فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ﴿نَفْسٌ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿تنظر﴾ وجملة ﴿قَدَّمَتْ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما قدمته. ﴿لِغَدٍ﴾: متعلق بـ ﴿قَدَّمَتْ﴾، وأطلق الغد على يوم القيامة تقريبًا له. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على اتقوا الأول. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿خَبِيرٌ﴾: خبره، ﴿بِمَا﴾؛ متعلق بخبير، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة أو المصدرية. وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالتقوى.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾.
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَكُونُوا﴾: فعل مضارع ناقص، واسمه مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿كَالَّذِينَ﴾: خبر تكونوا، وجملة النهي معطوفة على جملة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وجملة ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾: صلة الموصول، ﴿فَأَنْسَاهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أنساهم﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾ ومفعول به أول، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾؛ مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، أو مبتدأ ثان، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبر المبتدأ، أو خبر ﴿هُمُ﴾، والجملة خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَسْتَوِي﴾: فعل مضارع، ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ فاعل، ومضاف إليه ﴿وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ معطوفة على ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾. والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، أو مبتدأ ثان، ﴿الْفَائِزُونَ﴾: خبر المبتدأ، أو خبر ﴿هُمُ﴾. والجملة مستأنفة.
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾.
﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿هَذَا﴾: مفعول به، ﴿الْقُرْآنَ﴾: بدل منه، ﴿عَلَى جَبَلٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾، ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية، ﴿رأيته﴾، فعل وفاعل ومفعول، ﴿خَاشِعًا﴾: مفعول ثان أو حال؛ لأن الرؤية تحتمل القلبية والبصرية.
стр. 13442
﴿مُتَصَدِّعًا﴾: نعت لـ ﴿خَاشِعًا﴾ أو حال ثانية ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿مُتَصَدِّعًا﴾، وجملة رأى جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَتِلْكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿تلك﴾: مبتدأ، ﴿الْأَمْثَالُ﴾: بدل، وجملة ﴿نَضْرِبُهَا﴾: خبر، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿نَضْرِبُهَا﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: خبره. وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾.
﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿اللَّهُ﴾: خبر أول، والجملة مستأنفة، ﴿الَّذِي﴾: نعت للجلالة، ﴿لَا﴾: نافية لجنس الخبر تعمل عمل إن، ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَا﴾ محذوف جوازًا، تقديره: موجود، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة والغيبة، في محل الرفع، بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَا﴾ المحذوف، وجملة إلا من اسمها، وخبرها صلة الذي. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: خبر ثان لـ ﴿هو﴾. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوف على ﴿الْغَيْبِ﴾، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿الرَّحْمَنُ﴾: خبر أول له، ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان به. والجملة مستأنفة.
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾.
﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾: خبر، ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. والجملة الابتدائية مستأنفة، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صلة ﴿الَّذِي﴾. ﴿الْمَلِكُ﴾: خبر ثان لـ ﴿هو﴾، ﴿الْقُدُّوسُ﴾: خبر ثالث، ﴿السَّلَامُ﴾: خبر رابع، ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: خبر خامس، ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: خبر سادس، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر سابع، ﴿الْجَبَّارُ﴾: خبر ثامن، ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾: خبر تاسع، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، تقديره: أسبّح الله سبحانًا، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿سُبْحَانَ﴾، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة؛ أي: عن الذي يشركونه به، أو لما المصدرية. أي: عن إشراكهم. ﴿هُوَ اللَّهُ﴾: مبتدأ وخبر،
стр. 13443
والجملة مستأنفة. كرره اعتناءً بالتوحيد، ﴿الْخَالِقُ﴾: خبر ثان لـ ﴿هُوَ﴾ ﴿الْبَارِئُ﴾: خبر ثالث، ﴿الْمُصَوِّرُ﴾: خبر رابع، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿الْأَسْمَاءُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْحُسْنَى﴾: صفة للأسماء. والحسنى ضد السوءى. والجملة مستأنفة. ﴿يُسَبِّحُ﴾: فعل مضارع، ﴿لَهُ﴾ متعلق به، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿في السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوفة على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿هو﴾: مبتدأ، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر أول له، ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾؛ أي: أظهروا غير ما أضمروا، وبالغوا في إخفاء عقائدهم. قال الراغب: النفق: الطريق النافذ، والسرب في الأرض النافذ، ومنه: نافقاء اليربوع، وقد نافق اليربوع، ونفق، ومنه: النفاق، وهو: الدخول في الشرع في باب والخروج عنه من باب نبه على هذا بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون عن الشرع.
﴿لِإِخْوَانِهِمُ﴾: جمع أخ في الذين، أو الصداقة، أو المعاملة. وأما الأخ من النسب فجمعه: إخوة. ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾: و ﴿اللام﴾: فيه موطئة للقسم بصيغة اسم الفاعل المؤنث؛ أي: مؤذنة بأن الجواب بعدها مبني على قسم مقدر قبلها، لا مبني على الشرط المذكور تقديره: والله لئن أخرجتم إلخ. ومن ثم تسمى: اللام المؤذنة، والموطئة، والممهدة؛ لأنها وطأت الجواب للقسم؛ أي: مهدته وهيأته له. ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ﴾: أصله، وإن قاتلوكم، ولما ضم أول الفعل لبنائه للمجهول قلبت الألف واوًا. ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾: أي لنعاوننكم. ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا﴾: الواو فيه مبدلة من ألف فاعل، أصله: قاتلوا. فلما بني الفعل للمجهول وضم أوله قلبت الألف واوًا لمناسبة الضمة. ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾: أصله ليوليونن، بثلاث نونات: الأولى نون الرفع، ثم نون التوكيد الثقيلة التي بمنزلة نونين، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار اللفظ: ليوليون، فالتقى ساكنان، فحذفت الواو، فصار: ليولين، فاستثقلت الضمة على الياء، ثم نقلت إلى ما قبلها، فالتقى ساكنان، فحذفت فصار وزنه: يفعن؛ أي: ليفرن هاربين. ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ والرهبة: مخافة مع تحزن واضطراب،
стр. 13444
وهي هنا مصدر من رهب المبني للمفعول. أي: أشد مرهوبية. وذلك لأن ﴿أَنْتُمْ﴾ خطاب للمسلمين، والخوف ليس واقعًا منهم بل من المنافقين، فالمخاطبون مرهوبون غير خائفين.
﴿إِلَّا فِي قُرًى﴾: جمع قرية، وهي مجتمع الناس للتوطن، وأصله: قري، بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف وصلًا لالتقائها ساكنة بنون التنوين. ﴿مُحَصَّنَةٍ﴾؛ أي: محكمة بالدروب، والأبواب الواسعة، والخنادق، وما أشبه ذلك. أو محفوظة بالسوْر. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾: جمع جدار، وهو كما مر كالحائط إلا أن الحائط يقال اعتبارًا بالإحاطة بالمكان، والجدار يقال اعتبارًا بالنتو والارتفاع، ولذا قيل: حيدر الشجر، إذا خرج ورقه كأنه حمص، وجدر الصبي إذا خرج جدريه، تشبيهًا بجدر الشجر.
﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾: جمع شتيت، كمرضى جمع مريض. يقال: ست يشت شتًا، وشتاتًا وشتيتًا: فرق وافترق كانشت وتشتت، وجاؤوا أشتاتًا؛ أي: متفرقين في النظام، والعامة في ﴿شَتَّى﴾ بلا تنوين؛ لأنها ألف تأنيث. ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ ﴿ذَاقُوا﴾ فيه القلب، أصله: ذوقوا، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. قال الراغب: الوبل والوابل: المطر الثقيل القطار، ولمراعاة الثقل قيل للأمر الذي يخاف ضرره: وبال. وطعام وبيل. ﴿أَمْرِهِمْ﴾: والأمر واحد الأمور لا الأوامر. أي: ذاقوا سوء عاقبة كفرهم. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يقال: برىء يبرأ فهو بريء، وأصل البرء والبراءة، والتبري: التقصي مما يكره مجاورته.
﴿لِغَدٍ﴾؛ أي: ليوم القيامة سمي بذلك لقربه، فكل آت قريب، كما قال:
وَإِنَّ غَدًا لِنَاظِرِهِ قَرِيْبُ
وأصله: غدو، حذفوا الواو بلا عوض، واستشهد عليه بقول لبيد:
وَمَا النَّاسُ إلَّا كَالدِّيَارِ وَأَهْلِهَا ... بِهَا يَوْمَ حَلَّوُها وَغَدْوًا بَلاقِعُ
إذ جاء به على أصله، والبيت من أبيات العبرة.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: أصل ﴿تَكُونُوا﴾: تكونون، بوزن تفعلون، نقلت حركة الواو إلى الكاف فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مد. ثم حذفت نون الرفع
стр. 13445
للجازم. ﴿كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: أصله: نسيوا، بوزن فعلوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت لما التقت ساكنة بواو الجماعة، وضمت السين لمناسبة الواو. ﴿فَأَنْسَاهُمْ﴾: فيه إعلال بالقلب، أصله: أنسيهم، بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: الألف في ﴿النَّارِ﴾ منقلبة عن واو لتصغيرها على نويرة.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: جمع فائز، وفيه إعلال بالإبدال، أصله: الفاوزون، أبدلت الواو همزة في الوصف حملًا له على الفعل فاز في الإعلال، حيث أعلّ فاز بقلب الواو ألفًا. ﴿عَلَى جَبَلٍ﴾ من الجبال، وهو محركًا كل وتد للأرض عظم وطال، فإن انفرد .. فأكمة وقنة - بضم القاف - قيل: عدد جبال الدنيا ستة آلاف وست مئة وثلاثة وسبعون جبلًا سوى التلال، كما في "زهرة الرياض" ﴿لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا﴾؛ أي: خاضعًا منقادًا متذللًا. قال بعضم: الخشوع: انقياد الباطن للحق، والخضوع: انقياد الظاهر له. وقال بعضهم: الخضوع في البدن، والخشوع في الصوت والبصر. قال الراغب: الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد في الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب. ولذلك قيل فيما روي: إذا ضرع القلب .. خشعت الجوارح. ﴿مُتَصَدِّعًا﴾؛ أي: متشققًا ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: من خوفه أن تعصيه فيعاقبه. والصدع: شق في الأجسام الصلبة، كالزجاج والحديد ونحوها، ومنه استعير الصداع، وهو: الانشقاق في الرأس من الوجع.
