القسم في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ، (اللام): موطئة للقسم، (تنبؤن): فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع بثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، و ﴿الواو﴾: نائب فاعل، والجملة معطوفة على (تبعثن)، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ (تنبؤن)، وجملة ﴿عَمِلْتُمْ﴾ صلة الموصول، ﴿وَذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرٌ﴾، و ﴿يَسِيرٌ﴾: خبر (ذلك)، والجملة مستأنفة.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾.
﴿فَآمِنُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الأمر كذلك وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: آمنوا. ﴿آمنوا﴾: فعل أمر، وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ (آمنوا)، ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَالنُّورِ﴾: معطوف على الجلالة أيضًا، ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿النُّورِ﴾ وجملة ﴿أَنْزَلْنَا﴾: صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: والنور الذي أنزلناه. و ﴿الله﴾: مبتدأ، ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾، ﴿خَبِيرٌ﴾: خبر عن الجلالة، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾.
﴿يَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، أو بمحذوف دل عليه سياق الكلام؛ أي: تتفاوتون يوم يجمعكم. أو مفعول به لفعل محذوف تقديره: اذكروا يوم. وجملة ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾: متعلق بـ ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يُؤْمِنْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بِاللهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنْ﴾، ﴿وَيَعْمَلْ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُؤْمِنْ﴾، ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، أو نعت لمصدر محذوف؛ أي: عملًا صالحًا. ﴿يُكَفِّرْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ﴿عَنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿يُكَفِّرْ﴾، ﴿سَيِّئَاتِهِ﴾: مفعول به،
стр. 13652
وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَيُدْخِلْهُ﴾ فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على ﴿يُكَفِّرْ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به ثان على السعة، ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾ ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل والجملة نعت لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من ضمير ﴿يدخله﴾. وجمعه نظرًا لمعنى (من). ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿أَبَدًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿الْفَوْزُ﴾: خبره، ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة لـ ﴿الْفَوْزُ﴾، والجملة مستأنفة.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ أول وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿وَكَذَّبُوا﴾: معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: خبره، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره خبر عن الأول، وجملة الأول معطوفة على ما قبلها. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من أصحاب النار، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: هي؛ أي: النار.
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾.
﴿مَا﴾: نافية، ﴿أَصَابَ﴾: فعل ماض، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿مُصِيبَةٍ﴾: فاعل، ومفعول أصاب محذوف، تقديره: ما أصابت مصيبة أحدًا من الناس. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَصَابَ﴾، والجملة مستأنفة مسوقة للرد على الكفار الذين قالوا: لو كان المسلمون على حق لصانهم الله من المصائب في الدنيا. ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يُؤْمِنْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنْ﴾، ﴿يَهْدِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ﴿قَلْبَهُ﴾: مفعول به، والجملة الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَآ أَصابَ﴾. ﴿اللَّهِ﴾: مبتدأ، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، و ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر عن الجلالة،
стр. 13653
والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾.
﴿وَأَطِيعُوا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة الشرط، أو مستأنفة. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ما قبله. ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استننافية، ﴿إنْ﴾: حرف شرط، ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف تقديره: فلا بأس على رسولنا. وجملة الشرط مع جوابه مستأنفة، ﴿فَإِنَّمَا﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿إنما﴾: أداة حصر، ﴿عَلَى رَسُولِنَا﴾: خبر مقدم، ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة للبلاغ، والجملة الاسمية جملة تعليلية للجواب المحذوف، لا محل لها من الإعراب.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: خبر عن الجلالة، والجملة الاسمية مستأنفة، وقد تقدم لك إعراب الكلمة المشرفة في غير ما موضع. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: ﴿الواو﴾: زائدة، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يتوكل﴾، ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: لام الأمر، ﴿يتوكل﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: فاعل والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: منادى نكرة مقصودة، والجملة مستأنفة، ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿أيُّ﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿إنَّ﴾ حرف نصب، ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿وَأَوْلَادِكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَزْوَاجِكُمْ﴾، ﴿عَدُوًّا﴾: اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخر، ﴿لكم﴾: صفة لـ ﴿عَدُوًّا﴾ أو متعلق به، وجملة ﴿إنَّ﴾ جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ذلك وأردتم بيان اللازم لكم .. فأقول لكم: احذروهم. ﴿احذروا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة
стр. 13654
مستأنفة. ﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿تَعْفُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف النون، و ﴿الواو﴾ فاعل. ﴿وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾: معطوفان على ﴿تَعْفُوا﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: خبران له، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿أَمْوَالُكُمْ﴾: مبتدأ أول، ﴿وَأَوْلَادُكُمْ﴾ معطوفة. ﴿فِتْنَةٌ﴾: خبر ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿أَجْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ﴿أجر﴾، والجملة في محل الرفع خبر عن الجلالة، وجملة الجلالة مستأنفة. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، وتقديره: إذا علمتم أنه تعالى جعل أموالكم وأولادكم فتنة لكم شاغلة عن الآخرة، وأردتم بيان النصيحة لكم .. فأقول لكم: اتقوا الله. ﴿فَاتَّقُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ﴿مَا﴾: مصدرية ﴿اسْتَطَعْتُمْ﴾: فعل، وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، وجملة ﴿ما﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: فاتقوا الله استطاعتكم وجهدكم، ولكنه على تقدير مضاف. أي: بقدر استطاعتكم. ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا﴾: معطوفات على ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾، ﴿خَيْرًا﴾: خبر لـ ﴿يكن﴾ المحذوفة، المجزوم بالطلب السابق، تقديره: يكن ذلك الإنفاق خيرًا لأنفسكم، كما قاله أبو عبيد أو مفعول به لفعل محذوف تقديره: وأتوا خيرًا لأنفسكم. كقوله: ﴿انتهوا خيرًا لكم﴾ كما قاله سيبويه. أو نعت لمصدر محذوف؛ أي: إنفاقًا خيرًا، كما قاله الكسائي والفراء. أو منصوب على الحال، كما قاله الكوفيون. أو منصوب بأنفقوا؛ أي: أنفقوا مالًا خيرًا، وقوله: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾. ﴿وَمَنْ يُوقَ﴾:
стр. 13655
﴿الواو﴾: استئنافية ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يُوقَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ونائب فاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿شح﴾: مفعول به ثان لـ ﴿يوق﴾ ﴿نَفْسِهِ﴾: مضاف إليه. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب الشرط وجوبًا، ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، أو مبتدأ ثان، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر المبتدأ، أو خبر لـ ﴿هم﴾، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾.
﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿تُقْرِضُوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، و ﴿الواو﴾: فاعل، ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به، ﴿قَرْضًا﴾: مفعول مطلق، ﴿حَسَنًا﴾: صفة ﴿قَرْضًا﴾، ﴿يُضَاعِفْهُ﴾: فعل مضارع، ومفعول به مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يضاعف﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَيَغْفِرْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿يضاعف﴾: مجزوم على أنه جواب الشرط، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿وَاللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿اللَّهَ﴾: مبتدأ، ﴿شَكُورٌ﴾: خبر أول، ﴿حَلِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو عالم الغيب، و ﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوف عليه، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها أيضًا، ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ثان لذلك المحذوف، ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثالث له. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ والملك - بضم الميم - هو: الاستيلاء والتمكن من التصرف في كل شيء على حسب ما أراده في الأزل. قال الرازي: المُلك: تمام القدرة واستحكامها، يقال: ملِك بين المُلك بالضم، ومالك بين المِلك بالكسر. ﴿هُوَ الَّذِي
стр. 13656
خَلَقَكُمْ﴾؛ أي: قدر خلقكم في الأزل. وكذا قوله: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: مقضي بكفره وإيمانه أزلًا. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للملابسة؛ أي: خلقًا متلبسًا بالحق؛ أي: بالحكمة البالغة. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ﴾ أصله: تسررون، بوزن تفعلون، نقلت حركة الراء الأولى إلى السين فسكنت فأدغمت في الثانية. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ هذا الاستفهام للتعجيب من حالهم. والنبأ: الخبر الهام. ﴿فَذَاقُوا﴾ أصله: ذوقوا، بوزن فعلوا، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. والذوق وإن كان معروفًا في القليل فهو مستعمل في الكثير أيضًا. ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: عقوبة كفرهم. والوبال: الثقل والشدة المترتبة على أمر من الأمور. والوبل والوابل: المطر الثقيل القطار، مقابل الطل، وهو: المطر الخفيف، ومنه: الوبيل، للطعام الثقيل على المعدة. و ﴿أمرهم﴾: كفرهم، فهو واحد الأمور، عبر عنه بذلك للإيذان بأنه أمر هائل وجناية عظيمة. ﴿يَهْدُونَنَا﴾ أصله: يهديوننا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما حذفت التقى ساكنان فحذفت لذلك، وضمت الدال لمناسبة الواو. ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ أصله: توليوا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾؛ أي: أظهر غناه عنهم إذ أهلكهم وقطع دابرهم. وأصله: استغنى بوزن استفعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والزعم: ادعاء العلم بالشيء، وأكثر ما يستعمل للادعاء الباطل، فمعنى زعم فلان كذا: ادعي علمه بحصوله، فمعنى زعمت زيدًا قائمًا: أقول إنه كذا. ففي تصدير الجملة بقوله: (زعمت) إشعار بأنه لا سند للحكم سوى ادعائه إياه وقوله به. ﴿أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾: ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة، ﴿لَن﴾: ناصبة؛ لئلا يدخل ناصب على ناصب. ﴿بَلَى﴾: كلمة للجواب تقع بعد النفي لإثبات ما بعده، كما وقع في الآية. ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾؛ أي: لتحاسبن، وتجزون بأعمالكم. أصله: لتبعثون، بنون واحدة، ثم اتصلت به نون التوكيد الثقيلة فصار لتبعثونن بثلاث نونات فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال فصار لتبعثونّ فالتقى ساكنان فحذفت الواو لذلك، وكذا القول في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ لا يختلفان.
