← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 13406–13445 · переход к 13411.

стр. 13406

من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة، ففعل، فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعير فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. التفسير وأوجه القراءة ١١ - ولما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاثة من المؤمنين .. ذكر ما جرى بين المنافقين واليهود من المقاولة الكاذبة والأحوال الفاسدة؛ لتعجيب المؤمنين من حالهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ والخطاب لرسول الله ﷺ ، أو لكل من يصلح له؛ أي: ألم تنظر يا محمد، أو أيها المخاطب - ﴿إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾؛ أي: إلى أقوالهم الكاذبة، ومواعيدهم العاطلة، وأحوالهم الفاسدة، وهم: عبد الله بن أبيّ وأصحابه. وجملة قوله: ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ مستأنفة لبيان المتعجب منه. والتعبير (١) بالمضارع لاستحضار الصورة الماضية أو للدلالة على الاستمرار. والمراد بإخوانهم: بنو النضير، وبأخوَّتهم: إما توافقهم في الكفر، فإن الكفر ملة واحدة وإن اختلفت أنواعه. و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِإِخْوَانِهِمُ﴾ هي لام التبليغ وفي قوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ موطئة للقسم. وهي اللام الداخلة على حرف الشرط بعد تمام القسم ظاهرًا، أو مقدرًا ليؤذن أن الجواب له لا للشرط، وقد تدخل على غير الشرط. والمعنى: يقولون لهم: والله لئن أخرجتم .. أيها الإخوان .. من داركم وقراركم قسرًا بإخراج محمد وأصحابه إياكم منها ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ ألبتة، ونذهبن في صحبتكم أينما ذهبتم لتمام المحبة بيننا وبينكم. وهو جواب القسم، وكررت اللام للتأكيد، وجواب الشرط مضمر. ولما كان جواب القسم وجواب الشرط متماثلين .. اقتصر على جواب القسم، وأضمر جواب الشرط، وجعل المذكور جوابًا للقسم بسعة. وكذا قوله: ﴿لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾، وقوله: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ كل واحد منهما جواب القسم؛ ولذلك رفعت الأفعال ولم تجزم، وحذف جواب الشرط

стр. 13407

لدلالة جواب القسم عليه. ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾؛ أي: في شأنكم. وهو (١) معطوف على جملة ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾، وكذا قوله: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ﴾. فمقولهم ثلاث جمل. ﴿أَحَدًا﴾ يمنعنا من الخروج معكم من محمد وأصحابه ﴿أَبَدًا﴾ وإن طال الزمان. وهو ظرف للنفي لا للمنفي، ونصبه على الظرفية، وهو (٢) لاستغراق المستقبل، كما أن الأزل لاستغراق الماضي. ولاستعمالهما في طول الزمانين جدًّا قد يضافان إلى جمعهما، فيقال: أبد الآباد وأزل الآزال، وأما السرمد: فلاستغراق الماضي والمستقبل، يعني: لاستمرار الوجود لا إلى نهاية في جانبهما. ثم لما وعدوهم بالخروج معهم .. وعدوهم بالنصرة لهم، فقالوا: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ﴾؛ أي: قاتلكم محمد وأصحابه، حذفت منه اللام الموطئة. ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾؛ أي: لنعاوننكم على عدوكم، ولا نخذلكم. ثم كذبهم سبحانه، فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في مواعيدهم المؤكدة بالأيمان الفاجرة، من الخروج معهم والنصرة لهم. ١٢ - ثم لما أجمل كذبهم فيما وعدوا به .. فصّل ما كذبوا فيه، فقال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ قهرًا وإذلالًا ﴿لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ وهذا مع ما بعده تكذيب لهم في كل واحد من أقوالهم على التفصيل بعد تكذيبهم في الكل على الإجمال بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ وكان الأمر كذلك، فإن ابن أبيّ وأصحابه أرسلوا إلى بني النضير، وذلك سرًا ثم أخلفوهم، يعني: أن ابن أبيّ أرسل إليهم: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون حصنكم، ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان. فطمع بنو النضير فيما قاله اللعين، وهو جالس في بيته، حتى قال أحد سادات بني النضير - وهو سلّام بن مشكم - لحي بن أخطب الذي كان هو المتولي لأمر بني النضير: والله يا حيي! إن قول ابن أبيّ لباطل وليس بشيء، وإنما يريد أن يورطك في الهلكة حتى تحارب محمدًا، فيجلس في بيته ويتركك. فقال حيي: نأبى إلا عدواة محمد، وإلا قتاله. فقال سلام: فهو والله جلاؤنا من أرضنا، وذهاب أموالنا وشرفنا، وسبي ذرارينا مع قتل مقاتلينا. فكان ما كان كما سبق في

стр. 13408

أول السورة. وفيه حجة بيّنة لصحة النبوة وإعجاز القرآن، أما الأول: فلأنه أخبر عما سيقع فوقع كما أخبر؛ وذلك لأن نزول الآية مقدم على الواقعة. وعليه يدل النظم، فإن كلمة ﴿إن﴾ للاستقبال. وأما الثاني: فمن حيث الإخبار عن الغيب. ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ على سبيل الفرض والتقدير؛ أي: لو قدر وجود نصرهم إياهم؛ لأن ما نفاه الله تعالى لا يجوز وجوده. قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود ﴿لَيُوَلُّنَّ﴾ المنافقون ﴿الْأَدْبَارَ﴾؛ أي: الأقفاء منهزمين فارين. جمع دبر، ودبر الشيء خلاف القُبل؛ أي: الخلف. وتولية الأدبار كناية عن الانهزام الملزوم لتولية الأدبار. ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾؛ أي: المنافقون بعد ذلك؛ أي: يهلكهم الله تعالى، ولا ينفعهم نفاقهم؛ لظهور كفرهم بنصرهم اليهود، أو لينهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين. وفي الآية تنبيه على أن من عصى الله ورسوله وخالف الأمر .. فهو مقهور في الدنيا والآخرة وإن كان سلطانًا ذا منعة، وما يقع أحيانًا من الفرصة فاستدراج، وغايته إلى الخذلان. والحاصل (١): أن المراد من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ...﴾ إلخ .. تعجيب المخاطب من حال المحدث عنه، وأن أمره غاية في الغرابة، وموضع للدهشة والحيرة. فهؤلاء قوم من منافقي المدينة لهم أقوال تخالف ما يبطنون، منهم: عبد الله بن أبيّ وشيعته، رأوا رسول الله ﷺ يحاصر بني النضير ويقاتلهم، فأرسلوا إليهم يقولون لهم: إنا قادمون لمساعدتكم بخيلنا ورجلنا، ولا نسلمكم لمحمد أبدًا، فجدوا في قتالهم ولا تهنوا في الدفاع عن دياركم وأموالكم، حتى إذا اشتد الحصار وأوغل المسلمون في ديارهم، وجدّوا في تحريق نخيلهم وهدم بيوتهم .. رأى بنو النضير أن تلك الوعود ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. وأنهم بين أمرين:

стр. 13409

١ - الاستسلام، وقبول حكم محمد عليهم. ٢ - فناؤهم، وتخريب ديارهم. وقد أدخل الله الرعب في قلوبهم فاختاروا الدنية، وقبلوا الجلاء عن الديار، واستبان لهم أن المنافقين كانوا كاذبين لا عهود لم، ولا وعود، كما هو دأبهم في كل زمان ومكان. وبعد أن كذبهم على سبيل الإجمال .. كذبهم تفصيلًا ليزيد تعجيب المخاطب من حالهم، وليبين لهم مبلغ خبث طويتهم. وشدة جبنهم وفزعهم من القتال، وأن هذه الوعود أقوال كاذبة لاكتها ألسنتهم، وقلوبهم منها براء، فقال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ...﴾ إلخ. أي: والله! لئن أخرج بنو النضير من ديارهم فأجلوا عنها .. لا يخرج معهم المنافقون الذين وعدوهم بالخروج معهم من ديارهم ولئن قاتلهم محمد ﷺ .. لا ينصرونهم، ولئن نصروهم .. ليولن الأدبار منهزمين عن محمد وأصحابه، هاربين منهم خاذلين لهم، ثم لا ينصر الله بني النضير. وهذا إخبار بالغيب، ودليل من دلائل النبوة، ووجه من وجوه الإعجاز؛ فإنه قد كان الأمر كما أخبر الله قبل وقوعه. والخلاصة: أن بني النضير أخرجوا فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فما نصروهم. ولو كانوا قد نصروهم .. لتركوا النصرة، وانهزموا، وتركوا أولئك اليهود في أيدي الأعداء. ١٣ - ثم ذكر السبب في عدم نصرتهم لليهود والدخول مع المؤمنين في قتال فقال: ﴿لَأَنْتُمْ﴾ يا معشر المسلمين ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً﴾؛ أي: مرهوبية ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾؛ أي: في قلوب المنافقين، أو في صدور اليهود، أو صدور الجميع ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من رهبة الله، بمعنى: مرهوبيته، والرهبة: مخافة مع تحزّن واضطراب وهي هنا مصدر من المبنيّ للمفعول، وهو رهب؛ أي: أشد مرهوبية. وذلك لأن ﴿أَنْتُمْ﴾ خطاب للمسلمين، والخوف ليس واقعًا منهم بل من المنافقين، فالمخاطبون مرهوبون غير خائفين. وهذه الجملة في المعنى كالتعليل لقوله: ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ كأنه قال: إنهم لا يقدرون على مقاتلتكم، لأنكم أشد رهبة ... إلخ.

стр. 13410

قال في "الكشاف": قوله: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ قال على نفاقهم؛ يعني: أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله. فإن قلت: كأنهم كانوا يرهبون من الله حتى تكون رهبتهم منهم أشد. قلت: معناه: أن رهبتهم في السرّ منكم أشد من رهبتهم من الله التي يظهرونها لكم، وكانوا يظهرون رهبة شديدة من الله. يقول الفقير: إنما رهبوا من المؤمنين لظهور نور الله فيهم، فكما أن الظلمة تنفر من النور ولا تقاومه، فكذا أهل الظلمة ينفر من أهل النور ولا يقوم معه. ومرادنا بالظلمة: ظلمة الشرك، والكفر، والرياء والنفاق. وبالنور: نور التوحيد، والإيمان، والإخلاص، والتقوى. ولذلك قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، حيث إن الله تعالى أثبت معيته لأهل التقوى، فنصرهم على مخالفيهم. ثم ذكر سبب الرهبة منهم من دون الله، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ شيئًا من الأشياء حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته، ولو كان لهم فقه .. لعلموا أن الله سبحانه هو الذي سلطكم عليهم، فهو أحق بالرهبة منه دونكم. وفي "فتح الرحمن": ختمه هنا بـ ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ وفيما بعد بـ ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ لأن الأول متصل بقوله: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: لأنهم يفقهون ظاهر الشيء بدون باطنه، والفقه: معرفة الظاهر والباطن، فناسب نفي الفقه عنهم. والثاني متصل بقوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ...﴾ إلخ؛ أي: لو عقلوا .. لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا، فناسب نفي العقل عنهم، انتهى. وفيه تنبيه على أن من علامات الفقه (١): أن يكون خوف العبد من الله أشد من خوفه من الغير، وتقبيح لحال أكثر الناس على ما ترى وتشاهد. وعنه ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". قال بعضهم: لا ينقص الكفيل من الرجال خوفهم من سبع أو ظالم أو نحو ذلك؛ لأن الجزع في النشأة الإنسانية أصلي، فالنفوس أبدًا مجبولة على الخوف،