﴿الْغَيْبِ﴾: ما غاب عن الحس من العوالم التي لا نراها. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: ما حضر من الأجرام المادية التي نشاهدها. ﴿الْقُدُّوسُ﴾: المنزه عن النقص. قال بعضهم: حقيقة القدس: الاعتلاء عن قبول التغير، ومنه: الأرض المقدسة؛ لأنها لا تتغير بملك الكافر كما يتغير غيرها من الأرضين. وأتبع هذا الاسم اسم الملك لما يعرض للملوك من تغير أحوالهم بالجور والظلم والاعتداء في الأحكام وفيما يترتب عليها. فإن ملكه تعالى لا يعرض له ما يغيره؛ لاستحالة ذلك في وصفه. ﴿السَّلَامُ﴾؛ أي: الذي سلم الخلق من ظلمه، إذ جعلهم على نظم كفيلة برقيهم. ﴿الْمُؤْمِنُ﴾؛ أي؛ واهب الأمن. فكل مخلوق يعيش في أمن، فالطائر في جوه، والحية في وكرها، والسمك في البحر تعيش كذلك، ولا يعيش قوم على الأرض ما
стр. 13446
لم يكن هناك حراس يحرسون قراهم، وإلا .. هلكوا. ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب على أمره. قال بعضهم: مِنْ عز، إذا غلب، فمرجعه القدرة المتعالية عن المعارضة والممانعة. أو من عن عزازة، إذا قل، فالمراد: عدم المثل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
﴿الْجَبَّارُ﴾؛ أي: الذي جبر خلقه على ما أراد وقسرهم عليه أي: قهرهم وأكرههم عليه. أو جبر أحوالهم أي: أصلحها. فعلى هذا يكون الجبار من الثلاثي لا من الإفعال. وجبر بمعنى أجبر لغة تميم وكثير من الحجازيين. واستدل بورود الجبار من يقول: إن أمثلة المبالغة تأتي من المزيد على الثلاثي، فإنه من أجبره على كذا أي: قهره. وقال الفراء: لم أسمع فعالًا من أفعل إلا في جبار ودراك، فإنهما من أجبر وأدرك.
﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾؛ أي: الذي تكبر وتعظم عن كل ما يوجب حاجة أو نقصانًا، أو البليغ الكبرياء والعظمة. يعني: أن صيغة التفعل للتكلف بما لم يكن، فإذا قيل: تكبر وتسخى .. يدل على أنه يري ويظهر الكبر والسخاء، وليس بكبير ولا سخي. والتكلف بما لم يكن كان مستحيلًا في حق الله تعالى، وحمل على لازمه، وهو: أن يكون ما قام به من الفعل على أتم ما يكون وأكمله من غير أن يكون هناك تكلف واعتمال حقيقة. ومنه: ترحمت على إبراهيم؛ بمعنى: رحمته كمال الرحمة وأتممتها عليه. فإذا قيل: إنه تعالى متكبر .. كان المعنى: إنه البالغ في الكبر والعظمة أقصى المراتب.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: تنزه ربنا عما يصفه به المشركون. ﴿الْخَالِقُ﴾؛ أي: المقدر للأشياء على مقتضى الحكمة. ﴿الْبَارِئُ﴾؛ أي: المبرز لها على صفحة الوجود بحسب السنن التي وضعها والغرض الذي خلقت له. ﴿الْمُصَوِّرُ﴾؛ أي: الموجد للأشياء على صورها، ومختلف أشكالها، وألوانها كما أراد. فالتصوير آخرًا، والتقدير أولًا، والبرء بينهما. اهـ. "كرخي". وفي "المختار": وبرأ الله الخلق، من باب قطع؛ أي: خلقها. وفي "المصباح": وأصل الخلق: التقدير، يقال: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته له. اهـ.
﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: الأسماء الدالة على محاسن المعاني التي تظهر في مظاهر هذا الوجود. فنظم هذه الحياة وبدائع ما فيها دليل على كمال صفاته،
стр. 13447
وكمال الصفة يرشد إلى كمال الموصوف. ﴿الْحُسْنَى﴾: مؤنث الأحسن، الذي هو أفعل تفضيل، لا مؤنث أحسن المقابل لامرأة حسناء. وفي "القاموس": ولا تقل رجل أحسن في مقابلة امرأة حسناء، وعكسه غلام أمرد، ولا يقال: جارية مرداء وإنما يقال: هو الأحسن على إرادة أفعل التفضيل، وجمعه: أحاسن. و ﴿الْحُسْنَى﴾: بضم الحاء والقصر: ضد السوءى. اهـ. وفي "البحر" في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ما نصه: قال الزمخشري: ولله الأسماء الحسنى التي هي أحسن الأسماء؛ لأنها تدل على معان حسنة، من تحميد وتقديس وغير ذلك. اهـ. فالحسنى هنا تأنيث الأحسن، ووَصَفَ الجَمْعَ الذي لا يَعقِلُ بما توصف به الواحدة، كقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾، وهو فصيح، ولو جاء على المطابقة للجمع .. لكان التركيب: الحُسَنَ، على وزن الأُخَرَ؛ كقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. لأن جمع ما لا يعقل يخبر عنه، ويوصف بجمع المؤنث وإن كان المفرد مذكرًا. اهـ.
تتمة: ونقل صاحب "اللباب" عن الإِمام الرازي أنه قال: رأيت في بعض كتب الذِّكر أن لله تعالى أربعة آلاف اسم: ألف منها في القرآن والأخبار الصحيحة وألف منها في التوراة، وألف منها في الإنجيل، وألف منها في الزبور. اهـ. فلعل كونها تسعة وتسعين بالنظر إلى الأشهر الأشرف الأجمع. وتعدد الأسماء لا يدل على تعدد المسمى؛ لأن الواحد يسمى أبًا من وجه، وجدًا من وجه، وخالًا من وجه، وعالمًا من وجه، وكريمًا من وجه، وشجاعًا من وجه وذاته متحدة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام التقريري التعجبي في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾.
ومنها: الإتيان بصيغة المضارع في قوله: ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ﴾ للدلالة على استمرار قولهم، أو لاستحضار صورته الماضية.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾؛ لأنه كناية عن الانهزام الملزوم لتولية الأدبار.
стр. 13448
ومنها: الإطناب، بتكرار القسم في قوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ إلى آخر القسمات المذكورة هنا لغرض تأكيد الكلام.
ومنها: حذف جواب الشرط في كل القسمات المذكورة اختصارًا لدلالة جواب القسم عليه.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ لما فيه من إسناد ما للمفعول إلى الفاعل؛ لأن المخاطبين - وهم المسلمون - مرهوبون لا راهبون.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾؛ لأن الظرف متعلق بـ ﴿شَدِيدٌ﴾، فتقديم المعمول على عامله يفيد الحصر.
ومنها: الطباق بين ﴿جَمِيعًا﴾ و ﴿شَتَّى﴾ في قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾.
ومنها: ما في هذه الآية من اللطائف والنكت، وهو تشجيع قلوب المؤمنين على قتالهم، وتجسير لهم، وأن اللائق بهم الاتفاق والاتحاد صورة ومعنى، كما كان المؤمنون متفقين في عهد النبي ﷺ .
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾؛ لأن الكفر مجاز عن الإغواء والإغراء، ففيه إطلاق المسبب وإرادة السبب؛ لأن الإغواء سبب للكفر.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، حيث استعار الغد الذي هو اسم لليوم الذي بعد يومك ليوم القيامة بجامع القرب في كل، وإن كان القرب في يوم القيامة مجازيًا؛ لأن كل آتٍ قريب.
ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ وجه الشبه منتزع من أمور متعددة.
ومنها: الإتيان بضمير الفصل في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ إفادة للحصر؛ لأنه يستفاد منه: أن فسقهم كان بحيث إن فسق الغير كأنه ليس بفسق بالنسبة إليه.
ومنها: تقديم أصحاب النار في قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ على أصحاب الجنة للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم الاستواء
стр. 13449
من جهتهم لا من جهة مقابليهم، كما مر في مبحث التفسير مبسوطًا.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: نسوا حقوق الله تعالى، فأنساهم حظوظ أنفسهم.
ومنها: الطباق بين أصحاب النار وأصحاب الجنة في قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ إلخ، وبين الجنة والنار أيضًا، وبين الغيب والشهادة في قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾؛ لأن لفظ المثل صار حقيقة عرفية في القول السائر، ثم استعير هنا لكل أمر غريب وصفة عجيبة الشأن تشبيهًا له بالقول السائر في الغرابة؛ لأنه لا يخلو عن غرابة.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 13450
خلاصة ما حوته هذه السورة الكريمة من المقاصد والأغراض
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - تنزيه الله لنفسه عن كل نقص.
٢ - ذكر غلبة الله ورسوله لأعدائه.
٣ - تقسيم الفيء الذي أخذ من بني النضير مع ذكر المصارف التي يوضع فيها.
٤ - أخلاق المنافقين المضلين، وأخلاق أهل الكتاب الضالين مع ضرب المثل لهم.
٥ - ذكر نصائح للمؤمنين.
٦ - إعظام شأن القرآن، وإجلال قدره.
٧ - وصف الله سبحانه نفسه بأوصاف الجلال والكمال.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (١).
والله أعلم
* * *
стр. 13451
سورة الممتحنة
سورة الممتحنة مدنية، نزلت بعد الأحزاب، قال القرطبي: في قول الجميع، وأخرج (١) ابن الضريس والنحاس وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الممتحنة بالمدينة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. والممتحنة - بكسر الحاء - اسم فاعل، أضيف الفعل إليها مجازًا، كما سميت: سورة براءة، والفاضحة؛ لكشفها عن عيوب المنافقين. وقيل: الممتحَنة - بفتح الحاء - اسم مفعول، أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، لقوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ...﴾ الآية. وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف، والدة إبراهيم بن عبد الرحمن. اهـ. "قرطبي". وفي "زاده": الممتحِنة - بكسر الحاء -: المختبرة، أضيفت السورة إلى الجماعة الممتحنة من حيث إنه ذكر فيها أمر جماعة المؤمنين بالامتحان، وإن فتحت الحاء .. يكون المعنى: سورة المرأة المهاجرة التي نزلت فيها آية الامتحان. اهـ.
