← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 13161–13200 · переход к 13166.

стр. 13161

الفاء: عاطفة، ﴿لولا﴾ حرف تحضيض، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ فعل، وفاعل. والجملة معطوفة على جملة جواب القسم. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ تقدم إعراب نظير هذه الجملة آنفًا، فجدد به عهدًا. ﴿لَوْ﴾ شرطية، ﴿نَشَاءُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾، ﴿جَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ فعل، وفاعل، ومفعولان. والجملة جواب لو الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فَظَلْتُمْ﴾ الفاء: عاطفة ﴿ظلتم﴾ فعل ناقص من أخوات كان والتاء اسمها. أصله: ظللتم بكسر اللام الأولى، فحذفت العين تخفيفًا. ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ فعل مضارع، وفاعل. أصله: تتفكهون. والجملة في محل النصب خبر ﴿ظل﴾، وجملة ﴿ظل﴾ معطوفة على جواب لو الشرطية. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ خبره، واللام حرف ابتداء. وجملة إن في محل النصب، مقول لقول محذوف وقع حالًا من فاعل ﴿تَفَكَّهُونَ﴾، كما مرّ، تقديره: فظلتم تفكهون حال كونكم قائلين: إنّا لمغرمون. ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب، ﴿نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لقول محذوف. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ﴾ تقدّم إعراب نظيرها، ﴿الَّذِي﴾ صفة لـ ﴿الْمَاءَ﴾، وجملة ﴿تَشْرَبُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف. ﴿أَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أَنْزَلْتُمُوهُ﴾ خبره. والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿رأيتم﴾. ﴿مِنَ الْمُزْنِ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلْتُمُوهُ﴾. ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ تقدم إعراب نظيرها ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿نَشَاءُ﴾ فعل شرط لها، ﴿جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ فعل، وفاعل، ومفعولان. والجملة جواب لو، وجملة لو مستأنفة. ﴿فَلَوْلَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿لولا﴾ حرف تحضيض، ﴿تَشْكُرُونَ﴾ فعل، وفاعل. والجملة معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ تقدم نظيرها، ﴿النَّارَ﴾ مفعول أول لـ ﴿رأيتم﴾، ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ

стр. 13162

﴿النَّارَ﴾، وجملة ﴿تُورُونَ﴾ صلة الموصول، ﴿أَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أَنْشَأْتُمْ﴾ خبره، ﴿شَجَرَتَهَا﴾ مفعول به. والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿رأيتم﴾. ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ مبتدأ وخبر، معطوف على ما قبله. ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ خبره. والجملة مستأنفة. ﴿تَذْكِرَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿وَمَتَاعًا﴾ معطوف عليه، ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ متعلق بـ ﴿متاعا﴾ أو صفة له. ﴿فَسَبِّحْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، وتقديره: إذا عرفت النعم المذكورة، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: ﴿سبح﴾. ﴿سبح﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر، ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿سبح﴾ أو بمحذوف حال؛ أي: متبركًا. وقيل اسم مقحم، ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة لـ ﴿اسم﴾ أو لـ ﴿رَبِّكَ﴾. والجملة الفعلية مقول لجواب إذا المقدّرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) في كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، و ﴿لا﴾ زائدة لتأكيد معنى القسم؛ أي: فأقسم، ﴿أُقْسِمُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر. والجملة مستأنفة. ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ متعلق بـ ﴿أُقْسِمُ﴾. ﴿وَإِنَّهُ﴾ الواو: اعتراضية, ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَقَسَمٌ﴾ خبره، واللام حرف ابتداء. والجملة معترضة لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿لَوْ﴾ حرف شرط، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ فعل شرط لها، وجواب لو محذوف، تقديره. لو كنتم من ذوي العلم لعلمتم عظم هذا القسم. وجملة لو معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين الصفة والموصوف. ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة ﴿قسم﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَقُرْآنٌ﴾ خبره، واللام: حرف ابتداء، ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة أولى ﴿لَقُرْآنٌ﴾. وجملة ﴿إِنّ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿في كِتَابٍ﴾ صفة ثانية ﴿لَقُرْآنٌ﴾؛ ﴿مَكْنُونٍ﴾ صفة لـ ﴿كِتَابٍ﴾، ﴿لَا﴾ نافية ﴿يَمَسُّهُ﴾ فعل مضارع، ومفعول به، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ فاعل. والجملة صفة ثالثة ﴿لَقُرْآنٌ﴾. ﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفة رابعة ﴿لَقُرْآنٌ﴾، ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة لـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أو متعلق به. ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف، تقديره: أأنتم مكذّبون رسولي. والجملة مستأنفة. والفاء: عاطفة على

стр. 13163

ذلك المحذوف، ﴿بهذا الحديث﴾ متعلق بـ ﴿مُدْهِنُونَ﴾. ﴿الْحَدِيثِ﴾ بدل من اسم الإشارة. ﴿أَنتُم﴾ مبتدأ, ﴿مُدْهِنُونَ﴾ خبره. والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. والتقدير: أأنتم مكذّبون رسولي، فأنتم مدهنون بهذا الحديث. ﴿وَتَجْعَلُونَ﴾ فعل، وفاعل، ﴿رِزْقَكُمْ﴾ مفعول أول. والجملة الفعلية معطوفة على ﴿مُدْهِنُونَ﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿أَنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ خبره. وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولا ثانيًا لـ ﴿تجعلون﴾، ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: وتجعلون شكر رزقكم تكذيب رازقه. ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾. ﴿فَلَوْلَا﴾ الفاء: استئنافية، ﴿لولا﴾ حرف تحضيض بمعنى هلّا، ﴿إِذَا﴾ ظرف مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، ﴿بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ فعل، ومفعول به على الاتساع وفاعله ضمير يعود على النفس؛ أي: فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو: حالية، ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، ﴿حِينَئِذٍ﴾ ظرف مضاف إلى مثله، منصوب ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر مضاف إليه، مبني بسكون مقدر، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة المضافة إليها ﴿إذ﴾؛ أي: حين إذ بلغت الروح الحلقوم، والظرف متعلق بتنظرون، وجملة ﴿تَنْظُرُونَ﴾ في محل الرفع، خبر عن ﴿أَنْتُمْ﴾، ومتعلق النظر محذوف؛ أي: إليه؛ أي: إلى المحتضر. وجملة ﴿أَنْتُمْ﴾ حال من فاعل ﴿بَلَغَتِ﴾. ﴿وَنَحْنُ﴾ الواو: حالية، أو استئنافية، ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره, ﴿إِلَيْهِ﴾، ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلّقان بـ ﴿أَقْرَبُ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿تَنْظُرُونَ﴾ أو مستأنفة معترضة. ﴿وَلَكِنْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿لكن﴾ حرف استدراك ﴿لا﴾ نافية، ﴿تُبْصِرُونَ﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿تَنْظُرُونَ﴾؛ أي: لا تعلمون أنا أقرب إليه منكم بالعلم، أو لا تعلمون ما هو فيه من المشقة والكرب. ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾. ﴿فَلَوْلَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لولا﴾ حرف تحضيض مؤكّدة لـ ﴿لولا﴾ الأولى تأكيدًا لفظيًا، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل

стр. 13164

الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ فعل مضارع، مرفوع بالنون، والواو: فاعل، والهاء: مفعول به. والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. و ﴿لولا﴾ تحضيضية، وهي للطلب. والمعنى: فارجعوا روح المحتضر إلى مقرّها وجسدها وقت بلوغها الحلقوم للنزع إن كتم غير مدينين. ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها، وجوابها معلوم مما قبلها؛ أي: إن كنتم صادقين في نفي البعث فارجعوها إلى جسدها. وهي مؤكّدة لجملة ﴿إن﴾ الشرطية الأولى. وملخص الكلام إن صدقتم في نفي البعث فردوا روح المحتضر إلى جسده لينتفي عنه الموت، فينتفي البعث. اهـ "سمين". ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾. ﴿فَأَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حال المتوفّى عند وفاته، وأردت بيان حاله إثر وفاته فأقول لك: أما إن كان من المقربين إلخ. ﴿أمّا﴾ حرف شرط أبدًا، وتفصيل غالبًا، نائبه عن مهما الشرطية وفعل شرطها، ﴿إن﴾ حرف شرط جازم، ﴿كَانَ﴾ فعل ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على المتوفى، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ خبرها. وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف لدلالة جواب أمّا عليه. والتقدير: إن كان من المقربين يجزى بالروح والريحان وجنة نعيم، وجملة إن الشرطية معترضة بين ﴿أمّا﴾، وجوابها, لا محل لها من الإعراب. ﴿فَرَوْحٌ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿أمّا﴾ وجوبًا، ﴿روح﴾ مبتدأ، خبره محذوف، مقدم عليه، تقديره: فله روح. ﴿وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ معطوفان على ﴿روح﴾. والجملة الاسمية جواب ﴿أمّا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿أما﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. والمعنى: فأقول لك مهما يكن من شيء، فللمتوفى روح وريحان، وجنة نعيم إن كان من المقربين، وسلام من أصحاب اليمين إن كان منهم الخ. ﴿وَأَمَّا﴾ الواو: عاطفة، ﴿أَمَّا﴾ حرف شرط، ﴿إِن﴾ حرف شرط، ﴿كَانَ﴾ فعل ناقص في محل

