← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 13826–13865 · переход к 13831.

стр. 13826

﴿لِلشَّيَاطِينِ﴾ متعلق بـ ﴿رُجُومًا﴾، ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ فعل، وفاعل معطوف على ﴿زَيَّنَّا﴾. ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أعتدنا﴾، ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ مفعول به، ﴿وَلِلَّذِينَ﴾ الواو عاطفة، ﴿للذين﴾ خبر مقدم، ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة معطوفة على جملة القسم. ﴿وَبِئْسَ﴾ الواو عاطفة، ﴿بئس﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذمّ، ﴿الْمَصِيرُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية خبر عن المخصوص بالذمّ، وهو محذوف تقديره: هي، وجملة المخصوص معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة مسوقة لإنشاء الذم. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿أُلْقُوا﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعل، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿أُلْقُوا﴾، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿سَمِعُوا﴾ فعل وفاعل، ﴿لَهَا﴾ حال من ﴿شَهِيقًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿شَهِيقًا﴾ مفعول ﴿سَمِعُوا﴾، وجملة ﴿سَمِعُوا﴾ جواب إذا، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة. ﴿وَهِيَ﴾ الواو حالية، ﴿هي﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَفُورُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الهاء في ﴿لَهَا﴾. ﴿تَكَادُ﴾ فعل مضارع، وهي من أفعال المقاربة تعمل عمل ﴿كَانَ﴾، واسمها ضمير مستتر يعود على جهنم، ﴿تَمَيَّزُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، وأصله: تتميز، حذفت إحدى التاءين للتخفيف، ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ متعلق بـ ﴿تَمَيَّز﴾، وجملة تميّز في محل النصب خبر تكاد، وجملة تكاد مستأنفة. ﴿كُلَّمَا﴾ اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية، مبني على السكون، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿أُلْقِيَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ﴿فِيهَا﴾ متعلق به، ﴿فَوْجٌ﴾ نائب فاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿كُلَّمَا﴾ في محل جر بالإضافة، ﴿سَأَلَهُمْ﴾ فعل ماض، ومفعول به، ﴿خَزَنَتُهَا﴾ فاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كُلَّمَا﴾ مستأنفة. ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة للاستفهام التقريريّ التوبيخي، ﴿لم﴾ حرف جزم، ﴿يَأْتِكُمْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، والكاف مفعول به، ﴿نَذِيرٌ﴾ فاعل، والجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول ثان لسأل.

стр. 13827

﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا كأنّه قيل: ماذا قالوا بعد السؤال؟ فقال: قالوا. ﴿بَلى﴾ حرف جواب لإثبات النفي مبني على السكون ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق، ﴿جَاءَنَا﴾ فعل، ومفعول به ﴿نَذِيرٌ﴾ فاعل، والجملة في محل نصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿فَكَذَّبْنَا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿جَاءَنَا﴾، ﴿وَقُلْنَا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على كذّبنا، ﴿مَا﴾ نافية، ﴿نَزَّلَ اللَّهُ﴾ فعل، وفاعل، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من زائدة، ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول به، والجملة في محل نصب مقول لـ ﴿قلنا﴾، ﴿إن﴾ نافية، ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، ﴿إلا﴾ أداة حصر، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ خبر المبتدأ، ﴿كَبِيرٍ﴾ صفة ضلال، والجملة الاسمية في محل نصب مقول ﴿قلنا﴾. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿قَالُوا بَلَى﴾، ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿نَسْمَعُ﴾ خبره، ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ معطوف على ﴿نَسْمَعُ﴾، وجملة كان فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، لا محل لها من الإعراب، و ﴿مَا﴾ نافية، ﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ خبره، والجملة الناقصة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل نصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَاعْتَرَفُوا﴾ الفاء عاطفة، ﴿اعترفوا﴾ فعل وفاعل، ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿قالوا﴾، ﴿فَسُحقا﴾ الفاء عاطفة، ﴿سحقًا﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا تقديره: فسحقهم الله سحقًا؛ أي: أبعدهم الله من رحمته بعدًا، ويجوز أن يكون مفعولًا به لفعل محذوف تقديره: ألزمهم الله سحقًا، والجملة معطوفة على جملة اعترفوا، ﴿لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿سحقًا﴾ أو صفة له، واللام فيه للبيان كاللام في سقيًا لك وجدعًا له. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ناصب واسمه، ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول به،

стр. 13828

والجملة صلة الموصول، ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من الواو في ﴿يَخْشَوْنَ﴾، أو من ﴿رَبَّهُمْ﴾، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ مؤخّر، ﴿وَأَجْرٌ﴾ معطوف على مغفرة، ﴿كَبِيرٌ﴾ صفة ﴿أجر﴾، والجملة الاسمية في محل رفع خبر إنّ، وجملة إنّ مستأنفة. ﴿وَأَسِرُّوا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿أسرّوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، ﴿قَوْلَكُمْ﴾ مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف، ﴿اجْهَرُوا﴾ فعل أمر، وفاعل، معطوف على أسرّوا، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿اجْهَرُوا﴾. ﴿إنَّه﴾ ناصب واسمه، ﴿عَلِيمٌ﴾ خبره، ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، وجملة إنّ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بتساوي السرّ والجهر بالنسبة إلى علمه تعالى. ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ الهمزة للاستفهام التقريري، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، و ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع فا عل، ومفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ محذوف تقديره: سرّكم وجهركم، وجملة ﴿خَلَقَ﴾ صلة الموصول، ومفعول ﴿خَلَقَ﴾ محذوف أيضًا تقديره: ألا يعلم سرّكم وجهركم من خلقهما، والجملة الاستفهامية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَهُوَ﴾ الواو حالية، ﴿هو﴾ مبتدأ، ﴿اللَّطِيفُ﴾ خبره، ﴿الْخَبِيرُ﴾ خبر ثانٍ له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾. ﴿هُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿جَعَلَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، ﴿لَكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿ذَلُولًا﴾، ﴿الْأَرْضَ﴾ مفعول أوّل لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿ذَلُولًا﴾ مفعول ثان له، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿فَامْشُوا﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنَّ الله جعل لكم الأرض ذلولًا لتنتفعوا بها، وأردتم بيان كيفية الانتفاع بها .. فأقول لكم: ﴿امْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. ﴿امْشُوا﴾ فعل أمر، وفاعل، ﴿فِي مَنَاكِبِهَا﴾ متعلق بـ ﴿امشوا﴾، والجملة الفعلية في محل نصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة. ﴿وَكُلُوا﴾ فعل، وفاعل، معطوف على ﴿فَامْشُوا﴾، ﴿مِنْ رزِقِه﴾ متعلق بـ ﴿كلوا﴾، ﴿وَإِلَيْهِ﴾ خبر مقدم ﴿النُّشُورُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿كلوا﴾؛ أي: حالة كون نشوركم إليه، أو مستأنفة. ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ

стр. 13829

أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾. ﴿أأَمِنْتُمْ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿أَمِنْتُمْ﴾ فعل، وفاعل، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل نصب مفعول به، و ﴿مَنْ﴾ عبارة عن الله تعالى، ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ جار ومجرور صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿أَن يَخْسِفَ﴾ ناصب وفعل مضارع، وفاعل مستتر، ﴿بِكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿يَخْسِفَ﴾، ﴿الْأَرْضَ﴾ مفعول به، والجملة في تأويل مصدر منصوب على أنّه بدل اشتمال من الموصولة؛ أي: أأمنتم خسفه بكم الأرض، والجملة الاستفهامية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿فَإِذَا﴾ الفاء عاطفة، ﴿إذا﴾ حرف فجاءة، ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَمُورُ﴾ خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ على أنها بدل اشتمال؛ أي: أأمنتم خسفه بكم الأرض فمورها بكم. ﴿أَمْ﴾ عاطفة بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكاري، ﴿أَمِنْتُمْ﴾ فعل وفاعل، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَمِنْتُمْ﴾، وجملة ﴿أَنْ يُرْسِلَ﴾ في تأويل مصدر منصوب على أنّه بدل اشتمال مِنْ ﴿مَنْ﴾ الموصولة؛ أي: أأمنتم إرساله عليكم حاصبًا. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُرْسِلَ﴾، ﴿حَاصِبًا﴾ مفعول به، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ الفاء استئنافية، والسين حرف استقبال، ﴿تعلمون﴾ فعل وفاعل، مرفوع بالنون، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لبيان التخويف بعذاب الآخرة، ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم، ﴿نَذِيرِ﴾ مبتدأ مؤخّر مرفوع بضمّة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بكسرة المناسبة، وهو مضاف، وياء المتكلم المحذوفة في محل الجر مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب سادّة مسدّ مفعولي ﴿تعلمون﴾، وقد علّق عنها الفعل بالاستفهام. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، واللام موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صلة الموصول، ﴿فَكَيْفَ﴾ الفاء عاطفة، ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام في محل نصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليها، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿نَكِيرِ﴾ اسم كان مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة،

стр. 13830

وهو مضاف، والياء المحذوفة مضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على جملة القسم. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الهمزة للاستفهام التقريري، داخلة على محذوف تقديره: أغفلوا ولم يروا. والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. والواو: عاطفة على تلك المحذوفة، ﴿لم يروا﴾ جازم وفعل وفاعل، معطوف على تلك المحذوفة، ﴿إِلَى الطَّيْرِ﴾ متعلق بـ ﴿يروا﴾، ﴿فَوْقَهُمْ﴾ ظرف متعلّق بصافات، و ﴿صَافَّاتٍ﴾ حال من الطير، ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ الواو عاطفة، ﴿يقبضن﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون النسوة فاعل، ومفعول ﴿يقبضن﴾ و ﴿صَافَّاتٍ﴾ محذوف تقديره: أجنحتهنّ، وجملة يقبضن في محل النصب على الحال، معطوفة على ﴿صَافَّاتٍ﴾؛ أي: حالة كونهنّ صافّات أجنحتهنّ تارة وقابضات أجنحتهن أخرى. ﴿مَا﴾ نافية، ﴿يُمْسِكُهُنَّ﴾ فعل ومفعول به، ﴿إِلا﴾ أداة حصر، ﴿الرَّحْمَنُ﴾ فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾، و ﴿بَصِيرٌ﴾ خبره، وجملة إنّ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾. ﴿أَمَّنْ﴾: أم حرف عطف بمعنى بل فقط، لا بمعنى بل وهمزة الاستفهام؛ لأنّ الاستفهام لا يدخل على الاستفهام، فهي منقطعة، ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿هَذَا﴾ اسم إشارة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿الَّذِي﴾ بدل من اسم الإشارة، أو نعت له، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿جُنْدٌ﴾ خبره، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، ﴿لَكُمُ﴾ صفة أولى لـ ﴿جُنْدٌ﴾ وجملة ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ نعت ثان له أو حال منه، ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف حال من فاعل ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾، ﴿إن﴾ نافية مهملة، ﴿الْكَافِرُونَ﴾ مبتدأ، ﴿إِلا﴾ أداة حصر، ﴿فِي غُرُورٍ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿أَمَّنْ﴾ أم منقطعة بمعنى بل فقط، عاطفة على ما تقدم، ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام مبتدأ، ﴿هَذَا﴾ خبره، والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿الَّذِي﴾ بدل من اسم الإشارة، وجملة ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ صلة الموصول، ﴿إن﴾ حرف شرط جازم، ﴿أَمْسَكَ﴾ فعل ماض في محل الجزم، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿رِزْقَهُ﴾ مفعول به، وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبله تقديره: إن أمسك الله

