فقال: "إن تفعل فقد خلا أجلها".
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ...﴾ الخ؛ أي: ومن يخف الله ويرهبه فيؤدي فرائضه ويجتنب نواهيه .. يسهل عليه أموره، ويجعل له من كل ضيق فرجًا، وينزله طريق الهدى في كل ما يعرض له من المشكلات، فإن في قلب المؤمن نورًا يهديه إلى حلِّ عويصات الأمور. وفي الآية الماء إلى فضيلة التقوى في أمور الدنيا والآخرة، وأنها المخرج من كل ضيق يعرض المرء فيهما.
٥ - ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الأحكام. وإفراد (١) الكاف مع أن الخطاب للجمع كما يفصح عنه ما بعده، لما أنها لمجرد الفرق بين الحاضر والمنقضي لا لتعيين خعصوصية المخاطبين. ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: حكمه الشرعي ﴿أَنْزَلَهُ﴾ من اللوح المحفوظ ﴿إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: إلى جانبكم. وقال أبو الليث: أنزله في القرآن على نبيكم لتستعدوا للعمل به، فإياكم ومخالفته.
والمعني: أي هذا الذي شرع لكم من الأحكام السابقة في الطلاق والسكنى والعدة هو أمر الله الذي أمركم به، وأنزله إليكم لتأتمروا به وتعملوا وفق نهجه.
ثم كرر الأمر بالتقوى؛ لأنها ملاك الأمر وعماده في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بالمحافظة على أحكامه ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾؛ أي: يسترها لرضاه عنه باتقائه، وربما يبدلها حسنات. ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ بالمضاعفة، وهو الجنة. قال بعضهم: يعطيه أجرًا عظيمًا أَيَّ أجرٍ كان، ولذلك نُكِّرَ، فالتنكير للتعيم المنبىء عن التعميم.
والمعنى: أي ومن يخف الله فيؤد فرائضه ويجتنب نواهيه .. يمسح عنه ذنوبه، كما وعد ذلك في كتابه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، ويجزل له الثواب على يسير الأعمال.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَيُعْظِمْ﴾ بالياء مضارع أعظم، وقرأ الأعمش: ﴿نعظم﴾ بالنون، خروجًا من الغيبة إلى التكلم، وقرأ ابن مقسم بالياء والتشديد، مضارع عظم مشددًا.
стр. 13687
قال في "برهان القرآن": أمر بالتقوى في أحكام الطلاق ثلاث مرات وعدَّ في كل مرة نوعًا من الجزاء، فقال أولًا: يجعل له مخرجًا يخرجه مما دخل فيه، وهو يكرهه، ويهيء له محبوبه من حيث لا يؤمل. وقال في الثاني: يسهل عليه الصعب من أمره، ويفتح له خيرًا ممن طلقها. والثالث: وعد عليه الجزاء بأفضل الجزاء، وهو ما يكون في الآخرة من النعماء، إشارة إلى تعداد النعم المترتبة على التقوى.
٦ - وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾: كلام مستأنف (١) وقع جوابًا لسؤال مقدر نشأ مما قبله من الحث على التقوى، كانه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل: أسكنوهن ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾؛ أي: بعض مكان سكناكم. والخطاب للمؤمنين المطلقين. ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾؛ أي: من وسعكم وطاقتكم؛ أي: مما تطيقونه. قال الفراء: فإن كان موسعًا عليه .. وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرًا .. فعلى قدر ذلك. قال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك، فأسكنها فيه، انتهى.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وتفسير له.
وفي "عين المعاني": و ﴿مِنْ﴾ لتبيين الجنس لما في ﴿حَيْثُ﴾ من الإبهام، انتهى. واعترض عليه أبو حيان: بأنه لم يعهد في عطف البيان إعادة العامل، إنما عهد ذلك في البدل، فالوجه جعله بدلًا.
قال صاحب "اللباب": إن كانت الدار التي طلقها فيها ملكه .. يجب عليه أن يخرج منها ويترك الدار لها مدة عدتها، وإن كانت الدار بإجارة .. فعليه الأجرة، وإن كانت عارية فرجع المعير .. فعليه أن يكتري لها دارًا تسكنها. قال في "كشف الأسرار": وأما المعتدة من وطء الشبهة والمفسوخ نكاحها بعيب أو خيار عتق .. فلا سكنى لها ولا نفقة وإن كانت حاملًا، انتهى. وقد اختلف (٢) أهل العلم في المطلقة ثلاثًا هل لها سكنى ونفقة أم لا؟ فذهب مالك والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها، وذهب أبو حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة، وذهب أحمد وإسحاق، وأبو ثور أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا هو الحق، قاله الشوكاني.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ بضم الواو. وقرأ الحسن، والأعرج وابن
стр. 13688
أبي عبلة، وأبو حيوة بفتحها. وقرأ الفياض بن غزوان، وعمرو بن ميمون، ويعقوب بكسرها، وذكرها المهدوي عن الأعرج. وهي لغات ثلاث. بمعنى الوسع، والوجد - بالفتح - يستعمل في الحزن والغضب والحب، والوُجد بالضم: الغنى والقدرة.
والمعنى: أي أسكنوا مطلقات نسائكم في الموضع الذي تسكنون فيه على مقدار حالكم، فإن لم تجدوا إلا حجرة بجانب حجرتكم .. فأسكنوها فيها. وإنما أمر الرجال بذلك لأن السكنى نوع من النفقة، وهي واجبة على الأزواج.
ثم نهى عن مضارة المطلقات في السكنى، فقال: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾؛ أي: ولا تقصدوا أيها الأزواج إدخال الضرر عليهن في السكنى بأي وجه كان. فالمفاعلة هنا ليست على بابها. ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ في المسكن ببعض الأسباب، من إنزال من لا يوافقهن معهن، أو بشغل مكانهن، أو غير ذلك، وتلجئوهن إلى الخروج.
والمعنى: ولا تستعملوا معهن الضرار في السكنى، بشغل المكان أو بإسكان غيرهن معهن ممن لا يحببن السكنى معه؛ لتلجئوهن إلى الخروج من مساكنهن. وفيه حث على المروءة والمرحمة، ودلالة على رعاية الحق السابق حتى يتيسر لها التدارك في أمر المعيشة من تزوج آخر أو غيره.
ثم بين نفقة الحوامل، فقال: ﴿وَإِنْ كُنَّ﴾؛ أي: المطلقات ﴿أُولَاتِ حَمْلٍ﴾؛ أي: ذوات حبل؛ أي: حاملات. و ﴿أُولَاتِ﴾ منصوب بالكسر؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. وتنوين ﴿حَمْلٍ﴾ للتعميم؛ يعني أيّ حمل كان قريب الوضع أو بعيده. ﴿فَأَنْفِقُوا﴾ أيها المطلِّقون ﴿عَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: على المطلقات الحوامل ﴿حَتَّى يَضَعْنَ﴾ ويلدن ﴿حَمْلَهُنَّ﴾ وحبلهن، فيخرجن من العدة، وتخلصوا من كلفة الإحصاء، ويحل لهن تزوج غيركم إن شئن؛ لأنه بالوضع تنقضي العدة. وهذا حكم المطلَّقة طلقة بائنة، أما المطلقة طلقة رجعية .. فتستحق النفقة وإن لم تكن حاملًا.
واعلم (١): أن البائن بالطلاق إذا كانت حاملًا لها النفقة والسكنى بالاتفاق، وأما البائن الحائل؛ أي: غير الحامل .. فتستحق النفقة والسكنى عند أبي حنيفة كالحامل، إلى أن تنقضي عدتها بالحيض أو بالأشهر، لما روي عن عمر - رضي الله
стр. 13689
عنه -: أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في المبتوتة: "لها النفقة والسكنى"؛ لأن ذلك جزاء الاحتباس وهو مشترك بين الحامل وغيرها، خلافًا للأئمة الثلاثة. وأما المتوفى عنهن أزواجهن: فلا نفقة لهن من التركة ولا سكنى، بل تعتد حيث تشاء وإن كن أولات حمل؛ لوقوع الإجماع على أن من أجبر الرجل في حياته على النفقة عليه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته، فكذا المتوفى عنها الحامل، وهو قول الأكثرين. وقال أبو حنيفة: تجب النفقة والسكنى لكل مطلقة، سواء كانت مطلقة بثلاث أو بواحدة، رجعية أو بائنة ما دامت في العدة، أما المطلقة الرجعية: فلأنها منكوحة كمانت، وإنما يزول النكاح بمضي العدة، وكونه في معرض الزوال بمضي العدة لا يسقط نفقتها، كما لو آلى وعلق طلاقها بمضي شهر. فالمطلقة الرجعية لها النفقة والسكنى بالإجماع، وأما المبتوتة: فعند أبي حنيفة لها النفقة والسكنى ما دامت في العدة؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾؛ إذ المعنى: أسكنوا المعتدات مكانًا من المواضع التي تسكنونها، وأنفقوا عليهن في العدة من سعتكم، لما قرأ ابن مسعود ﵁: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم﴾. وعند الشافعي: لها السكنى؛ لهذه الآية، ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ ...﴾ إلخ.
فإن قلت: فإذا كانت كل مطلقة عند أبي حنيفة يجب لها النفقة، فما فائدة الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ ...﴾ إلخ؟
قلت: فائدته: أن مدة الحمل ربما طالت، فظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل، فنفى ذلك الوهم، كما في "الكشاف".
﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ﴾ هؤلاء المطلقات ﴿لَكُمْ﴾ أيها الأزواج ولدًا من غيرهن أو منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية وعلاقة النكاح. وإنما قال: ﴿لَكُمْ﴾ ولم يقل أولادكم لما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. فالأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم، وعليه أن يتخذ له ظئرًا، إلا إذا تطوعت الأم برضاعه، وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على الإرضاع إن طلبن أو رَجوْنَ، فإن حكمهن في ذلك حكم الأظآر حينئذ. قال في "اللباب": فإن طلقها .. فلا يجب عليها الإرضاع إلا أن لا يقبل الولد ثدي غيرها،
стр. 13690
فيلزمها حينئذٍ. فإن اختلفا في الأجرة: فإنْ دعت إلى أجرة المثل وامتنع الأب إلا تبرعًا .. فالأم أولى بأجر المثل؛ إذ لم يجد الأب متبرعة، وإن دعا الأب إلى أجر المثل وامتنعت الأم لتطلب شططًا .. فالأب أولى به، فإن أعسر الأب بأجرتها .. أجبرت على إرضاع ولدها، أنتى.