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ والتغابن تفاعل من الغبن، وليس على بابه، يقال: تغابن القوم في التجارة، إذا غبن بعضهم بعضًا في معاملة بينهم بضرب من التدليس؛ كأن يبيع أحدهم الشيء بأقل من قيمته، فهذا غبن البائع، أو يشتريه بأكثر من قيمته،
стр. 13657
وهذا غبن للمشتري. والمراد بالمغبون هنا: من من عن منازله ومنازل أهله في الجنة، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان. وهو هنا مستعار من تغابن القوم في التجارة، كما سيأتي. ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ أصله: تعفوون، بوزن تفعلون، حذفت منه نون الرفع لدخول أداة الجزم، ثم سكنت الواو الأولى لام الكلمة لتكون حرف مد لوقوعها إثر ضمة، فلما سكنت التقى ساكنان؛ لأن واو الجماعة التي بعدها ساكنة فحذفت الواو لام الكلمة، فوزنه: تفعو.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾: أصل هذه المادة: (وق ي)؛ لأن المصدر منها الوقاية. وأصل اتقوا: اوتقيوا، أبدلت الواو فاء الكلمة تاءً وأدغمت في تاء الافتعال، ثم استثقلت الضمة على الياء فحذفت للتخفيف، فلما سكنت حذفت لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، فحذفت وضمت القاف لمناسبة الواو، وهذا بعد حذف نون الرفع عند بناء الأمر من الأفعال الخمسة. قوله: ﴿اسْتَطَعْتُمْ﴾ فيه إعلال بالنقل والحذف، أصله: استطوع، بوزن استفعل، نقلت حركة الواو إلى الطاء فسكنت الواو لما سلبت حركتها، ثم لما أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك سكن آخره فالتقى ساكنان حينئذٍ، وهما: الواو عين الفعل، والعين لامه، فحذفت الواو، فوزنه: استفلتم. قوله: ﴿وَأَطِيعُوا﴾ أصله: وأطوعوا، نقلت حركة الواو إلى الطاء فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مد. ﴿يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾: يوق بوزن يفع؛ لحذف لامه للجازم؛ أي: يكف ويحفظ ويعصم؛ أي: يكفه الله شح نفسه، فيفعل في ماله جميع ما أمر به موقنًا به مطمئنًا إليه، حتى ترتفع عن قلبه الأخطار. والشح: خُلق باطني، هو الداء العضال، والبخل: فعل ظاهر ينشأ عن الشح. والنفس تارة تشح بترك المعاصي بأن تفعلها، وتارة تشح بالطاعات فتتركها، وتارة تشح بإعطاء المال. ومن فعل ما فرض عليه .. خرج عن الشح. اهـ. "خطيب".
﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ والقرض الحسن هو: التصدق من الحلال بإخلاص وطيب نفس. قال في "اللباب": القرض: القطع، ومنه: المقراض لما يقطع، وانقرض القوم إذا هلكوا، وانقطع أثرهم. وقيل للقرض: قرض، لأنه قطع شيء من المال، هذا أصل الاشتقاق. ثم اختلفوا فيه، فقيل: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، سمي قرضًا من حيث التزام الله سبحانه المجازاة عليه. وفي تسميته قرضًا أيضًا مزيد
стр. 13658
ترغيب في الصدقة؛ حيث جعلها قرضًا لله مع أن العبد إنما يقرض نفسه؛ لأن النفع عائد عليه. اهـ. "شيخنا". قال القشيري: ويتوجه الخطاب بهذا على الأغنياء في بذل أموالهم، وعلى الفقراء في عدم إخلاء أوقاتهم عن مراد الحق ومراقبته على مراد أنفسهم. فالغني يقال له: آثر حكمي على مرادك في مالك وغيوه، والفقير يقال له: آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك. اهـ. "خطيب". ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ من المضاعفة، بمعنى التضعيف؛ أي: التكثير، فليس المفاعلة هنا للاشتراك. ﴿شَكُورٌ﴾ والشكور مبالغة الشاكر. والشكر على أقسام: شكر بالبدن؛ وهو: أن لا تستعمل جوارحك في غير طاعته، وشكر بالقلب، وهو: أن لا تشغل قلبك بغير ذكره ومعرفته، وشكر باللسان؛ وهو: أن لا تستعمله في غير ثنائه ومدحه، وشكر بالمال؛ وهو: أن لا تنفقه في غير رضاه ومحبته. وأحسن وجوه الشكر لنعم الله أن لا تستعملها في معاصيه بل في طاعته.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: تكرار (ما) في قوله: ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. إفادة للتأكيد والتعميم، وإيذانًا للاختلاف؛ لأن تسبيح ما في السماوات مخالف لتسبيح ما في الأرض كثرة وقلة، وإسرارنا مخالف لعلانيتنا. ولم تُكرر ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لعدم اختلاف علمه تعالى؛ إذ علمه بما تحت الأرض كعلمه بما فوقها، وعلمه بما يكون كعلمه بما كان.
ومنها: تقديم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ للدلالة على اختصاص الأمرين به تعالى من حيث الحقيقة؛ لأنه مبدؤ كل شيء ومبدعه، فكان الملك له حقيقة دون غيوه، ولأن أصول النِّعم وفروعها منه تعالى. فالحمد له تعالى حقيقة، وحمد غيره إنما يقع من حيث ظاهر الحال وجريان النِّعم على يديه. اهـ. "كرخي".
ومنها: الطباق بين ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ و ﴿الْأَرْضِ﴾ وبين ﴿كَافِرٌ﴾ و ﴿مُؤْمِنٌ﴾، وبين ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
стр. 13659
ومنها: تقديم الأعم ثم الأخص في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾؛ لأن كل واحدة من هذه الثلاث أخص مما قبلها، وجمع بينهما إشارة إلى أن علمه تعالى محيط بالجزئيات والكليات لا يعزب عنه شيء من الأشياء. اهـ. "خطيب".
ومنها: عطف المسبب على السبب في قوله: ﴿كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأن الذوق مسبب عن الكفر.
ومنها: الترقي من الأظهر إلى الأخفى في هذه الثلاثة المذكورة، لأنه تعالى عالم بما في السماوات وما في الأرض، وبما يصدر من بني آدم سرًا وعلنًا، وبما لم يصدر بعد بل هو مكنون في الصدور.
ومنها: إظهار الجلالة في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ للإشعار بعلية الحكم وتأكيد استقلال الجملة قبل.
ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ لاختلاف الحركات في الشكل.
ومنها: التعبير بالذوق في قوله: ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ إشارة إلى أن ذلك المذوق العاجل شيء حقير بالنسبة إلى ما سيرون من العذاب الآجل.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأن الوبال حقيقة في الثقل، فاستعاره للعقوبة؛ لأنها كالشيء الثقيل المحسوس.
ومنها: التعبير عن كفرهم بالأمر في قوله: ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: كفرهم؛ للإيذان بأنه أمر هائل وجناية عظيمة.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾. أطلق على القرآن النور بطريق الاستعارة التصريحية بجامع الإزالة في كلّ، فإن القرآن يزيل الشبهات كما يزيل النور الظلمات.
ومنها: الالتفات إلى نون العظمة في قوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ لإبراز كمال العناية.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾.
стр. 13660
ومنها: المقابلة بين جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا ...﴾ الآية، وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾. شبهت حال الفريقين المتمكنين من اختيار ما يؤدي إلى سعادة الآخرة، فاختار كل فريق ما يشتهيه مما كان قادرًا عليه بدل ما اختاره الآخر. وشبهه بحال المتبادلين بالتجارة، وشبه ما يتفرع عليه من نزول كل منهما منزلة الآخر بالتغابن؛ لأن التغابن تفاعل من الغبن، وهو أخذ الشيء من صاحبه بأقل من قيمته، وهو لا يكون إلا في عقد المعاوضة ولا معاوضة في الآخرة فإطلاق التغابن علي ما يكون فيها إنما هو بطريق الاستعارة التمثيلية. وفي الآية أيضًا فن التهكم؛ لأنه يتهكم بالأشقياء، لأن نزولهم منازلهم في النار ليس بغبن.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ للتأكيد والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية، وتوضيح مورد التولي في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: أعرضتم عن إطاعة الرسول، كما مر في مبحث التفسير.
ومنها: إظهار الرسول مضافًا إلى نون العظيمة في مقام إضماره؛ لتشريفه ﷺ ، والإشعار بمدار الحلم الذي هو كون وظيفته ﷺ محض البلاغ، ولزيادة تشنيع التولي عنه ﷺ .
ومنها: إظهار الجلالة في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في موضع الإضمار، للإشعار بعلية التوكل، والأمر به. فإن الألوهية مقتضية للتبتل إليه تعالى، وقطع التعلق عما سواه بالمرة.
ومنها: الإتيان بـ ﴿مِنْ﴾ التبعيضية في قوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾ إشعارًا بأن منها ما ليس بعدو بل هو عون على الدنيا والآخرة.
ومنها: الحث على العفو والصفح في قوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾ إشعارًا بأنه ليس المراد من الأمر بالحذر وتركهم بالكلية والإعراض عن معاشرتهم ومصاحبتهم، كيف؟ والنساء من أعظم نعم الجنة، وبها نظام العالم. فإنه لولا الأزواج لما وجد الأنبياء والأولياء والعلماء والصلحاء، وإنما يحذر من التعلق بها،
стр. 13661
ومحبتها الشاغلة عن محبة الله تعالى.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ﴾؛ لأن جميع الأموال والأولاد فتنة؛ لأنه لا يرجع إلى مال أو ولد إلا وهو مشغول القلب به.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ شبه الإنفاق في سبيل الله والتصدق على الفقراء بمن يقرض الله قرضًا حسنًا وأحب الوفاء، وذلك بطريق التمثيل، وهو من لطيف الاستعارة وبديع العبارة، وقيل في قوله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ استعارة تصريحية تبعية، وفي قوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ استعارة تصريحية أصلية.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 13662
خلاصة ما حوته هذه السورة الكريمة
اشتملت هذه السورة على ما يلي:
١ - صفات الله الحسنى.
٢ - إنذار المشركين بذكر ما حل بمن قبلهم من الأمم.
٣ - إنكار المشركين للبعث.
٤ - بيان أن ما يحدث في الكون فهو بأمر الله وتقديره.
٥ - تسلية الرسول ﷺ بأنه لا يضيره إصرارهم على الكفر.
٦ - أن من الأزواج والأولاد أعداء للمرء.
٧ - الأموال والأولاد فتنة.
٨ - الحث على التقوى والإنفاق في سبيل الله تعالى.
والله أعلم
* * *
стр. 13663
سورة الطلاق
سورة الطلاق مدنية، نزلت بعد سورة الإنسان. قال القرطبي: مدنية في قول الجميع. وهي إحدى عشرة آية، وقيل: اثنتا عشرة. وكلماتها: مئتان وتسع وأربعون كلمة. وحروفها: ألف ومئة وسبعون حرفًا.
ومناسبتها لما قبلها: أنه قال في السورة السابقة: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾، ولما كانت هذه العداوة قد تفضي إلى الطلاق .. أرشد هنا إلى أحكام الطلاق والانفصال عن الأزواج على أجمل وجه.