стр. 13831

رزقه عنكم .. فمن يرزقكم من دونه، وجملة الشرط مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ﴿بَل﴾ حرف عطف وإضراب على مقدر يستدعيه المقام تقديره: إنهم لم يتأثروا بذلك، ولم يذعنوا للحق بل لجّوا. ﴿لَجُّوا﴾ فعل ماض وفاعل، ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ متعلق به، ﴿وَنُفُورٍ﴾ معطوف على ﴿عُتُوٍّ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾. ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة للاستفهام التوبيخي المتضمن للإنكار، مقدمة على محلها للزومها الصدارة، وإلا فمحلها بعد الفاء، حتى لو كان بدل الهمزة هل لقيل: فهل من يمشي إلخ. والفاء فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفت سوء حال المشركين وحسن حال المؤمنين، وأردت ضرب المثل لحال الفريقين .. فأقول لك: من يمشي. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل رفع مبتدأ، وجملة ﴿يَمْشِي﴾ صلة ﴿من﴾ الموصولة، ﴿مُكِبًّا﴾ حال من فاعل يمشي، ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ متعلق بـ ﴿مُكِبًّا﴾، ﴿أَهْدَى﴾ خبر، ﴿أَمَّنْ﴾ ﴿أم﴾ حرف عطف معادل لهمزة الاستفهام، ﴿مَنْ﴾ معطوف على ﴿مَنْ﴾ الأول، وجملة ﴿يَمْشِي﴾ صلتها، ﴿سَوِيًّا﴾ حال من فاعل ﴿يَمْشِي﴾، ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَمْشِي﴾، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ صفة ﴿صِرَاطٍ﴾. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾. ﴿قُل﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿وَجَعَلَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، معطوف على ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾. ﴿لَكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿جعل﴾ إن كان بمعنى الخلق، أو في محل المفعول الثاني إن كان بمعنى التصيير، ﴿السَّمْعَ﴾ مفعول به، ﴿وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ معطوفان على ﴿السَّمْعَ﴾. ﴿قَلِيلًا﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: شكرًا قليلًا، أو لزمان محذوف؛ أي: زمانًا قليلًا. ﴿مَا﴾ زائدة لتأكيد القلّة. ﴿تَشْكُرُونَ﴾

стр. 13832

فعل وفاعل، والجملة في محل نصب حال مقدرة من ضمير ﴿لَكُمُ﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿محمّد﴾، والجملة مستأنفة، ﴿هُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿ذَرَأَكُمْ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿ذَرَأَكُمْ﴾. ﴿وَإِلَيْهِ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿إليه﴾ متعلق بـ ﴿تُحْشَرُونَ﴾، و ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فعلٌ مضارعٌ، ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿ذَرَأَكُمْ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ الواو استئنافية، ﴿يقولون﴾ فعلٌ، وفاعل مرفوع بالنون، والجملة مستأنفة ﴿مَتَى﴾ ظرف زمان في محل نصب على الظرفية مبني على السكون، والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿هَذَا﴾ مبتدأ مؤخّر، ﴿الْوَعْدُ﴾ بدل منه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول؛ ﴿إنّ﴾ حرف شرط، ﴿كُنتُم﴾ فعل ناقص في محل جَزْمٍ بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، والتاء اسم كان، ﴿صَادِقِينَ﴾ خبرها، وجواب الشرط محذوفٌ تقديره: إن كنتم صادقين فيما تخبرونه من أمر القيامة والحشر .. فبينوا وقته على وجه التحديد، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، ﴿الْعِلْمُ﴾ مبتدأ، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَإِنَّمَا﴾ الواو عاطفة، ﴿إنّما﴾ أداة حصر، ﴿أَنَا﴾ مبتدأ، ﴿نَذِيرٌ﴾ خبره، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة لـ ﴿نَذِيرٌ﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها، ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء: عاطفة على محذوف تقديره: وأتاهم الحشر والعذاب الموعود فرأوه فلما رأوه إلخ، ﴿لمّا﴾ اسم شرط غير جازم، ﴿رَأَوْهُ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، ورأى هنا بصرية تتعدى لمفعول واحد، ﴿زُلْفَةً﴾ حال من مفعول ﴿رَأَوْهُ﴾، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: ذا زلفة أو بتأويله بمشتقٍ؛ أي: مزدلفًا قريبًا، والجملة فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾ في محل جر بالإضافة، ﴿سِيئَتْ﴾ فعل ماض مغتر الصيغة، ﴿وُجُوهُ الَّذِينَ﴾ نائب فاعل، ومضاف إليه، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول. ﴿وَقِيلَ﴾ الواو عاطفة، ﴿قيل﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة،

стр. 13833

﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ﴾ إلخ، نائب فاعل محكيّ لـ ﴿قيل﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿سِيئَتْ﴾، وإنْ شئت قلت: ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، ﴿الَّذِي﴾ خبره، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَدَّعُونَ﴾، وجملة ﴿تَدَّعُونَ﴾ خبر كان، وجملة كان صلة الموصول. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ الهمزة للاستفهام التوبيخيّ، ﴿رأيتم﴾ فعل، وفاعل، بمعنى أخبروني، والجملة الفعلية في محل نصب مقول ﴿قُل﴾، ﴿إنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ ﴿أهلك﴾ فعل ماض في محل جزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، والنون للوقاية، والياء مفعول به، ولفظ الجلالة فاعل ﴿وَمَن﴾، والواو عاطفة، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب معطوف على الياء، ﴿مَعِيَ﴾ ظرف متعلق بمحذوف، صلة من الموصولة، ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، معطوف على فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فلا فائدة لكم في ذلك ولا نفع يعود عليكم، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية سادّة مسدّ مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. ﴿فَمَن﴾ الفاء تعليلية، ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ﴿يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿مِنْ عَذَابٍ﴾ متعلق بـ ﴿يُجِيرُ﴾، ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة ﴿عَذَابَ﴾، وجملة ﴿يُجِيرُ﴾ في محل رفع خبر ﴿مَنْ﴾ الاستفهامية، والجملة الاستفهامية جملة تعليلية مسوقة لتعليل الجواب المحذوف؛ أي: لا فائدة لكم في ذلك؛ لأنّه لا أحد ﴿يُجِيرُ﴾ الكافرين من عذاب أليم. ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمرٍ، وفاعل مستتر والجملة مستأنفة ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿آمَنَّا﴾ فعل وفاعل، ﴿بهِ﴾ متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، والجملة خبر ثان لـ ﴿هُوَ﴾، ﴿وَعَليْهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَوَكَّلْنَا﴾، وجملة ﴿تَوَكَّلْنَا﴾ معطوفة على ﴿آمَنَّا﴾، ﴿فَسَتَعْلمُونَ﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب

стр. 13834

شرط مقدر تقديره: إذا أبيتم عن الإيمان وأصررتم على الكفر، وأردتم معرفة من هو على الضلال منا ومنكم .. فأقول لكم ﴿ستعلمون﴾: السين حرف استقبال، ﴿تعلمون﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل نصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل رفع مبتدأ أول، ﴿هُوَ﴾ ضمير للمفرد المذكر الغائب في محل رفع مبتدأ ثان، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ خبر للمبتدأ الثاني، ﴿مُبِينٍ﴾ صفة ﴿ضَلَالٍ﴾، وجملة المبتدأ الثاني خبر للأول، وجملة الأول في محل النصب سادّة مسدّ مفعولي ﴿تعلمون﴾ المعلّقة بالاستفهام. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فعل، وفاعل، بمعنى أخبروني، والجملة في محل نصب مقول قل، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿أَصْبَحَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿مَاؤُكُمْ﴾ اسمها، ﴿غَوْرًا﴾ خبرها، ﴿فَمَنْ﴾ الفاء رابطة الجواب وجوبًا، ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وجملة ﴿يَأْتِيكُمْ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، ﴿بِمَاءٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَأْتِيكُمْ﴾، ﴿مَعِينٍ﴾ صفة ﴿ماء﴾، وجملة إن الشرطية في محل النصب سادة مسد مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل من البركة؛ وهي الزيادة والنماء حسّية أو معنوية. وقال بعضهم: البركة: كثرة الخير ودوامه، فنسبتها إلى الله تعالى باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته من فنون الخيرات؛ أي: تكاثر خير الذي بيده الملك، وتزايد نعمه وإحسانه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. قال الراغب: البركة. ثبوت الخير الإلهيّ في الشيء. ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ والموت عند أهل السنة: صفة وجودية مضادة للحياة كالحرارة والبرودة، والحياة: صفة وجودية زائدة على نفس الذات مغايرة للعلم والقدرة مصحّحة لاتصاف الذات بهما. ﴿طِبَاقًا﴾ جمع طبقة كرحبة ورحاب، أو جمع طبق كجمل وجمال وجبل وجبال، وفي المصباح: وأصل الطبق الشيء على مقدار الشيء مطبقًا له من جميع جوانبه، وقيل: هو مصدر بمعنى الفاعل، يقال: طابقه طباقًا ومطابقة، وطباق الشيء مثل كتاب مطابقة بكسر الباء، وطابقت بين الشيئين إذا جعلتهما على حذو