стр. 13411

ولذة الوجود بعد العدم لا يعدلها لذة، وتوهم العدم العيني له ألم شديد في النفوس، لا يعرف قدره إلا العلماء. ١٤ - ثم أكد جبن اليهود والمنافقين وشديد خوفهم منهم، فقال: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ أي: لا يقاتلكم أيها المسلمون اليهود والمنافقون، بمعنى: لا يقدرون على قتالكم، ولا يجترئون عليه. ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين متفقين في موطن من المواطن ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾: جمع قرية، وهي مجتمع الناس للتوطن ﴿مُحَصَّنَةٍ﴾؛ أي: محكمة بالدروب والخنادق، وما أشبه ذلك؛ كالسور. قال الراغب؛ أي: مجعولة بالإحكام، كالحصون. والدروب: جمع درب، وهو الباب الكبير. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾؛ أي: من خلف حيطان، دون أن يحضروا لكم ويبارزوكم؛ أي: يشافهوكم بالمحاربة لفرط رهبتهم. جمع جدار، وهو كالحائط، إلا أن الحائط يقال اعتبارًا بالإحاطة بالمكان، والجدار يقال اعتبارًا بالنتوّ والارتفاع؛ ولذا قيل: حيدر الشجر، إذا خرج ورقه، كأنه حمص، وجدر الصبي، إذا خرج جدريه، تشبيهًا بجدر الشجر. وقرأ الجمهور (١): ﴿جُدُرٍ﴾ بضمتين، جمع جدار. وأبو رجاء والحسن وابن وثاب بإسكان الدال تخفيفًا. ورويت عن ابن كثير وعاصم والأعمش. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير وكثير من المكيين ﴿جدار﴾ بالألف وكسر الجيم. وقرأ كثير من المكيين وهارون عن ابن كثير ﴿جَدْر﴾ بفتح الجيم وسكون الدال. وقال ابن عطية: ومعناه: أصل بنيان، كالسور ونحوه. والمعنى (٢): أي إن هؤلاء اليهود والمنافقين قد ألقى الله الرعب في قلوبهم، فلا يواجهونكم بقتال مجتمعين؛ لأن الخوف والهلع بلغا منهم كل مبلغ، بل يقاتلونكم في قرى محصنة بالدروب والخنادق ونحوها، ومن وراء الجدر والحيطان وهم محاصرون. ثم بين أن من أسباب هذا الجبن والخوف: التخاذل وعدم الاتحاد حين اشتداد الخطوب، فقال: ﴿بَأْسُهُمْ﴾؛ أي: قتالهم فيما ﴿بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ إذا قاتلوا قومهم؛ أي: بعضهم غليظ فظّ على بعض وقلوبهم مختلفة ونياتهم متباينة. قال السدي: المراد: اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد.

стр. 13412

وقال مجاهد: بأسهم بينهم شديد بالكلام والوعيد ليفعلن كذا. والمعنى: أنهم إذا انفردوا .. نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، وإذا لاقوا عدوًا .. ذلوا وخضعوا وانهزموا. والأول أولى؛ لقوله تعالى فيما بعد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ فإنه يدل على أن اجتماعهم إنما هو في الظاهر مع تخالف قلوبهم في الباطن. وعبارة "الروح": قوله: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾: استئناف (١) سيق لبيان أن ما ذكر من رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم، فإن بأسهم وحربهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفهم وجبنهم بالنسبة إليكم بما قذف الله في قلوبهم من الرعب. وأيضًا: إن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله. قال في "كشف الأسرار": إذا أراد الله نصرة قوم .. استأسد أرنبهم، وإذا أراد الله قهر قوم .. استرنب أسدهم. اهـ. وإن قيل: إن البأس شدة الحرب، فما الحاجة إلى الحكم عليه بـ ﴿شَدِيدٌ﴾؟ أجيب: بأنه أريد من البأس هنا مطلق الحرب، فأخبر بشدته لتصريح الشدة، أو أريد المبالغة في إثبات الشدة لبأسهم مبالغة في شدة بأس المؤمنين، لغلبته على بأسهم بتأييد الله ونصرته لهم عليهم. والظرف متعلق بـ ﴿شَدِيدٌ﴾، والتقديم للحصر. ويجوز أن يكون متعلقًا بمقدر صفة أو حالًا؛ أي: بأسهم الواقع بينهم، أو واقعًا بينهم. فقولهم: الظرف الواقع بعد المعرفة يكون حالًا ألبتة، ليس بمرضي، فإن الأمرين جائزان، بل قد ترجح الصفة. والمعنى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾؛ أي: بعضهم لبعض عدو، فلا يمكن أن يقاتلوا عدوًا لهم، وهم في تخاذل وانحلال، ومن ثم استكانوا وذلوا. وفي هذا (٢): عبرة للمسلمين في كل زمان ومكان؛ فإن الدول الإِسلامية ما هدد كيانها وأضعفها أمام أعدائها إلا تخاذلها أفرادًا وجماعات وانفراط عقد وحدتها، ومن ثم طمع الأعداء في بلادهم، ودخلوها فاتحين، وأذاقوا أهلها كؤوس

стр. 13413

الذل والهوان، وفرقوهم شذر مذر، وجعلوهم عبيدًا أذلاء في بلادهم، والتهموا ثرواتهم، ولم يبقوا لهم إلا النفاية وفتات الموائد، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وعسى الله أن يأتي بالفتح ونصر من عنده، فيستيقظ المسلمون من سباتهم، ويثوبوا إلى رشدهم، فيستعيدوا سابق مجدهم، وتدول الدولة لهم: فيومٌ لَنَا وَيَوْمٌ عَلَيْنَا ... وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ ثم زاد ما سلف توكيدًا، فقال: ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ يا محمد، أو يا كلّ من يسمع ويعقل ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين متفقين، ذوي ألفة واتحاد ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾؛ أي: والحال أن قلوبهم متفرقة لا ألفة بينها، وهم بخلاف من وصفهم الله بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾. جمع شتيت، كمرض ومريض، وهذا التخالف هو البأس السابق الذي بينهم الموصوف بالشدة. وقرأ الجمهور (١): ﴿شَتَّى﴾ بألف التأنيث، ومبشر بن عبيد منونًا، جعلها ألف الإلحاق وعبد الله ﴿وقلوبهم أشت﴾؛ أي: أشد تفرقًا. ومما ورد في استعمال ﴿شَتَّى﴾ في كلام العرب قول الشاعر: إِلَى اللهِ أَشْكُوْ فِتْيَةً شَقّتِ الْعَصَا ... هِي الْيَوْمَ شَتّى وَهْيَ أَمْسِ جَمِيْعُ والمعنى: أي إنك أيها الرسول إذا رأيتهم مجتمعين .. خلتهم متفقين وهو مختلفون غاية الاختلاف لما بينهم من إحن وعداوات. فهم لا يتعاضدون ولا يتساندون ولا يرمون عن قوس واحدة. وفي هذا: تشجيع للمؤمنين على قتالهم، وحث للعزائم الصادقة على حربهم؛ فإن المقاتل متى عرف ضعف خصمه .. ازداد نشاطًا، وازدادت حميته، وكل ذلك من أسباب نصرته عليه. تنبيه (٢): على أن اللائق بالمؤمن الاتفاق والاتحاد صورة ومعنى، كما كان المؤمنون متفقين في عهد النبي ﷺ . ويقال: الاتفاق قوة، والافتراق هلكة، والعدو إبليس يظفر في الافتراق بمراده. قال سهل: أهل الحق مجتمعون أبدًا موافقون، وإن تفرقوا بالأبدان وتباينوا بالظواهر، وأهل الباطل متفرقون أبدًا وإن

стр. 13414

اجتمعوا بالأبدان وتوافقوا بالظواهر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿تَحْسَبُهُمْ ...﴾ إلخ. ﴿ذَلِكَ﴾: أي ما ذكر من تشتت قلوبهم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لا يعقلون شيئًا حتى يعرفوا الحق، ويتبعوه وتطمئن به قلوبهم، وتتحد به كلمتهم، ويرموا عن قوس واحدة، فيقعون في تنبيه الضلال، وتشتت قلوبهم حسب تشتت طرقه وتفرق فنونه، وتشتت القلوب يوهن قواهم؛ لأن صلاح القلب يؤدي إلى صلاح الجسد، وفساده إلى فساده. كما قالوا: كل إناء يترشح بما فيه. واعلم (١): أن الله تعالى ذم الكفار في القرآن بكل من: عدم الفقه والعلم والعقل. قال الراغب: الفقه هو: التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد. فهو أخصّ من العلم. والعلم: إدراك الشيء بحقيقته، وهو نظري وعملي، وأيضًا عقلي وسمعيّ. والعقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوى: عقل. والمعنى (٢): أي ذلك التفرق من جراء أن أفئدتهم هواء، وأنهم لا يفقهون سر نظم هذه الحياة، ولا يعلمون أن الوحدة هي سر النجاح، ومن ثم تخاذلوا وتفرقت كلمتهم، واختلف جمعهم، واستهان بهم عدوهم، ودارت عليهم الدائرة. ١٥ - ثم أرشد إلى أن هؤلاء ليسوا ببدع في الكافرين بل قد سبقهم غيرهم ممن كان حقه أن يكون عبرة لهم، فقال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: مثل اليهود من بني النضير كائن كمثل الذين من قبلهم؛ أي: صفتهم الغريبة وحالهم العجيبة، وهي ما وقع لهم من الإجلاء والذل كمثل وصفة وحال المشركين من أهل مكة فيما وقع لهم أيضًا يوم بدر من الهزيمة والأسر والقتل. وقوله: ﴿قَرِيبًا﴾: ظرف زمان متعلق بالاستقرار المحذوف الذي تعلق به ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ولك أن تعلقه بـ ﴿ذَاقُوا﴾ المذكور بعده. وعلقه الزمخشري بمضاف مقدر في الخبر؛ أي: كوجود وحصول ووقوع مثل أهل بدر قريبًا. أي: مثل اليهود من بني النضير فيما وقع لهم من الإجلاء والذل والمهانة

стр. 13415

كمثل أهل مكة فيما وقع لهم قريبًا يوم بدر من الهزيمة والأسر والقتل، وليس قوله ببعيد. ﴿ذَاقُوا﴾؛ أي: ذاق الذين من قبلهم، وهذا بيان لمثل الذين من قبلهم؛ أي: ذاقوا في الدنيا ببدر ﴿وَبَالَ﴾؛ أي: عقوبة ﴿أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: كفرهم، وهو عذاب القتل والأسر ببدر. وكانت غزوة بدر في رمضان من السنة الثانية من الهجرة قبل غزوة بني النضير، وكانت غزوة بني النضير في ربيع الأول من السنة الرابعة، وكان ما بينهما نحو سنة ونصف. ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة؛ أي: للذين من قبلهم ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلم لا يقادر قدره حيث يكون ما في الدنيا بالنسبة إليه كالذوق بالنسبة إلى الأكل. وفي "الفتوحات": والمقصود تشبيه حال اليهود، وهي ما حصل لهم في الدنيا من الوبال، وما سيحصل لهم في الآخرة من العذاب بحال المشركين في هذين الأمرين. والخلاصة: أن حال هؤلاء كحال أولئك في الدنيا والآخرة، ولكن لا على أن حال كلهم كحالهم، بل حال بعضهم الذين هم اليهود كذلك. ١٦ - وأما حال المنافقين: فهو ما تعلق به قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ فإنه خبر ثان (١) للمبتدأ المقدر، مبين لحالهم، متضمن لحال أخرى لليهود. وهي اغترارهم بمقالة المنافقين أولًا، وخيبتهم آخرًا. وقد أجمل في النظم الكريم؛ حيث أسند كل من الخبرين إلى المقدر المضاف إلى ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بِخصوصه، ثقة بأن السامع يرد كلًّا من المثلين إلى ما يماثله، كأنه قيل: مثل اليهود في حلول العذاب بهم كمثل الذين من قبلهم، ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما حكي عنهم ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾، ﴿إِذْ قَالَ﴾؛ أي: الشيطان ﴿لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾. وقول الشيطان مجاز عن الإغواء والإغراء؛ أي: إذ أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور على المأمور به. ﴿فَلَمَّا كَفَرَ﴾ الإنسان المذكور إطاعة لإغوائه وتبعًا لأهوائه ﴿قَالَ﴾ الشيطان: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾؛ أي: بعيد عن عملك وأملك غير راض بكفرك وشركك.