стр. 13165

الجزم بـ ﴿إِن﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على المتوفى، ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، خبرها، وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن كان من أصحاب اليمين يسلّم عليه. وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية معترضة. ﴿فَسَلَامٌ﴾ الفاء: رابطة لجواب أمّا، ﴿سلام﴾ مبتدأ. سوغ الابتداء به ما فيه من معنى الدعاء. ﴿لَكَ﴾ خبر عن ﴿سلام﴾ ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ نعت لـ ﴿سلام﴾ أو حال منه. والجملة الاسمية جواب أمّا، لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿أَمَّا﴾ في محل النصب، معطوفة على جملة أمّا الأولى. ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾. ﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أَمَّا﴾. حرف شرط، ﴿إِنْ﴾ حرف شرط، ﴿كَانَ﴾ فعل ناقص في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على المتوفى، ﴿مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ خبرها، ﴿الضَّالِّينَ﴾ صفة لـ ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾. وجواب ﴿إن﴾ محذوف، تقديره: إن كان المتوفى من المكذبين يجزى بالحميم والجحيم. وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معترضة بين ﴿أَمَّا﴾ وجوابها. ﴿فَنُزُلٌ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾ الشرطية، ﴿نزل﴾ مبتدأ، حذف خبره المقدم، ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿حَمِيمٍ﴾، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ معطوف على ﴿نزل﴾. والجملة الاسمية جواب ﴿أَمَّا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب. والتقدير: مهما يكن من شيء فللمتوفى نزل من حميم، وتصلية جحيم إن كان من المكذبين الضالّين. وجملة ﴿أَمَّا﴾ في محل النصب، معطوفة على جملة أما الأولى. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَهُوَ﴾ اللام حرف ابتداء، ﴿هو﴾ ضمير فصل، أو مبتدأ، و ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ أو خبر هو. والجملة الاسمية خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. وإضافة حق إلى اليقين عن إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: الحق المتيقّن الذي لا شك فيه. ﴿فَسَبِّحْ﴾ الخ، تقدم إعرابه، ولكن نعيده لزيادة بعض الفوائد. فنقول: الفاء: فاء الإفصاح كما مرّ، ﴿سبح﴾ فعل أمر بمعنى نزه، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿بِاسْمِ﴾ الباء: حرف جر، ﴿اسم﴾ زائد، ﴿رَبِّكَ﴾ مجرور بالباء؛ أي: سبح بربك العظيم. ويجوز أن تكون الباء للحال؛ أي: حال كونك متلبسًا باسم ربك أو متبركًا به، ويجوز أن تكون الباء للتعدية بناء على أنَّ ﴿سبح﴾ يتعدى تارة

стр. 13166

بنفسه، وتارة أخرى بحرف الجر. ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة. فائدة: أثبتوا ألف الوصل هنا في اسم ربك؛ لأنه لم يكثر دورانها هنا كثرته في البسملة, وحذفوها من البسملة لكثرة دورانها. وهم شأنهم الإيجاز، وتقليل الكثير إذا عرف معناه. وهذا معروف لا يجهل. وإثبات ما أثبت من أشكاله مما لا يكثر دليل الحذف منه، ولذا لا تحذف مع غير الباء في اسم الله، ولا مع الباء في غير الجلالة الكريمة من الأسماء. اهـ خطيب انتهى من الفتوحات. التصريف ومفردات اللغة ﴿مَا تُمْنُونَ﴾؛ أي: ما تقذفونه في الأرحام من النطف. قرأ العامة بضم التاء، من أمنى الرباعي يمني إمناء. وقرىء بفتح التاء من مني الثلاثي يمني من باب رمى. كلاهما بمعنى قذف المني في الرحم. وأصله من المني. وهو التقدير. قال الشاعر: لا تَأْمَنْ وَإِنْ أَمْسَيْتَ فِي حَرَمِ ... حَتَّى تُلاقِيَ مَا يُمْنِيْ لَكَ الْمَانِيْ ومنه: المنيَّة. لأنَّها مقدرة تأتي على مقدار. وفي "المختار": وقد يقال: مني من باب رمى، وأمنى أيضًا. اهـ. وأصل ﴿تُمْنُونَ﴾: تمنيون بوزن تفعلون، أستثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، وضمت النون لمناسبة الواو. ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾؛ أي: نميتكم دفعة واحدة، ونخلق أشباهكم. ويجوز في ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ وجهان: أحدهما: أنه جمع مثل بكسر الميم, وسكون الثاء؛ أي: نحن قادرون على أن نعدمكم، ونخلق قومًا آخرين أمثالكم. ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾. والثاني: أنه جمع مثل بفتحتين. وهو الصفة؛ أي: نغير صفاتكم التي أنتم عليها خلقا، وننشئكم في صفات غيرها، اهـ سمين. ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: في صورة لا تعلمونها في جنسكم كتبديل صوركم بصورة القردة والخنازير. قال الحسن؛ أي: نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام

стр. 13167

قبلكم. و ﴿مَا﴾ مقطوعة في الرسم على القاعدة من أن ﴿مَا﴾ الموصولة مفصولة، اهـ خطيب. ﴿مَا تَحْرُثُونَ﴾؛ أي: تبذرون حبه، وتعملون في أرضه. قال الراغب: الحرث: تهيئة الزراعة، وإلقاء البذر فيها، اهـ. والمعنى: المناسب هنا تفسير ما بالبذر، ومعنى تحرثون البذر؛ أي: تلقونه في الأرض فكأنه قال: أفرأيتم البذر الذي تلقونه في الطين أأنتم تزرعونه؛ أي: تنبتونه. وفي "المختار": الزرع: طرح البذر. والزرع أيضًا: الإنبات، يقال: زرعه الله؛ أي: أنبته. ومنه قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾. وبابه قطع، اهـ. ﴿حُطَامًا﴾؛ أي: هشيمًا متكسّرًا متفتتًا لشدة يبسه، والحطام: الهشيم الذي لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء. وأصل الحطم: كسر الشيء مثل الهشم، ونحوه. ثم استعمل لكل كسر متناه. ﴿فَظَلْتُمْ﴾ في إعلال بحذف عينه، إذ أصله: ظللتم بوزن فعلتم، حذفت عينه، وبقيت فاؤه، كما هي لغة فيه. وفيه لغة أخرى. وهي حذف العين، وكسر الفاء ظِلت. وهكذا كل فعل ثلاثي مكسور العين ماض عينه، ولامه من جنس واحد فيه ثلاث استعمالات، وهي استعماله تامًّا، كقولك: ظللت، وحذف عينه، وإبقاه حركة فائه كما هي. وحذف العين وكسر الفاء، كما تقدم. ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ فيه حذف إحدى التاءين، كما تقدم. فأصله: تتفكهون حذفت إحدى التاءين تخفيفًا. وأصل التفكه: تناول ضروب الفواكه للأكل. والفكاهة: المزاح. ومنه: حديث زيد كان من أفكه الناس مع أهله، ورجل فكه طيب النفس. وقد استعير هنا للتنقل في الحديث. وقيل: معناه: تندمون. وحقيقته تلقون الفكاهة عن أنفسكم. ولا تلقي الفكاهة إلا من الحزن. فهو من باب تحرج وتأثم. وقيل: تفكهون تعجبون. وقيل: تتلاومون. وقيل: تتفجعون. كله من باب التفسير باللازم. ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾ جمع مغرم. والمغرم: هو الذي ذهب ماله بغير عوض. وأصل الباب اللزوم. والغرام: العذاب اللازم. والغرامة: أن يلزم الإنسان ما ليس عليه، ولا في ذمته.

стр. 13168

﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ الإيراء: إظهار النار بالقدح. يقال: أورى يورى، ووريت بك زنادي، أي: أضاء بك أمري. ويقال: قدح فأورى إذا ظهرت النار، فإذا لم يور يقال: قدح فأكبى. وفي "المصباح": ورى الزند يرى وريًا من باب وعى. وفي لغة ورى يرى بكسرهما، وأورى بالألف. وذلك إذا أخرج ناره. وفي "المختار": وأوراه غيره أخرج ناره. وفي "معاجم اللغة": تستخرجون النار من الزناد. وهو جمع زند. والزند: العود الذي يقدح به النار. وهو الأعلى. والزندة السفلى، فيها ثقب، وهي الأنثى. فإذا اجتمعا قيل: زندان، والجمع زناد. والعرب تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر. وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: ما من شجر، ولا عود إلّا فيه النار سوى العناب، اهـ. وأصل ﴿تُورُونَ﴾: توريون مضارع أورى الرباعيِّ، وفيه إعلال بالحذف ثلاث مرات: أولًا: حذفت منه همزة أفعل، كما تقدم غير مرة. وثانيًا: حذفت الضمة التي على الياء للتخفيف. وثالثًا: لما سكنت الياء بعد حذف حركتها حذفت لالتقاء الساكنين، وضمت الراء لمناسبة الواو. ﴿الْمُزْنِ﴾ السحاب، جمع مزنة. وفي "القاموس": المزن بالضم: السحاب أو أبيضه أو ذو الماء، والقطعة مزنة. ﴿أُجَاجًا﴾ في "المختار": ماء أجاج: مر شديد الملوحة. وقد أج يؤج أجوجًا بالضم. ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾؛ أي: للمسافرين الذين يسكنون القواء؛ أي: القفر، والمفاوز؛ أي: جعلناها ينتفع بها المسافرون. وخصوا بالذكر لأن منفعتهم بها أكثر من المقيمين. وأصل المقوين: المقويين اسم فاعل من أقوى الرباعي استثقلت الكسرة على الواو، وبعدها ياء مكسورة، وأخرى ساكنة، فحذفت كسرة الياء الأولى لام الكلمة، فلما سكنت حذفت لالتقائها ساكنة مع ياء الجمع فوزنه مفعين. ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ أصله: يمسسه، نقلت حركة السين الأولى إلى الميم، فسكنت فأدغمت في السين الثانية. والظاهر والله أعلم: أن ضمة السين ضمة إعراب، وأنَّ ﴿لا﴾ نافية. وهذا أحد وجهين، ذكرهما السمين. ثم قال: والثاني: أن ﴿لا﴾ ناهية، والفعل بعدها مجزوم. لأنه لو فك عن الادغام .. لظهر ذلك، كقوله تعالى:

стр. 13169

﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾، ولكنه أدغم، ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب. فضمته ضمة إتباع لحركة الهاء. ﴿مُدْهِنُونَ﴾ قال الراغب: والإدهان في الأصل مثل التدهين، لكن جعل عبارة عن المداراة، والملاينة، وترك الجد. وقال المؤرخ: المدهن: المنافق أو الكافر الذي يلين جانبه ليخفي كفره. والإدهان والمداهنة: التكذيب، والنفاق، وأصله: اللين, وأن يضمر خلاف ما يظهر، وادهن داهن بمعنى واحد. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت. وفي "الشهاب": وأصل الإدهان جعل الأديم، ونحوه مدهونًا بشيء من الدهن. ولما كان ذلك ملينًا له لينًا محسوسًا أريد به: اللين المعنوي على أنه تُجُوِّز به عن مطلق اللين، أو استعير له، ولذا سميت المداراة، والملاينة مداهنة. وهذا مجاز معروف، ولشهرته صار حقيقة عرفية، فلذا تجوز به هنا عن التهاون أيضًا؛ لأن المتهاون بالأمر لا يتصلب فيه، اهـ "شهاب". ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ جمع مدين، اسم مفعول من دان يدين. والأصل: مديونين، نقلت حركة الياء إلى الدال، فلما سكنت حذفت واو مفعول لالتقاء الساكنين، ثم كسرت الدال لمناسبة الياء الساكنة بعدها. فهو مثال مبيع. ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ الروح بالفتح: الراحة، والرحمة، ونسيم الريح. والريحان: الرحمة، والرزق كما في "المختار". وفي "القاموس": والريحان: نبت طيب الرائحة، أو كل نبت كذلك، أو أطرافه أو ورقه، والولد، والرزق. وأصله ريحان بوزن فعلان، والياء فيه منقلبة عن واو على غير قياس لعدم وجود سبب للقلب. وقيل: أصله: ريوحان لتصغيره على رويحان. فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، فصار ريحان بتشديد الياء، ثم خففت الياء لتسهيل اللفظ فصار ريحان. وقيل: إن الكلمة لا قلب فيها, ولا إدغام، أن الياء أصل، وهي عين الفعل بدليل جمعها على رياحين، وتصغيره على ريحين. ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ترسم ﴿جَنَّت﴾ هنا مجرورة التاء. ووقف عليها بالهاء ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، والباقون بالتاء على الرسم، اهـ خطيب. ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾؛ أي: احتراق بها. وهو بوزن تفعلة مصدر قياسي لفعَّل المضعف

стр. 13170

المعتل اللام: كزكى تزكية، وولى تولية. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التحضيض في قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾ حثًّا لهم على الاعتراف بالبعت والإعادة كاعترافهم بالخلق الأولى. ومنها: تكرار ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ في مواضعها احتجاجًا على المشركين، وإلزامًا لهم بالحجة. ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾. وجناس الاشتقاق بين ﴿ننشئكم﴾، وبين ﴿النَّشْأَةَ﴾. ومنها: فن صحة الإقسام في الآيات المذكورة من قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾ إلى قوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾. وهو عبارة استيفاء المتكلم جميع الأقسام للمعنى المذكور الآخذ فيه بحيث لا يغادر منه شيئًا. ومنها: العدول من لفظ الحرمان والمنع إلى لفظ هو ردفه، وتابعه. وهو لفظ الجعل في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾. ومنها: تأكيد الفعل باللام في قوله في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾، وعدم تأكيده في الماء، حيث قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾؛ لأنّ الزرع، ونباته، وجفافه بعد النضارة حتى يعود حطامًا لما كان يحتمل أن يتوهم أنه من فعل الزارع، ولهذا قال سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾، أو يتوهم أن خصبه من سقي الماء، وأن جفات من حرارة الشمس وعدم السقي، أو تواتر مرور الإعصار. أخبر سبحانه أنه هو الفاعل لذلك كله على الحقيقة، وأنه قادر على جعله .. لو شاء حطامًا في حالة نموه، وزمن شبيبته ونضارته، فلما كان هذا التوهم محتملًا ..

стр. 13171

أوجبت البلاغة تأكيد فعل الجعل فيه باللام، بإسناده لزارعه على الحقيقة، ومنشئه لرفع هذا التوهم، ولما كان إنزال المطر من السماء محالًا بما لا يتطرق احتمال توهم متوهم أن أحدًا من جميع الخلق قادر عليه لم يحتج إلى تأكيد الفعل في جعله أجاجًا. فإنه لا يمكن أن يتوهم أحد أن أحدًا ينزل المطر من السماء أجاجًا، ولا عذبًا الذي هو أسهل من الأول، وأهون. ومنها: فن التسهيم في هذه الآيات أيضًا. وهو وأن يكون ما تقدم من الكلام دليلًا على ما تأخر منه أو بالعكس فقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ يقتضي أوائل هذه الآيات أواخرها اقتضاء لفظيًّا ومعنويًا. كما ائتلفت الألفاظ فيها بمعانيها المجاورة ائتلاف الملائم بالملائم، والمناسب بالمناسب؛ لأن ذكر الحرث يلائم ذكر الزرع، وذكر كونه سبحانه لم يجعله حطامًا ملائم لحصول التفكه به، وعلى هذه الآية يقاس نظم أختها. ومنها: زيادة لفظ ﴿اسم﴾ في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾، وزيادة ﴿لا﴾ في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ تأكيدًا للكلام. ومنها: الاعتراض بالجملة الاسمية بين القسم والمقسم عليه في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾. ومنها: الاعتراض بين الصفة والموصوف في قوله: ﴿لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ حيث استعار الكرم ممن يقوم به الكرم من ذوي العقول للقران بجامع كثرة النفع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد. ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾؛ أي: شكر رزقكم. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ كأنما الروح شيء مجسم يبلغ الحلقوم في حركة محسوسة. ومنها: تكرار لولا التحضيضية في قوله: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾

стр. 13172

لغرض التأكيد اللفظي. ومنها: جمع المؤكدات في قوله، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ لغرض الرد على المنكرين. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ لغرض التشريف. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 13173

خلاصة موضوعات هذه السورة اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية: ١ - اضطراب الأرض، وتفتت الجبال حين قيام الساعة. ٢ - إن الناس عند الحساب أزواج ثلاثة. ٣ - اجتماع الأولين والآخرين في هذا اليوم. ٤ - إقامة الأدلة على وجود الخالق. ٥ - إقامة البراهين على البعث، والنشور، والحساب. ٦ - إثبات أن هذه الأخبار حق لا شك فيها. ٧ - تبكيت المكذبين على إنكار الخالق. والله أعلم * * *

стр. 13174

سورة الحديد سورة الحديد مدنية. نزلت بعد الزلزلة. قال القرطبيّ في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت سورة الحديد بالمدينة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وقيل: مكية. وآيها تسع وعشرون آية. وكلماتها خمس مئة وأربع وأربعون كلمة. وحروفها ألفان وأربع مئة وستة وسبعون حرفًا. المناسبة: مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها واضحة (١)؛ لأنه تعالى أمر بالتسبيح، ثم أخبر أن التسبيح المأمور به قد فعله والتزمه كل من في السموات والأرض. وعبارة المراغي هنا: مناسبتها لما قبلها من وجهين (٢): ١ - إن هذه بدئت بالتسبيح، وتلك ختم به. ٢ - إن أول هذه واقع موقع العلة لآخر ما قبلها من الأمر بالتسبيح. فكأنه قيل: سبح باسم ربك العظيم. لأنه سبح له ما في السموات والأرض. التسمية: سميت هذه السورة سورة الحديد لذكر الحديد فيها. وهو قوة الإنسان في السلم والحرب، وعدته في البنيان والعمران فمن الحديد تبنى الجسور الضخة، وبه تشاد العمائر، ومنه تصنع الدروع والسيوف والرماح، وتكون منه الدبابات، والغواصات، والسيارات، والطائرات، والمدافع الثقيلة إلى غير ما هنالك من المنافع التي كادت أن لا تحصى. الناسخ والمنسوخ فيها: قال ابن حزم: سورة الحديد كلها مدنية إلا في قول

стр. 13175

الكلبي. فإنه قال: إنها مكية، وكلها محكم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. وبرد (١) على القول بأنها مدنية ما نقل في سبب إسلام عمر بن الخطاب: أنه لما قرأ هذه الآيات من أول هذه السورة إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وكانت مكتوبة في صحيفة عند أخته .. أسلم. فهذا يقتضي أن هذه الآيات مكية. فعلى هذا تستثنى على القول بأن السورة مدنية، تأمل. فضلها: ومن فضائلها: ما أخرجه أحمد (٢)، والترمذي، وحسنه، والنسائي، وابن مردويه، واليبهقي في "الشعب" عن العرباض بن سارية: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد، وقال: "إن فيهن آية أفضل من ألف آية". وفي إسناده بقية بن الوليد. وفيه مقال معروف. وقد أخرجه النسائي عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله ﷺ ، ولم يذكر العرباض بن سارية، فهو مرسل. وأخرج ابن الضريس عن يحيى بن أبي كثير قال: كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأ المسبحات، وكان يقول: "إن فيهن آية أفضل من ألف آية". قال يحيى: فنراها الآية التي في آخر الحشر. قال ابن كثير في تفسيره: والآية المشار إليها، والله أعلم هي قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ...﴾ الآية، والمسبحات المذكورة هي: الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن. والله أعلم * * *

стр. 13176

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾. المناسبة مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها قد تقدم آنفًا.

стр. 13177

وأما قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) أنواعًا من الأدلة تثبت وحدانيته، وعلمه، وقدرته .. فبين أن كل ما في السموات والأرض فهو في قبضته يصرفه كيفما يشاء على ما تقتضيه حكمته. ثم ذكر أنواعًا من الظواهر في الأنفس ترشد إلى هذا، وأومأ إلى النظر والتأمل فيها. أعقب بذكر التكاليف الدينية فأمر بدوام الإيمان الكامل الذي له آثاره العملية من إخبات النفس لله، وإخلاص العمل له، وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ثم طلب إنفاق المال في سبيله، وأبان أن المال عارية مستردة فهو ملك له، وأنتم خلفاؤه في تثميره في الوجوه التي فيها خير لكم، ولأمتكم، ولدينكم. ولكم على ذلك الأجر الجزيل الذي يضاعفه إلى سبع مئة ضعف. ثم حث على ذلك بأن جعل هذا صفوة دعوة الرسول، وقد أخذ عليكم العهد به، وآيات كتابه هادية لكم تخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. والله رؤوف بكم إذ أنقذكم من هاوية الشرك، وهداكم إلى طاعته. ثم ذكر فضل السابقين الأوّلين الذين أسلموا قبل فتح مكة، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في إعلاء كلمة الله حين عز النصير، وقيل المعين. فهؤلاء يستوون مع من فعل ذلك بعد الفتح، وبعد أن دخل الناس في دين الله أفواجًا، وهؤلاء وأولئك لهم المثوبة الحسنى والأجر الكريم عند ربهم. ثم حث على الإنفاق مرة أخرى، وسماه قرضًا حسنًا له، وأنه سيرد هذا القرض، ويجازي به أجل الأجر يوم تبيض وجوه، وتسود وجوه. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما أمر (٢) بالإيمان والإنفاق في سبيل الله، وحث على كل مهما بوجود موجباته .. فحث على الإيمان بوجود الأسباب التي تساعد عليه. وهي وجود الرسول بين أظهرهم، وكتاب الذي يتلى بين أيديهم، وحث على الإنفاق، فأبان أن المال مال الله، وهو عارية بين أيديهم، ثم يرد إليه، وأنهم ينالون على إنفاقه الأجر العظيم في جنات النعيم، ثم ذكر أن المنفقين أول الإسلام لهم من الأجر أكثر ممن أنفقوا من بعد، حين النصير

