وأموالهم أو إظهار الإِسلام.
ومنها: الطباق بين ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ وبين ﴿الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.
ومنها: التشبيه المرسل التمثيلي في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ فالمشبه: هم، أي: رؤوساء المنافقين أو المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ ، ويستندون فيه إلى الجدر، وكان النبي ومن حضر يتعجبون أو هياكلهم المنصوبة. والمشبه به هو: الخشب المنصوبة المسندة إلى الحائط. ووجه الشبه: كون الجانبين أشباحًا خالية عز العلم والنظر، على حدّ قتل حسان ﵁:
لَا بَأْسَ بِالْقَوْمِ مِنْ طُوْلٍ وَمِنْ عِظَمٍ ... جِسْمُ الْبِغَالِ وَأَحْلاَمُ الْعَصَافِيرِ
ومنها: التشبيه التمثيلي أيضًا في قوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: إنهم لجبنهم وهلع نفوسهم واضطراب قلوبهم إذا نادى مناد في المعسكر، أو انفلتت دابة، أو نشدت ضالّة .. وجفت قلوبهم وزايلهم رشدهم، وحسبوا أن هناك شرًا يتربص بهم وكيدًا ينتظر الإيقاع بأرواحهم. وقد رمق الأخطل سماء هذا المعنى، فقال:
مَا زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ ... خَيْلًا تَكِرُّ عَلَيْهِمُ وَرِجَالًا
يقول الأخطل: لا زلت يا جرير تظن كل شيء بعد خذلان قومك خيلًا تكر؛ أي: ترجع بسرعة عليهم لكثرة ما يساورك من الخوف. وغلا المتنبي في هذا المعنى، فقال:
وَضَاقَتِ الأَرْضُ حَتَّى صَارَ هَارِبُهُمْ ... إِذَا رَأَى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلًا
ويمكن أن يقال: إن وجه الشبه هو عزوب أحلامهم وفراغ قلوبهم من الإيمان. ولم يكتف بالتشبيه بالخشب بل جعلها مسندة إلى الحائط لعدم الانتفاع بها؛ لأنها إذا كانت في سقف أو مكان .. ينتفع بها.
ومنها: أسلوب التجريد في قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ كقراءة ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿ومن كفر فأمتعه يا قادر﴾.
ومنها: إيراد اللعنة في صورة الإخبار مع أنه إنشاء معنى في قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ
стр. 13617
اللَّهُ﴾ للدلالة على وقوعه وتحققه.
منها: طباق السلب في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾.
ومنها: القول بالموجب في قوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، لأن حقيقة القول بالموجب: رد الخصم كلام خصمه من فحوى كلامه، فإن موجب قتل المنافقين الآنف ذكره في الآية: إخراج الرسول المنافقين أو المدينة، وقد كان ذلك، ألا ترى أن الله تعالى قال على إثر ذلك: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ومن أمثلته قتل ابن الحجاج
البغدادي:
قُلْتُ ثَقَّلْتُ إِذْ أَتَيْتُ مِرَارًا ... قَالَ ثَقَّلْتَ كَاهِلِيْ بِالأَيَادِي
ومنها: الكناية في قوله: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾؛ لأن الانتقال فيه من ﴿لَا تُلْهِكُمْ﴾ إلى معنى قولنا: لا تلهوا انتقال من اللازم إلى الملزوم.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ لأن المراد بالذكر فرائضه ومأموراته، حب أطلق المسبب وأريد السبب.
ومنها: تقديم المفعول على الفاعل في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ للاهتمام بما تقدم والتشويق إلى ما تأخر.
ومنها: العدول عن قول: من قبل أن يأتيكم الميت إلى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ للإشارة إلى أن الميت يأتيهم واحدًا بعد واحد حتى يحيط بالكل.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 13618
خلاصة ما تضمنته هذه السورة
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - وصف المنافقين وبيان سيء خصالهم من الكذب والأيمان الفاجرة والجبن.
٢ - حث المؤمنين على الطاعة وإنفاق المال قبل انقضاء الأجل.
والله أعلم
* * *
стр. 13619
سورة التغابن
سورة التغابن نزلت بعد التحريم، قال "البيضاوي": سورة التغابن اختلف فيها. وهي (١) مدنية في قول الأكثرين، وقال الضحَّاك: هي مكية، وقال الكلبي: هي مدنية ومكية. وأخرج ابن الضريس، وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس قال: نزلت سورة التغابن بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة التغابن بمكة، إلا آيات من آخرها نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي، شكا إلى رسول الله ﷺ جفاء أهله وولده، نانزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ ...﴾ إلى آخر السورة ثلاث آيات. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار نحوه.
وآيها: ثماني عشرة آية، وكلماتها: مئتان وإحدى وأربعون كلمة، وحروفها: ألف وسبعون حرفًا.
ومناسبتها لما قبلها من ثلاثة أوجه (٢):
١ - أنه في السورة قبلها ذكر حال المنافقين وخاطب بعد ذلك المؤمنين، وهنا قسم الناس قسمين: مؤمنًا وكافرًا.
٢ - نهى هناك عن الاشتغال بالأولاد عن ذِكر الله، وهنا ذكر أن الأموال والأولاد فتنة.
٣ - في السورة السابقة حث على الإنفاق في سبيل الله، وفي ذكر التغابن حث عليه أيضًا.
وقال أبي حيان (٣): مناسبة هذه السورة لما قبلها: أن ما قبلها مشتمل على
стр. 13620
حال المنافقين، وفي آخرها خطاب المؤمنين، فأتبعه بما يناسبه من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. وهذا تقسيم في الإيمان والكفر بالنظر إلى الاكتساب عند جماعة من المتأولين لقوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة"، وقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ انتهى.
الناسخ والمنسوخ فيها: وقال أبي عبد الله، محمد بن حزم: سورة التغابن ليس فيها منسوخ وفيها ناسخ، وهو قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ...﴾ الآية (١٦) نسخ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، لمَّا اشتكى المسلمين من ذلك.
تسميتها: سميت بلفظ التغابن لذِكره فيها.
ومن فضائلها: ما أخرجه البخاري في "تاريخه" عن عبد بن عمرو قال: ما من مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من أول سورة التغابن. ومنها: ما روي عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة التغابن .. دفع عنه موت الفجأة".
والله أعلم
* * *
وأنه صورهم فأحسن صورهم، وأنه يعلى السر والنجوى .. حذر المشركين من كفار مكة على تماديهم في الكفر والجحود بآياته وإنكار رسالة نبيه محمد ﷺ ، وبين لهم عاقبة يحل بهم من العذاب في الدنيا والآخرة، وضرب لهم الأمثال بالأمم المكذبة من قبلهم، فقد كذبوا رسلهم وتمادوا في عنادهم وقالوا: أيرسل الله من البشر رسلًا؟ فحلت بهم نقمة ربهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فأصبحت ديارهم خرابًا يباسًا، كأن لم يغنوا بالأمس، فهلا يكون ذلك عبرة لهم فيثوبوا إلى رشدهم ويرجعوا إلى ربهم لو كانوا من أرباب النهى؟
قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سلف انكار المشركين للألوهية ثم إنكارهم للنبوة بقولهم: أبشر يهدوننا، ثم أعقبه بأنهم سيلقون الوبال والنكال جزاء ما فعلوا .. أردف ذلك بذكر إنكارهم للبعث، ثم إثبات تحققه، وأنه كائن لا محالة، وأن كل أمرىء سيجازى بما فعل يوم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد حين يغبن الكفار في شرائهم؛ لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، ويفوز المؤمنون في تجارتهم بالصفقة الرابحة، لأن الله اشترى منهم أموالهم وأنفسهم بالجنة فضلًا منه ورحمة.
قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) ذكر فيما سلف أن الناس قسمان: كافر بالله مكذب لرسله لا يألو جهدًا في إيصال الأذى بهم، ومؤمن بالله مصدق لرسله، وهو يعمل الصالحات .. أردف ذلك ببيان أن ما يصيب الإنسان من خير وشر فهو بقضاء الله وقدره بحسب النظم التي وضعها في الكون، فعلى الإنسان أن يجد ويعمل ثم لا يبالي بعد ذلك بما يأتي به القضاء؛ لعلمه بأن ما فوق ذلك ليس في طاقته ولو يهوله أمره ولن يحزن عليه. ثم أمر بعد ذلك بطاعة الله وطاعة الرسول، وأبان أن تولي الكافرين عن الرسول لن يضيره شيئًا فإنه قد أدى رسالته، وما على الرسول إلا البلاغ، وأن على المؤمن أن يتوكل على الله وحده، وهو يكفيه شر ما أهمه.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ ...﴾ إلى آخر
стр. 13623
السورة. مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) أمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وذكر أن المؤمن ينبغي له أن يتوكل على الله تعالى ولا يعتمد إلا عليه .. ذكر هذا أن من الأولاد والزوجات أعداء لآبائهم وأزواجهم، يثبطونهم عن الطاعة ويصدونهم عن تلبية الدعوة لما فيه رفعة شأن الدين وإعلاء كلمته، فعليكم أن تحذروهم ولا تتعبوا أهواءهم حتى لا تكونوا إخوان الشياطين يزينون لكم المعاصي، ويصدونكم عن الطاعة. ثم أردف هذا ببيان أن الإنسان مفتون بماله وولده، فإنه ربما عصى الله تعالى بسببهما فغصب المال أو غيره لأجلهما، فعليه أن يتقي الله ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ولينفق ذو سعة من سعته، فمن جاد بماله ووقى نفسه الشحّ .. فهو الفائز بخيري الدنيا والآخرة، ومن أقرض الله سبحانه قرضًا حسنًا .. فالله يضاعف له الحسنة بعشرة أضعافها إلى سبع مئة ضعف، وهو عالم بما يغيب عن الإنسان وما يشاهد له، وهو العزيز الحكيم في تدبير شؤون عباده.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه الترمذي والحاكم، وصححاه عن ابن عباس ﵄، قال: نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ ...﴾ الآية. في قوم من أهل مكة أسلموا فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتوا المدينة، فلما قدموا على رسول الله ﷺ .. رأوا الناس قد فقهوا، فهَمُّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا ...﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التغابن كلها بمكة، إلا هؤلاء الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ...﴾ نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو .. بكوا إليه ووقفوه، فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق ويقيم. فنزلت هذه الآية وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة.