وآياتها: ثلاث عشرة آية، وكلماتها: ثلاث مئة وثمان وأربعون كلمة، وحروفها: ألف وخمس مئة وعشر.
تسميتها: تسمى سورة الممتحنة كما مرّ لذكر الامتحان فيها. وتسمى (٢) سورة براءة، وسورة المبعثرة، وسورة الفاضحة.
مناسبتها لما قبلها من وجهين (٣):
١ - أنه ذكر في السابقة موالاة الذين نافقوا للذين كفروا من أهل الكتاب، وذكر هنا نهي المؤمنين عن انخاذ الكفار أولياء لئلا يشبهوا المنافقين.
стр. 13452
٢ - أنه ذكر في السابقة المعاهدين من أهل الكتاب، وذكر هنا المعاهدين من المشركين.
وعبارة أبي حيان هنا (١): ومناسبة هذه السورة لما قبلها: أنه لما ذكر فيما قبلها حالة المنافقين والكفار افتتح هذه بالنهي عن موالاة الكفار والتودد إليهم. انتهت.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال ابن حزم (٢): سورة الممتحنة فيها من المنسوخ ثلاث آيات:
أولاهن: قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ...﴾ الآية (٨)، نسخت بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ...﴾ الآية (٩). وهذا مما نسخ فيه العموم بتفسير الخصوص.
الثانية: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ...﴾ الآية (١٠)، فنسخت بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ...﴾ الآية (١٠). وقيل: نسخت بقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآية.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ...﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ...﴾ الآية (١١)، نسخت بآية السيف.
فضلها: ومما ورد في فضلها: ما روي (٣) عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة الممتحنة .. كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاءَ يوم القيامة". ذكره "البيضاوي" ولكن هذا حديث لا أصل له.
فائدة: في ذكر تسمية هذه السورة بالممتحنة - بكسر الحاء - على صيغة اسم الفاعل: لعل (٤) هذا الاسم مأخوذ من قوله تعالى فيما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾. أمر الله المؤمنين هناك بالامتحان، فهم الممتحنون - بكسر الحاء - حقيقة، وأضيف الامتحان إلى السورة مجازًا، فسميت بسورة الممتحنة للمبالغة. ويحتمل أن يكون المراد الجماعة
стр. 13453
الممتحنة؛ أي: المأمور بامتحانها. ويؤيده ما روي: أنه قد تفتح الحاء، فيكون المراد النساء المختبرة، فالإضافة بمعنى اللام التخصيصية؛ أي: السورة التي تذكر فها النساء الممتحنة؛ أي: المختبرة، مثل: سورة البقرة وأمثالها. ويحتمل أن يكون مصدرًا ميميًا بمعنى الامتحان، على ما هو المشهور من أن المصدر الميمي وأسماء المفعول والزمان والمكان فيما زاد على الثلاثي تكون على صيغة واحدة؛ أي: سورة الامتحان، مثل سورة الإسراء وغيرها. انتهى من "الروح".
والله أعلم
* * *
وأصحابه؛ إذ تبرؤوا من قومهم وعادوهم، وقالوا لهم: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾. قال الفراء فكأنه يقول: أفلا تأسيت - يا حاطب - بإبراهيم حين تبرأ من أهله، ولتعلم أن الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرا الإيمان.
قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما نهاهم عن موالاة الكفار وإلقاء المودة إليهم، وضرب لهم المثل بإبراهيم وقومه حملهم ذلك على أن يظهروا براءتهم من أقربائهم والتشدد في معاداتهم ومقاطعتهم، وكان ذلك عزيزًا على نفوسهم ويتمنون أن يجدوا المخلص منه .. أردف ذلك سبحانه أنه سيغير من طباع المشركين ويغرس في قلوبهم محبة الإِسلام، فيتم التواد والتصافي بينكم وبينهم، وفي ذلك إزالة الوحشة من قلوب المؤمنين، وتطييب لقلوبهم. وقد أنجز الله وعده، فأتاح للمسلمين فتح مكة، فأسلم قومهم وتمّ لهم ما كانوا يريدون من التحاب والتواد. ثم رخص لهم في صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفار ولم يخرجوهم من ديارهم، ولم يظاهروا على إخراجهم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما: أن سارة - التي كانت مغنية ونائحة بمكَّة - أتت المدينة تشكو الحاجة، فأمر رسول الله ﷺ بني عبد المطلب أن يعطوها ما يدفع حاجتها، فأعطوها نفقة وكسوة وحملوها، فجاءها حاطب بن أبي بلتعة - مولى عبد الله بن حميد بن عبد العزى - فأعطاها عشرة دنانير، وكتب معها كتابًا - إلى أهل مكة، هذا صورته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: إن رسول الله ﷺ يريدكم، فخذوا حذركم. فأخبره جبرئيل به، فبعث إليها عليًا وعمارًا وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرشد - وكانوا فرسانًا - وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ - موضع - فإن بها ظعينة امرأة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها، فإن أبت .. فاضربوا عنقها. فأدركوها، فجحدت وحلفت فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله ﷺ ، وسل سيفه وقال لها: أخرجي الكتاب أو ألقي ما معك من الثياب، فأخرجته من
стр. 13456
عقاص شعرها، فأحضر رسول الله ﷺ حاطبًا وقال له: ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ، ما كنتُ كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكني كنت امرأً ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسها، وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهلهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني. فصدقه رسول الله ﷺ وقبل عذره. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال ﷺ : إنه شهد بدرًا، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ...﴾ الآيات.
قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: أتتني أمي راغبة، فسألت النبي ﷺ : أَأَصِلها. قال: "نعم". فأنزل الله سبحانه فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
وأخرج أحمد والبزار والحاكم، وصححه عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قُتيلة - مصغرًا - بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، فقدمت بهدايا صنابٍ - صباغ يتخذ من الخردل أو الزبيب وأقط وسمن - وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخل بيتها حتى أرسلت إلى عائشة أن تسأل رسول الله ﷺ عن هذا، فسألت، فأنزل الله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ ...﴾ الآية، فأمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها.
وقال الحسن وأبو صالح: نزلت الآية في خزاعة، وبني الحارث بن كعب، وكنانة، ومزينة، وقبائل من العرب كانوا صالحوا رسول الله ﷺ على ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾؛ أي: لا تجعلوا ﴿عَدُوِّي﴾ في الدين، مفعول أول، ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ في القتل، معطوف عليه، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي:
стр. 13457
أصدقاء لأنفسكم، مفعول ثان. وأضاف (١) سبحانه العدوّ إلى نفسه تعظيمًا لجرمهم. والعدو مصدر يطلق على الواحد والاثنين والجماعة. والآية تدل على النهي عن موالاة الكفار ومصادقتهم بوجه من الوجوه. وقد تقدم ذكر القصة التي نزلت فيها الآية، وفي تلك القصة إشارة (٢) إلى جواز هتك ستر الجواسيس وهتك أستار المفسدين إذا كان فيه مصلحة أو في ستره مفسدة، وأن من تعاطى أمرًا محظورًا ثم ادعى له تأويلًا محتملًا .. قبل منه، وأن العذر مقبول عند كرام الناس.
روي: أن حاطبًا ﵁ لما سمع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ غشي عليه من الفرح بخطاب الإيمان، لما علم أن الكتاب المذكور ما أخرجه عن الإيمان؛ لسلامة عقيدته. ودل قوله: ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ على إخلاصه؛ فإن الكافر ليس بعدو للمنافق بل للمخلص.
﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: توصلون إلى أولئك الأعداء ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾؛ أي: بالمحبة بالكتاب. والمودة: محبة الشيء وتمني كونه، ويستعمل في كل واحد من المعنيين. أي: توصلون محبتكم بالمكاتبة ونحوها من الأسباب التي تدل على المودة، على أن الباء زائدة في المفعول، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾. أو تلقون إليهم أخبار النبي ﷺ وأسراره بسبب المودة، التي بينكم وبينهم. فيكون المفعول محذوفًا للعلم به، والباء للسببية، والجملة حال من فاعل ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾؛ أي: لا تتخذوهم أولياء حال كونكم ملقين المودة إليهم. ويجوز (٣) أن تكون الجملة مستأنفة لقصد الإخبار بما تضمنته، أو لتفسير موالاتهم إياهم. ويجوز أن تكون في محل نصب صفة لأولياء. وفي "فتح الرحمن": بدأه هنا بـ ﴿تُلْقُونَ﴾ وفيما سيأتي بـ ﴿تُسِرُّونَ﴾ تنبيهًا بالأول على ذم مودة الأعداء جهرًا وسرًا، وبالثاني على تأكيد ذمها سرًا، وخص الأول بالعموم لتقدمه.
فإن قلت (٤): قد نهوا عن اتخاذهم أولياء مطلقًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾، والتقييد بالحال يوهم جواز اتخاذهم أولياء إذا
стр. 13458
انتفى الحال.
قلت: عدم جوازه مطلقًا لما علم من القواعد الشرعية تبين أنه لا مفهوم للحال هنا ألبتة.
فإن قلت: كيف قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ والعداوة والمحبة لكونهما متنافيين لا يجتمعان في محل واحد، والنهي عن الجمع بينهما فرع إمكان اجتماعهما؟
قلت: إنما كان الكفار أعداء للمؤمنين بالنسبة إلى معاداتهم لله ورسوله، ومع ذلك يجوز أن يتحقق بينهم الموالاة والصداقة بالنسبة إلى الأمور الدنيوية والأغراض النفسانية، فنهى الله عن ذلك.
وجملة قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ حال من فاعل ﴿تُلْقُونَ﴾ أو من فاعل ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان حال الكفار. و ﴿الْحَقِّ﴾ هو القرآن، أو دين الإِسلام، أو الرسول ﷺ .
وقرأ الجمهور (١) ﴿بِمَا جَاءَكُمْ﴾ بالباء الموحدة. وقرأ الجحدري والمعلى عن عاصم ﴿لما جاءكم﴾ باللام مكان الباء. أي: لأجل ما جاءكم من الحق، على حذف المكفور به. أي: كفروا بالله والرسول لأجل ما جاءكم من الحق، أو على جعل ما هو سبب للإيمان سببًا للكفر توبيخًا لهم.