стр. 13835

واحد وألزقتهما، والباب يدل على وضع شيء مبسوط على مثله حتى يغطّيه، والمعنى: مطابقة بعضها فوق بعض وسماء فوق سماء. ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ والإضافة فيه من إضافة المصدر إلى فاعله، والمفعول محذوف تقديره: في خلق الرحمن لهن أو لغيرهن. ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ قال الراغب: التفاوت: الاختلاف في الأوصاف، كأنّه يفوت وصف أحدهما الآخر أو وصف كلّ واحد منهما الآخر، وحكى أبو زيد: تفاوت الشيء تفاوتًا بضم الواو وفتحها وكسرها، والقياس هو الضم كالتقابل، والفتح والكسر شاذان. والتفاوت: عدم التناسب؛ لأن بعض الأجزاء يفوت الآخر. ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾؛ أي: ردّه إلى رؤية السماء. و ﴿رَجَعَ﴾ يجيء لازمًا ومتعدّيًا يقال: رجع بنفسه رجوعًا، وهو العود إلى ما منه البدء، مكانًا أو فعلًا أو قولًا، بذاته كان رجوعه أو بجزء من أجزائه أو بفعل من أفعاله، ورجعه غير رجعًا؛ أي: رده وأعاده. ﴿مِنْ فُطُورٍ﴾ جمع فطر، كما في القاموس. وهو الشق، يقال: فطره فانفطر؛ أي: شقّه فانشقّ؛ والمعنى: من شقوق وصدوع لامتناع خرقها والتئامها. وفي المختار: والفطر: الشق، يقال: فطره فانفطر وتفطر الشيء: تشقق، وبابه نصر. ﴿كَرَّتَيْنِ﴾؛ أي: رجعتين أخريين، والمراد بالتثنية التكرير والتكثير كما في لبيك، أي: أجبت لك إجابات كثيرة بعضها إثر بعض، وذلك لأنّ الكلال الآتي لا يقع بالمرّتين؛ أي: رجعة بعد رجعة وإن كثرت، وهو مصدر من كرَّ من باب ردَّ، يقال: كرّ على عدوّه بعدما فرّ، كرّا وكرورا، والكرّة مرّة منه. ﴿خَاسِئًا﴾ اسم فاعل من خسَأ بمعنى تباعد وهرب، وفيه معنى الصغار والذلة، فإذا قيل: خَسَأ الكلب خَسْأً فمعناه: تباعد من هوانه وخوفه كأنّه زجر وطرد عن مكانه الأول بالصغار، وخَسأ يجيء متعدّيًا أيضًا يقال: خَسأت الكلب فخسأَ؛ أي: باعدته وطردته وزجرته مستهينًا به فانزجر، وذلك إذا قيل له: اخسأ. قال الراغب: ومنه: خسأ البصر؛ أي: انقبض من مهانةٍ، وفي القاموس: الخاسيءُ من الكلاب والخنازير: المبعد لا يترك أن يدنو من الناس، ولا يكون ﴿خَاسِئًا﴾ في الآية من المتعدي إلا بأن يكون بمعنى المفعول؛ أي: مبعدًا.

стр. 13836

﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾؛ أي: كليل، وهو فعيل بمعنى الفاعل من الحسور الذي هو الإعياء، وفي "المختار": وحسر بصره: انقطع نظره من طول مدى وما أشبه ذلك، فهو حسير ومحسور أيضًا، وبابه: جلس، وهو فعيل بمعنى فاعل من الحسور، وهو الإعياء. ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ الياء فيه مبدلة من الألف في المفرد؛ لأنّه جمع مصباح لوقوعها بعد كسرة. ﴿رُجُومًا﴾ الرجوم: جمع رجم بالفتح، وهو مصدر سمّي به المفعول؛ أي: ما يرجم به ويرمى للطرد والزجر، ويجوز أن يكون باقيًا على مصدريته، ويقدر مضاف؛ أي: ذات رجوم، وإنّما جمع المصدر باعتبار أنواعه أو جمع راجم، كسجود جمع ساجد. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾؛ أي: عذاب جهنم الموقدة المشعّلة، فالسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا أوقدتها، ولذلك لم يؤت بالتاء في آخره مع أنّه اسم للدركة الرابعة من دركات النار السبع، وهي: جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، ولكن كل من هذه الأسماء يطلق على الآخر، فيعبّر عن النار تارة بالسعير وتارة بجهنم وأخرى بآخر. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾ أصله: ألقيوا بوزن أفعلوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت ولما سكنت التقى ساكنان فحذفت الياء لذلك، وضمت القاف لمناسبة الواو. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ أصله: تفور بوزن تفغل، نقلت حركة الواو إلى الفاء فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مدّ. ﴿تَكَادُ﴾ أصله: تكود مضارع كود بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل، نقلت حركة الواو إلى الكاف فسكنت، لكنّها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. ﴿تَمَيَّزُ﴾ أصله: تتميز حذفت منه إحدى التاءين كما تقدم. ﴿جَهَنَّمَ﴾؛ أي: الدركة النارية التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة، يقال: رجل جهم؛ أي: كالحٌ منقبض، وقال بعضهم: جهنم من الجهنام، وهي بئر بعيدة القعر. ﴿شَهِيقًا﴾؛ أي: صوتًا كصوت الحمير، وقيل: الشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، أو شهيق الحمار آخر صوته، والزفير أوّله. وقيل: الشهيق رد النفس، والزفير إخراجه. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ الفور: شدّة الغليان، ويقال ذلك في النار، وفي القدر

стр. 13837

وفي الغضب، وفوارات الماء سميت تشبيهًا بغليان القدر، وفعلت كذا من فوري؛ أي: من غليان الحال، وفارة المسك تشبيهًا به في الهيئة كما في "المفردات". ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ والتميّز: الانقطاع والانفصال بين المتشابهات، والغيظ: أشد الغضب، يقال: يكاد فلان ينشقّ من غيظه إذا وصف بالإفراط في الغضب. ﴿خَزَنَتُهَا﴾ جمع خازن بمعنى الحافظ، والموكل بالشيء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أصله: يخشيون، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح فالتقى ساكنان: الألف والواو، فحذفت الألف. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾ أصله: أسرروا بوزن أفعلوا، نقلت حركة الراء الأولى إلى السين فسكنت فأدغمت في الراء الثانية. ﴿ذَلُولًا﴾، هو فعول بمعنى مفعول؛ أي: مذلّلة مسخرة منقادة لما تريدون، يقال: دابة ذلول بينة الذل؛ أي: الانقياد. وهو ضد الصعوبة، وفي "القاموس": الذل بمعنى ضد الصعوبة بالضم والكسر والذل بمعنى الهوان بالضم فقط، والذلول فعول بمعنى فاعل، ولذا عرى عن علامة التأنيث مع أن الأرض مؤنث سماعي. ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أصل ﴿امشوا﴾ امشيوا بوزن افعلوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت للتخفيف ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضمّت الشين لمناسبة الواو ضمًّا عارضًا، ولذلك عند إلابتداء به يبدأ بهمزة وصل مكسورة؛ لأن ضم الحرف الثالث عارض غير أصليّ، والعارض لا يعتد به في غالب الأحوال. ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ المناكب: جمع منكب، وهو مجتمع رأس الكتف والعضد، يقال: تشابهت منهم المناكب والرؤوس؛ أي: ليس فيهم مفضَّل، قال الراغب: المنكب: مجتمع ما بين العضد والكتف، ومنه: استعير للأرض في قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ كاستعارة الظهر لها في قوله: ﴿تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ انتهى، أو في جبالها وشبهت بالمناكب من حيث الارتفاع. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ يقال: نشر الله الميت نشرًا: أحياه بعد موته، ونشر الميت بنفسه نشورًا فهو يتعدى ولا يتعدى كرجعه رجعًا ورجع بنفسه رجوعًا إلا أنّ الميت لا يحيى بنفسه بدون إحياء الله تعالى؛ إذ هو محال. ﴿أن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ قال الجوهري: خسف المكان يخسف خسوفًا؛ ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسفًا: غاب به فيها. وفي "القاموس" أيضًا:

стр. 13838

خسف الله بفلان الأرض: غيبه فيها. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ أصله: تمور بوزن تفعل، نقلت حركة الواو إلى الميم فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مدّ. قال في "القاموس": المَوْر: الاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ والطير يطلق على جنس الطائر، وهو كل ذي جناح يسبح في الهواء إما لكون جمعه في الأصل كركب وراكب أو مصدره جعل اسمًا لجنسه، فباعتبار تكثره في المعنى وُصف بـ ﴿صَافَّاتٍ﴾، وفي "المفردات": إنه جمع طائر. ﴿صَافَّاتٍ﴾ والصف: أن يجعل الشيء على خط مستو كالناس والأشجار ونحو ذلك، كما مرّ. ﴿جُنْدٌ لَكُمْ﴾ والجند: جمع معد للحرب. ﴿لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أصله: لججوا بجيمين بوزن فعلوا، أدغمت الجيم الأولى في الثانية. والعتو: التجاوز عن الحد، أصله: عتوو بوزن فعول بضم الفاء، أدغمت واو فعول في الواو لام الكلمة، والنفور: الفرار. ﴿مُكِبًّا﴾ اسم فاعل من أكب الرباعي، وأصله: مكبب، نقلت حركة الباء الأولى إلى الكاف فسكنت فأدغمت في الباء الثانية، والمكب: الساقط على وجهه، يقال: كببته فأكب وانكب، وقيل: هو الذي يكب رأسه فلا ينظر يمينًا ولا شمالًا ولا أمامًا، فهو لا يأمن العثور والانكباب على وجهه، فهو اسم فاعل من أكب اللازم المطاوع لكبه، يقال: كبّه الله على وجهه في النار فأكبّ؛ أي: سقط، وهذا على خلاف القاعدة في أنّ الهمزة إذا دخلت على اللازم تصيّره متعدّيًا وهذه قد دخلت على المتعدي فصيرته لازمًا. ﴿سَوِيًّا﴾ أصله: سوييا بوزن فعيل، أدغمت ياء فعيل في الياء لام الكلمة. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ جمع فؤاد، قال في "القاموس": من التفؤد، وهو التحرّك والتوقد، ومنه: الفؤاد للقلب مذكَّر، والجمع أفئدة انتهى. ﴿ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال في "القاموس": ذرأ كـ ﴿جعل﴾: خلق، وذرأ الشيء: كثره، ومنه: الذرّيّة مثلثة لنسل الثقلين. ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من ساءه الشيء يسوؤه سوءًا ومساءة نقيض سره ثم بني للمفعول، وفي "القاموس": ساءه فعل به ما يكره، فيكون متعديًا، ويجوز أن يكون لازمًا بمعنى قبح، ومنه: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ وسيء إذا قبح. وأصل ﴿سِيئَتْ﴾ سوىء بوزن فعل: مبني للمجهول، استثقل الانتقال من ضمة إلى

стр. 13839

كسرة فنقلت كسرة الواو إلى السين فسكنت الواو إثر كسرة فقلبت ياءً، وهكذا كل فعل أجوف بني للمجهول، وكانت عينه واوًا، وكذلك ما كانت عينه ياءً إلا أن هناك اختلافا يسيرًا في التصريف. ﴿وَقِيلَ﴾ القول فيه كالقول في سِيْءَ. ﴿تَدَّعُونَ﴾ فيه إبدال تاء الافتعال وإلا وإدغام الدّال فاء الكلمة فيها، فالأصل: تدتعيون، استثقلت الحركة على الياء فحذفت فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين وضمت العين لمناسبة الواو. ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ وفي "القاموس": أجاره إذا أنقذه وأعاذَهُ. ﴿غَوْرًا﴾، وهو مصدر وصف به؛ أي: غائرًا في الأرض بالكلية ذاهبًا ونازلًا فيها، يقال: غار الماء غورًا من باب قال إذا نضب، وفي المفردات: الغور: المنهبط من الأرض. ﴿بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾؛ أي: ظاهر تتراءاه العيون، وأصله: معيون بوزن مفعول كمبيع أصله: مبيوع، فنقلت ضمة الياء إلى العين لتصح الياء، وقيل: هو من معن الماء؛ أي: كثر، فهو على هذا الاعتبار فعيل لا مفعول، والميم أصلية، أمّا على الأول فالميم زائدة؛ لأن الفعل عين. وصاحب القاموس يميل إلى الثاني، والراغب الأصفهاني إلى الأول. البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: إسناد البركة إلى الموصول في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ للاستشهاد بما في حيّز الصلة على تحقّق مضمونها، والموصولات معارف، ولا شك أن المؤمنين يعرفونه يكون الملك بيده، وأمّا غيرهم فهم في حكم العارفين؛ لأنّ الأدلة القطعية لما دلت على ذلك كان في قوة المعلوم عند العاقل. ومنها: الطباق بين ﴿الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ وبين ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا﴾، وبين ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾. ومنها: الاستعارة التمثيلية التبعية في قوله: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾، حيث شبه حالهم في تكليفه تعالى إياهم بتكاليفه وخلق الموت والحياة لهم وإثابته لهم