стр. 13624
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿يَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ اشتد على القيم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفًا على المسلمين ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ...﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ سبحانه ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: جميع ما فيهن من الروحانيات ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: وجميع ما فيها من الجسمانيات؛ أي: ينزهه سبحانه جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه وعظمته، تنزيهًا مستمرًا، إما بلسان المقال؛ كأن يقبل: سبحان الله وبحمده، وإما بلسان الحال، وهو: الدلالة على وجوده وقدرته. ﴿لَهُ﴾ لا لغيره ﴿الْمُلْكُ﴾ الدائم الذي لا يزول ولا يحول. والملك: كمال القدرة ونفاذ التصرف. ﴿وَلَهُ﴾ سبحانه لا لغيره ﴿الْحَمْدُ﴾ الحقيقي؛ لأنه الصانع المختار؛ أي (١): له حمد الحامدين، وهو: الثناء بذكر الأوصاف الجميلة والأفعال الجزيلة. وتقديم الجار والمجرور لدلالة على تأكيد الاختصاص، وازاحة للشبهة بالكلية، فإن اللام مشعر بأصل الاختصاص، قدم أو أخّر؛ أي: له الملك وله الحمد لا لغيره، إذ هو المبدىء لكل شيء، وهو القائم به، والمهيمن عليه المتصرف فيه كيف يشاء، وهو المولي لأصول النعم وفروعها، ولولا أنه أنعم بها على عباده لما قدر أحد على أدنى شيء، فالمؤمنون يحمدونه على نعمه، وله الحمد في الأولى والآخرة. وأما ملك غيره فاسترعاء من جنابه، وتسليط منه، وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده، فللبشر ملك وحمد من حيث الصورة لا من حيث الحقيقة.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أراده ﴿قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء عما أراد؛ لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكل سواء، فهو القادر على الإيجاد والإعدام والإسقام والإبراء، والإعزاز والإذلال، والتبييض والتسويد، ونحو ذلك من الأمور الغير المتناهية. قال بعضهم: قدرة الله تصلح للخلق، وقدرة العبد تصلح
стр. 13625
للكسب، فالعبد لا يوصف بالقدرة على الخلق، والحق لا يوصف بالقدرة على الكسب، فمن عرف أنه تعالى قادر .. خشي من سطوات عقوبته عند مخالفته، وأمل لطائف نعمته ورحمته عند سؤال حاجته، لا بوسيلة طاعته بل بكرمه ومنته.
وكرر (١) ﴿مَا﴾ هنا وفي قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ تأكيدًا وتعميمًا للاختلاف، فناسب ذكر ما فيهما؛ لأن تسبيح ما في السماوات مخالف لتسبيح ما في الأرض، كثرة وقلة، ووقوعًا أو حيوان وجماد، وأسرارنا مخالفة لعلانيتنا فناسب ذكر ﴿مَا﴾ فيهما. ولم يكررها في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لعدم اختلاف علمه تعالى، إذ علمه بما تحت الأرض كعلمه بما فوقها، وعلمه بما سيكون كعلمه بما كان، فناسب حذفها فيه.
والمعنى (٢): إن وجود ما في السماوات والأرض قال على تنزيه الله وكماله، وأن هذه المخلوقات مسخرة منقادة له، فهو المتصرف في جميع الكائنات والمحمود على جميع ما يخلق ويقدر؛ لأنه مصدر الخيرات ومفيض البركات، وهو على كل شيء قدير. فما أراد.، كان بلا ممانع ولا مدافع، وما لم يشأ .. لم يكن.
٢ - ثم ذكر بعض مقدوراته تعالى، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾؛ أي: هو الذي أوجدكم كما شاء على ما شاء؛ أي: خلقكم أيها الناس خلقًا بديعًا حاويًا لجميع مبادىء الكمالات العلمية والعملية. ثم قسم هذا المخلوق، فقال: ﴿فَمِنكُمْ﴾؛ أي: فبعضكم، أو فبعض منكم ﴿كَافِرٌ﴾؛ أي: مختار للكفر كاسب به حسبما تقتضيه خلقته. ويندرج فيه المنافق؛ لأنه كافر مضمِر. وكان الواجب عليكم جميعًا أن تكونوا مختارين للإيمان شاكرين لنعمة الخلق والإيجاد وما يتفرع عليها من سائر النعم. ﴿وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: مختار للإيمان كاسب له، ويندرج فيه مرتكب الكبيرة الغير التائب والمبتدع الذي لا تُفضي بدعته إلى الكفر.
وتقديم الكفر (٣) عليه لأنه الأنسب بمقام التوبيخ والأغلب فيما بينهم، ولذا يقبل الله سبحانه في موقف القيامة لآدم: "يا آدم أخرج بعث النار" يعني: ميز أهلها
стр. 13626
المبعوث إليها. قال: وما بعث النار - أي: عدده -؟ قال الله: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون. وفي التنزيل: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. والإيمان أعظم شعب الشكر.
قال في "فتح الرحمن": الكفر فعل الكافر، والإيمان فعل المؤمن، والكفر والإيمان اكتساب العبد؛ لقول النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة" وقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار، وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته. فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان، لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلمه منه، والكافر بعد خلق الله إياه يختار الكفر؛ لأن الله تعالى قدر عليه ذلك وعلمه منه. وهذا طريق أهل السنة، انتهى.
ومعنى قوله: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي (١): فبعضكم مختار للكفر كاسب له على خلاف ما تقتضيه فطرته، وبعضكم مختار للإيمان كاسب له بحسب ما تدعو إليه الفطرة، كما جاء في الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانِه". وقد كانت الأدلة الكونية في الأنفس والآفاق كفيلة أن تردكم إلى الحق، فتختاروا الإيمان شاكرين لنعمة الخلق والإيجاد وما يتبعهما من سائر النعم، ولكنكم ما فعلتم ذلك، بل تفرقتم شيعًا وجحدتم الخالق وكفرتم بأنعمه عليكم بعد أن أفصح الصبح لذي عينين.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مطلقًا ﴿بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم بذلك، فاختاروا منه ما يجديكم من الإيمان والطاعة وإياكم وما يرديكم من الكفر والعصيان؛ أي: وهو البصير بمن هو مستعد للهداية لصفاء نفسه وزكاء روحه، فيعطيه ما هو له أهل، ومن خبثت طويته وفسدت سجيته ودسّ نفسه بكبائر الذنوب والآثام .. سيجزى بما هو به حقيق من العذاب الأليم في جهنم ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾.
٣ - وبعد أن ذكر نعمة خلق الإنسان .. ذكر النعمة الشاملة بخلق العالم كله على أتم ما يكون من الحكمة والعدل، فقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: أبدعهما وأوجدهما حال كون خلقهما متلبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكمة البالغة المتضمنة
стр. 13627
لمنافع الدين والدنيا والمراد: السماوات السبع والأرضون السبع، كما يدل عليه التصريح في بعض المواضع، قال تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾.
فإن قلت (١): ما وجه عدم ذكر العرش والكرسي في أمثال هذا الموضع مع عظم خلقهما؟
قلت: إنهما، وإن كانا من السماء لأن السماء هو الفَلك والفَلك جسم شفاف محيط بالعالم، وهما أوسع الأفلاك إحاطة إلا أن آثارهما غير ظاهرة مكشوفة، بخلاف السماوات والأرض وما بينهما، فإنهما أقرب إلى المخاطبين المكلفين ومعلوم حالها عندهم، ومكشوفة آثارها ومنفعتها؛ ولهذا قالوا: إن الشمس تنضج الفواكه والقمر يلونها والكواكب تعطيها الطعم؛ إلى غير ذلك مما لا يتناهى، على أن التغيرات فيها أظهر، فهي على عظم القدرة أدل. وقد قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، وأكثر هذه الشؤون في عالم الكون والفساد الذي هو عبارة عن السماوات والأرض.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ و ﴿الفاء﴾ للتفسير؛ أي: صوركم أيها الناس أحسن تصوير وخلقكم في أحسن تقويم، حيث أودع فيكم من القوى، والمشاعر الظاهرة والباطنة ما نيط به جميع الكمالات البارزة والكامنة، وزينكم بصفوة صفات مصنوعاته، وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته، وجعلكم أنموذج جميع مخلوقاته في هذه النشأة، فلكم جمال الصورة وأحسن الأشكال، ولذا لا يتمنى الإنسان أن تكون صورته على خلاف ما هو عليه لكون صورته أحسن من سائر الصور ومن حسن صورته: امتداد قامته، وانتصاب خلقته. ولا يقدح في حسنه كون بعض الصور قبيحًا بالنسبة إلى البعض الآخر منهم؛ لأن الحُسْن - وهو: الجمال في الخلق - والخلق على مراتب، فالإنسان يضم روحًا هو من عالم الأرواح وبدنًا هو من عالم الأجسام. وأنشدوا:
وَتَزْعُمُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيْرٌ ... وَفيْكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الأَكْبَرُ
стр. 13628
وقرأ الجمهور: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بضم الصاد. وزيد بن علي والأعمش، وأبو رزين بكسرها، والقياس الضم. والتصوير: التخطيط والتشكيل.
﴿وَإِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى الله ﴿الْمَصِيرُ﴾؛ أي: الرجوع في النشأة الأخرى لا إلى غيره استقلالًا أو اشتراكًا، فأحسنوا سرائركم باستعمال تلك القوى والمشاعر فيما خلقن له، حتى يجازيكم بالإنعام لا بالانتقام، فكم من صورة حسناء تكون في العقبى شوهاء بقبح السريرة والسيرة، وكم من صورة قبيحة تكون حسناء بحسنهما. وقد ثبت أن ضرس الكافر يوم القيامة مثل جبل أحد، وأن غلظ جسده مسافة ثلاثة أيام، وأنه يسوء خلقه فتغلظ شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته. وأن أهل الحنة ضوء وجوههم كضوء القمر ليلة البدر أو على أحسن كوكب دري في السماء، وهم جرْد مرْد مكحولون أبناء ثلاث وثلاثين، فطوبى لأهل اللطافة، وويل لأهل الكثافة.
