾؛ أي: المصون الذي لم تمسه الأيدي. وهو أصفى، وأبعد من

стр. 13127

التغير. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ الهمزة فيه مبدلة من ياء لتطرفها إثر ألف زائدة. فأصله: جزاي. ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾؛ أي: باطلًا. قال في "القاموس": اللغو واللغا: السقط، وما لا يعتد به من كلام وغيره، كما مر بسطه. ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾؛ أي: ما يقال حين سماعه: وقعتم في الإثم. والإثم: الأفعال المبطئة عن الثواب. والجمع آثام. ﴿إِلَّا قِيلًا﴾ فيه إعلال بالقلب أصله: قولًا، قلبت ﴿الواو﴾ ياء لسكونها إثر كسرة. ﴿أَبْكَارًا﴾ جمع بكر. والمصدر البكارة. قال الراغب: البكرة: أول النهار، وتصور منها معنى التعجيل لتقدمها على سائر أوقات النهار. فقيل لكل متعجل: بكر. وسميت التي تفتض بكرًا اعتبارًا بالثيب لتقدمها عليها، فيما يراد به النساء. ﴿عُرُبًا﴾ جمع عروب، كرسل جمع رسول. وهي المتحببة إلى زوجها، الحسنة التنقل، واشتقاقه من أعرب إذا بين. والعرب تبين محبتها لزوجها. ﴿أَتْرَابًا﴾ جمع ترب بالكسر. وهي اللدة، والسن. وفي "السمين": الترب: هو المساوي لك في سنك؛ لأنه يمس جلدهما التراب في وقت واحد. وهو آكد في الائتلاف. وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة لأنه في معنى الصفة. إذ معناه: مساويك، ومثله: خدنك؛ لأنه في معنى صاحبك، اهـ سمين. ﴿فِي سَمُومٍ﴾ السموم: حر نار ينفذ في المسام. قال في "القاموس": السموم: الريح الحارة تكون غالبًا في النهار. والحرور: الريح الحارة بالليل، وقد تكون بالنهار. ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وهو الماء المتناهي في الحرارة. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾، وزنه يفعول، قال أبو البقاء: من الحم بالضم، أو من الحميم. واليحموم قيل: هو الدخان الأسود البهيم. وقيل: واد في جهنم. وقيل: اسم من أسمائها. والأول أظهر، اهـ سمين. وفي "المختار": وحممه تحميمًا سخم وجهه بالفحم، والحمم: الرماد، والفحم، وكل ما احترق من النار. الواحدة حممة، اليحموم: الدخان، اهـ. ﴿يُصِرُّونَ﴾ أصله: يصررون بوزن يفعلون، نفلت حركة الراء الأولى إلى الصاد فسكنت، فأدغمت في الراء الثانية. ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾، أي: الذنب العظيم. وهو الشرك بالله، وجعل الأوثان والأنداد أربابًا من دون الله تعالى.

стр. 13128

﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾ قرىء ﴿مُتنا﴾ بضم الميم. لأنَّ المستعمل الفاشي في هذه الفاعل: مات يموت بوزن فعل يفعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، ولما أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك التقى ساكنان: الألف والتاء لام الكلمة، فحذفت الألف لذلك، فاحتيج إلى معرفة هذه العين المحذوفة من الفعل الأجوف هل هي واو أو ياء؟ فحذفت حركة الفاء، وعوض عنها حركة مجانسة لتلك العين المحذوفة. وهي الضمة؛ لأن العين واو، فقيل: متنا بوزن فلنا. أما من قرأ ﴿مِتْنَا﴾ بكسر الميم فتوجيه ذلك أن في هذا الفعل لغة على فعل يفعل بكسر العين في الماضي والمضارع، ولما حذفت عينه لالتقاء الساكنين، كسرت فاؤه لتدل الكسرة على أن العين المحذوفة مكسورة كما قالوا: قلت من الكيل، وخفت من الخوف. فقولهم: ثنا بكسر الميم كثير الاستعمال شاذ في القياس. وقوله: ﴿متنا﴾ بضم الميم قليل الاستعمال غير شاذ في القياس، وفي الفعل أيضًا لغة ثالثة، حكاها الكوفيون. وهي أنه من باب فعل بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع. وعليه يتجه أيضًا كسر الميم كما في خفت. ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ أصله: موقات، قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة. والميقات: هو الوقت المضروب للشيء ينتهي عنده أو يبتدأ فيه. ﴿مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ والزقوم: هو من أخبث الشجر المر ينبت في الدنيا بتهامة، وفي الآخرة ينبت في أصل الجحيم. وهو كريه المنظر، مر الطعم، منتن الرائحة. ﴿فَمَالِئُونَ﴾ اسم فاعل من ملأ الثلاثي. يقال: ملأ الأناء فهو مملوء من باب قطع. والمليء بالكسر: مقدار ما يأخذه الإناء إذا امتلأ. ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وعبارة السمين: والهيم بكسر الهاء جمع أهيم للمذكر، وهيماء للمؤنث كحمر وأحمر وحمراء. وهو الجمل والناقة التي أصابها الهيام. وهو داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن تموت، أو تسقم سقمًا شديدًا. والأصل: هيم بضم الهاء كحمر، قلبت الضمة كسرة لتصح الياء. وذلك نحو: بيض في أبيض، وبيضاء وفعل بضم الفاء جمع لأفعل، وفعلاء على حد قول ابن مالك: فُعْلٌ لِنَحْوِ أَحْمَرٍ وحَمْرَا ... وفِعْلَةٌ جَمْعًا بِنَقْلٍ يُدْرَى

стр. 13129

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾. ومنها: التعبير باسم الفاعل الذي حقيقة في الحال عند الإطلاق عما في المستقبل. وهو القيامة إشعارًا بتحقق وقوعها. ولذا اختيرت إذا دون إن الشرطية، واختيرت صيغة الماضي أيضًا. ومنها: الطباق في قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ وفيه أيضًا المجاز العقلي؛ لأن الخافض والرافع في الحقيقة هو الله تعالى؛ يرفع أولياءه، ولخفض أعداءه. وفي إسنادهما إلى القيامة مجاز عقلي؛ لما فيه من إسناد الشيء إلى زمانه كقولهم: نهاره صائم. ومنها: تقديم الخفض على الرفع في قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ مبالغة في التهويل منها. ومنها: حذف الفاعل في قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ لعلمه، وإفادة للتهويل منها. ومنها: الطباق بين ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾، و ﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ وبين: ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ و ﴿الْآخِرِينَ﴾. ومنها: التفخيم والتعظيم في قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ على طريق الاستفهام. ومنها: التحقير والإهانة في قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾. ومنها: التفنّن في قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ إلخ، وقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ إلخ، بعد قوله أولًا: ﴿أصحاب الميمنة﴾ الخ، وقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ إلخ. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾؛ أي: كأمثال اللؤلؤ في بياضه وصفاته، حذف منه وجه الشبه. فهو مرسل مجمل. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾ من الوضن. وهو حقيقة

стр. 13130

في نسج الدرع. ثم استعير لكل نسج محكم. ومنها: الإيجاز في قوله: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ فجمع في هاتين الكلمتين جميع عيوب الخمر في الدنيا. ومنها: توافق الفواصل في الحرف الأخير في قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾. وقوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ وهو مما يزيد في رونق الكلام، وحسنه. وهو المسمى عندهم بالسجع المرصع؛ أي: غير المتكلف به. وهو من المحسنات البديعية. ومنها: المبالغة في التشبيه في قوله: ﴿سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾؛ لأنّ المخضود في سدر الدنيا، المقطوع المزال عنه شوكه. فإن سدر الدنيا مخلوق بشوك، والذي أزيل عنه شوكه يسمى مخضودًا. وسدر الجنة خلق بلا شوك، كأنه خضد شوكه؛ أي: قطع ونزع عنه. فقوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ إما من باب المبالغة في التشبيه أو مجاز بعلاقة السببية، فإن الخضد سبب لانقطاع الشوك. ومنها: تأكيد المدح بما يشبه الذم في قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ لأن السلام ليس من جنس اللغو والتأثيم. فهو مدح لهم بإفشاء السلام. وهذا كقول القائل: ولا ذنب ليس إلا محبتك. ومنها: التهكم بأصحاب المشأمة في قوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ إشعارا بأنهم لا يستأهلون للظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم في الجنة. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾؛ أي: كالنزل الذي يعد للنازل مما أحضر مكرمة له. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 13131

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله تعالى لما ذكر (١) الأزواج الثلاثة، وبين مآل كل منها، وفصل ما يلقاه السابقون وأصحاب الميمنة من نعيم مقيم، وذكر ما يلقاه أصحاب المشأمة من عذاب لازبٍ في حميم وغساق، وذكر أن ذلك إنما نالهم لأنهم أشركوا بربهم، وعبدوا معه غيره، وكذبوا رسله، وأنكروا البعث والجزاء .. أردف ذلك بإقامة الأدلة على الألوهية من خلق ورزق لطعام وشراب، وأقام الدليل على البعث والجزاء. ثم أثبت الأصل الثالث - وهو النبوة - فيما بعد.

стр. 13132

قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر الأدلة على الألوهية والبعث والجزاء .. أعقب ذلك بذكر الأدلة على النبوة، وصدق القرآن الكريم. وأقسم على هذا بما يرونه في مشاهداتهم من مساقط النجوم، إنه لكتاب كريم لا يمسّه إلا المطهرون، وأنه نزل من لدن حضرة القدس على يد جبريل ﵇. فكيف تتهاونون في اتباع أوامره، والانتهاء عن نواهيه، وتجعلون شكركم على هذا تكذيبكم بنعم الله تعالى، وجزيل فضله عليكم. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) جحود الكافرين بآياته، وتكذيبهم رسوله وكتابه، وقولهم فيه: إنه سحر أو افتراء، واعتقادهم أن رزقهم من الأنواء .. أردف ذلك بتوبيخهم على ما يعتقدون، فإنه إذا كان لا بد للفعل من فاعل، وقد جحدتم الله، وكذبتم رسوله فالفاعل لهذا كله أنتم؛ لأنَّ الخالق إما الله وإما أنتم، فإذا نفيتم الله فأنتم الخالقون، وإذًا فلماذا لا ترجعون الروح لميتكم؟ وهو يعالج سكرات الموت. فإن كنتم صادقين فارجعوها، الحق إنكم لا تعقلون الدليل والبرهان، بل لا تفهمون إلا المحسوسات فلما لم تروا الفاعل كذبتم به، وهذا من شيمة الجهال. إذ للعلم وسائل عديدة. فليس عدم رؤية الشيء دليلًا عل عدم وجوده. ثم بين حال المتوفى، ومن أي الأزواج الثلاثة هو؟. فإن كان من السابقين .. فله روح واطمئنان نفس علمًا منه بما سيلقاه من الجزاء، ورزق طيب في جنات النعيم. فيرى فيها ما تلذ الأنفس، وتقر به الأعين، وإن كان عن أصحاب اليمين .. فتسلم عليه الملائكة، وتعطيه أمانًا من ربه، وإن كان من أصحاب الشمال .. فضيافته ماء حميم، وعذاب في النار أبدًا. ثم بين لرسوله ﷺ أن الخبر الذي أخبر به هو الحق اليقين، وعليه أن ينزه ربه العظيم عن كل ما لايليق به.