стр. 13840

وعقوبته بحال المختبر مع من جرَّبه واختبره، لينظر مدى طاعته أو عصيانه فيكرمه أو يهينه. ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾؛ لأنّ مقتضى السياق أن يقال: في خلقه للإشعار بأنّه تعالى خلقها بقدرته القاهرة رحمةً وتفضلًا. ومنها: زيادة ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ لتأكيد النفي. والمعنى: ما ترى فيه شيئًا من اختلاف واضطراب في الخلقة. ومنها: الإطناب بتكرار الجملة مرتين زيادةً في التذكير والتنبيه في قوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَر﴾، ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، وكذلك قوله: ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. ومنها: تصدير الجملة بالقسم في قوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ لإبراز كمال الاعتناء بمضمونها. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿بِمَصَابِيحَ﴾، حيث شبه الكواكب والنجوم بمصابيح، وحذف المشبه وأبقى المشبه به على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية؛ لأنَّ الناس يزينون مساجدهم ودورهم بإثقاب المصابيح، ولكنها مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءةً. ومنها: تنكير ﴿مصابيح﴾ للتعظيم والتفخيم؛ أي: بكواكب مضيئة بالليل. ومنها: إيراد الإلقاء في قوله: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيْهَا﴾ دون الإدخال إشعارًا بتحقيرهم وكون جهنم سفلية. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿شَهِيقًا﴾، حيث شبه صوت جهنم بصوت الحمار؛ لأنّ الشهيق حقيقةٌ في صوت الحمار. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾، حيث شبه هيجان جهنم بغليان القدر وفورانها. ومها: الاستعارة المكنية التبعية في قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾، حيث شبه جهنم في شدّة غليانها ولهبها بإنسان شديد الغيظ والحنق على عدوه يكاد يتقطع من

стр. 13841

شدّة الغيظ، وحذف المشبّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الغيظ الشديد، بطريق الاستعارة المكنية. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾، حيث شبه اشتعال النار بهم في قوة تأثيرها فيهم وإيصال الضرر إليهم باغتياظ المغتاظ على غيره المبالغ في إيصال الضرر إليه، فاستعير اسم الغيظ لذلك الاشتعال استعارة تصريحية أصلية وفي هذه الآية أيضًا فنُّ حسن الإتباع فقد جرى الشعراء على نهجها، فولعوا بإسناد أفعال من يعقل إلى ما لا يعقل. ومنها: الاستفهام الإنكاري، للتقريع والتوبيخ في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير﴾. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، قابله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وهي من المحسنات البديعية. ومنها: الجمع بين حرف الجواب ونفس الجملة المجاب بها، مبالغة في الاعتراف وتحسرًا على فوت سعادة التصديق وتمهيدًا لبيان التفريط الواقع منهم. ومنها: جمع ضمير الخطاب في قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ مع أنّ مخاطب كل فوج نذيره لتغليبه على أمثاله مبالغةً في التكذيب وتماديًا في التضليل كما ينبىء عنه تعميم المنزل في قوله: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ مع ترك ذكر المنزل عليه. ومنها: تقديم السرّ على الجهر في قوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرون من أوّل الأمر، والمبالغة في بيان شمول علمه تعالى المحيط بجميع المعلومات، كأنّ علمه تعالى بما يسرّونه أقدم منه بما يجهرون به مع كونهما في الحقيقة على السوية. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿ذَلُولًا﴾، شبّه الأرض المسخّرة للانتفاع بها بالدابة المنقادة لراكبها بجامع السهولة في كلّ. ومنها: استعارة المناكب للأرض في قوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾؛ لأنَّ المناكب جمع منكب حقيقة في الإنسان، فاستعير للجبال من الأرض بجامع الارتفاع في كلّ.

стр. 13842

ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الخطاب إلى الغيبة، لإبراز الإعراض عنهم. ومنها: الالتفات إلى الخطاب في قوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ للتشديد في تبكيتهم وتعجيزهم. ومنها: إيثار الرحمن في قوله: ﴿منْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ للدلالة على أنَّ رحمة الله هي المنجية من غضبه لا غير. ومنها: التنوين في قوله: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾، للدلالة على عظمه وفحشه لكونه من جهة الشيطان. ومنها: الالتفات من الخطاب في قوله: ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ﴾؛ لأنّ الاسم الظاهر من قبيل الغيبة للإيذان باقتضاء حالهم بالإعراض عنهم وبيان قبائجهم لغيرهم، وفيه أيضًا الإظهار في مقام الإضمار لذمّهم بالكفر وتعليل غرورهم به؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: إنْ هم إلا في غرور. ومنها: تخصيص الثلاثة المذكورة في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ بالذكر؛ لأنّ العلوم والمعارف بها تحصل كما مرّ. ومنها: اختيار لفظ المضارع على الماضي في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ إمّا لأنّ المقصود بيان ما يوجد من الكفّار من هذا القول في المستقبل، وإمّا لأنّ المعنى: وكانوا يقولون. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾، حيث مثل للمؤمن والكافر. فالكافر أعمى لا يهتدي إلى الطريق بل يمشي متعسفًا فلا يزال يعثر وينكب على وجهه، والمؤمن صحيح البصر يمشي في طريق واضحة مستقيمة سالمًا من العثور والخرور على وجهه، وهكذا تتجلى طريقة القرآن في التجسد. ومنها: تخصيص الوجوه في قوله: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لكون الوجه هو الذي يظهر عليه أثر المسرَّة والمساءة. ومنها: وضع الموصول فيه موضع ضميرهم لذمّهم بالكفر وتعليل المساءة به.

стр. 13843

ومنها: إيراد صيغة المجهول في قوله: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ لكون المراد بيان القول لا بيان القائل. ومنها: وضع الكافرين موضع ضميرهم في قوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ للتسجيل عليهم بالكفر وتعليل نفي الإنجاء به. ومنها: الحصر في قوله: ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾؛ لأنّ تقديم المعمول على عامله يفيد الحصر. ومنها: تكرير الأمر بـ ﴿قُلْ﴾ في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ...﴾ إلخ، وفي قولى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ﴾، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ ...﴾ إلخ، لتأكيد المقول وتنشيط المقول له. ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 13844

خلاصة ما حوته هذه السورة الكريمة من الموضوعات ١ - وصف السموات. ٢ - بيان أنّ نظام العالم لا عِوَج فيه ولا اختلاف. ٣ - وصف عذاب الكافرين في الدنيا والآخرة. ٤ - التذكير بخلق الإنسان ورزقه وأشباه ذلك (١). والله أعلم

стр. 13845

سورة ن القلم، وتسمّى سورة ن: مكيّة (١) في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر. ورُوي عن ابن عباس وقتادة: أنّ من أولها إلى قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ مكيّ، وبعدر ذلك إلى قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مدنيّ، وباقيها مكيّ أيضًا، كذا قال الماورديّ. وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس ﵄ قال: كانت إذا نزلت فاتحة سورةٍ بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما يشاء، وكان أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم ﴿ن﴾ ثمّ ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ ثم ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾. وأخرج النحَّاس وابن مردويه، والبيهقي عنه قال: نزلت سورة ﴿ن﴾ بمكة، وأخرج ابن مردويه عن عائشة مثله. وآيها: اثنتان وخمسون آيةً، وكلماتها: ثلاث مئة كلمة، وحروفها: ألف ومئتان وستة وخمسون حرفًا. مناسبتها لما قبلها من وجوه (٢): ١ - أنه ذكر في آخر الملك تهديد المشركين بتغوير مائهم في الأرض، وذكر هنا ما هو كالدليل عني ذلك. وهو ثمر البستان الذي طافي عليه طائف، فأهلكه وأهلك أهله وهم نائمون. ٢ - أنه ذكر فيما قبل أحوال السعداء والأشقياء، وذكر قدرته الباهرة وعلمه الواسع، وأنه لو شاء .. لخسف بهم الأرض أو أرسل عليهم حاصبًا وكان ما أخبر به هو ما أوحى به إلى رسوله وكان المشركون ينسبونه في ذلك مرةً إلى الشعر وأخرى إلى السحر وثالثة إلى الجنون، فبّرأهُ الله في هذه السورة مما نسبوه إليه، وأعظم أجره على صبره على أذاهم، وأثنى على خلقه. وعبارة أبي حيّان (٣): مناسبّتها لما قبلها: أنه سبحانه ذكر فيما قبلها أشياء من

стр. 13846

أحوال السعداء والأشقياء، وذكر قدرته الباهرة وعلمه الواسع، وأنه تعالى لو شاء .. لخسف بهم أو لأرسل عليهم حاصبًا. وكان ما أخبر تعالى به هو ما تلقفه رسول الله ﷺ بالوحي، وكان الكفّار ينسبونه مرّةً إلى الشعر ومرّة إلى السحر ومرّة إلى الجنون. فبدأ هذه السورة ببراءته مما كانوا ينسبونه إليه من الجنون وتعظيم أجره على صبره على إذاهم، وبالثناء على خلقه العظيم. انتهى. الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم: سورة ﴿نَ﴾ محكم كلها إلا آيتين: إحداهما: قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ نسخت بآية السيف. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ...﴾ الآية، نسخت أيضًا بآية السيف. والله أعلم * * *

стр. 13847

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾. المناسبة قد تقدم قريبًا بيان المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها، وقد بدأ سبحانه هذه السورة بأنّه أقسم بالقلم، وما يسطر به من الكتب، إنّ محمّدًا الذي أنعم عليه بنعمة