والمعنى (٢): يا أيها الذين آمنوا لا تجعلوا الكفار أنصارًا وأعوانًا وأصدقاه لكم، حال كونكم توصلون إليهم أخبار الرسول ﷺ التي لا ينبغي لأعدائه أن يطلعوا عليها، من خطط حربية أو أعمال نافعة في نشر دِينه وبث دعوته، بسبب ما بينكم وبينهم من مودة.
ثم ذكر مما يمنع هذا الاتخاذ أمرين:
١ - ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ ...﴾ إلخ. أي: والحال أنهم قد كفروا بالله ورسوله، وكتابه الذي أنزله عليكم، فكيف بكم بعد هذا تجعلونهم أنصارًا وتسرون إليهم بما ينفعهم ويضر رسولكم ويعوق نشر دينكم!؟
стр. 13459
٢ - ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ حال من فاعل كفروا؛ أي: كفروا مخرجين الرسول وإياكم من مكة. والمضارع لاستحضار الصورة الماضية.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ تعليل للإخراج. أي: يخرجونكم لأجل إيمانكم، أوراهة أن تؤمنوا. وفيه (١) تغليب المخاطب على الغائب. أي: على الرسول. والالتفات من التكلم إلى الغيبة، حيث لم يقل: أن تؤمنوا بي للإشعار بما يوجب الإيمان من الألوهية والربوبية؛ أي: يخرجون الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ولم يكن لهم جريمة سوى ذلك. وفي هذا تهييج لهم على عداوتهم وعدم موالاتهم.
ثم زادهم تهييجًا بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ من مكة إلى المدينة ﴿جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾ ونشر ديني ﴿وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾؛ أي: وطلبًا لمرضاتي. وهذا مرتبط بـ ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، وجواب الشرط محذوف؛ أي: إن كنتم كذلك .. فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، فكأنه قيل: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. وانتصاب ﴿جِهَادًا﴾. ﴿وَابْتِغَاءَ﴾ على أنهما مفعولان لأجله لـ ﴿خَرَجْتُمْ﴾. أي: إن كنتم خرجتم عن أوطانكم لأجل هذين .. فلا تتخذوهم أولياء، ولا تلقوا إليهم بالمودة. أو على الحال؛ أي (٢): إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين مرضاتي عنكم .. فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من دياركم حنقًا عليكم وسخطًا لدينكم. والجهاد - بالكسر -: القتال مع العدو، كالمجاهدة، كما سيأتي بسطه. والمرضاة: مصدر كالرضا. وفي عطف ﴿وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ على ﴿جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾ تصريح بما علم التزامًا. فإن الجهاد في سبيل الله إنما هو لإعلاء دين الله لا لغرض آخر. وإسناد الخروج إليهم معللًا بالجهاد والابتغاء يدل على أن المراد من إخراج الكفرة كونهم سببًا لخروجهم بأذيتهم لهم، فلا ينافي تلك السببية كون إرادة الجهاد والابتغاء علة له.
وقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ والنصيحة، استئناف وارد على (٣) نهج العتاب والتوبيخ، كأنهم سألوا: ماذا صدر عنا حتى عوتبنا؟ فقيل: تلقون إليهم بالمودة سرًا على أن الباء صلة جيء بها لتأكيد التعدية، أو الإخبار بسبب المودة، ويجوز أن يكون تعدية الإسرار بالباء لحمله على نقيضه الذي هو الجهر. وقيل: هو بدل من
стр. 13460
قوله: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ﴾ بدل بعض لأن إلقاء المحبة يكون سرًا وجهرًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾ حال من فاعل ﴿تُسِرُّونَ﴾؛ أي: تسرون إليهم بالمودة والنصيحة، والحال أني أعلم منكم ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾؛ أي: بما أضمرتم في صدوركم من مودة الأعداء ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾؛ أي: وما أظهرتم بألسنتكم من الاعتذار وغير ذلك. فإذا علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي .. فأي فائدة في الإسرار والاعتذار. والباء في ﴿بِمَا﴾ زائدة، يقال: علمت كذا، وعلمت بكذا. وهذا على أن ﴿أَعْلَمُ﴾ مضارع. وقيل: هو أفعل تفضيل. أي: أعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون.
ثم توعد من يفعل ذلك، وشدد النكير عليه، وذكر ما فيه أعظم الزجر، فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ﴾؛ أي: يفعل الاتخاذ المنهي عنه. أي: ومن يفعل ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ما نهيت عنه من موالاتهم. والأقرب عَوْدُ الضمير إلى الإسرار. أي: ومن يفعل إسرار النصيحة للكفار ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ وأخطأ ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: طريق الحق والصواب الموصل إلى الفوز بالسعادة الأبدية. وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. و ﴿ضَلَّ﴾ متعد، و ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ مفعوله. ويجوز أن يجعل قاصرًا وينتصب ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ على الظرفية.
قال القرطبي (١): هذا كله معاتبة لحاطب وهو يدل على فضله ونصيحته لرسول الله ﷺ وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من حبيب لحبيب كما قيل من الوافر:
إِذَا ذَهَبَ الْعِتَابُ فَلَيْسَ وُدٌّ ... وَيَبْقَى الْوُدُّ مَا بَقِيَ الْعِتَابُ
والعتاب: إظهار الغضب على أحد لشيء مع بقاء المحبة بالترك. وقال بعضهم: العتاب: لوم الحبيب حبيبه على أمر غير لائق به، كما في الدمنهوري في العروض.
وفي الآية (٢) إشارة إلى عداوة النفس والهوى والشيطان، فإنها تبغض عبادة الله، وتبغض عباد الله أيضًا إذا لم يكونوا مطيعين لها في إنفاذ شهواتها وتحصيل
стр. 13461
مراداتها. وأصل عداوة النفس: أن تقطعها من مألوفاتها، وتحبسها في مجلس المجاهدة. وعلامة حب الله: بغض عدو الله. وقال ﷺ : "أفضل الإيمان: الحب في الله والبغض في الله".
والمعنى (١): ومن يفعل هذه الموالاة، ويبلغ أخبار الرسول ﷺ لأعدائه .. فقد جار عن قصد الطريق التي توصل إلى الجنة ورضوان الله تعالى.
٢ - ثم ذكر أمورًا أخرى تمنع موالاتهم، فقال:
١ - ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾؛ أي: يظفروا بكم، ويتمكتوا منكنم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾؛ أي: يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة، ويرتبوا عليها أحكامها، ولا ينفعكم إلقاء المودة إليهم. أو إن يلقوكم ويصادفوكم .. يظهروا لكم العداوة. والمعنيان متقاربان. والثَّقَفُ (٢): الحذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه: المثاقفة: وهي: طلب مصادفة الغرة في المسابقة؛ أي: إن يظفر بكم هؤلاء الذين تسرون إليهم بالمودة .. يكونوا حربًا عليكم ويفعلوا بكم الأفاعيل.
٢ - ﴿وَيَبْسُطُوا﴾ يمدوا ويطيلوا ﴿إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالسوء. أي: بالقتل والأسر والضرب. ﴿و﴾ يبسطوا إليكم ﴿أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾؛ أي: بالشتم والسب والطعن في دينكم.
والمعنى: أي ويمدوا أيديهم وألسنتهم لقتالكم وأذاكم وسبكم وشتمكم، فكيف ترونهم على هذه الحال، وتتخذونهم أصدقاء وأولياء؟!. ﴿وَوَدُّوا﴾؛ أي: تمنوا ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ بربكم؛ أي: ارتدادكم وكونكم مثلهم في الكفر الذي هم عليه، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. فكلمة ﴿لَوْ﴾ هنا مصدرية وصيغة الماضي للإيذان بتحقق ودادتهم قبل أن يثقفوهم أيضًا، فهو معطوف على ﴿يبسطوا﴾.
والخلاصة: أن هؤلاء يودون لكم كل ضرر وأذى في دينكم ودنياكم، فكيف بكم بعد هذا تمدون إليهم حبال المودة وتوثقون عرا الإخاء؟ فهذا مما لا يرشد إليه عقل، ولا يهدي إليه دين.
стр. 13462
٣ - ثم ذكر أن ما جعلوه سببًا من المحافظة على الأهل والأولاد لا ينبغي أن يقدم على شؤون الذين، فقال: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَرْحَامُكُمْ﴾؛ أي: قراباتكم ﴿وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ الذين توالون المشركين لأجلهم. وتتقربون إليهبم محاماة عليهم. جمع ولد، بمعنى: المولود، يعم الذكر والأنثى. وخصهم بالذِّكر (١) مع دخولهم في الأرحام لمزيد المحبة لهم والحنو عليهم. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بجلب نفع أو دفع ضر. ظرف لقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾، فيوقف عليه ويبتدأ بما بعده.
ثم بين السبب في عدم نفعهم، فقال: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ استئناف لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد يومئذ. أي: يفرق الله بينكم بما اعتراكم من الهول الموجب لفرار كل منكم من الآخر. حسبما نطق به قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ الآية. فما لكم ترفضون حق الله تعالى أي فكيف ترفضون أوامر الله تعالى لمراعاة حق من يفر منكم غدًا؟. وقيل: يفرق بين الوالد وولده وبين القريب وقريبه، فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار.
والمعنى (٢): أن هؤلاء لا ينفعونكم حتى توالوا الكفار لأجلهم، كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة، بل الذي ينفعكم هو ما أمركم الله به من معاداة الكفار وترك موالاتهم. وقيل: الظرف متعلق بما بعده؛ أي: يفصل بينكم يوم القيامة.