٤ - ﴿يعلَمُ﴾ سبحانه ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ من الأمور الكلية والجزئية، والأحوال الجلية والخفية، فلا تخفى عليه خافية من أمرها، وهو يدبرها بحسب علمه الواسع وقدرته الشاملة. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.
ثم خص بعض يعلمه عناية بأمره، إذ عليه الثواب والعقاب، فقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ أي: ما تسرونه فيما بينكم وما تظهرونه من الأمور فاجعلوا أعمالكم ظاهرها وباطنها وفق ما يطلبه منكم الدين والشرع لتنالوا الفوز برضوان الله وجميل مثوبته.
والتصريح (١) به مع اندراجه فيما قبله لأنه الذي يدور عليه الجزاء، ففيه تأكيد للوعد والوعيد وتشديد لهما. قال في "برهان القرآن": إنما كرر ﴿مَا﴾ في أول السورة لاختلاف تسبيح أهل الأرض وأهل السماء في الكثرة والقلة والبعد والقرب من المعصية والطاعة، وكذلك اختلاف ﴿مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ فإنهما ضدان، ولم يكرر ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأن الكل بالإضافة إلى علم الله جنس واحد،
стр. 13629
لا يخفى عليه شيء، كما مر لك في أول السورة ذكره.
وقرأ الجمهور (١): ﴿مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بتاء الخطاب وعبيد عن أبي عمرو وأبان عن عاصم بالياء.
ثم علل علمه بما ذكر بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: محيط علمه بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس بحيث لا تفارقها أصلًا، فكيف يخفى عليه ما يسرونه وما يعلنونه؟ لأنه تعالى محيط بجميع ما أضمره المرء في صدره واستكن في قلبه، فلا يخفى عليه ما يسر وما يعلن. وهذه الجملة مقررة لما قبلا من شمول علمه لكل معلوم، وهي تعليلية كما مرّ آنفًا. وإنما قيل لها: ذات الصدور وصاحبتها لملابستها لها وكونها مخزونة فيها. ففي الآية ترق من الأظهر إلى الأخفى؛ لأنه عالم بما في السماوات وما في الأرض وبما يصدر من بني آدم سرًا وعلنًا، وبما لم يصدر بعد بل هو مكنون في الصدور.
وإظهار الجلالة للإشعار بعلية الحكم وتأكيد اسحقلال الجملة قبل، وتقديم القدرة على العلم؛ لأن دلالة المخلوقات على قدرته بالذات وعلى علمه بما فيها من الاتفاق والاختصاص ببعض الجهات الظاهرة، مثل كون السماء في العلو والأرض في السفل، أو الباطنة؛ مثل: أن تكون السماء متحركة والأرض ساكنة إلى غير ذلك.
٥ - ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيها المشركون، و ﴿الهمزة﴾ للاستفهام، و ﴿لَمْ﴾ للجحد، ومعناه: التحقيق والتقرير. ﴿نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: خبر قوم نوح ومن بعدهم من الأمم المصرة على الكفر ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلكم، فيكون متعلقًا بـ ﴿كَفَرُوا﴾ أو من قبل هذا الوقت أو هذا العصيان والمعاداة، فيكون ظرفًا لـ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾. ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ عطف على ﴿كَفَرُوا﴾. والذوق وإن كان في التعارف للقليل لكنه مستصلح للكثير. والوبال: الثقل والشدة المترتبة على أمر من الأمور والعقوبة وأمرهم كفرهم فهو واحد الأمور، عبر عنه بذلك للإيذان بأنه أمر هائل وجناية عظيمة.
стр. 13630
والمعنى (١): فذاقوا في الدنيا من غير مهلة ما يستتبعه كفرهم من الضرر والعقوبة، وأحسوه إحساس الذائق للطعوم. وفي إيراد الذوق رمز إلى أن ذلك المذوق العاجل شيء حقير بالنسبة إلى ما سيصيرون إليه من العذاب الأليم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلم لا يقادر قدره. وفيه إخبار بأن ما أصابهم في الدنيا من الآلام والأوجاع والمصائب لم يكن كفارة لذنوبهم. وإلا .. لم يعذبوا في الآخرة، بخلاف المؤمنين، فإن ما أصابهم في الدنيا من ذلك يكون كفارة لذنوبهم على ما ورد في الأخبار الصحيحة.
ومعنى الآية (٢): ألم يبلغكم أيها المشركون من أهل مكة نبأ الذين كفروا بالرسل من قبلكم؛ كقوم نوح وهود وصالح، وغيرهم من الأمم التي أصرت على الكفر والعناد، كيف حلّ بهم عقاب ربهم وعظيم نقمته، وأرسل عليهم ألوانًا من العذاب لا قِبل لهم بها فمن صاعقة من السماء تجتاحهم إلى رجفة في الأرض تهلكهم إلى صيحة يعم الآذان تبيدهم وتجعلهم كأمس الدابر وتمحوهم من صفحة الوجود إلى طوفان يعم الأرض ويبتلعهم ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وسيكون لهم عظيم النكال والوبال يوم تجزى كل نفس بما كسبت، إن الله سريع الحساب. وفي هذا الأسلوب تعجيب من حالهم، وأنه قد كان لهم في ذلك مدَّكَرٌ لو كانوا يستبصرون، وعبرة لو كانوا يعتبرون.
٦ - ثم بيَّن أسباب ما حل بهم من النقم، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا وما سيذوقون في الآخرة. وهو مبتدأ، خبره ﴿بِأَنَّهُ﴾؛ أي: بسبب أن الشأن ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الظاهرة، والباء إما للملابسة أو للتعدية. ﴿فَقَالُوا﴾: عطف على ﴿كَانَتْ﴾. ﴿أَبَشَرٌ﴾؛ أي: آدمي مثلنا ﴿يَهْدُونَنَا﴾؛ أي: يرشدوننا إلى الله. والاستفهام للإنكار؛ أي (٣): قال كل قوم من المذكورين في حق رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات، منكرين لكون الرسول من جنس البشر متعجبين من ذلك: أبشر وآدمي مثلنا يهدينا ويرشدنا إلى الدين أو إلى الله، والتقرب منه؟! كما قالت ثمود: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾. أنكروا أن يكون الرسول بشرًا، ولم ينكروا أن يكون المعبود حجرًا! وقد أجمل في الحكاية فأسند
стр. 13631
القول إلى جميع الأقوام، وأريد بالبشر الجنس فوصف بالجمع، كما أجمل الخطاب والأمر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ وارتفاع ﴿بشر﴾ عى أنه فاعل فعل مضمر يفسره ما بعده، فيكون من باب الاشتغال، وهو أولى من جعله مبتدأ وما بعده خبرًا؛ لأن أداة الاستفهام تطلب الفعل ظاهرًا أو مضمرًا.
﴿فَكَفَرُوا﴾؛ أي (١): بالرسل بسبب هذا القول؛ لأنهم قالوه استصغارًا لهم، ولم يعلموا الحكمة في اختيار الرسل بشرًا. ﴿وَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: أعرضوا عن التدبر فيما أتوا به من البينات، وعن الإيمان بهم. ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾؛ أي: أظهر استغناءه عن إيمانهم وطاعتهم حيث أهلكهم وقطع دابرهم، ولولا غناه تعالى عنهما .. لما فعل ذلك. وقال سعدي المفتي: هو حال، بتقدير ﴿قد﴾ وهو بمعنى (غني) الثلاثي، وليس استفعل هنا للطلب. والمراد: كمال الغنى، إذ الطلب يلزمه الكمال. وقال مقاتل: ﴿استغنى الله﴾ بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه من المعجزات. وقيل: استغنى بسلطانه عن طاعة عباده.
﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن العالمين فضلًا عن إيمانهم وطاعتهم، ﴿حَمِيدٌ﴾: يحمده كل مخلوق بلسان الحال ويدل على اتصافه بالصفات الكمالية أو يحمده أولياؤه وإنا امتنع أعداؤه. والحمد: هو ذكر أوصاف الكمال من حيث هو كمال. ومن عرف أنه الحميد في ذاته وصفاته وأفعاله .. شغله ذكره والثناء عليه.
والمعنى (٢): إن ما حل بهم من سوء العذاب كان من جراء تكذيبهم بالرسل بعد أن جاؤوهم بالأدلة الواضحة والمعجزات الباهرة. وقالوا: إن من العجب العجاب أن يكون هدينا على يدي بشر منا لا ميزة لهم عنا بعقل راجح ولا بسلطان يتملكون به قيادنا ويجعل لهم بسطة النفوذ علينا، كما قالت ثمود: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾؟! وقد جهلوا أن النبوة رسالة يصطفى بها الله من يشاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
٧ - وبعد أن طال عنادهم وتمادوا في غيّهم .. أهلكهم الله بسلطانه وجبروته وقطع دابرهم واستغنى عن إيمانهم، وهو الغني عن العالمين جميعًا، والغني عن إيمانهم
стр. 13632
وطاعتهم، وهو الحقيق بالحمد على ما أنعم به على عباده من النعم المتظاهرة عليهم ظاهرة وباطنة.
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ والزعم (١): ادعاء العلم، فمعنى أزعمُ زيدًا قائمًا: أقول إنه كذا، ففي تصدير الجملة بقوله: أَزعمُ، إشعار بأنه لا سند للحكم سوى ادعائه إياه وقوله به. ويتعدى إلى مفعولين تعدي العلم وقد قام هنا مقامهما ﴿أنْ﴾ المخففة مع ما في حيزها، فـ ﴿إنْ﴾ مخففة لا ناصبة لئلا يدخل ناصب على مثله، والمراد بالموصول كفار مكة؛ أي: زعم كفار مكة وادعوا أن الشأن لن يبعثوا بعد موتهم أبدأ ولن يقاموا ويخرجوا من قبورهم. وعن شريح: لكل شيء كنية، وكنية الكذب زعموا. وقال بعض المخضرمين لابنه: هب لي من كلامك كلمتين: زعم وسوف، انتهى.