стр. 13848

النبوة، ليس بالمجنون كما تدّعون، وكيف يكون مجنونًا والكتب والأقلام أعدّت لكتابة ما ينزل عليه من الوحي؟. وقد أقسم سبحانه بالقلم والكتب فتحًا لباب التعليم بهما، ولا يقسم ربّنا إلا بالأمور العظام، فإذا أقسم بالشمس والقمر والليل والفجر، فإنّما ذلك لعظمة الخلق وجمال الصنع، وإذا أقسم بالقلم والكتب فإنما ذاك ليعم العلم والعرفان، وبه تتهذّب النفوس، وترقى شؤوننا الاجتماءتية والعمرانية، ونكون كما وصف الله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثم وعد رسوله بما سيكون له من جزيل الأجر على صبره على احتمال أذى المشركين، وأردف هذا بوصفه بحسن الخلق ورفقه بالناس امتثالًا لأمره ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ قالت عائشة ﵂: كان خلقه القرآن. ثم هدد المشركين وتوعدهم بما سيَتَبَيَّنُ لهم من عاقبة أمره وأمرهم، وأنّه سيكون العزيز المهيب في القلوب وسيكونون الأذلاء، وأنه سيستولي عليهم ويأسر فريقًا منهم ويقتل آخر، وسيعلمون حينئذٍ من المجنون، والله هو العلم بالمجانين الذين ضلوا عن سبيله، والعقلاء الذين اهتدوا بهديه. قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لما ذكر مقالة المشركين في الرسول بنسبته إلى الجنون مع ما أنعم الله به عليه من الكمال في الدين والخلق، أردفه بما يقوّي قلبه ويدعوه إلى التشدد مع قومه مع قلة العدد، وكثرة الكفار؛ إذ هذه السورة من أوائل ما نزل كما مرّ، فنهاهم عن طاعتهم عامةً. ثم أعاد النهي عن طاعة المكذبين الذين اتصفوا بالأخلاق الذميمة التي ذكرت في هذه الآيات خاصة دلالة على قبح سيرتهم، وضعة نفوسهم وتدسيتهم لها بعظيم الذنوب والآثام. قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما ذكر فيما سلف أن ذا المال والبنين كفر وعصى وتمرّد لما آتاه الله من النعم أردف هذا ببيان أنّ ما أوتيه إنما كان ابتلاء وامتحانًا، ليرى أيصرف ذلك في طاعة الله وشكره، فيزيد له في النعمة أم يكفر بها، فيقطعها عنه ويصبّ عليه ألوان البلاء والعذاب، كما أنّ أصحاب الجنة لما أتوا بهذا القدر اليسير من المعاصي دمَّر الله جنتهم، فما بالك بمن حاد الله ورسوله وأصر على الكفر والمعصية؟.

стр. 13849

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمَّا ذكر حال أهل الجنة الدنيوية، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوه، وخالفوا أمره، أعقب هذا ببيان أن لمن اتقاه وأطاعه جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفنى في الدار الآخرة، ثم رد على من قال من الكفار: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد وأصحابه لم يفضلونا، بل نكون أحسن منهم حالًا؛ لأن من أحسن إلينا في الدنيا يحسن إلينا في الآخرة بأنكم كيف تسوون بين المطيع والعاصي فضلًا أن تفضلوا العاصي عليه؟. ثم أخذ يقطع عليهم الحجة فقال: أتلقيتم كتابًا من السماء، فقرأتم فيه أنكم تختارون ما تشاؤون، وتكونون وأنتم مجرمون كالمسلمين الصالحين؟ أم أعطيناكم عهودًا أكّدناها بالإيمان فاستوثقتم بها، هي ثابتة لكم إلى يوم القيامة؟ أم لكم أناس يذهبون مذهبكم في هذا القول. وإن صح أن لكم ذلك فلتأتوا بهم يوم يشتد الأمر، ويصعب الخطب، وتدعونهم حينئذٍ إلى السجود فلا يستطيعون، وتكون أبصارهم خاشعة ذليلة وقد كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود وهم سالمون أصحاء، فيأبون كل الإباء. قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمّا خوف الكفار من هول يوم القيامة، خوفهم مما في قدرته من القهر، فقال لرسوله ﷺ مؤنبًا لهم وموبخًا: خل بيني وبين من يكذب بهذا القرآن، فإني عالم بما ينبغي أن أفعل بهم، فلا تشغل قلبك بهم وتوكل عليَّ في الانتقام منهم، إنا سندنيهم من العذاب درجةً فدرجةً، ونورطهم فيه بما نوليهم من النعم، ونرزقهم من الصحة والعافية فتزداد معاصيهم من حيث لا يشعرون، فكلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها. ثم قال لرسوله: ماذا ينقمون منك؟ أأنت تسألهم أجرًا على تبليغ الرسالة يثقل عليهم فامتنعوا عن إجابة دعوتك؟ أم عندهم علم الغيب المكتوب في اللوح المحفوظ، فهم يكتبون منه ما يحكمون به؟ كلَّا، لا هذا ولا ذاك، إذًا فالقوم معاندون فلم يبق إلا أن تصبر لحكم ربك، وقد حكم بإمهالهم، وتأخير نصرتك، وهم إن أمهلوا فلن يهملوا.

стр. 13850

ثم نهى رسوله أن يكون كيونس ﵇ حين غضب على قومه، فارقهم ونزل في السفينة، فابتلعه الحوت، ودعا ربه وقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهو مملوء غيظًا وحنقًا. ثم أخبر رسوله بأن الكافرين ينظرون إليه شزرًا حين يسمعون منه القرآن، ويقولون حسدًا على ما آتاه الله من النبوة: إنك لمجنون تنفيرًا منه ومن دعوته. وما القرآن إلّا عظة للجنّ والإنس جميعًا لا يفهمها إلا من كان أهلًا لها. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ سبب نزوله (١): ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ : إنه مجنون ثم شيطان، فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ سبب نزوله: ما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، والواحدي بسند رواه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته، إلا قال: لبيك، فلذلك أنزل الله سبحانه هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ سبب نزوله: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدّي قال: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، وأخرج ابن المنذر عن الكلبي مثله، وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزلت في الأسود بن عبد يغوث، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت على النبيّ ﷺ ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ فلم نعرفه حتى نزل بعد ذلك ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة. قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ سبب نزوله: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن جريج أنّ أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذًا فاربطوهم في الحال، ولا تقتلوا منهم أحدًا، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ ...﴾ يقول في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.

стр. 13851

التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿ن﴾؛ أي: هذه السورة (١) نون أو بحق ﴿ن﴾، وهي هذه السورة أقسم الله بها على سبيل التأكيد في إثبات الحكم الآتي على ما عليه عادة الخلق مع ما فيه من بيان شأن المقسم به، وإلا فكما أنه تعالى لا يليق القسم بشأنه العالي فكذا لا يصح لغيره أن يكون مقسمًا به. واختلف في معنى النون. قيل: إنه اسم لهذه السورة، وقيل: إنه مقتطع فن اسمه تعالى الرحمن أو النصير أو الناصر أو النور، وقيل: اسم للحوت الذي جعل الله على ظهره الأرض، وقيل: المراد به الدواة التي يكتب بها، وقيل: اسم للقرآن. والأرجح كما مر غير مرة أنه من المتشابه الذي اختص الله بعلمه كسائر حروف الهجاء التي افتتح بها كثير من السور. وفي المراغي: إنَّ أرجح الآراء في معنى الحروف المقطعة التي وقعت في أوائل السور أنها حروف تنبيه، نحو: ألا وأما. وقرأ الجمهور أبو بكر، وورش، وابن عامر، والكسائي، وابن محيصن، وابن هبيرة بإدغام النون الثانية. من هجائها في واو ﴿وَالْقَلَمِ﴾ بغنّة، وقوم بغير غنّة. وقرأ الباقون (٢): حمزة، وأبو عمرو، وابن كثير، وقالون، وحفص بالإظهار. وقرأ ابن عباس، وابن أبي إسحاق، والحسن، وأبو السمال، ونصر بكسر النون لالتقاء الساكنين، أو بإضمار حرف قسم. وقرأ سعيد بن جبير، وعيسى بخلاف عنه بفتحها، فاحتمل أن تكون حركة إعراب بإضمار فعل. وقرأ محمّد بن السميفع وهارون بضمّها على البناء. والواو في قوله: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ واو القسم، أقسم الله سبحانه بالقلم لما فيه من البيان، وهو واقع على كل قلم يكتب به. وقال جماعة من المفسرين: المراد به القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، أقسم الله به تعظيمًا له. وفي "الخطيب": تنبيه: في القلم المقسم به قولان: أحدهما: أنَّ المراد به جنس القلم الشامل للأقلام التي يكتب بها في الأرض والسماء. قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾، لأنه ينتفع به كما

стр. 13852

ينتفع بالمنطق قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾، فالقلم يبينك ما يبين اللسان في المخاطبة بالمكاتبة للغائب والحاضر، ولهذا قيل: القلم أحد اللسانين. والثاني: أنه القلم الذي جاء في الخبر عن ابن عباس: "أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب، قال: ما أكتب، قال: اكتب ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثر، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: ثم ختم فم القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض". وروى مجاهد: أول ما خلق الله تعالى القلم، قال: اكتب المقادير، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وما يجري بين الناس، فهو أمر قد فرغ منه انتهى. وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ معطوف على القلم، و ﴿ما﴾ موصول اسميّ، والواو عائد على أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره؛ لأنَّ ذكر آلة الكتابة يدل على الكاتب. والمعنى: وبالكتاب الذي يسطره الكاتبون من الملائكة وغيرهم؛ أي: وبما تكتبه الملائكة في صحفهم التي يكتبون فيها المقادير التي تقع في العالم ينتسخون ذلك من اللوح المحفوظ، أو المراد به ما تكتبه الحفظة الموكلون ببني آدم من أعمالهم، كذا في القرطبي. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: وبسطرهم وكتابتهم. فاقسم أوّلًا بالقلم، ثم بسطر الملائكة أو بمسطورهم، فالمقسم به شيئان على ثلاثة أشياء: نفي الجنون عنه، وثبوت الأجر له، وكونه على دين الإسلام اهـ شيخنا. والمعنى: أقسم بالقلم وبما يكتب به من الكتب. قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، ويكون الضمير في ﴿يَسْطُرُونَ﴾ لهم، كأنّه قيل: أقسم بأصحاب القلم ومسطوراتهم أو تسطيرهم انتهى. فيكون كقوله تعالى: ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾؛ أي: وكذا ظلمات، ولهذا عاد عليه الضمير في قوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْج﴾. وقيل: إن الضمير في ﴿يَسْطُرُونَ﴾ راجع إلى القلم خاصة من باب إسناد الفعل إلى الآلة وإجرائها مجرى العقلاء. كأنّه قيل: أقسم بالقلم وما يسطره القلم. والسطر: الصفّ