стр. 13133

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه مسلم، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : "أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر". قالوا: هذه رحمة وضعها الله. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، وكذا. فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾. وأصل الحديث بدون ذكر أنه سبب نزول الآية ثابت في "الصحيحين" من حديث زيد بن خالد الجهني، ومن حديث أبي سعيد الخدري ﵄. التفسير وأوجه القراءة ٥٧ - ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُم﴾ أيها الكفرة ﴿فَلَوْلَا﴾؛ أي: فهلا ﴿تُصَدِّقُونَ﴾ بالخلق فإن ما لا يحققه العمل، ولا يساعده، بل ينبىء عن خلافه ليس من التصديق في شيء أو بالبعث، فإن من قدر على الإبداء قدر على الإعادة. قال مقاتل: خلقناكم، ولم تكونوا شيئًا، وأنتم تعلمون ذلك فهلا تصدقون بالبعث. قال القاضي زكريا: فإن قلت: كيف قال ذلك مع أنهم مصدقون بذلك بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؟ قلت: هم، وإن صدقوا بألستهم لكن لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق كانوا كأنهم مكذبون به، أو أن ذلك تحضيض على التصديق بالبعث بعد الموت بالاستدلال بالخلق الأول، فكأنّه قال: هو خلقكلم أولًا باعترافكم، فلا يمتنع عليه أن يعيدكم ثانيًا. فهلا تصدقون بذلك؟ انتهى. واعلم (٢): أنَّ الله إذا أخبر عن نفسه بلفظ الجمع يشير به إلى ذاته وصفاته وأسمائه كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾، وكما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾. وإذا أخبر عن نفسه بلفظ المفرد يشير إلى ذاته المطلقة كما قال: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. هذا إذا كان القائل المخبر هو الله تعالى، وأما إذا كان العبد فينبغي أن يقول: أنت يا رب، لا أنتم؛ لإيهامه الشرك المنافي

стр. 13134

لتوحيد الله القائل، ولذا يقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ ليدل على شهادته بخصوصه، فتعين توحيده، ويظهر تصديقه. وفي قوله (١): ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ التفات من الله سبحانه إلى خطاب الكفرة تبكيتًا لهم، وإلزامًا للحجة. والمعنى (٢): أي نحن بدأنا خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، أفليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى، فهلا تصدقون بالبعث. وفي هذا تقرير للمعاد، ورد على المكذبين به المستبعدين له من أهل الزيغ والإلحاد الذين قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. ٥٨ - ثم أعاد الدليل فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾؛ أي: ما تقذفونه، وتصبونه في أرحام النساء من النطف التي يكون منها الولد. فقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني، و ﴿مَا تُمْنُونَ﴾ مفعوله الأول. والجملة الاستفهامية أعني: قوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ إلخ، مفعوله الثاني. يقال: أمنى الرجل يمني لا غير، ومنيت الشيء أمنيه إذا قضيته. وسمي المني منيًّا؛ لأن الخلق منه يقضى. ٥٩ - ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾؛ أي: تقدرونه، وتصورونه بشرًا سويًّا في بطون النساء ذكرًا، أو أنثى ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ له؛ أي: أم نحن المقدرون المصورون له من غير دخل شيء فيه، و ﴿أَمْ﴾ هي المتصلة، وهي أولى. وقيل: منقطعة ما بعدها جملة. فالمعنى: بل أنحن الخالقون على أن الاستفهام للتقرير. ومجيء الخالقون بعد ﴿نَحْنُ﴾ بطريق التأكيد لا بطريق الخبرية أصالة. وفيه (٣): إشارة إلى معنى: أن وقوع نطف الأعمال، والأفعال، وموادها في أرحام قلوبكم ونفوسكم بخلقي، وإرادتي لا بخلقكم وإرادتكم. ففيه تخصيص مواد الخراطر المقتضية للأفعال والأعمال والأقوال إلى نفسه، وقدرته، وسلبها عن الخلق. وقرأ الجمهور (٤): ﴿تُمْنُونَ﴾ بضم الفوقانية، من أمنى يمني. وقرأ ابن عباس،

стр. 13135

وأبو السمال، ومحمد بن السميقع، والأشهب العقيلي بفتحها، من مني يمني. وهما لغتان. وقيل: معناهما مختلف. يقال: أمنى إذا أنزل عن جماع، ومني إذا أنزل عن احتلام. وسمي المني منيًا؛ لأنه يمنى؛ أي: يراق، وقد سبق في عبارة الروح معنى غير ما هنا. وعبارة أبي حيان هنا (١): وجاء ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ هنا مصرحًا بمفعولها الأول، ومجيء جملة الاستفهام في موضع المفعول الثاني على ما هو المقرر فيها إذا كانت بمعنى أخبروني، وجاء بعد ﴿أَمْ﴾ جملة فقيل: ﴿أَمْ﴾ منقطعة. وليست المعادلة للهمزة، وذلك في أربعة مواضع هنا ليكون ذلك على استفهامين. فجواب الأول لا، وجواب الثاني نعم. فتقدر ﴿أَمْ﴾ على هذا: بل أنحن الخالقون؟ فجوابه نعم. وقال قوم من النحاة: ﴿أَمْ﴾ هنا معادلة للهمزة، وكان ما جاء من الخبر بعد ﴿نَحْنُ﴾ جيء به على سبيل التوكيد. إذ لو قال: أمْ نحن .. لوقع الاكتفاء به دون ذكر الخبر، انتهى. ومعنى الآية (٢): أي أخبروني عمّا قذفتم به في الأرحام من النطف أأنتم تقدرونه بشرًا سويًّا تام الخلق أم الله الخالق لذلك؟. ولا شك أنهم لا يجدون إلا جوابًا واحدًا، لا ثاني له. والخلاصة: أخبروني أيها المنكرون قدرة الله على إحيائكم بعد مماتكم عن النطف التي تمنون في أرحام نسائكم أأنتم تخلقونها أم نحن الخالقون لها؟ ٦٠ - ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا﴾ قرأ الجمهور (٣): ﴿قَدَّرْنَا﴾ بالتشديد. وقرأ مجاهد، وحميد، وابن محيصن وابن كثير بالتخفيف. وهما لغتان. يقال: قدرت الشيء، وقدرته؛ أي: قسمنا. ﴿بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ وكتبناه عليكم، ووقتنا موت كل واحد بوقت معين حسبما تقتضيه مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة. فمنهم من يموت صغيرًا، ومنهم من يموت كبيرًا. وعبارة الخطيب هنا: أي قضينا به، وأوجبناه، وكتبناه فلم نترك أحدًا منكم

стр. 13136

بغير حصة منه. وأقتنا موت كل واحد بوقت معين لا يتعداه، فقصرنا عمر هذا، وربما كان في الأوج "ضد الهبوط" من قوة البدن، وصحة المزاج. فلو اجتمع الخلق كلهم على إطالة عمره .. ما قدروا أن يؤخروه لحظة، وأطلنا عمر هذا، وربما كان في الحضيض من ضعف البدن، واضطراب المزاج، فلو تمالؤوا على تقصيره طرفة عين .. لعجزوا، اهـ، أي: والقادر على هذا كله قادر على إعادتكم وبعثكم. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾؛ أي: بمغلوبين، ٦١ - بل قادرين ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ منكم ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾؛ أي: أشباهكم؛ أي: لا يغلبنا أحد على أن نذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق. يقال: سبقته على كذا؛ أي: غبته عليه، وغلب فلان فلانًا على الشيء إذا أخذه منه بالغلبة. وقال الضحاك: معناه: أنه جعل أهل السماء، وأهل الأرض فيه سواء، وما نحن بمسبوقين على أن نأتي بخلق مثلكم. وقال الزجاج: إن أردنا أن نخلق خلقًا غيركم .. لم يسبقنا سابق، ولا يفوتنا. وقال ابن جرير: المعنى: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، وما نحن بمسبوقين في آجالكم؛ أي: لا يتقدم متأخر ولا يتأخر متقدم. ﴿و﴾ على أن ﴿نُنْشِئَكُم﴾ ونوجدكم ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الأطوار، والصور، والهيئات. لا تعهدون بمثلها. وقال الحسن؛ أي: على أن نجعلكم قردة وخنازير، كما فعلنا بأقوام قبلكم إن لم تؤمنوا برسلنا. يعني: لسنا عاجزين عن خلق أمثالكم بدلًا منكم، ومسخكم من صوركم إلى غيرها. وقيل: المعنى: ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا. وقال مجاهد: ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: في أي خلق شئنا. ومن كان قادرًا على هذا فهو قادر على البعث. وقال سعيد بن المسيب: ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: في حواصل طيور سود تكون ببرهوت، كأنها الخطاطيف. وبرهوت واد باليمن، اهـ. والمعنى (١): أي نحن قسمنا الموت بينكم، ووقتنا موت كل واحد بميقات معين لا يعدوه بحسب ما اقتضته مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة. وما نحن بعاجزين عن أن نذهبكم، ونأتي بأشباههكم من الخلق، وننشئكم فيما لا تعلمون من

стр. 13137

الأطوار، والأحوال التي لا تعهدونها. والخلاصة: نحن قدرنا بينكم الموت؛ لأن نبدل منكم أمثالكم بعد مهلككم، ونجيء بآخرين من جنسكم، فنحن نميت طائفة، ونبدلها بطائفة أخرى قرنًا بعد قرن، وجيلا بعد جيل. ٦٢ - ثم ذكر دليلًا آخر على البعث. فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ واللام للقسم؛ أي: وعزتي وجلالي لقد علمتم أيّها الكفرة ﴿النَّشْأَةَ﴾؛ أي: الخلقة ﴿الْأُولَى﴾ هي خلقتهم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، ولم تكونوا قبل ذلك شيئًا. وقيل: هي فطرة آدم من التراب. وعبارة الخطيب هنا: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ أي: الترابية لأبيكم آدم، واللحمية لأمكم حواء، والنطفية لكم. وكل منها تحويل من شيء إلى غيره. فإن الذي شاهدتم قدرته على ذلك قادر على إعادتكم. ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: فهلا تذكرون قدرة الله على النشأة الأخيرة، وتقيسونها على النشأة الأولى؛ فإن (١) من قدر على الأولى التي كانت بلا مواد قدر على الأخيرة حتمًا فإنها أقل صنعًا لحصول المواد، وتخصص الأجزاء وسبق المثال. وفي الخبر: "عجبًا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة، وهو يرى النشأة الأولى، وعجبًا للمصدق بالنشأة الآخرة، وهو يسعى لدار الغرور". وفي الآية دليل على صحة القياس، حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى. وترك القياس إذا كان جهلًا .. كان القياس علمًا، وكل ما كان من قبيل العلم فهو صحيح. قال أبو حيان: ولا تدل إلا على قياس الأولى لا على جميع أنواع القياس. وقرأ الجمهور (٢): ﴿النَّشْأَةَ﴾ بالقصر. وقرأ مجاهد، والحسن، وابن كثير وأبو عمرو بفتح الشين في النشأة، وبألف بعدها فهمزة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتخفيف الذال من ﴿تذكَّرون﴾. والباقون بالتشديد. وقرىء ﴿تذْكُرون﴾ بسكون الذال، وضم الكاف من ذكر الثلاثي.