стр. 13416

قال العلماء: إن أريد بالإنسان الجنس فهذا التبرّي من الشيطان يكون يوم القيامة، كما ينبىء عنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. وهذه الجملة تعليل لبراءته من الإنسان بعد كفره، وإن أريد به أبو جهل .. على كون اللام للعهد .. فمعنى قوله: ﴿اكْفُرْ﴾: دم على الكفر، وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ إلخ، عبارة عن قول إبليس له يوم بدر: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾. يعني: لما قاتلوا ورأى إبليس جبريل مع محمد ﵉ .. خافه، وتبرأ منهم، وانهزم. قال بعضهم: هذا من كذبات إبليس، وإنه لو خاف الله حقيقة وقال صدقًا .. لما استمر على ما أدى إلى الخوف بعد ذلك، كيف وقد طلب الإنظار إلى البعث للإغواء؟!. وقال أبو الليث: قال ذلك على وجه الاستهزاء، ولا بعد أن يقول له: ليوقعه في الحسرة والحرقة، انتهى. يقول الفقير: الظاهر أن الشيطان يستشعر في بعض المواد جلال الله تعالى وعظمته، فيخافه حذرًا من المؤاخذة العاجلة وإن كان منظرًا، ولا شك أن كل أحد يخاف السطوة الإلهية عند ظهور أماراتها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. على أن نحو قاطع الطريق وقاتل النفس ربما فعل ما فعل، وهو خائف من الأخذ. وقيل: المراد بالإنسان: هو عابد كان في بني إسرائيل، حمله الشيطان على الكفر فأطاعه. والجمهور على أن الشيطان والإنسان اسما جنس يورطه في المعصية ثم يفر منه. وقرأ الجمهور (١): ﴿إِنِّي﴾ بسكون الياء. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتحها. والمعنى: أي مثل هؤلاء المنافقين الذين وعدوا اليهود من بني النضير النصرة إن قوتلوا أو الخروج معهم إن أخرجوا، ومثل بني النضير في غرورهم بوعودهم

стр. 13417

وإسلامهم إياهم في أشد حاجتهم إليهم وإلى نصرتهم .. كمثل الشيطان الذي غر إنسانًا ووعده النصرة عند الحاجة إليه إذا هو كفر بالله، واتبعه وأطاعه، فلما احتاج إلى نصرته .. أسلمه وتبرأ منه، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. إذا أنا نصرتك لئلا يشركني معك في العذاب. والخلاصة: أن مثل اليهود في اغترارهم بمن وعدوهم النصرة من المنافقين بقولهم لهم: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾، ولما جد الجد واشتد الحصار والقتال .. تخلوا عنهم وأسلموا للهلكة، كمثل الشيطان إذ سول للإنسان الكفر والعصيان، فلما دخل فيه .. تبرأ منه وتنصل وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. ولا تجد مثلًا أشد وقعًا على النفوس، ولا أنكى جرحًا في القلوب من هذا المثل لمن اعتبر وادكر، ولكنهم قوم لا يعقلون. ١٧ - ثم ذكر عاقبة الناصح والمنصوح له، فقال: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾؛ أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان. قرأ الجمهور بنصب ﴿عَاقِبَتَهُمَا﴾ على أنه خبر ﴿كان﴾ مقدم على اسمها، واسمها قوله: ﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾. وقرأ الحسن، وعمرو بن عبيد وسليم بن أرقم برفعه، على أنه اسم ﴿كَانَ﴾، والخبر ما بعده. وهو أوضح في المعنى. والمعنى: فكان عاقبة الشيطان وذلك الإنسان الذي كفر أنهما صائران إلى النار حال كونهما ﴿خَالِدَيْنِ﴾؛ أي: ماكثين ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في النار مكثًا مؤبدًا لا يبرحان عنها. وهو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور. وقرأ الجمهور ﴿خَالِدَيْنِ﴾ بالياء نصبًا على الحال. وقرأ عبد الله وزيد بن علي والأعمش، وابن أبي عبلة ﴿خالدان﴾ بالألف رفعًا على أنه خبر ﴿أن﴾. والظرف لغو متعلق به. ﴿وَذَلِكَ﴾؛ أي: الخلود في النار ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ على الإطلاق دون هؤلاء خاصة. والمعنى: أي فكان عاقبة الآمر بالكفر والداخل فيه الخلود في النار أبدًا، وهكذا جزاء الظالمين لأنفسهم بالكفر، كيهود بني النضير والمنافقين الذين وعدوهم بالنصرة. ١٨ - ثم رجع إلى خطاب المؤمنين بالموعظة الحسنة، فقال:

стр. 13418

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، إيمانًا خالصًا، ويقينًا صادقًا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ؛ أي: اتقوا عقاب الله في كل ما تأتون، وما تذرون، فتحرزوا عن العصيان بالطاعة، وتجنبوا عن الكفران بالشكر، وتوقوا عن النسيان بالذكر، واحذروا عن الاحتجاب عنه بأفعالكم وصفاتكم بشهود أفعاله وصفاته في كل شيء. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله سبحانه، فافعلوا ما به أمر، واتركوا ما عنه نهى، وزجر، أو: اتقوا الله بفعل المأمورات، كما سيأتي مقابله. ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾؛ أي: ولتتفكر كل نفس - برة أو فاجرة - ولتبحث وتفتش ﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾؛ أي: عما تقدمه ليوم القيامة من الأعمال الصالحة أو السيئة، فتختاره وتفعله؛ أي: لينظر أحدكم أي شيء يقدمه لنفسه من الأعمال، وليفكر فيه، وليحصله؛ أي: فليختر هل يقدم لها عملًا صالحًا ينجيها أو سيئًا يوبقها، فإن الدنيا دار الزراعة، والآخرة دار الحصاد، فلا تحصد في الآخرة إلا ما زرعته في الدنيا. والمتبادر من معنى الغد أنه عبارة عن يوم بينك وبينه ليلة، ويطلق أيضًا على مطلق الزمان المستقبل كقوله: وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِيْ غَدٍ عَمِي وأطلق (١) هنا اسم الغد في قوله: ﴿لِغَدٍ﴾ على يوم القيامة تقريبًا له؛ كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ فكأنه لقربه شبه بما ليس بينك وبينه إلا ليلة واحدة، أو لأن الدنيا - أي: زمانها - كيوم والآخرة كغده، لاختصاص كل منهما بأحكام وأحوال متشابهة وتعقيب الثاني للأول، فلفظ الغد حينئذٍ استعارة كما سيأتي. وفائدة تنكير النفس: إفادة أن الأنفس الناظرة في معادها قليلة جدًا، كأنه قيل: ولتنظر نفس واحدة في ذلك، وأين تلك النفس؟ يقول الفقير (٢): إنما كانت الآخرة كالغد لأن الناس في الدنيا نيام، ولا انتباه إلا عند الموت الذي هو مقدمة القيامة كما ورد به الخبر، فكلّ من الموت والقيامة كالصباح بالنسبة إلى الغافل، كما أن الغد صباح بالنسبة إلى النائم في الليل. ودل هذا على أن الدنيا ظلمانية والآخرة نورانية، انتهى.

стр. 13419

وفائدة تنكير الغد تعظيمه، وتفخيمه وتهويله، كأنه قيل: لغد لا تعرف كل نفس كنه عظمته وغاية هوله، فالتنكير فيه للتعظيم، وفي النفس للتقليل أو للتعريض بغفلة كلهم عن هذا النظر الواجب. وأصله: غدو، حذفوا الواو بلا تعويض عنها كما سيأتي في مبحث التصريف. وقرأ الجمهور: ﴿وَلْتَنْظُرْ﴾ أمرًا، واللام ساكنة. وقرأ أبو حيوة، ويحيى بن الحارث بكسرها. وروي ذلك عن حفص عن عاصم. وقرأ الحسن بكسرها وفتح الراء، جعلها لام كي، ذكره في "البحر". ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ . كرره للتأكيد والاهتمام في شأن التقوى، وإشارة إلى أن اللائق بالعبد أن يكون كل أمره مسبوقًا بالتقوى ومختومًا بها. أو الأول في أداء الواجبات، كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل كما سبق، والثاني في ترك المحارم، كما يؤذن به الوعيد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عالم بما تعملونه من المعاصي، فيجازيكم عليها يوم الجزاء. والتقوى هو: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك. وقال بعض الكبار: التقوى: وقاية النفس في الدنيا عن ترتب الضرر في الآخرة. فتقوى العامة عن ضرر الأفعال، وتقوى الخاصة عن ضرر الصفات، وتقوى أخص الخواص عن جميع ما سوى الله تعالى. وفي الآية ترغيب في الأعمال الصالحة. والمعنى (١): أي ولتنظروا ماذا قدمتم لآخرتكم مما ينفعكم يوم الحساب والجزاء، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكنهم من توقع العذاب سكارى. واتقوا الله إنه خبير عليم بأحوالكم، لا يخفى عليه شيء من شؤونكم، فراقبوه في جليل أعمالكم، وحقيرها، واعلموا أنه سبحانه سيحاسبكم على النقير والقطمير، والقليل والكثير، ولا يفوته شيء من ذلك.