стр. 13853

من الكتابة، ومن الشجر المغروس، ومن القوم الوقوف. وسطر فلان كذا؛ أي: كتبه سطرًا سطرًا. وعن بعض الحكماء (١): قوام أمور الدين والدنيا بشيئين: القلم والسيف، والسيف تحت القلم لولا القلم ما قام دين ولا صلح عيش. قال بعضهم: إن يَخْدُمِ الْقَلَمُ السَّيْفَ الَّذِيْ خَضَعَتْ ... لَهُ الرِّقَابُ وَدَانَتْ خَوْفَهُ الأُمَمُ كَذَا قَضَى الله للأقْلاَمِ مُذْ بُرِيَتْ ... أَنَّ السُّيُوفَ لَهَا مُذ أُرْهِفَتْ خَدَمُ وقال بعضهم: إِذَا أَقْسَمَ الأَبْطَالُ يَوْمًا بِسَيْفِهِمْ ... وَعَدُّوهُ مِمَّا يَجْلِبُ الْمَجْدَ وَالْكَرَمْ كَفَى قَلَمَ الْكُتَابِ فَخْرًا وَرِفْعَةً ... مَدَى الدَّهْرِ أنَّ الله أَقْسَمَ بِالْقَلَمْ ٢ - وجواب القسم قوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و ﴿أَنْتَ﴾ اسمها، و ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ خبرها، والباء: في ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ متعلقة بمحذوف هو حال من الضمير في خبر ﴿مَا﴾ وهو ﴿مجنون﴾، والعامل فيها معنى النفي، كأنّه قيل: انتفى عنك الجنون يا محمد، وأنت بريء منه متلبسًا بنعمة الله التي هي النبوة والرياسة العامة. والمراد تنزيهه ﵇ عما كانوا ينسبونه إليه ﷺ من الجنون حسدًا وعداوةً ومكابرةً مع جزمهم بأنه ﷺ في غاية الغايات من حصافة العقل، ورزانة الرأي، والجنون حائل بين النفس والعقل، كما سيأتي. قال أبو حبان (٢): قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ قسم اعترض به بين المحكوم عليه والحكم على سبيل التأكيد، والتشديد والمبالغة في انتفاء الوصف الذميم عنه ﷺ ، وذهب إلى القسم أيضًا الشيخ نجم الدين في "تأويلاته". والمعنى؛ أي: وما أنت ونعمة ربك بمجنون. وقيل: النعمة هنا الرحمة، والآية رد على الكفار حيث قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾. ومعنى الآية: أنك لست بالمجنون كما يزعمون، فقد أنعم الله عليك بالنبوة وحصافة العقل وحسن الخلق. ٣ - ثم بين بعض نعمه عليه، فقال:

стр. 13854

١ - ﴿وَإِنَّ لَكَ﴾ يا محمد بمقابلة مقاساتك ألوان الشدائد من جهتهم وتحملك لأعباء الرسالة ﴿لَأَجْرًا﴾؛ أي: لثوابًا عظيمًا. ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع ولا منقوص مع عظمه، كقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. ومنه قيل: المنون للمنيَّة؛ لأنها تنقص العدد، وتقطع المدد، يقال: مننت الحبل إذا قطعته. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غير محسوب. وقال الحسن: غير مكدَّر بالمن. وقال الضحاك: أجرًا بغير عمل. وقيل: غير مقدر، وقيل: غير ممنون به عليك من جهة الناس. ويقال: أجر النبي مثل أجر الأمة قاطبة غير منقوص. وقال بعضهم: أجره قبول شفاعته، وهي غير منقطعة عن أهل الكبائر من أمّته، لا يخيب الله رجاءه ﷺ في غفرانهم جميعًا بلا عتاب ولا عذاب. والمعنى: أي وإنّ لك الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي لا ينقطع على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق وصبرك على الأذى ومقاساة الشدائد. ٢ - ٤ ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: إنك على طبع كريم. قال الماوردي: وهذا هو الظاهر. وحقيقة الخلق في اللغة: ما يأخذ الإنسان نفسه به من الأدب؛ أي: خلقت على خلق عظيم لا يدرك شأوه أحد من الخلق، ولذلك تحتمل من جهتهم ما لا يكاد يحتمله البشر. قال بعضهم: لكونك متخلقًا بأخلاق الله وأخلاق كلامه القديم ومتأيّدًا بالتأييد القدسي، فلا تتأثر بافترائهم، ولا تتأذى بأذاهم، إذ بالله تصبر لا بنفسك، كما قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، ولا أحد أصبر من الله. وكلمة ﴿على﴾ للاستعلاء فدلت على أنه ﷺ مشتمل على الأخلاق الحميدة، ومستول على الأفعال المرضية حتى صارت بمنزلة الأمور الطبيعية له، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾؛ أي: لست متكلفًا فيما يظهر لكم من أخلاقي، لأنّ المتكلف لا يدوم أمره طويلًا بل يرجع إليه الطبع. وقد ثبت في "الصحيح" عن عائشة ﵂: أنها سئلت عن خلق النبي ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن، أرادت به أنه ﷺ كان متحليًا بما في القرآن من مكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف، ومتخلِّيًا عما يزجر عنه من السيئات وسفاسف الخصال. وقد جمع الله فيه ما كان متفرّقًا في غيره من الأنبياء، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. فهذه درجة عالية لم يتيسر لأحد من الأنبياء ﵈، فلا جرم وقد وصفه الله تعالى بكونه على خلق

стр. 13855

عظيم، كما قال بعضهم: لِكُلِّ نَبِيٍّ فِي الأَنَامِ فَضِيْلَةٌ ... وَجُمْلَتُهَا مَجْمُوْعَةٌ لِمُحَمَّدِ وهذه الجملة والتي قبلها معطوفتان على جملة جواب القسم. والمعنى: وإنَّك يا محمد قد بَرأك الله على الحياءِ والكرم، والشجاعة والصفح، والحلم، وكل خلق كريم. روى الشيخان عن أنس ﵁ خادم رسول الله ﷺ قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفّ قطّ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته". وروى أحمد عن عائشة ﵂: "ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا له قطّ، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قطّ، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قطّ إلا كان أحبهما إليه أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلّا أن تنتهك حرمات الله فينتقم له. وفي الآية: رمز إلى أنّ الأخلاق الحسنة لا تكون مع الجنون، وكلما كان الإنسان أحسن أخلاقًا كان أبعد من الجنون. ٥ - ثم توعدهم بما يحل بهم من النكال، والوبال في الدنيا والآخرة فقال: ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ يا محمد ﴿وَيُبْصِرُونَ﴾ أي (١): ويبصر الكفّار إذا تبيّن الحقّ وانكشف الغطاء، وذلك يوم القيامة. يقال: أبصرته وبصرت به: علمته وأدركته، فالمعنى: فستعلم يا محمد، ويعلمون يوم القيامة حين يتبين الحق من الباطل. وقال الفاشاني: فستبصر ويبصرون عند كشف الغطاء بالموت. وقال قتادة: هذا وعيد لهم بعذاب يوم بدر، والمعنى: سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر بأيّكم المفتون. وهذا هو الأوضح. ٦ - ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾؛ أي: أيكم الذي ابتلي بفتنة الجنون. ﴿فأيّكم﴾ مبتدأ، و ﴿الْمَفْتُونُ﴾ بمعنى المجنون خبره، والباء مزيدة في المبتدأ كما في بحسبك درهم. وقيل: الباء: ليست زائدة، والمفتون مصدر بمعنى الفتون، وهو الجنون، جاء على وزن مفعول كالمعقول والميسور والمجلود بمعنى العقل كما في قوله:

стр. 13856

حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكُوْا لِعِظَامِهِ ... لَحْمًا وَلَا لِفُؤَادِه مَعْقُولًا أي: عقلًا. والجلادة واليسر. وعلى هذا الباء إما للإلصاق نحو قولهم: به داء؛ أي: بأيّ الفريقين منكم المجنون أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؛ وقال الفرّاء: إنَّ الباء بمعنى في، والمفتون بمعنى المجنون مبتدأ مؤخّر. أي: في أيّكم المفتون أفي الفريق الذي أنت فيه أم في الفريق الآخر؟. ويؤيد هذا قراءة ابن أبي عبلة ﴿في أيكم المفتون﴾. وقال الأخفش: الكلام على حذف مضاف؛ أي: بايكم فتن المفتون، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: المفتون: المعذب من قول العرب: فتنت الذهب بالنار إذا أحميته، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾. وقيل: المفتون هو الشيطان، لأنّه مفتون في دينه، والمعنى: بأيّكم المفتون، والأمة داخلة في خطاب ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ بالتبعية، لا يختص به ﷺ ، وهو تعريض لصناديد قريش كأبي جهل وأضرابه. والمعنى (١): فستعلم أيها الرسول وسيعلم مكذّبوك من المفتون الضال منكم ومنهم؟. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾؛ أي: أصالح ﵇ أم قومه؟ وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾. والخلاصة: ستبصر ويبصرون غلبة الإِسلام واستيلاءك عليهم بالقتل والأسر، وهيبتك في أعين الناس أجمعين، وصيرورتهم أذلاء صاغرين. وهذا يشمل ما كان في بدر وغيرها من الوقائع التي كان فيها النصر المبين للمؤمنين، والخزي والهوان وذهاب صولة المشركين مما كان عبرة ومثلًا للآخرين. ٧ - ثم أكد ما تضمنه الكلام السابق من الوعد والوعيد، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ...﴾ إلخ. وهذه الجملة تعليل للجملة التي قبلها، فإنها تتضمن الحكم عليهم بالجنون لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل، واختيارهم ما فيه ضررهم فيهما. والمعنى: أي إنّ ربك يا محمد هو وحده أعلم ﴿بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ سبحانه الذي هو التوحيد الموصل إلى سعادة الدارين، وهام في تيه الضلال متوجهًا

стр. 13857

إلى ما يفضيه إلى الشقاوة الأبدية. وهذا هو المجنون الذي لا يفرق بين النفع والضر، بل يحسب التفسير نفعا فيؤثره والنفع ضرًّا فيهجره. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ إلى سبيله الموصلة إلى السعادة العاجلة والآجلة، الفائزين بكل مطلوب الناجين من كلّ محذور. وهم العقلاء المراجيح، فيجزي كلًّا من الفريقين حسبما يستحقه من العقاب والثواب، وإعادة ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ لزيادة التقرير. وفي (١) الآية إشعار بأنّ المجنون في الحقيقة هو العاصي لا المطيع. ٨ - والفاء في قوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾ فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما تقدم لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: لا تطع المكذبين؛ أي: دم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم فيما يدعونك إليه من الك عنهم ليكفّوا عنك، وتصلب في ذلك. نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين، وهم رؤساء كفار مكة؛ لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائهم، فنهاه الله عن طاعتهم. أو هو تعريض بغيره عن أن يطيع الكفّار. أو المراد بالطاعة مجرّد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير. فنهاه الله عن ذلك، ٩ - كما يدل عليه قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾؛ أي: أحبوا لو تلاينهم وتسامحهم في بعض الأمور وترك الدعوة إلى الله سبحانه ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾؛ أي: فهم يداهنونك حينئذٍ ويلاينونك، ويسامحونك بترك الطعن في دينك، وترك رميك بالجنون والكهانة والسحر، فإنَّ الإدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة، كذا قال الفرّاء والكلبي. وقال الضحاك والسدّي: ودّوا لو تكفر فيتمادوا على الكفر. وقال الربيع بن أنس: ودّوا لو تكذب فيكذبون. وقال قتادة: ودّوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك. وقال الحسن (٢): ودّوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك. وقال مجاهد: ودّوا لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحقّ فيما يلونك. قال ابن قتيبة: كانوا أرادوه على أن يعبد آلهتهم مدّة، ويعبدوا الله مدة. و ﴿لو﴾ مصدرية؛ أي: ودّوا ادهانك فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك. والفاء في ﴿يدهنون﴾ للعطف على ﴿تُدْهِنُ﴾، فيكون ﴿يدهنون﴾ داخلًا في حيّز ﴿لو﴾، ولذا لم ينصب ﴿يدهنون﴾ بسقوط النون جوابًا للتمنّي. قال سيبويه: وزعم قالون أنها في بعض المصاحف ﴿ودّوا لو تدهن