ثم أوعد من يفعل ذلك، فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وتقولون: ﴿بَصِيرٌ﴾ سميع، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأقوالكم فيجازيكم على ذلك. وهو أبلغ من خبير؛ لأنه جعله كالمحسموس بحاسة البصر، مع أن المعلوم هنا أكثره المبصرات من الكتاب والإتيان بمن يحمل الكتاب وإعطاء الأجرة للحمل وغيرها، فهو تعالى محيط بأعمالكم جميعها ومجازيكم عليها إن خيرًا .. فخير وإن شرًا فشر، فاتقوا الله في أنفسكم واحذروه.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿يَفْصَلُ﴾ بالياء مخففًا مبنيًا للمفعول. وقرأ الأعرج، وعيسى، وابن عامر كذلك، إلا أنه مشدد، والمرفوع إما: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ وهو مبني على الفتح لإضافته إلى مبني، وإما ضمير المصدر المفهوم من ﴿يَفْصِلُ﴾؛ أي: يفصل
стр. 13463
هو؛ أي: الفصل. وقرأ عاصم والحسن والأعمش ﴿يَفْصِلُ﴾ بالياء مخففًا مبنيًا للفاعل. وحمزة والكسائي وابن وثاب مبنيًا للفاعل بالياء المضمومة مشددًا. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة كذلك إلا أنه بالنون مشددًا. وهما أيضًا وزيد بن علي بالنون المفتوحة مخففًا مبنيًا للفاعل، وأبو حيوة أيضًا بالنون المضمومة. فهذه ثمان قراءات.
٤ - ولما نهى عن موالاة الكفار .. ذكر قصة إبراهيم ﵇، وأن من سيرته: التبرؤ من الكفار؛ ليقتدوا به في ذلك، ويتأسوا، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؛ أي: خصلة حميدة ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الخليل ﵇، تقتدون بها وتتبعونه فيها. وقرأ الجمهور (١): ﴿إسوة﴾ بكسر الهمزة في الموضعين. وقرأ عاصم بضمها كذلك. وهما لغتان. قال الراغب: الإسوة والأسوة بالضم والكسر كالقدوة والقدوة، هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره، إن حسنًا وإن قبيحًا، وإن سارًا وإن ضارًا. والأسى - بالقصر -: الحزن، وحقيقته: إِتباع الفائت بالغم. وقوله: ﴿أُسْوَةٌ﴾: اسم كانت و ﴿لَكُمْ﴾ خبرها، و ﴿حَسَنَةٌ﴾: صفة أسوة، مقيدة إن عمت الأسوة المحمودة والمذمومة، وكاشفة مادحة إن لم تعم. و ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾: صفة ثانية لأسوة، أو متعلق بأسوة أو بحسنة، أو حال من الضمير المستتر في ﴿حَسَنَةٌ﴾، أو خبر كان، و ﴿لَكُمْ﴾: للبيان. ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ أي: مع إبراهيم. معطوف على إبراهيم، وهم أصحابه المؤمنون. وقال ابن زيد: هم الأنبياء. قال الفراء: فكأنه يقول: أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم فتتبرأ من أهلك كما تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه.
وفي "كشف ما يلتبس من القرآن" (٢): قاله هنا بتأنيث الفعل مع الفاصل لقربه وإن جاز التذكير، وأعاده في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ بتذكيره مع الفاصل لكثرته وإن جاز التأنيث. وإنما كرر ذلك لأن الأول في القول والثاني في الفعل، وقيل: الأول في إبراهيم والثاني في محمد ﷺ . انتهى.
والمعنى (٣): قد كانت خصلة حميدة حقيقة بأن يؤتسى ويقتدى بها، ويتبع أثرها في إبراهيم والذين معه. وقولهم: لي في فلان أسوة؛ أي: قدوة، من باب
стр. 13464
التجريد، لا أن فلانًا نفسه هو القدوة. ويجوز أن يكون على حذف المضاف؛ أي: لي في سنته وأفعاله وأقواله. وقيل: المراد بالذين معه الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبًا منه. وقال ابن عطية: وهذا القول أرجح؛ لأنه لم يرد أن إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحة نمرود. وفي البخاري: أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرًا بلاد نمرود: ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا﴾ ظرف (١) لخبر كان، ومعمول له أو لكان نفسها عند من جوّز عملها في الظرف، وهو الأصح. أو بدل اشتمال من إبراهيم والذين معه. أي: وقت قولهم ﴿لِقَوْمِهِمْ﴾ أي: لقرابتهم الكفار مع أنهم أكثر من عدوكم وأقوى، وقد كان من آمن بإبراهيم أقل منكم وأضعف. ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾: جمع بريء مثل: شركاء وشريك، وظريف وظرفاء. أي: بريئون من صحبتكم وقرابتكم ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأصنام؛ أي: من عبادتها معكم. أظهروا البراءة أولًا من أنفسهم مبالغة، وثانيًا من عملهم الشرك، إذ المقصود من البراءة أولًا من معبودهم هو البراءة من عبادته. ويحتمل أن تكون البراءة منهم أن لا يصاحبوهم، ولا يخالطوهم، ومن معبودهم أن لا يقربوا منه ولا يلتفتوا نحوه. ويحتمل أن تكون البراءة منهم بمعنى البراءة من قرابتهم؛ لأن الشرك يفصل بين القرابات ويقطع الموالاة.
والمعنى (٢): أي قد كان لكم أيها المؤمنون قدوة حسنة في إبراهيم خليل الرحمن، تقتدون به وبالذين معه من أتباعه المؤمنين حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله وعبدوا الطاغوت: أيها القوم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد.
وحاصل معنى الآية: هلَّا فعلتم كما فعل إبراهيم، حيث تبرأ هو والمؤمنون معه من أبيه وقومه لكفرهم بالله وآياته؟
وقرأ الجمهور (٣): ﴿بُرَآءُ﴾ بضم الباء وفتح الراء وألف بين همزتين، جمع بريء، كظريف وظرفاء. وقرأ عيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق: ﴿براء﴾ بكسر
стр. 13465
الباء وهمزة واحدة بعد ألف، جمع بريء أيضًا، كظريف وظراف، وكريم وكرام. وقرأ أبو جعفر: ﴿براء﴾ بضم الباء وهمزة بعد ألف كتؤام وظؤار. وهم اسم جمع، الواحد: بريء، وتؤم، وظئر. ورويت عن عيسى، قال أبو حاتم: زعموا أن عيسى الهمداني رووا عنه ﴿بَرَاء﴾ على وزن فدال كالذي في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ في الزخرف. وهو مصدر على فعال، يوصف به المفرد والجمع.
ثم فسر هذه البراءة بقوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾؛ أي: أنكرنا دينكم فلا نعتد بشأنكم وبآلهتكم، فهو على حذف المضاف. والكفر مجاز عن عدم الاعتداد والجحد والإنكار، فإن الذين الباطل ليس بشيء؛ إذ الدِّين الحق عند الله هو الإِسلام. ﴿وَبَدَا﴾؛ أي: ظهر ﴿بَيْنَنَا﴾ ظرف لـ ﴿بدا﴾ ﴿وَبَيْنَكُمُ﴾: معطوف عليه ﴿الْعَدَاوَةُ﴾ الظاهرة، وهي: المباينة في الأفعال والأقوال. ﴿وَالْبَغْضَاءُ﴾؛ أي: العداوة الباطنة. وهي: المباينة بالقلوب. ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: على الدوام. أي: هذا دأبنا معكم لا نتركه. والبغض: ضد الحب. ﴿حَتَّى﴾ غاية لـ ﴿بدا﴾. ﴿تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فتنقلب العداوة حينئذٍ ولاية، والبغضاء محبة، والمقت مِقة، والوحشة ألفة. فالبغض: نفور النفس من الشيء الذي ترغب عنه. والحب: انجذاب النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه.
فإن قلت: ما وجه قوله ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ولا بدّ في الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؟
قلت: الإيمان بالله في حال وحدته يستلزم الإيمان بالجميع، مع أن المراد الوحدة الإلهية ردًا للأصنام.
قال بعض المشايخ: أسوة إبراهيم: خلة الله، والتبرؤ مما سوى الله، والتخلق بخلق الله، والتأوه والبكاء من شوق الله. وقال ابن عطاء رحمه الله تعالى: الأسوة القدوة بالخليل في الظاهر من الأخلاق الشريفة، وهو: السخاء، وحسن الخلق، واتباع ما أمر به على الكرب، وفي الباطن: الإخلاص في جميع الأفعال، والإقبال عليه في كل الأوقات، وطرح الكل في ذات الله تعالى. وأسوة رسول الله ﷺ في الظاهر العبادات، دون البواطن والأسرار؛ لأن أسراره لا يطيقها أحد من الخلق؛ لأنه باين الأمة بالمكان ليلة المعراج ووقع عليه تجلي الذات. انتهى.
стр. 13466
أمر الله أصحاب رسول الله ﷺ أن يقتدوا بسيدنا إبراهيم ﵇ ومن معه من الأنبياء والأولياء. ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ آزر ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ يا أبي، فليس لكم الاقتداء بإبراهيم في ذلك الاستغفار؛ لأنه إنما استغفر لأبيه لأجل موعدة وعدها إياه؛ لأنه ظن أنه أسلم، فلما مات على الكفر .. تبرأ منه، وأنتم لا تظنون إسلام الكفار الذين اتخذتموهم أولياء، فهو استثناء متصل من قوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وصح ذلك؛ لأن القول من جملة الأسوة، كأنه قيل: قد كانت أسوة حسنة في إبراهيم في جميع أقواله وأفعاله إلا قوله لأبيه. أو من قوله: ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ بتقدير مضاف محذوف ليصحّ الاستثناء؛ أي: قد كانت لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم، إلا قوله لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾. أو من التبرؤ والقطيعة التي ذكرت؛ أي: لم يواصله إلا قوله. ذكر هذا ابن عطية. أو منقطع؛ أي: لكن قول إبراهيم لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فلا تتأسوا به فتستغفرون للمشركين، فإنه كان من موعدة وعدها إياه. أو أن ذلك إنما وقع منه لأنه ظن أنه قد أسلم، فلما تبين له أنه عدو الله .. تبرأ منه، كما تقدم آنفًا.
والمعنى: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾؛ أي: جحدنا ما أنتم عليه من الكفر، وأنكرنا عبادتكم ما تعبدون من دون الله. فلا نعتد بكم وبآلهتكم، فإن ما أنتم عليه لا تقره العقول الراجحة ولا الأحلام الحصيفة، فما قيمة الأحجار والأصنام التي تتخذونها معبودات ترجون منها النفع والضرّ؟! ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ...﴾ إلخ.
﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾؛ أي (١): وها نحن أولاء قد أعلنا الحرب عليكم، فلا هوادة بيننا وبينكم، وسيكون هذا. دأبنا معكم لا نترككم بحال حتى تتركوا ما أنتم عليه من الشرك فتنقلب العداوة ولاية والبغضاء محبة. ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ ...﴾ إلخ؛ أي: لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو الله .. تبرأ منه.
وقد كان بعض المؤمنين يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم، ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه .. فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
стр. 13467
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ...﴾ الآيتين في سورة براءة.
والخلاصة: لا تجاملوهم ولا تبدوا لهم الرأفة، وتستغفروا لهم كما فعل إبراهيم لأبيه؛ لأنه إنما استغفر له قبل أن يتبين له أنه عدو الله، فلما مات على الكفر .. تبين له ذلك فترك الاستغفار، وأنتم قد استبانت لكم عداوتهم بكفرهم بالرسول وإخراجكم من الديار فلا ينبغي أن تستغفروا لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ من تمام القول المستثنى، فمحله النصب على أنه حال من فاعل لأستغفرن لك؛ أي: أستغفر لك، وليس في طاقتي إلا الاستغفار دون منع العذاب إن لم تؤمن. فمورد الاستثناء نفس الاستغفار لا قيده الذي هو في نفسه من خصال الخير؛ لكونه إظهارًا للعجز وتفويضًا للأمر إلى الله تعالى.
وفي هذه الآية (١) دلالة بينة على تفضيل نبينا محمد ﷺ وذلك أنه حين أمر بالاقتداء به أمر على الإطلاق ولم يستثن، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وحين أمر بالاقتداء بإبراهيم استثنى، وأيضًا قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾. فأطلق الاقتداء ولم يقيده بشيء.
والخلاصة: أي وليس في وسعي إلا الاستغفار لك، ولا أستطيع أن أنفعك بأكثر من هذا، فإن أراد الله عقوبتك على كفرك .. فلا أدفعها عنك.
ثم أخبر عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرؤوا منهم، ولجؤوا إلى الله وتضرعوا إليه، فقال: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ إلخ. وقال ابن عباس ﵄: كان من دعاء إبراهيم وأصحابه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ واعتمدنا في جميع أمورنا ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ بالتوبة عن المعصية والإقبال على الطاعة؛ أي: المرجع في الآخرة. وتقديم الجار والمجرور في الثلاثة لقصر التوكل والإنابة والمصير على الله تعالى. وهذا من دعاء إبراهيم وأصحابه، ومما فيه أسوة حسنة يقتدى به فيها. وقيل: هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا هذا القول. والتوكل: هو تفويض الأمور إلى
стр. 13468
الله. والإنابة: الرجوع إليه بالتوبة. والمصير: المرجع إليه في الآخرة للمجازاة.
وعبارة "الكشَّاف": فإن قلت: بم اتصل به قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾؟
قلت: بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة. ويجوز أن يكون المعنى: قولوا ربنا - أمرًا من الله تعالى للمؤمنين بأن يقولوه وتعليمًا منه لهم - تتميمًا لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار، والاستئساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم، وتنبيهًا على الإنابة إلى الله، والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر، والاستغفار مما فرط منهم. أي: فهو مقول لقول محذوف. انتهى.
والمعنى (١): أي ربنا اعتمدنا عليك في قضاء أمورنا، ورجعنا إليك بالتوبة مما تكره إلى ما تحب وترضى، ومصيرنا إليك يوم تبعثنا من قبورنا وتحشرنا إلى موقف العرض والحساب.
٥ - قالوه بعد المجاهدة وشق العصا التجاءً إلى الله تعالى في جميع أمورهم، لا سيما في مدافعة الكفرة وكفاية شرورهم، كما ينطق به قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا﴾ بدل من الأول، وكذا قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ فيما بعده. ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾؛ أي: مفتونين ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: بأيديهم بأن تسلطهم علينا فيفتونا بعذاب لا نطيقه، فالفتنة بمعنى المفعول، وقال الزجاج (٢): لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق فيفتنوا بذلك، وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وقال بعضهم: ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا فتقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم فيظنوا أنهم على الحق ونحن على الباطل. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ما فرط منا من الذنوب وإلا كان سببًا لظهور العيوب وباعثًا للابتلاء المهروب ﴿رَبَّنَا﴾ تكرير النداء للمبالغة في التضرع والجؤار، فيكون لاحقًا بما قبله، ويجوز أن يكون سابقًا لما بعده توسلًا إلى الثناء بإثبات العزة والحكمة، والأول أظهر وعليه ميل السجاوندي حيث وضع علامة الوقف الجائز على ﴿رَبَّنَا﴾ وهو في اصطلاحه ما يجوز فيه الوصل، والفصل باعتبارين، وتلك العلامة الجيم بمسماه وهو "ج". ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب الذي لا يذل من التجأ إليه، ولا يخيب رجاء من توكل عليه. ﴿الْحَكِيمُ﴾ لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة.
стр. 13469
والمعنى: واستر لنا ذنوبنا بعفوك عنها، إنك أنت الذي لا يضام من لاذ بجنابه، الحكيم في تدبير خلقه وصرفه إياهم فيما فيه صلاحهم.
٦ - ثم أعاد ما تقدم مبالغة في الحث على الائتساء بإبراهيم ﵇، ومن معه، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿فِيهِمْ﴾؛ أي: في إبراهيم ومن معه ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وقدوة حميدة. وكرر (١) هذا للمبالغة في الحب على الائتساء به ﵇، ولذلك صدر بالقسم. وجعله الطيبي من التعميم بعد التخصيص. وفي "برهان القرآن": كرر لأن الأول في القول والثاني في الفعل. وفي "فتح الرحمن": الأولى أسوة في العداوة، والثانية في الخوف والخشية. وفي "كشف الأسرار": الأولى متعلقة بالبراءة من الكفار ومن فعلهم، والثانية أمر بالائتساء بهم لينالوا من ثوابهم ما نالوا وينقلبوا إلى الآخرة كانقلابهم. ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ سبحانه بالإيمان بلقائه ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ بالتصديق بوقوعه. وقيل: يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة. أو يطمع في الخير من الله في الدنيا والآخرة؛ لأن الرجاء والخوف يتلازمان. والرجاء (٢): ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة. وفي "المفردات": الرجاء والطمع: توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة. والخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما سيأتي.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ ...﴾ إلخ: بدل من ﴿لَكُمْ﴾ بدل بعض من كل، وفائدته: الإيذان بأن من آمن بالله واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم، وإنَّ تَرْكَه مِنْ مخايل عدم الإيمان بهما كما ينبىء عنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾؛ أي: يعرض عن الائتساء بهم، ويمل إلى مودة الكفار، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿هُوَ﴾ وحده ﴿الْغَنِيُّ﴾ عنه وعن سائر خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المحمود في ذاته وصفاته وأفعاله، فإنه مما يوعد بأمثاله الكفرة.
أي: ومن يعرض عن الاقتداء بهم في التبرؤ من الكفار ومن والاهم .. فإن الله هو الغني وحده عن خلقه وعن موالاتهم ونصرتهم لأهل دينه، لم يتعبدهم لحاجته إليهم، بل هو ولي دينه وناصر حزبه، وهو الحميد المستحق للحمد في ذاته.
стр. 13470
وحاصل معنى الآية (١): أي لقد كان. لكم - أيها المؤمنون - قدوة حسنة في إبراهيم ومن آمن معه من أتباعه المؤمنين، لمن كان منكم يرجو لقاء الله وجزيل ثوابه والنجاة في اليوم الآخر. ومن أعرض عما ندبه الله إليه منكم وأدبر واستكبر ووالى أعداء الله وألقى إليهم بالمودة .. فلا يضرن إلا نفسه، فإن الله غني عن إيمانه وطاعته، بل عن جميع خلقه، محمود بأياديه وآلائه عليهم. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
٧ - وقال مقاتل (٢): لما أمر الله تعالى المؤمنين بعداوة الكفار شددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقاربهم .. فأنزل الله تعالى قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ﴾؛ أي: حقق الله ﴿أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ﴾ من كفار مكة ﴿مَوَدَّةً﴾؛ أي: محبة وصلة بمخالطتهم من أهل الإِسلام، وذلك بأن أسلموا فيصيروا من أهل دينكم، وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة، وحسن إسلامهم، ووقعت بينهم وبين من تقدمهم في الإِسلام مودة، وجاهدوا وفعلوا الأفعال المقربة إلى الله سبحانه، منهم: أبو سفيان بن حرب، وأبو سفيان بن الحارث، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام. ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾؛ أي (٣): مبالغ في القدرة، فيقدر على تقليب القلوب وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: فيغفر لمن أسلم من المشركين. ﴿رَحِيمٌ﴾: فيرحمهم بقلب معاداة قلوبهم موالاة. وقيل: غفور لما فرط منكم في موالاتهم من قبل، ولما بقي في قلوبكم من ميل رحيم.
والمعنى (٤): حقق الله أن يجعل بينكم وبين أعدائكم من كفار مكة محبة بعد البغض، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة، والله قدير على ما يشاء، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة، غفور لخطيئة من ألقى إليهم بالمودة إذا تابوا منها، رحيم بهم أن يعذبهم بعد التوبة. وقد تم ذلك بفتح مكة حين دخل المشركون في دين الله أفواجًا، وتم بينهم التصافي والتصاهر، وكان بينهم أتم ما يكون من وثيق الصلات. كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
стр. 13471
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾.
٨ - ثم أباح لهم صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفار، فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ﴾ صلة ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: على الدين، أو في حق الدِّين وإطفاء نوره ﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ وأوطانكم؛ أي: لا ينهاكم الله سبحانه عن مبرة هؤلاء، فإن قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ وتحسنوا إليهم بدل من (١) الموصول بدل اشتمال. لأن بينهم وبين البرّ ملابسة بغير الكلية والجزئية، فكان المنهي عنه برهم بالقول وحسن المعاشرة، والصلة، بالمال لا أنفسهم. وقوله: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ تفسير لتبروا معطوف عليه. وضمن تقسطوا معنى الإفضاء، فعدي تعديته. أي: تفضوا إليهم بالقسط والعدل ولا تظلموهم، وناهيك بتوصية الله المؤمنين أن يستعملوا القسط مع المشركين ويتحاموا ظلمهم مترجمة عن حال مسلم يجترىء على ظلم أخيه المسلم كما في "الكشاف". ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾؛ أي: العادلين في المعاملات كلها.