стр. 13420

١٩ - ثم ضرب لهم الأمثال تحذيرًا وإنذارًا، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ قرأ الجمهور (١): ﴿لا تكونوا﴾ بتاء الخطاب، وأبو حيوة بياء الغيبة على سبيل الالتفات؛ أي: ولا تكونوا أيها المؤمنون ﴿كَالَّذِينَ﴾؛ أي: كاليهود والمنافقين. فالمراد بالموصول (٢): المعهودون بمعونة المقام، أو الجنس كائنًا من كان من الكفار، أمواتًا أو أحياء. ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ فيه حذف المضاف؛ أي: نسوا حقوقه تعالى، وما قدروه حق قدره، ولم يراعوا مواجب أموره ونواهيه حق رعايتها ﴿فَأَنْسَاهُمْ﴾ بسب ذلك ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: جعلهم ناسين لها، فلم يسمعوا ما ينفعها ولم يفعلوا ما يخلصها، فالمضي على أصله. أو أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم، فالمضي باعتبار التحقق. قال الراغب: النسيان: ترك الإنسان ضبط ما استودع، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، أو عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره. وكل نسيان من الإنسان ذمّه الله به .. فهو ما كان أصله من تعمد وما عذر فيه، نحو: ما روي عن النبي ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان". فهو ما لم يكن سببه منه. فقدله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ هو ما كان سببه عن تعمد منهم وتركه على طريق الإهانة. وإذا نسب ذلك إلى الله .. فهو تركه إياهم استهانة بهم مجازاة لما تركوه، كما قال في "اللباب": قد يطلق النسيان على الترك ومنه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ﴾؛ أي: تركوا طاعة الله ترك الناسي، فتركهم الله. وقال بعض المفسرين: إن قيل: النسيان يكون بعد الذكر، وهو ضد الذِّكر، لأنه السهو الحاصل بعد حصول العِلم، فهل كان الكفار يذكرون حق الله ويعترفون بربوبيته حتى ينسوا بعد؟ أجيب: بأنهم اعترفوا وقالوا: بلى يوم الميثاق، ثم نسوا ذلك بعدما خلقوا، والمؤمنون اعترفوا بها بعد الخلق، كما اعترفوا قبله بهداية الله، وراعوا حقها قل أو كثر جلّ أو صغر، ثم إن قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا ...﴾ إلخ، تنبيه على أن الإنسان بمعرفته لنفسه يعرف الله، فنسيانه هو من نسيانه لنفسه، كما قال في "فتح الرحمن": لفظ هذه الآية على أنه من عرف نفسه ولم ينسها .. عرف ربه. وقد قال علي رضي

стр. 13421

الله عنه: (اعرف نفسك تعرف ربك). وقال سهل: معنى الآية: نسوا الله عند الذنوب فأنساهم الله أنفسهم عند الاعتذار وطلب التوبة. والخلاصة (١): ولا يكن حالكم كحال قوم تركوا العمل بحقوق الله التي أوجبها على عباده، فران على قلوبهم، وأنساهم العمل الصالح الذي ينجيهم من عقابه، فضلوا ضلالًا بعيدًا، فجازاهم بما هم له أهل وما هم له مستحقون جزاءً وفاقًا؛ لما دسّوا به أنفسهم وأوقعوها في المعاصي والآثام. ومن ثم حكم عليهم بالهلاك، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الناسون المخذولون بالإنساء ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الكاملون في الفسوق والخروج عن طريق الطاعة، و ﴿هم﴾ للحصر، فأفاد أن فسقهم كان بحيث أن فسق الغير كأنه ليس بفسق بالنسبة إليه. فالمراد بهم هنا: الكافرون لكن على المؤمن الغافل عن رعاية حق ربوبية الله ومراعاة حظ نفسه من السعادة الأبدية والقربة إلى جنابه تعالى خوف شديد وخطر عظيم. والمعنى (٢): أي أولئك هم الذين خرجوا عن طاعة الله تعالى فاستحقوا عقابه يوم القيامة، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾. ٢٠ - ثم وازن بين من يعمل الحسنات ومن يجترم السيئات، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الذين نسوا الله، فاستحقوا الخلود في النار ﴿وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الذين اتقوا الله، فاستحقوا الخلود في الجنة. قال في "الإرشاد" (٣): لعل تقديم ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ في الذكر للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي ينبئ عنه عدم الاستواء من جهتهم لا من جهة مقابليهم، فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانًا وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد، لكن المتبادر اعتباره بحسب نقصان الناقص، وعليه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ إلى غير ذلك من المواضع. وأما قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فلعل تقديم

стр. 13422

الفاضل فيه لأن صلته ملكة والأعدام مسبوقة بملكاتها. وقال بعضهم (١): قدم ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ لذكر الذين نسوا الله قبله، ولكثرة أهلها. ولفظ ﴿النَّارِ﴾ باللام من أعلام جهنم، كالساعة للقيامة. ولذا كثيرًا ما تذكر في مقابلة الجنة، كما في هذا المقام. وجاء في الشعر: الْجَنَّةُ الدَّارُ فَاعْلَمْ إِنْ عَمِلْتَ بِمَا ... يُرَضِي الإِلَهَ وَإِنِ فرّطْتَ فَالنَّارُ هُمَا مَحَلَّانِ مَا لِلنَّاسِ غَيْرُهُمَا ... فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ مَاذَا أَنْتَ تَخْتَارُ والصحبة في الأصل: اقتران الشيء بالشيء، في زمان ما، قل أو كثر. وبذلك يكون كل منهما صاحب الآخر. وإن كانت على المداومة والملازمة .. يكون كمال الصحبة، ويكون الصاحب المصاحب عرفًا، وقد يطلق على الطرفين حينئذٍ صاحب ومصاحب أيضًا. ومن ذلك يكنى عن الزوجة بالصاحبة. وقد يطلق الصاحب على المالك؛ لكثرة صحبته بمملوكه كما قيل له: الربّ؛ لوقوع تربية المالك على مملوكه، فيقال: صاحب المال كما يقال: رب المال. فإطلاق ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ و ﴿وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ على أهلهما إما باعتبار الصحبة الأبدية والاقتران الدائم، حتى لا يقال للعصاة المعذبين بالنار مقدار ما شاء الله تعالى: أصحاب النار. أو باعتبار الملك، مبالغة ورمزًا إلى أنهما جزاء لأهلهما، باعتبار كسبهما بأعمالهم الحسنة أو السيئة. ونحو الآية: قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾. والمعنى (٢): أي لا يستوي الذين نسوا الله فاستحقوا الخلود في النار، والذين اتقوا الله فاستحقوا الخلود في الجنة. ثم بين عدم استوائهما، فقال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بكل مطلوب الناجون من كل مكروه. وهو استئناف مبين لكيفية عدم الاستواء بين الفريقين.

стр. 13423

فالفوز: الظفر مع حصول السلامة، فهم أهل الكرامة في الدارين. وأصحاب النار هم أهل الهوان فيهما. وفي هذا تنبيه (١) للناس بأنهم لفرط غفلتهم ومحبتهم العاجلة واتباع الشهوات .. كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، وبين أصحابهما حتى احتاجوا إلى الإخبار بعدم الاستواء، كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه، فتنبه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البرّ والتعطف، فكذا نبه الله تعالى الناس بتذكير سوء حال أهل النار وحسن حال أهل الجنة، على الاعتبار والاحتراز عن الغفلة، ورفع الرأس عن المعاصي، والتحاشي من عدم المبالاة. وروي عن النبي ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة: من ينظر إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله: من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾: وقال ﷺ : "إن أهون أهل النار عذابًا، من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا". ٢١ - ولما فرغ من ذكر أهل الجنة وأهل النار، وبين عدم استوائهم في شيء من الأشياء.، ذكر تعظيم كتابه الكريم وأخبر عن جلالته وأنه حقيق بأن تخشع له القلوب وترق له الأفئدة، فقال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ العظيم الشأن المنزل عليكم أيها الناس، المنطوي على فنون القوارع أو المنزل عليك يا محمد، أو على محمد، بحسب الالتفات في الخطاب. ﴿عَلَى جَبَلٍ﴾ من الجبال، وهو كل وتد للأرض عظم وطال، كما سيأتي. ثم إنه لا يلزم في الإشارة وجودُ جملة المشار إليه ذي الأبعاض المترتبة وجودًا، بل يكفي وجود بعض الإشارة حقيقة ووجود بعض آخر حكمًا. ويحتمل أن يكون المشار إليه هنا الآية السابقة من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ. فإن لفظ القرآن كما يطلق على المجموع .. يطلق على البعض منه حقيقة، بالاشتراك، أو باللغة، أو مجازًا بالعلاقة، فيكون التذكير باعتبار تذكير المشار إليه.

стр. 13424

﴿لَرَأَيْتَهُ﴾؛ أي: لرأيت ذلك الجبل - يا محمد، أو يا من يتأتى منه الرؤية - مع كونه علمًا في القسوة وعدم التأثر مما يصادمه. ﴿خَاشِعًا﴾؛ أي: خاضعًا ذليلًا. وهو حال من الضمير المنصوب في قوله: ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾؛ لأنه من الرؤية البصرية. ﴿مُتَصَدِّعًا﴾؛ أي: متشققًا ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ سبحانه وخوفه أن يعصيه فيعاقبه. أي (١): من شأنه وعظمته، وجودة ألفاظه وقوة مبانيه، وبلاغته، واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب، أنه لو أنزل على جبل من الجبال الكائنة في الأرض .. لرأيته - مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة وضخامة الجرم - خاشعًا متصدعًا؛ أي: متشققًا من خشية الله سبحانه، حذرًا وخوفًا من أن لا يؤدّي ما يجب عليه من تعظيم كلام الله تعالى. وقرأ طلحة ﴿مصدعًا﴾ بإدغام التاء في الصاد. والخلاصة (٢): لو ركب في الجبل عقل وشعور كما ركب فيكم أيها الناس، ثم أنزل عليه القرآن ووعد وأوعد حسب حالكم .. لخشع وخضع وتذلل وتصدع من خشية الله تعالى، حذرًا من أن لا يؤدّي حق الله تعالى، في تعظيم القرآن والامتثال لما فيه من أمره ونهيه، والكافر المنكر أقسى منه، ولذا لا يتأثر أصلًا. قال العلماء: وهذا بيان وتمثيل وتصوير لعلو شأن القرآن وقوة تأثير ما فيه من المواعظ، أريد به توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وعدم تخشعه عند تلاوته وقلة تدبره فيه. ويدل على هذا قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ إشارة إلى هذا المثل المذكور هنا وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل؛ أي: هذا القول الغريب في بيان عظمة القرآن ودناءة حال الإنسان وبيان صفتهما العجيبة، وسائر الأمثال الواقعة في القرآن. فإن لفظ المثل حقيقة عرفية في القول السائر، ثم يستعار لكل أمر غريب وصفة عجيبة الشأن، تشبيهًا له بالقول السائر في الغرابة؛ لأنه لا يخلو عن غرابة. ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾؛ أي: نبيّنها لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ويتدبرون فيما يجب عليهم التفكر فيه، ليتعظوا بالمواعظ، وينزجروا بالزواجر. وفيه توبيخ وتقريع للكفار حيث لم يخشعوا للقرآن، ولا اتعظوا بمواعظه، ولا انزجروا بزواجره. أي: نبينها لمصلحة التفكر ومنفعة التذكر. ولا يقتضي كون الفعل معللًا

стр. 13425

بالحكمة والمصلحة أن لكون معللًا بالغرض حتى تكون أفعاله تعالى معللة بالأغراض؛ إذ الغرض من الاحتياج والحكمة: اللطف بالمحتاج، وبينهما فرق. فإن قلت (١): قال في سورة الزمر: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ بصيغة المضي والإخبار عن الماضي مع أنها مكية، وقال هنا: ﴿نَضْرِبُهَا﴾ بصيغة المضارع والاستقبال مع أن السورة مدنية. قلت: لعل الأول من قبيل عد ما سيحقق مما حقق لتحققه بلا خلف، والثاني من قبيل التعبير عن الماضي بالمضارع؛ لإحضار الحال الماضية، أو لإرادة الاستمرار على الأحوال، بمعنى: أن شأننا أن نضرب الأمثال للناس. وفي الحديث: "أعطوا أعينكم حظها من العبادة" قالوا: ما حظها من العبادة يا رسول الله؟ قال: "النظر في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه". وعن ابن عباس ﵄: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب. وعن الحسن البصري ﵀: من لم يكن كلامه حكمة .. فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكرًا .. فهو سهو، ومن لم يكن نظره عبرة .. فهو لهو. وعن أبي سليمان ﵀: الفكرة في الدنيا حجاب عن الآخرة وعقوبة لأهل الولاية، والفكرة في الآخرة تورث الحكمة وتحيي القلب. وكثيرًا ما ينشد سفيان بن عيينة، ويقول: إِذَا الْمَرْءُ كَانَتْ لَهُ فِكْرةٌ ... فَفِي كُلّ شَيْءٍ لَهُ عِبْرَةٌ وعن بعضهم أنه قال: من عجز عن ثمانية .. فعليه بثمانية أخرى لينال فضلها. من أراد فضل صلاة الليل، وهو نائم .. فلا يعص بالنهار، ومن أراد فضل صيام التطوع وهو مفطر .. فليحفظ لسانه عما لا يعنيه، ومن أراد فضل العلماء .. فعليه بالتفكر، ومن أراد فضل المجاهدين والغزاة وهو قاعد في بيته .. فليجاهد الشيطان، ومن أراد فضل الصدقة وهو عاجز .. فليعلم الناس ما سمع من العلم، ومن أراد فضل الحجّ وهو عاجز .. فليلتزم الجمعة، ومن أراد فضل العابدين .. فليصلح بين الناس ولا يوقع العداوة، ومن أراد فضل الأبدال .. فليضع يده على صدره ويرضى لأخيه ما يرضى لنفسه.