стр. 13858

فيدهنوا﴾ بدون نون، والنصب على جواب التمنّي المفهوم من ﴿وَدُّوا﴾. وقال بعضهم: المعنى (١): لا توافقهم في الظاهر كما لا توافقهم في الباطن. قال: موافقة الظاهر أثر موافقة الباطن وكذا المخالفة، وإلا كان نفاقًا سريع الزوال ومصانعة وشيكة الانقضاء، وأما هم فلانهماكهم في الرذائل وتعمقهم في التلون والاختلاف لتشعب أهوائهم، وتفرق أمانيهم يصانعون، ويضمون تلك الرذيلة إلى رذيلتهم طمعًا في مداهنتك معهم، ومصانعتك إيّاهم. قال بعضهم (٢): المداهنة يبيع الدين بالدنيا فهي من السيئات، والمداراة يبيع الدنيا بالدين فهي من الحسنات. ويقال: الإدهان: الملاينة لمن لا ينبغي له ذلك، وهو لا ينافي الأمر بالمداراة كما قال ﷺ : "أمرت بمداراة الناس كما أمرت بالتبليغ". وفرّق الإمام الغزالي بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الإغضاء. فإن أغضيت لسلامة دينك، ولِمَا ترى فيه من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مدار، وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك، وسلامة جاهك فأنت مداهن. قال أبو الدرداء ﵁: إنا لنبشّ في وجوه أقوامٍ وإنّ قلوبنا لتلعنهم. وهذا معنى المداراة، وهو مع من يخاف شره. ومعنى الآية: ﴿فَلَا تُطِعِ اَلمكَذِبِينَ (٨)﴾؛ أي: دم على ما أنت عليه من عدم طاعة المكذّبين عامّةً، وتشدد في ذلك. وفي هذا النهي إيماء إلى النهي عن مداراتهم، ومداهنتهم استجلابًا لقلوبهم وجذبًا لهم إلى اتباعه. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾؛ أي: ودَّ المشركون لو تلين لهم في دينك بالركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك. روى: أنَّ رؤساء مكة دعوه إلى دين آبائه، فنهاه عن طاعتهم. وخلاصة ذلك (٣): ودّوا لو تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلون مثل ذلك، ويتركون بعض ما لا ترضى، فتلين لم ويلينون لك، وترك بعض الدين أو كله كفر بواح. والمراد من هذا النهي التهييج والتشدّد في المخالفة، والتصميم على معاداتهم. ونحو الآية قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾.

стр. 13859

١٠ - ثم خص من هؤلاء المكذبين أصنافًا هانت عليهم نفوسهم، فأفسدوا فطرتها تشهيرًا بهم، فقال: ١ - ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾؛ أي: ولا تطع يا محمد المكثار من الحلف في الحق، وفي الباطل لجهله حرمة اليمين وعدم مبالاته من الحنث لسوء عقيدته، الكاذب الذي يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجترىء بها على الله ضعفه ومهانته أمام الحق، وتقديم هذا الوصف على سائر الأوصاف الزاجرة عن الطاعة لكونه أدخل في الزجر. قال في "الكشاف": وكفى به مزجرةً لمن اعتاد الحلف، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ انتهى. ودخل (١) فيه الحلف بغير الله تعالى، فإنه من الكبائر. وأصل الحلف: اليمين الذي يأخذ بعضهم من بعض بها الحلف؛ أي: العهد. ثم عبر بها عن كل يمين. ٢ - ﴿مَّهِينٍ﴾ فعيل من المهانة، وهي القلّة والحقارة أي: حقير الرأي والتدبير؛ لأنَّه لا يعرف عظمة الله سبحانه، ولذا أقدم على كثرة الحلف. ويجوز أن يراد به الكذّاب؛ لأنّه حقير عند الناس. والكذب أس كل شر ومصدر كل معصية. ٣ - ١١ ﴿هَمَّازٍ﴾؛ أي؛ عياب طعان مغتاب للناس، وهو مبالغة هامز من الهمز، وهو الضرب والطعن والكسر والعيب، فاستعير للمغتاب الذي يذكر الناس بالمكروه ويظهر عيوبهم ويكسر أعراضهم، كأنه يضربهم بأذاه إيَّاهم. وقيل (٢): الهمَّاز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللماز الذي يذكرهم في مغيبهم، كذا قال أبو العالية والحسن، وعطاء بن أبي رباح. وقال مقاتل عكس هذا. قال الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس. وفي الحديث: "لا يكون المؤمن طعّانًا ولا لعّانًا، وفي حديث آخر: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس". يعني: من ينظر إلى عيب نفسه، فيكون ذلك مانعًا له عن النظر إلى عيب غيره وتعييبه به، وذلك لا يقتضي أن لا ينهى العاصي عن معصيته اقتداءً بأمر الله تعالى بالنهي عن المنكر لا إعجابًا بنفسه وازدراء لقدر غيره عند الله تعالى. ٤ - ﴿مَشَّاءٍ﴾ أي: ساع بين الناس ﴿بِنَمِيمٍ﴾؛ أي: بنميمة. والنميم كالنميمة:

стр. 13860

نقل كلام الناس من بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد، وهو من الكبائر. ومنه: قول الشاعر: وَمَولَى كَبَيْتِ النَّمْلِ لَا خَيْرَ عِنْدَهُ ... لِمَوْلاَهُ إِلَّا سَعْيُهُ بِنَمِيْمِ والمعنى: أي نقّال للحديث من قوم إلى قوم على وجه الإفساد بينهم. أمّا (١) نقل الكلام بقصد النصيحة فواجب كقول من قال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾. وفي الحديث: "لا يدخل الجنة نمام". ٥ - ١٢ ﴿مَنَّاعٍ﴾ مبالغة مانع ﴿لِلْخَيْرِ﴾؛ أي: بخيل بالمال، والخير: المال؛ أي: بخيل بماله ممسك له لا يجود به لدى البأساء والضرّاء، فهو لا يدفع عوز المعوزين، ولا يساعد المحتاجين، ولا ينجد الأمّة إذا حزبها الأمر، وضاقت بها السبل كدفع عدوٍّ يهاجم البلاد أو دفع كارثة نزلت بها تحتاج إلى بذل المال. أو منَّاع للناس من الخير الذي هو الإيمان، والطاعة. وكان للوليد بن المغيرة عشرة من البنين، وكان يقول لهم ولأقاربه: من تبع منكم دين محمد لا أنفعه بشيء أبدًا. وكان الوليد موسرًا له تسعة آلاف مثقال فضة، وكانت له حديقة في الطائف. ٦ - ﴿مُعْتَدٍ﴾؛ أي: متجاوز لما حدّه الله سبحانه من أوامر ونواه. فهو يخوض في الباطل خوضه في الحقّ، ولا يتحرج عن ارتكاب المآثم والمظالم، وفي "التأويلات النجمية": متجاوز في الظلم على نفسه بانغماسه في بحر الشهوات، وانهماكه في ظلمة المنهيات. ٧ - ﴿أَثِيمٍ﴾؛ أي: كثير الآثام، ديدنه ذلك، فهو لا يبالي بما ارتكب ولا بما اجترح، وفي "التأويلات النجمية": كثير الآثام بالركون إلى الأخلاق الرديئة والرغبة في الصفات المردودة. ٨ - ١٣ ﴿عُتُلٍّ﴾؛ أي: جاف غليظ القلب، يعامل الناس بالغلظة والفظاظة. من عتله إذا قاده بعنف وغلظة. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: هو بعدما عدّ من مقابحه ومعايبه ﴿زَنِيمٍ﴾؛ أي: دعي ملصق بالقوم وملحق بهم بالنسب، وليس منهم. فالزنيم هو الذي تبنّاه أحد؛ أي: اتخذه ابنا وليس بابن له من نسبه في الحقيقة، قال تعالى:

стр. 13861

﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾. قال الراغب: الزنيم والمزنّم: الزائد في القوم، وليس منهم؛ أي: المنتسب إلى قوم، وهو معلّق بهم لا منهم تشبيهًا بالزنمتين من الشاة، وهما المتدلّيتان من أذنها ومن الحلق. وفي "الكشاف": الزنيم من الزنمة، وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها؛ لأنه زيادة معلقة بغير أهله. والظاهر من قول ابن عباس ﵄ الحقيقة حيث قال: إنه لم يعرف حتى قيل: زنيم فعرف أنه كان له زنمة في حلقه. ويقال: كان يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال مجاهد: كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام إصبع زائدة. والظاهر: أنّ هذه الأوصاف ليست لمعين. قال العتيبيُّ: لا نعلم أن الله سبحانه وصف أحدًا، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة، فألحق به عارًا لا يفارقه أبدًا. وفي قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ دلالة على أن دعوته أشد معايبه وأقبح قبائحه. وكان الوليد دعيًّا في قريش، وليس من نسبهم وسنخهم؛ أي: أصلهم. ادعاه أبوه المغيرة بعد ثماني عشرة سنة من مولده. وقيل: بغت أم الوليد ولم يعرف، حتى نزلت هذه الآية. فمعنى ﴿زَنِيمٍ﴾ حينئذٍ: ولد الزنا. قال الشاعر: زَنيْمٌ لَيْسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبَوهُ ... بِغَيُّ الأمِّ ذُو حَسبٍ لَئِيْمُ وقال سعيد بن جبير: الزنيم: المعروف بالشرّ. وقيل: هو رجل من قريش، كان له زنمة كزنمة الشاة. وقيل: هو الظلوم. وقيل: نزلت الآية في الأخنس بن شريق، واسمه أبيّ، وكان ثقفيًّا مصطلقيّا في قريش، فلذلك قال: زنيم لا على جهة الذمّ لنسبه، ولكن على جهة التعريف به، ذكره السهيلي. قال ابن عطية: وظاهر اللفظ عموم من بهذه الصفة، والمخاطبة بهذا مستمرّة باقي الزمن لا سيّما لولاة الأمور. فقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هاهنا نظير ﴿ثمّ﴾ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من حيث إنها للتراخي رتبة. ثم هذا الترتيب إنما هو في قول الواصف لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلًا هو قبل كونه صاحب خير يمنعه. وفي "برهان القرآن": قوله: ﴿حَلَّافٍ﴾ إلى قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ أوصاف تسعة، ولم يدخل بينها واو العطف، ولا بعد السابع، فدل على أن ضعف القول بواو الثمانية صحيح. وقرأ الحسن ﴿عتل﴾ برفع اللام على الذمّ، والجمهور بجرّها.