стр. 13138

والمعنى (١): والله لقد علمتم. أنَّ الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار، والأفئدة فهلا تتذكرون، وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة وهي البداية قادر على النشأة الأخرى، وهي الإعادة بطريق الأولى، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾. ٦٣ - ثم أردف ذلك بدليل آخر في الرزق في المطعوم فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني يا أهل مكة ﴿مَا تَحْرُثُونَ﴾؛ أي: ما تبذرون، وتطرحون من الحبوب في أرضكم، وتعملون فيها بالسقي ونحوه. والحرثة: إلقاء البذر في الأرض، وتهيئتها للزرع. ٦٤ - ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾؛ أي: تنبتونه، وتجعلونه زرعا ونباتًا يربو، وينمو إلى يبلغ الغاية. فيكون فيه السنبل والحب ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾؛ أي: بل نحن المنبتون له، الجاعلون له زرعًا لا أنتم. والاستفهام المفهوم من ﴿أَمْ﴾ للإنكار. والزرع: الإنبات، وحقيقة ذلك يكون بالأمور الإلهية دون البشرية، ولذا نسب الحرث إليهم، ونفى عنهم الزرع، ونسبه إلى نفسه. وفي الحديث: "لا يقولون أحدكم زرعت، وليقل حرثت، فإن الزارع هو الله". والمعنى (٢): أي أخبروني أيها المشركون عن الحرث الذي تحرثونه: أأنتم تنبتونه أم نحن الذين ننبته؟ أي: أأنتم تصيرونه زرعًا أم نحن الذين نصيره كذلك؟ فإذا أقررتم بهذا فكيف تنكرون البعث؟. ورُوي عن حجر المنذريّ: أنه كان إذا قرأ ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾، وأمثالها يقول: بل أنت يا ربّ. والحاصل (٣): أن الحرث فعلهم من حيث إن اختيارهم له مدخل في الحرث، والزرع خالص فعل الله سبحانه. فإن إنبات السنبل والحب لا مدخل فيه لاختيار العبد أصلًا، وإذا نسب الزرع إلى العبد، فلكونه فاعلًا للأسباب التي هي سبب الزرع والإنبات. وفي "الأسئلة المقحمة": الأصح: أن الحرث والزرع واحد، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. فهلا أضاف الحرث إلى نفسه أيضًا؟.

стр. 13139

والجواب: أن إضافة الحرث إلينا إضافة الاكتساب، وإضافته إلى نفسه إضافة الخلق والإبداع. كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾. قال الحليمي: يستحب لكل من ألقى في الأرض بذرًا أن يقرأ بعد الاستعاذة ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. ثم يقول: الله الزارع، والمنبت، والمبلغ. اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وارزقنا ثمره، وجنبنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين. ويقال: إنّ هذا القول أمان لذلك الزرع من جميع الآفات الدود، والجراد، وغير ذلك ببركة تلك الآيات، ولا مانع من ذلك، وإن كان لا أصل له. وفي الآية (١): امتنان ليشكروا على نعمة الزرع، واستدلال بأن من قدر على الإنبات قادر على الإعادة. فكما أنه ينبت الحب في الأرض، وينبت بذر النطفة في الرحم فكذا ينبت من حب عجب الذنب في القبر. فإن كلها حب، وذلك لأن بذر النطفة، وكذا عظم عجب الذنب شيء كخردلة. ٦٥ - ﴿لَوْ نَشَاءُ﴾ ﴿لَوْ﴾ للمضي، وإن دخل على المضارع، ولذا لا يجزمه، فهو شرط غير جازم؛ أي: لو أردنا ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: الزرع بمعنى المزروع ﴿حُطَامًا﴾ هشيمًا؛ أي: يابسًا متفننًا متكسرًا بعدما أنبتناه، واخضر بحيث طمعتم في حيازة غلاله، وجمعها من بعد ظهوره وقبل اشتداد حبه. ﴿فَظَلْتُمْ﴾؛ أي: فصرتم بسبب ذلك ﴿تَفَكَّهُونَ﴾؛ أي: تتعجبون من سوء حاله إثر ما شاهدتموه على أحسن ما يكون من الحال، أو تندمون على ما فعلتم فيه من الاجتهاد، وأنفقتم عليه، أو تندمون على ما أصبتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه. والحطام (٢): الهشيم الذي لا ينتفع به، ولا يحصل منه حب، ولا شيء مما يطلب من الحرث. وقال الفراء: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ تتعجبون فيما نزل بكم في زرعكم. وقال الحسن، وقتادة، وغيرهما: معنى الآية: تعجبون من ذهابها، وتندمون مما حل بكم. وقال عكرمة: تلاومون، وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله. وقال ابن زيد: تفجعون. وهذا (٣) كله تفسير باللازم. ومعنى ﴿تَفَكَّهُونَ﴾: تطرحون

стр. 13140

الفكاهة عن أنفسكم. وهي المسرة. ورجل فكه، منبسط النفس، غير مكترث بشيء. وتفكه من أخوات تحرج وتحوب. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَظَلْتُمْ﴾ بفتح الظاء مع لام واحدة. وقرأ أبو حيوة، وأبو بكر في رواية الفيكي عنه بكسرها كما قالوا: مسست بفتح الميم وكسرها. وحكاها الثوريّ من ابن مسعود، وجاءت عن الأعمش، وقرأ ابن عباس، والجحدري ﴿فظللتم﴾ بلامين. أولاهما مكسورة على الأصل. وقرأ الجحدري أيضًا بفتحها. وهي لغة. والمشهور: ظللت بالكسر. وقرأ الجمهور ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ بالهاء. وقرأ أبو حزام العكلي: ﴿تفكنون﴾ بالنون بدل الهاء؛ أي: تندمون. قال ابن خالويه: ﴿تفكه﴾ تعجب تفكن تندم وفي "المصباح": التفكن: التندم. ومنه: الحديث: "مثل العالم كمثل الحمة يأتيها البعداء، ويتركها القرباء. فبينا هم إذ غار ماؤها، فانتفع بها قوم يتفكنون" أي يتندمون. والحمة: العين الحارة من الحمم. وهو الماء الحار يستشفي به الأعلاء والمرضى. ٦٦ - وقوله: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾ مقول لقول محذوف وقع حالًا من فاعل ﴿تَفَكَّهُونَ﴾؛ أي: فظلتم تفكهون حال كونكم قائلين: إنا لملزمون غرامة ما أنفقنا، والغرامة أن يلزم الإنسان ما ليس في ذمته، وعليه. كما في "المغرب". أو مهلكون بهلاك زرعنا، أبو بشؤم معاصينا، أو معذبون عن الغرام، وهو أشد العذاب. قال الشاعر: إِنْ يعَذِّبْ يَكُنْ غَرَامًا وَإِنْ ... يُعْطِ جِزِيْلًا فَإنَّهُ لَا يُبَالِيْ وقرأ الجمهور (٢): ﴿إِنَّا﴾ بهمزة واحدة على الخبر. وقرأ الأعمش، وأبو بكر، والجحدري، والمفضل، وزر بن حبيش بهمزتين على الاستفهام. والظاهر من السياق المعنى الأول (٣). أعني: ملزمون غرما بما هلك من زرعنا، أي: إنا لمغرمون بذهاب ما حرثناه، ومصيره حطامًا. جمع مغرم. والمغرم: الذي ذهب ماله بغير عوض، ٦٧ - ثم أضربوا عن قولهم هذا، وانتقلوا فقالوا:

стр. 13141

﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ حرمنا رزقنا بهلاك زرعنا. والمحروم: الممنوع من الرزق الذي لا حظ له فيه، أو محدودون لا مجدودون؛ أي: ممنوعون من الحد وهو المنع؛ أي: لا حظ لنا, ولا جد، ولا بخت. ولو كنا مجدودين .. لما فسد علينا هذا. روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بأرض الأنصار، فقال: "ما يمنعكم من الحرث"؟ قالوا: الجدوبة. قال: "أفلا تفعلون فإن الله تعالى يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء، وإن شئت زرعت بالريح، وإن شئت زرعت بالبذر". ثم تلا ريسول الله ﷺ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ الآية. ففي الحديث إشارة إلى أن الله تعالى هو الذي يعطي ويمنع بأسباب وبغيرها. فالتوحيد هو أن يعتقد أن التأثير من الله تعالى لا من غيره، كالكوكب ونحوه، فإنه يتهم النفس بالمعصية القاطعة للرزق. وفي الحديث: "ما سنة بأمطر من أخرى، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي، والبحار". وفي الحديث: "دُم على الطهارة يوسع عليك الرزق". فإذا كان توسيع الرزق في الطهارة، فتضييقه في خلافها، والرزق ظاهر وباطن، وكذا الطهارة والنجاسة. فلا بد لطالب الرزق مطلقًا أن يكون على طهارة مطلقة دائمًا. فإن قلت: فما حال أكثر السلف؛ فإنهم كانوا فقراء مع دوام الطهارة؟ قلت: كان السلف في الرزق المعنوي أكثر من الخلف، وهو المقصود الأصلي من الرزق. وإنما كانوا فقراء في الظاهر لكمال افتقارهم الحقيقي، كما قال ﵇: "اللهم أغنني بالافتقار إليك". فمنعوا عن الغنى الصوري تطبيقًا لكل من الظاهر والباطن بالآخر، فهم أغنى الأغنياء في صورة الفقراء، وعداهم ممن ليس على صفتهم أفقر الفقراء في صورة الأغنياء، فالمرزوق من رزق غذاء الروح من الإلهامات، والعلوم، والفيوض، والمحروم: من حرمه، فاعرفه. والمعنى: أي نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا، وأبقيناه لكم. ولو شئنا .. لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده؛ فأصبح لا ينتفع به في مطعم، ولا في غذاء. فصرتم تعجبون من سوء حاله إثر ما شاهدتم فيه من الخضرة، والنضرة، والبهجة، والرواء،