وقال أبو حيان (١): مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر الفتنة بالمال والولد أشار إلى الفتنة بالنساء، وأنهن قد يعرضن الرجال للفتنة حتى لا يجد مخلصًا منها إلا بالطلاق .. فذكر أنه ينفصل منهن بالوجه الجميل؛ بأن لا يكون بينهن اتصال لا بطلب ولد ولا حمل، انتهى.
التسمية: وسميت سورة الطلاق لذِكر الطلاق فيها، وتسمى سورة النساء الصغرى.
الناسخ والمنسوخ: وقال أبو عبد الله محمد بن حزم: سورة الطلاق كلها محكم، ليس فيها منسوخ ولا ناسخ.
والله أعلم
* * *
أمر (١) بإيقاع الطلاق واحدة فواحدة، ومنع الخروج من المنزل والإخراج منه إلا إذا أتين بفاحشة مبينة، ونهى عن تعدي تلك الحدود حتى لا يحصل الضرر والندم .. خيّر الرجل إذا شارفت عدة امرأته على الانتهاء بين أمرين: إما أن يراجعها ويعاشرها بحسان، وإما أن يفارقها مع أداء حقوقها التي لها من التفضل والإكرام. فإذا اختار الرجعة .. فليشهد على ذلك شاهدين عدلين، قطعًا للنزاع ودفعًا للريبة، ثم أبان أن هذه الأحكام إنما شرعت للفائدة والمصلحة، وأرشد إلى أن تقوى الله تفتح السبل للمرء وتخرجه عن كل ضيق وتهديه إلى الطريق المستقيم في دينه ودنياه، وأن من يتوكل على ربه يكفيه ما أهمه ويفرج عنه كربه. ثم ذكر أن أمور الحياة جميعًا بقضاء الله وقدره، فلا يجزع المؤمن مما يصيبه من النوائب، ولا يفرح ولا يبطر بما يناله من خيراتها.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سبق أن الطلاق السني إنما يكون في طهر لا وقاع فيه ولم يبين مقدار العدة، وكان قد ذكر في سورة البقرة التي نزلت قبل هذه أن عدة الحائض ثلاثة قروء .. ذكر هنا عدة الصغار اللاتي لم يحضن والكبار اللاتي يئسن من المحيض تكون ثلاثة أشهر، وعدة الحامل تكون بوضع الحمل، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها.
قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر مقدار العدة للصغار والكبار والحوامل .. أرشد إلى ما يجب للمعتدة من النفقة والسكنى على مقدار الطاقة. ثم أردف ذلك ببيان: أن الحوامل لهن النفقة والسكنى مدة الحمل بالغة ما بلغت، فإذا هن ولدن .. وجب لهن الأجر على إرضاع المولود، فإن لم يتفقا عليه أتى بمرضع أخرى يدفع الأب نفقتها، والأم أحق بالإرضاع إذا هي رضيت بمثل أجرتها. والنفقة لكل من الموسر والمعسر على قدر ما يستطيع فالله لا يلف نفسًا إلا ما تطيق.
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (٢) لما ذكر أن الطلاق لا يكون إلا في أوقات مخصوصة، وأنه يجب انقضاء العدة حتى تحل المرأة لزوج آخر، وذكر مدة العدة
стр. 13666
وما يجب للمعتدة من النفقة والكسوة، ونهى عن تجاوز حدود الله تعالى، وأن من يتجاوزها يكون قد ظلم نفسه .. توعد هنا من خالفوا أمره وكذبوا رسله، وسلكوا غير ما شرعه، وأنذرهم بأن يحل بهم مثل ما حل بالأمم السالفة التي كذبت رسلها فأخذها أخذ عزيز مقتدر وأصبحت كأمس الدابر وصارت مثلًا في الآخرين.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما أنذر مشركي مكة بأنهم إن لم يتبعوا أوامر الرسول ﷺ يحل بساحتهم مثل ما حل بسائر الأمم قبلهم ممن كذبوا رسلهم وعتوا عن أمر ربهم فاستؤصلوا وبادوا في الدنيا، وسيحل بهم العذاب الذي لا مرد له في الآخرة .. ذكر هنا عظيم قدرته وسلطانه وبديع خلقه للعالم العلوي والسفلي؛ ليكون ذلك باعثًا لهم على استجابة دعوة الرسول والعمل بما أنزل عليه من تشريع فيه سعادة الدارين.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قتادة عن أنس قال: (طلق رسول الله ﷺ حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ...﴾ الآية. فقيل له: راجعها، فإنها صوامة قوامة). وأخرجه ابن جرير عن قتادة أيضًا مرسلًا.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه الحاكم عن جابر قال: نزلت هذه الآية، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ في رجل من أشجع كان فقيرًا، خفيف ذات اليد، كثير العيال، فأتى رسول الله ﷺ ، فسأله، فقال له: "اتق الله واصبر"، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى جاء ابن له بغنم، وكان العدو أصابوه، فأتى رسول الله ﷺ ، فأخبره خبرها، فقال: "كلها"، فنزلت الآية. قال الذهبي: حديث منكر له شاهد.
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
стр. 13667
جاء عوف بن مالك الأشجعي، فقال: يا رسول الله، إن ابني أسره العدو وجزعت أمه، فما تأمرني؟ قال: "آمرك وإياها أن تستكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله" فقالت المرأة: نِعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها، فتغفل عنه العدو فاستاق غنمهم، فجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة، فنزلت ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ...﴾ الآية. وأخرجه الخطيب في "تاريخه" من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البيهقي، والحاكم في جماعة آخرين عن أبي بن كعب: أن ناسًا من أهل المدينة لما نزلت آية البقرة في عِدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم تذكر في القرآن: الصغار، والكبار اللاتي قد انقطع عنهن الحيض، وذوات الحمل؟ فأنزل الله تعالى في سورة النساء الصغرى، ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ ...﴾ الآية. وروي: أن قومًا، منهم: أبي بن كعب وخلاد بن النعمان، لما سمعوا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قالوا: يا رسول الله، فما عدة من لا قرء لها من صغر أو كبر؟ فنزلت: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ ...﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الكريم ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ أي (١): إذا أردتم تطليق النساء المدخول بهن المعتدات بالأقراء، وعزمتم عليه بقرينة ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ مستقبلات ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ متوجهات إليها، وهي الحيض عند الحنفية. فاللام متعلقة بمحذوف دل عليه معنى الكلام، والمراد أن يطلقن في طهر لم يقع فيه جماع ثم يتركن حتى تنقضي عدتهن. فإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم على القرء الأول من أقرائها .. فقد طلقت مستقبلة لعدتها. والأقراء عند أبي حنيفة هي الحيض. وقال الجرجاني: واللام في قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ بمعنى (في)؛ أي: طلقوهن في زمن استئناف عدتهن، وهو الطهر الذي لم يجامع فيه، كما عليه الشافعي، فالأقراء عند الشافعي هي الأطهار، فإذا طلقوهن هكذا .. فقد طلقوهن في عدتهن.
стр. 13668
وتخصيص النداء به ﷺ مع عموم الخطاب لأمته أيضًا لتحقيق أنه المخاطب حقيقة، ودخولهم في الخطاب بطريق استتباعه ﷺ إياهم وتغليبه عليهم، ففيه تغليب المخاطب على الغائب.
والمعنى: إذا طلقت أنت وأمَّتك. وقيل: خصه بالنداء أولًا تشريفًا له ثم خاطبه مع أمَّته، أو: الخطاب له خاصة، والجمع للتعظيم، وأمَّته أسوته في ذلك. وفي "الكشاف ": خص النبي ﷺ بالنداء وعمم بالخطاب لأن النبي إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان، افعلوا كيت وكيت، إظهارًا لتقدمه واعتبارًا لترؤسه، وأنه لسان قومه، فكأنه هو وحده في حكم كلهم لصدورهم عن رأيه، كما قال البقلي: إذا خاطب السيد .. بأن شرفه على الجمهور: إذ جَمَعَ الجميع في اسمه. ففيه إشارة إلى سر الإتحاد.
وفي "كشف الأسرار": في هذا الخطاب أربعة أقوال:
أحدها: أنه خطاب للرسول ﷺ ، وذكر بلفظ الجمع تعظيمًا له، كما يخاطب الملوك بلفظ الجمع.
والثاني: أنه خطاب له، والمراد أمَّته.
والثالث: أن التقدير: يا أيها النبي والمؤمنون إذا طلقتم، فحذف لأن الحكم يدل عليه.
والرابع: معناه: يا أيها النبي قل للمؤمنين: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، انتهى. يقول الفقير: هذا الأخير أنسب بالمقام، فيكون مثل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ لأن النبي ﷺ ، وإن كان أصيلًا في المأمورات كما أن أمته أصيل في المنهيات؛ إلا أن الطلاق لما كان أبغض المباحات إلى الله تعالى .. كان الأولى أن يسند التطليق إلى أمته دونه ﷺ مع أنه ﷺ قد صدر منه التطليق، فإنه طلق حفصة بنت عمر ﵄ واحدة، فلما نزلت الآية .. راجعها، وكانت علَّامةً كثيرة الحديثِ قريبًا منزلتها من منزلة عائشة ﵄: فقيل له ﷺ : راجعها، فإنها صوامة قوامة، وإنها من نسائك في الجنة، حكاه الطبري. وفي الحديث بيان فضل العلم وحفظ الحديث، ومحبة الصيام والقيام، وكرامة أهلهما عنده تعالى.
стр. 13669
قال في "المفردات": أصل الطلاق: التخلية من وثاق، ويقال: أطلقت البعير من عقاله، وطلقته، وهو طالق وطلق بلا قيد، ومنه استعير: طلقت المرأة إذا خليتها، فهي طالق؛ أي: مخلاة عن حبالة النكاح، انتهى. والطلاق اسم مصدر بمعنى كالتطليق كالسلام بمعنى التسليم، والكلام بمعنى التكليم، وفي ذلك قالوا: المستعمل في المرأة لفظ التطليق، وفي غيرها لفظ الإطلاق؛ حتى لو قال: أطلقتك .. لم يقع الطلاق ما لم ينو. ولو قال: طلقتك .. وقع نوى أو لم ينو.
والعدة (١): مصدر عدّه يعده. وفي الحديث: سئل رسول الله ﷺ متى تكون القيامة؟ قال: "إذا تكاملت العدتان"؛ أي: عدة أهل الجنة وعدة أهل النار؛ أي: عددهم. وسمي الزمان الذي تتربص المرأة عقيب الطلاق أو الموت عدة؛ لأنها تعد الأيام المضروبة عليها، وتنتظر أوان الفرج الموعود لها.