стр. 13862

١٤ - ثم ذكر بعض ما ربما دعاه إلى طاعتهم، فقال: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ متعلق بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ﴾ على تقدير الجار؛ أي: لا تطع يا محمد من هذه مثالبه ومعايبه؛ لأنه كان مشمولًا ذا مال كثير مستظهرًا بالبنين؛ أي: لا تطعه من جراء ماله وكثرة أولاده وتقويه بهم، فإن ذلك لا يجديه نفعًا عند ربه، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾. وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر، والمغيرة، وأبو حيوة ﴿آن كان﴾ بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام. وقرأ حمزة وأبو بكر والمفضل ﴿أأن كان﴾ بهمزتين مخففتين. وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر. وعلى قراءة الاستفهام يكون المراد به التوبيخ والتقريع، حيث جعل شكر نعمة الله الكفر به وبرسوله. وقرأ نافع في رواية عنه بكسر الهمزة على الشرط. ١٥ - ثم ذكر سبب النهي عن طاعته، فقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ استئناف جار مجرى التعليل للنهي؛ أي: إذا تقوأ عليه آيات كلامنا القديم. يعني: القرآن ﴿قَالَ﴾ ذلك الخلاف المهين هي ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: أحاديث لا نظام لها، اكتتبها الأقدمون كذبًا فيما زعموه لقوله تعالى: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾. قال السدي: أساجيع الأوّلين؛ أي: جعل مجازاة النعم التي خولناها من المال والبنين، وشكرها الكفر بآياتنا. قال المبرد: الأساطير جمع أسطورة نحو: أحدوثة وأحاديث. والمعنى: أي إذا تلي عليه القرآن قال: ما هو إلا من كلام البشر، ومن قصص الأولين التي دونت في الكتب، وليس هو من عند الله تعالى. ١٦ - وبعد أن ذكر قبائح أفعاله توعده، فقال: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾؛ أي: سنجعل له سمةً وعلامةً يعرف بها بالكيّ على أكرم مواضعه لغاية إهانته وإذلاله. وأصل (١) ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سنوسمه، كما سيأتي. من الوسم، وهو إحداث السمة بالكسر؛ أي: العلامة بالميسم، والميسم بالكسر: المكواة؛ أي: آلة الكيّ. والخرطوم كزنبور: الأنف أو مقدمه. وفي التعبير عن الأنف بلفظ الخرطوم استهانة بصاحبه واستقباح له، لأنّه لا يستعمل إلّا في الفيل والخنزير، وكلما كان الحيوان أخبث وأقبح كانت

стр. 13863

الاستهانة والاستقباح أشد وأكثر. قيل: أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر، فبقيت علامتها. قال صاحب "الكشف": هو ضعيف، فإنّ الوليد مات قبله فلم يوسم بوسم بقي أثره مدة حياته. والمراد: أنَّا سنبين أمره بيانًا واضحًا حتى لا يخفى على أحد كما لا يخفى ذو السمة على الخرطوم. وفي هذا إذلالٌ ومهانة له؛ لأنّ السمة على الوجه شين، فما بالك بها في أكرم موضع؟ وهو الأنف الذي هو مكان العزّة والحمية والأنفة، ومن ثم قالوا: الأنف في الأنف، وقالوا: حمي أنفه، وقالوا: هو شامخ العرنين. وعلى عكسه قالوا في الذليل: جدع أنفه ورغم أنفه. قال جرير: لمَّا وَضَعْتُ على الْفَرَذْدَقِ مَيْسِمِيْ ... وَعَلَى الْبُعَيْثِ جَدَعْتُ أَنْفَ الأَخْطَلِ وفي التعبير بلفظ الخرطوم، استخفاف به؛ لأنه لا يستعمل إلا في الفيل والخنزير، كما مرّ. وفي استعمال أعضاء الحيوان للإنسان كالمشفر للشفة، والظلف للقدم دلالة على التحقير كما لا يخفى. والخلاصة: سنذله في الدنيا غاية الإذلال، ونجعله ممقوتًا مذمومًا مشهورًا بالشرّ، ونسمُهُ يوم القيامة على أنفه ليعرف بذلك كفره وانحطاط درجته؛ أي: سنُعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يعلم بها من سائر الكفرة بأن نسود وجهه غاية التسويد، إذ كان بالغًا في عداوة سيد المرسلين عليه وعليهم السلام أقصى مراتب العداوة. فيكون الخرطوم مجازًا عن الوجه على طريق ذكر الجزء وإرادة الكلّ. ١٧ - ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ أي: إنَّا نحن ابتلينا وامتحنا كفار مكة بالقحط والجوع. والابتلاء: الاختبار. وهذا كلام مرتب على محذوف تقديره: أعطينا أهل مكة الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا ابتليناهم بالجوع والقحط سبع سنين بدعوة رسول الله ﷺ حتى أكلوا الجيف والجلود والعظام والدم لتمردهم وكفرانهم نعم الله تعالى. ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ أي (١): ابتلاء مثل ابتلاء أصحاب الجنة المعروف. خبرها عندهم، واللام في الجنة للعهد، والكاف في موضع النصب على أنها نعت لمصدر محذوف، و ﴿ما﴾ مصدرية. والجنة: البستان، وأصحاب الجنة: قوم من

стр. 13864

أهل صنعاء اليمن، وذلك أنّها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدي حقَّ الله منها، فمات وصارت إلى أولاده فمنعوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها. قال الواحدي: هم قوم من ثقيف، كانوا باليمن مسلمين، ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزروع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظًّا للمساكين عند الحصاد والصرام، فقال بنوه: المال قليل والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله سبحانه في كتابه. قال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان، ابتلاهم الله تعالى أن حرق جنتهم. وقيل: هي جنة كانت بصوران وصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بيسير. وقوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ وحلفوا. ظرف لبلونا ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾؛ أي: والله ليصرمن ثمارها من الرطب والعنب، ويقطعنها، ويجمعن محصولها من الزرع وغيره ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: حال كونهم داخلين في الصباح مبكرين إليها، وسواد الليل باق. و ﴿يصرمنها﴾ جواب القسم، و ﴿مُصْبِحِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يصرمنها﴾ وجاء جواب القسم على خلاف منطوقهم، ولو جاء على منطوقهم .. لقيل: لنصرمنها بنون التكلم. ١٨ - ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾؛ أي: لا يقولون: إن شاء الله. وتسميته استثناء مع أنه شرط من حيث إن مؤداه مؤدى الاستثناء، فإن قولك: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا إن شاء الله بمعنى واحد، والجملة مستأنفة، أو حال بعد حال. والأظهر أنَّ المعنى (١): ولا يستثنون حصة المساكين، أي: لا يميزونها ولا يخرجونها كما يفعله أبوهم. وقال أبو حيان: ولا يثنون عما عزموا عليه من منع المساكين، ولعل إيراد الاستثناء بعد إيراد إقسامهم على فعل مضمر لمقصودهم مستنكر عند أرباب المروءة، وأصحاب الفتوة لتقبيح شأنهم بذكر السببين لحرمانهم، وإن كان أحدهما كافيًا فيه، لكن ذكر الإقسام على أمر مستنكر أولًا، وجعل ترك الاستثناء حالًا منه ثانيًا يفيد أصالته وقوته في اقتضاء الحرمان. ومعنى الآية (٢): أنّا امتحنا كفار مكة بما تظاهر عليهم من النعم والآلاء وما رحمناهم به من واسع العطاء لنرى حالهم أيشكرون هذه النعم، ويؤدون حقها

стр. 13865

وينيبون إلى ربهم ويتبعون الداعي لهم إلى سبيل الرشاد؛ وهو الرسول ﷺ الذي بعثناه لهم هاديًا وبشيرًا ونذيرًا، أم يكفرون به ويكذبونه فيجحدون حق الله عليهم فيبتليهم بعذاب من عنده، ويبيد تلك النعم جزاء كفرانهم وجحودهم كما اختبرنا أصحاب ذلك البستان الذين منعوا حق الله فيه، وعزموا على أن لا يؤدوا زكاته لبائس ولا فقير، فحق عليهم من الجزاء ما هم له أهل. ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ ... إلخ؛ أي: حين حلفوا ليجدُّن ثمرها غدوة حتى لا يعلم بهم سائل ولا فقير فيتوافر لهم ما كان يأخذه هؤلاء الفقراء، ولم يثنوا عما همُّوا به. ١٩ - ثم أخبر سبحانه عما جازاهم لكفرانهم بهذه النعم ومنعهم حق الفقراء فقال: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: على تلك الجنة؛ أي: أحاط بها ﴿طَائِفٌ﴾؛ أي: بلاء طائف كقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾. وذلك إذ لا يكون الطائف إلا بالليل، وأيضًا دل عليه ما بعده من ذكر النوم. وكان ذلك الطائف نارًا نزلت من السماء، فأحرقتها. وقيل: الطائف جبريل اقتلعها. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: مبتدىء من جهته تعالى. قال الراغب: الطوف: الدّوران حول الشيء، ومنه: الطائف لمن يدور حول البيت حافظًا، ومنه: استعير الطائف من الجن والحبال والخادم وغيرها. قال تعالى: ﴿فَطَافَ﴾ إلخ، تعريضًا بما نالهم من النائبة انتهى. ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ في محل نصب على الحال؛ أي: وهم (١) غافلون عما جرت به المقادير، أو غافلون عن طوافه بالنوم الذي هو أخو الموت. والنوم: استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد إليه، أو أن يتوفى الله النفس من غير موت؛ أي: أن يقطع ضوء الروح عن ظاهر الجسد دون باطنه، أو النوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل. وكلّ هذه التعريفات صحيحة. ٢٠ - ﴿فَأَصْبَحَتْ﴾؛ أي: فصارت تلك الجنة بالاحتراق ﴿كَالصَّرِيمِ﴾؛ أي: شبيهة بالبستان الذي صرمت وقطعت ثماره بحيث لم يبق منها شيء؛ لأنَّ النار السماوية أحرقتها، أو صارت كالليل في اسودادها؛ لأنّ الليل يقال له: الصريم؛ أي: صارت سوداء كالليل لاحتراقها، أو كالنهار في ابيضاضها من فرط اليبس، والصريم فعيل بمعنى مفعول. والمعنى (٢): فطرق تلك الجنة طارق من أمر الله ليلًا، وهم نيام، إذ أرسل
следующие страницы →