ويكره (٢) للرجل أن يكثر لفظ الزعم وأمثاله، فإنه تحديث بكل ما سمع، وكفى بذلك كذبًا، وإذا أراد أن يتكلم .. تكلم بما هو محقق، لا بما هو مشتبه. وبذلك يتخلص من أن يحدث بكل ما سمع، فيكون معصومًا من الكذب .. كذا في "المقاصد الحسنة".
ثم أمر سبحانه رسوله ﷺ بأن يرد عليهم ويبطل زعمهم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ردًا لهم وإبطالًا لزعمهم بإثبات ما نفوه: ﴿بَلَى﴾؛ أي: تبعثون. فإن ﴿بَلَى﴾ لإيجاب النفي الذي قبله. ﴿وَرَبِّي﴾؛ أي: أقسمت لكم بربي ومالك أمري؛ أي: أقسمت لكم بربي: بلى تبعثون من قبوركم. وظاهر كلام "اللباب" أن يكون ﴿وَرَبِّي﴾ قسمًا متعلقًا بما قبله قد تم الكلام عنده، وحسن الوقف عليه. ويجعل ﴿لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ جواب قسم آخر مقدر مستأنف لتأكيد الأول؛ أي: والله لتبعثن وتخرجن من قبوركم، ثم لتخبرن بما عملتم في الدنيا ثم تجازون عليه في الآخرة لا محالة. و ﴿ثُمَّ﴾ (٣) لتراخي المدة لطول يوم القيامة، أو لتراخي الرتبة. ولعل فائدة الإخبار بالقسم مع أن المشركين ينكرون الرسالة كما ينكرون البعث إبطالٌ لزعمهم بالتشديد والتأكيد؛ ليتأثر من قدر الله له الإنصاف، وتتأكد الحجة على من لم يقدر له وكان محرومًا بالكلية. قال بعضهم: ولعل حكمة اختيار لفظ الرب في القَسم
стр. 13633
هاهنا الإشارة إلى أن في البعث إظهار كمال الربوبية المفيدة لتمام المعرفة وإلى دوام التربية بالنعم الجسمانية الظاهرة والنعم الروحانية الباطنة. وقوله: ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ مع ما بعده جملة مستقلة داخلة تحت الأمر، واردة لتأكيد ما أفادته كلمة ﴿بَلَى﴾ من إثبات البعث، ولبيان تحقق أمر آخر متفرع عليه منوط به، ففيه تأكيد البعث بوجهين؛ أي: قل لهم: والله لتبعثن ثم لتخبرن باعمالكم وتحاسبون عليها وتجزون بها. وأصل ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ لتبعثونن، حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال وواو الجماعة لالتقاء الساكنين، كما سيأتي بسطه في مباحث الصرف.
﴿وَذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من البعث والجزاء ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿يَسِيرٌ﴾؛ أي: سهل لتحقق القدرة التامة وقَبول المادة. والمعنى؛ أي: ادعى المشركون أن لا بعث ولا حساب ولا جزاء، فقالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. فأمر الله رسولَه بالرد عليهم وابطال زعمهم بقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي ...﴾ إلخ؛ أي: قل لهم: إن البعث كائن لا محالة وإنكم، وربي الذي برأ الخلق وأنشأهم من العدم، ستحاسبن علي أعمالكم وتجزون على الكثير والقليل والنقير والقطمير، وذلك هين على الله يسير.
٨ - وبعد أن أبان لهم أدلة التوحيد والنبوة بما لا مجال معه للإنكار .. طالبهم بالإيمان بهما، فقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ و ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الأمر هكذا، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: يا أهل مكة صدقوا بالله الباعث من القبور المجازي على كل عمل ظاهر أو مستور، وبرسوله محمد ﷺ الذي أخبر عن شؤون الله تعالى وصفاته. ولم يقل: وباليوم الآخر على ما هو المناسب لقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلخ، اكتفاء بقوله: ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ فإنه مشتمل على البعث والحساب. اهـ. "شيخنا". ﴿و﴾ آمنوا بـ ﴿النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ على رسولنا محمد ﷺ ، وهو القرآن الهادي لكم إلى سواء السبيل إذا تراكمت ظلمات الشبهات، والمنقذ لكم من الضلالة إذا أحاطت بكم الخطيئات. سمي نورًا لأنه بإعجازه بين بنفسه أنه حق نازل من عند الله تعالى، مبين لغيره ومظهر للحلال والحرام، كما أن النور كذلك. والالتفات إلى نون العظمة لإبراز كمال العناية.
ثم توعدهم على ما يأتون وما يذرون، فقال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الامتثال
стр. 13634
بالأمر وعدمه ﴿خَبِيرٌ﴾ فمجازيكم عليه، فلا تخفى عليه أعمالكم، وسيحاسبكم على ما كسبن أيديكم من خير أو اكتسبت من شر، فراقبوه وخافوا شديد عقابه.
٩ - والظرف (١) في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ قاله النحاس. وقال غيره: العامل فيه ﴿خَبِيرٌ﴾. وقيل: العامل فيه محذوف، تقديره: اذكر. وقال أبو البقاء: العامل فيه ما دل عليه الكلام؛ أي: تتفاوتون يوم يجمعكم.
وقرأ الجمهور: ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ بفتح الياء وضم العين. وروي عن أبي عمرو إسكانها، ولا وجه لذلك إلا التخفيف وإن لم يكن هذا موضعًا له. وقرأ زيد بن علي، والشعبي، ويعقوب، ونصر، وابن أبي إسحاق، والجحدري ﴿نجمعكم﴾ بالنون.
و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ بمعنى في الظرفية، أو بمعنى اللام التعليلية؛ أي: واذكروا يوم يجمعكم الله سبحانه في يوم الجمع، وهو يوم القيامة، يجمع فيه الأولون والآخرون، من الجن والإنس، وأهل السماء وأهل الأرض. أو يجمع فيه الأولين والآخرين لأجل ما فيه من الحساب والجزاء.
﴿ذَلِكَ﴾ اليوم ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾؛ أي (٢): يوم ظهور غبن كل كافر بترك الإيمان وغبن كل مؤمن بتقصيره في الطاعات. وفي الحديث: "ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء؛ ليزداد شكرًا، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن، ليزداد حسرة". أو المعنى (٣): يوم يغبن فيه أهل الجنة أهل النار بأخذهم منازلهم التي كانت لهم في الجنة لو آمنوا، وبغبن فيه من ارتفعت منزلته في الجنة من كان دون منزلته، فيظهر في ذلك اليوم غبن كل كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان. والتغابن: تفاعل، من الغبن، وهو: أن تخسر صاحبك في معاملة بينك وبينه، بضرب من الإخفاء والتدليس. والتغابن: أن يغبن بعضهم بعضًا، ويوم القيامة يوم غبن بعض الناس بعضًا، بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء، وبالعكس. وفيه تهكم؛ لأن نزول الأشقياء منازل السعداء من النار لو كانوا أشقياء ليس غبنًا.
стр. 13635
وتخصيص (١) التغابن بذلك اليوم للإيذان بأن التغابن في الحقيقة هو التغابن فيما يتعلق بأمور الآخرة لا فيما يتعلق بأمور الدنيا. فـ اللام فيه للعهد الذي يشار به عند عدم المعهود الخارجي إلى الفرد الكامل؛ أي: ذلك يوم التغابن الكامل العظيم الذي لا تغابن فوقه.
والمعنى (٢): وتذكروا يوم يجمع الأولين والآخرين للحساب والجزاء في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر؛ لتجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم، إن الله سريع الحساب. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ فالكافرون قد اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فخسرت صفقتهم ولم يربحوا فيها، والمؤمنون باعوا أنفسهم بالجنة فربحت صفقتهم وما كانوا خاسرين.
والخلاصة: أنه لا غبن أعظم من أن قومًا ينعمون وقومًا يعذبون، وأن قومًا مغبونون في الدنيا أصبحوا في الآخرة غابنين لمن غبنوهم فيها.
ثم بيّن هذا التغابن وفصله بقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ بالصدق والإخلاص بحسب نور استعداده ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ أي: عملًا صالحًا بمقتضى إيمانه، فإن العمل إنما يكون بقدر الإيمان، وهو: أي العمل الصالح - ما يبتغى به وجه الله فرضًا أو نفلًا. ﴿يُكَفِّرْ﴾؛ أي: يغفر الله ويمح ﴿عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ يوم القيامة، فلا يفضحه بها. ﴿وَيُدْخِلْهُ﴾ بفضله وكرمه لا بالإيجاب ﴿جَنَّاتٍ﴾ وبساتين على حسب درجات أعماله ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت قصورها أو أشجارها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة الجارية في الجنة، حال كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات. حال من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾. وَحَّدَ أولًا حملًا على لفظ ﴿من﴾ ثم جمع حملًا على معناه. ﴿أَبَدًا﴾ ظرف متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، وهو تأكيد للخلود. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من تكفير السيئات وإدخال الجنات ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي لا فوز وراءه؛ لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات، والظفر بأجل الطيبات، فيكون أعلى حالًا من الفوز الكبير؛ لأنه يكون بجلب المنافع، كما في سورة البروج.
وفي "فتح الرحمن": قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ إلى قوله: ﴿أَبَدًا﴾
стр. 13636
ذكر مثل ما هنا في سورة الطلاق، لكن زاد هنا: ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾؛ لأن ما هنا تقدمه ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ الآيات، وأخبر فيها عن الكفار سيئات تحتاج إلى تكفير، فناب ذكر ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ بخلاف ما في الطلاق لم يتقدمه شيء من ذلك.
وقرأ الجمهور ﴿يُكَفِّرْ﴾ ﴿وَيُدْخِلْهُ﴾ بالتحتية. وقرأ نافع، وابن عامر، والأعرج، وشيبة، وأبو جعفر وطلحة، والمفضل عن عاصم، وزيد بن علي، والحسن بخلاف عنه: ﴿نكفر﴾ و ﴿ندخله﴾ بالنون فيهما.