﴿وَأْتَمِرُوا﴾ أيها الآباء والأمهات، وتشاوروا فيما ﴿بَيْنَكُمْ﴾ في شؤون أولادكم، وافعلوا فيهم ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: بما هو معروف وجميل وإحسان ومتعارف بين الناس غير منكر عندهم؛ أي: ليأمر بعضكم بعضًا بجميل في الإرضاع والأجر، وهو المسامحة. ولا يكن من الأب مماكسة، ولا من الأم معاسرة؛ لأنه ولدهما معًا، وهما شريكان فيه في وجوب الإشفاق عليه.
ومعنى الآية (١): أي فإن أرضعن لكم وهن طوالق قد بِنَّ بانقضاء عدتهن .. فلهن حينئذ أن يرضعن الأولاد، ولهن أن يمتنعن، فإن أرضعن .. فلهن أجر المثل، ويتفقن مع الآباء أو الأولياء عليه. وفي هذا إيماء إلى أن حق الرضاع والنفقة للأولاد على الأزواج، وحق الإمساك والحضانة على الزوجات. ﴿وَأْتَمِرُوا﴾؛ أي: وتشاوروا فيما بينكم أيها الآباء والأمهات في شؤون الأولاد بما هو أصلح لهم في أمورهم الصحية والخلقية والثقافية، ولا تجعلوا المال عقبة في سبيل إصلاحهم، ولا يكن من الآباء مماكسة في الأجر وسائر النفقات، ولا من الأمهات معاسرة وإحراج للآباء، فالأولاد هم فلذات أكبادهم، فليحافظوا عليهم جهد المستطاع.
ثم أرشد إلى ما يجب أن يعمل إذا لم يحصل الوفاق بين الأبوين في الإنفاق، فقال: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ أيها الآباء والأمهات؛ أي: تضايقتم وتشاكستم وتنازعتم في أجر الرضاع؛ كأن أبى الأب أن يعطي الأم أجرة إرضاعها، وأبت الأم أن ترضع الولد مجانًا ﴿فَسَتُرْضِعُ﴾ الولد ﴿لَهُ﴾؛ أي: لوالده امرأة ﴿أُخْرَى﴾ فليس له إكراه الأم على إرضاعه بل يستأجر الأب للصبي مرضعة غير أمه. وهذا أصل في وجوب نفقة الولد على الوالد دون الأم. والضمير (٢) في ﴿لَهُ﴾ للأب كما في "الكشاف" وهو الموافق لقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾، أو للصبي والولد كما في "الجلالين" وفيه: أن الظاهر حينئذ أن يقول: فسترضعه، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة، كما تقول لمن
стр. 13691
تستقضيه حاجة فيتوانى: سيقضيها غيرك، تريد: إن تبق غير مقضية فأنت ملوم.
قال سعدي المفتي: ولا يخلو من معاتبة الأب أيضًا، حيث أسقط في الجواب عن حيز شرف الخطاب مع الإشارة إلى أنه إن ضويقت الأم في الأجر فامتنعت من الإرضاع لذلك .. فلا بد من إرضاع امرأة أخرى، وهي أيضًا تطلب الأجر في الأغلب الأكثر، والأم أشفق وأحن، فهي به أولى.
وبما ذكرنا يظهر كمال الارتباط بين الشرط والجزاء. وإنما خص الأم بالعتاب؛ لأن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها، وهو ليس بمال ولا مما يضن به في العرف، ولا سيما من الأم، والمبذول من جهة الأب هو المال، وهو مضنون به في العادة، فهي إذًا أجدر باللوم وأحق بالعتب.
والمعنى: أي وإن ضيق بعضكم على بعض؛ بأن شاحَّ الأب في الأجر، أو اشتطت الأم في طلب زيادة لا يؤديها أمثاله .. فليحضر الأب مرضعًا أخرى تقوم بالإرضاع، فإن رضيت الأم بمثل ما استؤجرت به الأجنبية .. فهي أحق بولدها. وهذا إذا قبل الولد ثدي موضع أخرى، فإن لم يقبل إلا ثدي الأم .. وجب عليها الإرضاع بالأجر.
٧ - ثم بين مقدار الإنفاق بقوله: ﴿لِيُنْفِقْ﴾ والد ﴿ذُو سَعَةٍ﴾ ويسار على المرضع التي طلقت منه ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ متعلق بـ ﴿ينفق﴾؛ أي: بقدر سعته وغناه، وفيه الأمر لأهل السعة بأن يوسعوا على المرضعات من نسائهم على قدر سعتهم وغناهم. ﴿وَمَنْ قُدِرَ﴾ وضيق ﴿عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ وقوته ﴿فَلْيُنْفِقْ﴾ على المرضعة ﴿مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾؛ أي: مما أعطاه الله من الرزق ليس عليه غير ذلك وإن قلّ.
والمعنى: لينفق كل من الموسر والمعسر ما يبلغه وسعه ويطيقه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ سبحانه تعالى ﴿نَفْسًا﴾ معسرة ﴿إِلَّا مَا آتَاهَا﴾؛ أي: إلا بإنفاق ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير أن ينفق ما ليس في وسعه، بل عليه ما يقدر عليه وتبلغ إليه طاقته مما أعطاه الله من الرزق.
والمعنى: أي لا يكلف الله سبحانه أحدًا من النفقة على من تلزمه نفقته بالقرابة والرحم والنكاح إلا بمقدار ما آتاه من الرزق، فلا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني.
﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ﴾ سبحانه عاجلًا وآجلًا؛ إذ ليس في (السين) دلالة على تعين
стр. 13692
زمان، وكل آت قريب ولو كان الآخرة. ﴿بَعْدَ عُسْرٍ﴾ وضيق ﴿يُسْرًا﴾؛ أي: سعة؛ أي: سيجعل بعد شدة رخاء، ومن بعد ضيق سعة، ومن بعد فقر غنى، فالدنيا لا تدوم على حال كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾، وهذا كالبشرى للمؤمنين الذين كان يغلب عليهم الفقر والفاقة في ذلك الوقت.
أي: فلينتظر المعسر اليسر وفرج الله، فإن الانتظار عبادة، وفيه: تطييب لقلب المعسر، وترغيب له في بذل مجهوده، ووعد لفقراء الأزواج لا لفقراء ذلك الوقت عمومًا، كما جوزه الزمخشري، حيث قال: وعد لفقراء ذلك الوقت بفتح أبواب الرزق عليهم، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه، ولم يقصروا.
ولو عجز عن نفقة زوجته يفرق بينهما، قاله أبو هريرة، والحسن، وابن المسيب، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال عمر بن عبد العزيز وجماعة: لا يفرق بينهما.
وقرأ الجمهور: ﴿لِيُنْفِقْ﴾ بلام الأمر. وحكى أبو معاذ: (لينفَقَ) بلام كي ونصب القاف، ويتعلق بمحذوف تقديره: شرعنا ذلك لينفقَ. وقرأ الجمهور: ﴿قُدِرَ﴾ مخففًا، وابن أبي عبلة مشدد الدال.
٨ - ولما ذكر سبحانه ما تقدم من الأحكام .. حذر من مخالفتها، وذكر عتو قوم خالفوا أوامره، فحل بهم عذابه، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾؛ أي: وكثير من أهل قرية. و ﴿كأين﴾ بمعنى (كم) الخبرية في كونها للتكثير. والقرية: اسم لموضع اجتماع الناس، فهو من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ثم وصفه بصفته، أو من المجاز العقلي والإسناد إلى المكان. وهذه الآية تحذير للناس عن المخالفة في الأحكام المذكورة وتأكيد لإيجابها عليهم.
﴿عَتَتْ﴾ أي: استكبرت وأعرضت ﴿عَنْ﴾ امتثال ﴿أَمْرِ رَبِّهَا﴾ وإجابة دعوة ﴿وَرُسُلِهِ﴾ تعالى بسبب التجاوز عن الحد في التكبر والعناد. والعتو: الاستكبار ومجاوزة الحد فيه. والعتو لا يتعدى بـ ﴿عَنْ﴾، وإنما عُدِّيَ بها لتضمينه معنى الإعراض؛ كأنه قيل: أعرضت عن أمر ربها وأمر رسل ربها، بسبب التجاوز عن الحد في التكبر والعناد.
стр. 13693
وفي إيراده (١) صفة الرب توبيخ لهم، وتجهيل لما أن عصيان العبيد لربهم ومولاهم طغيان وجهل بشأن سيدهم ومالكهم وبمرتبة أنفسهم ودوام احتياجهم إليه في التربية. وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ بيان له، و ﴿عَتَتْ﴾ خبر المبتدأ. ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ في الدنيا ﴿حِسَابًا شَدِيدًا﴾؛ أي: ناقشناها في الحساب مناقشة شديدة، وضيقنا وشددنا عليها، وأخذناها في الدنيا بدقائق ذنوبها وجرائمها من غير عفو، بنحو القحط والجوع، والأمراض والأوجاع، والسيف وتسليط الأعداء عليها، وغير ذلك من البلايا مقدمًا معجلًا على استئصالها وذوقها العذاب الأكبر لترجع إلى الله تعالى؛ لأن البلاء كالسوط للسوق، فلم تفعل ولم ترفع رأسًا، فابتلاها الله بما فوق ذلك، كما قال: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا﴾؛ أي: استئصلناها بالعذاب ﴿عَذَابًا نُكْرًا﴾؛ أي: استئصالًا عظيمًا منكرًا هائلًا منفرًا عنه بالطبع، لشدته وإيلامه، أو غير متوقع، فإنهم كانوا لا يتوقعونه، ولو قيل لهم .. لما يصدقونه. والقهر الغير المتوقع أشد ألمًا، واللطف الغير المتوقع أتم لذة، وهو العذاب العاجل بالاستئصال، بنحو الإغراق والإحراق، والريح والصيحة، فالنكر: الأمر الصعب الذي لا يعرف، والإنكار ضد العرفان. وقرأ الجمهور بسكون الكاف، وقرىء بضمها.