стр. 13178

والمعين .. ذكر هنا حال المؤمنين المنفقين يوم القيامة. فبين أن نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، ليرشدهم إلى الجنة، وأنهم يبشرون بجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، ثم أردفه بذكر حال المنافقين إذ ذاك، وأنهم يطلبون من المؤمنين شيئًا من الضوء يستنيرون به ليهديهم سواء السبيل؛ فيتهكم بهم المؤمنون، ويخيبوا آمالهم، ويقولون لهم: ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا نورًا بتحصيل العلوم والمعارف، فلا نور إلا منها. ثم أرشد إلى أنه يضرب بين الفريقين حاجز باطنه مما يلي المؤمنين، فيه الرحمة، ومما يلي المنافقين فيه العذاب؛ لأنه في النار. ثم ذكر السبب فيما صاروا إليه، وأنهم أهلكوا أنفسهم بالنفاق والمعاصي، وانتظروا أن تدور على المؤمنين الدوائر فينطفيء نور الإيمان، وشكلوا في أمر البعث، وغرهم الشيطان فأوقعهم في مهاوي الردى. ثم أعقبه ببيان أنه لا أمل في النجاة لهم إذ ذاك فلا تجدي الفدية، كما تنفع في الدنيا. فلا مأوى لهم إلا النار، وبئس القرار. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فرق ما بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة, وأن الأولين لهم نور يهديهم إلى طريق الجنة، وأن الآخرين يطلبون منهم أن يأتوهم قبسًا من نورهم يهديهم إلى سبيل النجاة، فيردونهم خائبين، ويقولون لهم: ارجعوا ورائكم فالتمسوا نورًا .. أردف هذا (١) بعتاب قوم من المؤمنين، فترت همتهم عن القيام بما ندبوا له من الخشوع، ورقة القلوب بسماع المواعظ وسماع القرآن، ثم حذرهم أن يكونوا كأهل الكتاب الذين طال العهد بينهم وبين أنبيائهم, فقست تلوبهم، وأعرضوا عن أوامر الدين ونواهيه. ثم أبان لهم بضرب المثل: أن القلوب القاسية تحيا بالذكر، وتلاوة القرآن كما تحيا الأرض الميتة بالغيث، والمطر.

стр. 13179

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه بن أبي شيبة في "المصنف" عن عبد العزيز بن أبي روّاد: أن أصحاب النبي ﷺ ظهر فيهم المزاح والضحك .. فنزلت هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ... الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان أصحاب النبي ﷺ قد أخذوا في شيء من المزاح، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ...﴾ الآية. وأخرج عن السدي عن القاسم قال: مل أصحاب رسول الله ﷺ ملة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله. فأنزل الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. ثم ملوا ملة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ...﴾ الآية. وروي عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: لما قدم أصحاب رسول الله ﷺ المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد أن كانوا في جهد جهيد. فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا، فنزلت الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾؛ أي: نزه لله ، وقدسه عن كل ما لا يليق به ذاتًا وصفات وأفعالًا، ومجده، وعظمه بكل الكمالات ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: جميع المخلوقات في السموات والأرض حيوانًا وجمادًا عقلاء وغير عقلاء، إما بلسان المقال أو بلسان الحال. ومعنى التسبيح (٢): هو تنزيه الله تعالى اعتقادًا وقولًا وفعلًا عمَّا لا يليق بجنابه سبحانه (٣)، عبر هنا، وفي الحشر والصف بالماضي، وفي الجمعة والتغابن بالمضارع، وفي الأعلى بالأمر، وفي الإسراء بالمصدر استيعابًا للجهات المشهورة

стр. 13180

لهذه الكلمة، وبدأ بالمصدر في الإسراء؛ لأنه الأصل، ثم بالماضي في الحديد، والحشر، والصف؛ لأنه أسبق الزمانين. ثم بالمضارع في الجمعة والتغابن لشموله الحال والمستقبل، ثم بالأمر في الأعلى لخصوصه بالحال مع تأخره في النطق به في قولهم: فعل يفعل إفعل. وفيه تعليم (١) عباده استمرار وجود التسبيح منهم في جميع الأزمنة، والأوقات. والحاصل: أن كلًّا من صيغتي الماضي والمضارع جردت عن الدلالة على مدلولها من الزمان المخصوص. فأشعر باستمراره في الأزمنة لعدم ترجح البعض على البعض. فالمكونات من لدن إخراجها من العدم إلى الوجود، مسبحة في كل الأوقات، لا يختص تسبيحها بوقت دون وقت، بل هي مسبحة دائمًا في الماضي، وتكون مسبحة أبدًا في المستقل. وفي الحديث: "أفضل الكلام أربع: سبحان الله, والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. لا يضرك بأيهن بدأت". والمراد (٢) بالتسبيح المسند إلى ما في السماوات والأرض من العقلاء، وغيرهم، والحيوانات، والجمادات: هو ما يعم التسبيح بلسان المقال كتسبيح الملائكة، والإنس، والجن. وبلسان الحال كتسبيح غيرهم. فإن كل موجود يدل على الصانع. وقد أنكر الزجاج أن يكون تسبيح غير العقلاء هو تسبيح الدلالة. وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة، وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة. فلِمَ قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾؟ وإنّما هو تسبيح مقال، واستدل بقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾. فلو كان هذا التسبيح من الجبال تسبيح دلالة لم يكن لتخصيص داود فائدة. وفعل التسبيح قد يتعدى بنفسه تارةً كما في قوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾، وباللام أخرى كهذه الآية. واللام إما مزيدة للتأكيد كما في نصحت له، وشكرت له في نصحته وشكرته أو للتعليل، والفعل منزل منزلة اللازم؛ أي: فعل ما في السموات والأرض التسبيح، وأوقعه، وأحدثه لأجل الله تعالى وخالصًا لوجهه. وعبر بما التي لغير

стр. 13181

العاقل دون من التي للعاقل تغليبًا لغير العقلاء لكثرتهم. وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قاله (١) هنا بحذف ﴿ما﴾ الثانية موافقة لقوله بعد: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقاله في الحشر، والصف، والجمعة، والتغابن بإثباتها عملًا بالأصل. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب بقدرته، وسلطانه لا يمانعه، ولا ينازعه شيء. ﴿الْحَكِيمُ﴾ بلطفه وتدبيره، لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. وفيه إشعار بعلية الحكم. فإن العزة، وهي الغلبة على كل شيء تدل على كمال القدرة. والحكمة تدل على كمال العلم. والعقل يحكم بأن الموصوف بهما يكون منزها عن كل نقص كالعجز والجهل ونحوهما. ولذا كان الأمن كفرًا؛ لأن فيه نسبة العجز إلى الله تعالى، وكذا اليأس؛ لأن فيه نسبة البخل إلى الله الجواد. ٢ - ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: له سبحانه لا لغيره التصرف الكلي، ونفوذ الأمر فيهما، وما فيهما من الموجودات من حيث الإيجاد والإعدام، وسائر التصرفات مما نعلم وما لا نعلم. يتصرف فيهما وحده، ولا ينفُذ غير تصرفه وأمره. وقيل: أراد خزائن المطر، والنبات، وسائر الأرزاق. يقول الفقير: فإن قلت (٢) كيف أضاف الملك إلى ما هو متناه، وكمال ملكه تعالى غير متناه؟. قلت: إن للسموات والأرض ظاهرًا وهو ما كان حاضرًا، ومرئيًّا من عالم الملك وهو متناه؛ لأنه من قبيل الأجسام والصور، وباطنًا وهو ما كان غائبًا غير محسوس من أسرارهما وحقائقهما، وهو غير متناه؛ لأنه من عالم الملكوت والمعاني، فإضافة الملك إلى الله تعالى إضافة مطلقة يندرج تحتها الملك والملكوت، وهما غير متناهيين في الحقيقة؛ ألا ترى أن القرآن لا تنقضي عجائبه. فهو بحر لا ساحل له، من حيث أسراره، ومن حيث أن المتكلم به هو الذي لا نهاية له، وإن كان القرآن متناهيًا في الظاهر والحس. فالمراد بالملك: هو الملك

стр. 13182

الحقيقي؛ لأن ملك البشر مجاز. فإن قلت (١): قوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ذكره مرتين، فهو مكرر. قلت: لا تكرار فيه؛ لأنَّ الأول في الدنيا بدليل قوله عقبه: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، والثاني في العقبى لقوله عقبه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. وهذه الجملة مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. وقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ مستأنفة أيضًا لبيان بعض أحكام الملك. أو في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو في محل نصب على الحال من ضمير ﴿له﴾. والمعنى: يحيي الموتى بالبعث، والنطف، والبيض في الدنيا، ويميت الأحياء في الدنيا. ومعنى الإحياء، والإماتة: جعل الشيء حيًّا، وجعله ميتًا. وقد يستعاران للهداية وللإضلال في نحو قوله (٢): ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها: ما ذكر من الإحياء والإماتة على مقتضى الحكمة والإرادة ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: تام القدرة، لا يعجزه شيء كائنًا ما كان، فإن الصيغة للمبالغة. ومعنى الآيات (٣): أي إن ما دونه من خلقه ينزهه عن كل نقص تعظيمًا له، وإقرارًا بربوبيته، وإذعانا لطاعته. وهو القادر الغالب الذي لا ينازعه شيء. الحكيم في تدبير أمور خلقه، وتصريفها فيما شاء، وأحب له التصرف والسلطان فيهما. وهو نافذ الأمر، ماضي الحكم، فلا شيء فيهن يمتنع منه. يحيي ما يشاء من الخلق كيف شاء، فيحدث من النطفة الميتة حيوانًا ينفخ فيه الروح، ويميت ما يشاء من الأحياء حين بلوغ أجله. وهو سبحانه ذو قدرة تامّة لا يتعذر عليه شيء أراده من إحياء، وإماتة، وإعزاز، وإذلال إلى نحو أولئك. ٣ - ﴿هُوَ﴾ سبحانه ﴿الْأَوَّلُ﴾؛ أي (٤): السابق على سائر الموجودات بالذات والصفات لما أنه مبدئها ومبدعها. فالمراد بالسبق، والأولية: هو الذاتي لا الزماني. فإن الزمان من جملة الحوادث أيضًا. ﴿وَالْآخِرُ﴾؛ أي: الباقي بعد فنائها