والمعنى (١): ومن يصدق بالله ويعمل بطاعته وينته إلى أمره ونهيه .. يمح عنه ذنوبه ويدخله جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار لابثين فيها أبدًا، لا يموتون ولا يخرجون منها، وذلك هو الفوز الذي لا فوز بعده؛ لانطوائه على النجاة من أعظم المهالك وأجل المخاطر.
١٠ - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ تصريح بما علم التزامًا. والمراد بالآيات: إما القرآن أو المعجزات، فإن كلًّا منهما آية لصدق الرسول. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: أهل النار، إما بمعنى مصاحبوها لخلودهم فيها، أو مالكوها تنزيلًا لهم منزلة الملاك للتهكم. حال كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: أبدًا، بقرينة المقابلة ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجع. والمخصوص بالذم: النار، كأن هاتين الآيتين الكريمتين بيان لكيفية التغابن، وإنما قلنا: (كأن) لأن الواو يمانع الحمل على البيان كما عرف في فن المعاني، إذ لو كان للبيان .. لقال: من يؤمن بالله؛ أو فمن يؤمن بالله؛ أي: والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا بأدلته وآي كتابه الذي أنزله على عبده محمد ﷺ أولئك أصحاب النار خالدين فيها أبدًا، وبئس النار مصيرًا لهم.
١١ - ﴿مَا﴾ نافية (٢) ولذا زاد ﴿مِن﴾ المؤكدة. ﴿أَصَابَ﴾ الخلق ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ وبلية وشدة من المصائب الدنيوية في الأبدان والأولاد والأموال ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ . استثناء مفرغ منصوب المحل على الحال؛ أي: ما أصابت مصيبة متلبسة بشيء من الأشياء إلا حالة كونها متلبسة بإذن الله تعالى؛ أي: بتقديره وإرادته كأنها
стр. 13637
بذاتها متوجهة إلى الإنسان متوقفة على إذنه تعالى أن تصيبه.
وهذا لا يعارض قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ أي: بسبب معاصيكم، ويتجاوز عن كثير منها ولا يعاقب عليها. أما أولًا: فلأن هذا القول في حق المجرمين، فكم من مصيبة تصيب من أصابته لأمر آخر من كثرة الأجر للصبر وتكفير السيئات لتوفية الأجر، إلى غير ذلك، وما أصاب المؤمنين فمن هذا القبيل. وأما ثانيًا: فلأن ما أصاب من ساء بسوء فعله فهو لم يصب إلا بإذن الله وإرادته أيضًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: إيجادًا وإيصالًا، فسبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.
والمعنى: أي ما أصاب كل أحد مصيبة من المصائب إلا بإذن الله تعالى؛ أي: بقضائه وقدره. قال الفراء: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر الله. وقيل: إلا بعلم الله.
قيل: سبب نزولها: أن الكفار قالوا (١): لو كان ما عليه المسلمون حقًا لصانهم الله عن المصائب في أموالهم وأبدانهم في الدنيا. فبين الله سبحانه أن ذلك إنما يصيبهم بتقديره ومشيئته، وفي إصابتها حكمة لا يعرفها إلا هو:
منها: تحصيل اليقين بأن ليس شيء من الأمر في أيديهم، فيبرؤون بذلك من حولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته.
ومنها: ما سبق آنفًا من تكفير ذنوبهم وتكثير مثوباتهم بالصبر عليها والرضا بقضاء الله تعالى إلى غير ذلك.
ولو لم يصب الأنبياء والأولياء عن الدنيا وما يطرأ على الأجسام من الآلام والأوجاع .. لافتتن الخلق بما ظهر على أيديهم من المعجزات والكرامات.
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يصدق به، ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله. والاكتفاء بالإيمان بالله لأنه الأصل ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾؛ أي: يوفق قلبه عند إصابتها للثبات والاسترجاع، فيثبت ولا يضطرب بأن يقول قولًا ويظهر وصفًا يدل على التضجر من قضاء الله وعدم الرضا به، ويسترجع ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. ومن عرف
стр. 13638
الله واعتقد أنه رب العالمين .. يرضى بقضائه ويصبر على بلائه، فإن التربية كما تكون بما يلائم الطبع تكون بما يتنفّر عنه الطبع. وقيل: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾؛ أي: يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأ لم يكن ليصيبه، فيرضى بقضائه ويسلم لحكمه. وقيل: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾؛ أي: يلطف به ويشرحه لازدياد الطاعة والخير.
وفي "فتح الرحمن": إن قلت: كيف قال ذلك مع أن الهداية سابقة على الإيمان؟
قلت: ليس المراد يهد قلبه للإيمان، بل المراد: يهد لليقين عند نزول المصائب، فيعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه. أو يهد للرضى والتسليم عند وجود المصائب، أو للاسترجاع عند نزولها؛ بأن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون .. انتهى.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَهْدِ﴾ بفتح الياء وكسر الدال، مضارعًا لهدى، مجزومًا على جواب الشرط؛ أي: يهده الله. وقرأ قتادة، والسلمي، والضحاك، وأبو جعفر، وأبو عبد الرحمن: ﴿يُهْدَ﴾ بضم الياء وفتح الدال مبنيًا للمفعول، ﴿قَلْبُه﴾ بالرفع، وقرأ ابن جبير، وطلحة بن مصرف، وابن هرمز، والأزرق عن حمزة: ﴿نَهْدِ قَلْبَه﴾ بالنصب. وقرأ عكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن دينار: ﴿يَهدأ﴾ بهمزة ساكنة، ﴿قَلْبُه﴾ بالرفع؛ أي: يطمئن قلبه ويسكن بإيمانه ولا يكون فيه اضطراب. وقرأ عمرو بن فائد: ﴿يَهْدَا﴾ بألف بدلًا من الهمزة الساكنة. وقرأ عكرمة، ومالك بن دينار أيضًا: ﴿يَهْدَ﴾ بحذف الألف بعد إبدالها من الهمزة الساكنة، وإبدال الهمزة ألفًا في مثل: يهدأ، ويقرأ ليس بقياس، خلافًا لمن أجاز ذلك قياسًا، وبني عليه جواز حذف تلك الألف للجازم تشبيهًا بألف يخشى إذا دخل الجازم عليه. وقرىء: ﴿يَهِدَّ﴾ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، ورفع ﴿قلبُه﴾ أيضًا بمعنى: يهتد، كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾. فجملة القراءات في ﴿يَهْدِ﴾ سبع، المختار منها قراءة الجمهور.
стр. 13639
وقال أبو بكر الوراق: ومن يؤمن بالله عند الشدة والبلاء فيعلم أنها من عدل الله .. يهد قلبه إلى حقائق الرضى وزوائد اليقين. وقال أبو عثمان: ومن صحح إيمانه بالله .. يهد قلبه لاتباع سنن نبيه ﷺ . وعلامة صحة الإيمان: المداومة على السنن وملازمة الاتباع وترك الأهواء والآراء المضلة.
﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها: القلوب وأحوالها، كتسليم من انْقاد لأمره وكراهة من كرهه، وكآفاتها من العجب والريا مثلًا وخلوصها. ﴿عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه خافية من ذلك، فيعلم إيمان المؤمن وخلوصه ويهد قلبه إلى ما ذُكر.
والمعنى: والله عليم بالأشياء كلها، فهو عليم بالقلوب وأحوالها ومطلع على سرها ونجواها، فاحذروه وراقبوه في السرّ والعلن، كما جاء في الأثر: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
١٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ إطاعة العبد لمولاه فيما يأمره وينهاه. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ إطاعة الأمة لنبيها فيما يؤديه عن الله؛ أي: هونوا المصائب على أنفسكم ولا تشغلنكم عن الاشتغال بطاعته والعمل بكتابه، وعن الاشتغال بطاعة الرسول واتباع سننه، وليكن جل همتكم في السراء والضراء العمل بما شرع لكم.
وكرر (١) الأمر بالإطاعة للتأكيد والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية وتوضيح مورد التولي في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: أعرضتم عن إطاعة الرسول ﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا﴾ محمد ﷺ ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: التبليغ البيّن. والجملة الاسمية تعليل للجواب المحذوف؛ أي: فإن توليتم .. فلا بأس ولا مؤاخذة عليه بإعراضكم إذ ما عليه إلا التبليغ المبين، وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه، وإظهار الرسول مضافًا إلى نون العظمة في مقام إضماره لتشريفه ﷺ والإشعار بمدار الحلم الذي هو كون وظيفته ﷺ محض البلاغ لا الإجبار على الإيمان، ولزيادة تشنيع التولي عنه.
стр. 13640
والمعنى: وأطيعوا الله فيما شرع، وأطيعوا رسوله فيما بلغ، وافعلوا ما به أمر، واتركوا ما عنه نهى، وزجر، فإن أعرضتم عن ذلك .. فإنما عليه أداء ما حمل من الرسالة، وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة، وهو قد أدى ما عليه ولا يكلف شيئًا بعد ذلك.
١٣ - ثم أرشد إلى التوحيد والتوكل، فقال: ﴿اللَّهُ﴾ ، مبتدأ خبره جملة قوله: ﴿لَا إِلَهَ﴾ في الوجود ﴿إِلَّا هُوَ﴾ سبحانه؛ أي: الله سبحانه هو المستحق للمعبودية لا غيره، وهو القادر على الهداية والضلالة، لا شريك له في الإرشاد والإضلال، وليس بيد الرسول شيء من ذلك. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ خاصة دون غيره لا استقلالًا ولا اشتراكًا ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في تثبيت قلوبهم على الإيمان والصبر على المصائب.
والمعنى: وحدوا الله، وأخلصوا له العمل، وتوكلوا عليه. والآية كالخاتمة والفذلكة لما تقدم. وإظهار (١) الجلالة في موضع الإضمار للإشعار بعلية التوكل، والأمر به، فإن الألوهية مقتضية للتبتل إليه تعالى بالكلية وقطع التعلق عما سواه بالمرة. وفي الآية حث لرسول الله ﷺ وللمؤمنين على الثبات على التوكل والازدياد فيه حتى ينصرهم على المكذبين وعلى من تولى عن الطاعة وقَبول أحكام الدين.