وقال مقاتل: حاسبنا أهلها في الدنيا على عملها بالأخذ الشديد، وعذبناها في الآخرة عذابًا منكرًا فظيعًا بجهثم. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: عذبنا أهلها في الدنيا عذابًا نكرًا، بالجوع والقحط والسيف، والخسف والمسخ، وحاسبناها في الآخرة حسابًا شديدًا على أعمالهم.
٩ - ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾؛ أي: ضرر كفرها وثقل عقوبة معاصيها؛ أي: أحسته إحساس الذائق المطعوم. ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ هائلًا لا خسر وراءه؛ أي: وكان عاقبة أمرها هلاكًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة فتجارتهم خسارة لا ربح فيها، لتضييعهم بضاعة العمر والصحة والفراغ يصرفها في المخالفات. والخسر وكذا الخسران في الأصل: انتقاص رأس المال، كما سيأتي.
١٠ - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ مع ذلك في الآخرة. ولام ﴿لَهُمْ﴾ لام التخصيص، لا لام النفع، كما في قولهم: دعا له، في مقابلة دعا عليه. ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ وهو عذاب
стр. 13694
النار. والتكرير للتأكيد؛ أي (١): قدر العذاب الشديد عليهم في علمه على حسب حكمته، أو هيأ أسبابه في جهنم بحيث لا يوصف كنهه، فهم أهل الحساب والعذاب في الدنيا والآخرة لا في الدنيا فقط، فإن ما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم؛ لعدم رجوعهم عن الكفر، فعذبوا عذاب الآخرة أيضًا. وهذا المعنى من قوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ إلى هنا هو اللائق بالنظم الكريم، هكذا ألهمت به حين المطالعة، ثم وجدت في تفسير "الكواشي" و"كشف الأسرار" و"أبي الليث" و"الأسئلة المقحمة" ما يدل على ذلك. والحمد الله تعالى، فلا حاجة إلى أن يقال: إن فيه تقديمًا وتأخيرًا، وإن المعنى: عذبناها عذابًا شديدًا في الدنيا، وحاسبناها حسابًا شديدًا في الآخرة، على أن لفظ الماضي للتحقيق، كأكثر ألفاظ القيامة.
ومعنى الآية (٢): أي وكثير من أهل القرى خالفوا أمر ربهم، فكذبوا الرسل الذين أرسلوا إليهم ولجوا في طغيانهم يعمهون، وسنحاسبهم حسابًا عسيرًا، ونستقصي عليهم ذنوبهم، ونناقشهم على النقير والقطمير، ونعذبهم عذابًا نكرًا في الآخرة. وعبر بالماضي عن المستقبل دلالة على التحقق، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، ثم بين أن هذا جزاء ما كسبت أيديهم، فقال: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا ...﴾ إلخ؛ أي: وستجني ثمار ما غرست أيديها، ولا يجنى من الشر إلا الشر، كما جاء في أمثالهم: لا تجني من الشوك العنب. فكان عاقبة أمرها الخسران والنكال الذي لا يقادر قدره. ثم أكد هذا الوعيد بقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؛ أي: هيأ الله لهم العذاب المرتقب؛ لتماديهم في طغيانهم وإعراضهم عن اتباع الرسل فيما جاؤوا به من عند ربهم.
ثم نبه المؤمنين إلى تقوى الله حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب من قبلهم، فقالوا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: فخافوا عقاب الله سبحانه ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: يا أصحاب العقول الراجحة والفطر السليمة ﴿الَّذِينَ﴾ لرجاحة عقولهم وسلامة فطرهم ﴿آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، واحذروا أن يحل بكم مثل ما حل بمن قبلكم وتذكروا فإن الذكرى تنفع المؤمنين. والموصول في محل النصب نعت للمنادى، أو عطف بيان له، أو منصوب بتقدير: أعني.
стр. 13695
والظاهر (١): أن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، خبره قوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ﴾. والخطاب فيه من قبيل الالتفات من الغيبة؛ أي: قد أنزل الله إليهم ﴿ذِكْرًا﴾ هو القرآن،
١١ - وأرسل إليهم ﴿رَسُولًا﴾ هو محمد ﷺ فهو منصوب بفعل مقدر على حد:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا
وقرىء: ﴿رسولٌ﴾ بالرفع؛ أي: هو رسول، على إضمار هو. وجملة قوله: ﴿يَتْلُو﴾؛ أي: يقرأ ويعرض ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا أولي الألباب، أو يا أيها المؤمنون، أو ﴿عليهم﴾ على الالتفات السابق صفة ﴿رَسُولًا﴾. ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: القرآن ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ بالكسر؛ أي: حال كون تلك الآيات مبينات ومظهرات لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام. أو بالفتح؛ أي: واضحات لا خفاء في معانيها عند الأهالي، أو لا مرية في إعجازها عند البلغاء المنصفين.
وقرأ الجمهور (٢): بالفتح على صيغة اسم المفعول، وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي بالكسر على صيغة اسم الفاعل. ورجح القراءة الأولى أبو حاتم وأبو عبيد؛ لقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾.
وإنما يتلوها، أو أنزله ﴿لِيُخْرِجَ﴾ الرسولُ، ويخَلِّصَ، أو الله تعالى. قال بعضهم: اللام متعلقة بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ لا بقوله: ﴿يَتْلُو﴾؛ لأن ﴿يَتْلُو﴾ مذكور على سبيل التبعية دون ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الموصول عبارة عن المؤمنين بعد إنزاله، إلا .. فإخراج الموصوفين بالإيمان من الكفر لا يمكن إذ لا كفر فيهم حتى يخرجوا منه؛ أي: ليحصل لهم الرسول ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح بإخراجهم عما كانوا عليه. أو ليخرج الله من علم أو قدر أنه سيؤمن، أو أطلق عليهم ﴿آمَنُوا﴾ باعتبار ما آل أمرهم إليه. ولم يقل (٣): ليخرجكم إظهارًا لشرف الإيمان والعمل والصالح، وبيانًا لسبب الإخراج وحثًا على التحقق بهما. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: من الضلالة إلى الهدى، ومن الباطل إلى الحق، ومن الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان؛ ومن الشبهات إلى الدلائل والبراهين، ومن الغفلة إلى اليقظة.
стр. 13696
والمعنى (١): أي قد أنزل الله سبحانه إليكم - يا ذوي البصائر - ذكرا لكم، وهو القرآن الكريم يذكركم به لتستمسكوا بحبله المتين، وتعملوا بطاعته، وأرسل إليكم رسولًا يتلو عليكم آيات هذا الكتاب الذي أنزل عليه، وهي واضحات لمن تدبرها وعقلها كي يخرج من لديه استعداد للهدى من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إذا هو أمعن في النظر فيها، وأجال الفكر في أسرارها ومغازيها، فهي النبراس الساطع والضوء اللامع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ثم بيّن جزاء الإيمان والعمل الصالح، فقال: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ﴾ ويصدق ﴿بِاللَّهِ﴾ سبحانه وعظيم قدرته وبديع حكمته ﴿وَيَعْمَلْ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾؛ أي: خالصًا من الرياء والتصنع والغرض. وهو استئناف لبيان شرف الإيمان والعمل الصالح، ونهاية أمر من اتصف بهما، تنشيطًا وترغيبًا لغير أهلهما لهما؛ أي: ومن يجمع بين التصديق والعمل بما فرضه الله عليه مع اجتناب ما نهاه عنه ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ وبساتين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت قصورها أو أشجارها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة المذكورة في سورة محمد ﷺ .
وقرأ الجمهور: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ بالتحتية. وقرأ نافع، وابن عامر بالنون.
حال كونهم ﴿خَالِدِينَ﴾؛ أي: مقيمين ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات إقامة مؤبدة دائمين فيها. وهو حال من مفعول ﴿يُدْخِلْهُ﴾. والجمع (٢) باعتبار معنى ﴿مَنْ﴾ كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها. ﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان بمعنى دائمًا غير منقطع، فيكون تأكيدًا للخلود؛ لئلا يتوهم أن المراد به المكث الطويل المنقطع آخرًا.
وجملة قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في ﴿خَالِدِينَ﴾ على التداخل، أو من مفعول ﴿يُدْخِلْهُ﴾ على الترادف. ومعنى ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾؛ أي: وسع له رزقه في الجنة. وفيه (٣) معنى التعجب والتعظيم لما رزقه الله سبحانه المؤمنين من الثواب؛ لأن الجملة الخبرية إذا لم يحصل منها فائدة الخبر ولا لازمها .. تحمل على التعجب إذا اقتضاه المقام؛ كأنه قيل: ما أحسن
стр. 13697
رزقهم الذي رزقهم الله تعالى، وما أعظمه. فرزقًا ظاهره المفعولية لأحسن، والتنوين للتعظيم؛ لإعداده تعالى فيها ما هو خارج عن الوصف، أو للتكثير عددًا؛ لما فيه مما تشتهيه الأنفس من الرزق والأنفس، أو مددًا؛ لأن أكلها دائم لا ينقطع ولا بعد في أن يكون ﴿لَهُ﴾ بمعنى: إليه، ويكون ﴿رِزْقًا﴾ تمييزًا، بمعنى: قد هيأ له وأعد ما يحسن إليه به من جهة الرزق.
ومعنى الآية (١): أي ومن يصدق بوحدانية الله وعظيم قدرته وبديع حكمته، ويعمل بطاعته .. ويدخله بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، لا يموتون ولا يخرجون منها، وقد وسع الله لهم فيها الأرزاق من مطاعم ومشارب مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
١٢ - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ الاسم الشريف مبتدأ، والموصول مع صلته خبره؛ أي: المعبود الذي يستحق منكم العبادة هو الإله القادر، الذي خلق وأبدع على غير مثال سابق سبع طبقات علوية. ونكرها للتعظيم المفيد لكمال قدرة صانعها، أو لكفايته في المقصود من إثبات قدرته الكاملة على وفق حكمته الشاملة، وذلك يحصل بإخبار خلقه تعالى سبع سموات من غير نظر إلى التعيين. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: وخلق عن الأرض ﴿مِثْلَهُنَّ﴾؛ أي: مثل السموات السبع في العدد والطباق، فقوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ منصوب بفعل مضمر بعد الواو، دل عليه الناصب لسبع سموات، وليس بمعطوف على سبع سموات؛ لأنه يستلزم الفصل بين حرف العطف - وهو الواو - وبين المعطوف بالجار والمجرور، وصرح سيبويه وأبو علي بكراهيته في غير موضع الضرورة.