стр. 13426

واعلم (١): أن التفكر إما أن يكون في الخالق أو في الخلق: والأول: إما في ذاته، أو في صفاته، أو في أفعاله. أما في ذاته .. فممنوع؛ لأنه لا يعرف الله إلا الله، إلا أن يكون التفكر في ذاته باعتبار عظمته وجلاله وكبريائه، من حيث وجوب الوجود ودوام البقاء، وامتناع الإمكان والفناء، والصمدية التي هي الاستغناء عن الكل. وأما في صفاته: فهو فيها باعتبار كمالها بحيث يحيط علمه بجميع المعلومات، وقدرته بجميع الأشياء، وإرادته بجميع الكائنات وسمعه بجميع المسموعات، وبصره بجميع المبصرات، ونحو ذلك. وأما في أفعاله: فهو فيها بحسب شمولها، وكثرتها، ومتانتها، ووقوعها على الوجه الأتم، كل يوم هو في شأن. والثاني: إما أن يكون فيما كان من العلويات والسفليات، أو فيما سيكون من أهوال يوم القيامة وأحوال الآخرة إلى أبد الآباد. والمعنى: أي وهذه الأمثال التي أودعناها القرآن، وذكرناها في مواضعها التي ضربت لأجلها واقتضاها الحال، من نحو قوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ...﴾ الآية .. جعلناها تبصرة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فمن الناس من وفقه الله واهتدى بها إلى سواء السبيل، وفاز بما يرضي ربه عنه، ومنهم من أعرض عنها وناى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، وأدخله في سقر، وما أدراك ما سقر؟ لا تبقي ولا تذر. وقيل (٢): الخطاب في الآية للنبي ﷺ والمعنى عليه أي: لو أنزلنا هذا القرآن - يا محمد - على جبل لَمَا ثبت، ولتصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له، وقويناك عليه. فيكون على هذا من باب الامتنان على النبي ﷺ ؛ لأن

стр. 13427

الله سبحانه ثبته لما لا تثبت له الجبال الرواسي. ٢٢ - ثم أخبر سبحانه بربوبيته وعظمته، فقال: ﴿هُوَ﴾ ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود بحق في الوجود، هو الإله ﴿الَّذِي لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود بحق في الوجود ﴿إِلَّا هُوَ﴾ سبحانه. وفي هذا تقرير للتوحيد ودفع للشرك. هو سبحانه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: عالم ما غاب عن الإحساس وما حضر. وقيل: عالم السرّ والعلانية، وقيل: عالم ما كان وما سيكون. وقيل: الآخرة والدنيا. وقدم الغيب على الشهادة لكونه متقدمًا وجودًا. وتعلق العلم القديم به من حيث كونه موجودًا. قال الراغب: ما غاب عن حواس الناس وأبصارهم وما شهدوه بهما. واعلم (١): أن ما ورد من إسناد الغيب إلى الله فهو الغيب بالنسبة إلينا، لا بالنسبة إليه تعالى؛ لأنه لا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء، وإذا انتفى الغيب بالنسبة إليه تعالى .. انتفى العلم به أيضًا، وأيضًا لما سقطت جميع الغيب والإضافات في مرتبة الذات البحت والهوية الصرفة .. انتفت النسبة العلمية مطلقًا، فانتفى العلم بالغيب، فافهم. ﴿هُوَ﴾ سبحانه ﴿الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: كثير الرحمة لعباده بجلائل النعم. ﴿الرَّحِيمُ﴾: كثير الرحمة لعباده بدقائق النِّعم. كرر ﴿هوَ﴾ لأن له شأنًا شريفًا، ومقامًا منيفًا؛ لدلالته على التوحيد. من اشتغل به .. ملك، ومن أعرض عنه .. هلك. والله تعالى رحمته الدنيوية عامة لكل إنسي وجني، مؤمنًا كان أو كافرًا، على ما قال ﷺ : "أيها الناس! إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل قادر، يحق فيها الحق ويبطل الباطل، كونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها"، ولذلك يقال: يا رحمن الدنيا؛ لأن ما فيه زيادة حرف يراد به زيادة في المعنى. ورحمته الأخروية خاصة بالمؤمنين، ولذا يقال: يا رحيم الآخرة. فعلى هذا في معنى ﴿الرَّحْمَنُ﴾ زيادة باعتبار المنعم عليه، ونقصان باعتبار الأنواع والأفراد. وفي تخصيص هذين الاسمين المنبئين، عن وفور

стр. 13428

رحمته في الدارين تنبيه على سبق رحمته، وتبشير للعاصين أن لا يقنطوا من رحمة الله، وتنشيط للمطيعين. بأنه يقبل القليل، ويعطي الجزيل. وحظ العبد من اسم الرحمن الرحيم أن يكون كثير الرحمة، بأن يرحم نفسه أولًا ظاهرًا وباطنًا، ثم يرحم غيره بتحصيل مراده وإرشاده والنظر إليه بعين الرحمة، كما قال بعضهم: وَارْحَمْ بُنَيَّ جَمِيْعَ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ ... وَانْظُرْ إِلِيْهِمْ بِعَيْنِ اللُّطْفِ وَالشَّفَقَهْ وَقِّرْ كَبِيْرَهُمُ وَارْحَمْ صَغِيْرَهُمُ ... وَرَاعِ فِيْ كُلِّ خَلْقٍ حَقَّ مَنْ خَلَقَهْ ومعنى الآية (١): أي إنه تعالى لا رب غيره، ولا إله في الوجود سواه، فكل ما يعبد من دونه من شجر أو حجر أو صنم أو ملك .. فهو باطل. وهو يعلم جميع الكائنات الشاهدة لنا والغائبة عنا، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماوات، وهو ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. واعلم (٢): أن لفظ ﴿هُوَ﴾ في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ في أصل وضعه كناية عن المفرد المذكر الغائب، وهي: كناية عن المفردة المؤنثة الغائبة. وكثيرًا ما يكنى به عمن لا يتصور فيه المذكورة والأنوثة، كما هو هاهنا، فإنه راجع إلى الله تعالى للعلم به. ولك أن تقول: هو: موضوع لمفرد ليس فيه تأنيث حقيقة وحكمًا، وهي: لمفرد يكون فيه ذلك. و ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، خبره لفظة ﴿اللَّهُ﴾؛ بمعنى: هو المعبود بالحق، المسمى بهذا الاسم الأعظم، الدال على جلال الذات وكمال الصفات، فلا يلزم أن يتحد المبتدأ أو الخبر بأن يكون التقدير: الله الله؛ إذ لا فائدة فيه. أو ﴿اللَّهُ﴾ بدل من ﴿هُوَ﴾، والموصول مع صلته خبر المبتدأ، أو ﴿هُوَ﴾ إشارة إلى الشأن، و ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبره، والجملة خبر عن ضمير الشأن. و ﴿لَا﴾ في كلمة التوحيد لنفي أفراد الجنس على الشمول والاستغراق. و ﴿إِلَهَ﴾ مبني على الفتح بها، مرفوع المحل على الابتداء، والمراد به: جنس المعبود بالحق، لا مطلق جنس المعبود، حقًا أو باطلًا، وإلا .. فلا يصح في

стр. 13429

نفسه؛ لتعدد الآلهة الباطلة، ولا يفيد التوحيد الحق. و ﴿إِلَّا هُوَ﴾ مرفوع على: البدلية في محل المنفي، أو من ضمير الخبر المقدر لـ ﴿لَا﴾ والخبر قد يقدر: موجود، فيتوهم أن التوحيد يكون باعتبار الوجود لا الإمكان، فإن نفي وجود إله غير الله لا يستلزم نفي إمكانه. وقد يقدر: ممكن، فيتوهم أن إثبات الإمكان لا يقتضي الوقوع، فكم من شيء ممكن لم يقع. وقد يقدر: لنا، فيتوهم أنه لا بد من مقدر، فيعود الكلام أيضًا. والجواب: أنه إذا كان المراد بالإله المعبود بالحق كما ذكر .. فهو لا يكون إلا رب العالمين مستحقًا لعبادة المكلفين، فإذا نفيت الألوهية على هذا المعنى عن غيره تعالى، وأثبتت له سبحانه .. يندفع التوهم على التقادير كلها. ٢٣ - ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كرره للتأكيد والتقرير، ولإبراز الاعتناء بالتوحيد؛ لكونه حقيقًا بذلك. ﴿الْمَلِكُ﴾؛ أي: المتصرف بالأمر والنهي في جميع خلقه، المالك لهم، فهم تحت ملكه وقهره وإرادته. ﴿الْقُدُّوسُ﴾؛ أي: الطاهر عن كل عيب، المنزه عما لا يليق به. وقيل: هو الذي كثرت بركته، أو البليغ في النزاهة عما يوجب نقصانًا ما. وقرأ الجمهور (١): ﴿الْقُدُّوسُ﴾ بضم القاف. وقرأ أبو السمال، وأبو دينار الأعرابي بفتحها. وكان سيبويه يقول: سبوح قدوس بفتح أولهما، وحكى أبو حاتم عن يعقوب، أنه سمع عند الكسائي أعرابيًا فصيحًا يقرأ: القَدوس بفتح القاف. قال ثعلب: كل اسم على فعول .. فهو مفتوح الأول إلا السبوح، القدوس، فإن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان. وقال بعضهم: المفتوح قليل في الصفات كثير في الأسماء، مثل التنور والسمور والسفود وغيرها. ﴿السَّلَامُ﴾؛ أي: الذي سلم من كل النقائص، وكل آفة تلحق الخلق. فإن قلت (٢): على هذا التفسير لا يبقى بين القدوس والسلام فرق، فيكون كالتكرار، وذلك لا يليق بفصاحة القرآن؟. قلت: الفرق بينهما: أن القدوس إشارة إلى براءته عن جميع العيوب