стр. 13183

حقيقة أو نظرا إلى ذاتها مع قطع النظر عن مبقيها؛ فإن جميع الموجودات الممكنة إذا قطع النظر عن علتها، فهي فانية. وقيل: الأول (١) هو الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة. والآخر: هو الدائم الذي ليس له نهاية منقضية. وقيل: الأول الذي كان قبل كل شيء. والآخر الذي يبقى بعد هلاك كل شيء. وقال أبو بكر الوراق: الأول بالأزلية، والآخر بالأبدية. ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ وجودًا لكثرة دلائله الواضحة، أو العلي الغالب على كل شيء. من ظهر عليه إذا علاه، وغلبه. ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ حقيقة، فلا يحوم العقل حول إدراك كنهه، وليس يعرف الله إلا الله. وتلك الباطنية سواء في الدنيا والآخرة. فاضمحل ما في "الكشاف" من أن فيه حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة. وذلك فإن كونه باطنًا بكنه حقيقته لا ينافي كونه مرئيًا في الآخرة من حيث صفاته. أو العالم بما بطن، وخفي من الأمور، من قولهم: فلان يبطن أمر فلان؛ أي: يعلم داخلة أمره. وقد فسر هذه الأسماء الأربعة رسول الله ﷺ ، فيتعين المصير إليه (٢). وهو ما أخرجه ابن أبي شيبة، ومسلم، والترمذي، والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت فاطمة إلى رسول الله ﷺ تسأله خادمًا. فقال قولي: "اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، وربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس قبلك شيء. اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر". وقال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى ﴿الواو﴾ في هذه الأسماء؟ قلت: الواو الأولى معناها: الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، والثانية على أنه الجامع بين الظهور والخفاء. وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين، ومجموع الصفتين الأخريين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية، وهو في جميعها ظاهر وباطن، جامع الظهور بالأدلة والخفاء، فلا يدرك بالحواس.

стр. 13184

﴿وهُوَ﴾ سبحانه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر والخفي. فإنَّ ﴿عَلِيمٌ﴾ صيغة مبالغة، تدل على أنه تعالى تام العلم بكل شيء جليه وخفيه. والمعنى: أي: وهو ذو علم تامّ بكل شيء فلا يخفى عليه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. ٤ - ﴿هُوَ﴾ سبحانه ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: أنشأهما، وأبدعهما على غير مثال سابق بقدرته الكاملة وحكمته البالغة ﴿فِي﴾ قدر ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ من أيام الآخرة، أو من أيام الدنيا تعليمًا للعباد التأني في الأمور. قال ابن عطية: وهذا الأخير أصوب. أولها: الأحد، وآخرها الجمعة. وهذا بيان لبعض ملكه للسموات والأرض. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾؛ أي: ارتفع، وعلا استواء يليق به من غير كيف ولا تمثيل ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ المحيط بجميع الأجسام. والمعنى (١): هو الذي أنشأ السموات السبع والأرضين. فدبَّرهنَّ وما فيهن في ستة أطوار مختلفات، ثم استوى على عرشه، فارتفع عليه ارتفاعًا يليق بجنابه لا نكيفه ولا نمثله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ﴿يَعْلَمُ﴾ سبحانه ﴿مَا يَلِجُ﴾ ويدخل ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ كالكنوز، والدفائن والموتى، والبذور، وكالغيث ينفذ في موضع وينبع في الآخر. ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض كالجواهر من الذهب، والفضة، والنحاس، وغيرها، والزروع، والحيوانات، والماء، وكالكنوز والموتى يوم القيامة. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ كالكتب، والملائكة، والأقضية، والصواعق، والأمطار، والثلوج. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾؛ أي: وما يصعد إليها كالملائكة الذين يكتبون الأعمال، والدعوات، والأعمال، والأرواح السعيدة، والأبخرة، والأدخنة. وقد تقدم تفسيره مستوفى في سورة الأعراف، وفي غيرها. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿مَعَكُمْ﴾ بقدرته، وعلمه، وسلطانه ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾؛ أي: في أي مكان كنتم فيه من الأرض من برّ وبحر. وهذا تمثيل (٢) لإحاطة علمه بهم،

стр. 13185

وتصوير لعدم خروجهم عن قبضته أينما داروا. وفي الحديث: "أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان". وقال موسى عله السلام: "أين أجدك يا رب؟ قال: يا موسى إذا قصدت إلي فقد وصلت إلي". ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فيجازيكم عليه ثوابًا وعقابًا، وهو عبارة عن إحاطته بأعمالهم، فتأخيره عن الخلق لما أن المراد: ما يدور عليه الجزاء من العلم التابع للمعلوم، لا لما قيل: من أن الخلق دليل على العلم، فبالخلق يستدل على العلم، والدليل يتقدم على المدلول. وفي الآية: إيقاظ للغافلين، وتنشيط للمتيقظين، ودلالة لهم على الخشية والحياء من رب العالمين، وإشارة لهم إلى أن أعمالهم محفوظة، وأنهم مجزيون بها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. قال بعض الكبار: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ لأنه العامل بكم وفيكم، ولا بد لكل عامل أن يبصر عمله، وما يتعلق به. والمعنى (١): أي وهو رقيب عليهم، سميع لكلامكم، يعلم سركم ونجواكم. كما قال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾. وفي "الصحيح": أن رسول الله ﷺ قال لجبريل لما سأله عن الإحسان: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وقال عمر ﵁: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: زودني حكمة أعيش بها، فقال: "استح الله كما تستحي رجلًا من صالحي عشيرتك لا يفارقك". وكان الإمام أحمد كثيرًا ما ينشد هذين البيتين: إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا تُخْفِيْ عَلَيْهِ يَغِيْبُ ٥ - وقوله: ﴿لَهُ﴾ ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: سلطنتهما والتصرف فيهما. تكرير للتأكيد كما مر الجواب عنه، وتمهيد لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ سبحانه، لا إلى غيره استقلالًا، واشتراكًا ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: ترد جميع الأمور.

стр. 13186

فاستعدوا للقائه باختيار أرشد الأمور، وأحسنها عند الله تعالى. وقرأ الجمهور (١) ﴿تُرْجَعُ﴾ مبنيًا للمفعول، فيكون بمعنى ترد، وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، والأعرج مبنيًا للفاعل، فيكون بمعنى تصير. والأمور عام في جميع الموجودات أعراضها وجواهرها. ومعنى الآية: أي هو سبحانه المالك لما فيهما، والمدبر لأمورهما، والنافذ حكمه فيهما، وإليه مصير جميع خلقه، فيقضي بينهم بحكمه، كما قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾، وقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾. ٦ - ﴿يُولِجُ﴾؛ أي: يدخل : ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾؛ أي (٢): يدخل بعض ساعات الليل في النهار حتى يصير النهار أطول ما يكون خمس عشرة ساعة، والليل أقصر ما يكون تسع ساعات. ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾؛ أي: بعض ساعاته ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ بحسب اختلاف الفصول، واختلاف مطالع الشمس ومغاربها حتى يصير الليل أطول ما يكون خمس عشرة ساعة، والنهار أقصر ما يكون تسع ساعات. ومجموع الليل والنهار أربع وعشرون ساعة دائمًا. والمعنى: أي يقلب الله سبحانه الليل والنهار، ويقدرهما بحكمته كما يشاء. فتارة يطول الليل ويقصر النهار، والعكس بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وحينًا يجعل الفصل شتاء أو ربيعًا أو صيفًا أو خريفًا، وكل ذلك بتدبيره، وفائدة خلقه. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: مبالغ في العلم ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بخطرات قلوب العباد، ومكنوناتها اللازمة لها من الأسرار، والمعتقدات. وذلك أغمض ما يكون، وأخفاه؛ أي: عليم بالسرائر، وإن دقت وخفيت. فهو يعلم نوايا خلقه كما يعلم ظواهر أعمالهم من خير أو شرّ. وفي ذلك حث لنا على النظر والتأمل، ثم الشكر على ما أولى وأنعم. وعن ابن عباس ﵄ قال (٣): اسم الله الأعظم في أول سورة

стр. 13187

الحديد في ست آيات من أولها. فإذا علقت على المقاتل في الصف لم ينفذ إليه حديد، كما في فتح الرحمن. ولكن لا أصل له. ٧ - ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: صدقوا بوحدانية الله يا معشر الكفار ﴿وَ﴾ صدقوا برسالة ﴿رَسُولِهِ﴾ ﷺ . وهذا خطاب لكفار العرب. ويجوز أن يكون خطابًا للجميع، ويكون المراد بالأمر بالإيمان في حق المسلمين: الاستمرار عليه أو الإزدياد منه. ثم لما أمرهم بالإيمان أمرهم بالإنفاق في سبيل الله فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا﴾؛ أي: واصرفوا أيها المؤمنون في طاعة الله ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ﴾؛ أي: من المال الذي جعلكم الله تعالى ﴿مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾؛ أي؛ خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقةً. فإن المال مال الله، والعباد خلفاء الله في أمواله فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه. عبر (١) عما بأيديهم من الأموال والأرزاق بذلك تحقيقًا للحق، وترغيبًا لهم في الإنفاق. فإن من علم أنها لله، وأنه بمنزلة الوكيل والنائب بحيث يصرفوها إلى ما عينه الله تعالى من المصارف .. هان عليه الإنفاق أو جعلكم خلفاء من قبلكم فيما كان بأيديهم بتوريثه إياكم، فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينتقل منكم إلى من بعدكم، فلا تبخلوا به. قال الشاعر: وَيَكْفِيْكَ قَوْلُ النَّاسِ فِيْمَا مَلَكْتَهُ ... لَقَدْ كَانَ هَذَا مَرَّةً لِفُلَانِ فلا بد من إنفاق الأموال التي هي للغير، وستعود إلى الغير. فكما أن الإنفاق من مال الغير يهون على النفس إذا أذن فيه صاحبه، فكذا من المال الذي على شرف الزوال. روي: أن الآية نزلت في غزوة ذي العشيرة، وهي غزوة تبوك، والظاهر (٢) أن معنى الآية: الترغيب في الإنفاق في الخير، وما يرضاه الله على العموم. وقيل: هو خاص بالزكاة المفروضة، ولا وجه لهذا التخصيص. ومعنى الآية: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ أي: (٣) أقروا بوحدانية الله، وصدقوا