واختلف في كيفية طبقات الأرض (٢): قال القرطبي في "تفسيره": واختلف فيهن على قولين:
أحدهما - وهو قول الجمهور -: أنها سبع أرضين طباقًا، بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان من خلق الله.
стр. 13698
وقال الضحاك: إنها مطبقة بعضها فوق بعض من غير فتوق ولا فرجة بخلاف السموات.
والقول الأول أصح؛ لأن الأخبار الصحيحة دالة عليه:
منها: ما في "صحيح مسلم" عن سعيد بن زيد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا .. فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين ... " إلى آخر كلامه.
ومنها: ما روي عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: "ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن، والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة".
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب" من طريق أبى الضحى عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى. قال البيهقي: هذا إسناده صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا. قال أبو حيان: وهذا حديث لا شك في وضعه.
وقرأ الجمهور: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أو على تقدير فعل؛ أي: وخلق من الأرض مثلهن. وقرأ عاصم في رواية وعصمة عن أبي بكر عنه بالرفع على الابتداء والجار والمجرور قبله خبره.
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ﴾؛ أي: أمر الله، واللام عوض عن المضاف إليه. وقرأ الجمهور (١): ﴿يَتَنَزَّلُ﴾ مضارع تنزل وبرفع ﴿الْأَمْرُ﴾. وقرأ عيسى وأبو عمر في رواية ﴿ينزِّل﴾ مضارع نزل مشددًا، ﴿الأمر﴾ بالنصب، والفاعل ﴿الله﴾ سبحانه. وقرىء: ﴿ينزِل﴾ مخففًا، مضارع أنزل. ﴿بَيْنَهُنَّ﴾؛ أي: بين السموات السبع والأرضين السبع.
والظاهر (٢): أن الجملة استئنافية للإخبار عن شمول جريان حكمه ونفوذ أمره في العلويات والسفليات كلها، فالأمر عند الأكثرين القضاء والقدر، بمعنى: يجري
стр. 13699
قضاؤه وينفذ حكمه بين السماء السابعة التي هي أعلى السموات وبين الأرض السابعة التي هي أسفل الأرضين، ولا يقتضي ذلك أن لا يجري في العرش والكرسي؛ لأن المقام اقتضى ذِكر ما ذَكره، والتخصيص بالذِّكر لا يقتضي التخصيص بالحكم.
وقال قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. وقيل: هو يدبر فيهن من عجيب تدبيره. فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء ويخلق المخلوقات على اختلاف ألوانها وهيئاتها، فينقلهم من حالٍ إلى حال.
والمعنى: يجري أمر الله وقضاؤه وقدره، وينفذ حكمه فيهن، فهو يدبر ما فيها وفق علمه الواسع وحكمته في إقامة نظمها بحسب العدل والمصلحة.
و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ متعلق (١) بـ ﴿خَلَقَ﴾، أو بـ ﴿يَتَنَزَّلُ﴾ أو بما يعمهما؛ أي: فعل ذلك لتعلموا أن من قدر على ما ذكر .. قادر على كل شيء، ومنه البعث للحساب والجزاء، فتطيعوا أمره وتقبلوا حكمه، وتستعدوا لكسب السعادة والخلاص من الشقاوة. واللام لام المصلحة والحكمة؛ لأن فعله تعالى نجال عن العبث، لا لام الغرض، فإنه تعالى منزه عن الغرض؛ إذ هو لمن له الاحتياج، والله تعالى غني عن العالمين. ﴿و﴾ لتعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ كما أحاط به قدرة؛ لاستحالة صدور الأفعال المذكورة ممن ليس كذلك. والإحاطة: العلم البالغ، فلا يخرج عن علمه شيء منها كائنًا ما كان. ويجوز أن يكون العامل في اللام بيان ما ذكر من الخلق وتنزل الأمر؛ أي: أوحى ذلك وبينه لتعلموا بما ذكر من الأمور التي تشاهدونها والتي تتلقونها من الوحي من عجائب المصنوعات أنه لا يخرج عن علمه وقدرته شيء ما أصلًا. وقوله: ﴿عِلْمًا﴾ نصب على التمييز المحول عن الفاعل؛ أي: ﴿أَحَاطَ﴾ علمه بكل شيء كما في "عين المعاني أو على المصدر المؤكد لأن ﴿أَحَاطَ﴾ بمعنى علم؛ أي: وأن الله قد علم كل شيء علمًا، كما في "فتح الرحمن" أو على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: أحاط إحاطة علمًا، كما في "الشوكاني".
стр. 13700
وروي عن الإمام أبي حنيفة: أن هذه الآية من أخوف الآيات في القرآن.
وقرأ الجمهور (١): ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ بتاء الخطاب. وقرىء بياء الغيبة.
والمعنى (٢): ينزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كنه قدرته وسلطانه، وأنه لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه أمر شاءه، فهو على ما يشاء قدير. ولتعلموا أن الله بكل شيء من خلقه محيط علمًا، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. فخافوا أيها المخالفون أمر ربكم؛ فإنه لا يمنعه من عقوبتكم مانع، وهو قادر على ذلك ومحيط بأعمالكم، لا يخفى عليه منها خاف، وهو محصيها عليكم ليجازيكم بها يوم تجزى كل نفس بما كسبت واكتسبت.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿النَّبِيُّ﴾: صفة لـ ﴿أيُّ﴾ أو بدل منه، أو عطف بيان، وجملة النداء مستأنفة. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إذا﴾ ﴿طلقوهن﴾: فعل وفاعل، ومفعول به، والجملة جواب ﴿إذا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ الشرطية جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿لِعدَّتِهِنَّ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف وقع حالًا من مفعول ﴿طلقوهن﴾؛ أي: حالة كونهن مستأنفات ومستقبلات لعدتهن ومتوجهات إليها. وهذا أولى ما قيل في بيان متعلق اللام. وقيل: متعلق بـ ﴿طلقوهن﴾ على تقدير مضاف؛ أي: طلقوهن لاستقبال عدتهن ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾: فعل وفاعل، ومفعول، معطوف على ﴿طلقوهن﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف أيضًا على ﴿طلقوهن﴾، ﴿رَبَّكُمْ﴾: بدل من الجلالة، ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾: فعل مضارع، وفاعل،
стр. 13701
ومفعول به مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية معطوف على ﴿طلقوهن﴾ بعاطف مقدر، ﴿مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾: متعلق بـ ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿يَخْرُجْنَ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون الإناث في محل الرفع فاعل. والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾. وإنما جمع بين النهيين إشارة إلى أن الزوج لو أذن لها في الخروج لا يجوز لها الخروج. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من أعم الأحوال، ﴿أَنْ﴾ حرف مصدر ونصب، ﴿يَأْتِينَ﴾: فعل مضارع في محل النصب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع فاعل، ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَأْتِينَ﴾ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾: صفة لـ ﴿فاحشة﴾، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على الحال من فاعل ﴿لا يخرجن﴾، ومن مفعول ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ ولكنه في تأويل مشتق تقديره: لا تخرجوهن، ولا يخرجن في حال من الأحوال إلا في حال كونهن آتيات بفاحشة مبينة.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
﴿وَتِلْكَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿تلك﴾: مبتدأ، ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يَتَعَدَّ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: مفعول به. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب (مَنْ) الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها.
﴿لَا﴾ نافية، ﴿تَدْرِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على المطلق، ومفعول الدراية محذوف تقديره: لا تدري أيها المطلق عاقبة أمرك وأمرها. والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل مضمون جواب الشرط. ﴿لَعَلَّ﴾: حرف نصب بمعنى ﴿إن﴾ مجرد عن معنى الترجي، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿يُحْدِثُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿يُحْدِثُ﴾، ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿يُحْدِثُ﴾ في محل
стр. 13702
الرفع خبر ﴿لَعَلَّ﴾، وجملة ﴿لَعَلَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل جملة الدراية، كما مرّ في مبحث التفسير.
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾.
﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ذكرته من أحكام الطلاق، وأردت بيان حكم الرجعة، فأقول لك: ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿بَلَغْنَ﴾: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة فاعل، ﴿أَجَلَهُنَّ﴾: مفعول به، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب الشرط، ﴿أمسكوهن﴾: فعل أمر، وفاعل، ومفعول به، والجملة جواب ﴿إذا﴾ الشرطية، وجملة ﴿إذا﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: حال من ضمير الإناث، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: حال كون إمساكهن متلبسًا بمعروف. ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: معطوف على ﴿أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، ﴿وَأَشْهِدُوا﴾: فعل أمر، وفاعل، معطوف على ﴿أَمْسِكُوهُنَّ﴾، ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾: مفعول به منصوب بالياء؛ لأنه تثنية ذا؛ بمعنى صاحب ﴿مِنْكُمْ﴾: صفة لـ ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾؛ أي: كائنين منكم. ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾: فعل أمر، وفاعل، ومفعول به معطوف على ﴿أشهدوا﴾، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَأَقِيمُوا﴾؛ أي: لوجه الله.
﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
﴿ذَلِكُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُوعَظُ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿يُوعَظُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُوعَظُ﴾، ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يُوعَظُ﴾، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص، واسما ضمير مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ وجملة ﴿يُؤْمِنُ﴾ في محل نصب خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿مَن﴾ الموصولة ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُ﴾، ﴿وَالْيَوْمِ﴾: معطوف على الجلالة، ﴿الْآخِرِ﴾: صفة لـ ﴿الْيَوْمِ﴾، ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية أو اعتراضية، ﴿مَن﴾: اسم شرط في
стр. 13703
محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، ﴿يَتَّقِ اللَّهَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿يَجْعَلْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾ مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، ﴿له﴾ متعلق بـ ﴿يَجْعَلْ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له، ﴿مَخْرَجًا﴾: مفعول أول له، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة سيقت استطرادًا لذكر المؤمنين، أو اعتراضية لاعتراضها بين أحكام المطلقات.