стр. 13142

وتقولون: حقًّا إنا لمعذبون مهلكلون لهلاك أرزاقنا؟ لا بل هذا أمر قدر علينا لنحس طالعنا، وسوء حظنا. ٦٨ - ثم أعقبه بدليل آخر في المشروب. فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾؛ أي: أخبروني أيها الناس ﴿الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ عذبًا فراتًا، فتسكنون به ما يلحقكم من العطش، وتدفعون به ما ينزل بكم من الظمأ. واقتصر سبحانه على ذكر الشرب مع كثرة فوائد الماء، ومنافعه؛ لأنه أعظم فوائده، وأجل منافعه. ٦٩ - ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾؛ أي: من السحاب. واحده مزنة. وقيل: هو السحاب، وماؤه أعذب. والمراد به: المطر. ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ له بقدرتنا دون غيرنا. فإذا عرفتم ذلك فكيف لا تقرون بالتوحيد، وتصدقون بالبعث. والرؤية (١) إن كانت بمعنى العلم، فمعلقة بالاستفهام، وإن كانت بمعنى الإبصار، أو المعرفة فالجملة الاستفهامية استئناف. وهذا هو اختيار الرضي. ٧٠ - ثم بين لهم سبحانه أنه لو يشاء لسلبهم هذه النعمة. فقال: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: جعلنا ذلك الماء النازل من المزن ﴿أُجَاجًا﴾؛ أي: ملحًا زعافًا، لا يمكن شربه. والأجاج (٢): الماء الشديد الملوحة الذي لا يمكن شربه. وقال الحسن: هو الماء المر الذي لا ينتفعون به في شرب، ولا زرع، ولا غيرهما. وحذف (٣) اللام هاهنا، وأثبتها في الشرطية الأولى للفرق بين المطعوم والمشروب في الأهمية، وصعوبة الفقد. يعني: أن أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب وأن الوعيد بفقده أشد، وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعًا للمطعوم. وقيل: ذكر اللام في جواب لو في الزرع عملًا بالأصل، وحذفها منه في الماء اختصارًا لدلالة الأول عليه. ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: فهلا تشكرون ما ذكر جميعًا من المطعوم والمشروب بتوحيد منعمه، وإطاعة أمره. أو فلولا تشكرون على أن جعلناه عذبًا، أي: فهلا تشكرون نعمة الله الذي خلق لكم ماء عذبًا تشربون منه، وتنتفعون به. والمعنى (٤): أي أفرأيتم أيها الناس الماء العذب الذي تشربونه أأنتم أنزلتموه

стр. 13143

من السحاب الذي فوقكم إلى قرار الأرض، أم نحن منزلوه لكم لو نشاء لجعلناه ملحًا زعافًا لا تنتفعون به في شرب، ولا غرس، ولا زرع. فهلا تشكرون ربكم على إنزاله المطر عذبًا زلالًا. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾. أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر ﵀ عنه: أن النبي ﷺ كان إذا شرب الماء قال: "الحمد لله الذي سقانا عذبًا فرتًا برحمته، ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا". وعن ابن عباس ﵄: إن تحت العرش بحرًا تنزل منه أرزاق الحيوانات يوحي الله سبحانه إليه، فيمطر ما شاء من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، ويوحي إلى السماء أن غربليه فتغربله، فليس من قطرة تقطر إلا معها ملك يضعها موضعًا، ولا ينزل من السماء قطرة إلا بكيل معلوم ووزن معلوم إلا ما كان من يوم الطوفان. فإنه نزل بغير كيل ولا وزن. وقال بعض الحكماء: إن المطر يأخذه قوس الله من البحر إلى السحاب، ثم ينزل من السحاب إلى الأرض. قال بعضهم: هو أدخل في القدرة. لأن ماء البحر مر، فيصعد ملحًا، وينزل عذبًا. وفي الآية (١): إشارة إلى أن بعض بلاد العرب ليس لها آبار، ولا أنهار جارية. فلا يشرب أهلها إلا من المطر في المصانع. فمنها: القدس الشريف، وينبع، وجدة المحروسة, ونحوها. وللماء العذب مزيد فضل من هذه البلاد، ولذا امتن الله به على العباد. ٧١ - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ أيها الكفرة ﴿النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾؛ أي: أخبروني عن النار التي تقدحونها، وتستخروجها من الزناد. والعرب تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى الزند، والأسفل الزندة. شبهوهما بالفحل والطروقة. يقال: ناقة طروقة؛ أي: بلغت أن يضربها الفحل. لأن الطرق الضرب. ٧٢ - ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ﴾ وأوجدتم ﴿شَجَرَتَهَا﴾ التي منها الزناد. وهي المرخ، والعقار، كما مر في سورة يس.

стр. 13144

﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ لها بقدرتنا دونكم، ومعنى الإنشاء: الخلق، وعبر عنه بالإنشاء للدلالة على ما في ذلك من بديع الصنعة، وعجيب القدرة. ٧٣ - ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: جعلنا هذه النار التي في الدنيا ﴿تَذْكِرَةً﴾ لنار جهنم الكبرى؛ أي: جعلنا نار الزناد تذكيرًا لنار جهنم من حيث إنه علقنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها، ويذكروا ما أوعدوا به من نار جهنم. أو تذكرة وموعظة وأنموذجا من جهنم؛ لما روي عن النبيّ ﷺ : "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءًا من حر نار جهنم". وقيل: تبصرة في أمر البعث. فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب. وفي "عين المعاني": وهو حجة على منكري عذاب القبر، حيث تضمن النار ما لا يحرق ظاهره. ﴿وَمَتَاعًا﴾؛ أي: منفعة، وبلغة. لأن حمل النار يشق. ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾؛ أي: للذين ينزلون القواء بالفتح، وهو القفر الخالي عن الماء، والكلاء، والعمارة، وهم المسافرون، وتخصيصهم بذلك؛ لأنهم أحوج إليها ليهرب منها السباع، ويصطلوا من البرد، ويجففوا ثيابهم، ويصلحوا طعامهم. فإن المقيمين أو النازلين بقرب منهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد. وتأخير هذه المنفعة للتنبيه على أن الأهم هو النفع الأخروي. والمعنى (١): أي أفرأيتم النار التي تقدحونها، وتستخرجونها من الزناد أأنتم أنشأتم شجرتها التي منها الزناد أم نحن المنشئون لها بقدرتنا؟ وكانت العرب توقد النار بطريق احتكاك المرخ بالعقار "نوعان من الشجر" فيأتون بعود من العقار، وبقطعة عريضة من المرخ. يحفرون في وسطها حفرة ثم يضعون عود العقار في هذه الفجوة. ويأت فتى من فتيان القبيلة، ويحرك عود العقار فيها بالتوالي، ويأتي بعده آخر، ويصنع صنيع سابقه، ولا يزالون يفعلون هكذا حتى تشتعل النار من كثرة الاحتكاك. وهذه عملية شاقة عسرة، ومن ثم كان البيت في القبيلة إذا رأى النار موقدة استعار جذوة منها. وإلى هذا أشار بقوله سبحانه في قصص موسى ﵇: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾. ثم

стр. 13145

بين منافع هذه النار، فقال: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا ...﴾ إلخ؛ أي: نحن جعلنا النار تبصرة في أمر البعث، حيث علقنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها، ويذكروا بها ما أوعدوا به؛ لأنّ من أخرج النار من الشجر الأخضر المضاد لها فهو قادر على إعادة ما تفرقت مواده، وجعلناها منفعة لمن ينزلون القواء والمفاوز من المسافرين. فكم من قوم سافروا، ثم أرملوا فأججوا نارًا، فاستدفئوا، وانتفعوا بها. وقد كان من لطف الله أن أودعها الأحجار، وخالص الحديد فيتمكن المسافر من حملها في متاعه وبين ثيابه. وإذا احتاج إليها في منزله أخرج زنده، وأورى، وأوقد نارًا، فطبخ بها، واصطلى واشتوى واستأنس بها، وانتفع بها في وجوه المنافع المختلفة. وفي الحديث: "المسلمون شركاء في ثلاثة: النار، والكلأ، والماء". وفي "فتح الرحمن": بدأ سبحانه بذكر خلق الإنسان، ثم بما لا غنى له عنه. وهو الحب الذي منه قوته. ثم بالماء الذي به سوغه، وعجنه. ثم بالنار التي بها نضجه، وصلاحه. وذكر عقب كل من الثلاثة الأولى ما يفسده، فقال في الأولى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾، وفي الثانية: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾، وفي الثالثة: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾. ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾ انتهى. ٧٤ - والفاء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ للإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أيها الإنسان جميع ما عددته لك من النعم التي أنعمت بها على عبادي، وجحود المشركين لها، وتكذيبهم بها، وأردت بيان ما هو اللازم لك في الشكر فأقول لك: سبح؛ أي: نزه، وقدس اسم ربك عما لا يليق به كمشاركة غيره تعالى له في ذلك الاسم: كالإله، والرحمن والخالق. كما تنزه ذاته عن جميع النقائص؛ لأن ما ثبت للمسمى من التنزيه والتقديس نهو ثابت للاسم؛ لأن اسمه تعالى مهاب محترم معظم منزه، كما أن ذاته كذلك. أي (١): لا تقل لغيره تعالى: إنه إله. فإن الاسم يتبع المعنى، والحقيقة؛ أي: إن الكفار اعترفوا بأن الأمور من الله تعالى، وإذا طولبوا بالوحدانية قالوا: نحن لا نشرك في المعنى، وإنما نتخذ أصنامًا آلهة في الاسم، ونسميها آلهة، والله هو الذي

стр. 13146

خلقها، فنحن ننزهه تعالى في الحقيقة. فقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾؛ أي: فكما أنت أيها العاقل اعترفت بعدم اشتراك الله مع غيره في الحقيقة اعترفت بعدم اشتراكهما في الاسم والمعنى. تعجب من أمرهم، وقل: سبحان الله العظيم. ولم يقل (١): فسبح ربك لأن سبح منزل منزلة اللازم، ولم يعتبر تعلقه بالمفعول، ومعناه: فأحدث التسبيح بذكر اسمه تعالى بإضمار المضاف شكرًا على تلك النعم، وإن جحدها الجاحدون، أو أحدث التسبيح بذكره تعالى على المجاز؛ فإن إطلاق الاسم للشيء ذكر له. والباء للاستعانة, أو للملابسة، والمراد بذكر ربّه هنا: تلاوة القرآن، والعظيم صفة للاسم أو الرب. قال ابن عطاء رحمه الله تعالى: سبحه إن الله أعظم من أن يلحقه تسبيحك، أو يحتاج إلى شيء منك، لكنه شرف عبيده بأن أمرهم أن يسبحوه ليطهروا أنفسهم بما ينزهونه به, انتهى. وفي "فتح الرحمن": قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؛ أي (٢): نزه ربك. فقوله: "باسم" زائد. أو المعنى: نزه اسم ربك. فالباء زائدة، والاسم باق على معناه أو هو بمعنى الذات أو بمعنى الذكر. أو الباء متعلقة بمحذوف حال. ٧٥ - قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ ذهب (٣) جمهور المفسرين إلا أنَّ ﴿لا﴾ مزيدة للتأكيد، وتقوية الكلام كما في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾. والمعنى: فأقسم. ويؤيد هذا القول قوله فيما بعد: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾. وقال جماعة من المفسرين: إنها للنفي، وإن المنفي بها محذوف. وهو كلام الكفار الجاحدين. وقال الفراء: هي نفي. والمعنى: ليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف فقال: أقسم. وضعف هذا القول بأن حذف اسم لا وخبرها غير جائز، كما قاله أبو حيان وغيره. وقيل إنها لام الابتداء. والأصل: فلأنا أقسم بذلك. فحذف المبتدأ، وأشبعت فتحة لام الابتداء، فتولد منها ألف، كقول الشاعر:

стр. 13147

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ العَقْرَابِ وقد قرأ هكذا ﴿فلأقسم﴾ بدون ألف الحسن، وحميد، وعيسى بن عمر. وقيل: ﴿لا﴾ هنا على ظاهرها، وإنها لنفي القسم. والمعنى: فلا أقسم على هذا إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم خصوصًا إلى مثل هذا القسم العظيم. وهذا القول مدفوع بتعيين المقسم به بقوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾، وتفخيم شأنه بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾. وقوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾؛ أي (١): بمساقطها. وهي مغاربها. وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها والدّلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو لأن ذلك وقت قيام المتهجّدين، والمبتهلين إليه، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليهم. أو بمنازلهما ومجاريهما. فإن له تعالى في ذلك من الدليل على عظم قدرته، وكمال حكمته ما لا يحيط به البيان. وقيل: المراد بالنجوم: نجوم القرآن، ومواقعها أوقات نزولها، وإليه ذهب ابن عباس ﵄ وقيل: المراد بالنجوم: الصحابة، والعلماء الهادون بعدهم، ومواقعهم مقابرهم. وقيل: غير ذلك. والمعنى: أقسم بمساقط النجوم، ومغاربها على أن هذا المنزل عليك لقرآن كريم، وله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وقد أقسم سبحانه على كثير من مخلوقاته العظيمة دلالة على عظم مبدعها، فأقسم بالشمس، والقمر، والليل، والنهار، ويوم القيامة، والتين، والزتيون، كما أقسم بالأمكنة. فأقسم بطور سينين، ومكة المكرمة. وقرأ الجمهور: ﴿بِمَوَاقِعِ﴾ جمعًا. وقرأ عمر، وعبد الله، وابن عباس، وأهل المدينة، وحمزة، والكسائي، وابن محيصن، وورش عن يعقوب ﴿بموقع﴾. قال المبرد: موقع هاهنا مصدر، فهو يصلح للواحد والجمع. فائدة: المناسبة بين المقسم به وهو النجوم، وبين المقسم عليه وهو القرآن الكريم في هذه الآية أن النجوم جعلها الله سبحانه ليهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والضلالة، وتلك ظلمات

стр. 13148

حسية، وهذه ظلمات معنوية. فالقسم هنا جاء جامعًا بين الهدايتين: الحسية للنجوم، والمعنوية للقرآن. فهذا وجه المناسبة. ٧٦ - ثم أخبر سبحانه عن تعظيم هذا القسم، وتفخيمه. فقال: ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن هذا القسم المذكور ﴿لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة، وكمال الحكمة، وفرط الرحمة. ومن مقتضيات رحمته أن لا يترك عباده سدى بغير كتاب. وجملة ﴿إِنَّ﴾ معترضة بين المقسم به، والمقسم عليه. وجملة ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ معترضة بن الصفة والموصوف لتأكيد تعظيم المحلوف به. فهو اعتراض في اعتراض، وجواب ﴿لو﴾ متروك، أريد به نفي علمهم أو محذوف ثقة بظهوره؛ أي: لعظمتموه أو لعلمتم بموجبه، ففيه تنبيه على تقصير المخاطبين في الأمر، قال الفرّاء، والزجاج: وهذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم: نزول القرآن. والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ يعود على القسم الذي يدل عليه ﴿أُقْسِمُ﴾، والمعنى: أن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون. ٧٧ - ثم ذكر سبحانه المقسم عيه، فقال: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن هذا الكتاب المنزل عليك يا محمد ﴿لَقُرْآنٌ﴾؛ أي: لكتاب ﴿كَرِيمٌ﴾ كرمه الله سبحانه، وأعزه، ورفع قدره على جميع الكتب، وكرمه عن أن يكون سحرًا أو كهانة أو كذبًا، وقيل: إنه كريم لدلالته على مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، وشرائف الأفعال. وقيل: لأنّه يكرم حافظه، ويعظم قارئه. وقيل: لأنه كتاب كثير الخير والنفع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد على أن يستعار الكرم ممن يقوم به الكرم من ذوي العقول إلى غيرهم. قال الأزهريّ: الكريم اسم جامع لما يحمد. والقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى، والبيان، والعلم، والحكمة. ٧٨ - ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾؛ أي: مصون من غير المقربين من الملائكة، أي: لا يطلع عليه من سواهم، وهو اللوح المحفوظ. وقيل: محفوظ عن الباطل، وقال عكرمة: هو التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن، ومن ينزل عليه. وقال السدي: هو الزبور، وقال مجاهد, وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا. فإن قلت: القرآن صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى، فكيف يكون حالًّا في كتاب مكنون؛ أي: لوح محفوظ أو مصحف؟

стр. 13149

قلت: لا يلزم من كتابته في كتاب حلوله فيه كما لو كتب على شيء ألف دينار لا يلزم منه وجودها فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. فثبت أنه ليس حالًّا في شيء من ذلك، بل هو كلام الله تعالى، وكلامه صفة قديمة قائمة به لا تفارقه. فإن قلت: إذا لم تفارقه فكيف سمّاه منزلًا؟. قلت: معنى إنزاله تعالى له: إنه علمه جبريل، وأمره أن يعلمه النبي ﷺ ويأمره أن يعلمه لأمته مع أنه لم يزل، ولا يزال صفة لله تعالى قائمة به لا تفارقه. ٧٩ - وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ إمَّا (١) صفة لكتاب فالمراد بالمطهرين الملائكة المنزهون من الكدورات الجسمانية، وأوضار الأوزار أو للقرآن، فالمراد المطهرون من الأحداث مطلقًا. فيكون نفيًا بمعنى النهي؛ أي: لا ينبغي أن يمسه إلا من كان على طهارة من الأدناس كالحدث والجنابة ونحوهما على طريقة قوله ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه"؛ أي: لا ينبغي له أن يظلمه أو يسلمه إلى من يظلمه. فالمراد من القرآن: المصحف، سماه قرآنًا على قرب الجوار والاتساع، كما روي أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وأراد به: المصحف. وفي الفقه: لا يجوز لمحدث بالحدث الأصغر - وهو ما يوجب الوضوء - مس المصحف إلا بغلافه المنفصل الغير المشرز كالخريطة ونحوها؛ لأن مسه ليس مسًّا بالقرآن حقيقة إلا المتصل في الصحيح. وهو المجلد المشرز؛ لأنه من المصحف يعني: تبع له، حتى يدخل في بيعه بلا ذكر، وهذا أقرب إلى التعظيم، وكره المس بالكم؛ لأنه تابع للحامل، فلا يكون حائلًا، ولهذا لو حلف لا يجلس على الأرض، فجلس وذيله بينه وبين الأرض حنث، وإنما منع الأصغر عن مس المصحف دون تلاوته؛ لأنه حل اليد دون الفم، ولهذا لم يجب غسله في الوضوء، والجنابة كانت حالة كليهما. ولا يرد العين؛ لأنّ الجنب حل نظره إلى مصحف بلا قراءة، وكذا لا يجوز لمحدث مس درهم فيه سورة إلا بصرته، ولا لجنب دخول

стр. 13150

المسجد إلا لضرورة، فإن احتاج إلى الدخول تيمم، ودخل؛ لأنه طهارة عند عدم الماء، ولا قراءة القرآن، ولو دون آية لأن ما دونها شيء من القرآن أيضًا إلا على وجه الدعاء أو الثناء أو التبرك كالبسملة والحمدلة. وفي "الأشباه": لو قرأ الفاتحة في صلاته على الجنازة على قول الشعبي، ومن وافقه إن قصد الدعاء والثناء لم يكره، وإن قصد التلاوة كره، وفيه إشارة إلى أن حكم القراءة يتغير بالقصد، ويجوز للجنب الذكر والتسبيح، والدعاء. والحائض والنفساء كالجنب في الأحكام المذكورة، ويدفع المصحف إلى الصبيّ؛ إذ في الأمر بالوضوء حرج بهم، وفي المنح تضييع حفظ القرآن؛ إذ الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر، وفي "الأشباه": ويمنع الصبي من مس المصحف، انتهى. والتوفيق ظاهر. وفي "كشف الأسرار": وأما الصبيان فلأصحابنا فيهم وجهان: أحدهما: أنهم يمنعون منه كالبالغين. والثاني: أنهم لا يمنعون لمعنيين: أولًا: أن الصبي لو منع ذلك .. أدى إلى أن لا يتعلم القرآن، ولا يحفظه. لأن وقت تعلمه، وحفظه حال الصغر. ثانيًا: أن الصبي وإن كانت له طهارة .. فليست بكاملة؛ لأن النية لا تصح مه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهر كامل جاز أن يحمله محدثًا، انتهى. هذا وقد ذهب جمهور العلماء (١) إلى منع المحدث، وكذا الجنب والحائض من مس المصحف، وحمله، وبذلك قال عليُّ، وابن مسعود، وسعد ابن أبي وقّاص، وعطاء، وطاوس، وسالم، والقاسم، وجماعة من الفقهاء منهم: مالك، والشافعي، ويدل عليه ما روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "أن لا تمس القرآن إلا طاهرًا". أخرجه مالك مرسلًا. وقد جاء موصولًا عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: أنَّ رسول الله ﷺ كتب إلى أهل

стр. 13151

اليمن بهذا، والصحيح فيه الإرسال. وروى الدارقطني بسنده عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر". والمراد بالقرآن: المصحف. وقال الحكم، وحماد، وأبو حنيفة: يجوز للمحدث، والجنب حمل المصحف، ومسه بغلافه، فإن قلت: إذا كان الأصح: أن المراد من الكتاب هو اللوح المحفوظ، وأن المراد من لا يمسه إلا المطهرون هم الملائكة. ولو كان المراد نفي الحدث .. لقال: لا يمسه إلا المتطهرون، من التطهر، كيف يصح قول الشافعي: لا يجوز للمحدث مس المصحف؟. قلت: من قال: إن الشافعي أخذه من صريح الآية حمله على التفسير الثاني. وهو القول: بأن المراد من الكتاب هو المصحف. ومن قال: إنه أخذه من طريق الاستنباط قال: المس بطهر صفة دالة على التعظيم، والمس بغير طهر نوع استهانة، وهذا لا يليق بمباشرة المصحف الكريم، والصحيح: أنه أخذه من السنة. ودليله ما تقدم من الأحاديث. والله أعلم. ومعنى الآيات: فأقسم بمساقط النجوم، ومغاربها، وإنَّ هذا القسم قسم عظيم لو تعلمون عظمته .. لانتفعتم بذلك، أو فاعلموا عظمته؛ أي: أقسم بمواقعها إنه لقرآن كريم؛ أي: عزيز مكرم مستقر في كتاب مكنون؛ أي: مصون مستور عند الله تعالى؛ أي: في لوح محفوظ من أن يناله الشيطان بسوء، أو في مصحف مصون محفوظ من التبديل والتحريف. والقول الأول أصح. لا يمس ذلك الكتاب المكنون أعني: اللوح المحفوظ إلا الملائكة المطهرون. وهذا مروي عن ابن عباس، وأنس. وهو قول سعيد بن جبير، وأبي العالية، وقتادة، وابن زيد. أو لا يمس ذلك المصحف إلا المطهرون من الشرك. يعني: لا يمكن أهل الشرك من قراءته. قال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، أو لا يمسه إلا المطهرن من الأحداث والجنابات. وقال الحسين بن الفضل: المراد: أنه لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق. وفي حرف ابن مسعود (١): ﴿ما يمسه إلا المطهرون﴾. وقرأ الجمهور ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ بتخفيف الطاء، وتشديد الهاء مفتوحة اسم مفعول من طهر مشددًا، وقرأ عيسى كذلك مخففًا اسم مفعول من أطهر. ورويت عن نافع