واعلم: أن التوكل من المقامات العالية، وهو إظهار العجز وترك الاعتماد على الغير. وفي "الحدائق": التوكل هو: الثقة بما عند الله، واليأس مما في أيدي الناس. وظاهر الأمر وجوب التوكل مع أنه غير موجود في أكثر الناس، فيلزم أن يكونوا عاصين. ولعل المأمور به هو التوكل العقلي، وهو: أن يعتقد العبد أنه ما من مراد من مراداته الدنيوية والأخروية إلا وهو يحصل من الله، فيثق به في حصوله ويرجو منه، وإن كانت النفس تلتفت إلى الغير وتتوقع منه، نظرًا إلى اعتقاد سببيته والله مسبب الأسباب. وأما التوكل الطبيعي الذي لا يكون ثقة صاحبه طبعًا إلا بالله وحده، ولا اعتماده إلا عليه في جميع مقاصده مع قطع النظر عن الأغيار كلها رأسًا .. فهو عسير، قلما يوجد إلا في الأنبياء والكمل من الأولياء.
стр. 13641
١٤ - ولما قال تعالى (١): ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ثم أمر بطاعة الله وطاعة رسوله حذر مما يلحق الرجل من امرأته وولده بسبب ما يصدر من بعضهم من العداوة .. ولا أعدى على الرجل من زوجته وولده إذا كانا عدوين. وذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا .. فبإذهاب ماله وعرضه، وأما في الآخرة: فبما يسعى في اكتسابه من الحرام لهما، وبما يكسبانه منه بسبب جاهه. وكم من امرأة قتلت زوجها وأفسدت عقله، وكم من ولد قتل أباه، وفي التواريخ وفيما شاهدناه من ذلك كثير .. فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إيمانًا خالصًا ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ جمع زوج يعم الحليل والحليلة، كما سيأتي عن "اللباب". لكن المراد هنا: الزوجة، بقرينة سبب النزول كما مر. ﴿وَأَوْلَادِكُمْ﴾ جمع ولد يعم الابن والبنت ﴿عَدُوًّا لَكُمْ﴾ يشغلونكم عن طاعة الله تعالى، وإن لم يكن لهم عداوة ظاهرة، فإن العدو لا يكون عدوًا بذاته وإنما يكون عدوًا بفعله. فإذا فعل الزوج والولد فِعل العدو .. كان عدوًا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد والطاعة، ويدخل في ذلك سبب النزول دخولًا أوليًا، وهو: أن رجالًا من مكة أسلموا وأرادوا أن يهاجروا فلم يدعهم أزواجهم ولا أولادهم، فأمر الله سبحانه بأن يحذروهم فلا يطيعوهم في شيء مما يريدونه منهم مما فيه مخالفة لما يريده الله تعالى، أو يخاصمونكم (٢) في أمور الدين أو الدنيا، وأشد المكر ما يكون في الدين، فإن ضرره أشد من ضرر ما يكون في الدنيا. وجاء في الخبر: "ليس عدوك الذي لقيته فقتلته وآجرك الله على قتله، ولكن أعدى عدوك: نفسك التي بين جنبيك، وامرأتك التي تضاجعك على فراشك، وولدك من صلبك". وقدم الأزواج على الأولاد؛ لأنها مصادر الأولاد ولكونها محل الشهوات وألصق بقلوب الناس وأشد إشغالًا لهم عن العبودية، ولذا قدمها الله سبحانه في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
وفي "اللباب": إن قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يدخل فيه الذَّكر، فكما أن الرجل تكون زوجته وولده عدوًا له .. كذلك المرأة يكون زوجها عدوًا لها بهذا المعنى، فيكون الخطاب هنا عامًا على التغليب، ويحتمل أن يكون الدخول باعتبار الحكم لا باعتبار الخطاب. انتهى.
стр. 13642
وأفادت ﴿مِنْ﴾ التبعيضية في قوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ إلخ، أن منها ما ليس بعدُ، كما قال النبي ﷺ : "الدنيا كلها متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة"، وقال ﷺ : "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمرها .. أطاعته، وإن نظر إليها .. سرته، وإن أقسم عليها .. أبرّته، وإن غاب عنها .. نصحته في نفسها وماله". فإذا كانت المرأة على هذه الأوصاف فهي ميمونة مباركة. وإلا .. فهي مشؤومة منحوسة.
والضمير في قوله (١): ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ يعود إلى العدو أو إلى الأزواج والأولاد لكن لا على العموم بل إلى المتصفين بالعداوة منهم، إنما جاز جمع الضمير على الوجه الأول؛ لأن العدو يطلق على الواحد والاثنين والجماعة. والحذر (٢) الاحتراز عن المخيف؛ أي: احفظوا أنفسكم من محبتهم وشدة التعلق والاحتجاب بهم، ولا تؤثروا حقوقهم على حقوق الله تعالى. وفي الحديث: "إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم أسخياءكم، وأمركم شورى بينكم - أي: ذا تشاور لا ينفرد أحد برأي دون صاحبه - فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم .. فبطن الأرض خير لكم من ظهرها". وفي الحديث: "شاوروهن وخالفوهن" (٣).
والمعنى (٤): يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله! إن من أزواجكم وأولادكم أعداء لكم، يحولون بينكم وبين الطاعات التي تقربكم من ربكم والأعمال الصالحة التي تنفعكم في آخرتكم، وربما حملوكم على السعي في اكتساب الحرام واكتساب الآثام لمنفعة أنفسهم. وروي: أن النبي ﷺ قال: "يأتي زمان على أمتي يكون فيه هلاك الرجل على يد زوجه وولده، يعيرانه بالفقر، فيركب مراكب السوء فيهلك". ومن الناس من يحمله حبهم، والشفقة عليهم ليكونوا في عيش رغد في حياته وبعد مماته، فيرتكب المحظورات لتحصيل ما يكون سببًا لذلك، وإن لم يطالبوه، فيهلك.
стр. 13643
ومن المفسرين من حمل العداوة على العداوة الدنيوية، وقالوا: إن الزوجات والأولاد ربما آذوا أزواجهم وآباءهم، وجرعوهم الغصص والآلام، وربما جرّ ذلك إلى وضع السم في الدسم أو إلى قتلهم، وفي المشاهد أكبر عبرة لمن اعتبر.
والخلاصة (١): أنه إما أن يراد بالعداوة العداوة الأخروية، فإن الأزواج والأولاد ربما أضرّوا بأزواجهم وآبائهم فيها إذا منعوهم عن عمل الخير لها، وإما أن يراد العداوة في الدنيا، فتكون عداوة حقيقية بينهم لها آثارها الدنيوية.
ثم أرشدهم إلى التجاوز عن بعض هناتهم فقال: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾ عن ذنوبهم القابلة للعفو؛ بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا أو بأمور الدين، لكن مقارنة للتوبة. ﴿وَتَصْفَحُوا﴾؛ أي: تعرضوا عنها بترك التثريب والتعيير. يقال: صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه والتثريب عليه. ﴿وَتَغْفِرُوا﴾ بإخفائها وتمهيد عذرها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: بليغ المغفرة والرحمة لكم ولهم، يعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضل عليكم.
قيل: كان رجل ثبطه أزواجه وأولاده عن الهجرة، لما رأى الناس قد سبقوه إليها وفقهوا في الدين .. هم أن يعاقب أزواجه وأولاده، فأنزل الله ﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾ الآية، والآية تعم وإن كان السبب خاصًا.
وحكي أن الحطيئة - شاعر مشهور - أراد سفرًا، فقال لامرأته:
عُدِّي السِّنِيّنَ لِغَيْبَتِي وَتَصَبَّرِيْ ... وَذَرِي الشُّهُورَ فَإِنَّهُنَ قِصَارُ
فأجابته:
وَاذْكُرْ صَبَابَتَنَا إِلَيْكَ وَشَوْقَنَا ... وَارْحَمْ بَنَاتِكَ إِنَّهُن صِغَارُ
والمعنى: أي وإن تعفوا عن ذنوبهم التي ارتكبوها بترك المعاقبة، وتصفحوا بالإعراض عنها وترك التثريب عليها، وتغفروا بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها .. فهو خير لكم، فإن الله رحيم بكم وبهم، ويعاملكم بمثل ما عاملتم ويتفضل عليكم.
١٥ - ثم أخبر سبحانه بان الأموال والأولاد فتنة، فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: بلاء واختبار ومحنة، يحملونكم على كسب الحرام ومنع حق الله، فلا تطيعوهم في معصية الله.
стр. 13644
والمعنى: إنما حبكم لأموالكم وأولادكم ابتلاء واختبار، إذ كثيرًا ما يترتب على ذلك الوقوع في الآثام وارتكاب كبير المحظورات. وقدمت الأموال على الأولاد لأنها أعظم فتنة، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾.
أخرج أحمد، والطبراني، والحاكم، والترمذي عن كعب بن عياض قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال". ولم يذكر ﴿مِنْ﴾ في ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما. وترك ذكر الأزواج في الفتنة - قال البقاعي -: لأن منهن من يكن صلاحًا وعونًا على الآخرة.
وجيء (١) بـ ﴿إِنَّمَا﴾ للحصر؛ لأن جميع الأموال والأولاد فتنة؛ لأنه لا يرجع إلى مال أو ولد إلا وهو مشتمل على فتنة واشتغال قلب. وتأخير الأولاد من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الأولاد ألصق بالقلوب من الأموال لكونهم من أجزاء الآباء بخلاف الأموال؛ فإنها من توابع الوجود وملحقاته.
﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لمن آثر محبته وطاعته على محبة الأموال والأولاد والتدبير في مصالحهم وعلى طاعتهم، فلا تباشروا المعاصي بسبب الأولاد، ولا تؤاثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم، زهدهم في الدنيا بذكر عيبها، ورغبهم في الآخرة بذكر نعيمها.
وعن ابن مسعود ﵁: لا يقولن أحدكم: اللهم اعصمني من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال وولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن.
روي: أن أول ما يتعلق بالرجل يوم القيامة أهله وأولاده، فيوقفونه بين يدي الله تعالى ويقولون: يا ربنا! خذ بحقنا منه، فإنه ما علمنا ما نجهل، وكان يطعمنا الحرام، ونحن لا نعلم، فيقضى لهم منه، وتأخذ عياله حسناته، فلا يبقى له حسنة.
وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات وهو: دود يقع في الطعام والثوب
стр. 13645
وغيوهما. ومن ثم ترك كثير من السلف المال، والأهل رأسًا، وأعرضوا عنها بالكلية؛ لأن كل شيء يشغل عن الله فهو مشؤوم على صاحبه.
١٦ - ثم أمرهم سبحانه بالتقوى والطاعة، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾؛ أي: ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم؛ أي: ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم، و ﴿الفاء﴾ فيه للإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا علمتم ما ذكرت لكم وانتصحتم به .. فأقول لكم: اتقوا ما يكون سببًا لمؤاخذة الله إياكم من تدبير أمورهما، ولا ترتكبوا ما يخالف أمره تعالى من فعل أو ترك. وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لما اشتد عليهم بأن قاموا حتى ورمت أقدامهم وتقرحت جباههم، فنزلت تيسيرًا لعباد الله. وممن قال بالنسخ: قتادة، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد. وعن ابن عباس: أنها آية محكمة لا ناسخ فيها. ولعله ﵁ جمع بين الآيتين بأن يقول هنا وهنالك: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، واجتهدوا في الإنصاف به بقدر طاقتكم، فإنه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
والمعنى: ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم. إذا أمرتكم بأمر .. فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه.
﴿وَاسْمَعُوا﴾ مواعظه ﴿وَأَطِيعُوا﴾ أوامره ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ مما رزقكم في الوجوه التي أمركم بالإنفاق فيها خالصًا لوجهه. وعن ابن عباس ﵄: أن المراد إنفاق الزكاة، والظاهر (١) العموم، وهو مندرح في الإطاعة. ولعل إفراده بالذِّكر لِما أن الاحتياج إليه كان أشد حينئذٍ، وأن المال شقيق الروح ومحبوب النفس، ومن ذلك قدم الأموال على الأولاد في جميع المواضع. وقال مقاتل: ﴿وَاسْمَعُوا﴾؛ أي: أصغوا إلى ما ينزل عليكم. ﴿وَأَطِيعُوا﴾ لرسوله فيما يأمركم وينهاكم. وقيل: معنى ﴿أسمعوا﴾ اقبلوا ما تسمعون؛ لأنه لا فائدة في مجرد السماع. ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير ولا تبخلوا بها. ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ خبر لـ ﴿يكن﴾ المقدر جوابًا للأوامر المذكورة؛ أي: يكن ما ذُكر من السمع والطاعة، والإنفاق خيرًا لأنفسكم. أو مفعول لفعل محذوف؛ أي: ائتوا وافعلوا
стр. 13646
خيرًا لأنفسكم واقصدوا ما هو أنفع لها. وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر، وبيان لكون الأمور المذكورة خيرًا لأنفسهم من الأموال والأولاد، وما هم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا.
والمعنى: ﴿وَاسْمَعُوا ...﴾ إلخ؛ أي: كونوا منقادين لما يأمركم الله ورسوله به، ولا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا ترتكبوا ما نهيتم عنه، وابذلوا مما رزقكم الله على الفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وفي الوجوه التي يكون فيها صلاح الأمة والملة وسعادة الدين والدنيا، يكن ذلك خيرًا لأنفسكم من الأموال والأولاد. وهذا حث على البذل، وبيان أن الامتثال خير لا محالة.
ثم زاد في الحث على الإنفاف، فقال: ﴿وَمَن يُوقَ﴾ ويعصم ﴿شُحَّ نَفْسِهِ﴾؛ أي: بُخْلَ نفسه عن الإنفاق؛ أي: ومن يقه الله سبحانه ويعصمه من بخل نفسه الذي هو الرذيلة المعجونة في طينة النفس. وهو مضارع مجهول مجزوم الآخر بـ ﴿من﴾ الشرطية من الوقاية المتعدية إلى مفعولين. و ﴿شُحَّ﴾ مفعول ثان له باق على النصب والأول: الضمير القائم مقام الفاعل. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الموقون شح النفس ﴿هُمُ﴾ لا غيرهم ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: الفائزون بكل خير.
والمعنى (١): ومن يبتعد عن البخل والحرص على المال .. يكن من الفائزين بكل ما يرجو وقيل كل ما يبغي في دينه ودنياه، فيكون محببًا إلى الناس قرير العين برضاهم عنه وحنوهم عليه، سعيدًا في الآخرة بالقرب من ربه ومحبته ورضوانه ودخول جنانه.
١٧ - ثم بالغ في الحث على الإنفاف أيضًا، فقال: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ بصرف أموالكم إلى المصارف التي عينها. وذِكرُ القرض تلطفّ في الاستدعاء. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أي (٢): قرضًا مقرونًا بالإخلاص وطيب النفس. والقرض في العرف: أن يعطي أحدًا شيئًا من ماله ليرد بدله، وإقراض الله مثل لتقديم العمل الذي يطلب ثوابه من الله. و ﴿قَرْضًا﴾ إن كان بمعنى إقراضًا .. كان نصبه على المصدرية وإن كان بمعنى مقرضًا من النفقة .. كان مفعولًا ثانيًا لـ ﴿تُقْرِضُوا﴾ لأن
стр. 13647
الإقراض يتعدى إلى مفعولين، ففي التعبير عن الإنفاق بالإقراض وجعله متعلقًا بالله الغني مطلقًا، والتعبير عن النفقة بالقرض إشارة إلى حسن قَبول الله ورضاه، وإلى عدم الضياع، وبشارة باستحقاق المنفق ببركة إنفاقه لتمام الاستحقاق. ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ من المضاعفة، بمعنى التضعيف؛ أي: التكثير، فليس المفاعلة هنا للاشتراك؛ أي: إن تصرفوا أموالكم في سبيل الله ووجوه الخير بإخلاص نية وطيب نفس .. يجعل لكم أجره مضاعفًا، ويكتب بالواحد عشرة، أو سبعين، أو سبع مئة، أو أكثر بمقتضى مشيئته على حسب النيات والأوقات والمحال. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ببركة الإنفاق ما فرط منكم من بعض الذنوب؛ أي: يضم لكم إلى تلك المضاعفة غفران ذنوبكم.
ثم بيّن علة المضاعفة ورغب في النفقة، فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿شَكُورٌ﴾ يعطي الكثير بمقابلة اليسير من الطاعة، أو يجازي العبد على الشكر. وهو الاعتراف بالنعمة على سبيل الخضوع، فسمى جزاء الشكر شكرًا، أو الله شكور، بمعنى: أنه كثير الثناء على عبده، بذكر أفعاله الحسنة وطاعته، فالشكر: الثناء على المحسن بذِكر إحسانه. ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل بالعقوبة مع كثرة ذنوبكم بالبخل والإمساك ونحوهما، فيحلم حتى يظن الجاهل أنه ليس يعلم، ويستر حتى يتوهم الغافل أنه ليس يبصر. قال الإمام الغزالي ﵀: الحليم: هو الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر، ثم لا يتسفزه غضب ولا يعتريه غيظة، ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام - مع غاية الاقتدار - عجلةٌ وطيش، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.
١٨ - ثم ذكر ما يزيد في الترغيب في النفقة أيضًا، فقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ خبر بعد خبر؛ أي: عالم ما غاب عنا وما شوهد لنا، لا تخفى عليه من خافية. وقد سبق الكلام عليه في أواخر سورة الحشر. ولعل تقديم الغيب على الشهادة، لأن عالمَ الغيب أعمّ والعِلم به أتم. وهو ﴿الْعَزِيز﴾؛ أي: الغالب القاهر الذي لا يغالب، ولا يمانع من تنفيذ مراده. ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ أي: ذو الحكمة البالغة في تدبير أمور خلقه.
والمعنى: هو العليم بما غاب عنكم وبما تشهدونه، فكل ما تعملون فهو محفوظ لديه في أمّ الكتاب، لا يعزب عنه مثقال ذرة، وسيثيبكم عليه ويجازيكم به أحسن الجزاء، وهو ذو العزّة والقدرة، النافذ الإرادة، الحكيم في تدبير خلقه على
стр. 13648
ما يعلم من المصلحة.
الإعراب
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾.
﴿يسبح﴾ فعل مضارع، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق به، أو (اللام) زائدة في المفعول، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صلة لـ (ما) الموصولة، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿الْمُلْكُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب حال من لفظ الجلالة في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾: معطوف على ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾. ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، و ﴿قَدِيرٌ﴾ خبر ﴿هو﴾. والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، وجملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾ صلة الموصول. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿فَمِنْكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، (منكم) خبر مقدم، و ﴿كافر﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة، أعني، ﴿خَلَقَكُمْ﴾، أو على الجملة الاسمية، أعني قوله: ﴿هُوَ الَّذِي﴾. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ ...﴾ إلخ ظاهر تقديرهم أنه معطوف على الصلة، ولا يضره عدم العائد؛ لأن المعطوف بالفاء يكفيه وجود العائد في إحدى الجملتين. أو تقول: هي معطوفة على جملة ﴿هُوَ الَّذِى ...﴾ إلخ. اهـ "شهاب". قال الخطيب: والتقدير: هو الذي خلقكم ثم وصفكم فقال: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. وقوله: ﴿وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾: معطوف على قوله: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿بما﴾: متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ (ما)، و ﴿بصير﴾: خبر عن الجلالة. والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على
стр. 13649
﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من فاعل ﴿خَلَقَ﴾ أو من ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، و ﴿الباء﴾: للملابسة. ﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾: معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، ﴿فَأَحْسَنَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أحسن صوركم﴾ فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿صوَّركم﴾ عطفًا تفسيريًا، ﴿وإليه﴾: خبر مقدم، ﴿المَصِيرُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على قوله: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾.
﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾.
﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿الله﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿والأرض﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَيَعْلَمُ مَا﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وجملة ﴿تُسِرُّونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: معطوف على ﴿مَا تُسِرُّونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ متعلق بـ ﴿عَلِيم﴾ والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥)﴾.