стр. 13430

والنقائص، في الماضي والحاضر، والسلام إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب والنقائص في المستقبل، فإن الذي يطرأ عليه شيء من ذلك تزول سلامته ولا يبقى سليمًا. وقيل: السلام هو المسلم على عباده في الجنة، كما قال: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه، وبه قال الأكثر. وقيل: المسلم لعباده، وهو مصدر وصف به مبالغة. ﴿الْمُؤْمِنُ﴾؛ أي: الذي وهبَ لعباده الأمن من عذابه. وقيل: المصدق لرسله بإظهار المعجزات. وقيل: المصدق للمؤمنين بما وعدهم به من الثواب، والمصدق للكافرين بما أوعدهم به من العذاب .. وقال مجاهد: المؤمن الذي وحد نفسه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وقرأ الجمور (١): ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ بكسر الميم على صيغة اسم الفاعل من آمن؛ بمعنى: أمن. وقرأ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين - وقيل: أبو جعفر المدائني -: بفتحها؛ بمعنى: المؤمن به، على الحذف. وقال أبو حاتم: لا تجوز هذه القراءة؛ لأن معناه: أنه كان خائفًا فأمنه غيره. ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: أي الشهيد على عباده بأعمالهم، الرقيب عليهم الذي لا يغيب عنه شيء. وقيل (٢): هو القائم على خلقه برزقه، وأنشد في معناه: أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيّهِ ... مُهَيْمِنُهُ التَّالِيهِ فِيْ الْعُرْفِ وَالنُّكْرِ يقال: هيمن يهيمن، فهو مهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء. قال الواحدي: وذهب كثير من المفسرين إلى أن أصله: مؤيمن، بوزن مفيعل، من آمن يؤمن، فقلبت همزته هاء، فيكون بمعنى المؤمن. والأول أولى. وقيل: المهيمن اسم من أسماء الله تعالى، هو أعلم بتأويله، وأنشدوا في معناه: جَلَّ الْمُهَيْمِنُ عَنْ صِفَاتِ عَبِيْدِهِ ... وَلَقَدْ تَعَالَى عَنْ عُقُولِ أُوْلِي النُّهَى رَامُوا بِزَعْمِهِمُ صِفَاتِ مَلِيْكِهِمْ ... وَالْوَصْفُ يَعْجَزُ عَنْ مَلِيْكٍ لَا يُرَى ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الذي لا يوجد له نظير، وقيل: القاهر، وقيل: الغالب الذي لا يغالب، وقيل: القوي. ﴿الْجَبَّارُ﴾: قال ابن عباس: الجبار هو العظيم،

стр. 13431

وجبروت الله: عظمته. فعلى هذا (١): هو صفة ذات. وقيل: هو من الجبر، وهو الإصلاح، يقال: جبرت العظم أصلحته بعد الكسر، يعني: الذي يغني الففير ويجبر الكسير. فعلى هذا هو صفة فعل. وهو كذلك، يجبر كل كسير ويغني كل فقير، وقيل: هو الذي يجبر الخلق ويقهرهم على ما أراد. قال الفراء: من أجبره على الأمر .. قهره، قال: ولم أسمع فعالًا من أفعل إلا في جبار من أجبر، ودراك من أدرك. وسئل بعضهم عن معنى الجبّار، فقال: هو القهار الذي إذا أراد أمرًا .. فعله، لا يحجزه عنه حاجز. وقيل: الجبار هو الذي لا ينال ولا يدانى. والجبار في صفة الله تعالى صفة مدح، وفي صفة الناس صفة ذم. وكذلك ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ في صفة الناس صفة ذم؛ لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر والعلو، وذلك نقص في حقه؛ لأنه ليس له كبر وعلو، بل له الحقارة والذلة، فإذا أظهر الكبر .. كان كذابًا في فعله، فكان مذمومًا في حق الناس. وأما المتكبر في صفة الله تعالى .. فهو صفة مدح؛ لأن له جميع صفات العلو والعظمة، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: تنزيهًا له تعالى عما يشركون به أو عن إشراكهم، فكأنه قيل: إن بعض الخلق يتكبر فيكون ذلك نقصًا في حقه، أما الله تعالى .. فله العلو والعظمة والعزة والكبرياء، فإن أظهر ذلك .. كان ضم كمال إلى كمال. قال ابن عباس: المتكبر هو الذي تكبر بربوبيته فلا شيء. وقيل: هو الذي تكبر عن كل سوء. وقيل: هو المتعظم عما لا يليق بجماله وجلاله. وقيل: هو المتكبر عن ظلم عباده. وقيل: الكبر والكبرياء: الامتناع. وقيل: هو ذو الكبرياء. وهو الملك سبحان الله عما يشركون؛ أي: من ادعاء الكبر لأنفسهم. ومعنى الآية (٢): أي هو الله سبحانه، المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة، المنزه عن كل عيب ونقص، الذي أمن خلقه أن يظلمهم، وهو الرقيب عليهم كما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾. والذي عزّ على كل شيء فقهره، وغلب الأشياء بعظمته وجبروته، فلا تليق الجبروتية إلا له ولا التكبر إلا لعظمته، كما ورد في "الصحيح": "العظمة إزاري والكبرياء ردائي. فمن نازعني واحدًا منهما عذّبته". تنزه ربنا عما

стр. 13432

يقوله المشركون من الصاحبة والولد، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. ومعنى ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ ...﴾ إلخ (١): سبحوا الله تسبيحًا، ونزهوه تنزيهًا عما يشركه الكفار به من المخلوقات. فالله تعالى أورده لإظهار كمال كبريانه، أو للتعجب من إثبات الشريك بعدما عاينوا آثار اتصافه بجلال الكبرياء وكمال العظمة. ٢٤ - ﴿هُوَ﴾ ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود بحق في الوجود، كرره اعتناء بشأن التوحيد كما مر. ﴿الْخَالِقُ﴾؛ أي: المقدر (٢) للأشياء على مقتضى حكمته ووفق مشيئته. فإن أصل معنى الخلق: التقدير، يقال: خلق النعل إذا قدرها وسواها بمقياس، وإن شاع في معنى الإيجاد على تقدير واستواء، سواء كان من مادة، كخلق الإنسان من نطفة ونحوه، أو من غير مادة؛ كخلق السماوات والأرض. وخاصية هذا الاسم: أن يذكر في جوف الليل ساعة فما فوقها فيتنور قلب ذاكره ووجهه. ﴿الْبَارِئُ﴾؛ أي: الموجد للأشياء بريئةً من التفاوت، فإن البرء: الإيجاد على وجه يكون الموجد بريئًا من التفاوت والنقصان، عما يقتضيه التقدير على الحكمة البالغة والمصلحة الكاملة. وخاصية هذا الاسم: أن يذكره سبعة أيام متوالية، كل يوم مئة مرة للسلامة من الآفات. قال السهروردي: يفتح لذاكره أبواب الغنى والعز والسلامة من الآفات. ﴿الْمُصَوِّرُ﴾؛ أي: الموجد لصور الأشياء وكيفياتها وأشكالها وألوانها كما أراد، كما يصور الأولاد في الأرحام، بالشكل واللون المخصوص. فإن معنى التصوير: تخصيص الخلق بالصور المتميزة، والأشكال المتعينة، والألوان المتفرقة. قال الراغب: الصورة ما تتميز به الأعيان عن غيرها. وهي: إما محسوسة؛ كصورة الإنسان وألوانه، واما معقولة؛ كالعقل وغيره من المعاني، انتهى. وقوله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته" أي: على صورة آدم؛ أي: على

стр. 13433

الصورة المختصة به، أراد بالصورة: ما خص الإنسان به من الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة، وبها فضله على كثير من خلقه. يقول الفقير: الضمير المجرور في صورته يرجع إلى الله سبحانه لا إلى آدم، والصورة الإلهية عبارة عن الصفات السبع المرتبة، وهي: الحياة والعلم، والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام. وآدم مظهر هذه الصفات بالفعل، بخلاف سائر الموجودات. وإضافته إلى الله على سبيل الملك لا على سبيل البعضية والتشبيه بل على سبيل التشريف له كقوله: بيت الله، وناقة الله وروح الله. وحاصل ما في المقام: أن الخالق هنا المقدر على الحكمة الملائمة لنظام العالم والبارىء الموجد على ذلك التقدير، والمصور المبدع لصور الكائنات وأشكال المحدثات بحيث يترتب عليها خواصهم ويتم بها كمالهم. وبهذا ظهر وجه الترتيب بينها. واستلزام التصورِ البَرءَ، والبرء: الخلق، استلزام الموقوف للموقوف عليه، كما قال الإِمام الغزالي رحمه الله تعالى: قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، وأن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع. ولا ينبغي أن يكون كذلك، بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى التقدير أولًا، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيًا، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثًا. والله خالق من حيث إنه مقدر وبارىء من حيث إنه مخترع موجد، ومصور من حيث إنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب. وهذا كالبناء مثلًا، فإنه محتاج إلى مقدر يقدر ما لا بد منه من الخشب واللبن ومساحة الأرض وعدد الشقق والغرف وطولها وعرضها. وهذا يتولاه المهندس، فيرسمه ويصوره، ثم يحتاج إلى بنّاء يتولى الأعمال التي عندها تحدث وتحصل أصول الأبنية، ثم يحتاج إلى مزيِّن ينقش ظاهره، ويزين صورته، فيتولاه غير البناء. هذه العادة في التقدير والبناء والتصوير، وليس كذلك في أفعال الله تعالى، بل هو المقدر والوجد والمزين، فهو الخالق البارىء المصور. فقدم ذكر (١) الخالق على البارىء؛ لأن الإرادة والتقدير متقدمة على تأثير القدرة، وقدم البارىء على المصور؛ لأن إيجاد الذات متقدم على إيجاد الصفات والألوان. وخاصية الاسم المصور: الإعانة على الصنائع العجيبة وظهور الثمار

стр. 13434

ونحوها، حتى إن العاقر إذا ذكرته في كل يوم إحدى وعشرين مرة على صوم بعدَ الغروب وقبل الإفطار سبعة أيام .. زال عقمها، وتصور الولد في رحمها بإذن الله تعالى. وقرأ عليٌّ وحاطب بن أبي بلتعة، والحسن وابن السميع (١): ﴿المصوَّر﴾ بفتح الواو ونصب الراء، على أنه مفعول به للبارىء، وأراد به جنس المصور؛ أي: الذي برأ المصور؛ أي: ميزه. وروي عن علي: فتح الواو وكسر الراء، على إضافة اسم الفاعل إلى المفعول، ونحو: الضارب الغلام. ﴿لَهُ﴾ ﴿الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: الأسماء الدالة على المعاني الحسنة والصفات الكاملة. و ﴿الْحُسْنَى﴾ صيغة تفضيل؛ لأنها تأنيث الأحسن؛ كالعليا، في تأنيث الأعلى. وتوصيف الأسماء بها للزيادة المطلقة، إذ لا نسبة لأسمائه إلى أسماء الغير، كما لا نسبة لذاته إلى ذوات الغير، وأسماء الله تعالى تسعة وتسعون على ما ورد في الحديث، كما سردها الترمذي في "صحيحه". واعلم: أنه قال العلماء: الاسم هو اللفظ الدال على المعنى بالوضع. والمسمى: هو المعنى الموضع له، والتسمية: وضع اللفظ له أو إطلاقه عليه. وإطلاق الاسم على الله تعالى توقيفي عند البعض، بحيث لا يصح إطلاق شيء منه عليه تعالى إلا بعد أن كان واردًا في القرآن أو الحديث الصحيح. وقال آخرون: كل لفظ دل على معنى يليق بجلال الله وشأنه .. فهو جائز الإطلاق، إلا .. فلا. ومن أدلة الأولين (٢): أن الله عالم بلا مرية، فيقال له: عالم، وعليم، وعلام؛ لوروده في الشرع، ولا يقال له: عارف أو فقيه أو متيقن، إلى غير ذلك مما يفيد معنى العلم. ومن أدلة الآخرين: أن أسماء الله تعالى وصفاته مذكورة بالفارسية والتركية والهندية والأرُمية وغيرها، مع أنها لم ترد في القرآن والحديث ولا في الأخبار، وأن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها عليه بتلك اللغة، ومنها: أن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. والاسم لا يحسن إلا لدلالته على صفات