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾.
﴿وَيَرْزُقْهُ﴾: فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على ﴿يَجْعَلْ﴾، ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: متعلق بـ ﴿يرزق﴾، وجملة ﴿لَا يَحْتَسِبُ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾، ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، ﴿يَتَوَكَّلْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَتَوَكَّلْ﴾، ﴿فَهُوَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿هو﴾: مبتدأ، ﴿حَسْبُهُ﴾: خبر. والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿بالغُ﴾: خبره، ﴿أَمْرِهِ﴾: مضاف إليه أو مفعول به، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له إن كانت بمعنى التصيير، ﴿قَدْرًا﴾: مفعول ثان له. والجملة الفعلية في محل الرفع بدل من ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ على كونه خبر لـ ﴿إنّ﴾.
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾.
﴿وَاللَّائِي﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿اللَّائِي﴾: اسم موصول للجمع المؤنث في محل الرفع مبتدأ، ﴿يَئِسْنَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿مِنَ الْمَحِيضِ﴾: متعلق بـ ﴿يَئِسْنَ﴾، ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: حال من فاعل ﴿يَئِسْنَ﴾، ﴿إِنِ﴾: حرف شرط،
стр. 13704
﴿ارْتَبْتُمْ﴾: فعل، وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية، ﴿عدتهن﴾: مبتدأ، ﴿ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية وجوابها في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. وقيل: الجملة الاسمية خبر اللاتي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، وتكون جملة الشرط وجوابه معترضة. والأول أولى؛ لسهولته ولاستغنائه عن التقدير. ﴿وَاللَّائِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اللائي﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَمْ يَحِضْنَ﴾ صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوت، تقديره: فكذلك أو مثلهن؛ أي: فعدتهن ثلاثة أشهر. ولو قيل: إنه معطوف على ﴿اللَّائِي يَئِسْنَ﴾ عطف المفردات، وأخبر عن الجميع بقوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ .. لكان وجهًا حسنًا. ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾: مبتدأ أول، ومضاف إليه ﴿أَجَلُهُنَّ﴾: مبتدأ ثان، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿يَضَعْنَ﴾: فعل مضارع في محل النصب مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع فاعل، ﴿حَمْلَهُنَّ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على الخبرية، تقديره: أجلُهن وضعُهن حملَهن. وجملة المبتدأ الثاني في محل الرفع خبر عن الأول، وجملة الأول معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾ شرطية في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، وجملة ﴿يَتَّقِ اللَّهَ﴾: فعل شرط لها، وجملة ﴿يَجْعَلْ﴾ جوابها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿له﴾ في موضع المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: حال من ﴿يُسْرًا﴾، و ﴿يُسْرًا﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾.
﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾.
﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْزَلَهُ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَهُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ﴾: اسم شرط وفعله، ﴿اللَّهَ﴾ لفظ الجلالة مفعول و ﴿يُكَفِّرْ﴾: جوابه، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿عنه﴾: متعلق بـ ﴿يُكَفِّرْ﴾، ﴿سَيِّئَاتِهِ﴾: مفعول به. ﴿وَيُعْظِمْ﴾: معطوف على جواب الشرط، ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿يعظم﴾، ﴿أَجْرًا﴾: مفعول به.
стр. 13705
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾.
﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾: فعل أمر، وفاعل، ومفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ متعلق بـ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، وجملة ﴿سَكَنْتُمْ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾، ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تُضَارُّوهُنَّ﴾: فعل مضارع، وفاعل، ومفعول به، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. والجملة معطوفة على جملة ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾. ﴿لِتُضَيِّقُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تضيقوا﴾: فعل مضارع، ومفعول تضيقوا محذوف، تقديره: لتضيقوا المساكن أو النفقة. وجملة ﴿تضيقوا﴾ صلة أن المضمرة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لتضيحق المساكن، ﴿عَلَيْهِنَّ﴾: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُضَارُّوهُنَّ﴾.
﴿أَوَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.
﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية، ﴿إنْ﴾: حرف شرط، ﴿كُنَّ﴾: فعل ماض ناقص في محل جزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، مبني بسكون على النون المدغمة في نون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع اسمها، ﴿أُولَاتِ حَمْلٍ﴾: خبرها. ﴿فَأَنْفِقُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية، ﴿أَنْفِقُوا﴾: فعل أمر في محل جزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية، على كونه جوابًا لها، مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، ﴿عَليهِن﴾: متعلق بـ ﴿أَنْفِقُوا﴾، والجملة مستأنفة أو معطوفة على ما قبلها. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، ﴿يَضَعْنَ﴾: فعل مضارع في محل النصب بأن المضمرة بعد حتى، مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع فاعل، ﴿حَمْلَهُنَّ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، بمعنى إلى، تقديره: إلى وضعهن حملهن، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَنْفِقُوا﴾، ﴿فإنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حكم إنفاقهن، وأردتم بيان حكم إرضاع الولد .. فأقول لكم: إن أرضعن لكم. ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿أَرْضَعْنَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية، مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث فاعل، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْضَعْنَ﴾ ومفعول ﴿أَرْضَعْنَ﴾
стр. 13706
محذوف، تقديره: ولدًا منهن. ﴿فَآتُوهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿اتوهن﴾: فعل أمر، وفاعل ومفعول أول، ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مفعول ثان لأن ﴿آتى﴾ بمعنى أعطى، وجملة الأمر في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَأْتَمِرُوا﴾: فعل أمر، وفاعل، معطوف على ﴿آتوهن﴾؛ أي: ليأمر بعضكم بعضًا. ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿أْتَمِرُوا﴾، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: متعلق بـ ﴿أْتَمِرُوا﴾ أيضًا. ﴿وإن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنْ﴾ حرف شرط، ﴿تَعَاسَرْتُمْ﴾: فعل، وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿فَسَتُرْضِعُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية وجوبًا لاقترانه بحرف التنفيس، و ﴿السين﴾: حرف استقبال، ﴿ترضع﴾: فعل مضارع مرفوع، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿ترضع﴾، ﴿أُخْرَى﴾: فاعل. والجملة في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية معطوفة على ما قبلها.
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾.
﴿لِيُنْفِقْ﴾: ﴿اللام﴾: لام أمر، ﴿ينفق﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ﴿ذُو سَعَةٍ﴾: فاعل مرفوع بالواو؛ لأنه من الأسماء الستة، ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾: متعلق بـ ﴿ينفق﴾، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، ﴿قُدِرَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿قُدِرَ﴾، ﴿رِزْقُهُ﴾: نائب فاعل، ﴿فَلْيُنْفِقْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية، و ﴿اللام﴾: لام الأمر، ﴿ينفق﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ الشرطية ﴿مما﴾: متعلق بـ ﴿ينفق﴾ وجملة ﴿ينفق﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿لْيُنْفِقْ﴾ لاشتمالها على الطلب أيضًا، وجملة ﴿آتَاهُ اللَّهُ﴾: صفة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾: فعل وفاعل، ومفعول أول، والجملة مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿ما﴾: مفعول به ثان لـ ﴿يُكَلِّفُ﴾، وجملة ﴿آتَاهَا﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة،
стр. 13707
﴿سَيَجْعَلُ﴾: ﴿السين﴾: حرف استقبال، ﴿يجعل الله﴾: فعل مضارع، وفاعل، ﴿بَعْدَ عُسْرٍ﴾: ظرف متعلق بمحذوف، وهو المفعول الثاني لـ ﴿يجعل﴾. ﴿يُسْرًا﴾: مفعول أول لـ ﴿يجعل﴾، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لتأكيد الوعد للفقراء بفتح أبواب الرزق.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾.
﴿وَكَأَيِّنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كأين﴾: اسم مبهم، بمعنى كم الخبرية، في محل الرفع مبتدأ، ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: تمييز لـ ﴿كأين﴾، و ﴿مِنْ﴾ زائدة، وجملة ﴿عَتَتْ﴾؛ أي: أعرضت، خبرها. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿عَنْ أَمْرِ﴾: متعلق بـ ﴿عَتَتْ﴾، ﴿رَبِّهَا﴾: مضاف إليه، ﴿وَرُسُلِهِ﴾: معطوف على ﴿رَبِّهَا﴾، ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿حاسبناها﴾: فعل وفاعل، ومفعول به، ﴿حِسَابًا﴾: مفعول مطلق، ﴿شَدِيدًا﴾: صفة ﴿حِسَابًا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿عَتَتْ﴾، ﴿وَعَذَّبْنَاهَا﴾: فعل، وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿حاسبناها﴾، ﴿عَذَابًا﴾: مفعول مطلق، ﴿نُكْرًا﴾: صفة ﴿عَذَابًا﴾. ﴿فَذَاقَتْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ذاقت﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿قرية﴾، معطوف على ﴿عذبنا﴾، ﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾: مفعول به، ومضاف إليه، ﴿وَكَانَ﴾: فعل ماض ناقص، معطوف على ﴿ذاقت﴾، ﴿عَاقِبَةُ أَمْرِهَا﴾: اسمها، ﴿خُسْرًا﴾: خبرها.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ﴾: فعل، وفاعل، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَعَدَّ﴾، ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به، ﴿شَدِيدًا﴾: صفة ﴿عَذَابًا﴾، والجملة مفسرة لما تقدم تأكيدًا للوعيد، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما ذكر من استئصال الأمم الماضية بمخالفة أمر ربها ورسله، وأردتم بيان ما هو النجاة لكم من ذلك .. فأقول لكم: اتقوا الله. ﴿اتقوا الله﴾: فعل أمر، وفاعل، ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿يَا أُولِي﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أولي﴾:
стр. 13708
منادى مضاف منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، ﴿الْأَلْبَابِ﴾: مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة على كونها جواب الأمر السابق. ﴿الَّذِينَ﴾: نعت للمنادى، أو بدل منه، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة له، ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿ذِكْرًا﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة.
﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾.
﴿رَسُولًا﴾: منصوب بفعل مقدر لدلالة ما قبله عليه، تقديره: أرسل إليكم رسولًا، والجملة معطوفة بعاطف مقدر على ﴿أَنْزَلَ﴾، على حد قوله:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا ... حَتَّى غَدَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
أي: وسقيتها ماء باردًا، وفيه أوجه كثيرة من الإعراب مذكورة في المطولات.
وجملة ﴿يَتْلُو﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿رَسُولًا﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَتْلُو﴾، ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾: مفعول به، ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾: حال من ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾، ﴿لِيُخْرِجَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يخرج﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لإخراجه الذين آمنوا، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ أوبـ ﴿يَتْلُو﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل نصب مفعول به. وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿يخرج﴾، ﴿إِلَى النُّور﴾: متعلق بـ ﴿يخرج﴾ أيضًا، ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة جواب الشرط أو الجواب، ﴿يُؤْمِنْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنْ﴾، ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على ﴿يُؤْمِنْ﴾، ﴿يُدْخِلْهُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به ثان على السعة لـ ﴿يُدْخِلْهُ﴾، ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ﴾
стр. 13709
تَحْتِهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾، روعي فيه معنى ﴿مَنْ﴾ الشرطية بعد مراعاة لفظها، ﴿فيها﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿أَبَدًا﴾: ظرف هتعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق، ﴿أَحْسَنَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿أَحْسَنَ﴾، ﴿رِزْقًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في مل النصب حال ثانية من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾. وقد روعي فيها لفظ ﴿مَنْ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿الَّذِي﴾: خبره، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿خَلَقَ﴾: صلة الموصول ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ مفعول به ومضاف إليه، ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ﴾: حال من ﴿مِثْلَهُنَّ﴾، و ﴿مِثْلَهُنَّ﴾: مفعول به لفعل محذوف، تقديره: وخلق من الأرض مثلهن، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ﴾. ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ﴾: فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بَيْنَهُنَّ﴾: متعلق بـ ﴿يَتَنَزَّلُ﴾، ﴿لِتَعْلَمُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تعلموا﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: فاعل، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لعلكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَتَنَزَّلُ﴾. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، و ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر ﴿أنَّ﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿تعلموا﴾، تقديره: لتعلموا قدرة الله على كل شيء، و ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، ﴿أحَاطَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿الله﴾، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿أحَاطَ﴾، ﴿عِلْمًا﴾: تمييز محول عن الفاعل منصوب بـ ﴿أَحَاطَ﴾، وجملة ﴿أَحَاطَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ معطوفة على جملة أنَّ الأولى على كونها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي تعلموا، تقديره: وإحاطة علمه تعالى بكل شيء.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: قال في "المفردات". أصل الطلاق: التخلية من وثاق. ويقال: أطلقت البعير من عقاله، وطلقته، وهو طالق وطلق بلا قيد، ومنه: استعير: طلقت المرأة، إذا خليتها، فهي طالق؛ أي: مخلاة من حبالة النكاح. والطلاق اسم
стр. 13710
مصدر بمعنى التطليق، كالسلام والكلام بمعنى التسليم والتكليم. وفي ذلك قالوا: المستعمل في المرأة لفظ التطليق، وفي غيرها لفظ الإطلاق، حتى لو قال: أطلقتك .. لم يقع الطلاق ما لم ينوه، ولو قال: طلقتك .. وقع نوى أو لم ينوه.
﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ العدة مصدر عده يعده، كشده يشده شدة، وشرعًا: اسم لمدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها غالبًا؛ أي: مستقبلين لعدتهن؛ بأن تطلقوهن في طهر لا قربان فيه. ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾؛ أي: اضبطوها وأكملوها ثلاثة قروء كوامل. وأصل الإحصاء: العد بالحصى كما كان يستعمل ذلك قديمًا، ثم استعمل في مطلق العد والضبط، وأصله: أحصيوا، بوزن أفعلوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت الياء حذفت لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، ثم ضمت الصاد لمناسبة الواو.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾: والتقوى في الأصل: اتخاذ الوقاية، وهي: ما يقي الإنسان مما يكرهه، ويؤمل أن يحفظه، ويحول بينه وبين ذلك المكروه، كالترس ونحوه، ثم استعير في الشرع لاتخاذ ما يقي العبد بوعد الله ولطفه من قره، ويكون سببًا لنجاته من المضار الدائمة وحياته بالمنافع القائمة.
﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ - بالكسر - اسم فاعل، من بين اللازم، بمعنى تبين. والفاحشة: كل ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال، وهو الزنا في هذا المقام. وقيل: البذاء على الأسماء، أو على الزوج، أو الخروج قبل انقضاء العدة.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: شرائعه التي أمر بفعلها، ونهى عن ارتكابها، وهي جمع حدّ، والحد: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾: ﴿يَتَعَدَّ﴾: فيه إعلال بالحذف، فحذف حرف العلة عنه للجازم. ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ أي: أضر بها.
﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ والحدوث: كون الشيء بعد أن لم يكن، عرضًا كان ذلك أو جوهرًا، وإحداثه: إيجاده. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ وفي "المفردات": البلوغ والبلاغ: الانتاء إلى أقصى القصد والمبتغى، مكانًا كان أو زمانًا أو أمرًا من الأمور المقدرة، وربما يعبر به عن المشارفة عليه، وإن لم ينته إليه مثل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ ...﴾ إلخ كما مرّ. ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ والعدالة: هي الاجتناب عن الكبائر كلها، وعدم
стр. 13711
الإصرار على الصغائر، وغلبة الحسنات على السيئات. ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾: الوعظ: زجر يقترن بتخويف. ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾: المخرج مصدر ميمي؛ أي: خروجًا وخلاصًا مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضائق، ويفرج عنه ما يعتريه من الكروب.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل: سكون القلب في كل موجود ومفقود. ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾؛ أي: محسبه؛ أي: كافيه. ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾: ﴿يَئِسْنَ﴾ فعل ماض، والنون للنسوة. واليأس: القنوط ضد الرجاء، يقال: يئس من مراده ييأس يأسًا، وفي معناه: أيس يأيس يأسًا، وإياسًا لا أيسًا، وفاعلهما: آيس، لا يائس، يقال: امرأة آيس، إذا كان يأسها من الحيض دون آيسة؛ لأن التاء إنما زيدت في المؤنث، إذا استعملت الكلمة للمذكر أيضًا فرقًا بينهما، وإذا لم تستعمل له .. فأي حاجة إلى الزيادة؟ ومن ذلك يقال: امرأة حائض وطالق وحامل، بلا تاء إذا كان حملها من الولد، وأما إذا كان يأسها وحملها من غير الحيض وحمل الولد .. يقال: آيسة وحاملة. وفي "المغرب": اليأس: انقطاع الرجاء، وأما الإياس في مصدر الآيسة من الحيض .. فهو في الأصل: ائياس على وزن إفعال، حذفت منه الهمزة التي هي عين الكلمة تخفيفًا.
﴿الْمَحِيضِ﴾: الحيض: وهو في اللغة مصدر حاضت الأنثى، فهي حائض وحائضة؛ أي: خرج الدم من قُبلها، ويكون للأرنب والضبع والخفاش، كما ذكره الجاحظ. وفي "القاموس": حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا، فهي حائض. والمحيض: مصدر ميمي بمعنى الحيض، على وزن مفعل بفتح الميم وكسر العين، نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت إثر كسرة فصارت حرف مد. ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الهمزة فيه مبدلة من واو لظهور الواو في نسوة ونسوان. ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أصله: ارتيب، بوزن افتعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت لما سكن آخر الفعل عند الإسناد إلى ضمير الرفع المتحرك لالتقاء الساكنين.
﴿ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ والأشهر: جمع شهر، وهو مدة معروفة مشهورة بإهلال الهلال، ما مرّ بسطه. ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾. ﴿وَأُولَاتُ﴾: اسم جمع لا واحد له من لفظه، واحدتها: ذات، بمعنى صاحبة. والأحمال: جمع حمل - بفتح الحاء - كصحب وأصحاب. وفي "المختار": الحمل - بالفتح -: ما كان في البطن أو على
стр. 13712
رأس شجر، والحمل - بالكسر -: ما كان على ظهر أو رأس. اهـ. والمراد به هنا الحَبَل؛ أي: الثقل المحمول في البطن، وهو الولد في البطن. والمعنى: والحبالى منهن. ﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ مضارع وضع، وقياس مضارعه: يوضع، لكنهم حذفوا فالله التي هي الواو حملًا له على المثالي المكسور العين. ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ بضم الواو باتفاق القراء. والوجد: القدرة والغنى، يقال: افتقر فلان بعد وجده؛ أي: غناه. وفي "المختار": وجد في المال وجدًا، بضم الواو وفتحها وكسرها، وجدة أيضًا بالكسر؛ أي: استغنى. ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ أصله: تضاررونهن، حذفت نون الرفع لدخول الجازم، وهو ﴿لا﴾ الناهية، ثم أدغمت الراء الأولى في الثانية.
﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ الرضاع لغة: شرب اللبن من الضرع أو الثدي، وشرعًا: وصول لبن آدمية مخصوصة جوف طفل مخصوص على وجه مخصوص. ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ أصله: فائتيوهن، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت الياء حذفت لالتقاء الساكنين، وضمت التاء لمناسبة واو الجماعة، وأبدلت الهمزة الثانية ألفًا، وحذفت نون الرفع. ﴿وَأْتَمِرُوا﴾ الأصل: ائتمروا، بهمزة وصل قبل الهمزة فاء الفعل من ائتمر الخماسي، فلما دخلت الواو استغني بها عن همزة الوصل للتمكن من النطق عند وجودها. وقرىء: ﴿وَأْتَمِرُوا﴾ بإبدال الهمزة ألفًا حرف مدّ للواو، فالائتمار بمعنى التآمر، كاشتوار بمعنى التشاور، يقال: ائتمر القوم وتآمروا، إذا أمر بعضهم بعضًا. يعني: الافتعال قد يكون بمعنى التفاعل، وهذا منه.