والمعنى (٢): أي أيها المؤمنون: إذا أردتم طلاق نسائكم .. فطلقوهن لزمان محسوب من عدتهن، وهو طهر لا قربان فيه؛ حتى لا يطول عليهن زمان العدة، فإن طلقتموهن في زمان الحيض .. كان الطلاق طلاقًا بدعيًا حرامًا. والمراد بالنساء: المدخول بهن من ذوات الأقراء. أما غير المدخول بهن فلا عدة عليهن، وذات الأشهر سيأتي حكمهن فيما بعد.
أخرج الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في آخرين عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ لرسول الله ﷺ ، فتغيظ منه، ثم قال: "ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهير ثم تحيض ثم تطهير، فإن بدا له أن يطلقها .. فليطلقها قبل أن يمسا، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء".
والخلاصة: أن السنة في الطلاق: أن تطلق المرأة وهي طاهرة، دون أن يكون الرجل لامسها في هذا الطهر، أو أن يطلقها وهي حامل حملًا مستبينًا. ومن هذا قسم الفقهاء الطلاق أقسامًا ثلاثة:
١ - طلاق سنة، وهو: أن يطلقها طاهرة من غير قربان، أو حاملًا حملًا قد استبان.
стр. 13670
٢ - طلاق بدعة، وهو: أن يطلقها حين الحيض، أو في طهر قد واقعها فيه فلا يدري أحملت أم لا؟ والسرّ في هذا (١): أنه بعمله هذا أطال عليها العدة؛ لأن هذه الحيضة لا تحسب في العدة، وكذا الطهر الذي بعدها؛ لأنها إنما تكون بثلاث حيضات كوامل.
٣ - طلاق لا هو سنة ولا بدعة، وهو: طلاق الصغيرة، والآيسة من الحيض، وغير المدخول بها. وقد روي عن إبراهيم النخعي: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقون غير ذلك حتى تنقضي العدة، وما كان أخس عندهم من أن يطلق الرجل ثلاث تطليقات. وقال مالك بن أنس: لا أعرف طلاقًا إلا واحدة، وكان يكره الثلاث متفرقة أو مجموعة. وأبو حنيفة وأصحابه يكرهون ما زاد على الواحدة في طهر واحد. وعند الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سُنة، ولا بدعة، بل هو مباح.
والخلاصة: أن مالكًا يراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأن أبا حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت وحده.
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾؛ أي: واحفظوا عدة الأقراء بحفظ الوقت الذي وقع فيه الطلاق، وأكملوها ثلاثة أقراء كوامل لا نقصان فيهن؛ أي: ثلاث حيض، كما عند أبي حنيفة؛ لأن الغرض من العدة استبراء الرحم، وكماله بالحيض الثلاث لا بالأطهار، كما يغسل الشيء ثلاث مرات لكمال الطهارة؛ أي: واحفظوا العدة واحفظوا الوقت الذي وقع في الطلاق، واعرفوا ابتداءها وانتهاءها؛ لئلا تطول على المرأة، واحفظوا الأحكام والحقوق التي تجب فيها.
والمخاطب بالإحصاء هم الأزواج لا الزوجات ولا المسلمون كما قيل، وإلا .. يلزم تفكيك الضمائر، ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق، وإنما خوطب الأزواج بذلك دون النساء؛ لأنهم هم الذين تلزمهم الحقوق والمؤن المرتبة عليها.
وقال أبو الليث: أمر الرجال بحفظ العدة: لأن في النساء غفلة، فربما لا
стр. 13671
تحفظ عدتها، فالزوج يحيى ليتمكن من تفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثًا. فإن إرسال الثلاث في طهر واحد مكروه عند أبي حنيفة وأصحابه وإن كان لا بأس به عند الشافعي وأتباعه، حيث قال: لا أعرف في عدد الطلاق سُنة ولا بدعة، وهو مباح، وليعلم بقاء زمان الرجعة ليراجع إن حدثت له الرغبة فيها، وليعلم زمان وجوب الإنفاق عليه وانقضاءه، وليعلم أنها هل تستحق عليه أن يسكنها في البيت أو له أن يخرجها؟ وليتمكن من إلحاق نسب ولدها به وقطعه عنه.
قالوا (١): وعلى الرجال في بعض المواضع العدة:
منها: أنه إذا كان للرجل أربع نسوة، فطلق إحداهن .. لا يحل له أن يتزوج بامرأة أخرى ما لم تنقض عدتها.
ومنها: أنه إذا كان له امرأة ولها أخت، فطلق امرأته .. لا يحل له أن يتزوج بأختها ما دامت في العدة.
ومنها: أنه إذا اشترى جارية .. لا يحل له أن يقربها ما لم يستبرئها بحيضة.
ومنها: أنه إذا تزوج حربية .. لا يحل له أن يقربها ما لم يستبرئها بحيضة.
ومنها: أنه إذا بلغ المرأةَ وفاةُ زوجها فاعتدت وتزوجت وولدت، ثم جاء زوجها الأول .. فهي امرأتهن لأنها كانت منكوحته ولم يعترض شيء من أسباب الفرقة فبقيت على النكاح السابق، ولكن لا يقربها حتى تنقضي عدتها من النكاح الثاني، ووجوب العدة لا يتوقف على صحة النكاح إذا وقع الدخول، بل تجب العدة في صورة النكاح الفاسد أيضًا، على تقدير الدخول.
ومنها: أنه إذا تزوج امرأة وهي حائض .. لا يحل له أن يقربها حتى تتطهر من حيضها.
ومنها: أنه إذا تزوج بامرأة نفساء .. لا يحل له أن يقربها حتى تتطهر من نفاسها.
ومنها: إذا زنى بامرأة ثم تزوجها .. لا يحل له أن يقربها ما لم يستبرئها
стр. 13672
بحيضة
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن بإيقاع طلاق ثان بعد الرجعة، فالأمر بالتقوى متعلق بما قبله. والتقوى في الأصل (١): اتخاذ الوقاية، وهي ما يقي الإنسان مما يكرهه ويؤمل أن يحفظه ويحول بينه وبين ذلك المكروه؛ كالترس ونحوه، ثم استعير في الشرع لاتخاذ ما يقي العبد بوعد الله ولطفه من قهره، ويكون سببًا لنجاته من المضار الدائمة وحياته بالمنافع القائمة، وللتقوى فضائل كثيرة ومراتب عديدة.
والمعنى: أي واخشوا الله ربكم ومالككم، فلا تعصوه فيما أمركم به من الطلاق لعدتهن وفي القيام بما للمعتدات من الحقوق، وفي وصفه تعالى بالربوبية مبالغة في وجوب الامتثال لأمره لما في لفظ الرب من التربية التي هي الإنعام والإكرام على ضروب لا حصر لها.
ثم بيّن بعض هذه الحقوق فقال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾؛ أي: لا تخرجوا أيها الأزواج المعتدات ﴿مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾؛ أي: من مساكنهن التي يسكنها قبل العدة؛ أي: لا تخرجوهن من مساكنكم عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن. وإنما أضيفت إليهن مع أنها لأزواجهن لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكناها كأنها أملاكهن، مثل قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. وفي ذكر البيوت دون الدار إشارة إلى أن اللازم على الزوج في سكناهن ما تحصل المعيشة فيه؛ لأن الدار ما يشتمل على البيوت.
والمعنى: أي لا تخرجوا المعتدات من المساكن التي كنتم تساكنونهن، فيها قبل الطلاق غضبًا عليهن أو كراهة لمساكنتهن أو لحاجة لكم إلى المساكن؛ لأن تلك السكنى حق الله تعالى، أوجبه للزوجات، فليس لكم أن تتعدوه إلا لضرورة؛ كانهدام المنزل، أو الحريق، أو السيل، أو خوف الفتنة في الدين.
ثم لما نهى الله سبحانه الأزواج عن إخراجهن من البيوت التي وقع الطلاق فيها .. نهى الزوجات عن الخروج أيضًا، فقال: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ المعتدات من بيوتهن
стр. 13673
ولو بإذن منكم، فإن الإذن بالخروج في حكم الإخراج ولا أثر لاتفاقهما على الانتقال؛ لأن وجوب ملازمة مسكن الفراق حق الله تعالى ولا يسقط بإسقاط العبد، كما قال في "الكشاف": فإن قلت: ما معنى الإخراج وخروجهن؟
قلت: معنى الإخراج أي: لا يخرجهن البعولة غضبًا عليهن وكراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذانًا بأن إذنهم لا أثر له في دفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهم إن أردن ذلك، انتهى. وقيل: المراد: لا يخرجن بأنفسهن إلا إذا أذن لهن الأزواج فلا بأس، والأول أولى.
فإن خرجت المعتدة لغير ضرورة أو حاجة .. أثمت، فإن وقعت ضرورة؛ بأن خافت هدمًا أو حرقًا .. لها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إن كانت لها حاجة من بيع غزل أو شراء قطن فيجوز لها الخروج نهارًا لا ليلًا، فإن خرجت ليلًا .. أثمت.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾؛ أي: بالزنا، فيخرجن لإقامة الحد عليهن ثم يعدن. قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا: الزنا، وقال الشافعي وغيره: هي البذاء في اللسان والاستطالة بها. على من هو ساكن معها في ذلك البيت، ويؤيد هذا ما قال عكرمة: إن في مصحف أبيّ: ﴿إلا أن يفحشن عليكم﴾ وقال بعضهم: ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ هنا بالكسر لازم؛ بمعنى: بيّن متبينة، كمبين من الإبانة؛ بمعنى: بين. والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال، وهو الزنا في هذا المقام، وقيل: البذاء - بالمد -. وهو: القول القبيح وإطالة اللسان، فإنه في حكم النشوز في إسقاط حقهن. فالمعنى: إلا أن يبذون عن الأزواج وأقاربهم، كالأب والأخ، فيحل حينئذٍ إخراجهن. وعن ابن عباس: هو كل معصية.
وهو استثناء من الأول: لا تخرجوهن في حال من الأحوال، إلا حال كونهن آتيات بفاحشة، أو من الثاني للمبالغة في النهي عن الخروج ببيان أن خروجها فاحشة. أي: لا يخرجن إلا إذا ارتكبن الفاحشة بالخروج. يعني: أن من خرجت .. أتت بفاحشة، كما يقال: لا تكذب إلا أن تكون فاسقًا، يعني: إن تكذب .. تكن فاسقًا.