ومعنى الآية (٢): أن الله سبحانه لا ينهر عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم بالعدل. قال ابن زيد: كان هذا في أول الإِسلام، عند الموادعة وترك الأمر بالقتال، ثم نسخ. قال قتادة: نسختها آية: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقيل: هذا الحكم كان باقيًا في الصلح بين النبي ﷺ وبين قريش، فلما زال الصلح بفتح مكة .. نسخ الحكم. وقيل: هي خاصة في حلفاء النبي ﷺ ومن بينه وبينه عهد، قاله الحسن. وقال الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف. وقال مجاهد: هي خاصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: هي خاصة بالنساء والصبيان. وحكى القرطبي - عن أكثر أهل التأويل - أنها محكمة.
стр. 13472
وعبارة المراغي: ومعنى الآية (١): أي لا ينهاكم الله عن الإحسان إلى الكفار الذين لم يقاتلوكم في الدِّين ولم يخرجوكم من دياركم ولم يعاونوا على إخراجكم، وهم: خزاعة وغيرهم ممن كانوا عاهدوا رسول الله ﷺ على ترك القتال والإخراج من الديار، فأمر الله رسوله ﷺ بالبر والوفاء لهم إلى مدة أجلهم.
وفي الآية مدح للعدل؛ لأن المرء به يصير محبوبًا لله سبحانه. ومن الأحاديث الصحيحة: قوله ﷺ : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين". والمراد بهم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا عليه.
٩ - ثم زاد الأمر إيضاحًا وبيانًا، فقال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وإطفاء نوره ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ وهم عتاة أهل مكة وجبابرتهم ﴿وَظَاهَرُوا﴾؛ أي: عاونوا الذين قاتلوكم ﴿عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ وهم سائر أهل مكة ومن دخل معهم في عهدهم ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ وتناصروهم. بدل اشتمال من الموصول، كما سبق. أي: إنما ينهاكم أن تتولوهم. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ﴾؛ أي: ومن يحبهم ويناصرهم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ﴾ لا غيرهم ﴿الظَّالِمُونَ﴾ لأنفسهم بإقبالها على العذاب. أي: الكاملون في الظلم؛ لأنهم تولوا من يستحق المعاداة لكونه عدوًا لله ولرسوله ولكتابه، فوضعوا المحبة موضع العداوة، فظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب. وحساب المتولي أكبر وفساد التولي أكثر، ولذلك أورد كلمة الحصر تغليظًا، وجمع الخبر باعتبار معنى المبتدأ.
والخلاصة (٢): أي إنما ينهاكم عن موالاة الذين ناصبوكم العداوة، فقاتلوكم وأخرجوكم، أو عاونوا على إخراجكم كمشركي مكة؛ فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين، وبعضهم أعان المخرجين. وأكد الوعيد على موالاتهم بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ لأنهم تولوا غير الذين يجوز لهم أن يتولوهم، ووضعوا ولايتهم في غير موضعها، وخالفوا أمر الله في ذلك.
стр. 13473
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، و ﴿ها﴾: حرف تنبيه، جملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿أي﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَتَّخِذُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والواو: فاعل، وجملة النهي جواب النداء. ﴿عَدُوِّي﴾: مفعول أول، ومضاف إليه، ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾: معطوف على ﴿عَدُوِّي﴾، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول ثان، ﴿تُلْقُونَ﴾: فعل، وفاعل مرفوع بثبات النون، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تَتَّخِذُوا﴾. ويجوز أن تكون في موضع نصب، صفةً لأولياء ويجوز أن تكون تفسيرية، لا محل لها من الإعراب؛ لموالاتهم إياهم. وقيل: هي مستأنفة للإخبار بذلك. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُلْقُونَ﴾. ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾: متعلق بـ ﴿تُلْقُونَ﴾ أيضًا، ﴿وَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة حال من ضمير ﴿إِلَيْهِمْ﴾ أو من ﴿عَدُوِّي﴾، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾، وجملة ﴿جَاءَكُمْ﴾ من الفعل والفاعل المستتر صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: حال من فاعل ﴿جَاءَكُمْ﴾.
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾: معطوف على الرسول. والجملة مستأنفة أو مفسرة لكفرهم، فلا محل لها من الإعراب على الحالين. ويجوز أن تكون حالًا من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَن﴾ ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُؤْمِنُوا﴾، ﴿رَبِّكُمْ﴾: بدل من الجلالة، وجملة ﴿أَن﴾: المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على أنه مفعول لأجله؛ أي: يخرجون الرسول وإياكم لإيمانكم بالله ربكم. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه في. محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ والشرطية على كونه
стр. 13474
فعل شرط لها، وجملة ﴿خَرَجْتُمْ﴾ خبر ﴿كنتم﴾، و ﴿جِهَادًا﴾: مفعول لأجله؛ أي: لأجل الجهاد، أو حال من فاعل خرجتم؛ أي: حال كونكم مجاهدين في سبيلي. ﴿فِي سَبِيلِي﴾: متعلق بـ ﴿جِهَادًا﴾، ﴿وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾: معطوف على جهادًا، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ أي: إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي .. فلا تتخذوهم أولياء. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿تُسِرُّونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾: متعلق به أيضًا، والمفعول محذوف؛ أي: تسرون إليهم النصيحة، أو ﴿الباء﴾: زائدة في المفعول، والجملة الفعلية إما مستأنفة أو بدل من ﴿تُلْقُونَ﴾ بدل بعض من كل، لأن إلقاء المودة أعم من السرّ والجهر، ﴿وَأَنَا﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿أنا﴾: مبتدأ، ﴿أَعْلَمُ﴾: خبر على أنه اسم تفضيل، و ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿أَخْفَيْتُمْ﴾ صلة ﴿ما﴾ والعائد محذوف تقديره: بما أخفيتموه ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ معطوف على ﴿أَخْفَيْتُمْ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿تُسِرُّونَ﴾. ويجوز أن يكون ﴿أَعْلَمُ﴾ فعلًا مضارعًا. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استنئافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يَفْعَلْهُ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا لاقتران الجواب بـ ﴿قد﴾ الحرفية، ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جوابًا لها، ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: مفعول به، وقيل: منصوب على الظرفية إن قلنا: إن ﴿ضَلَّ﴾: لازم، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)﴾.
﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿يَثْقَفُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿يَكُونُوا﴾: فعل مضارع ناقص، واسمه مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، ﴿لَكُمْ﴾: حال من أعداء؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿أَعْدَاءً﴾: خبر ﴿يَكُونُوا﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَيَبْسُطُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَكُونُوا﴾. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يبسطوا﴾، ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾: مفعول به، ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ﴾: معطوف عليه، ﴿بِالسُّوءِ﴾: متعلق بمحذوف حال
стр. 13475
من الأيدي والألسنة، أي: حالة كونها متلبسة بالسوء. ﴿وَوَدُّوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ودوا﴾: فعل ماض وفاعل، ﴿لَوْ﴾: مصدرية، وجملة ﴿تَكْفُرُونَ﴾ صلتها، وجملة ﴿لَوْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية؛ أي: وودوا كفركم. والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية.
﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾.
﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾: فعل، ومفعول به ﴿أَرْحَامُكُمْ﴾: فاعل، ﴿وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾: معطوف على أرحامكم، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تَنْفَعَكُمْ﴾؛ أي: لن تنفعكم يوم القيامة أرحامكم، فيوقف عليه. أو متعلق بما بعده؛ أي: يفصل بينكم يوم القيامة. والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿يَفْصِلُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿بَيْنَكُمْ﴾ متعلق بـ: يفصل ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ الموصولة أو المصدرية، و ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر عن الجلالة، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، ﴿كَانَتْ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿لَكُمْ﴾: خبرها المقدم، ﴿أُسْوَةٌ﴾: اسمها المؤخر، ﴿حَسَنَةٌ﴾: نعت لـ ﴿أُسْوَةٌ﴾. والجملة مستأنفة. ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾: نعت آخر لـ ﴿أُسْوَةٌ﴾، أو حال منها؛ لأنها وصفت، أو حال من الضمير المستكن في ﴿حَسَنَةٌ﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على إبراهيم، ﴿مَعَهُ﴾: ظرف صلة ﴿الذين﴾، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، بدل اشتمال من قوله: ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، وجملة ﴿قَالُوا﴾ في محل الخفض بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، ﴿لِقَوْمِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿قَالُوا﴾، ﴿إِنَّا بُرَآءُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾. وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه ﴿بُرَآءُ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾، ﴿مِنْكُمْ﴾؛ متعلق بـ ﴿بُرَآءُ﴾، ﴿وَمِمَّا﴾: معطوف على ﴿مِنْكُمْ﴾ وجملة ﴿تَعْبُدُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من العائد المحذوف، أو
стр. 13476
من ﴿ما﴾، ﴿كَفَرْنَا﴾ فعل وفاعل، و ﴿بِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿كَفَرْنَا﴾، والجملة مفسرة للتبرؤ منهم ومما يعبدون، أو حال من الضمير المستكن في ﴿بُرَآءُ﴾؛ أي: تبرأنا منكم حال كوننا كافرين بكم. ﴿وَبَدَا﴾: فعل ماضي، ﴿بَيْنَنَا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿بَدَا﴾، ﴿وَبَيْنَكُمُ﴾: معطوف على ﴿بَيْنَنَا﴾، ﴿الْعَدَاوَةُ﴾: فاعل، ﴿وَالْبَغْضَاءُ﴾: معطوف عليه، ﴿أَبَدًا﴾: متعلق بـ ﴿بَدَا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿كَفَرْنَا﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، ﴿تُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بـ: أن مضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾ الجارة، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُؤْمِنُوا﴾، ﴿وَحْدَهُ﴾: حال من الجلالة. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾؛ أي: إلى إيمانكم بالله وحده، الجار والمجرور متعلق بكل من ﴿كَفَرْنَا﴾ ﴿وَبَدَا﴾.
﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء متصل، ﴿قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: مستثنى من ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: منصوب؛ لأن القول من جملة الأسوة، فكأنه قيل: لكم فيه أسوة حسنة في جميع أحواله، من قول وفعل إلا قوله كذا. وقيل: هو استثناء منقطع، والمعنى: لكن قول إبراهيم لأبيه: لأستغفرن لك، فلا تتأسوا فيه. ﴿لِأَبِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿قَوْلَ﴾، ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أستغفرن﴾: فعل مضارع، في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنا. والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿لَكَ﴾: متعلق بـ ﴿أستغفرن﴾، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: حالية أو عاطفة؛ لأن الجملة من تمام قول إبراهيم. ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَمْلِكُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على إبراهيم ﴿لك﴾: متعلق بـ ﴿أَمْلِكُ﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق بمحذوف حال ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأنه في الأصل صفة لشيء، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول أملك، وجملة ﴿أَمْلِكُ﴾: في محل النصب حال من فاعل ﴿أستغفرن﴾؛ أي: لأستغفرن لك حالة كوني غير مالك لك من الله شيئًا غير استغفاري، أو معطوفة على ﴿أستغفرن﴾. ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾؛ لأنه من تتمة مقول إبراهيم ومن معه، فهو من جملة المستثنى منه، فيتأسى بهم فيه، فهو من المعنى مقدم على الاستثناء، وجملة الاستثناء اعتراضية في خلال المستثنى منه. وإن شئت
стр. 13477
قلت: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء، وما بعدها في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿تَوَكَّلْنَا﴾، و ﴿تَوَكَّلْنَا﴾: فعل، وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَإِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَنَبْنَا﴾ وجملة ﴿أَنَبْنَا﴾ معطوف على ﴿تَوَكَّلْنَا﴾. ﴿وَإِلَيْكَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إليك﴾: خبر مقدم، ﴿الْمَصِيرُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على ما قبلها.
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾.
﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف أيضًا، ﴿لَا﴾: ناهية؛ أي: دعائية، سلوكًا مسلك الأدب مع الباري سبحانه، ﴿تَجْعَلْنَا﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به أول، مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الدعائية، ﴿فِتْنَةً﴾: مفعول ثان، وهو مصدر بمعنى المفعول كما قاله "البيضاوي"؛ أي: لا تجعلنا مفتونين بهم، بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا طاقة لنا باحتماله، أو بمعنى الفاعل؛ أي: لا تجعلنا فاتنين لهم بأن ينتصروا علينا، وتسول لهم أنفسهم أنهم على حق. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿فِتْنَةً﴾ على الحالين، والجملة الفعدية في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، كرره للتأكيد. ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿أَنْتَ﴾: ضمير فصل أو مبتدأ، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ أو خبر ﴿أَنْتَ﴾ والجملة خبر ﴿إنَّ﴾. ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثان على كل حال.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾.
﴿لَقَدْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم لها، ﴿فِيهِمْ﴾: حال من ﴿أُسْوَةٌ﴾ أو متعلق بـ ﴿كَانَ﴾. ﴿أُسْوَةٌ﴾: اسمها مؤخر، ﴿حَسَنَةٌ﴾: صفة ﴿أُسْوَةٌ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة مؤكدة للأولى. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور بدل بعض من كل من قوله: ﴿لَكُمْ﴾ بإعادة الجار. وقيل: بدل اشتمال ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، وجملة ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾: خبر كان، ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: معطوف على لفظ الجلالة، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة الموصول، ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يَتَوَلَّ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾
стр. 13478
على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة للجواب، والجواب محذوف تقديره: فإن وبال توليه على نفسه. ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل أو مبتدأ، ﴿الْغَنِيُّ﴾: خبر لـ ﴿إن﴾ أو لـ ﴿هُوَ﴾، ﴿الْحَمِيدُ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إن﴾ مسوقة لتعليل الجواب المحذوف.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾.
﴿عَسَى﴾: فعل ماض من أفعال الرجاء، ﴿اللهُ﴾: اسمها، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب، ﴿يَجْعَلَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف في موضع المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾، ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿عَادَيْتُمْ﴾: صلة الموصول، والعائد محذوف؛ أي: وبين الذين عاديتموهم، ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من ﴿الَّذِينَ﴾ أو من العائد المحذوف، ﴿مَوَدَّةً﴾: مفعول أول لـ ﴿يَجْعَلَ﴾، وجملة ﴿يَجْعَلَ﴾: صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية ﴿أنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونها خبر ﴿عَسَى﴾، ولكنه على تأويل المشتق؛ أي: عسى الله جاعلًا، أو على حذف مضاف؛ أي: ذا جعل، أو عسى، بمعنى: حق، والمصدر المؤول مفعول به؛ أي: حقق الله جَعْلَ مودة بينكم وبينهم. وجملة ﴿عَسَى﴾ مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان للجلالة.
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾.
﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾: فعل، ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿عَنِ الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يَنْهَاكُمُ﴾، وجملة ﴿لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ صلة الموصول، ﴿فِي الدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿يُقَاتِلُوكُمْ﴾، ﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾: معطوف على ﴿لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾، ﴿مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِجُوكُمْ﴾، ﴿أَن﴾: حرف نصب، ﴿تَبَرُّوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وعلامة نصبه حذف النون، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور على أنه بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ بدل اشتمال؛ أي: لا ينهاكم عن برهم وصلتهم. ﴿وَتُقْسِطُوا﴾: فعل، وفاعل، معطوف على ﴿تَبَرُّوهُمْ﴾، ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿تقسطوا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
стр. 13479
﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ في الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿يَنْهَاكُمُ اللهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿عَنِ الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يَنْهَاكُمُ﴾، وجملة ﴿قَاتَلُوكُمْ﴾ صلة الموصول، ﴿في الدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿قَاتَلُوكُمْ﴾، ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ﴾: معطوف على ﴿قَاتَلُوكُمْ﴾، ﴿مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أخرجوكم﴾، ﴿وَظَاهَرُوا﴾: معطوف على ﴿قاتلوكم﴾ أيضًا، ﴿عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿ظاهروا﴾، وجملة ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ في تأويل مصدر مجرور على أنه بدل من ﴿الدِّينِ﴾ بدل اشتمال مثل ما مر آنفًا. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استنئافية، ﴿مِنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿تَوَلَّوْهُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ومفعول به، مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، ﴿الظَّالِمُونَ﴾: خبر المبتدأ، أو خبر ﴿هُمُ﴾ والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾؛ أي: ترسلون إليهم أخبار الرسول بسبب المودة التي بينكم وبينهم. وأصله: تلقيون بوزن تفعلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت .. التقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت القاف لمناسبة الواو. ﴿تسرون﴾: أصله: تسررون بوزن تفعلون، نقلت حركة الراء الأولى إلى السين، فسكنت فأدغمت في الراء الثانية. ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾: الود: محبة الشيء وتمني كونه، ويستعمل في كل واحد من المعنيين. ﴿جِهَادًا في سَبِيلِي﴾: والجهاد - بالكسر -: القتال مع العدو كالمجاهدة، وفي "التعريفات": هو الدعاء إلى الدِّين الحق. وفي "المفردات": الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، وهو جهاد العدو الظاهر، وجهاد الشيطان، وجهاد النفس، ويكون باليد واللسان. والمرضاة مصدر كالرضا. ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾: أفعل تفضيل؛ أي: من كل أحد. ويصح أن يكون فعلًا مضارعًا عدي بالباء؛ لأنك تقول: علمت بكذا. ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ في "المصباح":
стр. 13480
ثقفت الشيء ثقفًا من باب تعب: أخذته، وثقفت الرجل في الحرب: أدركته، وثقفته: ظفرت به، وثقفت الحديث: فهمته بسرعة، والفاعل: ثقيف. اهـ. وفي "الروح": الثقف: الحذق في إدراك الشيء وفعله، وثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم قد تجوز به فاستعمل في الإدراك وإن لم يكن معه ثقافة كما في هذا الموضع ونحوه. اهـ.
﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾؛ أي: يظهروا العداوة لكم. وفيه إعلال بالإبدال، أصله: أعداو أبدلت الواو همزة لتطرفها إثر ألف أفعال الزائدة. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: أخطأ طريق الحق والصواب، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، و ﴿ضَلَّ﴾: متعد، و ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: مفعوله كما مر. ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾: أصله، وددوا، أدغمت الدال الأولى بعد تسكينها في الثانية، فهو من باب فعل، بكسر العين في الماضي، وفتحها في المستقبل. ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾؛ أي: قراباتكم. قال الراغب: الرحم: رحم المرأة، وهي في الأصل: وعاء الولد في بطن أمه. ومنه: استعير الرحم للقرابة، لكونهم خارجين من رحم واحد. ﴿وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾: جمع ولد، بمعنى المولود، يعم الذكر والأنثى. ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ قال الراغب: الإسوة: بالكسر والأسوة بالضم كما لقدوة والقدوة وزنا ومعنى، وهي: الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره، إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر. يجمع على أسى، بضم الهمزة وكسرها. والأسى: الحزن. وحقيقته: إتباع الفائت بالغم. ﴿بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾: جمع برىء، كظريف وظرفاء. ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا﴾ يقال: بدا الشيء بدوا وبداءً؛ أي: ظهر ظهورًا بينًا، والبادية: كل مكان يبدو ما يعن فيه؛ أي: يعرض. ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ وفي "المفردات": الرجاء والطمع: توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة. والخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة. وفي بعض كتب التفاسير: الرجاء يجيء بمعنى توقع الخير، وهو الأمل، وبمعنى توقع الشر، وهو الخوف، وبمعنى التوقع مطلقًا. وهو في الأول حقيقة، وفي الأخيرين مجاز، وفي الثاني من قبيل ذكر الشيء وإرادة ضده، وهو جائز، وفي الثالث من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام، وهو كثير.
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾: فيه إعلال بالقلب، أصله: ينهيكم بوزن يفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿تَبَرُّوهُمْ﴾: أصله: تبررونهم، حدفت نون الرفع للناصب