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ قوله: ﴿سَعَةٍ﴾ فيه إعلال بالحذف، أصله: وسعة، حذفت الفاء من المصدر حملًا له على المضارع، فوزنه (عَلَةْ) ظهرت الفتحة على السين عين الكلمة؛ لأن الفعل من باب فعل بكسر العين، يفعل بفتحها، والتاء عوض عن الواو المحذوفة. ﴿مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ أصله: أءتيه، بوزن أفعل، أبدلت الهمزة الساكنة ألفًا حرف مد للأولى، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وكذلك القول في قوله: ﴿آتَاهُ﴾. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾. و ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ كـ (كم) الخبرية في كونها للتكثير. والقرية: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس. والمعنى: وكثير من أهل قرية. ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ قال في "المفردات": العتو: النبو عن الطاعة. وفي "القاموس": عتا يعتو عتوًا، وعتيًا وعتيًّا: استكبر وجاوز الحد، فهو عاتٍ وعتيٌّ. انتهى. وأصل عتا: عتو، بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت لما اتصلت
стр. 13713
بالفعل تاء التأنيث الساكنة لالتقاء الساكنين.
﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾: و ﴿ذاقت﴾ فيه إعلال بالقلب أصله: ذوقت، قلبت الواو لتحركها بعد فتح. ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ والخسر والخسران: انتقاص رأس المال، وينسب إلى الإنسان فيقال: خسر فلان، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾، أصله: أعدد، نقلت حركة الدال الأولى إلى العين فسكنت فأدغمت في الدال الثانية.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: تخصيص النبي ﷺ بالنداء، وتعميم المؤمنين بالخطاب في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إظهارًا لتقدمه واعتبارًا لترؤسه؛ لأنه إمام أمّته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان، افعلوا كيت وكيت.
ومنها: تغليب المخاطب على الغائب في قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ إظهارًا لشرفه واستتباعه إياهم؛ لأن المعنى إذا طلقت أنت وأمَّتك.
ومنها: وصفه تعالى بصفة ربوبيته لهم في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ تأكيدًا للأمر بالتقوى، ومبالغة في إيجاب الاتقاء.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾.
ومنها: إضافة البيوت إليهن في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ مع أنها للأزواج؛ لتأكيد النهي عن الإخراج ببيان كمال استحقاقهن لسكناها كأنها أملاكهن.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ بعد قوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ لتهويل أمر التعدي والإشعار بعلية الحكم في قوله: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. ونكتته مشافهة المتعدي بالخطاب لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي، والظاهر: أن يكون بطريق الغيبة: (لا يدري).
ومنها: مجاز المشارفة في قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: قاربن انقضاء
стр. 13714
عدتهم؛ لأنه لا يؤمر بالإمساك بعد انقضاء العدة.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. وكذلك في قوله: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾.
ومنها: الإيجاز بالحذت في قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ حذف منه الخبر؛ أي: فعدتهن ثلاثة أشهر أيضًا.
ومنها: التنوين في قوله: ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ للتعظيم؛ أي: أجرًا عظيمًا، وللتعميم المنبىء عن التتميم؛ أي: أيّ أجر كان.
ومنها: تكرار الأمر بالتقوى ثلاث مرات اهتمامًا بشان التقوى في أحكام الطلاق.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ يراد بها أهل القرية، فهو من باب إطلاق المحل وإرادة الحال، علاقته المحلية.
ومنها: إيراد صفة الرب في قوله: ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ توبيخًا لهم وتجهيلًا لما أن عصيان العبيد لربهم ومولاهم طغيان وجهل بشأن سيدهم، ومالكهم، وبمرتبة أنفسهم ودوام احتياجهم إليه في التربية.
ومنها: تكرار الوعيد للتفظيع والترهيب في قوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ﴾.
ومنها: في قوله: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. استعارتان تصريحيتان. استعار الظلمات للضلال والكفر، واستعار النور للهدى والإيمان. حيث شبه الكفر بالظلمات ثم حذف المشبه وأبقى المشبه به، وشبه الإيمان بالنور وحذف المشبه وأبقى المشبه به أيضًا.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ من الغيبة إلى الخطاب، وكان مقتضى السياق: قد أنزل الله إليهم ذكرًا، وكذا في قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. أكد الخلود فيها بقوله: ﴿أَبَدًا﴾ لئلا يتوهم أن المراد به: المكث الطويل المنقطع آخرًا.
ومنها: التعجب في قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾؛ لأن فيه معنى التعجب
стр. 13715
والتعظيم لما رزق الله المؤمنين من الثواب؛ لأن الجملة الخبرية إذا لم يحصل منها فائدة الخبر ولازمها تُحمل على التعجب، إذا اقتضاه المقام، كأنه قيل: ما أحسن رزقهم الذي رزقهم الله، وما أعظمه! والتنوين في ﴿رِزْقًا﴾ للتعظيم لإعداده تعالى فيها ما هو خارج عن الوصف، أو للتكثير عددًا لما فيه مما تشتهيه الأنفس من الرزق، أو مددًا؛ لأن أكلها دائم لا ينقطع.
والله أعلم
* * *
стр. 13716
خلاصة ما تضمنته هذه السورة من الشؤون
اشتملت هذه السورة على أحكام شرعية، ومناهج دينية، وفتاوى إسلامية وضعت لإقامة العدل بين الخلق، وما أهل الأرض ولا أحكامهم ولا شرائعهم ولا دياناتهم إلا لمحة من نور العدل العام، وقبضة من فيضه، وزهرة من شجرته، فكم بين السموات والأرض من قضاء في هذا الفضاء الواسع الصامت لفظًا، الناطق معنى؟ وكم من حكم بيننا نرى أثره، ولا نسمع النطق به؟ ترى الشمس محكومًا عليها أن تطلع من مواضع في المشرق وتغيبَ في مواضع في المغرب لا تجوزها، وترى الرياح محكومًا عليها والسحب مأمورة والأنهار جارية، والمزارع قد حكم عليها أن تكون في زمن خاص وأمكنة خاصة، فليس للقطن أن ينبت في البلاد الباردة، ولا أن يثمر في زمن الشتاء، ولا للنخل أن يثمر إلا بعد عدد من السنين، وكل ذلك حكم لمصلحة الناس وسعادتهم في دنياهم.
فانظر أيّ الحكمين أكثر منفعة، أَحُكْمٌ لمصلحةِ أشخاصٍ متنازعِينَ، أَم حكمٌ بسعادة هؤلاء المتنازعين من كل أهل ملة ودين؟
والله أعلم
* * *
стр. 13717
سورة التحريم
سورة التحريم مدنية، قال القرطبي في قول الجميع: نزلت بعد الحجرات، وتسمى (١) سورة النبي.
وأخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة التحريم بالمدينة، ولفظ ابن مردويه: سورة المحرم. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: أنزلت بالمدينة سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾.
وآيها (٢): اثنتا عشرة آية، وكلماتها: مئتان وسبع وأربعون كلمة، وحروفها: ألف وستون حرفًا.
ومناسبتا لما قبلها (٣):
١ - أن سورة الطلاق في حسن معاشرة النساء والقيام بحقوقهن، وهذه السورة فيما حصل منهن مع النبي ﷺ ؛ تعليمًا لأمته أن يحذروا أمر النساء وأن يعاملوهن بسياسة اللين، كما عاملهن النبي ﷺ بذلك، وأن ينصحوهن نصحًا مؤثرًا.
٢ - أن كلتيهما افتتحت بخطاب النبي ﷺ .
٣ - أن تلك في خصام نساء الأمة، وهذه في خصام نساء النبي ﷺ ، وقد أفردن بالذكر تعظيمًا لمكانتهن.
وقال أبو حيان (٤): والمناسبة بينها وبين السورة التي قبلها: أنه لما ذكر جملة من أحكام زوجات المؤمنين .. ذكر هنا ما جرى من زوجات رسول الله ﷺ .
الناسخ والمنسوخ فيها: وقال أبو عبد الله محمد بن حزم: سورة التحريم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
стр. 13718
التسمية: وسميت سورة التحريم؛ لأنه ذكر فيها تحريم النبي ﷺ ما احل الله له مع العتاب عليه.
فضلها: وذكر في فضلها أنه ﷺ قال: "من قرأ سورة التحريم .. آتاه الله توبة نصوحًا". وفيه مقال.
قال العلماء (١): والصحيح في سبب نزولها: أنها في قصة العسل لا في قصة مارية المروية في غير "الصحيحين"، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح. قال النسائي: إسناد حديث عائشة في العسل جيد صحيح غايةً.
والله أعلم
* * *
الزلات، وأبان لهن أن الله كالىء رسوله وناصره فلا يضره تظاهرهن عليه، ثم حذرهن من التمادي في مخالفته ﷺ خوفًا من الطلاق وحرمانهن من الشرف العظيم بكونهن أمهات المؤمنين، ومن استبدال غيرهن بهن من صالحات المؤمنات .. أمر المؤمنين عامة بوقاية أنفسهم وأهليهم من نار وقودها الناس والحجارة يوم القيامة، يقال للكافرين: لا تعتذروا فقد فات الأوان، وإنما تلقون جزاء ما عملتم في الدنيا، ثم أمر المؤمنين أن يقلعوا عن زلّاتهم وأن يتوبوا توبة نصوحًا، فيندموا على ما فرط منهم من الهفوات، ويعزموا على عدم العودة فيما هو آت، ليكفر الله عنهم سيئاتهم ويدخلهم جنات النعيم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّار ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أمر (١) المؤمنين بالتوبة النصوح والرجوع إلى الله والإخبات له .. أمر رسوله بقتال الكفار الذين يقفون في سبيل الدعوة إلى الإيمان بالله، وبوعيد المنافقين والغلظة عليهم حتى يثوبوا إلى رشدهم، وذكر أن جزاءهم في الآخرة جهنم وبئس المقيل والماوى.