стр. 13188

رسوله فيما جاءكم به عن ربكم، تنالوا الفوز برضوانه، وتدخلوا فراديس جنانه، وتسعدوا بما لم يدر لكم بخلد، ولم يخطر لكم ببال، وأنفقوا مما هو معكم من المال على سبيل العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، واستعملوه في طاعته وإلا حاسبكم على ذلك حسابًا عسيرًا. ولله در لبيد إذ يقول: وَمَا الْمَالُ وَالأَهْلُوْنَ إلَّا وَدَائِعٌ ... وَلَا بُدَّ يَوْمًا أَنْ تُرَدَّ الْوَدَائِعُ وفي هذا الترغيب أيما ترغيب في الإنفاق. لأن من علم أن المال لم يبق لمن قبله، وانتقل إليه علم أنه لا يدوم له بل ينتقل إلى غيره. وبذا يسهل عليه إنفاقه. قال شعبة: سمعت عن قتادة يحدث عن مطرف بن عبد الله عن أبيه قال: "انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾، يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب، وتاركه للناس". رواه مسلم. ثم حث على ما تقدم من الإيمان، والإنفاق في سبيل الله تعالى، فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ بالله، وصدقوا رسوله ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ مما خولهم الله عمن قبلهم في سبيل الله حسبما أمروا به ﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: ثواب عظيم عند ربهم، وهو الجنة. وهناك يرون من الكرامة، والمثوبة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ٨ - ثم وبخهم على ترك الإيمان الذي أمروا به، وأبان أنه ليس لهم في ذلك من عذر. فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: وأي عذر لكم، وأي مانع من الإيمان، وقد أزيحت عنكم العلل. و ﴿ما﴾ مبتدأ، و ﴿لَكُمْ﴾ خبره. والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع. وجملة ﴿لَا تُؤْمِنُونَ﴾ حال من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، والعامل فيه ما فيه من معنى الفعل، وهو الاستقرار؛ أي (١): أي شيء ثبت لكم، وحصل حال كونكم غير مؤمنين، وحقيقته ما سبب عدم إيمانكم بالله على توجيه الإنكار، والنفي إلى السبب فقط مع تحقق المسبب. وقيل المعنى: أي شي لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا؟. وجملة قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ في محل نصب على الحال من ضمير ﴿لَا

стр. 13189

تُؤْمِنُونَ﴾ مفيدة لتوبيخهم على الكفر مع تحقق ما يوجب عدمه بعد توبيخهم عليه مع عدم ما يوجبه؛ أي: وأي عذر في ترك الإيمان، والحال أن الرسول يدعوكم إليه، وينبهكم على صحة ما جاءكم به بالحجج والآيات. فإن الدعوة المجردة لا تفيد. فلو لم يجب الداعي دعوة مجردة، وترك ما دعاه إليه لم يستحق الملامة والتوبيخ، فلام ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ بمعنى إلى، ولا يبعد حملها على التعليلية، أي: يدعوكم إلى الإيمان لأجل أن تؤمنوا. وجملة قوله: ﴿وَقَدْ أَخَذَ﴾ الله سبحانه ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ وعهدكم المؤكد باليمين على الإيمان من قبل دعوة الرسول إيّاكم إليه بنصب الأدلة والتمكين من النظر، حال من مغعول ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أو من فاعله على التداخل. وحمله بعضهم على الميثاق المأخوذ يوم الذر، حين أخرجهم من صلب آدم في صورة الذر. وهي النمل الصغير. والمعنى؛ أي: والحال أن الله قد أخذ ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَقَدْ أَخَذَ﴾ مبنيًا للفاعل، وهو الله لتقدم ذكره ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ بالنصب. وقرأ أبو عمرو مبنيًا للمفعول، ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ بالرفع. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لموجب ما. فإن هذا موجب لا موجب وراءه. وفي "عين المعاني"؛ أي: إن كنتم مصدقين بالميثاق. وفي "فتح الرحمن"؛ أي: إن دمتم على ما بدأتم به، وفي "الشوكاني": إن كنتم مؤمنين بما أخذ عليكم من الميثاق، أو بالحجج والدلائل، أو كنتم مؤمنين بسبب من الأسباب، فهذا من أعظم أسبابه، وأوضح موجباته، وقال أبو حيان: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرط جوابه محذوف، تقديره: إن كنتم مؤمنين لموجب ما، فهذا هو الموجب لإيمانكم، أو إن كنتم ممن يؤمن فما لكم لا تؤمنون، والحالة هذه، وهي دعاء الرسول، وأخذ الميثاق. وقال الطبري: إن كنتم مؤمنين في حال من الأحوال، فالآن فإنه قد تطابقت الدلائل النقلية والعقلية، وبلغت مبلغًا لا يمكن الزيادة عليها. والمعنى (٢): أي وأي شيء يمنعكم من الإيمان والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج، والبراهين على صحة ما جاءكم به، وقد أخذ الله

стр. 13190

عليكم الميثاق بما نصب لكم من الأدلة على وحدانيته في الكون أرضه وسمائه، بره وبحره، وفي الأنفس بما تشاهدن فيها من بديع صنعها، وعظيم خلقها إن كنتم تؤمنون بالدليل العقلي والنقلي. وصفوة القول: إن الأدلة تظاهرت على وجوب الإيمان بالله ورسوله، فقد نصب في الكون ما يرشد إلى وجوده، وأرسل الرسل يدعون إلى ذلك، وأقاموا البراهين على صدق ما يقولون، فما عذركم، وإلام تستندون في رد هذا؟ الآن قد تبين الرشد من الغيّ، وأفصح لذي عينين. وماذا بعد الحق إلا الضلال "فهل من مدّكر". ٩ - ثم قطع عليهم الحجة، وأزال معذرتهم. فقال: ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي يُنَزِّلُ﴾ بواسطة جبرئيل ﵇، وقرىء (١) في السبعة ﴿يُنَزِّلُ﴾ مضارعًا. فبعض ثقل، وبعض خفف. وقرأ الحسن بالوجهين. وقرأ زيد بن علي، والأعمش ﴿أنزل﴾ ماضيًا. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ . ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات من الأمر والنهي، والحلال، والحرام وهي الآيات القرآنية. وقيل: المعجزات، والقرآن أعظمها. ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ الله سبحانه أيها المؤمنون بتلك الآيات ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي (٢): من ظلمات الكفر، والشرك، والشك، والجهل، والمخالفة ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: إلى نور الإيمان، والتوحيد، واليقين، والعلم، والموافقة. أو ليخرجكم عبده محمد ﷺ بتلك الآيات أو بالدعوة. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿بِكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لكثير الرأفة والرحمة بليغهما، حيث هداكم إلى سعادة الدارين بإنزال كتبه، وإرسال رسله لهداية عباده بعد نصب الحجج العقلية، فلا رأفة، ولا رحمة أبلغ من هذا. والرأفة: أشد الرحمة. والمعنى: أي هو الذي ينزل على رسوله دلائل واضحات، ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن الضلالة إلى الهدى، ولرأفته بكم، ورحمته لكم مكن لكم من النظر في الأنفس، والآفاق لتهتدوا إلى معرفته على أتم وجه، وأهون سبيل.

стр. 13191

١٠ - وبعد أن وبخهم على ترك الإيمان، وبخهم على ترك الإنفاق، وأبان أنه لا معذرة لهم في ذلك. نقال: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ ﴿ما﴾ مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾ خبره. والاستفهام للتقريع والتوبيخ؛ أي: وأي عذر لكم في ﴿أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟. وأي شيء يمنعكم من أن تنفقوا فيما هو قربة إلى الله ما هو له في الحقيقة، وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عينه من المصارف. فقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مستعار لما يكون قربة إليه، وقال بعضهم: معناه: لأجل الله، والأصل في "أن لا تنفقوا" كما أشرنا إليه في الحل. وقيل (١): إنَّ ﴿أن﴾ زائدة. وجملة قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في محل النصب على الحال من فاعل ﴿أَلَّا تُنْفِقُوا﴾ أو من مفعوله المحذوف. والمعنى: وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، والحال أنه لا يبقى لكم منها شيء، بل تبقى كلها لله بعد فناء الخلق. وإذا كان كذلك .. فإنفاقها بحيث تستخلف عوضًا يبقى، وهو الثواب كان أولى من الإمساك؛ لأنها إذًا تخرج من أيديكم مجانًا بلا عوض، ولا فائدة. قال الراغب: وصف الله نفسه بأنه الوارث من حيث إن الأشياء كلها صائرة إليه؛ وقال أبو الليث: إنما ذكر لفظ الميراث؛ لأن العرب تعرف أن ما ترك الإنسان يكون ميراثًا، فخاطبهم بحسب يعرفون فيما بينهم. والخلاصة (٢): أنفقوا أموالكم في سبيل الله قبل أن تموتوا، ليكون ذلك ذخرًا لكم عند ربكم. فبعد الموت لا تقدرون على ذلك. إذ تصير الأموال ميراثًا لمن له السماوات والأرض. ثم بين سبحانه تفاوت درجات المنفقين بحسب تفاوت أحوالهم في الإنفاق. فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ﴾ يا عشر المؤمنين. روي أن جماعة من الصحابة ﵃ أنفقوا نفقات كثيرة حتى قال ناس: هؤلاء أعظم أجرًا من كل من أنفق قديمًا، فنزلت الآية مبينة أن النفقة قبل فتح مكة أعظم أجرًا؛ أي: لا يستوي منكم معشر المؤمنين ﴿مَنْ﴾ آمن، وهاجر، و ﴿أَنْفَقَ﴾ ماله في سبيل الله ﴿مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾؛ أي: قبل فتح مكة الذي أزال الهجرة ﴿وَقَاتَلَ﴾ لإعلاء كلمة الله؛ أي: لا يستوي هو ومن