стр. 13674
والمعنى: أي لا يخرجن من بيوتهن إلا إذا فعلن ما يوجب حدًا، من زنا أو سرقة أو غيرهما، كما أخرجه عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب، أو يبدون على الأحماء أو الأزواج. فيحل إخراجهن من بيوتهن لبذائهن وسوء خلقهن. أو خرجن متجولات عن منازلهن اللائي يجب عليهن أن يكملن العدة فيها، فأي ذلك فعلن فللأزواج إخراجهن من البيوت لإتيانهن بالفاحشة الواضحة التي ارتكبنها.
﴿وَتِلْكَ﴾ الأحكام ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ وأحكامه التي عينها لعباده. والحد: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر؛ أي: هذه الأمور التي بينتها لكم، من الطلاق للعدة، واحصاء العدة، والأمر باتقاء الله، وأن لا تخرج المطلقة من بيتها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة .. هي حدود الله وأحكامه التي حدّها لكم، فلا تتعدوها ولا تتجاوزوها.
ثم بيّن عاقبة تجاوز تلك الحدود، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ﴾ أصله (١): يتعدى، فحذفت اللام بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، وهو من التعدي بمعنى التجاوز؛ أي: ومن يتجاوز ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أي: حدوده المذكورة وأحكامه، بأن أخل بشيء منها، والإظهار في مقام الإضمار لتهويل أمر التعدي، والأشعار بعلية الحكم في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ أي: أضر بها؛ أي: ومن يتجاوز ما شرع الله لعباده من شرائع وما أبيح له إلى ما لم يبح له .. فقد ظلم نفسه وأضر بها من حيث لا يدري.
ثم بيّن علة هذا الضرر، فقال: ﴿لَا تَدْرِي﴾ ولا تعلم أيها المرء. تعليل لمضمون الشرطية؛ أي: فإنك أيها المطلق المتعدِّي لا قدر ولا تعلم عاقبة أمرك وأمر المطلقة. ومفعول الدراية محذوت كما قدرنا. وجملة ﴿لَعَلَّ اللَّهَ ...﴾ إلخ، مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها؛ لأن الجمهور لم يعدوا ﴿لَعَلَّ﴾ من المعلقات، كما في "السمين". و ﴿لَعَلَّ﴾ بمعنى: ﴿إنَّ﴾ الناصبة؛ أي: لا تدري ولا تعلم أيها المطلق المتعدي بإيقاع ثلاث طلقات عاقبة أمرك وأمر المطلقة، فإن الله سبحانه ربما ﴿يُحْدِثُ﴾ ويوجد في قلبك ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الذي فعلت من التعدي عليها وإيقاع ثلاث طلقات ﴿أَمْرًا﴾ يقتضي خلاف ما فعلته من التعدي، فيبدل ببغضها محبة وبالإعراض عنها إقبالًا إليها، ولا يمكن تداركه برجعة أو استئناف نكاح، فإن القلوب بين
стр. 13675
أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وإحداث الأمر: إيجاده بعد أن لم يكن. فالأمر الذي يحدثه الله تعالى أن يقلب قلبه عما فعله بالتعدي إلى خلافه. فالظلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه ولا يمكنه تداركه، أو عن مطلق الضرر الشامل للدنيوي والأخروي. ويخص التعليل بالدنيوي لكون احتراز الناس منه أشد واهتمامهم بدفعه أقوى. وقيل: ﴿لَعَلَّ﴾ معلقة لـ ﴿تَدْرِي﴾ عن العمل في اللفظ، فجملتها في محل نصب سادة مسد المفعولين. والمقصود من الكلام: التحريض على طلاق الواحدة أو الثنتين، والنهي عن الثلاثة. وقوله: ﴿لَا تَدْرِي﴾ خطاب للمتعدي بطريق الالتفات لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي لا للنبي ﷺ كما توهم.
والمعنى: ومن يتعد حدود الله .. فقد أضر بنفسه؛ فإنك لا تدري أيها المطلق المتعدي بإيقاع الثلاث وبإخراجها من البيوت أن الله ربما يحدث في قلبك بعد ذلك الذي فعلت - من التعدي بإيقاع الثلاث - أمرًا يقتضي خلاف ما فعلت، فيبدل ببغضها محبة وبالإعراض عنها إقبالًا، ولا يمكنك تدارك ما فعلت من التعدي فتندم.
وفي الآية دلالة (١) على كراهة التطليق ثلاثًا بمرة واحدة؛ لأن إحداث الرجعة لا يمكن بعد الثلاث، ففي إيقاع الثلاث عون للشيطان، وفي تركها رغم له، فإن الطلاق من أهم مقاصده، كما روى مسلم من حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن عرش إبليس على البحر فيبعث سراياه - أي: جنوده وأعوانه من الشياطين - فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده الأعظم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت"؛ أي: نِعم المضل أنت، أو الشرير أنت. فيكون (نِعم) بكسر النون فعل مدح حذف المخصوص به، أو نَعَمْ أنت ذاك الذي يستحق الإكرام، فيكون بفتح النون حرف إيجاب.
والخلاصة (٢): أن من يتعد حدود الله .. فقد أساء إلى نفسه؛ فإنه لا يدري
стр. 13676
عاقبة ما هو فاعل، فلعل الله يحدث في قلبه بعد ذلك التعدي أمرًا يدعو إلى عكس ما فعل؟ فيبدل البغض محبّة والإعراض إقبالًا، ولا يمكن له تدارك ذلك برجعة أو استئناف نكاح، فتضيع الفرصة ويندم، ولات ساعة مندم.
تنبيه: الشريعة الإسلامية وإن أباحت الطلاق .. بغضت فيه وقبحته وبينت أنه ضرورة لا يلجأ إليها إلا بعد استنفاد جميع الوسائل؛ لبقاء رباط الزوجية الذي حببت فيه وجعلته من أجل النِّعم، فرغبت في إرسال حَكَم من أهله وحَكَم من أهلها قبل حدوث الطلاق؛ لعلهما يزيلان ما بين الزوجين من نفور، كما رغبت في أن تكون الطلقات الثلاث متفرقات؛ لعل النفوس تصفو بعد الكدر والقلوب ترعوي عن غيها، ولعلهما يندمان على ما فرط منهما، فتكون الفرصة مواتية ويمكن الرجوع إلى ما كانا عليه، بل قد يعودان إلى حال أحسن مما كانا عليه.
روى أبو داود عن محارب بن دثار: أن رسول الله ﷺ قال: "ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق". وروى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق". وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات"، وعن ثوبان: أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس به .. حرم الله عليها رائحة الجنة" أخرجه أبو داود والترمذي.
٢ - ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ﴾؛ أي: شارفن وقاربن ﴿أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: آخر عدتهن وانقضاء أجلها ومدتها، وهي (١): مضي ثلاثة أقراء، ولو لم تغتسل من الحيضة الثالثة، وذلك لأنه لا يمكن الرجعة بعد بلوغهن آخر العدة، فحمل البلوغ على المشارفة، كما قال في "المفردات": البلوغ والبلاغ: الانتهاء إلى أقصى القصد والمبتغى، مكانًا كان أو زمانًا، أو أمرًا من الأمور المقدرة، وربما يعبر به عن المشارفة عليه وإن لم ينته إليه؟ مثل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ ...﴾ إلخ، فإنه للمشارفة، فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل .. لا يصح للزوج مراجعتها وامساكها. والأجل: المدة المضروبة للشيء. وقرأ الجمهور: ﴿أَجَلَهُنَّ﴾ بالإفراد والضحاك وابن سيرين: ﴿أجالهن﴾ بالجمع.
стр. 13677
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾؛ أي: فأنتم بالخيار، فإن شئتم فراجعوهن. والرجعة تحصل بالقول، وكذا (١) عند أبي حنيفة بالوطىء واللمس والنظر إلى الفرج بشهوة فيهما؛ أي: راجعوهن ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: بحُسن معاشرة وإنفاق لائق، ورغبة فيهن من غير قصد إلى مضارة لهن. وفي الحديث: "أكمل المؤمنين: أحسنهن خلقًا وألطفهن بأهله". ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾؛ أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن نفوسهن ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: مع إيفاء مالهن عليكم من الحقوق وترك المضارة لهن؛ أي: فارقوهن بإيفاء حقوقهن واتقاء ضرارهن بأن يراجعها ثم يطلقها تطويلًا للعدة. ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ أيها الأزواج؛ أي: على الرجعة وعلى الطلاق قطعًا للتنازع، إذ قد تنكر المرأة بعد انقضاء العدة رجعته فيها، وربما يموت أحدهما بعد الفرقة، ويدعي الباقي منهما ثبوت الزوجية لأخذ الميراث. ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾؛ أي: صاحبي عدالة. تثنية ذا بمعنى صاحب، منصوب بالياء؛ أي: أشهدوا اثنين صاحبي عدالة ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من المسلمين، كما قاله الحسن، أو من أحراركم كما قاله قتادة، يكونان عادلين لا ظالمين ولا فاسقين؛ أي (٢): وأشهدوا عادلين منكم على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما، قطعًا للتنازع وحسمًا لمادة الخصومة. والأمر للندب، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. وقيل: إنه للوجوب، وإليه ذهب الشافعي، قال: الإشهاد واجب في الرجعة، مندوب إليه في الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وفي قول للشافعي: إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق. وروي نحو هذا عن أبي حنيفة وأحمد. والعدالة: هي الاجتناب عن الكبائر كلها، وعدم الإصرار على الصغائر، وغلبة الحسنات على السيئات، والآثام من غير إصرار لا يقدح في العدالة؛ إذ لا يوجد من البشر من هو معصوم سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كذا في "الفروع".
ومعنى الآية (٣): فإذا قاربت العدة على الانتهاء، فإن شئتم .. فأمسكوهن وراجعوهن، مع الإحسان في الصحبة، وحسن العشرة، وأداء الحقوق من النفقة والكسوة، وإن صممتم على المفارقة .. فلتكن بالمعروف، وعلى وجه لا عنف فيه ولا مشاكسة، مع إيفاء ما لهن من حقوق لديكم؛ كمؤخر صداق وإعطاء متعة حسنة
стр. 13678
تذكركن بفضلها، ويتحدث الناس بحسن أحدوثتها، ويكون فيها جبر لخاطرهن لما لحقهن من ضرر بالفراق، وليكون فيها بعض السلوة لهن عما فقدنه من العشير والأنيس.