стр. 13152

وأبي عمرو، وقرأ سلمان الفارسي ﴿الْمُطَهِّرُونَ﴾ بتخفيف الطاء، وشد الهاء وكسرها اسم فاعل من طهر المضاعف، أي: المطهرون أنفسهم. وقرأ الحسن، وزيد بن عليّ، وعبد الله بن عوف بتشديد الطاء والهاء وكسر الهاء. أصله: المتطهرون فأدغمت التاء في الطاء. وقرىء ﴿المتطهرون﴾. ٨٠ - وقرأ الجمهور ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ بالرفع (١) على أنه صفة ثالثة لقرآن، أو خبر مبتدأ محذوف. وقرىء بالنصب على الحال، أو على المصدرية بفعله المحذوف؛ أي: نزل تنزيلًا. أي: هذا القرآن منزل من عند رب العالمين منجمًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة؛ لأن صيغة التفعيل تدل على التكرير، فليس بالسحر، ولا بالكهانة، ولا بالشعر، وهو الحق الذي لا مرية فيه, وليس وراءه شيء نافع. ٨١ - وبعد أن بين مزاياه، وأنه من لدن عليم خبير ذكر أنه لا ينبغي التهاون في أوامره ونواهيه، بل ينبغي التمسك به، فقال: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة لإعظامه وإجلاله، وهو القرآن الكريم، وسماه حديثًا؛ لأن فيه حوادث الأمور، كما في "كشف الأسرار". وهو متعلق بقوله: ﴿مُدْهِنُونَ﴾. وجاز تقديمه على المبتدأ؛ لأنَّ عامله يجوز فيه ذلك. والأصل: أفأنتم مدهنون بهذا الحديث. ﴿أَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿مُدْهِنُونَ﴾؛ أي: (٢) متهاونون، مستحقرون كمن يدهن في الأمر؛ أي: يلين جانبه، ولا يتصلب فيه تهاونًا به، والتدهين كالمداهنة عبارة عن المداراة، والملاينة، وترك الجد، قال في "الإحياء": الفرق بين المداهنة، والمداراة يكون بالنظر إلى الغرض الباعث على الإغضاء، فإن أغضيت لسلامة دينك، ولما ترى فيه من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مدار، وإن أغضيت لحظ نفسك، واجتلاب شهواتك، وسلامة جاهك فأنت مداهن. قال أبو الدرداء ﵁: إنا لنبش في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتغلنهم، وهذا معنى المداراة. وهو منع شر من يخاف شره. والمعنى (٣): أي فبهذا القرآن تتهاونون، وتمالئون من يتكلم فيه، ولا تظهرون

стр. 13153

له المخالفة، وعدم الرضا. ٨٢ - ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾؛ أي: شكر رزقكم بتقدير المضاف ليصح المعنى، كما حكاه الوادي عن المفسرين. والرزق (١) في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، والمراد: نعمة القرآن، أي: تجعلون شكر رزقكم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بنعمة الله فتضعون التكذيب لرازقه موضع الشكر، أو تجعلون شكر رزقكم الصوري أنكم تكذبون بكونه من الله، حيث تنسبونه إلى الأنواء، وكان ﷺ يقول: "لو حبس الله القطر عن أمتي عشر سنين ثم أنزل .. لأصبحت طائفة منهم يقولون: سقينا بنوء كذا". وقال ﷺ : "أخوف ما أخاف على أمتي حيف الأئمة، والتكذيب بالقدر، والإيمان بالنجوم". وقال الهيثم: إن أزد شنوءة يقولون: ما رزق فلان؛ أي: ما شكر. وعلى هذه اللغة لا يكون في الآية مضاف محذوف، بل معنى الرزق: الشكر. ومما يدخل تحت هذه الآية قول الكفار إذا سقاهم الله تعالى، وأنزل عليهم المطر: سقينا بنوء كذا، ومطرنا بنوء كذا. ووجه التعبير بالرزق عن الشكر (٢): أن الشكر يفيض زيادة الرزق، فيكون الشكر رزقًا تعبيرًا بالسبب عن المسبب، وقال الأزهري: معنى الآية: وتجعلون بدل شكركم رزقكم الذي رزقكم الله تعالى التكذيب بأنه من عند الله الرازق. وقال أبو حيان (٣): المعنى: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من إنزال القرآن عليكم تكذيبكم به؛ أي: تضعون مكان الشكر التكذيب. ومن هذا المعنى قول الراجز: مَكَانُ شُكْرِ الْقَوْمِ عِنْدَ الْمِنَنْ ... كَيُّ الصَّحِيْحَات وَفْقْءُ الأَعْيُنِ وقرأ علي، وابن عباس ﴿وتجعلون شكركم﴾. وذلك على سبيل التفسير لمخالفته السواد. وقرأ الجمهور (٤) ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بالتشديد من التكذيب. فالمعنى: أنه ليس من عند الله؛ أي: القرآن أو المطر، حيث ينسبون ذلك إلى النجوم. وقرأ

стр. 13154

عليّ، والمفضل عن عاصم بالتخفيف من الكذب. والمراد بالكذب: قولهم في القرآن: سحر وافتراء، وفي المطر من الأنواء. والخلاصة (١): أنكم تضعون الكذب موضع الشكر. وهذا على نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾؛ أي: لم يكونوا يصلون، لكنهم كانوا يصفقون، ويصفقون مكان الصلاة. قال القرطبي: وفي هذا بيان بأن ما يصيب العباد من خير، فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسبابًا، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى، ثم يقابلوه بالشكر إن كان نعمة، وبالصبر إن كان مكروهًا تعبدًا له وتذلَّلًا، اهـ. ٨٣ - ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ لولا (٢) للتحضيض لإظهاد عجزهم. و"إذا" ظرفية مجردة أو مضمنة معنى الشرط. والحلقوم: مجرى الطعام. وفي "كشف الأسرار": مجرى النفس. والبلعوم: مجرى الطعام. وجواب لولا هو ما سيأتي بقوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾. والضمير في ﴿بَلَغَتِ﴾ عائد إلى غير مذكور. وهو الروح، ولم يتقدم لها ذكر .. لأن المعنى مفهوم عندهم إذا جاؤوا بمثل هذه العبارة؛ أي: فهلا إذا بلغت النفس؛ أي: الروح أو نفس أحدكم، وروحه الحلقوم وتداعت إلى الخروج. وفي الحديث: "إن ملك الموت له أعوان يقطعون العروق، ويجمعون الروح شيئًا فشيئًا حتى ينتهى بها إلى الحلقوم، فيتوفاها ملك الموت ". ٨٤ - ﴿وَأَنْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾ للحال من فاعل ﴿بَلَغَتِ﴾؛ أي: والحال أنتم أيها الحاضرون حول صاحبها ﴿حِينَئِذٍ﴾؛ أي: حين إذ بلغت الروح الحلقوم ﴿تَنْظُرُونَ﴾ إلى ما هو فيه من الغمرات والسكرات. ولكم تعطف عليه، وشفقة ووفور رغبة في إنجائه من المهالك. ٨٥ - ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى ذلك المحتضر علمًا، وقدرة، وتصرفًا. قال بعضهم: عبر عن العلم بالقرب الذي هو أقوى سبب الاطلاع. ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها الحاضرون حوله، حيث لا تعرفون حاله إلا ما تشاهدونه من آثار الشدة من غير أن تقفوا عن كنهها، وكيفيتها، وأسبابها, ولا أن تقدروا على دفع أدنى شي منها. ونحن المتولون لتفاصيل أحواله بعلمنا وقدرتنا، أو بملائكة الموت الذين يقبضون روحه ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾؛ أي:

стр. 13155

لا تدركون، ولا تعلمون كنه ما يجري عليه لجهلكم بشؤوننا. فقوله: ﴿لَا تُبْصِرُونَ﴾ من البصيرة، لا من البصر. والأقرب تفسيره بقوله: لا تدركون كوننا أعلم به منكم، كما في "حواشي سعديّ المفتي". ٨٦ - ﴿فَلَوْلَا﴾ بمعنى هلا أيضًا ﴿إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾؛ أي: غير مربوبين مملوكلين أذلاء، من دان السلطان رعيته إذا سامهم، واستعبدهم. وفي "المفردت": أو غير مجزيين؛ فإن الدين الجزاء أيضًا. وهو ناظر إلى قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾. فإن التحضيض يستدعي عدم المحضّض عليه حتمًا. ٨٧ - ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ أي (١): النفس إلى مقرها، وتردون روح ميتكم إلى بدنه من المرجع. وهو الردّ، وهو العامل في ﴿إذا﴾، والمحضّض عليه بلولا الأولى. والثانية مكررة للتأكيد. وهي مع ما في حيّزها دليل جواب الشرط. والمعنى: إن كنتم غير مربوبين، كما ينبىء عنه عدم تصديقم بخلقنا إيّاكم فهلا ترجعون النفس إلى مقرّها عند بلوغها الحلقوم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في اعتقادكم. فإن عدم تصديقهم بخالقيته تعالى لهم عبارة عن تصديقهم بعدم خالقيته تعالى بموجب مذهبهم. أي: فإذا لم يمكنكم ذلك، فاعلموا أن الأمر إلى غيركم، وهو الله تعالى. فآمنوا به. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تكرير للتأكيد، لا من اعتراض الشرط. إذ لا معنى له هنا. والمعنى (٢): أي فهلا إذا بلغت النفوس عند خروجها من أجساد موتاكم حلاقيمهم، وأنتم ومن حضركم من أهليكلم تنظرون إليهم، ورسلنا الذين يقبضون أرواحهم أقرب إليهم منكم، ولكن لا تبصرون. وجواب لولا قوله الآتي: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾. وخلاصة المعنى: إذا لم يكن لكم خالق وأنتم الخالقون فهلا ترجعون النفوس