стр. 13192

أنفق بعد الفتح، وقاتل العدو تحت لواء رسول الله ﷺ . والاستواء (١) يقتضي شيئين. فقسيم ﴿من آمن﴾ محذوف لوضوحه، ودلالة ما بعده عليه؛ أي: لا يستوي في الفضل والثواب من أنفق من قبل الفخح وقاتل، ومن أنفق من بعده وقاتل. وقرأ الجمهور ﴿مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾. وقرأ زيد بن علي ﴿قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ بغير من. وإنما كانت النفقة، والقتال قبل الفتح أفضل من النفقة والقتال بعد الفتح؛ لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم أقل وأضعف، ولم يؤمن إذ ذاك إلا الصديقون. أما بعد الفتح فقد انتشر الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وتقديم الإنفاق على القتال للإيذان بفضيلة الإنفاق لما كانوا عليه من الحاجة، فإنهم كانوا يجودون بأنفسهم، ولا يجدون ما يجودون به من الأموال، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. والإشارة بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى ﴿من﴾ باعتبار معناها، وهو مبتدأ، وخبره ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾؛ أي: أرفع منزلة عند الله، وأعلى رتبة ﴿مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا﴾ أموالهم في سبيل الله تعالى ﴿مِنْ بَعْدُ﴾؛ أي: من بعد فتح مكة. ﴿وَقَاتَلُوا﴾ مع رسول الله ﷺ . قال الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضًا أنفذ. وقال الشعبي، والزهري: فتح الحديبية. قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة من قبل فتح مكة أفضل من النفقة والقتال بعد ذلك. والمعنى (٢): أي أولئك المنفقون المقاتلون قبل الفتح، وهم السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار أعظم درجة، وأرفع منزلة عند الله، وبعظم الدرجة يكون عظم صاحبها. فالدرجة بمعنى المرتبة والطبقة، وجمعها درجات، كما سيأتي. ﴿مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾؛ لأنّهم إنما فعلوا من الإنفاق، والقتال قبل عزة الإسلام، وقوّة أهله عند كمال الحاجة إلى النصرة بالنفس والمال، وهؤلاء فعلوا ما فعلوا بعد ظهور الدين، ودخول الناس فيه أفواجًا، وقلة الحاجة إلى الإنفاق

стр. 13193

والقتال. وقد صرح ﷺ بفضل الأوّلين بقوله: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". ﴿وَكُلًّا﴾؛ أي: كل واحد من الفريقين. وهو مفعول أول لقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: المثوبة الحسنى. وهي الجنة. لا الأوّلين فقط، ولكن الدرجات متفاوتة. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أيها العباد ﴿خَبِيرٌ﴾ بظواهره وبواطنه، ويجازيكم بحسبه. قال في "المناسبات": لما كان زكاة الأعمال إنما هو بالنيات، وكان التفضيل مناط العلم قال مرغّبًا في حسن النيات، مرهِّبًا من التقصير فيها: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: تجددون عمله على ممر الأوقات ﴿خَبِيرٌ﴾؛ أي: عالم بباطنه وظاهره علمًا لا مزيد عليه بوجه. فهو يجعل جزاء الأعمال على قدر النيّات التي هي أرواح صورها. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَكُلًّا﴾ بالنصب، وقرأ ابن عامر، وعبد الوارث بالرفع على أنه مبتدأ. والمعنى (٢): أي وكل من المنفقين قبل الفتح وبعده لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في مقدار الجزاء، كما قال في آية أخرى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ الآية. ثم وعدوا وأوعد. فقال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؛ أي: والله عليم بظواهر أحوالكم وبواطنها فيجازيكم بذلك، ولخبرته تعالى بكم فضل أعمال من أنفق من قبل الفتح وقاتل، على من أنفق بعده وقاتل، وما ذاك إلا لعلمه بإخلاص الأول في إنفاقه في حال الجهد والضيق. ولأبي بكر الصديق ﵁ الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها، إذ أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله تعالى، ولم يكن لأحد عنده من نعمة يجزيه بها. ١١ - ثم ندب إلى الإنفاق في سبيله، ووبخ على تركه. فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ من (٣) مبتدأ، خبره ﴿ذَا﴾، و ﴿الَّذِي﴾ صفة ﴿ذَا﴾، أو بدله.

стр. 13194

والإقراض حقيقة: إعطاء العين على وجه يطلب بدله. و ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ مفعول مطلق له بمعنى إقراضًا حسنًا. وهو الإخلاص في الإنفاق؛ أي؛ الإعطاء لله، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات. والمعنى: من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله رجاء أن يعوضه. فإنه كمن يقرضه. وقال في "كشف الأسرار": كل من قدم عملًا صالحًا يستحق به مثوبة، فقد أقرض، ومنه قولهم: الأيادي قروض، وكذلك كل من قدم عملًا سيئًا يستوجب به عقوبة فقد أقرض، فلذلك قال تعالى: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾. لأنّ المعصية قرض سيء. قال أمية: لَا تَخْلُطَنَّ خَبِيثَاتٍ بِطَيِّبَةٍ ... وَاخْلَعْ ثِيَابَكَ منها وَانْجُ عُرْيَانَا كُلُّ امْرِىءٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَه حَسَنًا ... أَوْ سَيِّئًا وَيُدَانُ مِثْلَ مَا دَانَا وقيل: المراد بالقرض: الصدقة، انتهى. وهاهنا وجه آخر، وهو أن القرض في الأصل: القطع من قرض الثوب بالمقراض إذا قطعه به، ثم سمي به ما يقطعه الرجل من أمواله، فيعطيه عينًا بشرط رد بدله، فعلى هذا يكون ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ مفعولًا به. والمعنى: من ذا الذي يقرض الله مالًا حسنًا؛ أي: حلالًا طيبًا. فإنه تعالى لا يقبل إلا الحلال الطيب. فائدة: قال بعض العلماء: لا يكون القرض حسنًا حتى يجمع أوصافًا عشرة: وهو أن يكون المال من الحلال؛ وأن يكون من أجود المال، وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه، وأنت تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها، وأن تكتم الصدقة ما أمكنك، وأن لا تتبعها بالمن والأذى، وأن تقصد بها وجه الله تعالى ولا ترائي بها الناس، وأن تستحقر ما تعطي وإن كان كثيرًا، وأن يكون من أحب أموالك إليك، وأن لا ترى عز نفسك وذل الفقير. فهذه عشرة خصال، إذا اجتمعت في الصدقة كانت قرضًا حسنًا، انتهى ذكره في "الفتوحات" نقلًا عن القرطبي. وقيل: القرض الحسن هو الخالص عن شوائب الرياء. أما القرض الذي يدفع إلى الإنسان من المال بشرط بدله فهو سنة مؤكدة. قد يجب للمضطر، ويحرم على من يستعين به على معصية. ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام باعتبار المعنى. كأنّه قيل:

стр. 13195

أيقرض الله أحد فيضاعفه له؛ أي: فيعطيه أجره أضعافًا من فضله، وإنّما قلنا: باعتبار المعنى؛ لأنَّ ﴿الفاء﴾ إنما تنصب فعلًا مردودًا على فعل مستفهم عنه كما قال أبو علي الفارسي. وهاهنا السؤال لم يقع عن القرض، بل عن فاعله. ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم حسن طيب مرضي في نفسه، حقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون، وإن لم يضاعف فكيف وقد ضوعف أضعافًا كثيرة. والمعنى (١): أي من هذا الذي ينفق أمواله في سبيل الله محتسبًا أجره عند ربه بلا من ولا أذى، فيضاعف له ذلك القرض، فيجعل له بالحسنة الواحدة سبع مئة، وله بعد ذلك جزاء كريم بمثبوته بالجنة، وعن ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ...﴾ الآية، قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض، قال: "نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله قال: فناوله يده قال: إني أقرضت ربي حائطي - بستاني - وكان له حائط فيه ست مئة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها. قال أبو الدحداح: فناديتها يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال أخرجي فقد أقرضته ربي ، قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح. ونقلت منها متاعها وصبيانها. فقال رسول الله ﷺ : "كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح". وهذا الأسلوب يستعمل في الأمر العزيز النادر، فيقال: من ذا الذي يفعل كذا إذا كان أمرًا عظيمًا. وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وقرأ ابن عامر، وابن كثير (٢): ﴿فيُضعِّفه﴾ بإسقاط الألف مع التضعيف، إلا ابن عامر، ويعقوب نصبوا الفاء. وقرأ نافع، وأهل الكوفة والبصرة ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالألف وتخفيف العين، إلا أن عاصمًا نصب ﴿الفاء﴾ ورفع الباقون. قال ابن عطية: الرفع على العطف على ﴿يُقْرِضُ﴾ أو الاستئناف، والنصب لكون ﴿الفاء﴾ في جواب الاستفهام. وضَعَّف النصب أبو علي الفارسي، قال: لأن السؤال لم يقع عن القرض، وإنما وقع عن فاعل القرض، وإنما تنصب ﴿الفاء﴾ فعلًا مردودًا على فعل

стр. 13196

مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى: كأن قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ بمنزلة قوله: أيقرض الله أحد، كما مرّ آنفًا. قال أبو حيان (١): وهذا الذي ذهب إليه أبو علي الفارسي ليس بصيحح، بل يجوز النصب إذا كان الاستفهام بأدواته الاسمية نحو: من يدعوني فاستجيبَ له، وأين بيتك فأزورَك، ومتى تسير فأرافقَك، وكيف تكون فأصحبَك. فالاستفهام هنا واقع عن ذات الداعي، وعن ظرف المكان وظرف الزمان، والحال، لا عن الفعل، وحكى ابن كيسان عن العرب: أين ذهب زيد فنتبعه، وكذلك كم مالك فنعرفه، ومن أبوك فنكرمه بالنصب بعد الفاء. وقراءة ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالنصب قراءة متواترة. وإذا جاز النصب في نحو هذا فجوازه في المثل السابقة أحرى، مع أن سماع ابن كيسان ذلك محكيًّا عن العرب يؤيد ذلك، انتهى. ١٢ - والظرف في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ منصوب بإضمار اذكر تفخيمًا لذلك اليوم، أو بـ ﴿كَرِيمٌ﴾ أو بـ ﴿يضاعفه﴾ أو بالعامل في ﴿لَهُمْ﴾. وهو الاستقرار. والخطاب لكل من يصلح. وقوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من مفعول ﴿تَرَى﴾. والنور: هو الضياء الذي يرى. والسعي: هو المشي السريع؛ أي: واذكر أيها المخاطب وقت رؤية المؤمنين والمؤمنات على الصراط، وهو يوم القيامة حال كونهم يسعى نور إيمانهم وطاعتهم ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ جمع يمين بمعنى الجارحة. والمراد هنا: جهة اليمين. و ﴿بَيْنَ﴾ ظرف للسعي. قال أبو الليث: يكون النور بين أيديهم، وبأيمانهم، وعن شمائلهم إلا أن ذكر الشمال مضمر. قال في "فتح الرحمن": وخص بين الأيدي بالذكر؛ لأنه موضع حاجة الإنسان إلى النور، وخص ذكر جهة اليمين تشريفًا، وناب ذلك مناب أن يقول: وفي جميع جهاته. وفي "كشف الأسرار": لأن طريق الجنة يمنةٌ، وتجاههم، وطريق أهل النار يسرة ذات شمال، وفي الحديث: "بينا أنا على حوضي أنادي هلم إذا أناس أخذتهم الشمال، فاختلجوا دوني، فأنادي ألا هلم فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا". وقرأ الجمهور (٢): ﴿النُّورِ﴾ أصله يكون بأيمانهم، والذي بين أيديهم هو