ثم ذكر ما يحسن إذا أرادوا الرجعة، فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ...﴾ إلخ؛ أي: وأشهدوا على الرجعة - إن اخترتموها - شاهدين من ذوي العدالة، حسمًا للنزاع فيما بعد، إذ ربما يموت الزوج فيدعي الورثة أن مورثهم لم يراجع؛ ليمنعوها ميراثها، ودفعًا للقيل والقال وتهمة الريبة، ومخافة أن تنكر المرأة الرجعة لتقضي عدتها وتنكح زوجًا غيره.
ثم خاطب الشهداء زجرًا لهم، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾؛ أي: وأدوا - أيها الشهداء - الشهادة عند الحاجة إلى أدائها خالصة لله تعالى؛ وذلك بأن يؤدوها لله لا للمشهود له وعليه، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الظلم، فلو شهد لغرض لا لله .. برىء بها من وبال كتم الشهادة، لكن لا يثاب عليها؛ لأن الأعمال بالنيات.
والحاصل (١): أن الشهادة أمانة، فلا بد من تأدية الأمانة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فلو كتمها فقد خان، والخيانة من الكبائر، دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ أي: وأشهدوا على الحق إذا استشهدتم، وأدوا الشهادة على الصحة، إذ أنتم دعيتم إلى أدائها. وإنما حث على أداء الشهادة لما قد يكون فيه من العسر على الشهود؛ إذ ربما يؤدي ذلك إلى أن يترك الشاهد مهام أموره، ولما فيه من عسر لقاء الحاكم الذي تُؤدَّى الشهادة عنده، وقد يبعد المكان أو يكون للشاهد عوائق تحول بينه وبين أدائها.
وهذا (٢) أمر للشهود بأن يأتوا بما شاهدوا به تقربًا إلى الله تعالى. وقيل: الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة؛ أي: الشهود عند الرجعة، فيكون قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أمرًا بنفس الإشهاد، ويكون قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أمرًا بأن تكون خالصة لله.
стр. 13679
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى الحث على الشهادة والإقامة، أو على جميع ما في الآية من إيقاع الطلاق على وجه السنة، وإحصاء العدة، والكف عن الإخراج والخروج، والإشهاد، وإقامة الشهادة بإدائها على وجهها من غير تبديل ولا تغيير. وهو مبتدأ خبره ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾ الوعظ: زجر يقترن بتخويف؛ أي: يتعظ به ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ وخص (١) المؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه المتنفع بذلك دون غيره، ولأنه المقصود تذكيره. ولم يقل: ذلكم توعظون به كما في سورة المجادلة لتهييج المؤمنين على المغيرة، فإن من لا غيرة له لا دين له. ومِنْ مقتضى الإيمان بالله: مراعاة حقوق المعبودية والربوبية، وباليوم الآخر: الخوف من الحساب والعذاب، والرجاء للفضل والثواب. فالمؤمن بهما يستحيي من الخالق والخلق فلا يترك العمل بما وعظ به.
والمعنى (٢): أي هذا الذي أمرتكم به وعرفتكم عنه، من أمر الطلاق والواجب لبعضكم على بعض حين الفراق أو الإمساك، عظة منا لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ ليعمل على نهجها وطريقتها.
ودلت الآية (٣) على أن للإنسان يومين: اليوم الأول وهو يوم الدنيا، واليوم الآخر وهو يوم الآخرة. واليوم عرفًا: زمان طلوع الشمس إلى غروبها، وشرعًا: زمان طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. وهذان المعنيان ليسا بمرادين هنا، وهو ظاهر، فيكون المراد مطلق الزمان، ليلًا كان أو نهارًا، طويلًا كان أو قصيرًا. وذلك الزمان إما محدود؛ وهو زمان الدنيا المراد باليوم الأول، أو غير محدود؛ وهو زمان الآخرة المراد باليوم الآخر الذي لا آخر له لتأخره عن يوم الدنيا.
ثم أتى بجملة معترضة بين ما سلف وما سيأتي لتأكيد ما سبق من الأحكام والخروج من مشاكلها بعد اتقاء الله سبحانه فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ سبحانه في طلاق البدعة، فطلق للسنة ولم يضار المعتدة، ولم يخرجها من مسكنها، واحتاط في الإشهاد وغيره من الأمور ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ مصدر ميمي؛ أي: خروجًا وخَلاصًا مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه ما يعتريه من الكروب. وقال بعضهم: هو عام؛ أي: ومن يتق الله في كل ما يأتي وما
стр. 13680
يذر .. يجعل له خروجًا من كل ضيق يشوش البال ويكدر الحال، وخلاصًا من غموم الدنيا والآخرة، فيندرج فيه ما نحن فيه اندراجًا أوليًا. وقيل: معناه: ومن يتق الله .. فليطلق للسنة، يجعل له مخرجًا إلى الرجعة، وعن النبي ﷺ : أنه قرأها، فقال: "مخرجًا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة". وفي "الجلالين": من الشدة إلى الرخاء، ومن الحرام إلى الحلال، ومن النار إلى الجنة، أو اسم مكان بمعنى يخرجه إلى مكان يستريح فيه. وسئل ابن عباس ﵄ عمن طلق امرأته ثلاثًا أو ألفًا، هل له من مخرج؟ فقال: لم يتق الله فلم يجعل له مخرجًا، بانت منه بثلاث، والزيادة إثم في عنقه.
٣ - ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ بعد ذلك الجعل ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ولا يظن. ﴿مِنْ﴾ ابتدائية متعلقة بـ ﴿يَرْزُقْهُ﴾؛ أي: من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه، فيوفي المهر ويؤدي الحقوق ويعطي النفقات. قال في "عين المعاني": من حيث لا يرتقب من الظن، أو يعتد من الحساب.
والمعنى (١): أي ومن يخش الله، فلا يطلّق في الحيض حتى لا تطول عدتها، ولا يضار المعتدة، فلا يخرجها من مسكنها، ويحتاط بالإشهاد حين الرجعة .. يجعل الله له مخلصًا مما عسى أن يقع فيه من الغم، ويفرج عنه ما يعتريه من الكرب، ويرزقه من جهة لا تخطر بباله ولا يحتسبها.
والخلاصه: من اتقى الله .. جعل له مخلصًا من غمّ الدنيا وهم الآخرة، وغمرات الموت وشدائد يوم القيامة. وفي الآية إيماء إلى أن التقوى ملاك الأمر عند الله، وبها نيطت السعادة في الدارين، وإلى أن الطلاق من الأمور التي تحتاج إلى فضل تقوى، إذ هو أبغض الحلال إلى الله؛ لما يتضمنه من إيحاش الزوجة وقطع الألفة بينها وبين زوجها، ولما في الاحتياط في العدة من المحافظة على الأنساب وهي من أجل مقاصد الدين، ومن ثم شدد في إحصاء العدة حتى لا تختلط ويكون أمرها فوضى. روي عن ابن مسعود: أنه قال: إن أجمع آية في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وإن أكبر آية في القرآن فرجًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
стр. 13681
وقيل المعنى (١): أي ومن يتق عذاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والوقوت على حدوده التي حدها لعباده وعدم مجاوزتها .. يجعل له مخرجًا مما وقع فيه من الشدائد والمحن، ويرزقه من جهة لا يخطر بباله ولا يكون في حسابه.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في جميع أحواله، ويعتمد عليه في جميع أموره ﴿فَهُوَ﴾ ﴿حَسْبُهُ﴾؛ أي: كافي المتوكل عليه في جميع أموره ومعطيه حوائجه حتى يقول: حسبي. أو: من وثق بالله فيما نابه .. كفاه ما أهمه. والتوكل: سكون القلب في كل موجود ومفقود، وقطع القلب عن كل علاقة، والتعلق بالله في جميع الأحوال. و ﴿حسبه﴾ بمعنى: محسب؛ أي: كاف.
فإن قلت: إذا كان حكم الله في الرزق لا يتغير، فما معنى التوكل؟
قلت: معناه: أن المتوكل يكون فارغ القلب ساكن الجأش غير كاره لحكم الله، فلهذا كان التوكل محمودًا.
والمعنى (٢): أي ومن يكل أمره إلى الله ويفوض إليه الخلاص منه .. كفاه ما أهمه في دنياه ودينه، والمراد بذلك: أن العبد يأخذ في الأسباب التي جعلها من سننه في هذه الحياة، ويؤديها على أمثل الطرق، ثم يكل أمره إلى الله فيما لا يعلمه من أسباب لا يستطيع الوصول إلى علمها، كتوكل الزارع بعد إلقاء الحب في الأرض. وكان السلف يقولون: اتّجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم .. كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلًا في جماعة جنازة، فقالوا له: اذهب إلى دكانك. وليس المراد أن يلقي الأمور على عواهنها ويترك السعي والعمل ويفوض الأمر إلى الله، فما بهذا أمر الدين؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، وقوله ﷺ : "اعقلها وتوكل" إلى نحو ذلك مما هو مستفيض في الكتاب والسنة.
وروي عن ابن عباس: أنه ركب خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال له رسول الله ﷺ : "يا غلام! إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت .. فاسأل الله، وإذا استعنت .. فاستعن بالله، واعلم: أن الأمة
стр. 13682
لو اجتمعت على أن ينفعوك .. لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك .. لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".
ثم ذكر السبب في وجوب التوكل عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ بالإضافة؛ أي: منفذ أمره ومتم مراده، وممضي قضائه في خلقه، فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه، إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا.
وقرأ الجمهور (١): ﴿بالغ﴾ بالتنوين، ﴿أمرَه﴾ بالنصب.
وقرأ حفص والمفضل، وأبان، وجبلة وابن أبي عبلة، وجماعة عن أبي عمرو، ويعقوب، وابن مصرف، وزيد بن علي بالإضافة.
وقرأ ابن أبي عبلة أيضًا، وداود بن أبي هند، وعصمة عن أبي عمرو: ﴿بالغ أمرُه﴾ بتنوين ﴿بالغٌ﴾ ورفع ﴿أمرُه﴾ على أنه فاعل بالغ أو على أن ﴿أمره﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿بالغ﴾ خبر مقدم، وقال الفراء في توجيه هذه القراءة: أي أمره بالغ.
والمعنى على القراءة الأولى والثانية: أن الله سبحانه بالغ ما يريده من الأمر، لا يفوته شيء ولا يعجزه مطلوب. وعلى القراءة الثالثة: أن الله نافذ أمره لا يرده شيء.