﴿أَلَمْ﴾: (الهمزة): للاستفهام التقريري التوبيخي، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿يأتكم﴾: فعل ومفعول به مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ﴿نَبَأُ﴾: فاعل، ﴿الَّذِينَ﴾: مضاف إليه، والجملة ممستأنفة، ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾، أو حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿فَذَاقُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ذاقوا﴾ فعل، وفاعل معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿ذاقوا﴾ عطف تفسير.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿بِأَنَّهُ﴾: خبر، والجملة مستأنفة؛ أي: ذلك كائن بسبب أنه كانت ... إلخ. ﴿أَنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانَتْ﴾: فعل ناقص واسمها ضمير يعود
стр. 13650
على ﴿الرسل﴾، ﴿تَأْتِيهِمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به ﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعل ﴿تَأْتِيهِمْ﴾، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿تَأْتِيهِمْ﴾، وجملة ﴿تَأْتِيهِمْ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر (أنّ)، وجملة (أن) في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: ذلك كائن بسبب إتيان رسلهم إياهم، بالبينات ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾. ﴿فَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كانت﴾، ﴿أَبَشَرٌ﴾: (الهمزة): للاستفهام الإنكاري، (بشر) مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة دخول الاستفهام عليه، وجوزوا أن يكون مرفوعًا على الفاعلية بفعل محذوف يفسره ما بعده، فتكون المسألة من باب الاشتغال، والتقدير: أيهدينا بشر؟ وجملة ﴿يَهْدُونَنَا﴾ في محل الرفع خبر على الوجه الأول، ولا محل لها من الإعراب على الوجه الثاني؛ لأنها مفسرة. وجملة الاستفهام في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿فَكَفَرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قالوا﴾، ﴿وَتَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كفروا﴾ ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تولوا﴾. ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ، ﴿غَنِيٌّ﴾ خبر أول، ﴿حَمِيدٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾.
﴿زَعَمَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: أنه. ﴿لَنْ﴾: حرف نصب، ﴿يُبْعَثُوا﴾: فعل ونائب فاعل منصوب بـ ﴿لن﴾، والجملة في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾ المخففة، وجملة ﴿أَن﴾ المخففة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿زَعَمَ﴾؛ أي: زعم الذين كفروا عدم بعثهم من القبور. ﴿قُل﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿بلى﴾: حرف جواب لإثبات النفي، قائم مقام الجواب، تقديره: قل: بلى تبعثون، وجملة الجواب المحذوف في محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿وَرَبِّي﴾: (الواو): حرف جر وقسم، (ربي): مجرور بواو القسم، ومضاف إلى الياء، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا، تقديره: أقسم بربي. ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾: (اللام): موطئة للقسم، (تبعثن)؛ فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين، نائب فاعل. والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة
стр. 13651
القسم في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ، (اللام): موطئة للقسم، (تنبؤن): فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع بثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، و ﴿الواو﴾: نائب فاعل، والجملة معطوفة على (تبعثن)، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ (تنبؤن)، وجملة ﴿عَمِلْتُمْ﴾ صلة الموصول، ﴿وَذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرٌ﴾، و ﴿يَسِيرٌ﴾: خبر (ذلك)، والجملة مستأنفة.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾.
﴿فَآمِنُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الأمر كذلك وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: آمنوا. ﴿آمنوا﴾: فعل أمر، وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ (آمنوا)، ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَالنُّورِ﴾: معطوف على الجلالة أيضًا، ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿النُّورِ﴾ وجملة ﴿أَنْزَلْنَا﴾: صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: والنور الذي أنزلناه. و ﴿الله﴾: مبتدأ، ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾، ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر عن الجلالة، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾.
﴿يَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، أو بمحذوف دل عليه سياق الكلام؛ أي: تتفاوتون يوم يجمعكم. أو مفعول به لفعل محذوف تقديره: اذكروا يوم. وجملة ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾: متعلق بـ ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يُؤْمِنْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بِاللهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنْ﴾، ﴿وَيَعْمَلْ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُؤْمِنْ﴾، ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، أو نعت لمصدر محذوف؛ أي: عملًا صالحًا. ﴿يُكَفِّرْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ﴿عَنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿يُكَفِّرْ﴾، ﴿سَيِّئَاتِهِ﴾: مفعول به،
стр. 13652
وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَيُدْخِلْهُ﴾ فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿يُكَفِّرْ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به ثان على السعة، ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾ ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل والجملة نعت لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من ضمير ﴿يدخله﴾. وجمعه نظرًا لمعنى (من). ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿أَبَدًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿الْفَوْزُ﴾: خبره، ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة لـ ﴿الْفَوْزُ﴾، والجملة مستأنفة.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ أول وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿وَكَذَّبُوا﴾: معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: خبره، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره خبر عن الأول، وجملة الأول معطوفة على ما قبلها. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من أصحاب النار، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: هي؛ أي: النار.
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾.
﴿مَا﴾: نافية، ﴿أَصَابَ﴾: فعل ماض، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿مُصِيبَةٍ﴾: فاعل، ومفعول أصاب محذوف، تقديره: ما أصابت مصيبة أحدًا من الناس. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَصَابَ﴾، والجملة مستأنفة مسوقة للرد على الكفار الذين قالوا: لو كان المسلمون على حق لصانهم الله من المصائب في الدنيا. ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يُؤْمِنْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنْ﴾، ﴿يَهْدِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ﴿قَلْبَهُ﴾: مفعول به، والجملة الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَآ أَصابَ﴾. ﴿اللَّهِ﴾: مبتدأ، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، و ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر عن الجلالة،
стр. 13653
والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾.
﴿وَأَطِيعُوا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة الشرط، أو مستأنفة. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ما قبله. ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استننافية، ﴿إنْ﴾: حرف شرط، ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف تقديره: فلا بأس على رسولنا. وجملة الشرط مع جوابه مستأنفة، ﴿فَإِنَّمَا﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿إنما﴾: أداة حصر، ﴿عَلَى رَسُولِنَا﴾: خبر مقدم، ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة للبلاغ، والجملة الاسمية جملة تعليلية للجواب المحذوف، لا محل لها من الإعراب.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: خبر عن الجلالة، والجملة الاسمية مستأنفة، وقد تقدم لك إعراب الكلمة المشرفة في غير ما موضع. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: ﴿الواو﴾: زائدة، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يتوكل﴾، ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: لام الأمر، ﴿يتوكل﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: فاعل والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: منادى نكرة مقصودة، والجملة مستأنفة، ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿أيُّ﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿إنَّ﴾ حرف نصب، ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿وَأَوْلَادِكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَزْوَاجِكُمْ﴾، ﴿عَدُوًّا﴾: اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخر، ﴿لكم﴾: صفة لـ ﴿عَدُوًّا﴾ أو متعلق به، وجملة ﴿إنَّ﴾ جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ذلك وأردتم بيان اللازم لكم .. فأقول لكم: احذروهم. ﴿احذروا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة
стр. 13654
مستأنفة. ﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿تَعْفُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف النون، و ﴿الواو﴾ فاعل. ﴿وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾: معطوفان على ﴿تَعْفُوا﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: خبران له، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿أَمْوَالُكُمْ﴾: مبتدأ أول، ﴿وَأَوْلَادُكُمْ﴾ معطوفة. ﴿فِتْنَةٌ﴾: خبر ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿أَجْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ﴿أجر﴾، والجملة في محل الرفع خبر عن الجلالة، وجملة الجلالة مستأنفة. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، وتقديره: إذا علمتم أنه تعالى جعل أموالكم وأولادكم فتنة لكم شاغلة عن الآخرة، وأردتم بيان النصيحة لكم .. فأقول لكم: اتقوا الله. ﴿فَاتَّقُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ﴿مَا﴾: مصدرية ﴿اسْتَطَعْتُمْ﴾: فعل، وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، وجملة ﴿ما﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: فاتقوا الله استطاعتكم وجهدكم، ولكنه على تقدير مضاف. أي: بقدر استطاعتكم. ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا﴾: معطوفات على ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾، ﴿خَيْرًا﴾: خبر لـ ﴿يكن﴾ المحذوفة، المجزوم بالطلب السابق، تقديره: يكن ذلك الإنفاق خيرًا لأنفسكم، كما قاله أبو عبيد أو مفعول به لفعل محذوف تقديره: وأتوا خيرًا لأنفسكم. كقوله: ﴿انتهوا خيرًا لكم﴾ كما قاله سيبويه. أو نعت لمصدر محذوف؛ أي: إنفاقًا خيرًا، كما قاله الكسائي والفراء. أو منصوب على الحال، كما قاله الكوفيون. أو منصوب بأنفقوا؛ أي: أنفقوا مالًا خيرًا، وقوله: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾. ﴿وَمَنْ يُوقَ﴾:
стр. 13655
﴿الواو﴾: استئنافية ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يُوقَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ونائب فاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿شح﴾: مفعول به ثان لـ ﴿يوق﴾ ﴿نَفْسِهِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب الشرط وجوبًا، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، أو مبتدأ ثان، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر المبتدأ، أو خبر لـ ﴿هم﴾، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾.
﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿تُقْرِضُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، و ﴿الواو﴾: فاعل، ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به، ﴿قَرْضًا﴾: مفعول مطلق، ﴿حَسَنًا﴾: صفة ﴿قَرْضًا﴾، ﴿يُضَاعِفْهُ﴾: فعل مضارع، ومفعول به مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يضاعف﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَيَغْفِرْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿يضاعف﴾: مجزوم على أنه جواب الشرط، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿وَاللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿اللَّهَ﴾: مبتدأ، ﴿شَكُورٌ﴾: خبر أول، ﴿حَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو عالم الغيب، و ﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوف عليه، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها أيضًا، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ثان لذلك المحذوف، ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثالث له. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ والملك - بضم الميم - هو: الاستيلاء والتمكن من التصرف في كل شيء على حسب ما أراده في الأزل. قال الرازي: المُلك: تمام القدرة واستحكامها، يقال: ملِك بين المُلك بالضم، ومالك بين المِلك بالكسر. ﴿هُوَ الَّذِي