стр. 13197

الضوء المنبسط من ذلك النور. وقيل: الباء بمعنى عن؛ أي: عن أيمانهم. وقال الزمخشري: وإنما قال: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ لأنّ السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم، ووراء ظهورهم. وقرأ الجهور ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ بفتح الهمزة، جمع يمين. وقرأ سهل بن سعد الساعدي، وأبو حيوة ﴿بإيمانهم﴾ بكسرها وعطف هذا المصدر على الظرف؛ لأنَّ الظرف متعلق بمحذوف؛ أي: كائنًا بين أيديهم، وكائنًا بسبب إيمانهم. والمراد بالإيمان: ضد الكفر. وقيل: هو القرآن. وتقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم: ﴿بُشْرَاكُمُ﴾؛ أي: ما تبشرون به اليوم. وعبارة الخطيب هنا؛ أي: بشارتكم العظيمة في جيمع ما يستقبلكم من الزمان. ﴿جَنَّاتٌ﴾؛ أي: بساتين أو بشراكم دخول جنات، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب. ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها، وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة المعروفة في الجنة: اللبن، والماء، والخمر، والعسل. حال كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من النور والبشرى بالجنات المخلدة ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي لا يقادر قدره، حتى كأنه لا فوز غيره، ولا اعتداد بما سواه لكونهم ظفروا كل ما أرادوا. ومعنى الآية (١): أي لهم الأجر الكريم حين ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى بين أيديهم ما يكون السبب في نجاتهم، وهدايتهم إلى سبيل الجنة من العلوم التي كملوا بها أنفسهم في الدنيا: كالاعتقاد، بالتوحيد، وخلع الأنداد والأوثان، والقبور، والأعمال الصالحة التي زكوا بها أنفسهم، وبها أخبتوا لربهم، وأنابوا إليه مخلصين له الدين، وبأيمانهم تكون كتبهم. كما جاء في آية أخرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾. وتقول لهم الملائكة: أبشروا بجنات تجري من تحتها الأنهار جزاء وفاقًا لما قدمتم من صالح الأعمال، وجاهدتم به أنفسكم في ترك الشرك والآثام، وكنتم تذكرون الله بالليل والناس نيام، فطوبى لكم وهنيئًا بما عملتم. ونحو الآية قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ

стр. 13198

عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾. ذلك الخلود في الجنات التي سمعتم أوصافها هو النجاح العظيم الذي كنتم تطلبونه بعد النجاة من عقاب الله. ١٣ - وبعد أن ذكر حال المؤمنين في موقف القيامة أتبعه ببيان حال المنافقين. فقال: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ تَرَى﴾؛ أي: اذكر يا محمد لقومك أو اذكر أيها المخاطب أهوال يوم يقول المنافقون والمنافقات ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: أخلصوا الإيمان بكل ما يجب الإيمان به: ﴿انْظُرُونَا﴾؛ أي: انتظرونا. يقولون ذلك لما رأوا المؤمنين يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تزف بهم، وهؤلاء مشاة أو انظروا إلينا. فإنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيستضيئون بالنور الذي بين أيديهم. فانظرونا على هذا الوجه من باب الحذف والإيصال؛ لأن النظر بمعنى الإبصار لا يتعدى بنفسه، وإنما يتعدى بإلى. وهذان المعنيان على قراءة الجمهور. فإنهم قرأوا ﴿انْظُرُونَا﴾ أمرًا بوصل (١) الهمزة وضم الظاء، من نظر الثلاثي. وقرأ زيد بن علي، وابن وثاب، والأعمش، وطلحة، وحمزة ﴿أنظرونا﴾ بقطع الهمزة وكسر الظاء، من أنظر الرباعي؛ أي: أنظرونا وأخرونا. لأن الإنظار: الإمهال على أن تأنِّيهم في المضي ليلحقوا بهم إنظار لهم وإمهال؛ أي: تأخروا لأجلنا، ولا تسرعوا في مضيكم ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾؛ أي: نستضيء منه، ونمش فيه معكم. وأصله: اتخاذ القبس. وهو محركة شعلة نار تقتبس من معظم النار كالمقباس، كما سيأتي. وقيل: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾؛ أي: نأخذ من نوركم قبسًا سراجًا وشعلة. ﴿قِيلَ﴾ طردًا لهم، وتهكّمًا بهم من جهة المؤمنين، أو من جهة الملائكة ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾؛ أي: إلى الموقف ﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾؛ أي: فاطلبوا نورًا. فإنه من ثمة يقتبس، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بتحصيل مباديه من الإيمان والأعمال الصالحة. والمعنى (٢): قال لهم المؤمنون أو الملائكة زجرًا لهم، وتهكمًا بهم: ارجعوا

стр. 13199

ورائكم إلى الموضع الذي أخذنا منه النور. فالتمسوا واطلبوا هنالك نورًا لأنفسكم. فإنه من هنالك يقتبس. وقيل: المعنى: ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بما التمسناه من الإيمان والأعمال الصالحة. وقيل: أرادوا بالنور: ما ورائهم من الظلمة تهكمًا بهم. وعن أبي أمامة الباهليّ ﵁: أنه قال: بينا العباد يوم القيامة عند الصراط إذ غشيهم ظلمة، يقسم الله النور بين عباده، فيعي الله المؤمن نورًا، ويبقي المنافق والكافر لا يعطيان نورًا. فكما لا يستضيء الأعمى بنور البصير لا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن. فيقولون: انظرونا نقتبس من نوركم. فيقولون لهم: ارجعوا حيث قسم النور، فيرجعون فلا يجدون شيئًا، فيرجعون وقد ضرب بينهم بسور، أو ارجعوا خائبين خاسئين، وتنحوا عنا فالتمسوا نورًا آخر، وقد علموا أن لا نور ورائهم، وإنما قالوه تخييبًا لهم أو أرادوا بالنور ما ورائهم من الظلمة الكثيفة تهكمًا بهم. وحاصل معنى الآية: في ذلك اليوم يقول (١) المنافقون والمنافقات: أيها الذين نجوتم بإيمانكم بربكم، وفزتم برضوانه حتى دخلتم فسيح جناته، انتظرونا نلحق بكم، ونقتبس من نوركم حتى نخرج من ذلك الظلام الدامس، والعذاب الأليم الذي نحن مقبلون عليه، فيجابون بما يخيب آمالهم، ويلحق بهم الحسرة والندامة، كما قال: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾؛ أي: ارجعوا من حيث أتيتم واطلبوا لأنفسكم هناك نورًا. فإنه لا سبيل إلى الاقتباس من نورنا الذي كان بما قدمنا لأنفسنا، وادخرنا لها من عمل صالح. فهيهات هيهات أن تنالوا نورًا، إذ لا ينفع المرء حينئذٍ إلا عمله. ولله درّ القائل: صَاحِ هَلْ رَأيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعِ ... رَدَّ فِيْ الضَّرْعِ مَا قَرَى فِيْ الْحِلَابِ ولا يخفي ما في هذا من التهكم بهم والاستهزاء بطلبهم كما استهزؤوا بالمؤمنين في الدنيا حين قالوا: آمنا، وما هم بمؤمنين. وذلك ما عناه سبحانه بقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾؛ أي: حين يقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾.

стр. 13200

ثم ذكر ما يكون بعد هذه المقالة، فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي (١): بني بين الفريقين المؤمنين والمنافقين ﴿بِسُورٍ﴾ الباء زائدة أي: حائط بين الجنة والنار كما قاله قتادة، أو حجاب كما في سورة الأعراف كما قاله مجاهد، وقال: من قال: ارجعوا إلى الدنيا المراد بضرب السور امتناع العود إلى الدنيا؛ أي: ضربته الملائكة بينهم بأمر إلهي. ولما (٢) كان البناء مما يحتاج إلى ضرب باليد ونحوها من الآلات عبر عنه بالضرب، ومثله: ضرب الخيمة كضرب أوتادها بالمطرقة. ﴿بِسُورٍ﴾؛ أي: حائط بين شق الجنة وشق النار؛ فإن سور المدينة حائطها المشتمل عليها لحفظها، وقال بعضهم: هو سور بين أهل الجنة والنار، يقف عليه أصحاب الأعراف يشرفون على أهل الجنة وأهل النار، وهو السور الذي يذبح عليه الموت، يراه الفريقان معًا. وقرأ الجمهور (٣): ﴿فَضُرِبَ﴾ مبنيًا للمفعول. وقرأ زيد بن عليّ، وعبيد بن عمير مبنيًا للفاعل؛ أي: ضرب الله . ويبعد قول من قال: إن هذا السور هو الجدار الشرقي من مسجد بيت المقدس، وهو مروي عن عبادة بن الصامت، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وكعب الأحبار. ولعله لا يصح عنهم. ثم وصف سبحانه السور المذكور، فقال: ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك السور ﴿بَابٌ﴾ يدخل فيه المؤمنون. فيكون السور بينهم باعتبار ثاني الحال أعني: بعد الدخول لا حين الضرب. ﴿بَاطِنُهُ﴾؛ أي: باطن ذلك السور، أو باطن الباب ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ لأنّه يلي الجنة ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ﴾؛ أي: من جهته، وعنده ﴿الْعَذَابُ﴾ لأنه يلي النار؛ أي: من جهته عذاب جهنم. وقيل: إن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب، وبينهم السور. وقيل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين. والمعنى: أي فضرب بين الفريقين حاجز جانبه الذي يلي مكان المؤمنين وهو الجنة، فيه الرحمة وجانبه الذي يلي المنافقين وهو النار فيه العذاب. ١٤ - ولما ضرب بالسور بين المؤمنين والمنافقين أخبر الله سبحانه عما قاله
следующие страницы →