стр. 13435

الكمال ونعوت الجلال، فكل اسم دل على هذه المعاني .. كان اسمًا حسنًا، وأنه لا فائدة في الألفاظ إلا رعاية المعاني، فإذا كانت المعاني صحيحة .. كان المنع من إطلاق اللفظ المفيد غير لائق به تعالى. والمعنى: أي هو الله الخالق لجميع الأشياء، المبرز لها إلى عالم الوجود على الصفة التي أرادها، كما قال: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. وله الصفات التي وصف بها نفسه، لا يشركه فيها أحد سواه. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾؛ أي: ينزهه من جميع النقائص ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: جميع ما فيهما، إما بلسان المقال أو بلسان الحال. أي: ينطق بتنزهه تعالى تنزهًا ظاهرًا عن جميع النقائص، وقد مر الكلام على هذا التسبيح مرارًا كثيرًا. وجمهور المحققين على أنه تسبيح عبارة، وهو لا ينافي تسبيح الإشارة، وكذا العكس. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب لغيره الذي لا يغالبه مغالب. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في كل ما دبره في الأمور التي يقضي بها، وإنما مدح الله سبحانه نفسه بهذه الصفات العظام تعليمًا لعباده المدح له بصفاته العلى بعد فهم معانيها ومعرفة استحقاقه بذلك، طلبًا لزيادة تقربهم إليه. قال أبو الليث في "تفسيره": فإن قال قائل: قد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فما الحكمة في أن الله تعالى نهى عباده عن مدح أنفسهم ومدح نفسه؟ قيل له: عن هذا السؤال جوابان: أحدهما: أن العبد وإن كان فيه خصال الخير فهو ناقص، وإذا كان ناقصًا .. لا يجوز له أن يمدح نفسه، والله تعالى تام الملك والقدرة فيستوجب بهما المدح، فمدح نفسه ليعلم عباده فيمدحوه. والجواب الآخر: أن العبد وإن كان فيه خصال الخير، فتلك إفضال من الله تعالى وإحسان منه، ولم يكن ذلك بقوة العبد وقدرته؛ فلهذا لا يجوز أن يمدح نفسه، ونظير هذا: أن الله تعالى نهى عباده أن يمنوا على أحد بالمعروف، وقد منّ على عباده للمعنى الذي ذكر في المدح. قال بعض الكبار: تزكية الإنسان لنفسه سم قاتل، وهي من باب شهادة الزور؛

стр. 13436

لجهله بمقامه عند الله، إلا أن يترتب على ذلك مصلحة دينية .. فللإنسان ذلك، كما قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر"، أي: لا أفتخر عليكم بالسيادة، إنما الفخر بالعبودية، والفخر بالذات لا يكون إلا لله وحده، وأما الفخر في عباده .. فإنما للرتب، فيقال: صفة العلم أفضل من صفة الجهل، ونحو ذلك. الإعراب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري التعجبي، ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم، ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد أو على أي مخاطب، مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه: حذف حرف العلة، ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿تَرَ﴾، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما جرى بين المنافقين واليهود. والرؤية هنا نظرية تتعدى بإلى ﴿نَافَقُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿يقُولونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة لبيان المتعجب منه، والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة القول وتجدده. ﴿لِإِخْوَانِهِمُ﴾: متعلق بـ ﴿يقُولونَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة ﴿لِإِخْوَانِهِمُ﴾ وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: حال من ﴿إخوانهم﴾، ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ إلى توده: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ﴾: مقول محكي لـ ﴿يقُولونَ﴾. وإن شئت قلت: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم بصيغة اسم الفاعل؛ أي: مؤذنة وممهدة للقسم؛ لأنها آذنت بأن ما بعدها جواب للقسم لا جواب للشرط ومهدته له. ﴿إنْ﴾ حرف شرط جازم، ﴿أُخْرِجْتُمْ﴾: فعل ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، دل عليه جواب القسم، جريًا على القاعدة المشهورة عندهم من أنه إذا اجتمع شرط وقسم .. فالجواب للمتقدم منهما، وجواب المتأخر محذوف، تقديره: إن أخرجتم .. نخرج معكم. وجملة الشرط مع جوابه معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿لَنَخْرُجَنَّ﴾: ﴿اللام﴾ لام القسم مؤكدة للأولى، ﴿نخرجن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا يعود على المنافقين، تقديره: نحن. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف مضاف متعلق

стр. 13437

بـ ﴿نخرجن﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿نُطِيعُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر يعود على المنافقين، ﴿فِيكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نُطِيعُ﴾ ولكنه على حذف مضاف؛ أي: في خذلانكم. ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به، ﴿أَبَدًا﴾: ظرف للنفي، متعلق بـ ﴿نُطِيعُ﴾ أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿نخرجن﴾ على كونها جواب القسم. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنْ﴾: حرف شرط جازم، ﴿قُوتِلْتُمْ﴾: فعل، ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: ننصركم. وجملة الشرط - أيضًا - معترضة بين القسم المقدر قبلها وجوابه، لا محل لها من الإعراب. ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿ننصرن﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على المنافقين، و ﴿الكاف﴾: مفعول به، والجملة جواب للقسم المقدر قبل ﴿إن﴾ الشرطية، وجملة القسم في محل النصب معطوفة على القسم المذكور قبله على كونه مقولًا لـ ﴿يَقُولونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿الله﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَشْهَدُ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾ لام الابتداء مزحلقة عن محلها، ولأجلها كسرت همزة ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مفعول ﴿يَشْهَدُ﴾؛ لأنه في معنى القول. ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾. ﴿لَئِنْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿أُخْرِجُوا﴾: فعل ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: إن أخرجوا .. لا يخرجون معهم. وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية معترضة بين القسم وجوابه. ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَخرُجُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿مَعَهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا

стр. 13438

محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إنْ﴾ حرف شرط ﴿قُوتِلُوا﴾: فعل ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إن قوتلوا .. لا ينصرونهم. وجملة الشرط معترض. ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَنْصُرُونَهُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول، والجملة جواب القَسم، وجملة القَسم معطوفة على القَسم المذكور قبله. ﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿نَصَرُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: وإن نصروهم .. يولون الأدبار، وجملة الشرط معترضة، ﴿لَيُوَلُّنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿يُوَلُّنَّ﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، ﴿الْأَدْبَارَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم المذكور قبله. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يُنْصَرُونَ﴾: فعل مضارع، ونائب فاعل مرفوع بالنون، معطوف على ﴿يُوَلُّنَّ﴾. ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣)﴾. ﴿لَأَنْتُمْ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿أنتم﴾ مبتدأ، ﴿أشَدُّ﴾: خبره، ﴿رَهْبَةً﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ صفة لرهبة، أو متعلق به، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَشَدُّ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: خبره، والجملة مستأنفة، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿قَوْمٌ﴾: خبره، وجملة ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٌ﴾، وجملة ﴿أنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: ذلك كائن بسبب عدم فقههم لمصالحهم الدينية والدنيوية. ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل ومفعول به، وضمير الفاعل يعود على اليهود، والجملة مستأنفة. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من فاعل ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ أي:

стр. 13439

مجتمعين. ﴿إلا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿فِي قُرًى﴾: متعلق بـ ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، ﴿مُحَصَّنَةٍ﴾: صفة لقرى، ﴿أو﴾ حرف عطف وتفصيل، ﴿مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على قوبه: ﴿فِي قُرًى﴾. ﴿بَأْسُهُمْ﴾: مبتدأ، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿شَدِيدٌ﴾، و ﴿شَدِيدٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حالهم. ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾: فعل مضارع من أخوات ظن، وفاعل مستتر يعود على محمد مثلًا، ومفعول أول، ﴿جَمِيعًا﴾: مفعول ثان، والجملة مستأنفة، ﴿وَقُلُوبُهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿قلوبهم﴾: مبتدأ، ﴿شَتَّى﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال من الهاء في ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: خبر، والجملة مستأنفة، ﴿أنهم﴾: ناصب واسمه، ﴿قَوْمٌ﴾ خبره، وجملة ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: صفة قوم، وجملة ﴿أنّ﴾ في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾، تقديره: ذلك كائن بسبب عدم عقلهم. ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥)﴾. ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: مثلهم كائن كمثل الذين إلخ. والجملة مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾: مضاف إليه ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: صلة ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿قَرِيبًا﴾: ظرف متعلق بالاستقرار المحذوف الذي تعلق به ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ولك أن تعلقه بـ ﴿ذَاقُوا﴾ المذكور بعده. وعلقه الزمخشري بمضاف مقدر في الخبر؛ أي: كوجوه مثل الذين من قبلهم. أي: مثل اليهود من بني النضير فيما وقع لهم من الإجلاء والذل كمثل أهل مكة فيما وقع لهم يوم بدر قريبًا من الهزيمة والقتل والأسر. ﴿ذَاقُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿الَّذِينَ﴾، أو من الضمير المستكن في الصلة. ﴿وَلَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لهم﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾. ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كائن ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾، والجملة مستأنفة ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ولك أن تعلقه بمحذوف على أنه

стр. 13440

حال من ﴿مثل الشيطان﴾ كأنه بيان له. وجملة ﴿قَالَ﴾ في محل الخفض بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليه، ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾: متعلق به، وجملة ﴿اكْفُرْ﴾ مقول لـ ﴿قال﴾، ﴿فَلَمَّا كَفَرَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فكفر، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿كَفَرَ﴾: فعل ماضي، وفاعل مستتر يعود على الإنسان، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿قَالَ﴾: فعل ماضي، وفاعل مستتر يعود على الشيطان، والجملة جواب الشرط لـ ﴿لما﴾. وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾. وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، ﴿مِنْكَ﴾: متعلق بـ ﴿بَرِيءٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَخَافُ اللَّهَ﴾: خبره ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: صفة للجلالة أو بدل منه، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ أيضًا. ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾. ﴿فَكَانَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، ﴿عَاقِبَتَهُمَا﴾: خبرها المقدم؛ أي: عاقبة المناوي والمغوي. ﴿أَنَّهُمَا﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي النَّارِ﴾: خبره، ﴿خَالِدَيْنِ﴾: حال من الضمير المستكن في خبر ﴿أن﴾. أعني: الجار والمجرور. وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مرفوع على أنه اسم كان مؤخر، تقديره: فكان كونهما في النار خالدين فيها عاقبتهما، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿لما﴾. وقرىء ﴿عاقبتُهما﴾ بالرفع على أنه هو الاسم. و ﴿أن﴾ وما في حيزها هو الخبر. ﴿فِيهَا﴾ متعلقان بـ: خالدين ﴿وَذَلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ذلك﴾: مبتدأ، ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾: خبر، ومضاف إليه. والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة أي، وجملة النداء مستأنفة. وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَلْتَنْظُرْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: لام الأمر، ﴿تنظر﴾:

стр. 13441

فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ﴿نَفْسٌ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿تنظر﴾ وجملة ﴿قَدَّمَتْ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما قدمته. ﴿لِغَدٍ﴾: متعلق بـ ﴿قَدَّمَتْ﴾، وأطلق الغد على يوم القيامة تقريبًا له. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على اتقوا الأول. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿خَبِيرٌ﴾: خبره، ﴿بِمَا﴾؛ متعلق بخبير، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة أو المصدرية. وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالتقوى. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَكُونُوا﴾: فعل مضارع ناقص، واسمه مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿كَالَّذِينَ﴾: خبر تكونوا، وجملة النهي معطوفة على جملة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وجملة ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾: صلة الموصول، ﴿فَأَنْسَاهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أنساهم﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾ ومفعول به أول، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾؛ مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، أو مبتدأ ثان، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبر المبتدأ، أو خبر ﴿هُمُ﴾، والجملة خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَسْتَوِي﴾: فعل مضارع، ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ فاعل، ومضاف إليه ﴿وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ معطوفة على ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾. والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، أو مبتدأ ثان، ﴿الْفَائِزُونَ﴾: خبر المبتدأ، أو خبر ﴿هُمُ﴾. والجملة مستأنفة. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿هَذَا﴾: مفعول به، ﴿الْقُرْآنَ﴾: بدل منه، ﴿عَلَى جَبَلٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾، ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية، ﴿رأيته﴾، فعل وفاعل ومفعول، ﴿خَاشِعًا﴾: مفعول ثان أو حال؛ لأن الرؤية تحتمل القلبية والبصرية.