وقرأ المفضل ﴿بالغًا﴾ بالنصب على الحال، ويكون خبر ﴿إنَّ﴾ قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ ويجوز أن تخرج هذه القراءة على قول من ينصب بإن الجزئين، كقوله:
إِذَا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ وَلْتَكُنْ ... خُطَاكَ خِفَافًا إِنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الشدة والرخاء، والفقر والغنى، والموت والحياة، ونحو ذلك ﴿قَدْرًا﴾؛ أي: تقديرًا، متعلقًا بنفس ذاته وبزمانه ومكانه، وبجميع كيفياته وأوصافه، وأنه بالغ ذلك المقدر على حسب ما قدره. أو جعل له مقدارًا وحدًّا معينًا، أو وقتًا وأجلًا ونهاية ينتهي إليه، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ولا يتأتى تغييره. وفي "التأويلات النجمية": أي رتبة وكمالًا
стр. 13683
يليق بذلك الشيء. وقرأ جناح بن حبيش ﴿قدرًا﴾ بفتح الدال، والجمهور بإسكانها.
والمعنى: أي إن الله منفذ أحكامه في خلقه بما يشاء، وقد جعل لكل شيء مقدارًا ووقتًا، فلا تحزن أيها المؤمن إذا فاتك شيء مما كنت تؤمل وترجو، فالأمور مرهونة بأوقاتها ومقدرة بمقادير خاصة، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.
وقال القاشاني: معنى الآية (١): ومن يتوكل على الله بقطع النظر عن الوسائط والانقطاع إليه من الوسائل .. فهو كافيه يوصل إليه ما قدر له، وشوق إليه ما قسم لأجله من أنصبة الدنيا والآخرة، إن الله يبلغ ما أراد من أمره لا مانع له ولا عائق، فمن تيقن ذلك .. ما خاف أحدًا ولا رجا، وفوض أمره إليه ونجا، وقد عين الله لكل أمر حدًّا معينًا، ووقتًا معينًا في الأزل، لا يزيد بسعي ساع ولا ينتقص بمنع مانع وتقصير مقصر، ولا يتأخر عن وقته ولا يتقدم عليه، والمتيقن لهذا الشاهد له متوكل بالحقيقة، انتهى.
٤ - ﴿وَاللَّائِي﴾ من الموصولات، جمع: التي؛ أي: واللاتي ﴿يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ لكبرهن ويأسهن؛ أي: انقطع رجاؤها من رؤية الدم لبلوغها سن اليأس. والمحيض (٢): اسم أو مصدر، ومنه: الحوض؛ لأن الماء يسيل إليه. والحيضة: المرة. وفي الشرع: دم ينفضه رحم امرأة بالغة لا داء بها ولا إياس لها. و ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية، متعلقة بالفعل قبلها. حال كونها ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ وزوجاتكم اللاتي دخلتم بهن. و ﴿مِن﴾ للتبيين، متعلقة بمحذوف. ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: شككتم في عدتهن، وأشكل عليكم حكمهن لانقطاع دمهن بكبر السن، وجهلتم كيف عدتهن. والمراد بالشك: الجهل، وقيد به لموافقة الواقع، فلا مفهوم له، بل عدتها ما ذكر سواء علموا أو جهلوا، لكن الواقع في نفس الأمران السائلين عن عدة الآيسة كانوا جاهلين بقدرها، فالآية مخرجة على سبب. اهـ "شيخنا". ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُر﴾ فقوله: ﴿وَاللَّائِي﴾ مبتدأ، خبره قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾، وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ اعتراض، وجواب الشرط محذوف تقديره: أي إن ارتبتم فيها .. فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، كذا قالوا. والأشهر: جمع شهر، وهو مدة معروفة مشهورة بهلال الهلال، أو باعتبار
стр. 13684
جزء من اثني عشر جزءًا من دوران الشمس من نقطة إلى تلك النقطة. قال في "القاموس": الشهر: العدد المعروف من الأيام؛ لأنه يشهر بالقمر. ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾؛ ما رأين الدم لصغرهن وعدم بلوغهن سن المحيض. وهو مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: فعدتهن ثلاثة أشهر أيضًا، وحذف هذا ثقة بدلالة ما قبله عليه. والأولى (١) أن يقدر مثل: أولئك أو كذلك، فيكون المقدر مفردًا. والشابة التي كانت تحيض فارتفع حيضها بعذر من الأعذار قبل بلوغها سن الآيسات .. فعند أبي حنيفة والشافعي لا تنقضي عدتها حتى يعاودها الدم، فتعتد بثلاثة أقراء، أو حتى تبلغ سن الآيسات، فتعتد بثلاثة أشهر.
وقال أبو حيان: والظاهر: أن قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يشمل من لم يحضن لصغر ومن لا يكون لها حيض ألبتة، وهو موجود في النساء، وهو أنها تعيش إلى أن تموت ولا تحيض. ومن أتى عليها زمان الحيض وما بلغت به، ولم تحض .. فقيل: هذه تعتد بسنة، انتهى.
ووضع (٢) السجاوندي الطاء الدالة على الوقف المطلق على وضعه وقانونه في ﴿لَمْ يَحِضْنَ﴾ لانقطاعه عما بعده، وكان الظاهر أن يضع الميم الدالة على الوقف اللازم؛ لأن المتبادر الاتصال الموهم معنى فاسدًا. لعله نظر إلى ظهور عدم حمل التي لم تحض لصغرها؟
والمعنى: أي واللائي بلغن سن اليأس فانقطع حيضهن لكبرهن؛ بأن بلغن سن الخامسة والخمسين فما فوقها .. فعدتهن ثلاثة أشهر، وكذا الصغار اللائي لم يحضن إن شككتم وجهلتم كيف تكون عدتهن وما قدرها .. فعدتهن ثلاثة أشهر أيضًا.
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ اسم جمع، واحدتها ذات؛ بمعنى: صاحبة، والأحمال جمع حَمْلَ - بالفتح -، وهو الولد في البطن؛ أي: ذوات الأحمال من النساء والحبالى منهن ﴿أَجَلُهُنَّ﴾؛ أي: منتهى عدتهن ﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ ويلدن ﴿حَمْلَهُنَّ﴾؛ أي: جنينهن سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن. فلو ولدت (٣) المرأة
стр. 13685
حملها؛ أي: حطت ما في بطنها بعد طلاق زوجها أو وفاته بلحظة .. انقضت عدتها وحلت للأزواج، فكيف بعد ساعة أو يوم أو شهر؟ وقد نسخ بهذه الآية عموم قوله تعالى في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ لتراخي نزولها عنه. وقد صح أن سبيعية بنت الحارث ولدت بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "قد حللت فتزوجي". وقرأ الجمهور ﴿حَمْلَهُنَّ﴾ مفردًا، والضحاك: ﴿أحمالهن﴾ جمعًا.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ سبحانه في شأن أحكامه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾؛ أي: يسهل عليه أمره، يوفقه للخمر، ويعصمه من المعاصي والشر بسبب التقوى. فـ ﴿مَنْ﴾ للبيان، قدم على المبين للفواصل، أو بمعنى: في. وقال الضحاك: من يتق الله فليطلّق للسنة، يجعل له من أمره يسرًا في الرجعة.
وحاصل معنى الآية (١): أي وعدة الحوامل أن يضعن حملهن، سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن، كما روي عن عمر وابنه: فقد أخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عمر: أنه سئل عن المرأة يتوفى عنها زوجها وهي حامل، فقال: إذا وضعت حملها .. فقد حلت، فأخبره رجل من الأنصار أن عمر بن الخطاب قال: لو ولدت وزوجها على سريره لم يدفن .. حلت.
وهكذا روي عن ابن مسعود: فقد أخرج عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه: أنه قال: من شاء لاعنته أن الآية التي في النساء الصغرى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ ...﴾ الآية، نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شرًا، وكل مطلقة أو متوفى عنها زوجها .. فأجلها أن تضع حملها.
وروي: أن سبيعية بنت الحارث الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها في حَجة الوداع وهي حامل، فوضعت بعد وفاته بثلاثة وعشرين يومًا، فاختضبت، واكتحلت، وتزينت تريد الزواج، فأنكر ذلك عليها، فسئل النبي ﷺ
стр. 13686
فقال: "إن تفعل فقد خلا أجلها".
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ...﴾ الخ؛ أي: ومن يخف الله ويرهبه فيؤدي فرائضه ويجتنب نواهيه .. يسهل عليه أموره، ويجعل له من كل ضيق فرجًا، وينزله طريق الهدى في كل ما يعرض له من المشكلات، فإن في قلب المؤمن نورًا يهديه إلى حلِّ عويصات الأمور. وفي الآية الماء إلى فضيلة التقوى في أمور الدنيا والآخرة، وأنها المخرج من كل ضيق يعرض المرء فيهما.
٥ - ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الأحكام. وإفراد (١) الكاف مع أن الخطاب للجمع كما يفصح عنه ما بعده، لما أنها لمجرد الفرق بين الحاضر والمنقضي لا لتعيين خعصوصية المخاطبين. ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: حكمه الشرعي ﴿أَنْزَلَهُ﴾ من اللوح المحفوظ ﴿إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: إلى جانبكم. وقال أبو الليث: أنزله في القرآن على نبيكم لتستعدوا للعمل به، فإياكم ومخالفته.
والمعني: أي هذا الذي شرع لكم من الأحكام السابقة في الطلاق والسكنى والعدة هو أمر الله الذي أمركم به، وأنزله إليكم لتأتمروا به وتعملوا وفق نهجه.
ثم كرر الأمر بالتقوى؛ لأنها ملاك الأمر وعماده في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بالمحافظة على أحكامه ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾؛ أي: يسترها لرضاه عنه باتقائه، وربما يبدلها حسنات. ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ بالمضاعفة، وهو الجنة. قال بعضهم: يعطيه أجرًا عظيمًا أَيَّ أجرٍ كان، ولذلك نُكِّرَ، فالتنكير للتعيم المنبىء عن التعميم.
والمعنى: أي ومن يخف الله فيؤد فرائضه ويجتنب نواهيه .. يمسح عنه ذنوبه، كما وعد ذلك في كتابه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، ويجزل له الثواب على يسير الأعمال.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَيُعْظِمْ﴾ بالياء مضارع أعظم، وقرأ الأعمش: ﴿نعظم﴾ بالنون، خروجًا من الغيبة إلى التكلم، وقرأ ابن مقسم بالياء والتشديد، مضارع عظم مشددًا.