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أمر عباده المؤمنين بالتوبة النصوح، بالندم على ما فات وعدم العودة فيما هو آت، وأمر رسوله بجهاد الكافرين والمنافقين والغلظة عليهم في القول والعمل .. ذكر هنا أن النفوس إن لم تكن مستعدة لقَبول الإيمان وفي جوهرها صفاء ونقاء .. فلا يجدي فيها الغلظة والعبرة ولا مخالطة المؤمنين المتقين، وضرب لذلك المثل بامرأة نوح وامرأة لوط، فقد كانتا في بيت النبوة ولم يلن قلبهما للإيمان والإسلام، كذلك إذا كان جوهر النفس نقيًا خالصًا من كدورة الكفر والنفاق فمجاورتها للكفرة وعشرتها إياهم لا تغير من حالها شيئًا، ولا يؤثر فيها ضلال الضالين، ولا عتو الظالمين، وضرب لذلك مثلًا بامرأة فرعون التي ألحف عليها فرعون وقومه أن تعتنق الوثنية التي كانوا يدينون بها، وتعتقد ألوهيته هو، فأبت وجاهدت في الله حق جهاد حتى لاقت ربها، وهي آمنة مطمئنة قريرة العين بما دخل في قلبها من نور الإيمان،
стр. 13721
وكذلك مريم ابنة عمران التي عفت فآتاها الله سبحانه الشرف والكرامة وأنجبت نبي الله عيسى، وصدقت بجميع شرائعه وكتبه، وكانت من العابدين القانتين.
وفي هذا المثل إيماء إلى أن قرابة المشركين للنبي ﷺ لا تجديهم نفعًا بعد كفرهم وعداوتهم له وللمؤمنين، فإن الكفر قد قطع العلائق بينه وبينهم، وجعلهم كالأجانب بل أبعد منهم، كحال امرأة نوح وامرأة لوط لما خانتاهما، كما تضمن التعريض بأُمَّي المؤمنين حفصة وعائشة لما فرط منهما، والتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات: ما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنة جحش ويشرب عندها عسلًا، فتواصيتُ أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها رسول الله ﷺ فلتقل: إني لأجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: "لا بأس، شربت عسلًا عند زينب بنة جحش، ولن أعود له" فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: "بل شربت عسلًا". الحديث، أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصرًا ومطولًا.
وأخرج النسائي كما في "تفسير ابن كثير"، والحاكم، وقال: على شرط مسلم، عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حرامًا، فأنزل الله هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ...﴾ إلى آخر الآية.
وفي "مجمع الزوائد" عن ابن عباس قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال: نزلت هذه في سريته، رواه البزار بالإسنادين والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح غير بشر بن آدم، وهو ثقة.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": يحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين
стр. 13722
معًا. اهـ. أي: بسبب تحريمه العسل وتحريمه جاريته. وقال الشوكاني في "تفسيره": فهذان سببان صحيحان لنزول الآية. والجمع ممكن بوقوع القصتين، قصة العسل وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعًا، وفي كل واحد منها أنه أسر الحديث إلى بعض أزواجه.
قوله تعالى: ﴿عسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه مسلم عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵃. قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب - فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، قال: فدخلت عليَّ عائشة فقلت: يا ابنة أبي بكر! أقد بلغ شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ما لي وما لك يا ابن الخطاب عليك بعيبتك، قال: فدخلتُ على حفصة فقلت لها: يا حفصة؛ أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله ﷺ ، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت فإذا أنا برباحٍ - غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أُسْكُفَّةِ المشربة مدلٍّ رجليه على نقير من خشب - وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر - فناديت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا، ثم قلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ، فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظنّ أني إنما جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي، فأومأ إليَّ أن إرقه، فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظًا، وإذا أفيق معلق، قال: فابتدرت عيناي، قال: "ما يبكيك يا ابن الخطاب" قلت: يا نبي الله! وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جسمك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذلك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله ﷺ وصفوته وهذه خزانتك، فقال:
стр. 13723
"يا ابن الخطاب! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا"؟ قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب فقلت: يا رسول الله! ما يشق عليك من شأن النساء، فإنْ كنت طلقتهن .. فإن الله معك، وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت، وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت الآية؛ آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: "لا" قلت: يا رسول الله! إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، أفانزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: "نعم إن شئت" فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر فضحك وكان من أحسن الناس ثغرًا، ثم نزل رسول الله ﷺ ونزلت، فنزلت أتثبت بالجذع، ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يَسِمُه بيده، فقلت: يا رسول الله! إنما كنتَ في الغرفة تسعة وعشرين، قال: "إن الشهر يكون تسعًا وعشرين"، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه ونزلت هذه الآية ﴿أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فكنتُ أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله آية التخيير.
وقد تقدم في سورة البقرة قول عمر: وافقت ربي في ثلاث، وذكر منها: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الكريم محمد ﷺ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ على نفسك ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿لَكَ﴾؛ أي: لأي شيء تمتنع من الانتفاع بما أحل الله لك؛ أي: لم تمتنع من شرب العسل الذي أحل الله لك، أو من وقاع مارية القبطية التي أهداها المقوقس ملك مصر. حال كونك ﴿تَبْتَغِي﴾ وتطلب وتقصد بذلك الامتناع ﴿مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾؛ أي: إرضاءهن عنك وتبشيرهن. وهذا عتاب من الله سبحانه لرسوله ﷺ على فعله ذلك؛ لأنه لم يكن عن باعث مرضي، بل كان طلبًا لمرضات الأزواج.
стр. 13724
وفي هذا (١) تنبيه إلى أن ما صدر منه ﷺ لم يكن مما ينبغي لمقامه الشريف أن يفعله. وفي ندائه ﷺ بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ في مفتتح العتاب حسن تلطف، وتنويه بشانه ﷺ على نحو ما جاء في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. ومعنى ﴿تُحَرِّمُ﴾: تمتنع، وليس التحريم المشروع بوحي من الله، وإنما هو امتناع لتطييب خاطر بعض أزواجه. وأصل ﴿لِمَ﴾ لما، والاستفهام لإنكار التحريم. وجملة ﴿تَبْتَغِي﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿تُحَرِّمُ﴾؛ أي: مبتغيًا به مرضاة أزواجك، أو مفسرة لقوله: ﴿تُحَرِّمُ﴾ أو مستأنفة.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: والله غفور لذنوب التائبين من عباده وقد غفر لك امتناعك عما أحله لك رحيم بهم أن يعاقبهم على ما تابوا منه من الذنوب، وإنما عاتبه على الامتناع من الحلال، وهو مباح سواء كان مع اليمين أو بدونه، تعظيمًا لقدره الشريف وإجلالًا لمنصبه أن يراعي مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جريًا على ما ألف من لطف الله به، وإيماء إلى أن ترك الأولى بالنسبة إلى مقامه السامي يعد كالذنب وإن لم يكن في نفسه كذلك.
واختلفوا (٢) فيما إذا قال لزوجته: أنت عليّ حرام، أو: الحلال عليّ حرام، ولا يستثني زوجته.
فقال جماعة - منهم الشعبي، ومسروق، وربيعة، وأبو سلمة، وأصبغ -: هو كتحريم الماء والطعام، وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ والزوجة من الطيبات ومما أحله الله تعالى.
وقال أبو بكر، وعمر، وزيد، وابن عباس، وابن مسعود، وعائشة، وابن المسيب، وعطاء، وسليمان بن يسار، وطاووس، وابن جبير، وقتادة، والحسن، والأوزاعي، وأبو ثور، وجماعة: هو يمين يكفرها.
وقال ابن مسعود، وابن عباس أيضًا في إحدى روايتيه وللشافعي في أحد قوليه: فيه تكفير يمين، وليس بيمين.
стр. 13725
وقال أبو حنيفة والكوفيون: هذا ما أراد من الطلاق، فإن لم يرد طلاقها .. فهو لا شيء.
وإنما جَمْعُ (١) ﴿الأزواج﴾ مع أن من أرضاها النبي ﷺ في هذه القصة عائشة وحفصة ﵄، إما لأن إرضاءهما في الأمر المذكور إرضاء لكلهن؛ لأن النساء في طبقة واحدة في مثل تلك المغيرة؛ لأنهن جبلن عليها، أو لأن الجمع قد يطلق على الاثنين، أو للتحذير عن إرضاء من تطلب منه ﷺ ما لا يحسن وتلح عليه، أيتهن كانت؛ لأنه ﷺ كان حييًا كريمًا.
والجملة حال من ضمير ﴿تُحَرِّمُ﴾، كما مر، والمعنى: حال كونك مبتغيًا وطالبًا لرضى أزواجك، والحال أنهن أحق بابتغاء رضاك منك، فإنما فضيلتهن بك. فالإنكار وارد على مجموع القيد والمقيد دفعة واحدة، فمجموع الابتغاء والتحريم منك، نظيره قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. وفيه إشارة إلى فضل مارية والعسل. وفي الحديث: "أول نعمة ترفع من الأرض العسل"، وقد بين ذلك في سورة النحل.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾؛ أي: مبالغ في الغفران، قد غفر لك وستر ما فعلت من التحريم وقصدت من الرضى؛ لأن الامتناع من الانتفاع بإحسان المولى الكريم يشبه عدم قبول إحسانه. ﴿رَحِيمٌ﴾ قد رحمك ولم يؤاخذك به، وإنما عاتبك محافظة على عصمتك. وقال في "كشف الأسرار": هذا أشد ماعوتب به رسول الله ﷺ في
القرآن.
٢ - ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ﴾؛ أي: قد شرع الله ، وبين ﴿لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي: تحليل أيمانكم وتكفيرها بالإطعام، أو الكسوة، أو العتق، أو الصوم على ما مر تفصيله في سورة المائدة. والفرض هنا بمعنى الشرع والتبيين؛ لأن ﴿فَرَضَ﴾ بمعنى أوجب إنما يتعدى بعلى. والتحلة: مصدر حلّل المضعف العين، أصله: تحللة، ككرّم تكرمة، وفرق تفرقة، والمراد: تحليل اليمين وفكها، كأن اليمين عقد والكفارة حلّ. يقال: حلّل اليمين تحليلًا: كفّرها؛ أي: فعل ما يوجبه الحنث.
والمعنى: قد بيّن الله لكم ما تنحل به عقدة اليمين من الكفارة في سورة