стр. 13156

إلى أجسادها حين خروجها من حلاقيمها؟ ثم كرر الحث والتحضيض مرة أخرى. فقال: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾؛ أي: فهلا ترجعون النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول، ومقرّها من الجسد إن كتم غير مصدقين أنكم تبعثون، وتحاسبون، وتجزون، ولن ترجعوها. فبطل زعمكم أنكم غير مربوبين، ولا مملوكين. ٨٨ - وبعد أن ذكر حال المحتضرين في الدنيا أردفها بذكر حالهم بعد الوفاة وقسمهم أزواجًا ثلاثة. فقال: ١ - ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ المتوفى ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾؛ أي: من الذين قربهم ربهم من جواره في جناته لفعله ما أمر به، وتركه ما نهي عنه، وهم أجل الأزواج الثلاثة. ٨٩ - ﴿فَرَوْحٌ﴾؛ أي: فله استراحة وطمأنينة نفس ﴿وَرَيْحَانٌ﴾؛ أي: رزق واسع من عند الله تعالى. ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾؛ أي: بستان ذات تنعم ليس فيها غيره. وتبشره الملائكة بجنات النعيم، وقد جاء في حديث البراء بن عازب: "إن ملائكة الرحمة تقول: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينيه فأخرجي إلى روح، وريحان، ورب غير غضبان". وقرأ الجمهور (١) ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء. والمعنى: الراحة من الدنيا، والاستراحة من أحوالها. وقال الحسن: الروح: الرحمة. وقال مجاهد: الروح: الفرح، وقرأ ابن عباس، وعائشة، والحسن، وقتادة، ونصر بن عاصم، والجحدري، ونوح القارىء، والضحاك، والأشهب، وشعيب بن الحبحاب، وسليمان التيمي، والربيع بن خيثم، ومحمد بن عليّ، وأبو عمران الجوني، وغيرهم ﴿فرُوح﴾ بضم الراء. قيل: ومعنى هذه القراءة: الرحمة؛ لأنها كالحياة للمرحوم. والريحان: الرزق، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل. وقال الحسن: الريحان هو الريحان المعروف الذي يشم. قال قتادة، والربيع بن خيثم: هذا عند الموت , والجنة مخبوءة إلى أن يبعث. ٢ - ٩٠ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ المتوفى ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ عبر عن السابقين بالمقربين لكونه أجل أوصافهم، وعبر عن أصحاب اليمين بالعنوان السابق. إذ لم يذكر لهم

стр. 13157

فيما سبق وصف واحد ينبىء عن شأنهم سواه كما ذكر للفريقين الآخرين. واستعير اليمين للتيمن والسعادة، قاله الراغب. ٩١ - ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾؛ أي: فتبشره الملائكة، وتقول له: سلام لك يا صاحب اليمين ﴿مِنْ﴾ إخوانك ﴿أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ يسلمون عليك عند الموت وبعده. فيكون السلام إشارة له إلى أنه من أهل الجنة، قال في "الإرشاد": هذا إخبار من جهته تعالى بتسليم بعضهم على بعض، كما يفصح عنه اللام. لا حكاية لإنشاء سلام بعضهم على بعض، وإلا لقيل: عليك. والالفتات إلى خطاب كل واحد منهم للتشريف. ٣ - ٩٢ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ المتوفى ﴿مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ بالحق ﴿الضَّالِّينَ﴾ عن الهدى، وهم أصحاب الشمال. عبر عنهم بذلك حسبما وصفوا به عند بيان أحوالهم بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١)﴾ ذمًّا لهم بذلك وإشعارًا بسبب ما ابتلوا به من العذاب. وهو تكذيب البعث ونحوه ٩٣ - ﴿فَنُزُلٌ﴾؛ أي: فله نزل كائن ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ أي: من ماء حار يشرب بعد أكل الزقوم، كما فصل من قبل. ٩٤ - ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾؛ أي: وإدخال في النار. وقيل: إقامة فيها، ومقاساة لألوان عذابها. وقيل: ذلك ما يجده في القبر من سموم النار، ودخانها. وهو مصدر مضاف إلى المفعول. والمعنى: أي فيقدم ضيافة له ماء حميم يصهر به ما في بطنه والجلود، ويدخل في النار التي تغمره من جميع جهاته. وقرأ الجمهور (١) ﴿وَتَصْلِيَةُ﴾ رفعًا عطفًا على ﴿فَنُزُلٌ﴾. وقرأ أحمد بن موسى، والمتقري، واللؤلؤي عن أبي عمرو بجر التاء عطفًا على ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ أي: فنزل من حميم ومن تصلية جحيم. ٩٥ - ولما انقضى الإخبار بتقسيم أحوالهم، وما آل إليه كل قسم منهم أكد ذلك بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي ذكر في هذه السورة من أمر البعث الذي كذبوا به، ومن قيام الأدلّة عليه، ومن حال المقربين، وأصحاب اليمين، وحال المكذبين الضالين. ﴿لَهُوَ حَقُّ﴾ الخبر ﴿الْيَقِينِ﴾ الذي لا شك فيه لتظاهر الأدلة القاطعة عليه، كأنه

стр. 13158

مشاهد رأي العين. وهذا (١) على مذهب البصريين. فيجعلون المضاف إليه محذوفًا, والتقدير: حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين. وأما الكوفيون فيقولون: فهو من إضافة الشيء إلى نفسه؛ أي: لهو محض اليقين، وخالصه. قال المبرد: هو كقولك: عين اليقين، ومحض اليقين. ٩٦ - ولما (٢) أعاد التقسيم موجزًا الكلام فيه أمره أيضًا بتسبيحه، وتنزيهه، والإقبال على عبادة ربه، والإعراض عن أقوال الكفرة المنكرين للبعث والحساب والجزاء. فقال: ﴿فَسَبِّحْ﴾ يا محمد أو أيها المخاطب؛ أي: نزه الله سبحانه عما لا يليق بشأنه حال كونك متلبسًا ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: بذكره للتبرك به. وقيل: المعنى: فصل بذكر ربك. فالباء (٣) متعلقة بمحذوف، كما قدرنا. وقيل: زائدة. والاسم بمعنى الذات. وقيل: هي للتعدية. لأن ﴿سَبِّحْ﴾ يتعدى تارة بنفسه كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وتارة بحرف الجر كقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾. والأول أولى. والعظيم يجوز أن يكون صفة لاسم، ويجوز أن يكون صفة لربك، لأن كلا منهما مجرور. والفاء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ﴾ لترتيب التسبيح أو الأمر به على ما قبلها؛ فإن حقية ما فصل في تضاعيف السورة الكريمة يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من الأمور التي من جملتها الإشراك، والتكذيب بآياته الناطقة بالحقّ. وقال أبو عثمان: فسبح شكرًا لما وفقنا أمتك إليه من التمسك بسنتك. والمعنى (٤): أي فبعد أن استبان لك الحق، وظهر لك اليقين، فنزه ربك عما لا يليق به مما ينسبه الكفار إليه تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ قال: "اجعلوها في

стр. 13159

ركوعكم". ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ قال: "اجعلوها في سجودكم". وكان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وفي سجوده "سبحان ربي الأعلى". وسر اختصاص سبحان ربي العظيم بالركوع، والأعلى بالسجود (١) أن الأول إشارة إلى مرتبة الحيوان. والنسائي: إشارة إلى مرتبة النبات والجماد. فلا بد من الترقي في التنزيه، والحق سبحانه فوق التحت كما أنه فوق الفوق. ونسبة الجهات إليه على السواء لنزاهته عن التقيد بالجهات، فلهذا شرع التسبيح في الهبوط. واختلف الأئمة في التسبيح المذكور في الصلاة. فقال أحمد: هو واجب، تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد لتركه سهوًا. والواجب عنده مرة واحدة، وأدنى الكمال ثلاث. وقال أبو حنيفة، والشافعي: هو سنة. وقال مالك: يكره لزوم ذلك لئلا يعد واجبًا فرضًا. الإعراب ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾. ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ خبره. والجملة مستأنفة. ﴿فَلَوْلَا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿لولا﴾ حرف تحضيض بمعنى هلّا، ﴿تُصَدِّقُونَ﴾ فعل مضارع، مرفوع بالنون، والواو: فاعل. والجملة التحضيضية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿رأيتم﴾ فعل، وفاعل، بمعنى أخبروني. والتقدير: أتنكرون البعث، وخلقي إيّاكم فأخبروني عمّا تمنون الخ. والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول أول لـ ﴿رأيتم﴾، وجملة ﴿تُمْنُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾، والعائد محذوف، تقديره: ما تمنونه. ﴿أَأَنْتُمْ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، ﴿أنتم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَخْلُقُونَهُ﴾ خبر. والجملة الاستفهامية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿رأيتم﴾. ويجوز إعراب ﴿أنتم﴾ فاعلًا بفعل مقدر؛ أي: أتخلقونه أنتم. فلما حذف الفعل لدلالة ما بعده عليه انفصل الضمير، وهو من باب الاشتغال. ولعله من جهة

стр. 13160

القواعد أمكن لأجل أداة الاستفهام. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام التقريري، ﴿نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة جملة إضرابية، لا محل لها من الإعراب؛ أي: بل نحن الخالقون لا أنتم، ويكون الكلام حينئذٍ مشتملًا على استفهامين. الأول: أأنتم تخلقونه. وجوابه لا. والثاني: مأخوذ من ﴿أَمْ﴾؛ أي: بل أنحن الخالقون، وجوابه نعم. ويجوز أن تكون ﴿أَمْ﴾ متصلة معادلة للهمزة، ويجاب عن وقوع الجملة بعدها بأن الخبر الذي بعد ﴿نَحْنُ﴾ أتي به على سبيل التأكيد، لا لتصحيح الكلام؛ إذ لو قيل: أم نحن لاكتفى به بدون الخبر. ويؤيد كونها متصلة أن الكلام يؤول إلى أي الأمرين واقع، وإذا صح ذلك كانت متصلة. إذا الجملة في تأويل المفرد، اهـ سمين. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ في مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾. ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، ﴿قَدَّرْنَا﴾ فعل، وفاعل، ﴿بَيْنَكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿قَدَّرْنَا﴾ ﴿الْمَوْتَ﴾ مفعول به؛ أي: أوجبناه، وكتبناه عليكم. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة أو اعتراضية، ﴿مَا﴾ حجازية، ﴿نَحْنُ﴾ اسمها، ﴿بِمَسْبُوقِينَ﴾ خبرها، والباء: زائدة. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا﴾، أو معترضة لاعتراضها بين الجار والمجرور الآتي، ومتعلقه الذي هو ﴿قَدَّرْنَا﴾. ﴿عَلَى﴾ حرف جر، ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿نُبَدِّلَ﴾ فعل، وفاعل مستتر، منصوب بـ ﴿أن﴾، ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ مفعول به. والجملة في تأويل مصدر مجرور بعلى؛ أي: على تبديلنا أمثالكم. والجار والمجرور متعلق بمسبوقين، أو بـ ﴿قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾. ﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿نُبَدِّلَ﴾، ﴿في مَا﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿ننشئكم﴾، وجملة ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أي: ننشئكم في صور لا تعلمونها من الحيوانات الممتهنة المرتطمة بالأقدار كالقردة والخنازير. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: استئنافية، واللام موطئة للقسم, ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿عَلِمْتُمُ﴾ فعل، وفاعل، ﴿النَّشْأَةَ﴾ مفعول به، ﴿الْأُولَى﴾ صفة لـ ﴿النَّشْأَةَ﴾. والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. ﴿فَلَوْلَا﴾