стр. 13687
قال في "برهان القرآن": أمر بالتقوى في أحكام الطلاق ثلاث مرات وعدَّ في كل مرة نوعًا من الجزاء، فقال أولًا: يجعل له مخرجًا يخرجه مما دخل فيه، وهو يكرهه، ويهيء له محبوبه من حيث لا يؤمل. وقال في الثاني: يسهل عليه الصعب من أمره، ويفتح له خيرًا ممن طلقها. والثالث: وعد عليه الجزاء بأفضل الجزاء، وهو ما يكون في الآخرة من النعماء، إشارة إلى تعداد النعم المترتبة على التقوى.
٦ - وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾: كلام مستأنف (١) وقع جوابًا لسؤال مقدر نشأ مما قبله من الحث على التقوى، كانه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل: أسكنوهن ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾؛ أي: بعض مكان سكناكم. والخطاب للمؤمنين المطلقين. ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾؛ أي: من وسعكم وطاقتكم؛ أي: مما تطيقونه. قال الفراء: فإن كان موسعًا عليه .. وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرًا .. فعلى قدر ذلك. قال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك، فأسكنها فيه، انتهى.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وتفسير له.
وفي "عين المعاني": و ﴿مِنْ﴾ لتبيين الجنس لما في ﴿حَيْثُ﴾ من الإبهام، انتهى. واعترض عليه أبو حيان: بأنه لم يعهد في عطف البيان إعادة العامل، إنما عهد ذلك في البدل، فالوجه جعله بدلًا.
قال صاحب "اللباب": إن كانت الدار التي طلقها فيها ملكه .. يجب عليه أن يخرج منها ويترك الدار لها مدة عدتها، وإن كانت الدار بإجارة .. فعليه الأجرة، وإن كانت عارية فرجع المعير .. فعليه أن يكتري لها دارًا تسكنها. قال في "كشف الأسرار": وأما المعتدة من وطء الشبهة والمفسوخ نكاحها بعيب أو خيار عتق .. فلا سكنى لها ولا نفقة وإن كانت حاملًا، انتهى. وقد اختلف (٢) أهل العلم في المطلقة ثلاثًا هل لها سكنى ونفقة أم لا؟ فذهب مالك والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها، وذهب أبو حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة، وذهب أحمد وإسحاق، وأبو ثور أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا هو الحق، قاله الشوكاني.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ بضم الواو. وقرأ الحسن، والأعرج وابن
стр. 13688
أبي عبلة، وأبو حيوة بفتحها. وقرأ الفياض بن غزوان، وعمرو بن ميمون، ويعقوب بكسرها، وذكرها المهدوي عن الأعرج. وهي لغات ثلاث. بمعنى الوسع، والوجد - بالفتح - يستعمل في الحزن والغضب والحب، والوُجد بالضم: الغنى والقدرة.
والمعنى: أي أسكنوا مطلقات نسائكم في الموضع الذي تسكنون فيه على مقدار حالكم، فإن لم تجدوا إلا حجرة بجانب حجرتكم .. فأسكنوها فيها. وإنما أمر الرجال بذلك لأن السكنى نوع من النفقة، وهي واجبة على الأزواج.
ثم نهى عن مضارة المطلقات في السكنى، فقال: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾؛ أي: ولا تقصدوا أيها الأزواج إدخال الضرر عليهن في السكنى بأي وجه كان. فالمفاعلة هنا ليست على بابها. ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ في المسكن ببعض الأسباب، من إنزال من لا يوافقهن معهن، أو بشغل مكانهن، أو غير ذلك، وتلجئوهن إلى الخروج.
والمعنى: ولا تستعملوا معهن الضرار في السكنى، بشغل المكان أو بإسكان غيرهن معهن ممن لا يحببن السكنى معه؛ لتلجئوهن إلى الخروج من مساكنهن. وفيه حث على المروءة والمرحمة، ودلالة على رعاية الحق السابق حتى يتيسر لها التدارك في أمر المعيشة من تزوج آخر أو غيره.
ثم بين نفقة الحوامل، فقال: ﴿وَإِنْ كُنَّ﴾؛ أي: المطلقات ﴿أُولَاتِ حَمْلٍ﴾؛ أي: ذوات حبل؛ أي: حاملات. و ﴿أُولَاتِ﴾ منصوب بالكسر؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. وتنوين ﴿حَمْلٍ﴾ للتعميم؛ يعني أيّ حمل كان قريب الوضع أو بعيده. ﴿فَأَنْفِقُوا﴾ أيها المطلِّقون ﴿عَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: على المطلقات الحوامل ﴿حَتَّى يَضَعْنَ﴾ ويلدن ﴿حَمْلَهُنَّ﴾ وحبلهن، فيخرجن من العدة، وتخلصوا من كلفة الإحصاء، ويحل لهن تزوج غيركم إن شئن؛ لأنه بالوضع تنقضي العدة. وهذا حكم المطلَّقة طلقة بائنة، أما المطلقة طلقة رجعية .. فتستحق النفقة وإن لم تكن حاملًا.
واعلم (١): أن البائن بالطلاق إذا كانت حاملًا لها النفقة والسكنى بالاتفاق، وأما البائن الحائل؛ أي: غير الحامل .. فتستحق النفقة والسكنى عند أبي حنيفة كالحامل، إلى أن تنقضي عدتها بالحيض أو بالأشهر، لما روي عن عمر - رضي الله
стр. 13689
عنه -: أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في المبتوتة: "لها النفقة والسكنى"؛ لأن ذلك جزاء الاحتباس وهو مشترك بين الحامل وغيرها، خلافًا للأئمة الثلاثة. وأما المتوفى عنهن أزواجهن: فلا نفقة لهن من التركة ولا سكنى، بل تعتد حيث تشاء وإن كن أولات حمل؛ لوقوع الإجماع على أن من أجبر الرجل في حياته على النفقة عليه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته، فكذا المتوفى عنها الحامل، وهو قول الأكثرين. وقال أبو حنيفة: تجب النفقة والسكنى لكل مطلقة، سواء كانت مطلقة بثلاث أو بواحدة، رجعية أو بائنة ما دامت في العدة، أما المطلقة الرجعية: فلأنها منكوحة كمانت، وإنما يزول النكاح بمضي العدة، وكونه في معرض الزوال بمضي العدة لا يسقط نفقتها، كما لو آلى وعلق طلاقها بمضي شهر. فالمطلقة الرجعية لها النفقة والسكنى بالإجماع، وأما المبتوتة: فعند أبي حنيفة لها النفقة والسكنى ما دامت في العدة؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾؛ إذ المعنى: أسكنوا المعتدات مكانًا من المواضع التي تسكنونها، وأنفقوا عليهن في العدة من سعتكم، لما قرأ ابن مسعود ﵁: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم﴾. وعند الشافعي: لها السكنى؛ لهذه الآية، ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ ...﴾ إلخ.
فإن قلت: فإذا كانت كل مطلقة عند أبي حنيفة يجب لها النفقة، فما فائدة الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ ...﴾ إلخ؟
قلت: فائدته: أن مدة الحمل ربما طالت، فظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل، فنفى ذلك الوهم، كما في "الكشاف".
﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ﴾ هؤلاء المطلقات ﴿لَكُمْ﴾ أيها الأزواج ولدًا من غيرهن أو منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية وعلاقة النكاح. وإنما قال: ﴿لَكُمْ﴾ ولم يقل أولادكم لما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. فالأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم، وعليه أن يتخذ له ظئرًا، إلا إذا تطوعت الأم برضاعه، وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على الإرضاع إن طلبن أو رَجوْنَ، فإن حكمهن في ذلك حكم الأظآر حينئذ. قال في "اللباب": فإن طلقها .. فلا يجب عليها الإرضاع إلا أن لا يقبل الولد ثدي غيرها،
стр. 13690
فيلزمها حينئذٍ. فإن اختلفا في الأجرة: فإنْ دعت إلى أجرة المثل وامتنع الأب إلا تبرعًا .. فالأم أولى بأجر المثل؛ إذ لم يجد الأب متبرعة، وإن دعا الأب إلى أجر المثل وامتنعت الأم لتطلب شططًا .. فالأب أولى به، فإن أعسر الأب بأجرتها .. أجبرت على إرضاع ولدها، أنتى.
﴿وَأْتَمِرُوا﴾ أيها الآباء والأمهات، وتشاوروا فيما ﴿بَيْنَكُمْ﴾ في شؤون أولادكم، وافعلوا فيهم ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: بما هو معروف وجميل وإحسان ومتعارف بين الناس غير منكر عندهم؛ أي: ليأمر بعضكم بعضًا بجميل في الإرضاع والأجر، وهو المسامحة. ولا يكن من الأب مماكسة، ولا من الأم معاسرة؛ لأنه ولدهما معًا، وهما شريكان فيه في وجوب الإشفاق عليه.
ومعنى الآية (١): أي فإن أرضعن لكم وهن طوالق قد بِنَّ بانقضاء عدتهن .. فلهن حينئذ أن يرضعن الأولاد، ولهن أن يمتنعن، فإن أرضعن .. فلهن أجر المثل، ويتفقن مع الآباء أو الأولياء عليه. وفي هذا إيماء إلى أن حق الرضاع والنفقة للأولاد على الأزواج، وحق الإمساك والحضانة على الزوجات. ﴿وَأْتَمِرُوا﴾؛ أي: وتشاوروا فيما بينكم أيها الآباء والأمهات في شؤون الأولاد بما هو أصلح لهم في أمورهم الصحية والخلقية والثقافية، ولا تجعلوا المال عقبة في سبيل إصلاحهم، ولا يكن من الآباء مماكسة في الأجر وسائر النفقات، ولا من الأمهات معاسرة وإحراج للآباء، فالأولاد هم فلذات أكبادهم، فليحافظوا عليهم جهد المستطاع.
ثم أرشد إلى ما يجب أن يعمل إذا لم يحصل الوفاق بين الأبوين في الإنفاق، فقال: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ أيها الآباء والأمهات؛ أي: تضايقتم وتشاكستم وتنازعتم في أجر الرضاع؛ كأن أبى الأب أن يعطي الأم أجرة إرضاعها، وأبت الأم أن ترضع الولد مجانًا ﴿فَسَتُرْضِعُ﴾ الولد ﴿لَهُ﴾؛ أي: لوالده امرأة ﴿أُخْرَى﴾ فليس له إكراه الأم على إرضاعه بل يستأجر الأب للصبي مرضعة غير أمه. وهذا أصل في وجوب نفقة الولد على الوالد دون الأم. والضمير (٢) في ﴿لَهُ﴾ للأب كما في "الكشاف" وهو الموافق لقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾، أو للصبي والولد كما في "الجلالين" وفيه: أن الظاهر حينئذ أن يقول: فسترضعه، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة، كما تقول لمن