стр. 13442

﴿مُتَصَدِّعًا﴾: نعت لـ ﴿خَاشِعًا﴾ أو حال ثانية ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿مُتَصَدِّعًا﴾، وجملة رأى جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَتِلْكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿تلك﴾: مبتدأ، ﴿الْأَمْثَالُ﴾: بدل، وجملة ﴿نَضْرِبُهَا﴾: خبر، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿نَضْرِبُهَا﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: خبره. وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿اللَّهُ﴾: خبر أول، والجملة مستأنفة، ﴿الَّذِي﴾: نعت للجلالة، ﴿لَا﴾: نافية لجنس الخبر تعمل عمل إن، ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَا﴾ محذوف جوازًا، تقديره: موجود، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة والغيبة، في محل الرفع، بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَا﴾ المحذوف، وجملة إلا من اسمها، وخبرها صلة الذي. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: خبر ثان لـ ﴿هو﴾. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوف على ﴿الْغَيْبِ﴾، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿الرَّحْمَنُ﴾: خبر أول له، ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان به. والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾: خبر، ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. والجملة الابتدائية مستأنفة، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صلة ﴿الَّذِي﴾. ﴿الْمَلِكُ﴾: خبر ثان لـ ﴿هو﴾، ﴿الْقُدُّوسُ﴾: خبر ثالث، ﴿السَّلَامُ﴾: خبر رابع، ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: خبر خامس، ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: خبر سادس، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر سابع، ﴿الْجَبَّارُ﴾: خبر ثامن، ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾: خبر تاسع، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، تقديره: أسبّح الله سبحانًا، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿سُبْحَانَ﴾، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة؛ أي: عن الذي يشركونه به، أو لما المصدرية. أي: عن إشراكهم. ﴿هُوَ اللَّهُ﴾: مبتدأ وخبر،

стр. 13443

والجملة مستأنفة. كرره اعتناءً بالتوحيد، ﴿الْخَالِقُ﴾: خبر ثان لـ ﴿هُوَ﴾ ﴿الْبَارِئُ﴾: خبر ثالث، ﴿الْمُصَوِّرُ﴾: خبر رابع، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿الْأَسْمَاءُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْحُسْنَى﴾: صفة للأسماء. والحسنى ضد السوءى. والجملة مستأنفة. ﴿يُسَبِّحُ﴾: فعل مضارع، ﴿لَهُ﴾ متعلق به، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿في السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوفة على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿هو﴾: مبتدأ، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر أول له، ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾؛ أي: أظهروا غير ما أضمروا، وبالغوا في إخفاء عقائدهم. قال الراغب: النفق: الطريق النافذ، والسرب في الأرض النافذ، ومنه: نافقاء اليربوع، وقد نافق اليربوع، ونفق، ومنه: النفاق، وهو: الدخول في الشرع في باب والخروج عنه من باب نبه على هذا بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون عن الشرع. ﴿لِإِخْوَانِهِمُ﴾: جمع أخ في الذين، أو الصداقة، أو المعاملة. وأما الأخ من النسب فجمعه: إخوة. ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾: و ﴿اللام﴾: فيه موطئة للقسم بصيغة اسم الفاعل المؤنث؛ أي: مؤذنة بأن الجواب بعدها مبني على قسم مقدر قبلها، لا مبني على الشرط المذكور تقديره: والله لئن أخرجتم إلخ. ومن ثم تسمى: اللام المؤذنة، والموطئة، والممهدة؛ لأنها وطأت الجواب للقسم؛ أي: مهدته وهيأته له. ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ﴾: أصله، وإن قاتلوكم، ولما ضم أول الفعل لبنائه للمجهول قلبت الألف واوًا. ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾: أي لنعاوننكم. ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا﴾: الواو فيه مبدلة من ألف فاعل، أصله: قاتلوا. فلما بني الفعل للمجهول وضم أوله قلبت الألف واوًا لمناسبة الضمة. ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾: أصله ليوليونن، بثلاث نونات: الأولى نون الرفع، ثم نون التوكيد الثقيلة التي بمنزلة نونين، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار اللفظ: ليوليون، فالتقى ساكنان، فحذفت الواو، فصار: ليولين، فاستثقلت الضمة على الياء، ثم نقلت إلى ما قبلها، فالتقى ساكنان، فحذفت فصار وزنه: يفعن؛ أي: ليفرن هاربين. ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ والرهبة: مخافة مع تحزن واضطراب،

стр. 13444

وهي هنا مصدر من رهب المبني للمفعول. أي: أشد مرهوبية. وذلك لأن ﴿أَنْتُمْ﴾ خطاب للمسلمين، والخوف ليس واقعًا منهم بل من المنافقين، فالمخاطبون مرهوبون غير خائفين. ﴿إِلَّا فِي قُرًى﴾: جمع قرية، وهي مجتمع الناس للتوطن، وأصله: قري، بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف وصلًا لالتقائها ساكنة بنون التنوين. ﴿مُحَصَّنَةٍ﴾؛ أي: محكمة بالدروب، والأبواب الواسعة، والخنادق، وما أشبه ذلك. أو محفوظة بالسوْر. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾: جمع جدار، وهو كما مر كالحائط إلا أن الحائط يقال اعتبارًا بالإحاطة بالمكان، والجدار يقال اعتبارًا بالنتو والارتفاع، ولذا قيل: حيدر الشجر، إذا خرج ورقه كأنه حمص، وجدر الصبي إذا خرج جدريه، تشبيهًا بجدر الشجر. ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾: جمع شتيت، كمرضى جمع مريض. يقال: ست يشت شتًا، وشتاتًا وشتيتًا: فرق وافترق كانشت وتشتت، وجاؤوا أشتاتًا؛ أي: متفرقين في النظام، والعامة في ﴿شَتَّى﴾ بلا تنوين؛ لأنها ألف تأنيث. ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ ﴿ذَاقُوا﴾ فيه القلب، أصله: ذوقوا، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. قال الراغب: الوبل والوابل: المطر الثقيل القطار، ولمراعاة الثقل قيل للأمر الذي يخاف ضرره: وبال. وطعام وبيل. ﴿أَمْرِهِمْ﴾: والأمر واحد الأمور لا الأوامر. أي: ذاقوا سوء عاقبة كفرهم. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يقال: برىء يبرأ فهو بريء، وأصل البرء والبراءة، والتبري: التقصي مما يكره مجاورته. ﴿لِغَدٍ﴾؛ أي: ليوم القيامة سمي بذلك لقربه، فكل آت قريب، كما قال: وَإِنَّ غَدًا لِنَاظِرِهِ قَرِيْبُ وأصله: غدو، حذفوا الواو بلا عوض، واستشهد عليه بقول لبيد: وَمَا النَّاسُ إلَّا كَالدِّيَارِ وَأَهْلِهَا ... بِهَا يَوْمَ حَلَّوُها وَغَدْوًا بَلاقِعُ إذ جاء به على أصله، والبيت من أبيات العبرة. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: أصل ﴿تَكُونُوا﴾: تكونون، بوزن تفعلون، نقلت حركة الواو إلى الكاف فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مد. ثم حذفت نون الرفع

стр. 13445

للجازم. ﴿كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: أصله: نسيوا، بوزن فعلوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت لما التقت ساكنة بواو الجماعة، وضمت السين لمناسبة الواو. ﴿فَأَنْسَاهُمْ﴾: فيه إعلال بالقلب، أصله: أنسيهم، بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: الألف في ﴿النَّارِ﴾ منقلبة عن واو لتصغيرها على نويرة. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: جمع فائز، وفيه إعلال بالإبدال، أصله: الفاوزون، أبدلت الواو همزة في الوصف حملًا له على الفعل فاز في الإعلال، حيث أعلّ فاز بقلب الواو ألفًا. ﴿عَلَى جَبَلٍ﴾ من الجبال، وهو محركًا كل وتد للأرض عظم وطال، فإن انفرد .. فأكمة وقنة - بضم القاف - قيل: عدد جبال الدنيا ستة آلاف وست مئة وثلاثة وسبعون جبلًا سوى التلال، كما في "زهرة الرياض" ﴿لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا﴾؛ أي: خاضعًا منقادًا متذللًا. قال بعضم: الخشوع: انقياد الباطن للحق، والخضوع: انقياد الظاهر له. وقال بعضهم: الخضوع في البدن، والخشوع في الصوت والبصر. قال الراغب: الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد في الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب. ولذلك قيل فيما روي: إذا ضرع القلب .. خشعت الجوارح. ﴿مُتَصَدِّعًا﴾؛ أي: متشققًا ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: من خوفه أن تعصيه فيعاقبه. والصدع: شق في الأجسام الصلبة، كالزجاج والحديد ونحوها، ومنه استعير الصداع، وهو: الانشقاق في الرأس من الوجع. ﴿الْغَيْبِ﴾: ما غاب عن الحس من العوالم التي لا نراها. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: ما حضر من الأجرام المادية التي نشاهدها. ﴿الْقُدُّوسُ﴾: المنزه عن النقص. قال بعضهم: حقيقة القدس: الاعتلاء عن قبول التغير، ومنه: الأرض المقدسة؛ لأنها لا تتغير بملك الكافر كما يتغير غيرها من الأرضين. وأتبع هذا الاسم اسم الملك لما يعرض للملوك من تغير أحوالهم بالجور والظلم والاعتداء في الأحكام وفيما يترتب عليها. فإن ملكه تعالى لا يعرض له ما يغيره؛ لاستحالة ذلك في وصفه. ﴿السَّلَامُ﴾؛ أي: الذي سلم الخلق من ظلمه، إذ جعلهم على نظم كفيلة برقيهم. ﴿الْمُؤْمِنُ﴾؛ أي؛ واهب الأمن. فكل مخلوق يعيش في أمن، فالطائر في جوه، والحية في وكرها، والسمك في البحر تعيش كذلك، ولا يعيش قوم على الأرض ما
следующие страницы →