стр. 13161

الفاء: عاطفة، ﴿لولا﴾ حرف تحضيض، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ فعل، وفاعل. والجملة معطوفة على جملة جواب القسم. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ تقدم إعراب نظير هذه الجملة آنفًا، فجدد به عهدًا. ﴿لَوْ﴾ شرطية، ﴿نَشَاءُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾، ﴿جَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ فعل، وفاعل، ومفعولان. والجملة جواب لو الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فَظَلْتُمْ﴾ الفاء: عاطفة ﴿ظلتم﴾ فعل ناقص من أخوات كان والتاء اسمها. أصله: ظللتم بكسر اللام الأولى، فحذفت العين تخفيفًا. ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ فعل مضارع، وفاعل. أصله: تتفكهون. والجملة في محل النصب خبر ﴿ظل﴾، وجملة ﴿ظل﴾ معطوفة على جواب لو الشرطية. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ خبره، واللام حرف ابتداء. وجملة إن في محل النصب، مقول لقول محذوف وقع حالًا من فاعل ﴿تَفَكَّهُونَ﴾، كما مرّ، تقديره: فظلتم تفكهون حال كونكم قائلين: إنّا لمغرمون. ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب، ﴿نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لقول محذوف. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ﴾ تقدّم إعراب نظيرها، ﴿الَّذِي﴾ صفة لـ ﴿الْمَاءَ﴾، وجملة ﴿تَشْرَبُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف. ﴿أَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أَنْزَلْتُمُوهُ﴾ خبره. والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿رأيتم﴾. ﴿مِنَ الْمُزْنِ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلْتُمُوهُ﴾. ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ تقدم إعراب نظيرها ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿نَشَاءُ﴾ فعل شرط لها، ﴿جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ فعل، وفاعل، ومفعولان. والجملة جواب لو، وجملة لو مستأنفة. ﴿فَلَوْلَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿لولا﴾ حرف تحضيض، ﴿تَشْكُرُونَ﴾ فعل، وفاعل. والجملة معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ تقدم نظيرها، ﴿النَّارَ﴾ مفعول أول لـ ﴿رأيتم﴾، ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ

стр. 13162

﴿النَّارَ﴾، وجملة ﴿تُورُونَ﴾ صلة الموصول، ﴿أَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أَنْشَأْتُمْ﴾ خبره، ﴿شَجَرَتَهَا﴾ مفعول به. والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿رأيتم﴾. ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ مبتدأ وخبر، معطوف على ما قبله. ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ خبره. والجملة مستأنفة. ﴿تَذْكِرَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿وَمَتَاعًا﴾ معطوف عليه، ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ متعلق بـ ﴿متاعا﴾ أو صفة له. ﴿فَسَبِّحْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، وتقديره: إذا عرفت النعم المذكورة، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: ﴿سبح﴾. ﴿سبح﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر، ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿سبح﴾ أو بمحذوف حال؛ أي: متبركًا. وقيل اسم مقحم، ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة لـ ﴿اسم﴾ أو لـ ﴿رَبِّكَ﴾. والجملة الفعلية مقول لجواب إذا المقدّرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) في كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، و ﴿لا﴾ زائدة لتأكيد معنى القسم؛ أي: فأقسم، ﴿أُقْسِمُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر. والجملة مستأنفة. ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ متعلق بـ ﴿أُقْسِمُ﴾. ﴿وَإِنَّهُ﴾ الواو: اعتراضية, ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَقَسَمٌ﴾ خبره، واللام حرف ابتداء. والجملة معترضة لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿لَوْ﴾ حرف شرط، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ فعل شرط لها، وجواب لو محذوف، تقديره. لو كنتم من ذوي العلم لعلمتم عظم هذا القسم. وجملة لو معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين الصفة والموصوف. ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة ﴿قسم﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَقُرْآنٌ﴾ خبره، واللام: حرف ابتداء، ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة أولى ﴿لَقُرْآنٌ﴾. وجملة ﴿إِنّ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿في كِتَابٍ﴾ صفة ثانية ﴿لَقُرْآنٌ﴾؛ ﴿مَكْنُونٍ﴾ صفة لـ ﴿كِتَابٍ﴾، ﴿لَا﴾ نافية ﴿يَمَسُّهُ﴾ فعل مضارع، ومفعول به، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ فاعل. والجملة صفة ثالثة ﴿لَقُرْآنٌ﴾. ﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفة رابعة ﴿لَقُرْآنٌ﴾، ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة لـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أو متعلق به. ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف، تقديره: أأنتم مكذّبون رسولي. والجملة مستأنفة. والفاء: عاطفة على

стр. 13163

ذلك المحذوف، ﴿بهذا الحديث﴾ متعلق بـ ﴿مُدْهِنُونَ﴾. ﴿الْحَدِيثِ﴾ بدل من اسم الإشارة. ﴿أَنتُم﴾ مبتدأ, ﴿مُدْهِنُونَ﴾ خبره. والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. والتقدير: أأنتم مكذّبون رسولي، فأنتم مدهنون بهذا الحديث. ﴿وَتَجْعَلُونَ﴾ فعل، وفاعل، ﴿رِزْقَكُمْ﴾ مفعول أول. والجملة الفعلية معطوفة على ﴿مُدْهِنُونَ﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿أَنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ خبره. وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولا ثانيًا لـ ﴿تجعلون﴾، ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: وتجعلون شكر رزقكم تكذيب رازقه. ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾. ﴿فَلَوْلَا﴾ الفاء: استئنافية، ﴿لولا﴾ حرف تحضيض بمعنى هلّا، ﴿إِذَا﴾ ظرف مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، ﴿بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ فعل، ومفعول به على الاتساع وفاعله ضمير يعود على النفس؛ أي: فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو: حالية، ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، ﴿حِينَئِذٍ﴾ ظرف مضاف إلى مثله، منصوب ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر مضاف إليه، مبني بسكون مقدر، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة المضافة إليها ﴿إذ﴾؛ أي: حين إذ بلغت الروح الحلقوم، والظرف متعلق بتنظرون، وجملة ﴿تَنْظُرُونَ﴾ في محل الرفع، خبر عن ﴿أَنْتُمْ﴾، ومتعلق النظر محذوف؛ أي: إليه؛ أي: إلى المحتضر. وجملة ﴿أَنْتُمْ﴾ حال من فاعل ﴿بَلَغَتِ﴾. ﴿وَنَحْنُ﴾ الواو: حالية، أو استئنافية، ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره, ﴿إِلَيْهِ﴾، ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلّقان بـ ﴿أَقْرَبُ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿تَنْظُرُونَ﴾ أو مستأنفة معترضة. ﴿وَلَكِنْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿لكن﴾ حرف استدراك ﴿لا﴾ نافية، ﴿تُبْصِرُونَ﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿تَنْظُرُونَ﴾؛ أي: لا تعلمون أنا أقرب إليه منكم بالعلم، أو لا تعلمون ما هو فيه من المشقة والكرب. ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾. ﴿فَلَوْلَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لولا﴾ حرف تحضيض مؤكّدة لـ ﴿لولا﴾ الأولى تأكيدًا لفظيًا، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل

стр. 13164

الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ فعل مضارع، مرفوع بالنون، والواو: فاعل، والهاء: مفعول به. والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. و ﴿لولا﴾ تحضيضية، وهي للطلب. والمعنى: فارجعوا روح المحتضر إلى مقرّها وجسدها وقت بلوغها الحلقوم للنزع إن كتم غير مدينين. ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها، وجوابها معلوم مما قبلها؛ أي: إن كنتم صادقين في نفي البعث فارجعوها إلى جسدها. وهي مؤكّدة لجملة ﴿إن﴾ الشرطية الأولى. وملخص الكلام إن صدقتم في نفي البعث فردوا روح المحتضر إلى جسده لينتفي عنه الموت، فينتفي البعث. اهـ "سمين". ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾. ﴿فَأَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حال المتوفّى عند وفاته، وأردت بيان حاله إثر وفاته فأقول لك: أما إن كان من المقربين إلخ. ﴿أمّا﴾ حرف شرط أبدًا، وتفصيل غالبًا، نائبه عن مهما الشرطية وفعل شرطها، ﴿إن﴾ حرف شرط جازم، ﴿كَانَ﴾ فعل ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على المتوفى، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ خبرها. وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف لدلالة جواب أمّا عليه. والتقدير: إن كان من المقربين يجزى بالروح والريحان وجنة نعيم، وجملة إن الشرطية معترضة بين ﴿أمّا﴾، وجوابها, لا محل لها من الإعراب. ﴿فَرَوْحٌ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿أمّا﴾ وجوبًا، ﴿روح﴾ مبتدأ، خبره محذوف، مقدم عليه، تقديره: فله روح. ﴿وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ معطوفان على ﴿روح﴾. والجملة الاسمية جواب ﴿أمّا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿أما﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. والمعنى: فأقول لك مهما يكن من شيء، فللمتوفى روح وريحان، وجنة نعيم إن كان من المقربين، وسلام من أصحاب اليمين إن كان منهم الخ. ﴿وَأَمَّا﴾ الواو: عاطفة، ﴿أَمَّا﴾ حرف شرط، ﴿إِن﴾ حرف شرط، ﴿كَانَ﴾ فعل ناقص في محل

стр. 13165

الجزم بـ ﴿إِن﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على المتوفى، ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، خبرها، وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن كان من أصحاب اليمين يسلّم عليه. وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية معترضة. ﴿فَسَلَامٌ﴾ الفاء: رابطة لجواب أمّا، ﴿سلام﴾ مبتدأ. سوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء. ﴿لَكَ﴾ خبر عن ﴿سلام﴾ ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ نعت لـ ﴿سلام﴾ أو حال منه. والجملة الاسمية جواب أمّا، لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿أَمَّا﴾ في محل النصب، معطوفة على جملة أمّا الأولى. ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾. ﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أَمَّا﴾. حرف شرط، ﴿إِنْ﴾ حرف شرط، ﴿كَانَ﴾ فعل ناقص في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على المتوفى، ﴿مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ خبرها، ﴿الضَّالِّينَ﴾ صفة لـ ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾. وجواب ﴿إن﴾ محذوف، تقديره: إن كان المتوفى من المكذبين يجزى بالحميم والجحيم. وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معترضة بين ﴿أَمَّا﴾ وجوابها. ﴿فَنُزُلٌ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾ الشرطية، ﴿نزل﴾ مبتدأ، حذف خبره المقدم، ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿حَمِيمٍ﴾، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ معطوف على ﴿نزل﴾. والجملة الاسمية جواب ﴿أَمَّا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب. والتقدير: مهما يكن من شيء فللمتوفى نزل من حميم، وتصلية جحيم إن كان من المكذبين الضالّين. وجملة ﴿أَمَّا﴾ في محل النصب، معطوفة على جملة أما الأولى. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَهُوَ﴾ اللام حرف ابتداء، ﴿هو﴾ ضمير فصل، أو مبتدأ، و ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ أو خبر هو. والجملة الاسمية خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. وإضافة حق إلى اليقين عن إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: الحق المتيقّن الذي لا شك فيه. ﴿فَسَبِّحْ﴾ الخ، تقدم إعرابه، ولكن نعيده لزيادة بعض الفوائد. فنقول: الفاء: فاء الإفصاح كما مرّ، ﴿سبح﴾ فعل أمر بمعنى نزه، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿بِاسْمِ﴾ الباء: حرف جر، ﴿اسم﴾ زائد، ﴿رَبِّكَ﴾ مجرور بالباء؛ أي: سبح بربك العظيم. ويجوز أن تكون الباء للحال؛ أي: حال كونك متلبسًا باسم ربك أو متبركًا به، ويجوز أن تكون الباء للتعدية بناء على أنَّ ﴿سبح﴾ يتعدى تارة
следующие страницы →